شظا,يا الكلمات بقلم جهاد وجيه ج٢

هز « ثائر» راسه بعدم اقتناع ووضع يده بجيبه وأردف بثبات: اللي جوا دا ابن عمي اسمه راكان واحنا هنسلم عليهم ونمشي علطول متقلقيش بس حبيتك تغيري جو بدل ضغطك في الشغل والبيت

أومات له بصمت وتبعته حتى دلفا للداخل، أصابها بعض الخوف والرهبه من الزِحام وهذا التجمع الكاذب، لطالما كرهت الطبقات الرفيعة لمظاهرهم الكاذبة ومشاعرهم المزيفة وسوء علاقاتهم، تبغض المال وما يفعله بالنفوس البشرية من حقدٍ وغلٍ، تنفست محاولة لتهدئة نفسها واقتربت معه نحو مجلس العروسين….

نهض « راكان» محتضنًا « ثائر» بحرارة وشوق وهمس كلاهما بنفسٍ واحد: ليك واحشه يا شق واللهي

ضحكا كلاهما على ذلك الترابط الدموي بينهم وقوة صداقتهم ولكزه « ثائر» بصدره وهتف: مُبارك عليك يولا، أنتم السابقون ونحن اللاحقون

ختم كلامه بغمزه ثم نظر لـ « هبه» الخائفة وقدمها لهم بحفاوة: دي يا عم هبه، تقدر تقول الركن الهادي

طالعته « هبه» بتعجب واستفسار تجاهله « ثائر» بينما فهم « راكان» مخزى كلماته وابتسم بسعادة وقدم لهم « أثير» المتابعة للموقف بحرج: دي بقا أثير هانم تقدر تقول القلب بجدرانه

تلاقت نظرات الفتاتان بحنية وشغف للتعرف ولكنهم ابتسمتا فقط وهمست « هبه» بحرج: مُبارك يا أثير

جذبتها « أثير» وضمتها عنوة وضحكت بمرح وهتفت: عُقبالك يجميله، متتكسفيش مني

بادلتها « هبه» عناقها بقوة وأُلفة وتمتمت بصدق: شكلك قمر في الفستان

اشتعلت وجنتي « أثير» بخجل وعصت شفتيها وغمغمت بتوتر: بجد يا هبه

طالعتها « هبه» ببسمة هادئة وربتت فوق كتفها وهمست: بجد جداً وعيون راكان هتاكلك

كان كلاً من « ثائر» و« راكان» يتابعان سرعة صداقة الفتاتان وأُلفتهم السريعة مع بعضهم البعض بتعجب همس « راكان» لـ « ثائر» بتوجس: أنتَ مطمن؟!

هز « ثائر» كتفيه لأعلى وتحدث بهمسٍ مماثل له: عارف الفار اللي بيلعب في عقلك دلوقت هو نفسه اللي عندي

ابتلع « راكان» لعابه وهتف بترجي: استرها يارب دا أنا غلبان ولسه مدخلتش دُنيا
♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕

دلفت بخوف من باب ذلك البيت الجديد عليها بل بيتها الجديد؟! نظرت بتوتر لـ « راكان» المتابع نظراتها وتهربت منه وهمست: أوضتي فين؟

عقد « راكان» حاجبيه بزهول من ياء الملكية بجملتها ونهض مصححًا بنبرة خبيثة: اسمها اوضتنا يا روحي، تعالي أوريكي

سارت « أثير» خلفه بقلق وقلبٍ مضطرب تضغط على فستانها لعله يمدها بعض القوة والثبات أمام هذا الموقف، دلفت خلفه ونظرت للغرفة بسعادته وانبهارٍ شديد، حولت نظرها له ثم هتفت بعشق: دي أوضتنا؟!

هز « راكان» رأسه بموافقة واقترب منها بخطواتٍ بطيئة ولم يرف جفنه لثانية ليحرمه من ملامحها الحبيبة لقلبه وغمغم: كل حاجه فيها زي ما بتحبيها بالظبط

ضحكت « أثير» بسعادة وأسرعت تُلقي بنفسها بين ذراعيه وهتفت: بحبك يا راكان بحبك أوووي

ضمها « راكان» لصدره بعنف وتأوه براحة ثم قبل خصلاتها بعشقٍ وتمتم: وراكان بيعشقك يا ضي عيونه

رفع « راكان» وجهها ليصبح أمامه مباشرة ليروي ظمأه وظمأ أربعة أعوام من الشوق واللهفة والوجدان لها، هبط ليقتنص من شفتيها حقه الذي حُرمَ عليه قبلاً والآن هو له وبكامل إرادتها، قطف من بُستان شفتيها قُبلاتٍ مسروقة عصفت به وجعلته يجذبها بعنف له وشفتاه تسير بلا هوادة ولا رحمه تلتقط كل ما تطأ عليه، غاص بقبلاته ينهل من شهدها العذب ويطفئ نيران عذابه وشوقه لها، تحركت شفتاه نحو جيدها الناعم ليفك طرحتها التي تُعييقه وألقاها بإهمالٍ على الأرضية ودفن أنفاسه بين ثنايا عُنقها الناعم مستمتعًا بقربها اللذيذ ومذاق نعيمها الفريد، لثم عُنقها بقبلات متفرقة وسارت يداه تعبث بسحاب فستانها ولكنها فاقت من غيمة مشاعرها وابتعدت عنه تلملم ما بعثرته لحظتهم وهتفت بحدة وخجل: مينفعش

ابتسم « راكان» ببلاهة وضـ,ـرب كفه معاً وهتف بصوتٍ عابث: مينفعش إيه يا أثير

أدرات وجهها بعيداً عنه وعضت على شفتيها بخجل وهتفت بتوتر: اللي في بالك مينفعش صدقني ومش هيحصل

نفخ « راكان» صدغيه بغضب وتمتم بحدة مزيفة: لا دا أنا اروح فيكي في داهيه مش أصوم اصوم واتعشى حمام أنا هتعشى بيكي

ضحكت « أثير» بمرح على غضبه وصوت أنفاسه الحادة وهزت كتفيها بلا مبالاة وغمغمت بمكرٍ: روح نام يحبيبي عشان متحلمش كتير لأنه مش هيحصل لتلت أيام قدام

سقط فك « راكان» صدمة من تلك المكيدة التي وضعتها زوجته بها واقترب بخطواتٍ ثابتة ثم دنى منها وهتف بتوجس فور وصله معنى حديثها: أوعي تكون هي!!!!

واجهته « أثير» ببسمة عريضة ولكنها خجولة وهزت رأسها بتأكيد وتمتمت: بالظبط يا روحي

فك « راكان» ازرار قميصه بغضب وعلا صوت تنفسه وهتف بحدة: دا انا هطلع روحك الليلة

كتمت « أثير» ضحكتها على مظهره وشعر المُشعت وغمغمت بنعومة قاتلة: اله وأنا مالي بس يا راكان

لوى « راكان» شفتيه بتحسر وجلس أعلى الفراش المزين بالورود الحمراء وهتف بخيبة أمل وحسرة: هي أمي قالتلهالي طول عمرك فقري يا راكان يا ابني وصدقت

شظايا الكلمات
الفصل التاسع

_وماذا عن ألم الهَجر؟
= كالسُمِ ينشط بالجسد فيُهلكه
_ وبالروحِ؟!
= يؤلم كنزاع العقل لاختيار الصواب والأقرب للصواب فيُشتته

هناك حيث الفراغ القاسي الممزوج ببرودة الرياح العاتية، حيث العقل المُشتت والواقع المرير، تتفقد ذاتك عدة مرات ظنًا منك بأنك لربما مُتَ وتحلل جسدك وتلك البرودة التي تتسلل إليك هي نتيجة توقف تدفق دمائك ولكن رغم ذلك لم يتوقف الألم!! لم يتوقف عن كونه عادة معنوية ومادية بداخلك، تُجبرك تلك الغِصة المريرة على إلقاء روحك بالهاوية لربما يخشاك الوجع والحزن، نقطة سوداء سُكبت بأواصِلنا مهدت السبيل للجِراح والمزيد من الندبات القوية، لن يرحل الشتاء هذا العالم إلا بفقدان الشغف، اللهفة، الحماس، النشاط والحب!!

كان الزِفاف أكثر من مُبهر لها ذكرها بزِفافِها، أعاد لها هذه الفرحة التي خُتمت بصوت صرخاتها المُتألمة حتى تقطعت أحبالها الصوتية، بخبرتها القليلة بأمور الحب أدركت مدى عشق العروسين لبعضهم البعض ولكن لما نظرة الخوف والرجاء بقدحتين بذلك المُسمى بـ « راكان» رغم حُبه الجارف الذي تقصه تعابير جسده!! أياً يكن لديها ما يكفيها لتفكر به، تلاقت نظراتها مع خاصته بثوانٍ طويلة دق قلبها بعنف لهذه العينان الساحرتين، هذا الرجل من البداية كان خطرًا شديدًا عليها ولكنها على أية حال تعشق المخاطرة!!!

خرجت خلفه بعقلٍ شارد وعينين ذابلتين كأوراق الخريف الصفراء، راقبت من نافذتها حركة السيارات السريعة والشخوص المجهول هوية قلوبهم لها، ابتسمت بسخرية من نفسها وهمست بخفوتٍ لذاتها: طريقك كله شوك والطريق اللي بدايته وجع نهايته فُراق

أفاقت على صوت احتكاك إطارات السيارة وتوقفها أمام البناية، هبطت من السيارة دون نظرة عابرة له وقلبها ينبض وكأنها بسباق مارثون، تريد الهرب والنجاة من هذه الموجة التي ستُطيح بقلبها المتهالك

منذ البداية يتابع توترها وخوفها ويستشعر حزنها بحركتها المتوترة والخائفة، لا يعرف ما دهاها تتصرف بغرابة عليه ولكن لا مجال للهرب الآن، تركها تتهرب بصمتها وشرودها طوال الطريق وهو يتابعها خِلسة بعيناه، لا يروقه حالها الذابل لا يناسبها الحزن والخوف هي خُلقت لتتوج ولن يتردد بفعل ذلك، ترجل من مقعده وأغلق السيارة واستند بجسده على مُقدمتها وهتف بأمر: استني

لم تكن المسافة التي تخطتها بعيداً عنه كبيرة ولكن صوته الحاد ونبرته الحالمة لبوادر الغضب أوقفت قدميها عن الحِراك وقبضت فوق ثوبها…

مسح على شعره بتروي وكل رغبته تنصب بجذبها بقوة لذراعيه وهذه الرغبة تتملكه حد الهوس وكم يخشى منها، تقدم منها حتى أصبح أمامها مباشرة وعيناه تلتهمها بشغفٍ وحزم وهتف بإصرار: أنا سيبتك من وقت ما جيت أخدك ومضغطش عليكي واحترمت صمتك والدموع اللي بتخبيها عني واللي حقيقي أنا جاهل سببها بس مقدرش أسيبك دلوقت، مالك يا هبه

افترست شفتيها بألم وهي تُنصت لحديثه الذي يقع عليها السوط الحاد وغمغمت بهمسٍ خافت ولكنه حزين : ليــــه؟!

جعد ملامحه بتعجب واستفهام وهز رأسه بجهل وهتف: ليه إيه؟!
ابتسمت بأمل وأغمضت عينيها للحظاتٍ ثم فتحتهم وهتفت بقوة: ليه مقدرتش تسيبني؟! ليه عاوز تعرف سبب تعبي؟! ليه خايف عليا؟! جاوبني ووقتها هقدر أجاوبك على كل أسئلتك اللي شاغله بالك

انعقد لسانه وطارت الحروف من جوفه فبلع ريقه بارتباكٍ وأشاح بنظره عن عينيها الراجيتين وتمتم بضياع: مش عارف ليه بس جوايا حابب أعرف جوايا رُكن حاسس بوجعك ورافض يسيبك فيه، عاوز اطمن عليكي مش حابب نظرة الوجع اللي مبقتش تفارق عيونك، صدقني أنا متشتت ومش عارف إجابه لكل أسئلتك دي!!

حبست دموعها الخائبة ونصب عودها الضعيف وهتفت بقوة زائفة منافية لكل الضعف المُتعايش داخلها: وقت ما تلاقي إجابتك في نفس المكان والعالم هتلاقي إجابتي

لم تنتظر رده بل جرت أقدامها بضعفٍ وخيبة أمل راغبة بوصلة من النوم لو تدوم لمئة عام أو يزيد لا ترغب بالاستيقاظ لترى نظراته المشتتة كما يزعم أو نظرات الشفقة والعطف والنفور والسخرية التي تتولد من الجميع تجاهِها، نغزات قوية تضرـ,ـب جسدها بمواضع ضعفه لتزيد الأمر سوءً وترفع معدل الألم بداخلها القاتم، وصلت بالنهاية لشقتها بل عفواً شقته التي عَطَفَ عليها هي وشقيقتها بها وهي بسذاجتها وافقت بل وانصاعت له تحت مسمي الحصول على حريتها من زوجها، أغلقت الباب بضعف واستندت عليه وكتساقط الثلوج وقعت ضاممة جسدها لركبتيها وانخرطت ببكاءٍ مرير سامحة لهدنة طفيفة لقلبها من الألم الذي تذوقه وكم كان كالعلقم، علاَ صوت نحيبها تزامنًا مع ضعف جفنيها وارتجاف جسدها، شُوشَت الرؤية أمامها لا تعلم أمِن غشاوة دموعها أم من بوادر ذهابها بعالم اللاوعي والإدراك!! على كُلٍ كم هي مرحبة بذلك العالم المظلم الذي سيبتلعها عاجِلاً أم أجِلاً. …
************

من المؤسف عدم إدراكِنا لاحتياجات قلوبنا، تلجأ القلوب للهرب والجزع عندما يعلو صوت العقل بالنفور من الشخص المراد، تضعف قواتنا المُكتسبة منهم ومن ثم نبكي ندمًا وتطبًا بعودتهم، نرغب وبشدة العودة لنقطة البداية لإصلاح المزيد من الأمور ولكن عند تساقط آخر حبات الرِمال من الساعة الزجاجية يصدح العقل بالتوقف مجدداً وعندها ينتهي كل شيء بدَمعةٍ وشهقة مؤلمة….

دلف من باب شقته بخطىَ متعثرة عكس طبيعته القوية والواثقة، تمسك بالباب وانتصب واقفًا مقابل بابِها، يُقسم أنه يستمع لصوت تهشم فؤادها بيديه وتدفق الحزن لروحها، لم يكن أهِلاً بها بل بكلماته حطم المتبقي منها دون قصدٍ منه!! أغلق الباب واستند برأسه عليه وهمس بألم: لــــيــه بغبائـــي وجعتهـــا

لم ينتبه لوالدته الواقفة خلفه يبكي قلبها حزنًا على فلذة كبِدها وصغيرها الوحيد، تشعر بمرارة صوته وتلك الغِصة التي تحرق جوفه كمادة كيميائية مُلتهبة، اقتربت منه وربتت بكفها فوق كتفه بحنانٍ خالص وهتفت: تعالي

فتحت ذراعيها كطيرٍ يستعد لإنقاذ ولده الذي بدأ للتو بتعلم الطير ولكنه كان يسقط فشلاً وخوفًا، شعرت بقوة دفعت جسده لصدرها، ضمته بقوة ومسحت على ظهره بحبٍ وحنان ٍ وغمغمت بثقة: مصرحتهاش بحبك ليها ليه؟!

دفن وجهه بصدرها أكثر ولمعت الدموع بمقلتيه الحزينتين وهتف وهو يتذكر ترقرق العَبرات بحدقتيها: مكنش عندي الشجاعه الكافيه، خوفت، كنت ضايع قدامها…

أخرجته من حضنها وسارت به لأقرب أريكة، أجلسته أمامها وكورت وجهه بين يديها وهتفت بلا تردد: أنت عارف وواثق من نفسك إنك حبيتها رفضتها ليه وأنت حاسس بحبها

نظر لوالدته بتعجب من علمها بكل مشاعرهم الخفية فابتسمت بتفهم لنظراته ولكزته بكتفه وهتفت بعاطفة: أنا أمك وفهماك وأفهم عيونك وقلبك فيه إية كويس، مش عيب ولا غلط إنك تعرفها مشاعرك بس متجرحهاش، هبه متستهلش كدا، أنت خايف ليه يا حبيبي

أراح ظهره على الأريكة وأغمض عينيه بتعب وهتف بشرود: النهاردة كانت غير يا أمي، كانت حزينه ومهمومه، كانت بتشكيلي مني وإني سبب حُزنها ووجعها، سكوتها وهروبها مني كان ، أنا مش عيل مراهق بس معاها بتحول لكدا وبنسى العالم، أنا عارف إني النهاردة خذلتها وإنها كانت مستنية ولو كلمه واحده مني بس غير كل الكلام اللي قولته بس كنت ضايع ولساني نطق بحاجات كسرتها معرفش ليه، هبه اتوغلت جوايا زي المرض اللي عارف علاجه ومش عاوزه، أنا خايف أجرحها خايف مقدرش اتعامل مع خوفها الزايد ولا كسرتها اللي استرخت فيها، أنا بقصد أبات ليالي في الشغل عشان أتهرب منها ومن عيونها اللي بتتلهف تشوفني، فاكره لما قولتيلي هتفضل عازب لامتى وقلبك ميحبش فاكره قولتلك إيه؟!

ابتسمت والدته وتحركت يديها لتمسح على خصلاته بحب وأردفت ببشاشة: قولتلي مش هتجوز غير واحده عقلي قبل قلبي عاوزها ومتلهف عليها، مش هظلم بنت ناس معايا تحت مُسمى إني مع الوقت هحبها، قولتلي أنا مش كل يوم هحب

قاطعها « ثائر» بابتسامة رائعة وأكمل بعشق: وعندي غير قلب واحد هحب بيه بنت واحده، البنت دي هبه بس قدام ضعفها بكون لأول مره متوتر ومتردد من إني أمد إيدي ليها عشان أنقذها من قوقعة الألم اللي عاشته السنين دي، هبه جميله فوق ما حروفي ولا مشاعري توصفها يا أمي

حركت السيدة « نجاة» رأسها أمامه باستنكار وهتفت وهي تدنو منه: عشان كدا مقولتلهاش إنها اطلقت من شهر فات وفاضل شهرين وعدتها تخلص! هتواجهها بكدا امتى؟! مظنش بقى ينفع تخبي أكتر من كدا

نهض بِقِلة حيلة وقبل رأس والدته بسأمٍ وتمتم بتعب: ادعيلي يا نوجا، ابنك قلبه تعبان وضايع

ربتت فوق كفه البارد بحب وأدمعت عينيها لنظرة الضياع بعيني صغيرها وهتفت بتأكيد وأمل: سلامة قلبك يا ضي عيون نوجا، بدعيلك ياابني في كل صلاة

توجه « ثائر» بخطواتٍ ضعيفة لغرفته لينعم بحمامٍ دافئ نافضًا غُبار الحزن المتربص لهذه الليلة الشنيعة بينما بقت والدته تنظر بأثره بتأثر ولوعة على ما أصاب ولدها الوحيد، رَجُلَها الوحيد الباقي لها يحترق بنيران عشقه الأول، ابتسمت بيأس وهمست بصوتٍ خافِت: بيبان الحب من شوك كل وارد مسيره ينصاب يا ضي عيني

**************

طال انتظاره لها أمام باب المرحاض، مضى أكثر من نصف ساعة على دخولها لتبديل ثيابها ولم يلوح طيفها للآن!؟ طرق عدة طرقات على باب الغرفة بنفاذ صبر وهتف بغضب: أثـــيــــر اطلعـــي بقا

سمع صوت فتح الباب وتواريها خلف الباب فجز على أسنانه وصاح بحدة وتمالك: اطلعي بقا يا زفته بتعملي إيه دا كله

ابتسمت« أثير» بسماجة وارجعت خُصلة هاربة من تسريحتها وهتفت باستفزاز: عاوز أيه يا بيبي! أله مش عروسه

افترس « راكــان» أسنانه بغضب من تصرفاتها التي تُشعل فتيل غضبه وهتف بحدة: عاوز اعمل زي الناس ثم تعالي كدا

ألقى ملابسه على الأرضية وتقدم منها جاذبًا تلابيب ثوبها الذي لم يتبين ملامحه وهتف وهي بين يديه كالجرو الخائف: عروسة إيه يا أم عروسه هنكدب على بعض ما أنتِ لعبتيها صح

أغمض عينيه بجزع ثم فتحهم فوقعت عيناه على ثوبها الأبيض الذي بالكاد يصل لقبل ركبتيها بكثيرٍ بحمالاته الرفيعة وتلك الحِبال الخلفية التي تُشكل غِطاءً لظهرها!!! حتماً سيفقد تحمله وصبره، دفعها من أمامه بحدة وهبط متناولا ملابسه وهم يستغفر، أزاحها مجدداً بقبضته وهتف بغيظٍ: روحي نامي في ليلتك اللي مش هتعدي غير بذنوب الليلة دي، روحي منك لللاه يبنت الشاملي، هو ثائر الكلب اللي باصصلي في أم الليلة الفقر دي

وضعت يديها على فمها تكتم ضحكاتها بصعوبة من وجهه الأحمر وأذناه القانيتين وأنفاسه الغاضبة، أدمعت عينيها بسبب عدم قدرتها على كتم ضحكاتها فانفجرت ضاحكة بشدة حتى تساقطت بعض دموعها الساخرة والمتشفية فيه، اقترب منها « راكــان» مسحورًا بمظهرها الفاتن وهيئتها المُغرية وهتف بلا وعي: يخربيت حلاوة ودلال أمك يشيخه أنتِ كانوا بيشربوكيِ فلاوله بدل اللبن ولا إيه

صمتت ضحكاتها من غزله الصريح وقتامة عيناه التي تزداد واتساع حدقتيه وهتفت بغرورٍ مُدلل اكتسبته مؤخرًا: تؤ لبن عادي يا روحي

ابتسم « راكـــان» بمُكرٍ وقرصها بــ خِصرها بِــ خفة وهتف بعبث: طب ما تيجي أقولك كلمه سر

شهقت « أثير» من وقاحته المُفرطة وأغمضت عينيها بخجلٍ عكس جرأتها السابقة وهتفت بحزم: ادخل خدلك شاور ونام يا راكــان وخد بالك أحسن تاخد برد

هز رأسه بسخرية وتخصر باستهزاء وهتف: واغسل سناني قبل ما أنام بالمرة يا مامي!؟

أشاحت بوجهها بعيدًا عنه وأدارت ظهرها له متناسية ثوبها بكل تفاصيله!! كاتمة ضحكاتها ولمعة عيونها المُبهرة وهتفت بكبرياء مصطنع: يلا لأن الوقت اتأخر

حملق بعينيه بزهول من ظهر قميصها المُنعدم إلا من خيطين منعكسين بعقدة صغيرة عند المنتصف كاشفًا بشرتها البيضاء الذي موقن من نعومتها ورقتها مثلها، تحركت أصابعه لتلامس بشرتها ولكنه تراجع بأخر لحظة عن فعلته ووضع المِنشفة على رأسه بحنقٍ وهتف: اللهمَّ أخزيك يا ابليس الكلب بتفكيرك القذر وأفعالك الأقذر

********************
غريبة ثم زوجة ثم والدة ومن ثم تصبح العالم بأسره، حسن اختيار الزوجة من أفضل الأرزاق التي منها الله علينا، فلن تبقى ليوم أو ليومين بل للدهر وما بعده سنتشارك بالضراء قبل السراء، هي من ستتقبل ظلمتك الداخلية وبل وتحاول أن تُنيرها بكل ذرة من قوتها….

دثرته جيداً بالفراش وضمت رأسه لصدرها وهمست بحب: ارتاح شوي جسمك محتاج راحه عشان يقدر يواصل

شعرت بهزة رأسه بالنفي بين ذراعيها فابتسمت بخفوتٍ وتحدثت بأمرٍ مرح: لما أقول ارتاح يعني ترتاح من هنا ورايح في قوانين يا أستاذ

أخرج رأسه من بين براثين قلبها الدافئ ورمقها بنظرة شغوفة ومحبة وهتف بتأكيد: يا قلب الاستاذ اللي تأمري بيه هيكون بس مش عارف اشبع منك وخايف أنام ولقدر الله

قاطعته بعنف واضعة يديها فوق شفتيه وهزت رأسها بنفيٍ هيستيري وهتفت بحزم ورجاء: لا لا بعيد الشر، أنا واثقه إن ربنا مش هيردني خايبه

قبل باطن كفها بعمق ورفع يديه لتتحسس وجهها المميز له وابتسم بعشق وغمغم بانبهار: من أول يوم شوفتك فيه وشكلك شدني زي ما يكون حواليكي تعويذه وقعتني على جدور رقبتي، طول عمرك مميزه يا ورده

تلمست كفه بكفها الصغير وتمسحت به كهرة صغيرة وهمست بحب: رغم كل مشاكلنا وخناقتنا قلبي مكنش قادر يكرهك ولا يبطل يحبك، كان بيعاندني وينهرني لما أفكر أبعد عنك، بهرب منك إليك، معرفش حبيتك ليه وأنت معندكش ولا ميزه

رمقها « براء» بغيظٍ وجعد ملامحه وهتف وهو يشد أذنها: أنا مفيش عندي ولا ميزه يا شبر ونص

بادلته « ورده» بنظرة مماثلة ولكنها ساخرة وهتفت بغرور: تنكر إنك وقعت بسبب الشبر ونص دي؟!

ترك « براء» أذنها وضحك حتى ادمعت عيناه ثم جذبها لصدره بحب ودثرها جيداً بالفراش معه وهتف بتأكيد: والله دوختني وخلتني زي المراهق اللي بيستنى نظره من حبيبته

رفعت « ورده» أحد حاجبيها باستنكار وبجرأتها المعتادة جذبته من تلابيب قميصه وهمست وأنفاسها تداهم صفحات وجهه: بذمتك في مراهق قمر كدا؟!

ثانية وأخرى لم يستوعب «براء» وقاحتها ولا أفعالها الجنونية فانفجر ضاحكًا عليها بشدة حتى ترقرقت الدموع بمقلتيه الساحرتين وهتف من بين ضحكاته: يبنتي أنتِ عليكي طلعات بتوقف قلبي والله

رفعت « ورده» رأسها بكبرياءٍ وشموخ ورمقته بنظرة شاملة ولكنها أبدلتها بعد ثوانٍ بأخرى ماكرة وغمزته بوقاحتها وهتفت بمرح: سلامة قلبك يا قرة عيني يا قمر أنتَ

ارجع «براء» ظهره على الفراش وجذبها لتتوسد صدره العضلي ولم تختفي ضحكته التي هي سببها الرئيسي وهتف براحة واطمئنان: قلبي بسلامته لأنك قريبه منه
********************

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *