رواية طفلة في ق.لب الفرعون(الفصل السادس إلى الأخير) بقلم رحمة سيد

طفلة في قلب الفرعون

الفصل السابـع :-

ركض “يزيد” بجنون نحو دنيا التي كانت تقف ببلاهه ضا,حكة تنظر له وهو يتحدث وكأن لم يعد لعقلها وجود فلم تعد تستوعب ما يجرى…!!
سحبها من يدها بلهفة يزمجر فيها بصوت حاول التحكم بأحباله فخرج خفيضًا:
-اجري يا دنيا مفيش وقت
واخيرًا حصل على استجابة بطيئة عندما قبضت يدها على يده الخشنة بتحفز وهي تركض بالفعل معه…. وفج,أة وجدته ينحني ليفتح شيء “كالقبو” أظهر أنه توجد غرفة اخرى بالاسفل.. أنزل “دنيا” بسرعة ثم تبعها ليغلق القبو عليهم مرة اخرى في نفس اللحظة التي بدأ الرجال فيها يطرقون باب المنزل بع.نف وكأنهم سيكس.رونه بعد لحظات…..
ام.سك يزيد يد “دنيا” بإحكام… وكأنه يصك وعدًا صامتًا لها بالحما.ية مادامت تلك الأنفاس تدخل وتغادر صدره المنحور بع.شقها……..
فتح باب صغير كان في ذلك “القبو” ويبدو أنه يطل على شارع جانبي مباشرةً… وكالعادة أخرج دنيا اولًا ثم خرج هو ليم.سك تلك السلسلة التي يرتديها دائمًا… ضغط عليها كما فعل في المرة السابقة ليرسل اشارة لفريقه بموقعه……
كاد يسير هو ودنيا التي كانت تتبعه بذهول لا تفهم اي شيء….. ولكن فج.أة سمعوا صوت احد الرجال وهو يعبر من جانبهم… فج.ذب يزيد دنيا بعن.ف من خص.رها لتلتصق به حتى لا تظهر امام ذلك الرجل…. وتلقائيًا امتدت يده تكتم تلك الشهقة التي كادت أن تتحرر من بين سج.ن ش.فتاها الساكن، فكان الوضع كالتالي…..
احد الرجال يقف متفحصًا الشوارع بعيناه.. بينما دنيا صد.رها ملتصق بصدر يزيد الذي كان جامدًا متصنمًا بقلق رتيب ينغز مقر صلابته خو.فًا على تلك الصغيرة…. بينما هي أنفاسها المر.تعدة تعانق أنفاسه السا.خنة…. وصد.رها يعلو ويهب.ط بتوتر رهيب وهي تسبل اهدابها ليزيد هام.سة وهي تحرك ش.فتاها ليفهمها:
-انا خايفة..!
ولم يكن محتاجًا لتلك الحروف ليدرك ذلك الخو.ف الذي استوطن عيناها كـمُحتل م.ستو.حش….!!!
ولكنه ضغط على خص.رها برفق متمتمًا بصوت مغلق ولكنه حاني سمعته بصعوبة:
-متخافيش طول ما انا جمبك
منحته ابتسامة قلقة حررتها بصعوبة… ربما ما خفف خوفها ونفعها هو تأثير الخمر الذي لم يزول عنها تمامًا….
واخيرًا عاد الرجل لمكانه مع باقي الرجال ليركض يزيد ودنيا بيده نحو سيارة فريقه التي تنتظره… وكان اخر ما سمعه منهم هو ص.راخ احدهم بجنون باللهجة اللبنانية التي باتت تستفزه:
-لك شو يعني اختفوا ؟؟ إنشقت الارض وبل.عتهن! الله يلعن.كم ما بتفلحوا بشي ابدًا…..

واخيرًا ركب كلاً من يزيد ودنيا السيارة بسلام لتنطلق بسرعة من تلك المنطقة… كان يتوقع يزيد أن يجدوه بالطبع… وص.راحةً قد حمد الله أنهم لم يجدوه بسرعة بل وجدوهم بعد بضعة ايام…… تنهد بارتياح عندما خرجوا من تلك المنطقة بسلام واحد زملائه الذي يتولى القيادة نظر له وهو يشير له بإصبعه بمعنى تم وقال:
-متقلقش يا باشا، عدت على خير
اومأ مؤكدًا له… واخيرًا إنتبه لرأس دنيا التي استكانت على كتفه فج,أةً فالتفت لها ليجدها غطت في نوم عميق…. كالأطفال تمامًا….!!
تابعها بنظرات تقطر شغفًا… نظرات عا,شق…. نظرات حا.رة….. ق.لقة من القادم…. نظرات محبوب لم يعترف حتى تلك اللحظة أنه سق.ط في أسر محب.وبته……..!
هم.س بينما يداه تربت على خصلاتها بحنان:
-نامي يا طفلتي.. ربنا يقويني واقدر احميكي!..

****

_ في مص.ر _

وكعادة تلك الأيام…. لم يعد يهتم “ياسر” بعمله.. لم يعد يهتم بـ “م.سعد الشامي” من الأساس.. وكأن سبب اهتمامه ومحوره كان “دنيا” وفج.أة تبخر ذلك المحور فلم يعد أي شيء كما كان…..!

دلف “ياسر” احدى الملاهي الليلية، ولكن ق.بل أن يدلف وجد احد رجاله “الذي كان معه عندما كان ثملًا” يركض نحوه بتوتر مناديًا:
-ياسر أستنى
إلتفت ياسر نحوه بلامبالاة متساءلاً:
-خير عايز إيه يا إسلام؟
وضع المدعو بإسلام يده على كتفه ثم هتف بنبرة متوترة… وحروف متمزقة من القلق الذي يفوح منها:
-عايز اقولك حاجة مهمة تعالى نطلع بره
هز ياسر رأسه نافيًا ببرود:
-لأ مش عايز اطلع، هتقول هنا ولا لا
حَجْم توتره الذي م.س كل خلية به، ثم رفع رأسه بهدوء ليتابـع اخيرًا بصوت أجش:
-انت المرة اللي فاتت لما كنت سكران قولتلي حاجات كتير يمكن ماكنش ينفع تقولها، قولتلي إن دنيا مش بنت م.سعد الشامي و………..
قص “اسلام” كل شيء على م.سامعه بينما ياسر كان يقف بجمود… عض.لة فكه اهتزت بلا شعور وهو يدرك أنه أطلق الرصا.صة التي كانت م.ستقرة في جوف الماضي…!!
وما إن انتهى “اسلام” من سرد ما حدث حتى قال ياسر بصلابة مُحذرة شابها نسمات مُهددة:
-الكلام ده مايطلع.ش بره، ومحدش يعرف انك سمعت مني الكلام ده، ولا حتى م.سعد الشامي نفسه، فاهم ولا……
اومأ “اسلام” مؤكدًا بسرعة:
-طبعًا يا باشا، دا انا راجلك ولحم كتافي من خيرك..
اومأ ياسر برأسه دون رد ثم دلف لذلك “الملهى”.. كاد يجلس بملل ولكن فج.أة إتسعت عيناه بذهول والمشهد الماثل امامه يحر.ق اطرافه….!!
فقد كانت ابنة خالته الصغيرة تقف على ساحة الر.قص وسط الرجال تتمايل بميو.عة وترتدي ملابس فاا..ااضحة…!!!!!
عقله توقف عن ترجمة مكنونات تلك  ، يحاول الاستيعاب أن ابنة خالته الوحيدة التي رباها على يداه ولم تفترق عنهم سوى عندما أصرّت أن تعيش بمفردها بمنزل والداها الراحلان… أصبحت فتاة لي.ل….!
وربما كانت تلك الحقيقة الوحيدة في حياته.. الحقيقة التي كانت كالصخرة لأمواج الكذ.ب الهائجة دومًا في حياته…
نهض لا اراديًا ولكن ق.بل أن يصل لها كان صاحب هذا الملهى يقترب منه بلهفة متمتمًا يسأله:
-خير يا باشا، محتاج حاجة؟
رفع إصبعه الذي كان يرتع.ش حرفيًا نحو “ابنة خالته”…. فقهقه الرجل حينها بارتياح ومن ثم أردف بنبرة ما.كرة:
-اااه انا قولت كده برضو، دي عهد..وشهرتها دودي، معاك حق في اختيارك… ناس كتير جدًا بتعجبهم بس هي مش اي حد بتروح معاه يعني..
كلمات ذلك الرجل كانت كبنزين يُسكب بين ثنايا بر.كان ثائ.ر اوشك على الإنفج.ار…. وألسنة اللهب تصاعدت وتصاعدت… حتى وصلت لأفق صبره فأح.رقتها بجنون….
حينها نظر لذلك الرجل ولم ينطق سوى بكلمة واحدة إنطلقت من ف.مه كالسي.ف الحاد الذي لن يعود ق.بل أن يُص.يب خ.صيمه….
“عايزها الليلة”
رمقه الرجل بنظرة ذات مغ.زى م.ستطردًا:
-بس دي غالية شوية يا باشا
-هاديك شيك على بياض…
حينها لم يتردد الرجل وهو يشير لاحد رجاله بسرعة صائحًا:
-تعالى ياض خد الباشا لاوضة آآ………
ولكن ياسر قاطعه بجمود حاد مُق.لق:
-لأ،،، انا هستنى في عربيتي عايزها في شقتي

وبالفعل إنص.رف دون كلمة اخرى… كاد مظهر “ياسر” أن يث.ير القل.ق في جو.ارح ذلك الرجل ولكن الط.مع أعمى عيناه عن اي شيء اخر……..
كان ينتظر بالخارج…. يشعر أنه ينتظر على جم.ر مشت.عل يُد.مي ويحر.ق روحه بقس.وة……
وخلال دقائق معدودة كانت “عهد” تتقدم من سيارته بهدوء…. فالتوى فمه بابتسامة سا.خرة حا.قدة….. لقد أقنعها بكل سهولة ذلك الحقي.ر….. صبرًا يا ابن ادم صبرًا….
شهقة “عهد” المر.تعدة أعادته للواقع… انتقلت أنظاره لها ببطء…. هاله الر.عب الذي كان يسيل من عيناها بجنون هيس.تيري… شغل المقود ثم تحرك بسرعة ر.هيبة دون أن ينطق بحرف بينما هي تهم.س بصوت لم تجده اصلًا:
-يـ…. ياسر!!
بعد فترة كان يهب.ط من السيارة بسرعة غير عقلانية اطلاقًا… يس.حبها من ذراعها كالبهي.مة نحو تلك العمارة التي أجر بها شقة صغيرة مؤخرًا……
بينما هي تعترض بصمت مخ.تنق وكأنها فقدت القدرة على تكوين جملة واحدة سليمة…!!
وبمجرد أن فتح باب شقته حتى رماها للداخل بعن.ف فسق.طت هي ارضًا متأ.وهه… دلف هو الاخر ليغلق الباب بالمفتاح ثم رماه بلامبالاة في احد ار.كان الشقة…..
بدأ يقترب منها ببطء شديد بينما أصا.بعه تتحرك بآلية لتفتح از.رار قمي.صه ثم رماه ارضًا وكأنه لم يعد يطيق أي شيء على م.سام جلده التي تغلي…….
بينما هي اخذت تتراجع زاحفة ارضًا والر.عب يلت.همها حية:
-اسمعني الاول يا ياسر، لو قربتلي هص.وت وهلم عليك الجيران
ودون مقدمات كانت ص.فعة عن.يفة تهب.ط على وجهها… للحظة شعرت أن وجنتها شُطرت نصفان من قوة وقس.وة ص.فعته، وفج.أة إنفج.ر ذلك البر.كان…. وإنطلق الشي.طان من جح.ره فأخذ ياسر يزمجر بجنو.ن مُر.عب:
-ليييية.. ليييية بعتي نفسك بالر.خيص يا ر.خيصة يا ***** لية تعملي فيا كده ليييية؟!…
مع كل كلمة كانت الصف.عات تتوالى بق.ساوة على بشر.تها الحسا.سة… فجاهدت هي لتخرج صوتها المبحو.ح بانهيا.ر با.كي:
-أنت السبب.. أنت اللي بعتني الاول ومابقتش حتى تسأل عني ولا عن اخباري وكأني مش بنت خالتك الوحيدة اللي انت ر.بتها على ايدك وكأنها بنتك!!
ازدادت صفع.اته المجنو.نة على وجهها وهو يص.رخ فيها بصوت زلز.ل ارجاء المنزل وعر.وق رقبته بار.زة بوضوح وكأنها ستنف.جر حتمًا:
-ما إنتِ اللي مشيتي…. إنتِ اللي سبتينا وعي.شتي لوحدك ع.شان تروحي لل**** دي يا فاااا..جرة يا **** .. بعتي نفسك بكام؟؟؟ الفلوس عمت عنيكي خلاص
