وكان لقاءنا حياة بقلم سهام صادق
– ليه أَخُد “خديجة” معايا يا ماما، أنتِ عايزاها تحرجني بشكلها ده.
قالتها “ريناد” وهي تشير نحو “خديجة” التي حاولت التلاهي بالنظر لأي شىء أمامها.
– أنا قولت هتاخدي أختك وخلاص، الحفله هتخلص متأخر… إزاي هترجعي لوحدك بعد نص الليل.
امتعضت ملامح “ريناد” ثم أشاحت عيناها بعيدًا تتأفف بضجر.
– خلاص يا ماما مع إنها مش هتتبسط وسط صحابي وممكن يضايقوها بكلامهم.
– “ريناد” أنا قولت كلمتي خلاص مش معنى إني بشجعك إنك تخرجي وتسهري وتكوني منفتحه إني اتساهل معاكِ في كل حاجة.
إزدادت ملامح “ريناد” تجهمًا، فأسرعت السيدة “ثريا” في احتضان ابنتها المدلله القريبة لقلبها تمسد فوق خصلات شعرها.
– اسمعي كلامي يا حبيبتي، أنتِ عارفه أنا بخاف عليكِ إزاي.
ابتسامة واسعة ارتسمت فوق ملامح “ريناد” عندما تلاقت عيناها بعينيّ “خديجة” التي أسرعت في خفض رأسها أرضًا وقد اعتصر الألم قلبها.
إنها لم تشعر بحب والدتها لها يومًا رغم إغداقها على شقيقتها بحنان تتمنى لو تحصل منه على جزء حتى لو بسيط، والدها وحده من أحبها.
الحسرة اِحتلت قلب “خديجة” حتى عيناها فضحت حسرتها، مما جعل “ريناد” تشعر بغبطة لأنها دائمًا مميزة لدى والدتهم.
ابتعدت السيدة “ثريا” عن “ريناد” بضعة سنتيمترات لتفحص هيئتها بتدقيق ثم أشارت لها بالإلتفاف.
– قمر يا حبيبتي وهتخطفي كل الأنظار ليكِ النهاردة في الحفلة.
– بجد يا مامي.
ويا للغبطة التي تحتل قلب السيدة “ثريا” وهي ترى تدلل ابنتها وجمالها، إنها تُذكرها بنفسها في شبابها لكنها لن تجعلها تلقىٰ نفس مصيرها وتتزوج من مجرد موظف شريف لم تحصل من ورائه إلا على الفقر دونًا عن بنات عائلتها.
النظرة التي حملت الغبطه تحولت لنظرة حانقة عندما رمقت “خديجة” التي ارتدت بنطال من الجينز وقميص باللون الوردي.
– أنا مش قولتلك متلبسيش حاجة فاتحه عشان متظهرش الكلاكيع اللي في جسمك.
وكأن والدتها انتبهت على ما ترتديه.
كتمت “ريناد” صوت ضحكاتها عندما استمعت لتوبيخ والدتها لشقيقتها ثم أشاحت عيناها وأخذت تُداعب خصلات شعرها المموجة بيديها.
لا ملابس بألوان فاتحه يمكن أن ترتديها؛ عليها أن تختار الملابس الواسعة والغامقة وكأن سمنتها عار عليها.
اتجهت “خديجة” لغرفتها لتبدل قميصها وهي تُقاوم ذرف دموعها ، لن تبكي الآن عليها الإنتظار بضعة ساعات حتى تختلي بنفسها.
لم تكن “خديجة” تُحِب تلك الحفلات التي تأخذها إليها شقيقتها لكنها كانت عليها مرافقتها.
الموسيقى الصاخبة وتلك القِناعات التنكرية التي يضعونها على وجههم ورقصهم وإلتصاق الأجساد ببعضها كل هذا كان يُثير إشمئزازها.
– خدي يا “خديجة” جبتلك طبق فيه كل أنواع الجاتوهات، اقعدي كلي وركزي في الحاجة الوحيدة اللي بتحبيها.
قالتها “ريناد” وهي تُعطيها طبق الحلوى ثم أسرعت نحو أصدقائها لتندمج معهم بالرقص.
تعلقت عينيّ “خديجة” بشقيقتها وأرادت التحرك خلفها وإلتقاط يدها وإخبارها أن عليهم مغادرة هذا الحفل لكنها تراجعت… ففي النهاية لا تتلقىٰ إلا الكلام اللاذع من شقيقتها و توبيخ والدتها.
بيأس نظرت نحو طبق الحلوى ثم بدأت تتناول منه دون شهية؛ فهي لا تحب الطعام كما تظن والدتها وشقيقتها بل تجد فيه ملاذ لحزنها.
…
توقف “خالد” جوار الطبيب المختص بعدما غادر غرفة والدته وقد اتجهت شقيقته “نورسين” نحوه بهلع بعدما علمت من الخادمة عند عودتها للمنزل أنه تم نقل والدتها للمشفى.
– ماما حصلها إيه يا “خالد”؟!
إندفعت “نورسين” لحضن شقيقها تشعر بالندم، ما كان عليها أن تتحدث عن ذلك الطفل -الذي لن تعتبره أخَاهَا يومًا- أمام والدتها.
اِبتعد الطبيب عنه ليمنحهم بعض الخصوصية.
– ماما بخير يا “نـور” ، كفايه عياط.
أبعدها “خالد” عن حضنه ثم احتوى وجهها بين كفيه ومسح دموعها.
نظرات شقيقته له ذكرته بنظراتها عندما كانت صغيره.
“نورسين” لم تكن إلا فتاة والدها المدلله عندما كان يريد والدهم عقابها كان يعاقبها بالخصام.
هو يعلم تمامًا أن فَاجِعة زواج والدهم لن تتجاوزها شقيقته بسهولة حتى والدته المرأة الرقيقة التي لا تستحق من والده أن يطعنها بهذا الشكل.
“سامحك الله يا أبي”
هذا ما ردده “خالد” داخله، لقد تركه والده في وضع لم يَظُن يومًا أنه سيعيش بِه.
غادر “خالد” المشفى بعدما أصرت “نورسين” عليه أن يغادر هو وتبقىٰ هي مع والدتها.
ليأخذ قسطًا من الراحه ولكن من أين ستأتي له الراحه هذه الأيام.
…

