وكان لقاءنا حياة بقلم سهام صادق
صدحت أصوات الموسيقى الصاخبة بشكل مبالغ فيه وقد ارتفعت أصوات التهليل مما أفزع “خديجة” التي ألهت حالها بإطعام القطة الصغيرة التي وجدتها بحديقة المنزل الذي يُقام به حفل العيد ميلاد.
نظرت نحوهم “خديجة” بأعين متسعة من الذهول والصدمة وقد انتبهت أخيرًا نحو شىء لم تظن أنهم يفعلوه.
الأكواب البلاستيڪية التي يضعون بها العصائر والمشروبات الغازية وتلك الزجاجات التي ظنت أنها مياة غازية مستوردة ما هي إلاّ خُمور.
شهقة حملت صدمة صاحبتها عندما وقعت عيناها على شقيقتها التي كانت تشرب من تلك الزجاجات وأرادت أن تجعلها تشرب منها لكنها رفضت لإعتيادها على تناول مشروب المياة الغازيه “الكوكاكولا”.
– بتشربي خمره يا “ريناد” ، طيب والله المرادي ما أنا ساكته وهقول لماما.
اِندفعت “خديجة” نحو شقيقتها التي تحركت مع أحد الأشخاص لداخل الڤيلا.
أسرعت “خديجة” في خطواتها نحوها وقد بدأت العديد من السيناريوهات تقتحم عقلها عما يحدث بالداخل مع شقيقتها.
•••••••••••••••
الفصل الثاني
لم تستوعب “خديجة” ما تراه أمامها، شقيقتها تجلس جوار أحدهم ملتصقة به وتلتقط منه لفافة التبغ.
شهقة قوية خرجت منها وهي تتجه نحوها وقد انتفض الجالس جوار شقيقتها من مكانه.
– هي حصلت يا “ريناد” بتشربي سجاير.
صاحت بها “خديجة” ثم التقطت السيجارة من كف “ريناد” التي حدقت بها بوجه مستاء.
– إيه رأيك تخدي نفس يا حلوة.
قالها الواقف وهو يترنح في وقفته و اقترب من “خديجة” التي حملقت به بفزع وقد أخفت فزعها بصراخها عليه.
– أبعد عني القرف ده… شكلها أصلًا مش سيجارة عادية.
ارتفعت قهقهة الواقف كما ارتفعت قهقهة “ريناد” التي لم تَكُن تشعر بشىء حولها إلا أنها تطير فوق السحاب.
– هات يا “كامل” السيجارة بتاعتك أصلها عملتلي دماغ حلوه…
حاولت “ريناد” النهوض لتتجه نحو “كامل” لكنها تهاوت فوق الأريكة مرة أخرى.
– قومي يا “ريناد” خلينا نمشي من هنا… والله لهقول لماما على اللي عملتيه النهارده… هم دول أصحابك ولاد الناس.. دول فاشلين.
حاولت “خديجة” سحب شقيقتها من فوق الأريكة لتُخرجها من هذا المكان لكن “ريناد” دفعتها عنها.
– إبعدي عني.
– “ريناد” أنتِ تعرفي البنت دي.
تساءَل الواقف بملل بعدما بدأ يشعر بالضيق من وجود “خديجة” التي قطعت عليهم لحظة استمتاعهم.
أشارت “ريناد” نحو “خديجة” ثم ارتفع صوت ضحكاتها.
– لا معرفهاش.
حدقت بها “خديجة” بصدمة وقبل أن يخرج صوتها صائحًا بـ “ريناد” المغيبة من أثر ما تجرعته وجدت جسدها يتهاوى فوق المقعد وقد حاصرها “كامل” بذراعيه ثم نفث دخان سيجارته بوجهها.
سعلت “خديجة” بشدة وصرخت به.
– إبــعــد عــنــي.
“ريناد” إبعديه عني وخلينا نمشي من هنا.
…
في الولايات المتحدة الأمريكية
داخل أحد المشافي الكُبرى كانت “هيلين” تخرج من غرفة أحد المرضى ثم اتجهت إلى غرفة الأطباء.
تهاوت فوق مقعدها، فمازال متبقي على إنتهاء مناوبتها خمس ساعات.
دلف أحد الأطباء متسائلًا وهو ينظر نحو “هيلين”.
– هل ما سمعته صحيح؟
ضاقت عينيّ “هيلين”، فما الذي يقصده” ألبرت” بكلامه.
– “خالد” قدم استقالته من المشفى وسيستقر بمصر.
طالعته “هيلين” وهي لا تستوعب ما يُخبرها به “ألبرت”.
– ما الذي تقوله “ألبرت” ؟
“خالد” من المفترض أن يستلم بعد اسبوعين عمله كأستاذ جامعي بـ ستانفورد…، كيف له أن يترك ما وصل إليه هكذا.
هز “ألبرت” رأسه في حيره، فهذا ما سمعه من مدير المشفى.
– هذا ما سمعته للتو “هيلين” لكن كيف لم يكن لديكِ عِلم بهذا القرار.
تساءَل “ألبرت” بخبث وهو ينظر لملامح “هيلين”، إنه سعيد للغاية اليوم… فهذا العربي الذي لا يطيق وجوده بسبب تفوقه ونبوغته سيرحل تمامًا ويعود لموطنه.
التقطت “هيلين” هاتفها بعُجالة ثم غادرت الغرفة تحت نظراته المتخابثة.
زفر “خالد” أنفاسه بقوة بعدما صدح رنين هاتفه والتقطت عيناه اسم “هيلين”.
أجاب عليها على الفور لأنه يعلم سبب اتصالها وقد خرج صوته متحشرجًا.
– مرحبًا “هيلين”.
لم تجيب “هيلين” تحيته، فما يشغل عقلها الآن ما سمعته من “ألبرت”.
– هل ما أخبرني به “ألبرت” صحيح “خالد”، أنا كنت أحادثك منذ أيام لما لم تخبرني بقرارك.
هذا المسمى بـ “ألبرت” يعلم نواياه تمامًا.
– أنا سآتي لأمريكا بعد بضعة أيام لأنهي كل الأمور العالقة وسنتحدث هيلين”.
– سترحل “خالد” ! ، أين هو وعدك لي؟ أليس من المفترض أن نتزوج هذا الصيف؟
صوتها المختنق يُشعره بالإستياء لكن ما عساه أن يفعل…
كل شىء سقط فوق رأسه وأصبح الآن هو المسئول عن عائلته وشركة أبيه.
لقد ظن أنه سَيُكمل حياته بأمريكا كطبيب لكن وفاة والده وكارثة زواجه السري الذي كسر فؤاد والدته وحطم شقيقته وذلك الأخ الصغير الذي أصبح تحت وصايته؛ كل شىء حدث فجأة وحطم أحلام سعى إليها لسنوات.
– من فضلك “هيلين” اجعلي حديثنا عندما آتي إليكِ.
…
سقطت دموع “خديجة” بعجز بعدما تمكن – ذلك المدعو “كامل” ورفاقه- من محاوطتها.
لا تعرف متى وكيف أصبحت محاصرة بهم.
أغمضت عيناها عندما شعرت بالرعب من أصوات تهليلهم حولها وكأنهم يقومون بطقوس خاصة.
– ابعدوا عني ، ابعديهم عني يا “ريناد”.
لكن “ريناد” لم تكن بوعيها بل كانت تفعل مثلما يفعلوا.
أغلقت “خديجة” فمها بقوة لتمنع فوهة تلك الزجاجة من لمس شفتيها.
حاولوا جعلها ترتشف الخمر لكن عندما شعروا بالضجر من إغلاقها لفمها رفعوا زجاجات الخمر وسكبوها فوق رأسها.
تعالا صياحهم وهم يشعرون بالسعادة لرؤيتهم لها وهي ترتجف بهذا الشكل.
استكملوا طقوسهم وصياحهم وقد ارتفعت أصوات الموسيقى وأخذ البعض يندمج في الرقص.
توسلت لشقيقتها بنظرات صامته لكن “ريناد” كانت مثلهم تترنح وتُهلل مع صخب الموسيقى.
حاولت “خديجة” بإستماته التحرر من تقيدهم لها لكن ثُقل وزنها حال دون ذلك.
الذُعر احتل عيناها وهي تراهم يحملون المِقْعَد الذي أجلسوها وقيدوها عليه عُنوة.
خرج صوتها بتحشرج تبحث عن شقيقتها بينهم وتناديها.