اخذت تهز رأسها بض.عف صار.خة هي الاخرى في المقابل:
-لأ… انا مامشيتش ع.شان اروح للقذ.ارة دي، انت اللي ماكنتش تعرف عني اي حاجة حتى لما كنت في بيتك وجمبك… انت السبب في كل اللي حصل يا ياسر انت السبب
اصبحت مُس.طحة ارضًا وقد فقدت القدرة تمامًا على المقا.ومة… وجهها وج.سدها يأن بأل.م ر.هيب من صف.عاته وركلاته العن.يفة لها….. لم تعد تحتمل…. ألا يكفي ذلك الأل.م النف.سي الذي ينهش روحها يوميًا…. ويُذ.يب حيو.يتها كالمر.ض الذي لا خلاص منه…!
جذبها “ياسر” من خصلاتها الحمراء بعن.ف فص.رخت بأل.م ولكنه لم يبالي وهو يقرب وجهها منه… أنفا.سه تصفع وجهها الابيض الذي اصبح شاحب كالأموات…. بينما الشيا.طين تتحكم بلسا.نه وعقله وهو يقول:
-طب ما كنتي شوفتي ابن خالتك الاول، ده حتى انا اولى من الغريب… وكنت هدفعلك أجرتك برضه يا عا.هرة يا بنت ال*****
هزت رأسها نا.فية بهيس.تيرية… ليقترب هو منها اكثر…. يشعر بالجنو.ن…. الجنو.ن أسلم وأبسط تعبير لما يشعر به…. حتى عندما فقد اثر دنيا تمامًا لم يكن يشعر بهذا القدر من الأل.م الحا.رق والجنو.ن…..!!
جذب شعرها لأسفل بعن.ف… ودون شعور كان يد..فن وجهه عند رقبتها… ويهدر متساءلاً بحروف مرتجفة محترقة بأل.م كحاله الان وهو ينتظر تلك الاجابة بنفس الترقب والجنون:
-حد لم.سك؟؟؟
اومأت برأسها ود.موعها تزداد انهم.ارًا كلما مرت الذكرى كالعلقم بذاكرتها…. بينما ياسر يزمجر كأسد جر.يح وهو ينهض ليض.رب الحائط بيده بهيستي.رية…
” ااااااااااااااااه”
يشعر أن شيء كان يخصه هو.. شيء ملكه سُ.لب من بين يداه فج.أة…. شيء كان لامعًا… كان يظنه محصنًا في أبعد القلاع وأعلاها…. ولكن فج.أة وجده منتهكًا في اسفل قا.ع…….
وبحركة مباغتة كان يستدير لها مرة اخرى بأعين حمراء يلمع الش.ر بين سطو.رها… فبدأ يقترب منها …. بينما هي تتراجع بذ.عر ناف.ية برأسها:
-انت هتعمل ايه… لا يا ياسر اوعى تقرب…
فتابع هو بصوت لا حياة فيه:
-هعاين واشوف اذا كانت البضاعة تستاهل فلوسي اللي دفعتها ولا لا
-لا  يا ياسر ابعد عنييييييي
زادت تلك البحة المتأل.مة التي اخ.تلطت بص.رختها عندما اصبح يم.سك يداها بيد واحدة ،
زاد ص.راخها المتو.سل ليكتمه هو بطريقته…

****

_ لبنـان _
في اجتماع يزيد مع باقي ضبا.ط فريقه…

هب منتصبًا كمن لسعته أفعى،، يرفض دون تردد وهو يهز رأسه:
-لا طبعًا، دنيا مش هتيجي معايا… انا اللي هدخل اجيب الميكروفيلم لوحدي بم.ساعدتكم
نهض احد الضباط كذلك يهتف بصوت جاد عقلاني يضاهي نبرة يزيد المُحملة بعا.طفة حا.رقة:
-يا يزيد رائف بيه معاه حق، البنت دي لازم تروح مش ع.شان تتفسح!! لازم تروح لأن هي اللي كانت قريبة من م.سعد الشامي.. هي اللي لو شافت حد من مندوبين المافيا اللي في مص.ر هتعرفهم لو كانوا بيقابلوا م.سعد، وكده برضو بطريقة غير مباشرة هنختبر و.فائها لينا ونشوف اذا كانت فعلًا هتساعدك ولو قدرت تعرف حد منهم هتقول ولا لا..!
ظل يزيد يهز رأسه نافيًا…. كلما تخيل ولو لمجرد تخيل أن يُص.يبها مكر.وه وبسببه!!… يشعر كما لو أن جزءًا كبيرًا من روحه يُنتز.ع بأشواك ضار.ية ليتركه فتات روح……!!!
حدق بـ “زياد” الذي كان يتحدث،، يرمقه بنظرة حازمة… صلبة لا تحمل ذرة تردد بالية:
-انا لو خدتها مش هكون مركز، هبقى حاسس إني مضغوط جدًا ولازم احميها ومش هكون مركز على هدفي، اخر كلام وعلى م.سؤليتي انا اللي هروح وانتم هتبقوا ورايا زي ما خططنا
أص.ر زياد على رأيه بريبة:
-بلاش يا يزيد، صدقني أنت بتخا.طر وانت متعرفش اساسًا هي فعلًا في صفنا ولا ضد.نا!! ما يمكن بتكذب وبتمثل
ثم احتدت نبرته وغريزيًا تحولت لإيقاع الش.ك وهو يسأله م.ستنكرًا:
-وثقت فيها بسهولة كده يا ح.ض.رت الظابط؟ من امتى وانت بتلغي عقلك مع عد.وك وخصوصًا لو عنص.ر ملاوع بالطريقة دي؟!!!
بدا وهو يناديه بـ “ح.ض.رت الظابط” وكأنه يُعيده لنقطة البداية… يُذكره بما محته مشاعره التي فاضت فج.أة نحو تلك ‘الدنيا’ …..!!
نهض يزيد من مكانه يتنهد بتثاقل… صحيح… منذ متى وكان يزيد الشرقاوي بتلك الهشاشة الفكرية؟!….
هز رأسه نافيًا ق.بل أن تصله الاجابة من عقله، ليخرج صوته جامدًا ر.غم الضجة التي تحيط عقله:
-لأ، انا ماوثقتش فيها… انا بفكر في شغلي مش اكتر!! انا فطريًا هبقى بفكر في حما.يتها حتى يمكن اكتر من حمايتي، لان هي هتبقى في حمايتي انا… وكده انا هزيد العبء على نفسي!
زفر “زياد” بيأس وهو يومئ موافقًا برأسه لينهض الجميع عدا “يزيد” و “زياد”….
حينها نهض زياد منفعلًا يهدر فيه بحدة صديق ينهر صديقه وليس زملاء عمل:
-إيه يا يزيد؟؟ لحد امتى هتضحك على نفسك؟! انت اتجو.زتها على اساس انك هتخليها جمبك لاطول فترة ممكنة ع.شان تاخد منها المعلومات اللي تهمنا بس باللين لان العن.ف مانفع.ش معاها، قولتلها انك عايز طفل برضه ع.شان تقنعها انها تفضل معاك لاطول فترة… عاملتها عادي جدًا ولا كأنها عِشرة عمر ع.شان تخليها تأمن لك، كل دا قولنا ماشي،، انما تبدأ تأثر عليك وعلى شغلك تأثير س.لبي لمجرد انك خاي.ف عليها؟! لا يا يزيد لا والف لا… فوق انت مينفع.ش تثق فيها اصلًا بسهولة كده، فوق يا يزيد دي عد.وة ليك وطول عمرها عايشة مع شيط.ان وتابع ليه في كل حاجة!!
كلامه كان ترانيم يستجب لها عقله متشربًا كل كلمة بتمهل وادراك عقلاني…. ولكن قلبه… تبًا لذلك القلب…. قلبه يزمجر… يص.رخ بجنون… ويخوض  تتلا.طم فيها تحذ.يرات العقل وتبريرات ذاك القلب……!!!
إلتفت له يزيد بصمت وملامحه مغلقة، ثم نطق بعد فترة صمت:
-فوقت يا زياد.. فوقت متقلقش!
ثم رفع إصبعه في وجهه محذ.رًا بخشونة:
-بس برضه مش هاخدها معايا، افهم بقا انا خا.يف على شغلي اكتر من خو.في عليها.!!
وقد إنتص.ر العقل…. إنتص.ر متجاهلًا قلب يختض اعتراضًا بعن.ف داخله….
أجبر قدماه على التحرك خارج تلك الغرفة ليتوجه مباشرةً نحو الغرفة التي كانت دنيا تنام بها…..
دلف بأقدام كالهلام تكاد تتهاوى…. رمى نظرة ملتاعة لتلك الصغيرة التي تحتل ذلك الفراش الصغير…..يا اللهي…. لاول مرة يمزقه نزاع حاد بين قلبه وعقله…!!!
اقترب من دنيا يدفعها برفق للداخل فتحركت هي بانزعاج كطفلة مشا.كسة لتنزوي في اخر الفراش، ليتمدد هو في الم.ساحة الصغيرة المتبقية من الفر.اش…..
إن كان العقل سينتص.ر لينتص.ر… ولكن بعد جولة واحدة يرفرف فيها القلب قربًا لها…جولة واحدة…!!
مد ذراعه نحوها ليرفع رأسها ببطء يضعها فوق ذراعه… حينها تحركت بتلقا.ئية لتنام على صد.ره في خفوت تام…. أنفاسها رتيبة ساكنة في هدوء وسكينة طفولية….. بينما هو يعيش عذا.ب قربها….. نعم عذا.ب…. عذا.ب …. أنفاسها الساخنة التي تض.رب وجهه عذاب… احساسه بقربها المهلك ذاك عذاب…. شعوره بج.سدها الغض بين اح.ضانه دون أن يستطع أن يفعل بها ما يجي.ش بصد.ره ويحر.قه ايضًا عذ.اب……

تنهد تنهيدة حارة تحمل في طياتها الكثير والكثير… ثم اغمض عيناه بهدوء وراحة لساعات….. لساعات فقط ثم ستندلع تلك ال!!
………………………………..

بعد ساعات قليلة…….

بدأت دنيا تتململ ببطء في نومتها، فتحت عيونها الزرقاء بتمهل كقطة صغيرة…. كادت تتحرك ولكن شعرت بذراعان يقيدانها بحزم… نظرت جانبها لتجد يزيد يحيط بها بين اح.ضانه وذراعه الاخر يحيط خص.رها وكأنها ستهر.ب من بين اح.ضانه ؟!….
ارتسمت ضح.كة خا.فتة على ثغرها وهي تهم.س لنفسها ببلاهه:
-لازم يكلبش فيا كده، ظا.بط بقا!…
ولكن تلك الابتسامة بدأت تنحدر شيءً فشيء لتختفي تمامًا وهي تدرك تلك الحقيقة… لم تكن تحلم او تهلوس…. بل كانت حقيقة مر.يرة!!!…
حينها رفعت عيناها ببطء تتأمل ملامح يزيد… لطالما شعرت أنه ليس ذاك الفر.عون الشيط.اني الذي يَدعيه…. هو ربما غا.مض… قا.سي… ها.دئ ومظل.م باستف.زاز… ولكنه ليس شيط.انًا !!
وفج.أة كان يزيد يفتح عيناه عندما رفعت إصبعها تمرره بخفة على ذ.قنه الكث.يفة وابتسامة طفولية تعود لتحتل ثغرها… للحظة توقفت بقل.ق من المفا.جأة… ولكن إصب.عها لم يتوقف بل استمر صعودًا لعينـاه تتحسسها ببطء هام.سة ببراءة:
-تعرف إن رموشك تقيلة اوي وطويلة؟
حمحم بخشونة وهو يدفع يدها عنه ناهضًا في حركة واحدة… فحدقت هي بظهره متمتمة بتساؤل م.ستنكر:
-مالك يا يزيد ؟؟
فصحح هو لها تلقائيًا بنبرة خشنة جادة وعملية بطريقة م.ستفزة لمشاعرها:
-يزيد باشا بما إنك عرفتي اللي فيها بقا…!
نهضت بهدوء متجاهلة كلمته… اقتربت منه بخفة تضع يدها على كتفه بتلق.ائية وتردد بنبرة مش.اكسة لطالما كانت رقتها وطفوليتها تم.س تلك النبضات الملتاعة بصد.ره:
-بجد مالك يا يزيد؟؟ أنت هتقولي على فكره يعني فـ يلا قول!
حينها نفض يدها عن ج.سدها بحدة خف.يفة.. واستدار لها…. متم.سكًا كل التم.سك بذلك القنا.ع البارد الذي يخفي الص.راع الحاد الناشب داخله….. يتابـع م.ستنكرًا بسخر.ية فجة:
-وجبتي الثقة دي منين اني هقولك يعني؟!
عقدت ذراعيها وهي تجيب بنفس النبرة:
-جبتها من إني مراتك مثلًا…
لأول مرة تنطقها ص.راحةً أنها “زو.جته”… او لأول مرة تعترف بذلك فعليًا… ولكن اسفًا…. ذلك الاعتراف لم يتلقى تهليلًا كما يجب… بل أحر.قت أعصا.بها وتماسكها تلك السخرية التي تنضح من بين عينـاه المظ.لمة كعادته… ليخرج صوته اجشًا.. قا.سيًا كق.سوة السيا.ط:
-مرا.تي؟! ده بأمارة ايه يعني؟؟ ماتنسيش إن جوا.زنا مجرد صف.قة.. صف.قة عملتها ع.شان شغلي زي ما عرفتي وانتِ كنتي موافقة عليها ع.شان غرض مُعين انك تخلصي مني، فـ ياريت نتعامل على الاساس ده وماتتعامليش وكأننا متجو.زين بحق وحقيقي!!
كل كلمة كانت تسق.ط عليها كانت جلدة قا.سية بسو.ط الواقع… يا الله…. كم أسق.طها من سابع سماء لسابع أرض؟!…..
حاولت التماسك بثبا.تها الذي بدا انهيا.ره واضحًا مع ارتعا.ش حروفها وهي تخبره بجمود ركيك:
-طيب… بما إني خلاص عرفت الحقيقة وعرفت إنك مش متجوزني ع.شان الطفل، خلينا نتطلق احسن… جوازنا مابقاش له داعي!
إرت.جف ف.كه حرفيًا…. شتم ذلك العقل وشتم صديقه الذي ذبذب كل ما كان يحيكه قلبه دون شعور منه حتى… تبًا لكل شيء هو لا يريد سوى أن تكون جواره تحت اي م.سمى حتى وإن كانت عد.وة !!!……
استعاد صلابته الحادة وراح يزفر بض.يق م.ستطردًا:
-اول ما نخلص اللي هنعمله هنا وننزل مص.ر……هط.لقك!
وكم بدا متأثرًا… مرتجفًا محترقًا بأنين ملتاع ورافضًا لتلك الكلمة التي تخرج عنوة من بين ش.فتاه بضغط من ذلك العقل اللعين…!!
لم يتحمل اكثر فخرج م.سرعًا من تلك الغرفة تاركًا اياها تعاني مرارة …….

……………………………………..

في نفس اليوم م.ساءًا…….

كان “يزيد” في احدى الغرف يستعد استعداد تام لتلك الم,همة… بينما دنيا حبيسة تلك الجدران… والكلمات تتقافز بعقلها من كلمة لاخرى… من حرف لحرف وهي تتذوق مرارة الفقـدان التي تزحف لجو,فها رويدًا رويدًا…….
وفج.أة سمعت صوت “زياد” المنفعل وهو يتحدث مع احد اصدقاؤه عن رفض يزيد اصطح.ابها وعن فائدتها له إن صاحبته….!
نبضة خلف الاخرى كانت تتسـارع بجنون في فلك الخو.ف من الفقدان الحتمي حتى شعرت أنها ستخترق قفصها الصدري… وذلك القلق يكاد يحر.ق صد.رها….!!!
لا تتخيل أنه لربما يذهب لتلك المهمة فتصبح الخطوة الفارقة بين عالمنا والعالم الاخر وليست مجرد م.همة وحسب…
بالر.غم من أنها متيقنة أنها لن تحميه….بل هو من سيحميها إن ذهبت معه…. ولكن حما,قة الأنثى وتههورها…. قلقها الحاني على من اصبح نبض قلبها.. يفيضوا كالسيل على أفكارها فلم يعد للعقل وجود……
طرقت ذلك الباب المغلق عليها بعن,ف لتجد الباب يُفتح بعد دقيقة ولحسن حظها كان “زياد” صديق يزيد الحا,نق هو من فتح لها بوجه يقطر ح,نقًا ويسألها :
-خير ؟؟
لم تتردد وهي تجبر لسانها على تلك المواجهة المحتدة:
-انا عايزه اروح مع يزيد
صاح فيها م.ستنكرًا:
-نعم!! تروحي معاه فين؟ هو رايح يتفسح؟!
هزت رأسها نافية تضبط نبرة صوتها على الجدية الصلبة:
-اروح معاه وهو بيجيب الميكروفيلم، انا سمعتك وانت بتقول اني هفيده لانه ممكن يشوف حد من مندوبين المافيا في مص.ر بس مش هيعرفهم وبالتالي ممكن يهر,بوا منكم وهو مايكونش عارف انهم مهمين، ارجوك خليني اروح حتى من غير ما يعرف
الافكار تتزاحم بعقله… فكرة تجعله خا,نع لجدية نبرتها والاخرى ت الاولى بض.راوة…..
ولكن مع استمرار إلحاحها الذي لم يخلو من اشباح القل,ق:
-ارجوك… اعتقد انكم اكيد هتكونوا وراه من على بُعد، انا هنزل معاكم انتم واول ما نوصل للمكان ده انا هروح ورا يزيد بسرعة!! ارجوك انا عايزه افيدكم..
حينها زفر على مهل وبدأ عقله ينحدر نحو الافكار المؤيدة لها،، فقال بصوت أجش:
-طيب، بس على فكرة انتِ هتبقي تحت عينا برضو فـ متحاوليش تعملي حاجة كده ولا كده… وبعدين ما اظنش إنك بالغباء اللي يخليكي لسة عايزه تروحي للي والدتك!!
ضغط على جر,حها بقس,وة… نعم…. ولكن ذلك النز,يف المُ,هلك لروحها اصبح كالو.قود يمدها بطاقة غريبة للأنتقا>م….!!
رفعت عيناها التي تحجرت بزرقتها ومن ثم اردفت بجمود:
-كويس أنك عارف إني مش بالغباء ده! انا بعرف انتق,م من عد.وي، وبعرف انتق.م كويس اوي كمان
اومأ “زياد” موافقًا على مضض ليستدير ويغادر استكمالًا للاستعداد…..

وبالفعل بعد فترة كانت “دنيا” تنتقل مع باقي الضباط في سيارتهم دون علم “يزيد”……
وبمجرد أن اقتربوا من المنزل الذي يقيم به ذلك الرجل المدعو “سراج” الذي يخبئ الميكروفيلم.. هبطت دنيا من سيارتهم لتركب “موتوسيكل” آخر مثل يزيد ولكنها لم تكن مغطاة الوجه مثل “يزيد” بل كانت مكشو,فة الوجه….. لأنهم حينما يروها لن يظنوا لوهله أنها تأتي مع الشر,طة لأنها معروفة لهم أنها ابنة “م.سعد الشامي”…

وعندما ترجل يزيد بخفة من “الموتوسيكل” متوجهًا نحو شارع جانبي يُخرج نحو ذلك المنزل المقصود… ركضت دنيا خلفه وما إن رأته حتى استطاعت لمح ذلك الغ,ضب الأهو.ج الذي جعل ملامحه تنقب,ض بقس.وة صا,رخة… بالر.غم من أنه ملثم يغطي وجهه بقناع أسود ولكن عينـاه كانت عنوان كافي لشروح مطولة من الغ.ضب ..
كانت ملتصقة به بخو,ف يداها استقرت على كتفاه، ومن ثم هم.ست عند أذنه بحنان فطري داعب مشاعره:
-اسفة.. بس مكنتش هقدر استنى وانت رايح جهن.م برجليك!
نظر حوله بحثًا عن سيارة فريقه ولكن فشل في ايجادها… شتم بصوت م.سموع، ليسألها بحدة واضحة:
-معاكي سلا.ح طبعًا؟؟
اومأت مؤكدة برأسها وهم.ست له متابعة:
-ومعايا GPS متقلقش..

بدأا يتسللا بحذ.ر في ذلك الشارع ويزيد في حالة ير.ثى لها…. مزيج عجيب من الق.لق على تلك الصغيرة… الترصد… الحذ.ر… والحن.ق يموج بين ضلوعه….!
وما إن اقتربا جدًا حتى أشار يزيد لها بيده أن تنتظر وتستعد… ومن ثم اخرج سلا.حه الكاتم للصوت…. ومن مكانه صوب ناحية الثلاث رجال الذين يقفون كحرس على البوابة… ليتساقطوا واحد خلف الاخر…. ثم ركض يزيد بسرعة نحو السور ليقفز هو اولاً بسرعة وقفزت خلفه… كانوا يسيران ببطء يلتفتوا هنا وهناك….. وفج,أة كان شخص ما يجذب دنيا من الخلف بعن,ف نحوه بعيدًا عن يزيد فص.رخت هي بفز,ع وق.بل أن ترفع السلا,,ح كان هو يرميه بعيدًا ويضع سلا,حه عند رأسها…..
حدث كل شيء بلحظات معد,ودة…. لحظات كانت كالأشبا,ح توغلت لداخل “يزيد” فجعلته مر,تعدًا جا,زعًا من ذلك المشهد المتمثل امامه فلم تمر سوى دقيقة وكان عدد الرجال يزداد وهم يأتون لتلك الحديقة الصغيرة بينما دنيا عيناها تفيض بخو,فًا حقيقيًا… دقيقة وكان “سراج” يبتسم ابتسامة واسعة وهو يصفق بسماجة متمتمًا بما جعل يزيد كالجماد يحاول الاستيعاب:
-تؤ تؤ تؤ… كده انا از,عل، هو احنا مش بينا اتفاق يا دندن وكنتي ماشيه فل؟!
جملة واحدة كانت تترنح بين افكـار “يزيد” المذ,هول….
” دنيا كانت على اتفاق مع هؤلاء الما,فيا ” !!! لحظة… الثانية….   صدحت كص,قف يند,لع بلا رحمة في سمـاء صافية فيجعلها أشبه بالجح,يم….. و………..!

****

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *