بشرى الجزء الثاني

. ليس فقط في العمل ، بل ربما في الطريقة التي ينظر بها العالم إليها بعد كل ما خسرته. مرت الأيام، وتحولت الـ 48 ساعة إلى مهلة عمل حقيقية. بشرى لم تكتفِ بقراءة العقد، بل فندت كل بند فيه مع الإدارة القانونية، وأضافت تعديلات ذكية تضمن لشركتها مكاسب متكافئة تماماً، دون أن تترك ثغرة واحدة للمجازفة.​داخل مكتبه الفخم، كان جبريل الجيار يجلس واضعاً قلمه بين أصابعه، وعيناه تتفحصان الأوراق التي أعادتها بشرى. لم تكن ملامحه غاضبة، بل على العكس، ارتسمت على شفتيه ابتسامة إعجاب حقيقية وهو يرى خط يدها وتوقيعها الحاد أسفل التعديلات.

التقاطها للثغرات أكد له أن نظراتها الأولى لم تكن مجرد استعراض قوة، بل انعكاس لعقل يزن الذهب.​التقط سماعة الهاتف وظغط على زر الاتصال المباشر بمكتبها، ودون مقدمات عقيمة، قال بصوته الرخيم:ـ التعديلات اللي بعتيها قاسية ومفيهاش رحمة يا مدام بشرى.. بس الحقيقة؟ عادلة جداً وتضمن إن الشغل يكمّل على أرض صلبة. أنا وافقت عليها، والنسخ جاهزة للإمضاء.​على الجانب الآخر، كانت بشرى تتلقى مكالمته بثبات، شعرت بانتصار صغير بداخلها، لكن نبرتها ظلت مغلفة بالبرود المهني:ـ ده العشم برضه يا باشمهندس. إحنا بندور على نجاح مستمر، والوضوح من البداية هو اللي بيعيّش المشروعات. المعاد يناسبك امتى؟​ـ بكرة الساعة اتناشر في موقع المشروع نفسه.

. أحب دايماً نبتدي الشغل والتراب في رجلينا والورق في إيدينا.​في اليوم التالي، كان شمس الظهيرة قوية، وموقع المشروع عبارة عن خلية نحل من المهندسين والعمال. وصلت بشرى بسيارتها، وترجلت مرتدية بدلة عملية مريحة تخلو من البهرجة، لكنها تحمل ذات الهيبة. كان جبريل في انتظارها، يقف برفقة كبير مهندسيه، مرتدياً قميصاً أبيض شمر أكمامه، وخوذة الحماية البيضاء فوق رأسه.​حين رأى سيارتها، اعتذر من مهندسيه وتقدم نحوها بخطواته الواسعة.ـ أهلاً يا مدام بشرى، خطوة عزيزة. الموقع نور.​ـ بنورك يا باشمهندس.

جاهزة للمعاينة ومراجعة البنود على أرض الواقع قبل ما نمضي.​طوال ساعتين كاملتين، لم تكن بشرى مجرد صاحبة رأس مال تتفرج من بعيد. كانت تتحرك بين الخرسانات، تراجع الرسومات الهندسية، وتسأل عن جودة المواد ومواعيد التسليم بدقة أبهرت مهندسي جبريل أنفسهم. كان جبريل يراقبها بصمت؛ يتدخل فقط ليجيب على استفساراتها الصعبة أو ليوجه العمال.​في لحظة ما، تعثرت قدم بشرى بطرف سيخ حديدي بارز وكادت تفقد توازنها، وبسرعة خاطفة وبحافز رجولي تلقائي، امتدت يد جبريل لتمسك بذراعها بقوة حامية ومنعها من السقوط.​تلاقت أعينهما لثوانٍ معدودة؛ كانت يده قوية وثابتة، ونظرة عينيه تحمل خوفاً حقيقياً عليها لم تعهده من قبل في عيون رجال العمل.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *