وادي النسيان بقلم شاهندة ج١

م ده إيه..ده مش أول مرة يجيلك..وأنا قلقانة عليك..قصدى يعنى..جوري لو عرفت…

قاطعها قائلا بسرعة:
اوعى تقوليلها حاجة..مفهوم ياجليلة؟..جوري فيها اللى مكفيها..ومش حمل توتر ولا قلق علية.

أومأت جليلة برأسها متفهمة..لتقول بعد ثوان:
هي متكلمتش النهاردة؟

هز عزيز رأسه نفيا قائلا:
كلمتنى انبارح وقالتلى مش هتكلمنى غير بالليل ..مشغولة أوى بعرض روايتها الجديدة.

قالت جليلة بفخر:
بعتتلى نسخة منها..منمتش غير لما خلصتها..ما شاء الله عليها..عندها موهبة تجنن وقلم حساس أوى.

شرد عزيز قائلا:
طالعة لجدتها بالظبط..فى كل حاجة.

نظرت جليلة إلى ملامح عزيز الشاردة والتى تؤكد أنه هائم تماما داخل ذكرى زوجته الراحلة..لتطرق برأسها فى حزن..فعزيز لن يراها أبدا وذكرى زوجته مازالت حية بداخله..كم هي بائسة حقا..أحبته لسنوات طويلة بعد وفاة أختها.. حبا صامتا مغمورا داخل طيات قلبها..وهاهو يجعلها تدرك مرارا وتكرارا أن حبها سيظل للأبد….بلا أمل.

أفاقت من أفكارها على صوته وهو يقول:
إيه رأيك ياجليلة لو نروح لجوري القاهرة ونعملهالها مفاجأة؟

إبتسمت جليلة إبتسامة باهتة..وهي تقول:
مفاجأة حلوة فعلا..بس إنت نسيت إنك وعدت عابد إنك هتجوز بنته علا ..والفرح الشهر الجاي..يعنى ورانا حاجات كتير عشان نجهزها.

أطرق عزيز برأسه بخيبة أمل قائلا:
فعلا نسيت..بس ده معناه إنى هفضل شهر كمان من غير ماأشوفها.

قالت جليلة تواسيه وقد شعرت بالشفقة عليه..لتقول بحنان:
هون عليك ياعزيز ..مش يمكن هي اللى تيجى..ونشوفها كلنا.

رفع عزيز عيون متألمة إليها..مزقت قلبها حزنا عليه وهو يقول بمرارة:
إنتى عارفة إنها مستحيل هتيجى هنا تانى.

أومأت برأسها فى أسى..تدرك أنه محق..فقد كرهت جوري هذا الوادى والذى يذكرها..بحبيبها الذى عشقته بكل جوارحها ليختفى ذات يوم من حياتها للأبد..تاركا إياها فى أسوأ حال..لا هي بالحية ولا هي ميتة لتقرر الرحيل عن هذا المكان الذى تذكرها جنباته بحبيبها الضائع..ليقاطع افكارها دلوف فتحى المسئول عن مزرعة عزيز قائلا بسعادة:
عزيز بيه..عزيز بيه.

نظر إليه عزيز قائلا:
خير يافتحى.

قال فتحى بإبتسامة:
مهرة بتولد ياعزيز بيه.

لمعت عيون عزيز وإنفرجت أساريره وهو ينهض بسرعة متجها إلى الإسطبل يتبعه فتحى..لتتنهد جليلة وهي تتابعهم بعينيها..تدرك مدى عشق عزيز لمهرة.. فرسة جورية ..تماما كعشقه لزوجته الراحلة وحفيدتهما من بعدها..تتمنى فقط لو عشقها بنصف القوة التى عشق بها كل هؤلاء..ولكن للأسف ليس كل ما يتمناه المرء….يدركه.

********************

أحست جورية بألم شديد فى رأسها والضباب حول عقلها ينقشع تدريجيا..تسمع صوت إمرأة تقول بحدة:
على فكرة بقى..دى تمثيلية بايخة أوى منها عشان تتهرب من الوضع اللى هي فيه وصورة جوزى الموجودة على أغلفة رواياتها كلها.

زوجها..هل قالت فعلا أنه زوجها؟هل حقا فهد متزوج من تلك المرأة؟لتستمع إلى صوت فراس وهو يقول بحدة :
من فضلك يامدام..جوري مش بالشكل ده خالص..دى إنسانة محترمة أوى على فكرة ومستحيل تتصرف بالشكل ده.

قالت المرأة بحدة:
طبعا..ما إنت أكيد هتقول كدة ..مش انت صاحب دار النشر اللى طابعينلها الرواية وغلافها.

هدر صوته الذى تحفظه عن ظهر قلب..والذى كانت نبراته تشعل دقات قلبها سعادة وعشقا ولكنها الآن نبرات صارمة خالية من الحنان الذى كان يعبق به صوته..صوته القريب منها الآن تلفحها أنفاسه الساخنة وهو يقول:
خلاص ياشاهى..مش وقته خالص الكلام ده..تفوق الآنسة ونبقى ساعتها نتكلم.

فتحت عيونها ببطئ لتطالعها عيناه..واللتان رغم صرامتهما إلا أن هناك قلق دفين رأته فى عمق تلك العيون..لترمقه بنظرة طويلة صامتة حيرته..ورغما عنه وجد نفسه ينجذب بقوة لتلك العينين..يغرق فيهما حرفيا..تأسره نظرتهما..يتساءل بحيرة..هل تحمل نظراتها كل تلك المشاعر التى وصلته..هل تحمل حقا شوقا إمتزج بالعتاب؟نفض مشاعره التى تعجب لها وهو يقول ببرود:
حضرتك دلوقتى كويسة؟

ياالله ..هل بات يحدثها الآن وكأنها غريبة عنه؟هل يتجاهلها عمدا؟أم هو رجل آخر كلية وليس حبيبها فهد؟ليطول شرودها..ويكرر خالد سؤاله بصوت أكثر حدة قائلا:
حضرتك بقيتى تمام دلوقتى؟

اعتدلت جالسة وهي تومئ برأسها دون كلمة..ليلتفت خالد إلى فراس الواقف بجواره قائلا:
هي خرسا؟

قال فراس بإستنكار:
لأ طبعا.

ليلتفت فراس إلى جورى قائلا بتوتر:
هي يعنى.. عشان بس ال ة ….

صمت فراس وهو يراها ترمقه بنظرة محذرة..ليقول مستطردا بعد ان تنحنح:
إحمم..يعنى حضرتك كنت خيال كاتبة وفجأة إتجسدت أدامها طبيعى إنها تتوتر أو يغمى عليها من ال ة زي ما حصل مع جوري بالظبط.

لينهض خالد قائلا بحدة:
يعنى إنت عايز تفهمنى إن وجود صورى على الغلاف كان خيال من الكاتبة..وحطيته على الغلاف فطلع بقدرة قادر زي صورتى بالظبط.

توتر فراس وكاد أن يتحدث ليقاطعه صوتها الذى وجدته أخيرا وهي تقول بضعف:
ده اللى حصل فعلا.

لا يدرى خالد لما دق قلبه بتلك السرعة لسماع نبراتها الرقيقة..يشعر بالألفة تجاه هذا الصوت الملائكي ليلتفت تجاهها ببطئ يتأمل ملامحها بوجه خال من التعبير ..ليقول بعد ثوان ببرود:
مين اللى رسم الصور دى؟

أجابته بهدوء ظاهري يحمل اضطرابا بين سكناته:
أنا.

ظهرت الدهشة على ملامحه لثوان ولكنها مالبثت ان إختفت فجأة كما ظهرت فجأة..وهو يقول ببرود:
وانتى مشفتيش لية أي صورة أو لقاء على التلفزيون؟

غشيت عيونها الدموع وهي تومئ برأسها فى صمت.. ..هي لا تكذب..فهي فعلا لم تفعل ذلك..ولقاءها به كان مختلفا بالمرة ..وهذا مادفع الدموع لتسقط على وجنتيها بصمت أيضا..ليشعر خالد بغصة فى حلقه لمرأى تلك الدموع..إنتفضت جورية على صوت تلك المرأة التى تدعى أنه زوجها وهي تقول:
إنت بتصدق الكلام الفارغ ده ياخالد..بتصدق دموع التماسيح دى ؟

قال فراس بعصبية:
يامدام أنا مسمحلكيش.

قالت شاهيناز بحدة:
وإنت مين إنت عشان تسمحلى أو متسمحليش؟

هدر خالد بقوة قائلا:
إنزلى إستنينى فى العربية ياشاهي.

قالت شاهيناز بحنق:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *