لمن القرار سهام صادق ج 5
عادت لواقعها تلتقط أنفاسها … الكل بحث عن مصلحته حتى جنات التي كانت قدوتها في يوما ما
ضحكت ساخرة من نفسها فكل من إتأخذته قدوة كانت الأيام تثبت لها كم هي مغفلة
نهضت من فوق فراشها الجديد في تلك الغرفة الفسيحة فلم يعد لديها مكان إلا هنا…هي وأهلها بالفعل تحت سيطرة سليم النجار
اتجهت نحو المرحاض تتوضئ وافترشت سجادة الصلاة تُسبح إلى أن يحين موعد صلاة الفجر تدعو الله أن ينقذها من ذلك العالم المظلم الذي لم تعد تراه إلا غابة يُنهش فيها الضعفاء
………….
تعلقت عينيها بعينين كاميليا وسرعان ما اشاحت عينيها عنها.. تجمدت عينين كاميليا للحظات ولكن عادت ملامحها تنبسط تهتف بتوتر
– عامله إيه يا ملك
و رد مقتضب كانت ملك تهتف به قبل أن تعود لدغدغت الصغار والضحك معهم… طالعتها كاميليا في صمت واتاخذت جانبا وقد وضعت لها الخادمة فنجان قهوتها بعد ترحيبها بها
طال الوقت وكاميليا في نفس جلستها تطالع ملك مع الصغار وقد شعرت بتغير فيهما… الصغار يهتفون باصوات ليست مفهومه ولكن اخيرا أصبحوا كمن مثلهم سنًا
” ما.. ما”
هتف الصغير عبدالله بتلك الكلمة التي إستطاعت تفسيرها كلا من كاميليا وملك التي سرعان ما اتسعت ابتسامتها وضمته إليها
– حبيب ماما
وعندما وجد عزالدين الصغير أخيه بين احضانها القى عليها جسده الصغير يريد أن ينال أيضا هذا الدفئ
التمعت عينين كاميليا بالدموع… هكذا تمنت لأحفادها أم وحياة طبيعية
انصرفت كاميليا دون حديث… فهي تعلم تماما أن ملك لم تعود لحياتهم إلا من أجل الصغار
وكما وعدت ابنها إنها لن تفتعل أي حديث يضايقها
صعدت سيارتها واسترخت قليلا داخلها تطالع ما أمامها بشرود
سرعان ما تبدلت حالتها والتقطت هاتفها فقد حان الوقت لتنفيذ الخطه
” زي ما اتفقنا الأسبوع ده تنفذ اللي اتفقنا عليه.. مش عايزه تلاقي فرصة تقدر ترفض بيها”
والسمع والطاعه كان من الطرف الأخر الذي فور أن أغلق مكالمته وجد شقيقته تدلف الشقة فرمقها بمقت لعودتها مبكرا من عملها
– أنتي إيه اللي جابك دلوقتي
طالعت والدها الذي خرج من غرفته بتعب فاتجهت نحوه
– مالك يا بابا برضوه كليتك وجعاك… خلينا نشوف دكتور
– متقلقيش يا بنتي أنا كويس… أنتي إيه اللي رجعك من المصنع قبل ميعادك
سلط فتحي عينيه نحوها ينتظر جوابها.. فزاغت بعينيها بينهما
– ياخوفي لتكون عملتي مصيبة ما أنا عارفه
وكاد أن يقترب منها فاسرعت هاتفه
– روحونا من المصنع بدري… اصل صاحب المصنع ابنه خطوبته النهاردة
– عقبال فرحك يا بنتي
طالعها فتحي متهكما بنظرات فاحصة
– هو مين راضي بيها في الحارة…
– اختك مليون واحد يتمناها
– ياريت واحد بس من المليون وأنا موافق اجوزهاله اه تغور من وشنا بدل ما جيبالنا الفقر
التمعت عينيها بحقد تستمع لحديثه المتهكم الذي يطعن أنوثتها … ابتعدت عن والدها مقتربة منه بعدما رأت نظراته إليها… فابتلعت غصتها المريرة بعدما استحكمت حلقها
– أنت السبب محدش بيرضي يتقدملي عشان رد سجون ونصاب
تجمدت عينين فتحي وسرعان ما كانت كفه فوق خدها
– بت عايزه تتربى صحيح
صرخت بقهر بعدما إجتذبها من حجابها يدفعها للأمام ثم للخلف
– محدش راضي بيكي بسبب شكلك العفش
ودفعها نحو غرفتها بقوة كادت تسقطها لمرات ووقف بها أمام المرآة المتهشمة
– ديه خلقة حد يبص عليها… خلقة تسد النفس
سقطت دموعها بقهر… فكل يوم تخبرها مرآتها إنها ليست جميله.. ليست كباقية فتيات الحارة لكنه هو السبب أيضا في رفض الخاطبين لها
– ابعد ايدك عن اختك… يارب ترجع السجن تاني يا فتحي وتريحنا منك ومن شرك
ارتطم جسدها بالأرض بعدما نفضها عن يده.. واتجه نحو والده يدفعه فوق كتفه
– بتدعي عليا يا راجل يا عاجز أنت.. طب والله لاربيهالك
اغمضت عينيها نحو ما هو قادم وصفعات فتحي تحط فوق جسدها… صرخت بألم بعدما دفعها بقدمه فوق بطنها ثم بصق عليها
وكالعادة ينتهي الأمر بها هكذا.. ضمت جسدها بذراعيها بوهن وصوت والدها يعلو بالدعاء عليه مقتربًا منها يضمها نحوه اسفًا وقهرًا
– هسيبك لمين يا بنتي
…………..
– أنا مش عارفه مستحمله الذل ده ليه… بلغي عنه البوليس
رفعت بسمه عينيها نحو ملك التي أخذت تضع الكمدات فوق كدماتها
– فتحي شغال مخبر مع الحكومة يا ملك..
واردفت متآوه بوجع
– وفي النهاية هكون أنا الخسرانه وهاخدلي علقة محترمة
تنهدت ملك بضيق وهي تطالع حالتها تلك
– هبلغ عنه أنا
– لا يا ملك اوعي… فتحي ده شراني ومؤذي هيأذيكي
– ميقدرش…
– اسمعي كلامي يا ملك.. لو حصلك أي مشكله عمر رسلان ما هيوافق تربى ولاده ولا هيجيبهم ليكي الحارة
مسحت ملك فوق خدها بحزن على حالها
– طيب قوليلي اعملك إيه… قلبي وجعني عليكي
ضحكت بسمة ولكن سرعان ما صرخت متآوه
– منك لله يا فتحي اشوف فيك ايام الأسبوع كلها
دمعت عينين ملك من شدة الضحك
– والله يا بسمه انتي ينطبق عليكي المثل اللي بيقول هم يبكي وهم يحزن
– بقولك إية متعمليلي من العصير الحلو اللي بتعملي وتعالي فكري معايا في حل في المصيبة اللي عندي
تأهبت كل حواس ملك إستعداداً لسماع تلك المصيبة.. فطالعتها بسمة مبتسمه
– لا متخافيش هي مش مصيبة أوي … أنا اتطردت بس من شغلي
– يا شيخه حرام عليكي خضتيني
هتفت بها ملك وابتعدت عنها حتى تصنع لها العصير الذي تحبه..
اتبعتها بسمه تقص عليها ما حدث.. لوهلة ظنت ملك إنها تعيش في حكاية من حكايات المسلسلات التي تشاهدها مؤخرًا
– بيتحرش بيكم وانتوا ساكتين
أطرقت بسمة عينيها
– اكل العيش يا ملك…
ورفعت عينيها نحوها بقوة
– بس أنا مسكتش فرجت عليه المصنع كله… وفي الاخر اتطردت بس اتطردت بشرفي
واردفت بعدما رفعت يديها تدعي عليه
– منه لله صبحي الكلب عامل زي الكلب السعران ما بيصدق يلاقي واحده ينهش فيها… هو أنا وحشه يا ملك
طالعتها ملك بعدما لم تفهم سؤالها.. فاستطردت متنهده
– لما صرخت وفضحته… قالي كويس إني بصتلك.. تعرفي يا ملك أنا نفسي حد يبصلي بصه حلوه… بصة الراجل للست أنتي فهماني
……………..
في الصباح وفي الموعد المحدد الذي اتفقوا عليه.. وقفت بسمه خلف إحدى السيارات تنتظر قدوم ملك..فلمحتها أتيه من بعيد فتنهدت براحة واعتدلت في وقفتها حتى تراها..
اقتربت منها ملك بعدما أزالت نظارتها عن عينيها ترمقها بنظرات فاحصة
– لا مش معقول..أنتي كنتي مخبية الجمال ده كله فين يا بسمة
هندمت بسمة ملابسها التي اعطتها لها ليلة أمس تقلب شفتيها لاسفل بعبوس مصطنع
– هو المثل بتاع لبس البوصة تبقى عروسة انطبق عليا ولإية
انفرجت شفتي ملك بضحكة صاخبة سرعان ما انتبهت لحالها فوضعت يدها على فمها
– هموت من كتر ما بضحك ليل نهار منك
واجتذبت ذراعها نحوها بعدما التفت بعينيها حولهما خشية
– مش قصدي حاجة.. بس حقيقي أنتي جميلة أوي النهاردة… شوفتي كان مجرد إهتمام بالشكل بس
واردفت متسائله
– فتحي شافك وأنتى خارجه
لوت بسمة شفتيها إستنكارا
– فتحي؟ ده بيصحي الضهر.. مش فالح غير إنه عامل فيها راجل عليا وليل نهار ضرب.. وهو قاعد في البيت وأنا أنزل اتبهدل عشان أجيب فلوس
ودمعت عيناها رغما عنها وهي تتذكر صعوبة الإهانات التي كانت تتلقاها في المصنع من أجل لقمة العيش
– وياريت عاجب
ضمتها ملك نحوها تمسح عنها دموعها
– محل العطور اللي هتشتغلي فيه محل راقي وفي مكان نضيف ومتقلقيش صاحبته معرفه قديمة وأنا موصياها عليكي
ارتسمت ابتسامة واسعه فوق شفتي بسمة وسرعان ما كانت تعبر عن سعادتها باحتضانها بقوة دون إهتمام لتلك الأعين المتلصصه حولهم
– أنا بحبك أوي يا ملك
……………
وكما اتفقت وحددت معه الوقت والمكان أتت.. وضعت فوق خصلاتها حجابً صغيراً… طالعت هيئتها في مرآة السيارة وزفرت أنفاسها بضيق
– مش عارفه طلعتيلي منين يا محمود.. كنت فكراك مت وارتحت منك
وتناولت تلك الحقيبة التي وضعت بها المال وترجلت من السيارة بعدما اغلقت إضاءتها
التفتت حولها قلقً وقبل ان ترفع هاتفها تدق عليه كان صوته يأتيها من خلفها
– جيبتي الفلوس
رمقته بمقت وألقت نحوه الحقيبة
– ياريت مشوفش وشك تاني
صدحت ضحكته بقوة بعدما فتح الحقيبة
– الفلوس اهي اخدتها..ياريت تبعد عن حياتي
رفع عينيه عن المال محدقًا بها بحقد
– بنتك ماتت… ماتت عشان مكنتش عارف اجيبلها الدوا
قالها بغصة وبحرقة استوطنت قلبه منذ سنوات… خمس سنوات مروا ولم ينسى يومًا تلك المرارة
القى المال عليها فتراجعت للخلف لا تستوعب فعلته
– مال الدنيا عمره ما هيعوضني عن بنتي ولا مستقبلي اللي ضاع بسببك
صمتت جيهان لثواني تنظر إليه وللمال
– ومدام مش عايز فلوس جايبني ليه هنا
– عشان أعرف حقيقتك يا هانم!
التفت خلفها وقد ارتسمت الصدمة فوق ملامحها تنظر نحو الواقف على مقربة منهما
– جسار!
…………..
دلفت الشقة بعد يوم طويل ومرهق..تجمدت في وقفتها وهي تستمع لذلك الضجيج القادم من المطبخ… سارت بخطوات بطيئة فبدء الأمر يتضح لها.. إنها أصوات ضحكات وهناك ضحكة طفولية تسمعها.. وقفت على أعتاب المطبخ فتعلقت عينيها بتلك الصغيرة التي تأكل طعامها بنهم وأمامها جهاز لوحي تشاهد عليه فيلمها المفضل من الرسوم المتحركة
رفعت الصغيرة عينيها عندما شعرت بوجود شخص ما… رمقتها الصغيره في صمت
– خديجة مالك سكتي ليه يا حببتي… اجبلك العصير بتاعك
التفت السيدة ألفت نحو الصغيره وقد فهمت سبب صمت الصغيرة
– فتون
بخفوت خرج صوت فتون وقد اقتربت منهما
– مدام ألفت
ابتسمت ألفت بسعادة وقد أدركت فداحة الخطأ الذي اقترفته للتو من نطقها لاسمها مجرد
– أسفه ياهانم
ولكن إقتراب فتون منها ثم إحتضانها لها.. جعلها لا تصدق فعلتها
ضمتها السيدة ألفت بقوة وقد دمعت عيناها.. ابتعدت عنها فتون فمسحت السيدة ألفت دموعها تشير نحو الصغيرة التي أخذت تطالعهما بترقب
– ديه خديجة بنت سليم بيه!