على الرقاب قدر نافذ

الفصل الأول

 

كنت أظن أن الذين لا يؤمنون بالحب تبقى قلوبهم سليمة ..قطعة واحد يحافظون عليها كما تحافظ الخمسينية على ملامحها الجميلة باستماتة ، لكن القلوب الخالية من الحب مظلمة لا ينفذ إليها نور فتتآكلها رطوبة الوحدة ورتابة المشاعر فلا تسلم من الألم والمعاناة والقطعة الكاملة تتفت مرة واحدة وتتناثر مرة واحدة دون أن تجد من يرممها ، والآن بعد كل شيء وصلت إلى قناعة تامة أن القلوب المؤمنة بالحب تتجزأ ويعاد ترميمها أما القلوب بدون حب فتتفتت وتتلاشى ..لذا فلا ضير من الحب .

*********

أفكار( مهران) أو ( ميران ) كما يلقبه أصدقاؤه مرتفعة الأفق دائما وأحلامه بعيدة المدى ، شاب مثله من عائلة عريقة كان يكفيه أن يتمرغ في خيرات والده دون أن يبخل عليه هذا الأخير ، لكن طموحه الجامح في تطوير ذاته جعله يتحدى والده من أجل أن يسافر خارج البلاد لأجل تعليم أفضل وبما أنه وحيده فقد لقي صعوبات جمة في إقناعه حتى تمكن من ذلك أخيرا وغادر بحقيبة محملة بأحلام كبيرة وبدعوات جميلة ودموع ملتاعة لفراقه فحملها على عاتقه كوعدا بشخص آخر ناجح بإمكانهم الإفتخار به ..

مرت السنوات الخمس وهو غائب عن كنف العائلة لا يزورهم سوى شهرين كل سنة نهاية كل موسم دراسيّ ،تمر السنون ثقيلة لكنها تمر على كل حال وكل مرة يفاجئهم بشخص متطور جعل من أعمال والده تزدهر وتصبح أكثر شهرة بمجرد متابعتها من بعيد وإسداء نصائحه التي تولدت من خلال دراسات عميقة وتجارب عملية في مجال الأعمال وإدارتها ..

روما أرض الأحلام …

استطاع( مهران) وضع بصمته سمعة وعملا في مختلف المنشآت الإقتصادية والتجارية وحتى المحلات البسيطة التي عمل فيها من أجل توفير مصروف جيبه مع أنه لم يكن بحاجة إلى ذلك لكنه عزم على الإعتماد على نفسه وعدم مطالبة والده بتغطية مادية لحياته هناك ،حتى مصاريف دراسته لم يتحمل والده سوى سنة واحدة منها .

(مهران عسران مجاهد الهواري) الذي لفحته شمس أسوان فأكسبته سمرة فاتحة كخبز عربي خرج لتوه من تنور سيدة احترفت خبزه ،تغطيه لحية خفيفة تكسبه وسامة لطيفة تتناسب وطوله المتوسط وجسده العريض الرشيق الذي جعله فارس أحلام الرومانيات ، من يعرف (مهران) جيدا يمكنه اخبارك أنه شخص خفيف الظل يجبر أي أحد على الإبتسام من كلماته العفوية المضحكة ،و أنه لا يتوانى عن مساعدة أحد ذو حاجة ، بداخله قلب من ذهب يصل لمعانه إلى عينيه العسليتيّن ، أما من لا يعرفه فيبدو له شخص حازم ، نشيط ، مجتهد ، لامع الذكاء ، سريع البديهة ، كتوم لدرجة الإنغلاق على نفسه ، وتلخيصا لما يكونه فهو شخص يعتمد عليه بحق .

__________

الشتاء في (روما) قاسيا جدا من أول كانون الاول يبدأ بفرش الطرقات بلحاف أبيض زلق ليزداد وثارة مع تقدم شهوره إلى منتصف الربيع ، شخص ك(مهران )تعود على حرارة الصحراء لايمكنه أن يتعود على برد كهذا ولكنه بعكس كل التوقعات يحب الأجواء هذه جدا كأنه يغيظ الحر ببلدته ..
سنته الأخيرة هنا كما وعد والده ، سنة تخرجه، فانهمك في تحضير رسالة الماجيستير بكل إجتهاد بجانب ذلك كان يعمل كمستشار إداري بشركة للتصدير والإستيراد متعاقدة مع بلدان عربية يكسب منها مايستطيع به تأجير شقته وسيارته وجميع مصاريفه .

تعوّد قبل يعود إلى شقته مساء أن يعرج على مطعم كان أول مكان عمل فيه ، فيدخل مطبخه ويحضر أكلا مصريا ويتناوله وزملاؤه السابقين فيثنون على مذاقه الرائع ، ثم يقود إلى بيته وهو يتلذذ بقهوته الساخنة ..

توقف فجأة مما جعل سيارته تصرخ مذعورة كحاله بينما ترتفع رائحة احتراق العجلات بالاسفلت وصوت الإرتطام يذهله ،فتناثرت قهوته تلطخ الزجاج من الداخل بينما الدماء تغطيه من الخارج ، قفز خارج السيارة دون أن يمنح نفسه فرصة لالتقاط انفاسه بينما السيارات الأخرى تتجمع وراءه واصحابها حوله وصفير سيارة الشرطة يقترب ..

على ضوء السيارة ظهر جسدا مكوما يبدو لإمراة لم يستطع استبيان ملامحها من الدماء التي تغرق وجهها وشعرها الذي يلصق به ،كاد أن يلمسها فإقترب منها أحدهم أراد حملها ليقول له بحزم :
_ إياك أن تحركها لقد تعرضت لبعض الكسور حتما !

ابتعد الرجل متذمر بينما يطالعه باستعلاء وهو يقول :
_ كان عليك القيادة بحذر، هي هكذا بسببك الآن أيها المتهور ، أم تراك تقود تحت تأثير الكحول ؟

ليقول له( مهران )وهو يميز من الغيظ :
_ من الأحسن أن تبتعد من هنا يا هذا !

حاوطت الشرطة مكان الحادث بشريط أصفر حتى يتراجع الجمهور عنه ثم بدأوا في تنظيم حركة المرور بينما سيارة الإسعاف حملت المصابيّن ، في الواقع لم ينتبه مهران أنه لوى كاحله وتعرض لجروح على مستوى جبينه ورأسه بسبب الزجاج المتطاير والإصطدام فقط حينما أراد الوقوف مجددا ولم يستطع أدرك ذلك بالإضافة إلى خط الدماء الذي ينز من جانب رأسه وإصابته بالدوار فحمد الله أن هذا ما أصابه فقط بينما يطالع الفتاة التي قد نظفت الممرضة دماءها قبل أن تضع لها قناع الأوكسجين ودعامة رقبتها ،ومن ثم أقحمت بوريدها محقن ينفذ منه محلولا معلق أعلى النقالة التي ترقد عليها بينما راحت تجس نبضها ومؤشراتها الحيوية وهي تدون تقريرها ثم قالت له :
_ إسمها ؟

فرد عليها كأنه لم يفهم ما قالته فأعادت سؤالها :
_ المصابة ما إسمها سيدي ؟

قال بحيرة:
_ هااا !

وضعت الملف جانبا ثم اقتربت منه وهي تفحصه وقد عرضت بؤبؤيه للضوء الذي يصدر من قلم بيدها :
_ أظنك تعرضت لصدمة سيدي ، ستحتاج إلى القليل من الراحة ليعود وعيك بصورته الطبيعية.

ثم سألته مجددا :
_ ما إسمك سيدي ؟

قال بحيرة مجددا:
_هااا ؟؟

فقالت بعملية :
_ لاباس سيدي ستكون بخير .

لكنها ما لبثت أن انهت جملتها حتى فقد وعيه وتراخى جسده عليها فمددته على الناقلة الاحتياطيّة وعلقت بذراعه محلولا هو الآخر .

_________________

مرت سويعات بسيطة فبدأ (مهران) يستعيد وعيه وحينما فتح عينيه وجدد نفسه بقسم الإستقبال قد عادت إليه ذاكرته ،فسأل على الممرضة التي كانت تطالعه بابتسامة عن حال الفتاة التي أحضروها معه فطمأنته قائلة :
_ إنها بالعناية المركزة ، لقد جرت عمليتيّها على مايرام وحين تستفيق سننقلها إلى غرفة عادية .

قال بصدمة:
_ عمليتان ؟!

أجابت بلطف:
_ أجل سيدي ، قد تعرضت لنزيف داخلي فكان لابد لتدخل جراحي أما ساقها فجبر الكسر ببعض المشابك الفولاذية .

تأسف (مهران) لحالها وهم ليقول شيء قبل أن يقاطعه دخول شرطيان لأخذ أقواله :
_ الفتاة لم تكن تسير لأصطدم بها بل وقعت من أعلى الجسر ، لقد رأيتها في اللحظة الأخيرة قبل أن تسقط وترتطم بمقدمة سيارتي لذا سحبت الفرامل اليدوية مما جعل السيارة تلتف بزاوية مئة وخمسة وثلاثون درجة .

ليساله أحدهما بينما الآخر يدون إجابته في اللوح الإلكتروني الذي بين يديه :
_ لك سابق معرفة بها ؟ أو وجدت شيء يدل على هويتها ؟

قال نافيا:
_ لا سيدي .

قال الشرطي:
_ حسنا أيها الوسيم ، سنأخذ رقمك في حالة إن جد جديد .

أعطاهما (مهران )رقم وغادراه فشعر بوعيه ينسحب مرة أخرى ليغط في نوم عميق لم يسحبه منه سوى صوت الممرضة وهي تقول :
_ استفق أيها الأمير النائم إنها الثانية بعد الظهر !

تململ في مكانه واعتدل بجسده بينما تقيس ضغط دمه مبتسمة فسألها مجددا عن حال الفتاة فأخبرته أن وضعها مستقر وقد تم نقلها إلى غرفتها لكنها لم تستعد وعيها بالكامل فطلب مساعدتها من أجل أن يراها فناولته عكازا وقادته إلى غرفتها وتركته امامها وذهبت لاستئناف عملها بينما طرق على الباب عدة طرقات ثم دخل وهو يصدر نحنحة منخفضة ..

سحب كرسيا وجلس بقربها وقد أحزنه مظهرها الشاحب والغرز على الجرح العميق جانب جبينها وجفونها منتفخة والهالات تحت عينيها محمرة وهذا ما جعله يدرك أنها بكت كثيرا قبل أن تقدم على ما أقدمت عليه ، لم يكن ليتجرأ أن يمسك يديها لكنه تشبث بيده حين همس :
_ أنا آسف !

فتحت عينيها وبدأت تحدق به لوهلة فابتسم لها وقال بالعربية :
_ حمد لله على سلامتك إنتِ كويسة ؟

ثم فطن أنها لربما تكون أجنبية بغض النظر عن ملامحها العربية فعدل جملته واعاد صياغتها بالإنجليزية ، هزت رأسها فسألها عن إسمها فقالت :
_ أنا مش فاكرة .

ابتسم وحال لسانه يقول ” طلعت مصرية كمان، المتعوس متعوس حتى لو جيه روما ”

قال بهدوء:
_ مش مهم اسمك هتفتكريه شوية شوية أنا كمان ماكنتش فاكر حاجة ولما قمت من النوم افتكرت ، أنا مهران اللي خبطتك بالعربية للأسف .

فقالت وقد احتقن وجهها :
_ للأسف هتنفعني بايه حضرتك ؟ إنت شايف حالتي افرض كنت مت ، لما انت مش قد السواقة بتسوق ليه ؟

طالعها بشفقة وهو يكلم نفسه ” شكلها مش فاكرة انها حاولت تنتحر ” فاردفت :
_ انت بتسرح فى إيه يا أستاذ انت ؟ طب اعمل ايه دلوقتي أما انا مش فاكرة اسمي ولا حاجة هطمن اهلي عني ازاي ولا ماعنديش أهل ؟ اووف إيه الحيرة دي ؟ عجبك كدا ؟

تذكر أنه سمعها قد رددت إسم ” فيفيان” فسألها من تكون لكنها لم تستطع تذكر هذا أيضا فقال لها :
_ طيب نامي شوية يمكن لما تصحي تفتكري زيي ، على العموم أنا سبت رقمي بالاستقبال لو عوزتي حاجة اتصلي بيا .

أمسكته من يده بشدة وقالت وقد بدا عليها الألم :
_ رايح فين أنا مش فاكرة حد، خليك يمكن انساك انت كمان وساعتها أعمل ايه ؟

فعاد ليجلس مكانه بقلة حيلة فلانت ملامحها وابتسمت له، وقتذاك دخلت الممرضة تحمل بعض الطعام إليهما فكانت له وجبة كاملة ولها هي حساء ساخن فقط مما جعلها تتذمر لكن الممرضة أخبرتها أنها لا تستطيع الأكل فورا وقد أجرت لتوها عملية جراحية ..
ساعدها (مهران) على تناول حساءها الذي لم تستسغه كثير بينما عينيها معلقتين على صحنه وهو يبتسم على رغبتها البادية على وجهها إلى أن أنهته دون أن تشعر .

تناول (مهران) بضع لقيمات من طعامه ووضعه جانبا فبدأت بفتح حديث محاولة التعرف على هذا الغريب الذي يجلس أمامها لكنها كانت تشعر بضيق وتشرد قليلا ولا تدري لما ثم أبدت رغبتها في النوم فاستأذنها الرحيل قليلا ليعود إليها في وقت لاحق فأذنت له .

حتى النسيان لايكفي ليجعل المرء لايشعر بهمومه ، هذه الفتاة لا تتذكر شيء وبالرغم من ذاك تشعر كأن الكون كله يجثم على صدرها ويطبق على أنفاسها .

_______________

كان لابد ل(مهران )أن يقدم ملف ملخصات مشروعه فقصد الجامعة وسلمه إلى الدكتور المسؤول عن متابعة رسالته كما قدم له إجازة مرضيّة يعتذر فيها عن مزاولة الجامعة لليومين القادمين حتى يتعافى كاحله والجرح برأسه الذي يسبب له الدوار ثم عاد إلى شقته من أجل أخذ حماما دافيء وتغيير ملابسه كل هذا وهو يفكر في الفتاة التي ترقد في المشفى مجهولة الهوية ، قطع حبل أفكاره طرقات على بابه فابتسم وهو يتوقع من وراءها :
_ مرحبا بالجميلة ناتالي .

أزاحته من فم الباب ودخلت تحمل بيدها صحن معكرونة بكرات اللحم المفروم المغطاة بالجبن فذكرته الرائحة كم هو جائع ..
قصد المطبخ وأحضر صحنين وشوكتين وكأسين وعلبة عصير ثم جلس قبالتها وهي لاتزال تطالعه دون أن تقول شيء ، ألقمها قليلا من الطعام فراحت تلوكه وهو يقول :
_ أعتذر جميلتي ، لابد أنك شعرت بالقلق عليّ…

قالت بحنق:
_ قلق ؟! لقد طويت الليل بأكمله وأنا أنتظر مكالمة منك ثم النهار بأكمله ،ظننتك مت يا أحمق !

أمسك وجنتيها بلطف يداعبها بحنان إبن لأمه وقال :
_ لقد غرقت في النوم بسبب المسكنات لم أستفق سوى عصرا وانشغلت بأمر الفتاة التي أصبتها ، وضعها مستقر لكن لاتتذكر شيء عن هويتها .

فقالت وهي تربت على جرح جبينه :
_ هل تألمت كثيرا صغيري ؟

قبل يدها المنتفخة وقال :
_ القليل فقط ، لكن هذا الدوار يزعجني .

قالت متفهمة:
_ هل ستزور الفتاة مجددا ، أريد أن أرافقك أيضا ؟

ألقمها مرة أخرى وقال :
_ لنذهب إذن ! لكن بعد الانتهاء من صحن المعكرونة .

أخذا يتناولان طعامهما بنهم كعائلة، لطالما كان( مهران) يعتبر السيدة( ناتالي) أما له ، تلك السيدة الودودة الممتلئة كثير والقصيرة كثيرا ثقيلة الخطى ذات شعر رمادي تعيش قبالته وحيدة تستأنس بوجوده وطبخها له وتناول الطعام معا فتشعر أنها غير منسية كما يشعر هو بالإنتماء وتتراخى حوله قيضة الغربة الخانقة .

___________

الغرق في نوم ترف يمارسه مرتاح البال أما أولئك المعذبون لاترحمهم حتى أحلامهم كأن أقدارهم تقسم أغلظ الأيمان أن لا تهنئهم بلحظة راحة كأنها تنتقم .

الأحلام المزعجة التي كانت تراود هذه الفتاة التي لا تتذكر شيء كانت قاسية سوداء جعلتها تغرق في العرق ونوبة نشيج قد أتت الممرضة على إثرها لتوقظها انتفضت فزعة وهي تردد :
– كابوس ..سيء !

فناولتها الممرضة بعض الماء حتى تهدأ نفسها وقتذاك دخل عليهما (مهران) وسيدته الودودة( ناتالي) التي اقتربت من الفتاة وقد تناولت منديلا وراحت تمسح دموعها والعرق من وجهها بينما تردد الفتاة:
– الله يسامحك على اللي عملته فيا أنا حتى مش فاكرة إسمي إيه ؟اووف هو أنا نمت كتير ولا إنت اللي إتأخرت ، ماهو إنت سليم تدور زي ماتحب وسايبني هنا لوحدي ، طب قول كدا بصراحة ماطلعش انا مراتك ودي حماتي وانتوا عملتو فيا كدا عشان يخلالكم الجو بعيد عني ؟ هاااا قول قول !

قال بإبتسامة:
_ لأ بس لو عايزة ممكن جدا خير البر عاجله أجيب محامي ..ها إيه رأيك ؟ قولي ..قولي !

(ناتالي) لم تكن تفهم كلامهما لكنها رأت التناغم بينهما فقالت ل(مهران) :
_ مِيران ! أحببتها، يمكنك المضي قدما أيها الوسيم .

قال:
_ اهدأي ناتالي ،الفتاة منفعلة لأنها لاتذكر شيء عنها ،حتى إسمها .

جلست( ناتالي )على الكرسي بقرب الفتاة ووضعت زهرة على شعرها وقالت :
_ الإسم ليس مشكلة لنصنع لها واحد .

فنظرتا إليه تنتظران ماسيقوله بحماس بينا بدا عليه التفكير الجدّي :
_ أممم ..ما رأيكما ب(شذا )؟

اشهرت الفتاة بأصبعها وقالت بانفعال :
_ هو شذا ..أنا حساه قريب مني ..شذا !
مرحبا ميران أنا شذا
مرحبا ناتالي أنا شذا
أرايتما هكذا أصبحت أشعر أنني شخص ما .

كان (شذا )تتحدث بسرعة مما يجعل تعبيرات وجهها مضحكة وكان (مهران) لأول مرة يلاحظ الجمال في فتاة ما ، لقد راقت له شذا الورد كما لقبها بخفة روحها ولطافتها وعفويتها رغم الالم الذي يغرق عينيها السوداوتيٌن حتى أغلقتهما لتنام أخيرا فانسحبت (ناتالي) و(مهران) لتركها ترتاح قليلا ..

______________

مرّ أسبوع كامل ولازالت( شذا) في المشفى لم يسأل عنها أحد وهي لم تتذكر أحد و(مهران) لم يخبرها حقيقة ماحدث لها بعدما استشارة طبيبتها النفسية التي أخبرته أنها تعرضت لصدمة مما جعل ذاكرتها تختفي مؤقتا و معرفتها بما حدث ربما تؤثر على صحتها فكان يقسم يومه بين دراسته الصباحية فيتركهما مع (ناتالي) ليزاول عمله بعد الظهيرة ويعود لزيارتها مساء حتى يحين موعد نومها فيرحلان عنها .
لقد تكونت بينهما صداقة قوية ورابط يمكن أن يتعدى الصداقة بمراحل فكانا يشعران بالإنتماء إلى بعضهم.

كانت تلح (شذا )على ضرورة معرفة عائلتها فوضع( مهران) صورة لها على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يجدها من يعرفها فوجدت الفكرة جيدة فكانت تنتظر بحماس معرفة هويتها المجهولة .

بدأت تستعيد عافيتها واقترب موعد خروجها فاقترحت عليها (ناتالي )أن تعيش برفقتها فرحبت كثير بالإقتراح لأنها حقا كانت تحبها ، فعادت( ناتالي )ونظفت غرفة من أجلها بينما قام (مهران) بتأثيثها وشراء كل مايلزمها من ثياب وغيرها امسكته (ناتالي) من معصمه وأجلسته أمامها وقالت :
_ أرى أن شعلة الحب بدأت تتقد بقلبك ميران ، أليس كذلك ؟

ابتسم (مهران) وقد ظهر عليه الحرج فأردفت :
_ شذا فتاة جميلة ورائعة تناسبك تماما ، لكنك تناسيت أمرا صغيري ،أنت لا تعرفها ،ربما تكون مرتبطة أو تعاني من شيء ما ، لقد حاولت الإنتحار يومها ..لمَ ياترى ؟ ما أحاول قوله ميران لاتتعلق بها جدا سيأتي يوم وتتذكر وربما تكون مرتبطة أنت لن ترضى لها ان تكون خائنة ضميرك لن يسمح لك أنا أعرفك جيّدا .

ماقالته (ناتالي) وقع على قلب( مهران) كصاعقة لكنه تماسك فقد كان يعلم أنها على حق فقال :
_ معك حق حلوتي ، سأعمل على جعل مسافة بيننا حتى لا يتأذى كلانا .

قبلته بين عينيّه وهي تتمنى له أن يقابل توأم روحه في أقرب وقت .

استقام واستعجلها من أجل الذهاب إلى المشفى فلابد أن( شذا) تنتظرهما متذمرة من تاخر زيارتهما بسبب التجهيز لاستقبالها .
قصدا المشفى وتوجها إلى غرفتها فلم يجداها هناك فتوجها نحو قاعة الممرضات من أجل السؤال عنها فوجدا ممرضتها فسألها (مهران )قائلا:
_ لقد بحثت عن شذا في غرفتها ولم أجدها ، أتعلمين أين هي ؟

فقالت الممرضة بأسف وهي تخرج ورقة مطوية من جيبها :
_ لقد إنتابها كابوس البارحة ، في الواقع تلك الكوابيس لم تكن سوى ومضة من ذاكرتها فانتابتها نوبة عصبية شديدة بعد أن تذكرت كل شيء، لقد اضطررنا لحقنها من أجل أن تهدأ بعد أن حاولت الإنتحار ..

_ حاولت الإنتحار ؟!

قالها (مهران) مذعورا وقد تجمد الدم بعروقه فاردفت :
_ نعم حاولت القفز من الشرفة ، لقد أتى لزيارتها أحد أقربائها لكنها خرجت عن طورها وبدأت في الصراخ عليه وركضت نحو الشرفة لو لم يمسكها بآخر لحظة لكان هوت على الارض لتصبح قطعا متناثرة معاذ الله .

جلس( مهران )بحسرة على الكرسي وفتح تلك الورقة ليجدها رسالة منها بينما كانت الممرضة تشرح للسيدة (ناتالي) كيف اختفت( شذا) بعدما تنكرت بلباس الممرضات .

(مهران ، أنا آسفة !افتكرت كل حاجة وافتكرت كمان إن مالكش ذنب في اللى حصلي بل بالعكس إنت أنقذتني واديتني فرصة تانية أعيش من تاني ، انا عايزة أقولك حاجة يمكن ماينفعش أقولهالك وأنا بمشي لكن أنا لازم أقولها ” أنا حبيتك جدا ” لإنك شخص تتحب بجد، ياريتني قابلتك من زمان يمكن ماكنتش هبقى البنت المشوهة اللي أنا عليها دلوقتي .
بشكرك على كل حاجة عملتها علشاني ووصل شكري لناتالي كمان، حبيتها كأني أعرفها من مليون سنة .
لو خيروني بين إني أفتكر أو أفضل فاقدة الذاكرة كنت اخترت إني أبقى معاكم مش عارفة عني حاجة وأكوّن ذاكرة جديدة مافيهاش غير حب وخير وطيبة و إنتوا ، بس قدري كدا وبما إنك منحتني فرصة جديدة للحياة هحاول أصلح حياتي وأعيش لنفسي مع إنه صعب بس هحاول إكراما ليكم انت وناتالي ، أنا هسافر بلد تانية بعيد عن كل الناس اللي أذوني ماتخفش عليا ..
كون بخير لإنك تستاهل الخير كله .

شذا ومش هكون غير شذا – بحبك –
سامحني . )

كانت( ناتالي) تضع يدها على كتف (مهران )الذي بدا عليه الألم وهو يقرأ تلك الرسالة وما إن طواها حتى رفعته من ذراعه وجعلته يقف على قدميه وتوجها إلى الخارج وهي تسند رأسها على جانبه بينما تلف يدها حوله تعانقه أما هو فكانت بداخله نيران ملتهبة تلظي قلبه .

 

الفصل الثانى

____الغائب سيعود____

تغيرت ذاتي كثيرا…
هناك فراغ بقلبى رغم الإزدحام…
أفقدنى عشقها الرغبة فى أي شيئ سواها….
وجعلنى غيابها أعيش جرحا لايكف عن النزيف…
لا أريد النسيان رغم حتميته ووجعه الذى لا ينفك ينخر فى عظامى…
فقد إشتقت إليها حد الجنون…
وأرهقنى الغياب….
فتت قلبى إلى أشلاء …
مؤلم حقا الوداع فى الحب …
والأكثر ألما… هو حب بلا وداع.

ربتة رقيقة على يده جعلته يعود من شروده الدائم فى الفترة الأخيرة،تعلقت عيناه بصاحبة تلك اللمسة الحانية..

إنها(ناتالى)،ومن سواها قد يشعر بما يعانيه ،تذكره كثيرا بوالدته الحاجة(ثريا)،رغم إختلافهم فى كل شيئ إلا أن كليهما يسبران أغواره ويمنحانه الحب والعطف كما لم يمنحه أحد قط.

إبتسم لها بحنان فبادلته إبتسامته بأخرى باهتة،عقد حاجبيه وهو يقول:
-ماذا بك ياجميلة؟

طالعته للحظات قبل ان تتنهد قائلة:
-سأفتقدك عزيزي،هذا كل شيئ.

ربت بدوره على يدها قائلا:
-سأفتقدك بدورى ولكننا سنتواصل دائما ..أليس كذلك؟

طالعته قائلة :
-بالتأكيد،ولكننى ساظل أفتقدك رغم كل شيئ..سأفتقد تجوالنا سويا وفنجال القهوة الذى نشربه معا كل يوم،وحديثنا،سأفتقد بالتأكيد حديثنا حول كل شيئ ولا شيئ،تعلم أننى وحيدة،لا أصدقاء لى ولا أقارب ولا أبناء،وقد وجدت فيك كل هؤلاء..سيخلف غيابك فى قلبى فراغ لا قبل لى به.

تذكر هذا الفراغ الذى أخلفه غياب(شذا)فى قلبه فإنتفض جسده رافضا،وقال على الفور:
-إذا تعالى معى،ستعجبك بلدتنا كثيرا،لدينا هناك فندقا سياحيا من الدرجة الأولى،سيروق لك العيش به بكل تأكيد.

إبتسمت قائلة:
-لا أستطيع ان أترك روما،إنها العشق يافتى،جنباتها تحمل ذكريات جمعتنى بكل من حملت لهم يوما حبا فى قلبى.

ظهر الإحباط على وجه(مهران)لتستطرد (ناتالى)قائلة بإبتسامة:
-ولكنى قد آتى إلى بلدتك يوما ما،فقط إن إشتقت إليك.

نهض (مهران)وهو يغمز لها قائلا:
-إذا سأنتظرك منذ الغد،فأنا حبيبتى يشتاقون إلي ماإن اغيب عن ناظريهم.

ضحكت(ناتالى)وهي تنهض بدورها قائلة:
-مغرور.

قال(مهران)وهو يضم ياقة معطفه قائلا:
-هل تسمح ملكتى لهذا المغرور بأن يأخذها فى آخر جولة له بروما؟لناخذ الصور والتذكارات فيحملها كلانا دائما امامه ..وفى قلبه.

إبتسمت بحب فمد يده ياخذ بيدها ويركضان سويا بجنون….تحت المطر.

_______________

الظلام يحيطها،يرسل الرعب فى أوصالها ،يجعلها متعثرة الخطى ولكنها تكمل الطريق ،فلابد وأن تنال مأربها حتى وإن عانت من اجل ذلك…

المكان حقا موحش وسكونه يبعثر الطمأنينة ويبث الخوف فى النفوس،خشخشة أوراق الشجر تحت قدميها إقشعر له بدنها،حتى لاح لها هذا المنزل أخيرا،إنه المنزل المنشود،صغير قديم تكسوه النباتات،إحدى نوافذه محطمة،توقفت أمام الباب وطرقته،وجدته مفتوحا فدلفت وهي تبتلع ريقها بصعوبة..تأملت تلك الردهة التى لم تحتوى على شيئ سوى أريكة متهالكة،طال نظرها إلى تلك الحجرة المنشودة،فتقدمت بإتجاهها،توقفت فجأة وهي تشعر بان هناك من يراقبها ،إستدارت تنظر خلفها،لتشهق قائلة:
-واه..راجى..خلعتنى ياشيخ.

تأملها (راجى)ببرود قائلا:
-لا مؤاخذة ياست زبيدة،حوصل خير..إنما جاية النوبة دى من غير ميعاد ..ليه إكده ؟فيه حاجة؟!

قالت(زبيدة)وهي تتلفت يمنة ويسارا:
-عاوزة الست عوالى فى موضوع مهم ياراجى.

قال(راجى):
-مش هينفع ياست زبيدة،عندها ميعاد مع واحدة تانية بعد هبابة.

نظرت إليه (زبيدة) قائلة بلهفة:
-لع،احب على يدك ياراجى،لازم أجابلها وأجولها على حاجة مهمة متستناش للصبح.

تأملها( راجى) للحظات ،قبل ان يقول :
-هجولها وهي تشوف الصالح،إستنى إهنه ومتتحركيش.

أومات برأسها على الفور،بينما إتجه (راجى)للحجرة الوحيدة بهذا المنزل الصغير،يغيب بداخلها للحظات قضمت فيها بعض أظافرها قبل ان يخرج ويشير لها بالدخول،فأسرعت تدلف إلى الداخل وهي تنظر إليه بإمتنان،وماإن أغلق الباب خلفها حتى بصق قائلا:
-ولية سو ،ربنا يتوب علينا منيكم يانسوان كفر هوارة.

ثم إتجه إلى الخارج بخطوات سريعة تحمل غضبا.

______________

دلفت (زبيدة)إلى الحجرة بخطوات متعثرة ،لا ترى شيئا من هذا الدخان المعبق برائحة البخور والذى إنتشر بالحجرة،إقتربت بوجل من تلك السيدة ذات الشعر الأبيض والعيون التى تكحلت بشدة فأصبحت نظراتها حادة مخيفة تسلطها عليها دون رحمة،جلست (زبيدة)أمامها فبادرتها تلك السيدة على الفور قائلة:
-جاية لية يازبيدة فى الوجت ده ومن غير ميعاد كمانى؟كنك مش خابرة إنى مبجابلش حدا من غير ميعاد.

إبتلعت(زبيدة)ريقها بصعوبة قائلة:
-غصب عنى ياستنا ،مكنش ينفع أستنى اكتر من إكده،اللى عاوزاكى فيه مينفعش نأجلوه للصبح .

طالعتها (عوالى)بنظرة متفحصة وهي تقول:
-وهي إيه الحاجة المهمة اللى متستناش للصبح عاد ياولية،أنى مش وجفتلك حال بنات اخوكى ولحد دلوكيت مفيش عريس بيهوب يمتهم.

قالت(زبيدة) على الفور:
-تشكرى ياستنا،جميلك ده على عينى وعلى راسى طول العمر،وجفتى حال راوية وزهرة بنات ثريا،زي ماحال بتى نوار واجف ياحبة عينى بسببهم،دلوكيت مفيش حدا احسن من حدا،وخليهم جاعدينلها كيف البيت الوجف لحد ماتصرخ وتجول بووه،أنى محجوجالك يازبيدة وحجك برجبتي،اومال مش هي…..

قاطعتها (عوالى)قائلة بنفاذ صبر:
-جصرى ياولية،انى مش فاضيالك عاد،جولى عايزة إيه وخلصينى.

إبتلعت(زبيدة)ريقها قائلة:
-مهران ولد أخوي.

عقدت(عوالى)حاجبيها قائلة:
-ماله؟!

قالت (زبيدة):
-راجع بكرة من بلاد برة .

قالت (عوالى) بغضب:
-طب وانا صالحى إيه بيه عاد؟تكونيش عاوزانى أجف أتحزم وأرجصله.

قالت (زبيدة)على الفور:
-لع ،حاشا لله،انى ..انى يعنى كنت عايزة…..

قالت(عوالى)بحنق:
-عاوزة إيه يامرة ؟ماتنطجى،ضيجتى خلجى.

قالت(زبيدة)على الفور:
-عاوزاكى تعمليله عمل يحب بتى ويطلبها للجواز ..أهه ..جلت اللى عندى.

تراجعت(عوالى)فى مقعدها، يظهر على وجهها ملامح التفكير..طال شرودها فقالت (زبيدة) :
-جلتى إيه ياستنا؟

إعتدلت (عوالى)قائلة:
-الموضوع ده مش سهل وهيكلفك كاتير يازبيدة.

قالت (زبيدة)بلهفة:
-اللى تطلبيه هتاخديه كلاته،ولو هبيع صيغتي كلها بس أنول اللى نفسى فيه طول عمرى.

طالعتها (عوالى)بعيون حادة كالصقر قائلة:
-وإيه اللى نفسك فيه يازبيدة؟تجوزى ابن اخوكى من بتك ولا تكوشى ع فلوس أخوكى وأرضه اللى كتبها للمحروس ولده؟

قالت(زبيدة)بإرتباك:
-فلوس إيه عاد؟وهو أنا محتاجة لا سمح الله.

ضحكت (عوالى)بسخرية قائلة:
-لع،بس الطمع فى دمك يابت مجاهد الهوارى.

نهضت (زبيدة)قائلة بحنق:
-أنى مش طماعة،ده حجى،حجى اللى أخويا واكله فى عبه طول عمره ومرضاش يجسمه بحج ربنا،بعد ماأبويا الله يرحمه ماأستأمنه عليه.

مال فم (عوالى)بغضب قائلة:
-حجك هيرجعلك ياولية.. بس يمين بالله إن إتكلمتى فى حضرتى بالطريجة دى تانى لأخليكى تمشى تتلافتى وراكى من الخوف يابت آمنة.

قالت(زبيدة)على الفور بوجل:
-لع ..أحب على يدك ياستنا،أنى آسفة والله مااجصد ازعلك منى.

طرقات على الباب ثم دلوف (راجى)الذى طالعهما للحظة قبل أن يقول موجها حديثه لتلك الساحرة التى طالعته متسائلة:
-الست نفيسة جت وجاعدة برة مستنياكى ياستنا.

قالت (عوالى):
-إمشى دلوكيت يازبيدة ومصلحتك مجضية بعون الله.

أسرعت (زبيدة)بلف طرحتها على وجهها تخفى ملامحها وهي تغادر بسرعة ،بينما إقترب (راجى)من (عوالى)قائلا:
-كانت عاوزة إيه عجربة عيلة الهوارية دى؟

إبتسمت (عوالى)قائلة:
-اللى عاوزاه واعر جوى،بس بعون الله عوالى كدها وكدود،تعرف ياواد ياراجى لو اللى فى دماغى حوصل يبجى طاجة الجدر إتفتحتلك ياعوالى.

عقد (راجى )حاجبيه قائلا:
-طب وانا يااما،مليش فى الطيب نصيب عاد.

قالت (عوالى):
-واه،لك ياولدى اومااال،وانا وانت إيه مش واحد ياإبن عوالى.

لتطلق ضحكة عالية شاركها فيها ولدها وقد نسيا تماما تلك المرأة التى تنتظر (عوالى)بالخارج.

________________

الغائب سيعود…
هذا السر إذا ….
السماء تزينت اليوم على غير العادة…
والمنزل ازداد بهجة وضياءا…
الدقائق والساعات صارت ذات أهمية….
والجو تملؤه الضحكات ….
فقد آن الأوان لوحيدهم ان يعود إلى قلوب إفتقدته ..
و أحضان تتوق لضمه…
الغائب سيعود…
ومع عودته ستعود الحياة لكل قاطنى منزل عائلة الهوارة…
مع عودته سترتج الجدران… بحرارة اللقاء.

نادى (عسران)غفيره قائلا:
-عواد..انت ياغفير الندامة.

أسرع رجل يحمل بندقية على ظهره إلى الداخل قائلا بسرعة:
-اوامرك ياعمدة.

دق (عسران)بعصاه الارض قائلا:
-حضرت الدبايح ياعواد عشان نراضى الخلج.

قال (عواد):
-حوصل ياحضرة العمدة.

قال(عسران):
-وبعت كامل السواج بالترومبيل يجيب سيدك البيه ياعواد.

قال(عواد):
-من بدرى ياحضرة العمدة.

جاءت (ثريا)من خلف (عسران)تقول ل(عواد):
-إدبح خمس عجول كمان من بتوعى ياعواد.

أطرق(عواد)راسه بإحترام قائلا:
-انتى تؤمرى ياست الحاجة.

رمقها (عسران)بنظرة زاجرة قبل ان يقول ل(عواد):
-روح نفذ اوامر الحاجة ياولد،ومتعوجش عشان عاوزك، ومتنساش تعمل حساب عويلاتك.

قال (عواد):
-خيرك سابج ياعمدة،ربنا يخليلك مهران بيه ويباركلك فيه.

ثم غادر ،لتقترب (ثريا)من (عسران)قائلة:
-مالك ياعمدة بتبحلجلى إكده ليه؟

قال(عسران) بحنق:
-احمدى ربنا انها جات ع البحلجة وبس ياأم مهران..خمس عجول ياولية،ماانا لسة دابح عشرة،ليه بس الافترا ده ؟

ربتت(ثريا)على كتفه قائلة:
-اهدى ياحاج بس ومتتزرزرش،وهو إحنا فى داك اليوم اللى ابننا الوحيد يرجع فيه من الغربة ويجعد وسطينا،ده يوم المنى ولا إيه ياحاج.

طالعها (عسران)بملامح جامدة لم تلبث ان لانت وهو يقول:
-ربنا يباركلنا فى مهران ياأم مهران.

زينت البسمة ثغرها،لتنتفض على صوت (زبيدة)وهي تقول بنبرة ظهرت بها مشاعر الغيرة رغما عنها:
-هو انا جيت فى وجت غير مناسب ولا إيه ياعمدة؟

طالعها (عسران)قائلا بحنان:
-تنورى بيت اخوكى فى اي وجت يازبيدة.

طالعت (زبيدة)(ثريا )الصامتة قائلة:
-منور بأصحابه يااخوي..كيفك يامرت اخوي،متزينة ومنورة وكننا فى العيد ؟

إبتسمت (ثريا)ببرود قائلة:
-باه ،مش ابنى وكبير عيلة الهوارية هيعاود النهاردة،ميبجاش عيد أومال؟

قالت(زبيدة):
-يوصل بالسلامة.

قال (عسران):
-الله يسلمك،أومال فين بتك يازبيدة؟

قالت (زبيدة):
-جاية ورايا،كنت عاوزاك فى موضوع ياحاج.

قال (عسران):
-دلوكيت ؟!

قالت (زبيدة):
-إيون،اصله موضوع مهم ومينفاعش يتأجل..بس ياريت نكون لوحدينا.

قالت (ثريا)بإستنكار:
-اباه وانا غريبة إياك.

تجاهلها (عسران)وهو يتقدم بإتجاه المندرة قائلا:
-تعالى ورايا يااختى.

تبعته (زبيدة)وهي تطالع (ثريا)بعينين شامتتين،حتى إختفيا من امامها،لتقول (ثريا)بحنق:
-جبر يلم العفش،أنى عارفة إنتى نفسك فى إيه وبتحومى حواليه،بس هانت يازبيدة وولدى هيرجع لحضنى،وهجوزه ست البنات،صحيح بتك نوار مش شبهك بس كفاية إنك تبجى امها عشان مجربش منيها واصل، اللى بتحلمى بيه مش ممكن هيتحجج أبدا طول ماانى عايشة،وانى وانتى والزمن طويل يازبيدة يابنت آمنة.

______________

كانت تطالع صورتها الجديدة بالمرآة بعد أن اطاعت والدتها ووضعت بعض الزينة على وجهها،مدت يدها تجدل ضفائرها البنية،وهي تغنى قائلة:
-ياحنة ياحنة ياجطر الندى ياشباك حبيبى ياعينى جلاب الهوا،لو يطلب منى العين راح أقوله خد الاتنين وتحنى فرحتنا سوا..وافرش له ضفايرى على شط الهوى.

شعرت ببعض السعادة تنتابها لتدور وهي تغنى قائلة:
-خدناها من ع الفرشى ،صبوا لأبوها يغسل ايديه..
خدناها وضحكنا عليها..
خدناها خدناها..
بالسيف الماضى وابوها مكنش راضى..
وعشانها بعنا الأراضى..
الحلوة اللى كسبناها…
خدناها بالملايين وأهلها مكنوش راضيين ..
وعشانها بعنا الفدادين…
الحلوة اللى كسبناها…

لتقف فى مكانها فجأة وقد احتل ملامحها بعض الحزن قائلة:
-ياترى ياأبا لو كنت عايش،كنت هترضى تجاوزنى إبن خالى ولا كنت هترفض وتجول مجوزهاش غير اللى يبوس التراب اللى بتمشى عليه بتى؟

ضربت على رأسها بخفة قائلة بحنق:
-باه يانوار،تجوليش إبن خالك خلاص رايدك وطلبك للجواز،ده انتى مشفتيهوش ولا شافك من خمس سنين ياهابلة غير سويعات جليلة ،وبتبجوا انتوا التنين وشكوا فى الأرض من الكسوف،أجولك على حاجة ..متديش ودانك لامك وفوجى،إيه اللى هيخلى واحد متعلم ومعاه شهادة كبيرة زي ولد خالك يبصلك،عيبصلك على إيه إياك؟لا إنتى احلى البنتة ولا حتى بتعرفى تفكى الخط حتى..جومى طسى وشك بشوية مية وشيلى الهباب اللى عليه ده،ويلا شهلى هبابة عشان تروحى بيت خالك،امك جايلالك متعوجيش،واللى رايده ربك هو اللى هيكون يابت زبيدة .

توجهت (نوار)إلى الحمام تزيل آثار الماكياج من على وجهها لتعود ملامحها إلى طبيعتها النقية .. ولكنها تدرك انها لن تستطيع ان تفعل ذلك بروحها التى تحاول والدتها طمسها بكل ماأوتيت من قوة.

 

رواية على الرقاب قدر نافذ.

بقلم شاهندة.

 

الفصل الثالث
___________ قلوب عميــاء ________

ومرة أخرى لا يخلو قلب مرء من الألم ،في غمار بهجته هناك جانب – مستيقظ دائما لسبب ما نجهله – سريّ يفتح ذراعيّه للدموع التي تطفيء اشراقة تلك الإبتسامة فنجده من الصعب المضي قدما متجاهلين حزمة الذكريات المرهقة المنجبرة أن تبقى حبيسة الأضلع التي لولا متانتها لانتصب الحزن على الجسد .

فجرا وقد اشتدّ المطر كما اشتدت الأيادي على معاطف أصحابها ، كانت (ناتالي) في المرآب تركن سيارتها وقد اكتسحتها حمرة تشبه حمرة المرض التي التمعت تحت عرق الحمى و( مهران) يجلس بقربها محاولا البث بقلبها المنتفض سكينة لتجابه غيابه النهائي عنها ، مهما قال مواسيا ومهما سيقول لن يزيل عنها غمامة الحزن التي حطت بإصرار على قلبها ، انها تودع ابنا للمرة الرابعة ، سيرحل وربما يتذكرها بعد أشهر بمكالمة هاتفية أو بالكريسماس بهدية بسيطة تحمل واجبه باتجاهها الذي يجبر عليه ثم تدريجيا يختفي كسائر الأشياء ..
قال (مهران) وهو يفك حزام الأمان ليرتجل من السيارة كما فعلت هي :
_ أنت تجبرينني لأتذكر وجهك الباكي لمدة بقائي هناك إلى أن ألاقيكي ياحلوتي ، أعدك أن أعود لتفقدك في أقرب وقت و…

قاطعته قائلة :
_ لا أريد وعودا أيها الوسيم ، عليك الرحيل ولست مضطرا للعودة ، لقد عادت إلى ذاكرتي الأيام التي كنت أودع فيها أبناء مثلك ،يقفون وقفتك ويعدون ألف وعد يتبخر ما أن تطأ أقدامهم بيتا غير صدري ، كن بخير صغيري وتذكرني وأنت تبتسم ،سأصلي من أجلك دائما .

نزلت دموع (مهران )واحتبست الكلمات بحنجرته فاكتفى بعناقها بصمت للحظات ثم أزاحته بهدوء وقد أمسكت يده وتوجها إلى داخل المطار ثم أردفت :
_ مرت أيام وقد غطى فيها الثلج كل شيء وها قد أتى موعد رحيلك فأمطرت بغزارة كأن روما بعظمتها تبكي رحيلك .

فقال مداعبا اياها :
-إذن سأتذكركما باكيتين هكذا ، كأنه عقاب لي !

كان عقابا أن يتجرع مرارة الفراق لعدة مرات بعد أن فارق والديه طواعيّة ، كل الفراقات هيّنة إلا فراق( شذا)، ترك ندبة على قلبه كالتي على طرف جبينه كلما تحسسها تذكرها .

أقلعت الطائرة فودعته روما باكية وودعها بترك جزء من قلبه المنفطر فيها إكراما لسنوات إحتضانها له .

سويعات قليلة قد اتضح فيها النهار الشتوي الكئيب كانت قد حطت فيها طائرة (مهران )الذي لأول مرة شعر بشيء يشبه عدم الانتماء ليس للبلدة فحسب بل لجميع من حوله ، لفه الصمت طوال الطريق بينما العم (كامل) سائق والده يثرثر بالاحتفال الكبير الذي يقيمونه على شرف عودته إلى وطنه فكان يكتفي بابتسامة باهتة لاتصل إلى عينيه .

وصل الوريث إلى قصره وارتجت الأجواء بقرع الطبول ونفخ المزامير فتبادر في ذهنه ” ناقص أبو تنورة ويبقى مولد الحاج عسران ” ورغما عنه ابتسم وهو يرى لهفة والده الذي يقترب منه بذراعين مفتوحين فضمه إليه بشوق كبير ثم أمسك وجهه بين كفيه كأنه يحاول اكتشاف ماقد نحتته بلاد الغربة بداخله وقال :
_ نورت بلدك ياولدي ، الحمد لله اللي رجعك لينا بالسلامة ،مافيش سفر تاني إنت واعدتني !

قبّل (مهران) يد والده وقال مطمئنا له :
_ متجلجش يابوي معبعدشي من حديك واصل .

وبينما راح والده يدعوا له برضوان الله اقتربت والدته ومن ورائها أختيه هرولة ليسبقها ويقبل يديها ورأسها وهو يشدد من إحتضانها وهي تردد باكية :
-واخيرا عاودت ياولدي لحضني ، حمد الله على السلام ياكبدي .

فتح (مهران) ذراعيه لاختيّه( راوية وزهرة )يحتضنهما بشوق كما تفعلان .

سحبوه إلى الداخل وسيل من الأسئلة يندفع حوله لم يوقفه سوى ظهور عمته (زبيدة )التي ابدت لهفة مصطنعة له غير انه قابلها بذات الود الذي قابل به عائلته فالتفتت إلى (ثريا) وقالت :
_ اهو ولدك عاود يمك ياثريا لاه وبجى حاجة كبيرة، مفخرة البلد كوليتها ، عوجبال ماتفرحي بيه ياخيتيّ .

فردت عليها( ثريا )بتعال :
_ وأنا فى ديك الساعة لما انجي لولدي العروسة اللي يشرفو أصلها وفصلها ونسبها وتبجى ست بنات البلد تؤمر ،الغالي يرخص لها ، عتفرحيلو مش اكده مانتي عامتو وخابرة انك مستنية اليوم دا كومان .

وضعت كل من( راوية وزهرة )يديهما على فمهما تكتمان الضحكات وقد لمستا في كلام كل من والدتهما وعمتها سبا وقذفا بطريقة راقيّة نوعا ما .

أما (مهران )فقد تأبط ذراع كل منهما وسار نحو السفرة الكبيرة التي قد وضعت عليها والدته فطورا شهيا لاتراه يليق سوى ببطن وحيدها وكان يقول لهما :
_ ممكن نفرح بحاجات تانية كاتير غير الجواز زي الوكل دا اللي يفتح النفس .

سحب كرسيا لوالدته فجلست على يمينه ثم لعمته فجلست على يساره فشرعت كل واحدة تصف في طبقه الأكل بلا توقف فاردف :
_ اكفاية اكده محدش هياكل غيري ولا اييه ؟

قالت(ثريا):
_ كل ياولدي تلاجي وكل امك وحشك ، انت كل مرة تعاود خاسس كنك مابتكلش واصل ، هي الحجة متولي مابتوكلكش ؟

قال( مهران) وهو يضحك ملأ قلبه :
_ متولي مين ياأماي دي اسمها ناتالي نا….تا…لي !

دست قطعة كبيرة من الفطير فى فمه كأنها تمنعه من الضحك عليها أمام عمته التي همست ” جاهلة ” وقالت :
_ متولي متولي اجعد انا إياك ابرطم في اسمها الغريب مليش صالح بيها ..كل ورم عضمك ياحبة جلبي .

أما (مهران )فكان يلوك مابفمه بصعوبة بينما اختاه تطالعانه بشفقة ، جلس والده على رأس السفرة وقال :
_ انت عاودت جبل وجتك ياولدي ، مش جلت تخرجك هيبجى فى شهر سبعة ؟ إنت بخير ياسندي!

بلع لقمته برشفة ماء من الكأس التي ناولته إياه أخته (راوية )وقد حاول أن يكون كلامه مقنعا حين قال :
_ بخير يابوي الحمد لله ، أنا جدمت ملف تفاصيل مشروع تخرجي واتفجت أنا والدكتور هتواصل معاه بالنت وأرجع روما بداية شهر سبعة عشان تخرجي ، يعني جعدتي اهناك مكنش ليها عازة فجلت أعاود ، ولا شكلكم إتعودتوا على فرجتي واستغربتوني وسطيكم !

فقال الأب بود :
_ ياولدي من فرحتي بيك مش سيعاني لا أرض ولا سما، أنا كنت بعد سنين غيابك يوم بيوم واستنى ترجعلي وتجف في ظهري والحمد لله عاودت ودي فرحة عيد بجلوبنا كولاتنا .

فقال (مهران )وقد دمعت عيناه :
_ ياجماعة مصرين تبكوني ليه ؟

واستقام يقبل يد والده ويدعوا له بطول العمر وقتذاك دخلت( نوار) تحمل بيدها صحن كبير فتهللت أسارير (زبيدة )وابنتها تلقي التحية عليهم فقابل( مهران) تحيتها بلطف وسألها عن أحوالها كما فعل مع أختيه ، وضعت( نوار )الصحن بين يديه وقالت :
_ عملت ليك بسبوسة ياسي مهران ،يارب تبجى أيامك كلاتها حلوة زي رجعتك .

هم( مهران )ليقول شيء فقاطعته والدته قائلة :
_ ماكنش له عازة تغلبي روحك يانوار خير ربنا كاتير تسلمي يابتي ، اجعدي حدا خواتك اهناك افطري معانا .

جلست (نوار) بجانب( راوية وزهرة) بينما قالت( زبيدة) :
_ لا تعب ولا حاجة بتي نوار شايلة كل شغل البيت عني ولا عمرها اشتكت ونضيفة جوى وأكلاتها ماتتشبعش منيها ، لمن سمعت برجعت مهران كانت هتعمل كل الوكل اللي يحبه بس أنا جلتلها هيحب ياكل من يد امه لول فعملت حلا عشان تحلي أيامه .

فقال (مهران) بمجاملة :
_ تسلم يدك يابت عمتي ، أصيلة ربنا يبارك ، هاكل منيها بس لما افوق ،استأذنكم اطلع أنام ساعة تعبت من السفر ومش شايف جدامي واصل ، بس خليكم متجمعين عايز لما اصحى ألاجيكم عشان جبتلكم هدايا على الله تعجبكم .

غادرهم وأمه تنظر في طيفه وتردد :
– رجعتك أجمل هدية ياولدي .

لاول مرة كان يشعر( مهران) أنه افلت منه شيء ،إنه تائه ويشعر بغربة من نوع ما ، أحاديث عائلته الطيبة التي كانت تطرب قلبه لم تعد كذلك، أيعقل ان يكون غياب( شذا )من فعل به ذلك ؟ حتما هو ،فقد شعر بانقباض قلبه حين تحدثت والدته عن الزواج إنه يعلم جيدا أن رجعته لن تكون بهذه البساطة ستعمل والدته على تزويجه مهما كلفها الأمر .

______

رجعة( مهران )أصبحت حديث البلدة بأكملها ، فقد أقام العمدة بساحة البلدة وليمة كبيرة حضر فيها الجميع ، بالرغم من أن الحاج (عسران) كان رجلا طيبا محافظا يحبه أهل بلدته غير أن هناك أعين حاقدة ونفوس غار عليها الكره تراقبه باستمرار ..

عاد (راجى) إلى بيته الطوبي الذي يقع أطراف البلدة ودخل على والدته الغارقة في سحابة من بخور ورائحة كريهة من العقاقير تزكم الأنوف ،عجب كيف تتحملها ،كان كلما دخل عليها وضع شاله على أنفه ويناديها حتى تخرج إليه ، واصل مناداتها وهو يسعل لكنها كانت مستغرقة فيما تفعل، ناداها عدة مرات لكنها لم تستجب له فخرج ينتظرها وهو يحوم حول نفسه وهو يردد:
– كنه محدش اتعالم غير ولدك في الدنيا دي ياعسران.

مرّت قرابة الساعة أو أكثر على ظهور (عوالي) من غرفتها كان يبدو عليها الإرهاق جلست وهي تجفف العرق من وجهها وقالت :
_ مش جيلالك ميت مرة يابهيم انت معتهوبش ناحيتي لما يحضروني، رايد هبل أكثر من اللي راكبك اياك !

قال بملل:
_ واه راح من بالي ، مهران الهواري رجع وأبوه دابح نص بهايمه ومفرجها على البلد كلياتها وماشي فشخرة بين الخلج كنه الريس ذات روحه .

ضحكت( عوالي) على غضب ابنها وقالت :
_ اباه ، انت مالك بيه ياحزين مايتفشخر؟

استقام بغضب وهدر :
_ مهران زين وانا لاه ؟ احنا بعمر بعض هو يعاود الباشا مهران وأنا اهنا خدام لعفريتك ومضحكة لاهل البلد ..ليه ياأماي ؟ليه هو اتعلم وانا لاه .

دفعته (عوالي) بيدها ليجلس مجددا ووضعت يديها على خصرها وقالت بحدة :
_ هو ولد الباشا من يوم يومه وانت ولد الشيخة عوالي اللي الناس بتعمل لرضاها ألف حساب ، هو اتعلم بس انت مجتدر ..يبجى مين أحسن ، معتخرفش ع الصبح جتتي مش مستاحملة ، واطمن مش عيكون لا فشخرة ابوه ولا حاجة أمك عتعدله ،جوم خلص موضوع الحرمة عتكون مستعوجاك ،وعاود بسرعة عبعتك في جضية .

استقام متذمرا وخرج يتمتم:
-الحريم دي هدت حيل ابوي .

بينما (عوالي )تضحك من غيرته ،ثم ضربت على صدرها ولسان حالها يقول :
-بعد عن النار لعتحرجك إنت وابوك .

دقات خفيفة على الباب لتجدها (زبيدة) فتهلل وجهها ورحبت بها ، جلست (زبيدة) بجانبها وقالت :
_ طمنيني يامبروكة عملتي ايه فى جضيتي عاد ؟

اعتدلت (عوالي )في جلستها وقالت :
_ طلبات الاسياد واعرة ،عتجضيها يخدموكي ماجدراشي يبجى حبي على يد خيّك يجوز بنتك ابنه .

انتفضت( زبيدة )من مكانها وقد تفت مرتين ثلاثة في ثوبها وقالت :
_ لاه ..لاه طلباتهم مجابة على راسي الي عتعوزيه يحضرلك .

قالت(عوالى )بإستنكار:
_ وه وه ..ماعيحضرليش أني ،كله ليهم ..مدد يا أسيادنا مدد .

وراحت تحرك رأسها وترفع يديها يمينا ويسارا و(زبيدة )ترتجف ذعرا وهي تردد :
-السماح يا اسيادنا السماح أنى جاهلة .

توقفت( عوالي) عما تفعله واردفت :
_ جبيلي حاجة لمستها يده وشعر من راس أمه و ريش طير مش مهم نوعه و و..
الأسياد طالبين دهب كتير ..عندك دهب يابت الهوارة ؟

بدأت (زبيدة )في نزع صيغتها ووضعها في حجر (عوالي) وهي تردد :
-كله ليهم ما عايزاش حاجة .

قالت(عوالى):
_ وه وه دي جليلة ياحرمة !

قالت(زبيدة):
_ هجيبلك زييها لما أعاود ،بس انتي ماتعوجيش فى قضيتي، أمه أم اربعة واربعين مش عترتاح غير لما تجوزه وتجهرني .

ابتسمت( عوالي )وهي تلملم الذهبات من حجرها وقالت :
_ ماشي ، اجعدي مكانك هجيبلك حاجة من جوه !

اومات( زبيدة )برأسها بينما دخلت (عوالي) إلى وكرها كريه الرائحة ثم خرجت تحمل بعض الأشياء ، جلست سيرتها الأولى وقالت :
-خدي الحجاب دا ، عتحفريله بعتبة باب جصر أخوكي بعد المغرب واسجيه بالمية ديا ، و الرماد اللي فى يدك ده عتحطيه بمبخرة وتخلطيه ببخورك وبخري بيه بتك ريحتها مش عتعلج بمنخاره بس لاه عتعلج بدماغو كومان .

قبلت (زبيدة) يدها بفرحة غامرة وهي تشكرها وتتمنى لها طول العمر فاردفت (عوالي) :
-متنسيش اللي جولتلك عليه ومهران عيبجى خدامك انتي وبتك .

لفت( زبيدة )خمارها على وجهها وخبأت أشيائها في حقيبتها ورجعت بيتها تتلفت يمنة ويسرة ، من شدة لهفتها لم تنتظر إلى المغرب كما قالت لها (عوالي )بل استغلت انشغال الجميع ودسته أسفل نخلة عند عتبة المنزل وهي تحدث نفسها :
– ماعيفرجشي ليل من نهار.. مهران عيجوز نوار يعني عيجوزها .

______________

كان مايواسي (مهران )في هجران( شذا) له الأحلام التي تلتقي فيها روحيهما ، لم يصدف له أن غط في نوم إلا ورآها – في الأحلام – كان يعاتبها على رحيلها فتسترضيه ، يتحدثان طويلا كما اعتادا ويضحكان ، يتجولان بأريحية كأنهما في عالم تواجد من أجلهما فقط ، فيستيقظ (مهر)ان وقد أطفأ شوقه لها ليوم آخر .

كانت هناك أعلى الجسر الذي ألقت بنفسها منه لأول مرة ،يدها تمتد إليه ..كانت طافية في الهواء وهو يطالعها من الأعلى بقلب يرتجف يحاول إمساك يدها وماأن التقطها حتى هوى على الأرض بينما هي لاتزال طافية تطالعه بخيبة .

استفاق (مهران) وقد وقع من سريره على الأرض ، كان جسده يرتجف وقد شعر بشيء يتسرب من روحه ، استعاذ بالله من الشيطان الرجيم ودخل فتوضأ وصلى ركعتين شكرا لله وركعتين دعاء حاجة فتضرع ربه بكل مايعتري قلبه وجلس يسبح ويستغفر ويحوقل وختمها بالصلاة على الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام .

وجه نظره إلى الساعة فوجدها تقارب الظهيرة فردد بينه وبين نفسه:
-الحمد لله هلحج الضهر جماعة .

حمل حقيبة الهدايا ونزل بها إلى الأسفل فوجد والدته تتحرك بنشاط وقد سحبته إلى الغرفة الصغيرة وقد همست :
_ اطلع من الباب الوراني في جمعة نسوان اهناك ، إيجم يهنوني برجعتك ياكبدي .

فقال وهو ينظر إلى حقيبته :
_ والهدايا ياأماي ؟

فقالت وهي تسحبها من يده :
_ هملها دلوك ، روح لأبوك كان سأل عنيك من شوية وبعد الصلاة يكونوا النسوان انفضوا ساعتها عنشوف الهدايا .

استجاب (مهران) لكلام والدته وخرج من الباب الخلفي لمنزلهم والتحق بوالده وأهل بلدته من أجل صلاة الظهر ومن بعدها توجهوا للغداء بين الناس الذي استقبلوا رجعته بفرحة كبيرة .

كان( عواد وكامل) قد أحضرا الغداء إلى القصر من أجل النسوة المجتمعين هناك أيضا بعدما تخطيا الباب انتابهما دوار خفيف تجاهلاه ظنا منهما أنه نتيجة تعبهم مع كل هذه التحضيرات ، كانت زوجتاهما تعملان بالقصر أيضا زوجة (عواد )كانت العمة( نفيسة) التي ساعدت (ثريا )في تربية أطفالها واهتمت بكل شؤونها منذ بداية زواجها ، والست (حورية )زوجة (كامل )التي أصبحت فردا منهم منذ عملها هنا قبل أكثر من خمسة عشر سنة .

كانت (زبيدة) تحوم بالمكان كقط يبحث عن فأر وما أن غافلت الجميع حتى صعدت إلى غرفة (مهران) ودخلتها تقلب بين أغراضه عن شيء يمكنها أخذه وإخفاءه ببساطة فلمحت عيناها خاتما جميلا من الفضة على طاولته بجانب السرير فالتمعت عيناها وامسكته بسرعة ووضعته بداخل ثيابها ووضعت يدها على صدرها تتحسسه بنصر وتقول :
– معتكنشي غير لبتي ياولد ثريا وجتها هاخد حج أبوي اللى إتحرمت منيه .

خرجت مسرعة كما دخلت واتجهت نحو غرفة( ثريا) فوجدت الباب مواربا همت لتدخل لكن وجدتها هناك قائمة تصلي فهمست تحدث نفسها :
– عاملة فيها الحاجة خضرة ياثريا ،ابجي ادعي لولدك هحسر جلبك علي اللى هعمله فيه .

لم تستطع انتظارها الى أن تنتهي فنزلت إلى الاسفل خوفا من أن يراها أحد .

____________

كان قلب( نوار )فارغا يميل وفق ماتقوله والدتها فحسب ،لقد أوهمتها أن( مهران) يحبها ويريدها لكنها حين لقائها به لم تشعر بشيء نحوه مازالت تراه بذات الصورة التي كانا عليها وهما طفلين كما انها لم تشعر بشيء في كلامه او نظراته يبين رغبته بها كانت في حيرة كبيرة من أمرها ..

جلست الفتيات بالمطبخ يتناولن غدائهن برفقة العمة( نفيسة )والعمة (حورية) التي قالت :
_ ولدي السبع ،العيل كولاتها بتتحدت عنيه وكلاتهم رايدين نسبه ، امها داعيالها اللى عتتجوزه .

لكزت (زهرة) (نوار )وقالت وهي تبتسم :
_ آمين ..آمين ! عوجبالنا يارب .

فقالت العمة (نفيسة ):
-يابت اختشي أهه ..!

لتقول( راوية) :
_ فرحة الولد غير العيلة كولاتها، عايزة تفرح بيه، واحنا فرحنا مش فرح عاد ، الا محدش جال عجبال ما نفرح بيكم !

ربتت العمة (نفيسة )على يدها وقالت :
_ كلاتكم جطعة من الجلب ياحبة عيني ، فرح أخوكم فرح إنما فرحكم غصة بالجلب على فرجتكم ، بس لما ربك يبعت النصيب هنجول أمين يابت جلبي .

فعادت (حورية) لتقول :
_ يابتي انتو شوية ،لازمن اللي يريدكم يحفى ويلف السبع دوخات عشان ينولكم انتم بنات الحاج عسران بهيبته .

شعرت الفتاتان ببعض الطرب من كلام (حورية) إلا( نوار) التي قالت :
_ معاكي حج ياخالة ، محدش له عازة ببت مالهاش أصل وفصل .

لتقول العمة( نفيسة) :
-وه وه لازمته حديتك ده ايه دلوك؟ انتي بتنا من لحمنا ودمنا أصلك يشرف كل البلد، اهيه .

قالت(نوار):
-لا ياخالة ،أنا بت السوكارجي الجومارجي اللي انجتل عشان سرج الناس من أجل دينه اللي معرفشي يسدده ، ده أصلي اللي يعيبني .

فقالت( رواية) :
_ بكرة لما تجوزي اخوي هتبجي ست البنات كلاتهم دا اصلك اللى عتفتخري بيه من اهنا وجاي ،فاهمة ياام دماغ تخين .

احتضنت الفتيات بعضهن بمشاعر أخوية يشعرن بحزن بعضهن البعض ،قاطع ذلك دخول( زبيدة) وهي تنادي على( نوار) :
_ انتي اهنه وانا بدور عليكي ، تعالي عاوزاكي فى حاجة .

غادرت( نوار) تتبع والدتها التي اتجهت نحو منزلهم الذي لايبعد سوى بضعة أمتار عن بيت أخيها وما ان دخلتا حتى همت( نوار) بسؤالها :
_ في ايه ياأماي جايين ومهملين بيت خالي في الوجت دا ليه ؟

فقالت (زبيدة )وقد وضعت ذاك الرماد في المبخرة وعليه بعض البخور المعطر واشعلته وراحت دخنته تعلوا في الفضاء مشكلة سحابة كبيرة ادمعت عينيهما فسعلت (نوار )كثيرا ثم دفعتها لتجلس ووضعت المبخرة بيديها وهي تفرد شعرها المضفور وتتمتم بكلام غير مفهوم لتتذمر (نوار)قائلة :
-عتخنج من الريحة العفشة دي ،بتعملي اكده ليه عاد ؟

لتقول بحزم :
-ببخرك من العين وكيد النسوان ، اجعدي اهنا هبابة وبعدين اكتميها هتطفى لوحدها اوعك ترشي عليها ماي ،خابرة انك هبلة ، اكتميها وعتطفي ،وبعدين عاودي بيت خالك ماتغيريش خلجاتك عاودي زي ماانتى دلوك ، اوعي تعوجي .

تركتها (زبيدة) غارقة في دخان المبخرة وعادت بسرعة إلى القصر فرأت( ثريا )منشغلة بتوديع النسوة فصعدت غرفتها واخذت بضعة شعيرات من مشطها ونزلت بسرعة ثم خرجت من الباب الخلفي متوجهة مرة أخرى إلى بيت (عوالي) من أجل اتمام المهمة .

اطفأت( نوار) المبخرة كما أوصتها والدتها وأعادت ضفر شعرها ووضع المنديل عليه ثم توجهت نحو بيت خالها مسرعة فتعثرت بحفرة على جانب الطريق فالتوى كاحلها ووقعت على ركبتيها متأوهة ، كان (راجى) يمر من هناك فركض نحوها ليساعدها :
_ انتي زينة يا اسمك ايه ؟

فنظرت إليه بغيظ وصرخت :
-مالكش صالح بيا غور من اهنه !

فتقابلت عيناهما وقد استنشق عبيرها الذي انغرس بقلبه كسهم رام محترف فتلعثمت على شفتاه الكلمات ووقف يطالعها بدون حراك فكانت كلما تحاول الوقوف تنزلق رجلها لتجلس على الارض متأوهة فهمست بحنق:
-بينى كسرت رجلي.

قال ببلاهة:
_ هاه !!!

كان مأخوذا بكل حركاتها حتى أنه لم يستمع إلى ماقالته إلا حين بدأت تعرج وهي مبتعدة عنه عائدة إلى منزلها فتبعها من بعيد دون أن تشعر وحال لسانه يقول :
-شكلك وجعت ياولد عوالي .

________________

جلس (مهران) إلى جانب ،بعيدا عن الضجة وفتح كاميرا هاتفه يتحدث مع( ناتالي) وقد صور لها بلدته التي أصبحت مبتهجة بعودته ، أما هي فكانت مستلقية في سريرها لم تتناول شيء منذ رحيله ،لكن اتصالها أعاد إلى قلبها الحياة فحملها إلى أن تدخل إلى المطبخ وتعد عجة وبعض الجبن لتتناوله بنهم .

 

الفصل الرابع

___جمرة بالقلب تلتهب___

نظرت(نوار)إلى فستانها الذى تلطخ بالطين ،لم يعد صالحا بالمرة كي ترتديه وتذهب به إلى بيت خالها،فاخذت حماما وبدلته ثم ربطت كاحلها برباط ضاغط وهي تعاود الخروج من منزلها وتتجه إلى حيث بيت خالها بخطى بطيئة عرجة،ماإن رأتها (ثريا)حتى قالت بجزع:
-واه ،مالك يابتى،ايه اللى حوصل،وكيف إتصابتى؟

قالت(نوار) بسرعة:
-إهدى ياخالة،مفيش حاجة ،أنى بس وجعت فى الطريق ورجلى إتلوت..حاجة بسيطة إكده،حوصل خير يعنى.

إقتربت منها الفتاتان بسرعة يسندانها حتى أقرب مقعد فجلست عليه،بينما قالت(ثريا):
-الحمد لله يابتى،الحمد لله.

نقلت (نوار)بصرها فى البيت قائلة:
– عمى الحاج لسة معاودش هو وسى مهران؟!

تغيرت ملامح (ثريا) على الفور لتقول ببرود :
-لع ،لسة ،يلا شهلى ياراوية إنتى وزهرة ،عشان تساعدونى فى المطبخ،نفيسة و حورية مش هيجدروا يخلصوا الشغل ده كلاتو لوحدهم.

قالت(زهرة)ل(راوية):
-روحى ياراوية مع أمك وأنى هجعد مع نوار آخد بالى منيها لحد ما عمتى زبيدة ترجع.

قالت (ثريا) بحنق:
-جلت اتنيناتكم تاجوا معايا،وهي نوار لو جعدت وحديها هياكلها السبع إياك.

قالت(نوار)بحرج:
-روحى مع خالة ثريا يازهرة ومتجلجيش علية ،أنى بخير،هجوم أريح شوية فى جوضتكم لغاية ما أمى تاجى .

أومأت( زهرة)برأسها وهي تنظر إلى (نوار)بإعتذار قبل أن تتبع والدتها وأختها بينما تركوا (نوار)تتعجب فى نفسها عن سر معاملة الحاجة(ثريا)لها،فحين تعاملها كما لو كانت إحدى بناتها بينما فى بعض الأحيان تشعر أنها تعاملها كغريبة تماما عنها ،مايقلقها هو شعورها بأن الخالة تنفر من تلك الغريبة…كلية.
_____________

تأملت (عوالى)ما وضعته أمامها(زبيدة)بعيون تلمع قائلة:
-متأكدة إن الخاتم ده ملكه ياولية؟

قالت (زبيدة)بلهفة:
-أمال ياستنا،ده أنى جايباه من جوضة نومه بذات نفسيها.

أمسكت(عوالى)الشعيرات قائلة:
-وده شعر ثريا ؟!

قالت(زبيدة)بحقد:
-هو ياكابيرة،لسة أسود زي ماهو،مطالتوش السنين بوجعها ولا خطته بشيبها العجيم.

وضعته (عوالى)على الطاولة تقول بحنق:
-متعبيش الشيب يازبيدة،ده دليل العجل و الحكمة ياولية.

تأملت (زبيدة)شعر(عوالى)الأبيض لتقول بسرعة:
-واه ..يجطعنى ياست الكل، انى مجصدش.

اشارت(عوالى)بيدها قائلة:
-ولا تجصدى…مش هتفرج،جوليلي عملتى اللى جلتلك عليه؟

قالت(زبيدة):
-إيوة ..دفنت الحجاب على عتبة الدار وسجيتها بالمية،وبخرت بتى ببخورك .

أومات(عوالى)برأسها بإستحسان قائلة:
-يبجى تاجيلى بكرة وتجيبيلى البشارة كمان.

قالت(زبيدة):
-طب والحاجات دى ياكبيرة،هتعملى بيها إيه عاد؟

قالت (عوالى)هادرة:
-ملكيش صالح ياولية،وجومى يلا روحى دارك عشان وجتك خولص وأسيادنا جربوا يحضروا.

نهضت (زبيدة)بسرعة وهي تغادر المكان ليوقفها صوت (عوالى)وهي تقول:
-انتى يامرة.

إستدارت (زبيدة)تتطلع إليها فى وجل،لتردف (عوالى )قائلة:
-متنسيش بجية دهباتك ،تجيبيهم وانتى جاية..مفهوم؟!

اومأت(زبيدة)بسرعة،لتردف (عوالى)قائلة:
– مستنية إيه؟غورى من إهنه.

اسرعت(زبيدة)بالخروج بينما ألقت (عوالى)بحفنة من البخور فى مبخرتها ،ليتصاعد الدخان وهي تقول:
-جبر يلم العفش.

وقعت عيناها على الخاتم وتلك الشعيرات،لتمسكهما مجددا وهي تطالعهما بعيون تلمع قائلة:
-والله ووجعتى فى يدى ياثريا انتى وولدك ،وابجى ورينى ياعسران هتعمل إيه عشان تنقذ اللى بعتنى عشانهم من مصيرهم المحتوم على يدى،جه أوان الإنتجام والإنتجام عيكون واعر جوى ،كيف الجرح ماهو واعر جوة جلبى ياإبن آمنة،والبادى أظلم.

__________________

أتذكر ذلك الماضى البعيد الذى حمل ذكرياتنا،لم أجد سوى أطلال بالية وأحلام ذبحت بسكين الغدر وحب وارته الخيانة…
ذكريات عن عشق ظنناه للأبد،عن عشق منحنا يوما آمالا بلا حدود وبعث فى قلوبنا ضياءا..
عشق أضحى اليوم تحت تراب الماضى …
إحترقت رفاته بالكامل فلم يبقى منه شيئا ملموسا …
لم يبقى منه سوى جذوة نار وجمرة بالقلب تلتهب..
فلم نعد نستطيع إبقاء جذوتها مشتعلة فى مستقبلنا…
وأصبح إخمادها فى حاضرنا مستحيلا…

*************

قالت بمرارة:
-متهملنيش وتمشى ياعسران،مش أنا جلبك اللى متجدرش تعيش من غيره زي ماجلتلى جبل سابج؟

قال(عسران)بألم:
-مبجاش ينفع ياعوالى،جصتنا إنتهت ،أنا مرتى جابت الواد وأبويا هددنى لو مجطعتش علاقتى بيكى هيحرمنى من الميراث،وهيطردنى براة البلد ،هنعيش إزاي وجتها إياك؟

قالت(عوالى)بلهفة وهي تمسك يده :
-هنهمل كل حاجة ونرميها ورا ضهرنا،وهنشتغل ياعسران،إحنا مش محتاجين أبوك ولا محتاجين ماله،المهم نبجى مع بعض.

نزع يده من يدها وسط صدمتها وهو يقول:
-وثريا وولدى والعمودية؟أهملهم كيف يعنى؟

تراجعت خطوة قائلة بتوجس:
-جصدك إيه ياعسران؟

قال (عسران )بحزم:
-جلتلك جبل سابج،جصتنا إنتهت لحد إكده،وكل واحد عيروح لحاله.

قالت (عوالى)بصدمة:
-إكده،بكل بساطة عتفارجنى؟بعد الحب اللى حبتهولك،ده أنى معزتش عليك نفسي،روحي،جسمي اللى ملمسوش حدا جبلك ،وفى الآخر تجولى خليص ياعوالى،كل حاجة بينا خلصت وكل حدا يروح لحاله،ياخسارة ياعسران..ياخسارة.

أطرق (عسران)برأسه بخزي،قائلا:
-غصبن عنى ياعوالى،لو كان بيدى….

قاطعته قائلة:
-متكمالش،روح ياإبن آمنة،روح لمرتك وولدك أما أنا فلية رب كريم يتولانى.

رفع رأسه يطالعها بألم فأشاحت بوجهها بعيدا عنه،إستدار مغادرا بخطوات بطيئة،بينما فتحت هي محابس دموعها ،تسمح لعبراتها بالسقوط تباعا فى صمت ،وضعت يدها على بطنها مرددة بهمس:
-متجلجش ياضنايا،لينا رب كريم هيتولانا.

عادت (عوالى)من بحور الذكريات المرة،تتجرع مرارتها وكأنها صارت بالأمس فقط،وكأن تلك السنون لم تمر،ولكنها بالفعل مرت ومع مرورها لم تستطع الوفاء بوعدها لنفسها،لقد أقسمت على الإنتقام ممن حرمها من حب عمرها وحال دون إجتماعها به،اقسمت على الإنتقام من (ثريا)وولدها الذى أخذ مكان وليدها (راجى) ،وصار لهما ما كان من المفترض أن يصير لها ولولدها،ولكن حان الأوان لتبر بقسمها وتأخذ مكانها هي وولدها إلى جوار عشقها القديم…..(عسران).
لتنطلق منها ضحكة شيطانية تماما كهؤلاء الشياطين الذين تحالفت معهم وأصبحوا أسيادها و رفاقها.

_______________

كانت (ثريا)تمر بجانب فتياتها حين تناهى إلى مسامعها صوتهما وهما يتهامستان،كانت (زهرة)تقول:
-بردك حلمت بيه إمبارح،كان واجف جصادى يبحلجلى زي كل مرة.

قالت(راوية):
-وأنى كمان ولما جربت منه إختفى كيف السحر ومبجاش منه غير شال إسود بلون الليل.

إنتفضا على صوت(ثريا)وهي تقول:
-مين ده اللى كان واجف يبحلجلك يازهرة واللى شفتيه انتى كمانى ياراوية.

إستدارا إليها لتقول (زهرة) بإرتباك:
-ده حلم ياأما.

نظرت (ثريا)إلى (راوية) قائلة:
-وانتى بردك كنتى بتحلمى يابتى؟

قالت(راوية) بسرعة:
-والختمة الشريفة حلم ياأما.

نقلت(ثريا)بصرها بين الفتاتين قائلة:
-بتحلموا انتوا التنين بحلم واحد ؟

أومآ برأسيهما لتردف فى قلق:
-والحلم ده فيه واحد بيبحلجلكم؟

قالت(زهرة):
-مش واحد ياأما،دى جطة سودا كيف الليل.

أصاب (ثريا)الهلع لتقول:
-أعوذ بالله من الشيطان الرجيم،جطة سودا،يامرارك ياثريا،والجطة دى بتشوفوها من ميتة؟

قالت (راوية)بقلق:
-من ياجى سنة إكده،خير ياأما،جلجتينا.

قالت(ثريا)وهي تحاول ان تتمالك نفسها:
-خير يابنات،متنخلعوش،كملوا اللى فى يدكم وحصلونى على المندرة،فات أبوكم جاي هو وأخوكم،متعوجوش.

أومآ برأسيهما يتابعان والدتهما التى غادرت بسرعة المطبخ بعيون حائرة،قبل ان يهزا كتفيهما ويواصلان عملهما بسرعة كي يلحقا بوالدتهما.

________________

كان يرسم وجهها بعصاه على الأرض..
نوار..
إسمها كما عرف لاحقا.
جميلة مثله..
مرت كنسمة رقيقة فى حياته القاحلة..
لم يراها من قبل فى قريته ولكنه بالتأكيد سمع عنها.. فهي الإبنة الوحيدة لأخت العمدة..
تلك السيدة التى يمقتها والتى تزور والدته كثيرا.. تقصدها فى أعمال هو يكرهها من كل قلبه ولكنه مضطر لأن يتعامل معها..
فوالدته من تقوم بتلك الأعمال وقدره أن يسايرها ويطيع أوامرها….

تنهد وصورتها تطل أمام عينيه،تمحو هذا الظلام من محيطه،تمتد صورتها لقلبه فتنير ظلمات قلبه بدورها،أخذ نفسا عميقا،ماتزال رائحتها عالقة به،تمر بخياله فيستنشقها على الفور،كم يطيب له ريحها،كطيب وجهها العذب الرقيق.

أفاق من شروده على صوت والدته وهي تناديه بحنق،ترك عصاه أرضا وأسرع ليلبى ندائها،ما إن رأته حتى قالت بحنق:
-كنت فين يامتعوس؟نادمت عليك كاتير.

قال (راجي) بنفاذ صبر:
-هكون فين ياأما عاد،أدينى متلجح برة .

طالعته بحنق قائلة:
-مجبتش الحاجة من الست عديلة ليه؟

قال(راجى):
-جبتها ياأما بس لما لجيت الست زبيدة عنديكى ،إستنيت برة لحد ماتغور.

قالت(عوالى):
-طب شهل وهات الحاجة ،عايزة أخلص منيه العمل ده عشان أجعد وأمخمخ للكبيرة بجى واللى هتنجلنا نجلة تانية خالص ياولد عوالى.

عقد حاجبيه قائلا:
-تجصدى إيه ياأما؟

قالت(عوالى) بحنق:
-ملكش صالح،جلتلك هات الحاجة وهملنى دلوك.

أومأ برأسه وهو يغادر الحجرة مهمهما بحنق:
-روح يا راجى وتعالى ياراجى،وملكش صالح ياراجى،والله راجى جرب يطج منيكم يانسوان كفر الهوارية.

_________________

كان يمشى فى الطرقات ،يتأمل تلك القرية التى يعشقها…
إنها بلدة هادئة،مزينة يالأشجار الخضراء…
حقولها شاسعة تزينها الآن فى فصل الصيف عيدان الأرز الكثيفة وأشجار القطن بذهبها الابيض ،اما فى الشتاء فتزينها عيدان القمح الذهبية..
أنفاس عليلة،وربوع تريح الاعصاب وسواقى تسر النظر..
تأمل الجميع من حوله،هذا رجل يجلس وحده يوقد النيران فى بعض الأغصان ليعد كوبا من الشاي،وتلك إمرأة تحمل شيئا فى سرة ،ربما كان الطعام لزوجها …
القرية فيها أناس طيبون،أسرة واحدة،يعرف الغريب بينهم بكل سهولة..

كم بدت قريته بعيدة كل البعد عن شوارع روما الصاخبة وعماراتها الشاهقة …
كم بدت بعيدة عن الزحام والضوضاء ..وكم بدت عزيزة على قلبه كزوجة أولى،يعود إليها دوما حتى وإن تزوج غيرها،فتظل هي الأصل والوطن.

أطلت بصورتها فجأة على خاطره ،فأصابت قلبه بغصة،أصبحت فى حياته ذكرى ،كان يطمح ان تكون له حاضرا ومستقبلا،كانت كضوء الشمس فى حياته المظلمة،ثم رحلت فجأة فاعادته لظلام حالك،كم يتمنى لو أنه لم يلتقيها قط…
فوقتها لن تغص حلقه تلك المرارة ولن يشعر بجمرة فى القلب تلتهب لذكراها…
وقتها كان سيعود هو (مهران)…
هذا الذى ظن دائما أن الذين لا يؤمنون بالحب تبقى قلوبهم سليمة،قطعة واحدة يحافظون عليها كما تحافظ الخمسينينة على ملامحها الجميلة بإستماتة ،وكان يحافظ على قلبه بذات الإستماتة.

أفاق من شروده عندما إصطدم به أحدهم،أسرع بإسناده قبل أن يقع،وماإن ادرك أنها إمرأة حتى إبتعد عنها على الفور قائلا:
-أنا آسف،كنت سرحان ومخدتش بالى.

ضمت المراة شالها على وجهها قائلة بخجل:
-حوصل خير ،إنت شكلك غريب عن البلد،مش إكده؟

تعجب من سؤالها ولكنه قال:
-لأ مش غريب،أنا من البلد دى.

لمعت عيناها اللتان تظهران من تحت شالها وهي تقول:
-طب لو مفيهاش مضايجة لحضرتك،ممكن تدلنى على بيت نوار الأسيوطى.

عقد (مهران)حاجبيه قائلا:
-ممكن أعرف عاوزاها ليه ؟

عقدت المرأة حاجبيها قائلة:
-ملكش صالح،جاوب ع كد السؤال،أو فوتنى لحالى وأنا أسأل حدا تانى.

قال(مهران):
-وعلى إيه بس ؟إمشى طوالى لحد ماتلاجى بيت كبير ،بعديه هتلاجى بيت أصغر شوية ،ده يبجى بيت نوار الأسيوطى.

قالت المرأة:
-شكرا ياسى الأستاذ.

قال(مهران):
-تحبى أوصلك؟

إتسعت عيناها بصدمة قائلة:
-واه ،هو عشان وجفت أسألك سؤال يبجى خلاص هاخد وأدى وياك فى الحديت عاد،بعد ياأخوي من جدامى خلينى أفوت.

تنحى (مهران)على الفور ،فغادرت المرأة المكان بخطى سريعة،ليبتسم (مهران)إبتسامة هادئة وهو يفكر فى نفسه..شيئ آخر لم يجده فى روما وتميزت به بلدته كثيرا….إنهن فتياته ذوات الدم الحار.

________________

قالت (ثريا)بحنق:
-فين ولدك ياعسران؟

نزع (عسران)عنه عمامة الرأس قائلا:
-جالى هيتمشى شوية فى البلد يأم مهران عشان متوحشها.

خلعت عنه عبائته وهي تقول:
-كان جه إرتاح هبابة،البلد مش هتطير عاد.

قال(عسران):
-إنتى عارفة ولدك،عيحب البلد كد عنيه،وماصدج عاود عشان يلفلف فيها.

قالت(ثريا)وهي تطوى العباءة :
-صوح،هو ده ولدى مهران.

لتصمت قبل ان تقول مترددة:
-عاوزة أسألك سؤال ياابو مهران بس تجاوبنى بصراحة.

نظر (عسران)إليها قائلا:
-إسألى يأم الولد؟وانى من ميتة بنكدبوا عليكى.

قالت (ثريا):
-مش جصدى بس اللى عسألك عليه يمكن متبجاش عايز تجولهولى.

قال (عسران)بنفاذ صبر:
-ماتنطجى ياولية وتخلصينى.

قالت(ثريا)على الفور:
-هي خيتك كانت عاوزاك فى إيه النهاردة الصبح؟

قال(عسران) وهو يهز كتفيه:
-كانت بتجولى انه آن الأوان ان مهران يتجوز وإنى لازم ولابد أختارله عروسة عشان يمد جذوره فى أرضنا وميعاودش بلاد برة من جديد.

أصاب ظنها كما يبدو،تريد تلك ال(زبيدة) تزويج إبنتها لوحيدها ،وتمهد لأخيها ذلك الموضوع،حسنا ..لن تنال مأربها طالما هي حية ترزق،افاقت من شرودها على صوت زوجها وهو يقول:
-والله ياثريا أنى معاها فى حديتها، ونويت اجوز الواد،بس ألاجيله عروسة بنت أصول وتبجى من لحمنا ودمنا.

قالت (ثريا) بهلع:
-جصدك نوار؟

قال (عسران):
-وليه لع،أهى بتنا ومتربية وسطينا.

قالت(ثريا):
-بس أبوها كان جومارجى وانجتل عشان سرج،وامها زبيدة يأبو مهران اللى عيونها كلها طمع فيك وفى مالك.

قال (عسران):
-أبوها مات واندفن واندفنت معاه سيرته العفشة وأمها لو طمعانة فى مالى فده حجها ومالها هي كمان ولو جوزت ولدى لبتها هتهدى وتعود خيتى اللى مكنتش بتحب حدا فى الدنيا كدى أنى.

قالت (ثريا):
-ياعسران….

قال بحزم غاضب:
-جفلى ع السيرة دى ياثريا، ويكون فى معلومك لو ولدك رايدها هجوزهالوا ،لكن لو مكنش رايدها يبجى فيها كلام تانى عاد.

هدات( ثريا )وهي تدرك ان ولدها لا يحمل مشاعر فى قلبه لابنة عمه سوى مشاعر الإخوة،لذا فقد إقتربت منه تربت على صدره قائلة:
-طب إهدى ياحاج عشان ضغطك ميعلاشى.

قال بحنق:
-هديت أهه،همليني بجى عشان اريح هبابة جبل ماعمد البلاد اللى حوالينا مايجونا عشية عشان يهنونا ع رجعة ولدك من السفر.

قالت(ثريا):
-هسيبك ياحاج،بس فيه موضوع إكده حابة أكلمك فيه جبل ماتنام.

قال(عسران):
-موضوع إيه تانى عاد؟والموضوع ده ميستناش لعشية؟

قالت (ثريا):
-لع ،ده موضوع يخص بناتك ياعسران.

عقد (عسران)حاجبيه قائلا:
-مالهم البنات ياولية؟

قالت(ثريا)بتردد:
-الظاهر يعنى يأبو مهران ، إن حد يعنى ساحرلهم ياحاج.

لتتسع عينا (عسران)….بصدمة

 

الفصل الخامس :

_____داء ودواء_____

تضيق القلوب بالحب كما تتسع وتأخذ من الألم نصيبا في كلتا الحالتيّن ، الأمر المرهق بحد ذاته أن لايكون للحب جزاء سوى العقاب الذي تتقاسمه القلوب كأنه ميراث شرعي فدائما حظ الرجل منه مثل حظ أنثَييّن .

***

في بلدة صغيرة ،كهذه الجميع يؤمن بالتخاريف والأساطير ، فكان هذا رأي الحاج (عسران) حين أخبرته( ثريا )بأن بنتاه يمكن أن تكونا مسحورتيّن قائلا:
_ عتخرفي وتجولى ايه إنتي ، وخري ..وخري اكده عشان اتخمد وسكري وراكي الباب .

ابتعدت من طريقه لكنها لم تغادر بل جلست على طرف السرير وقالت :
_ كيف مابجولك إكده ، البنات بتشوف نفس المنام من سنة ، جال قطه سودا بتبحلجلهم ، معناته إيه ده يتكرر عنديهم هما التانين ..هاه !

استقام (عسران) في جلسته وقال بنفاذ صبر :
_ ويسحرولهم ليه بجى ياام العريف انتي ؟

فقالت :
_ وووه ..غيرة وحسد ياحاج ،عيكون ايه غير اكده ، إنت مافكرشي لمن تعبوا هما التانين مع بعضهم وخسوا لنص وزنهم ياكبدي ، شعرهم بيجع وبيحسوا بوجع كيف العجايز ، هاه جولي اكده دا معناتو إيه ؟

بدا عليه التفكير ثم تمدد وشد عليه الغطاء وهو يقول :
_ باين حد مسلطك عليا روحي شوفي ولدك اللي اتوحشتيه ،وهنتحدت لما أفوج ، وسكري ع السيرة العفشة دية عتخرعي بناتك .

غادرت( ثريا )الغرفة وهي تتمتم :
_ ناام ..ناام بس هتشوف ان كلامي صوح ، أنا حاسة بكده بس مانتبهتش جبل سابج وإتوكدت من منامهم ، حسبي الله ونعم الوكيل في اللي رايد لينا الأذية .

كانت تسير ببن الغرف لتلمح (نوار) متمددة على فراش( زهرة) تبكي فدخلت عليها واحتضنتها وهي تقول :
_ مالك يابتي بعيد الشر عن جلبك ،حاجة بتوجعك ياحبة عيني ؟

لم تجبها (نوار) بشيء كانت تبكي فحسب ، توسدت ركبتيها وراحت (ثريا )تربت على شعرها محاولة تهدئتها وهي تقول :
_ مين زعل بتي المليحة ؟!

فقالت (نوار ):
_ جدري ياخالة ، هيكون مين غيره ، جدري اللي خلاني كيف اللجمة اللي واجفة فى زور أي حدا لا عارف يبلعها ولا يتفها ، أنا اكده محدش عارف يحبني ولا يكرهني ، أنا ماليش صالح باللي عملوا أبويا ولا اللي بتعملوا أماي اياك ، انا نوار بت زي بنات البلد غشيمة جاهلة وعفشة ،أنا راضية بس مهياش وحشة وجليلة برديك،حتى انتي ياخالة ساعات بحسك أحن عليا من أمي وساعات بكون كيف الغرب بدارك .

التفتت تطالعها وقد كانت دموع (ثريا )تتسابق على خدها وأردفت :
_ اكمني بنت زبيدة وعباس صوح ؟ ولا عملت حاجة بتضايجك؟

شددت( ثريا )من عناقها وقالت :
_ إنتي بت من بناتي يانوار ومعتكونيش غير اكده لو بت مين كنتي عتفضلي بت جلبي ، والام كيفك اكده ساعة بتحاني وساعة بتهش وتنش اوعاكي تفكري إنك غريبة عن جلبي وداري بحبك يابتي وربنا عالم .

قبلت (نوار) يد زوجة خالها وهي تقول :
_ ربنا مايحرمني منك ياخالة .

أزاحتها( ثريا )عن صدرها وقالت :
-جومي طسي وشك بشوية مي عشان عنيكي نفخت وتعالي انزلي للبنات تحت ، انا هاسبجك وأسود ليلهم لو لجيتهم ماخلصوشي اللي طلبته منيهم ..جومي ياجلبي ..جومي !

دخلت (نوار) لتغسل وجهها فخرجت (ثريا) من الغرفة وهي تتمتم :
-إنتي بتي يانوار دامك بعيدة عن ابني .

_______

عادت الطمأنينة تغزو قلب( مهران) وسط أهل بلدته الطيبين ،تجواله في الحقول كان بمثابة هدنة نفسية له، كأن طيف (شذا )يرافقه ، عاد إلى منزله من الباب الخلفي كما خرج منه ودخل من المطبخ فوجد أختيه والعمة (نفيسة )التي يحبها كثيرا والعمة (حوريّة) يتحدثن بعفوية بسيطة تجعل مراقبتهن شهية كالحلم ، أسند كتفه على الباب وهو يراقبهن وقد انتابه حنين إلى الأيام التي قضاها بعيدا عنهن .

لمحته العمة( نفيسة) ففتحت ذراعيها وأومأت له بابتسامة لطيفة فذهب إليها واخذ يقبل يديها ورأسها وهي تتمنى له رضى الله والبركة ..
جلس بينهن فأحضرت له العمة( حورية) كأس شاي ساخن فلف يديه حوله وقال :
_ تسلم يدك ياعمة ، جيه فى وجته أنا سجعت من اللف برا ، بس عندنا دفى برديك،مش كيف اهناك السجعة تنخر العظم نخر .

فقالت (حورية) :
_ كيف أهلها ساجعين مافيش دفا بينهم .

فقال وهو يضع الكأس بعد أن أخذ رشفة منها :
_ لاه ياعمة ، في ناس كيفنا كيف ناتالي مثلا ، هي اللي هونت عليا الغربة ،فيها من ريحتكم ،ست زينة وعاملتني كيف ولدها .

وقتذاك دخل( عواد) وقد أصدر نحنحة، كان يبدو عليه التعب ،اقتربت منه العمة( نفيسة )بلهفة قائلة:
_ وه وه مالك ياخوي ،ماكنشي فيك حاجة من شوية .

جلس (عواد )وهو يتصبب عرقا وقد احمرت وجنتاه السمراوتين التي خط عليهما الزمن تفاصيله ، اقترب منه (مهران) وقال :
_ اسند عليا ياعم عواد هاخدك دارك ترتاح وأشوف لك دكتور باينك تعبان ، تعالي معايا ياعمة .

بينما راح البقية يدعون له بالسلامة .

أخذه( مهران) إلى داره الذي هو عبارة عن ملحق داخل القصر الكبير بالحديقة الكبيرة ، وضعه بسريره وقد اشتدت حمته فقال للعمة (نفيسه) :
_ خففي لبسه ياعمة واعمليله كمادات على ماأعاود .

ارتبكت العمة وخافت على حاله فقال (عواد) بعدما خرج (مهران ):
_ ماتخفيش يانفيسة أنى زين ،هو هوا الشتا ،هبجى كويس بعد شوي.

أما( مهران) فخرج ينادي على (كامل) الذي لباه مسرعا فأخبره على حالة العم (عواد) وضرورة إحضار طبيب له ، لكن (مهران) لاحظ شحوبا على وجه (كامل )هو الآخر وتصببه عرقا فسأله:
_ إنت بخير ياعم كامل ، باينك تعبان انت التانى ؟

فنفى (كامل )ذلك قائلا:
_لاه أنا زين ياولدي ، هروح أجيب الداكتور من المستوصف واعاود بسرعة .

لكنه مالبث أن سار خطوتين حتى جثى على ركبتيه أمام احد الأشجار يتقيء بألم وصوت مرتفع ..
استدار باتجاهه (مهران) وهو يتمتم :
– اكلوا حاجة مش زينة ولا مالهم دول؟

ليعلو صوته مردفا:
-شكلك محتاج داكتور انت كمان ياعم كامل خليك موطرحك هجيب الداكتور يفحصكم انتو التانين!

قبل أن يغادر عرج على المطبخ وقال مخاطبا العمة (حورية ):
_ اغلي شاي أعشاب للعم كامل ياعمة كنه تعبان هو التانى.

فقالت بخوف :
_ ياحوستي ماكنشي فيه حاجة من شوي، هروح أشوفه لول .

خرج( مهران )يحوقل ويبسمل مما أصاب العميّن على حين غرة .

وصل إلى مستوصف البلدة فوجده يعج بالناس كأن أهل البلد اتفقوا جميعا أن يمرضوا في يوم واحد ، فالقى السلام وسأل عن الطبيب فكان منشغلا جدا بالحالات التي بين يديه ، فقال :
_ ألف سلامة ياجماعة !

وما أن قال كلمته حتى انفجرت شكاويهم في وجهه :
_ مرتي وبتي من ساعة مارجعوا من عنديكم وهما فى حالة مايعلم بيها الا ربنا ..

وقال الآخر :
_ أمي ماكنش فيها حاجة و وجت مارجعت وهي بتستفرغ وسخنه ..

وقال الآخر :
_ كل النسوان عيانين كيف بعض بعد ماعاودو من عنديكم .

فقال( مهران )بحيرة :
_ لا حول ولا قوة الا بالله ، كيف اكده ؟

فقال أحدهم :
_ يمكن من الوكل ، وكلتوهم ايه اياك ؟

فقال (مهران )بحزم :
_ الوكل اللي كل منه أهالي البلد كولاتها ، وانت كمان اشمعنى ماصبتكش حاجة إنت وأنى وكل الرجالة والبجيّة ؟ على العموم هتأكد بنفسي لو كان الوكل يبجى ليكم علينا حج ليوم الدين ، بس لازمن تعرفوا ان أهل بيتي تعبانين كومان ..

فقال أحدهم :
_ يبجى خلاص هو الوكل .

فقال( مهران) بنفاذ صبر :
_ ماجلنا هنشوف !

اتجه نحو الطبيب وسأله :
_ أعراض ايه اللي عنديهم ديه ياداكتور ؟

فاجابة الطبيب بعملية :
_ كنهم وخدين برد مش تسمم ولا حاجة، يعني مش من الوكل .

فقال (مهران):
_ اكتبلي على علاج يادكتور الله يباركلك الجماعة عندي تعبانين كيفهم كمان .

فقال الطبيب وهو يخط على ورقة :
_ حقن يامهران بيه ، لازم ياخدوا الحقن دي ،الف سلامة معافيين باذن الله .

فصافحه (مهران) بامتنان وقال :
_ توشكر يادكتور الله يقويك .

واردف بصوت مرتفع :
– ألف سلامة ياجماعة .

توجه إلى البيت وهو يفكر في هذه الحالة التي أصابت الجميع ، حقن العم (عواد )وكذلك( كامل) وسقتهما زوجاتهما بعض الأعشاب ومن ثم غطا في نوم عميق ..

اتجه نحو اامطبخ مجددا فوجد والدته هناك فأخبرها بما جرى فاستغربت أمرهم وأخذت تتذوق الأكل والحلويات وتشمها ثم قالت :

_ الوكل زي الفل مافيهوش حاجة ، وكلاتنا أكلنا منيه وماجراش حاجة، احنا جدامك أهه .

فقال لها :
_ خلاص ياأماي ، اكيد مش من الوكل ، هو فين ابوي ؟

فقالت وقد تذكرت أنه طلب منها أن توقضه :
_ راجد فوج ، كويس انك فكرتني ، هروح أصحيه يلحج العصر .

فقال :
_ هطلع انا كمان اتوضى واغير هدمتي عشان نروح الجامع مع بعض .

دخلت (ثريا )لتوقظه فوجدته محموما يهلوس بكلمات غير مفهومة وجبينه يتفصد عرقا فنادت بصوت عال فزع على (مهران) الذي لباها مسرعا :
_ إلحج ابوك يامهران باينه عيان !

تفحصه( مهران) وقد رأى بأن حاله مثل حال البقية
فقال مطمئنا :
_ ماتخافيش ياأماي هديلو حجنة ويبجى كويس ، انتي غيري هدمته على ما اجيب الحجن جبل ماتخلص من الاكزخانة باينها البلد كلاتها مرضت بذات المرض.

فخرج مرة أخرى متجها نحو الصيدلية واحضر حقنا إحتياطية وقد أوصى الصيدلاني أن يزود مخزونه من هذه الحقن فيبدو أهل البلد قد أصابهم فيروس واحد جعلهم طريحي الفراش في غمضة عين .

مضت ليلة ثقيلة على الجميع بعد ان حضر عمد البلدات المجاورة واعتذر منهم( مهران )على عدم تواجد والده بسبب مرضه فتفهموا الامر وغادروا بعد أن أكرم ضيافتهم .

جلس بجانب والد وأخذ يرتل أيات الله على مسمع منه حتى انخفضت حرارته وجف عرقه وهدأت هلوسته

****

القلوب السوداء التي يتملكها الحقد لا يرضيها سوى أن ترى الألم بغيرها هكذا جلست (عوالي )على سطح بيتها الطوبي والرياح تعصف عصفا تتلذذ بما أصاب الناس جميعا وهي تدرك أن ذاك سيجعلهم يلقون اللوم على عائلة العمدة وينفرون منهم ، انضم إليها (راجي) وقال :
_ الدنيا سجعة ياماي واجفة عنديكى ليه بالوجت دا شكلها عتمطر ؟

فقالت دون أن تطالعه :
_ السجعة ديه مانزلتشي على جلبي من زمان ، أني مرتاحة اكده .

حك راجي لحيته وقال :
_ انتي بتكرهيهم اكده ليه ياماي ؟

فقالت بغضب :
_ مالكش صالح ياواد .

فقال بغضب :
_ كيف ماليش صالح ! واللي بنعملوا في الناس كومان ماليش صالح ، احنا بنغلط ياأماي وبنإذي ، وجعتنا سودا مع ربنا ، في شر جواتنا كبير، احنا مش كيف البشر …

أمسكته من تلابيبه وقالت :
_ احنا مش كيف البشر عشان ماليناش ضهر نتسند عليه ، احنا بنجيب حجنا من عنين اللي يعادينا ماحدش احسن منينا فى حاجة .

فقال وهو ينظر إلى عينيها بحزن :
_ واخرتها إيه ياأماي ؟

تركته والتفتت تنظر إلى الاضواء المنارة من الدواوير وقالت :
_ ماخبراشي ، المهم يرجع الحج لصحابه برضاهم أو غصبن عنيهم .

كان راجي يريد أن يخبرها أن قلبه بدأ ينبض من أجل شخص آخر لكنه كان يعلم أنها لن تدعه وشأنه تريده كما هو …خادمها فقط .

******

صورتها هي كله ماتبقى له منها ، وضعها (مهران) أمامه ولسان حاله يعاتبها ، تمنى لو نطقت وأخبرته لما رحلت هكذا وأخذت قلبه معها دون تفسير ، كان عليها أن تخبره بمكانها أو إسمها على الأقل حتى يستطيع ايجادها ، كان يخاف أن تقدم مرة أخرى على الانتحار فلا يلقاها مجددا فكان يعزيه وعدها أنها لن تفعل إكراما لحبها له ..

وقت ذاك سمع أصوات تأتي من غرفة أختيّه فاستقام يرى مايحدث ، توجه نحو غرفتهما وطرق عليها فعم الصمت والهدوء بداخلها ففتحها دون أن يؤذن له ، وزع نظره عليهن بدهشة ثم قال وهو يجمع يديه على صدره :
_ هااا عتفهموني ايه اللي بيوحصل اهنه ولا أنادي الحاجة ثريا ؟

اقتربت منه( راوية) بلهفة وأمسكته من يده ثم أغلقت الباب :
_ لاه لاه ياخوي أحب على يدك ، لو عرفت أمي عتعلج مشنجتنا !

فقالت (نوار) :
_ ديه بدارة صاحبتي أبوها عيجوزها لحدا من بلد يمينا وهي ما موافجاشي فهربت ..

فقال بصدمة :
_ وه !!! جنيتوا إياك وبتعمل اهنه ايه ،ليلتك طين منك ليها ؟

فقالت (بدارة )محاولة استفزازه :
_ وانخلعت اكده ليه ، واني اللي جلت مستخبية فى بيت رجالة ..مالت عليكي يابت .

فقال( مهران) وهو يشير إليها بيده :
_ اكتمي ماسمعش حسك يابومة انتي ، وانتي ياست نوار جايباها اهنه ليه ياحزينة عايزة تجومي جيامة البلد ، فاكرين اهلها عيسكتوا اياك ؟ من ميتا هي اهنا ، انطجوا !!

فقالت (زهرة )بخوف :
_ من وجت لمن رحت تجيب حجنة لابوي .

قالت (بدارة ):
_ خلاص أنى مروحة ، فوتكم بعافية .

أمسكها من طرف خمارها فسحبها لترجع مكانها وقال :
_ نامي حدانا الليلة المطينة ديه وبكرا من النجمة ما لمحش طيفك اهنه ..فاهمة ولا لاه ؟

أومات برأسها فاستدار مغادرا ثم توقف قائلا :
_ من عيلة مين انتي ؟

فقالت متلعثمة :
_ الج..بالي !..الجبالي !

فضرب يدا بيد وهمس وهو يغادر :
– اهي كملت من عرض البلد دي مش عنعلج غير مع الجبايّلة رجعتك نحس على الدوار كلاته ياحزين .

****

مرّ أسبوع رتيب على الجميع وقد تحسنت فيه صحة الجميع كما تحسنت صحة الحاج (عسران) غير أن الكوابيس لم تنفك تراوده هو وكل من بالمنزل حتى أن (نفيسة) أصبحت تحرق الأبخرة كل صباح وتشغل سورة البقرة ظنا منها أن عينا أصابت البيت وأهله .

أصبح( مهران )يزاول العمل برفقة والده في فندقهم العريق الذي توارثه أبا عن جد، الذي اخذ وزنا وشهرة كبيرة في هذه المنطقة خاصة وأنه على ضفاف نهر النيل وعلى قرب من ضريح أغاخان ، فكان ينظم عدة نشاطات سياحية ، كالتجول بالقوارب الشراعيّة وتنظيم حفلات ومناسبات في قلاع تنفيذية وسط الأثار التي تستحوذ على اهتمام السياح العرب والأجانب معا ..

لم يقطع علاقته مع (ناتالي) مطلقا ، كان يهاتفها يوميا صباحا ومساء يطمئن على صحتها وأكلها ونشاطها فكان يملأ يومها عاطفة كأنه لم يتركها بل وكانت تطبخ من أجله وتضع صحنا له على الطاولة كأنه سيشاركها ، حقا غريبة هذه الروابط الروحية التي تجمع بين أشخاص لم يتقاسموا سوى عواطفهم فيشعرون بالانتماء لبعضهم البعض رغم بعد المسافات .

مع أن( مهران) كان بصحة جيدة غير أنه مؤخرا بدأ ينتابه شعور بالثقل كأن روحه طافية وأحيانا ينزف أنفه بعد أن ينتابه صداع شديد يثير عصبيته أحيانا ..

عاد مع والده إلى البلدة يتأبط ذراعه كما كان يفعل وهو صغير ، وقد تذكر الخاتم الذي أهدته إياه (ناتالي) فطلب من والدته أن تبحث عنه بعد عن عجز عن إيجاده ، جلسوا على طاولة العشاء يتناولون طعامهم فسألها :
_ لجيتي خاتمي ياأماي ؟

فأجابت وهي تسكب له قليلا من الأرز :
_ لاه ياولدي جلبت الغرفة أنا وخيّاتك و مالجيناش حاجة ، يمكن تركتو هناك ونسيت .

فقال وقد اعتراه الحزن :
_ كيف نسيته ،لاه ، ناتالي عاطتني إياه لما كنا بالمطار عشان تبجى منها ذكرى تفكرني بيها .

فقالت( رواية ):
_ والله ياخوي مالجيناش حاجة ،دورنا بكل موكان مافيش .

فقال بخيبة وهو يضع الملعقة من يده :
_ الخاتم ده غالي عليا ،ده خاتم زوج ناتالي، الذكرى الوحيدة منه وهي أمنتني عليه وجالتلى ان ماحدش من ولادها يستاهل ياخده غيري ، معجولة أضيعه من أول يوم ، دوروا تاني والنبي .

فقالت والدته :
_ ماتزعلشي ياولدي هنلاجيه باذن الله، هندور بكرة كومان .

فقال والده :
_ فيك حاجة يامهران ؟ حاسك متغير ياولدي ؟

ربت( مهران )على يد والده وقال :
_ مافياش الا العافية ياأبوي ماتجلجش ، يمكن اتغير الجو عليّا شكلي اتعودت على بلاد الغرب ..

ختم كلامه بابتسامة وصعد إلى غرفته وقد اشتد عليه الصداع وألم في مفاصله جعله لايستطيع الحراك فاستلقى على سريره مستسلما لهذا الألم حتى أخذه النوم .

******

في ظلمات الليل كانت( زبيدة) تمشي، تخبيء وجهها بخمارها الأسود كقلبها وهي تشق طريقها إلى المقبرة لتدفن ما امرتها بدفنه ، كانت مستعدة لفعل أي شيء من أجل تحقيق رغباتها .

أما (نوار )فقد شعرت بالاهتمام لأول مرة وهي تلاحظ تتبع (راجي) لها ونظراته الولهة نحوها حتى أنها وقفت تحادثه أحد الايام لتجعله يتوقف عن ملاحقتها لكنه فاجأها بقوله أنه يحبها بل يعشقها ولا يريد غيرها ، علقت كلماته في قلبها وروحها فبدأت تشعر لأول مرة أنها شخص يمكن للناس ان تحبه بغض النظر عمن يكون أصله .

 

الفصل السادس

____عالقة…ما بين الحياة والموت____

لم تكن تجربة مضت وانتهت احداثها مع مضي الأيام..
ولم يكن حلما وانتهى بعودتها إلى الواقع…
بل كان حقيقة ملموسة تعيش تفاصيلها رغم كل شيئ..
كان عشقا من نوع خاص..
عشق يسكن الروح لأنه ترك بكل ذرة فى الكيان أثرا لا يمحى…
نقش خطوط من ذهب على جدران القلب فإستحال النسيان…
إنه عشق علمها أن تداوى جروحها وتبنى صرحا من السعادة فوق رفات الأحزان…
عشق علمها أنه لا بأس بالتعثر ولكن الخطأ فى عدم النهوض مجددا …
عشق علمها ان سر الفشل هو محاولة إرضاء الجميع ماعدا نفسها….
عشق علمها أنه حتى وإن جاءت الطعنة من أقرب الناس إليك،فسوف تجد من يطبب الجرح ويعيد إليك الحياة..
فحتى إن جاء الشتاء وحاصرك الجليد فى كل مكان ،ستنتظر الربيع ليذيب الثلج ويعيد الألوان لكونها من جديد…
عشق علمها أن بداخل كل يأس أمل ينبثق كما ينبثق شعاع النور …من جوف الظلام.

رفعت (فدوى)فنجال قهوتها الساخن إلى ثغرها،ترتشف منه رشفة صغيرة بينما تقول صديقتها (فيفيان)بدهشة:
-ستهربين؟!

طالعتها بهدوء قائلة:
-ليس هروبا وإنما عودة للوطن.

قالت (فيفيان)بحنق:
-تقولين ليس هروبا ،أليس كذلك؟!مع يقيني التام من أن عمك لايعلم شيئا عن خطتك الحمقاء تلك .

تركت (فدوى)فنجالها على الطاولة قائلة:
-نعم لا يعلم،ولن أسمح له بإكتشاف خطتي تلك قبل أن أكون هناك فى موطني…مصر.

قالت(فيفيان)بإضطراب:
-ولماذا تجازفين بإثارة غضب عمك مجددا والهروب منه،لقد كاد أن يجن فى المرة الأولى،ولولا اكتشاف ابن عمك لمكان وجودك وتوسله لعمك بأن يسامحك لمرضك لما طالتك رحمته التى تدركين جيدا ندرة ظهورها.

مالت (فدوى)تقول بقسوة:
-كلاهما لا يعرفان الرحمة وإنما جل مايبغيانه هو مالي ،كلاهما يمارسان ألاعيبهما التى بت أدركها جيدا،أتعلمين؟!! أكاد أقسم أنه لولا وصية أمى رحمها الله بأنه فى حال وفاتنا ،تذهب أموالنا للجمعيات الخيرية لكانا قتلانى كما قتلت أمي من قبل.

قالت(فيفيان)بقلق:
-أمازلتى تشكين بأن وفاة والدتك كانت جنائية؟

تراجعت(فدوى)قائلة بمرارة:
-لم تعد شكوكا بل صارت يقينا ،فى تلك الليلة التى هربت فيها سمعتهما يتحدثان عن مقتل أمى ،وكيف سهل لهما الطريق للتحكم فى مالي ومستقبلي وأنه يجب أن يسرع رحمان بالإقتران بى قبل أن تنتابنى الشكوك.

قالت(فيفيان)بصدمة:
-ولهذا هربتى؟

قالت(فدوى) وهي تمط شفتيها وتهز رأسها:
-لم يكن لدي حل آخر،لن أستطيع الاقتران بأحد قتلة أمى،ولن أمنحهم مالي،لذا هربت وكدت أنتحر لولا أن بعث لى الله بهذا الملاك الذى أنقذنى وأحاطنى بحبه وإهتمامه ورعايته.

قالت(فيفيان):
-ميران أليس كذلك؟

أومأت (فدوى)برأسها تقول بنبرات تسلل إليها بعض الحنين:
-نعم هو،أعاد إلى قلبى الإعمار بعد إن كان مقفرا،وأضاء فى قلبى شعاع من الأمل يتمثل فى غد أفضل…

لتتغير نبراتها ويتسلل إليها بعض الحقد وهي تردف:
-ولولا ذاكرتى التى عادت إلي وإكتشاف ابن عمى لمكانى وخشيتى على ميران من أذى قد يلحق به بسببي،ما إبتعدت أبدا،ولإكتفيت بعشقه ومارضيت بغير قربه بديلا.

قالت (فيفيان):
-ولماذا لا تعودى إليه بدلا من ذهابك لموطنك ،أليس الوطن حيث قلبك؟

قالت(فدوى)بمرارة:
-لا أستطيع ،أخشى عليه من بطشهم،سيبحثون عنى فى ذلك المكان الذى وجدونى به سابقا كما بحثوا عنى بعد أن هربت من المشفى أيضا ووجدونى،سيجدونى دوما،وسيكتشفون مكاننا بكل سهولة،ووقتها سيقتلونه أمامى نكاية بى وسيزوجونى رحمان على الفور،لا أستطيع المجازفة بحياته،سأعود إلى موطنى،تحديدا سأعود إلى بلدة أمى (أسوان)،هناك أخوالي الذين سيحمونني بكل تأكيد وربما يأخذون بثأرها ممن قتلها،أسمع كثيرا عن هذا الثأر الذى يؤمن به أهل الصعيد.

قالت(فيفيان) بقلق:
-وهل أنتى متأكدة من أنهم سيرحبون بك،ألم تقولى لى بأن والدتك هربت منهم لتتزوج والدك؟!ربما قتلوكى بسبب هذا الثأر الذى تبغينه.

هزت (فدوى )كتفيها قائلة بلامبالاة:
-ليس لدي شيئا لأخسره ،ففى كل الحالات سأموت،إن مكثت مع عمى وولده أو عدت لأخوالى ،ولكن يبقى الأمل فى أن يكون أخوالى قد سامحوا أمي وإرتضوا الحاضر بكل تفاصيله حاضرا،يبقى الأمل فى أن يساندوننى ويدعمونى ويصبحون لى الأهل والسند حاضرا،فإن أصبحوا كذلك، بعثت لميران وأخبرته عن قصتي و مكان وجودى وأنا مطمئنة لدعمهم ولا أخشى شيئا وإلا فوداعا لحياة لا أراها تستحق العيش …دونه.

تراجعت (فيفيان)فى مقعدها قائلة:
-أتمنى أن يتحقق أملك وتجدين فى أهلك الدعم والسند.

هزت(فدوى)رأسها فأردفت(فيفيان)قائلة:
-متى ستقومين بتنفيذ تلك الخطة البائسة كي أودعك فى المطار وأنا أثنى أصابعى متمنية لك كل الحظ والتوفيق.

قالت(فدوى)بإبتسامة:
-ما إن يسافر عمى وولده إلى باريس من أجل إتمام صفقتهم،بعد عشرة أيام تقريبا..

هزت (فيفيان)رأسها وهي تتأمل إبتسامة صديقتها المفعمة بالأمل تتمنى أن تظل على ثغرها دائما وأن لا تمحوها قسوة الأيام القادمة.

______________

الشرف إن مس أصبح مثل منزل إحترق بالكامل،لا سبيل لإصلاحه..
وشرف المرء هو روحه ،خاصة فى بلد تحمل التقاليد كدرع تتحصن به وأبناؤها يتشدقون به وكأنهم لا يملكون غيره…
هنا يجب على شرفهم أن لايفقد أو يمس أو يؤذى…
فوقتها يراق على جوانبه الدم.

دلف (عزام)إلى قاعة والده وهو يقول بعيون يملؤها الشر:
-لجيتها ياأبوي،لجيت الخاطية اللى وطت راسنا بالطين.

نهض (عويس الجبالى)ببطئ وعيونه تتقد بشرارة كالجحيم،بينما نهض ولديه بدورهما متأهبان ووالدهما يقول بصوت كالفحيح:
-لجيتها فين ياولدى،أنطج وريح جلبى اللى جايد نار ومعيطفهوش غير إنى أشرب من دمها.

قال (عزام):
-مراحتش بعيد،إدلت فى البلد اللى جنبينا،عند الهوارية،جاعدة حدا نوار صاحبتها .

ظهرت القسوة والغضب على ملامح(عويس)بينما قال (محمد)على الفور:
-جاعدة عند صاحبتها ياأبا أهه،يعنى مهربتش مع حدا عشان تتجوزه،أحب على يدك تسامحها وتخليها تعاود وعاجبها زي ماتحب بس متجتلهاش.

طالعه (عزام)قائلا بسخرية:
-ملكش صالح بأمورنا ياسى محمد ،انت مش إخترت العلام وبجيت دكتور ولسة مكمال كمانى،يبجى تخليك فيه وتسيبلنا شرفنا نتعاملوا معاه كيف مانحب،الموت عندينا أهون من إن شرفنا يتمس ويتجال وسط البلد وأهلها إن بت عيلة الجبالى هربت وخرجت عن طوع كبيرها ،دى وجتها بتروح فيها رجاب.

قال (محمد):
-إيوة بس…..

هدر (عويس)قائلا:
-والله عال ياولاد الجبالى ،بتتكلموا فى حضرتى وكنى مش واجف جصادكم ..أنى اللى أجول هنعمل كيت ولا كيت.

صمت الجميع بإحترام ،بينما أردف(عويس)قائلا بنبرة صارمة:
-جولى ياعزام،إنت متأكد إن أختك جاعدة عند نوار ،وإن مفيش راجل فى دارهم؟

قال (عزام) بقسوة:
-إيوة ياأبا بس مجضية النهار وياها فى بيت العمدة اللى فيه مهران،مهران الهوارى ياأبوي.

إرتسمت القسوة ممتزجة بالإنتصار على ملامح (عويس)قائلا:
-يبجى كتبت جدرها بيدها،هي وعيلة هوارة اللى كرروا غلطهم زمان و تاوا بتنا فى دارهم ومراعوش حرمة الجيرة .

قال (ناجى) بقلق:
-جصدك إيه ياأبوي؟

قال (عويس)بلهجة لا مجال لمقاطعتها:
-جصدى إن شرفنا اللى مرغته أختك فى الطين هيكون جصاده رجبتها ورجبة مهران وأبوه وعيلته كلياتها ياناجى،جلتوا إيه ياولاد الجبالى؟

قال (عزام)بنبرة قوية:
-مفيش جول بعد جولك ياأبوي.

ليتبادل كل من (محمد)و(ناجى)النظرات بينما ظهر الشر خالصا على وجه كل من (عويس الجبالى)وولده الكبير(عزام).

________________

فى عيون تلك المرأة قد وجد لغزا إحتار فى فك طلاسمه …
فتارة تدعوه وتارة تبعده ..
تارة تجعله رفيقا ..
وتارة ترجعه إلى خانة الغرباء..
ولكن قلبه وخبرته وإحساسه و يقينه يخبرونه أن فى عيون محبوبته قد وجد بريقا يجعله موقن من إهتمامها…
فى تلك العيون وجد نفسه وتأكد من خلوده..
وفى إبتسامتها وجد وهجه…
وفى عشقها وجد …السكن.

توقفت (نوار)عن السير فجأة وهي تستدير قائلة بحنق:
-إنت مش عتبطل تمشى ورايا فى الراحة والجاية ياجدع انت؟

طالعها بعيون هائمة وهو يقول:
-جلتلك جبل سابج،أنى ضلك اللى مش هيفارجك غير بالموت يامهجة الجلب،حبك بجى كيف الهوا اللى بتنفسه ،جلبى إختارك من بين خلج ربنا كلياتهم عشان تكونى ملكة على عرشه.

شعرت (نوار)بالضعف يتسلل إلى كيانها،تذيب كلماته قرارها الذى إتخذته سابقا بتجاهل هذا العشق بعد أن صار يمتزج بدمائها ،خوفا من أم لن تقبل بهذا العشق وسترفضه بكل تأكيد..لتقول بصوت متهدج:
-وأنى جلتلك جبل سابج تنسانى،أنى موعودة لإبن خالى ياإبن الناس،بزياداك عاد أنى مش ناجصة وجع.

أمسك (راجى)يدها بسرعة قائلا:
-بعيد الشر عنك يازينة البنات.

نزعت يدها من يده تزجره قائلة:
-واه ياراجى ،بعد ..ولا إكمنى مليش أب فكرتنى سهلة إياك.

قال (راجى)بسرعة:
-تنجطع رجابتى ويتخفى حسى من الدنيا كلاتها لو فكرت يوم إكده يازينة البنات ،ربك اللى عالم إنتى إيه بالنسبة لى،بصى جوة جلبى هتلاجيه مداجش الفرح غير فى اليوم اللى شافك فيه،طيفك مبيفارجنيش لحظة واحدة،بجى كل حلمى إنك تكونى مرتى وأم عيالى،بجت حياتى كلها كنها ملهاش عازة غير لما بكون وياكى،ورغم إنى عارف إن عشجك كيف البحر عيغرجنى فيه لكنى مبسوط بإنى راح أموت وحروف إسمك محفورة فى جلبى.

قالت بسرعة:
-بعيد الشر عنيك،إن شالله….

قطعت كلماتها تدرك تسرعها الذى فضح مشاعرها ،لتقضم شفتها السفلى بأسنانها بينما إبتسم وهو يطالعها بعشق قائلا:
-يباركلى فيكى يانوارة جلبى.

جذبت شالها وهي توارى به وجهها قائلة:
-واه عاد،جلتلك بكفاياك،أنى لازمن أمشى،عوجت كتير على بنات خالى.

قال(راجى)بنبرة شابها الغيرة:
-وابن خالك؟!!

كادت (نوار)أن تبتسم سعيدة بغيرته ولكنها إكتفت بقول:
-أنى موعوداله صوح بس خلاص مبجاش الجلب ملكى عشان أجبره على طوعى،الجدر كيف برج السما ،بيضرب وين مايحب ووجت مايحب واللى يصيبه ياويله وأنى صابنى الجدر وإنكتب علية الشجا،منزوعة بين جلبي وجدري وربك وحده جادر يخلى جدري كيف ما يريده جلبي.

قالت كلماتها وأسرعت بالرحيل بينما وقف(راجى)مشدوها،يدرك بكل بلاهة أن محبوبته إعترفت بمشاعرها تجاهه فى تلك اللحظة وأنه قدرها الذى ترغبه وليس الذى تعيشه،ليشمل عيونه العزم على نيلها ،فمادامت تبادله مشاعره فسيلجأ للمستحيل كي يحصل عليها كزوجة حتى وإن لجأ لما عزف عنه دوما ورآه خاطئا،السحر….وأمه (عوالى).

_________________

يقولون أنك تستطيع قراءة قصة المرأة فى عينيها وقد كانت قصتها واضحة كالشمس،لقد عشقت وصار العشق محرابها ومعشوقها إلهها…
لقد أصبح عشقه كالدم يسرى فى شرايينها دون توقف..
يجعل قلبها ينبض بالحياة…
إنه الأمل الذى أشرق بنفسها…
السلام الذى سكن جوارحها…
إنه النعيم كما يجب أن يكون…
ولكن تجاهله لها ومعاملتها كإخوته،يعيدها لخانة الغرباء
ويجعلها عالقة …مابين الحياة والموت.

كانت تطالعه وهو يتحدث مع والدته بعيون هائمة ظهر بها العشق جليا لتوكزها(زهرة)قائلة بمزاح ساخر:
-خبى عيونك ياحزينة،ده انتى ناجص تدخليه جواتهم وتجفلى عليه بابهم،امى لو شافتك عترجعك لأهلك طوالى وعمتي عطخك بالبارود ونرتاح منيكى واصل.

أشاحت(بدارة)بعيونها عن( مهران )ووالدته قائلة بهيام:
-ليه عاد وأنى كنت عملت جريمة إياك؟أنى عشجت والعشج سلطان.

قالت (راوية)بمزاح:
-واخدين بالنا يابدارة،العشج عيفط من عنيكى فط،أنى مخابراش كيف مهران مش واخد باله منيكى لحد دلوك.

قالت (بدارة)بحنق:
-عشان أعمى العين والنضر.

وكزتها (زهرة)قائلة:
-إتحشمى يابه،ده خينا الكبير ياحزينة.

تعلقت(بدارة)بذراع (زهرة)قائلة:
-طب ماتجوزونى خيكم،وأجوزكم خواتى التانين ناجى ومحمد.

تبادلا كل من(زهرة)و(راوية)النظرات قبل أن تقول الاخيرة:
-كان بودنا يابدارة بس خينا موعود لنوار صاحبتك وبكده ضاعوا الجوازتين دول زي اللى سبجوهم،والله جربت أصدج إننا منحوسين.

قالت(بدارة) بسرعة:
-ولا نحس ولا حاجة،لو على نوار فدى سهلة،هي أصلا جالتلى إنها مش رايداه وإنها عت….

قطعت كلماتها وقد كادت أن تفضح سر صديقتها لتردف قائلة:
-هي بس مش راضية تزعل الست زبيدة منيها،لكن لو على جلبها فمش رايد اليمة دى واصل.

قالت(زهرة)بدهشة:
-عجيبة والله، جبل اخوي مايعاود مكنلهاش سيرة غير سيرته ،كنها بتعشجه صوح،إيه اللى بدل حالها إكده ،تكونش إتصاوبت فى راسها إياك.

إبتسمت (راوية)بينما قالت (بدارة):
-ملناش صالح،المهم إنها شالت عنيها من على مهران،والسكة صارت فاضية،مفاضلش بس غير إنه يشوفنى صبية تتحب،هو شايفنى صبية صوح بس عمرها سنتين وبترضع كومان.

لم تستطع كل من(راوية) و(زهرة)أن تكتما ضحكتهما التى أفلتت فجأة فنظر كل من (مهران)والحاجة (ثريا)بإتجاههما لتكتما ضحكاتهما بصعوبة قبل أن يعاود (مهران)الحديث مع والدته ،وتقول (زهرة)ل(بدارة):
-يخرب مطنك ياشيخة كنتى عتودينا فى داهية،تعالوا نجعد فى جوضتنا وبلاش منيها الفضايح دى عاد.

قالت(بدارة)بإستنكار:
-وسى مهران؟!

قالت (راوية):
-مدى ياحزينة،مهران إيه دلوكيت؟ده هبابة ومهران وأم مهران هيطردونا برة الجصر ويكسروا ورانا زير كومان.

سارت معهم مضطرة وهي تتابعه بعينيها قبل أن يختفى عن ناظريها.

_____________

إنزوت (نوار)ب(بدارة)جانبا قبل أن تقول الأخيرة:
-وبعدهالك يانوار،آخرته إيه العشج ده،لازمن تصارحى أمك بمشاعرك جبل ماتتورطى فى جوازة مش رايداها،أجولك إهربى كيف ماهربت وإتجوزيه.

ضربت (نوار)على رأس(بدارة)بخفة قائلة:
-أهرب كيف يعنى،دى كانت أمى تروح فيها.

تحسست (بدارة)راسها قائلة بحنق:
-خلاص عاد،أنى بنصحك جبل ماتلاجى نفسك مرت مهران الهوارى وانتى جلبك مع راجى …

عقدت حاجبيها وهي تردف قائلة:
-إلا صحيح،هو إسمه راجى إيه؟

هزت (نوار)كتفيها بحيرة قائلة:
-مخابراش،مجتش مناسبة يجولى فيها على إسمه.

قالت(بدارة)بإستنكار:
-ياحزنك يابدارة يابنت فهيمة،ده إنتى طلعتى أهبل منى ياحزينة،عتحبى حدا متعرفيش إسمه؟!!!

قالت(نوار)بهيام:
-مش محتاجة أعرف حاجة عنه غير العشج اللى بشوفه فى عنيه لما يطلعلى،اجمل حاجة ممكن البت فينا تلاجيها هي إنها تلاجى راجل يعشجها صوح ،ويحججلها أحلامها اللى ياما حلمت بيها،انتى خابرة يابدارة..لمن بشوفه ،بيدج جلبى كيف الطبول وبيتسابجوا دجاته كيف الرهوان،لمن بشوفه بحس إنى بشوف فيه نفسى ولمن بسمعه بحس إن روحى بتتسحب منى ،بتمنى وجتها إنى أفضل حده وأسمعه كمان وكمان، بحس وجتها إنى لجيت جنتى على الأرض.

قالت(بدارة)بهيام:
-واه ياأبوي ،كنك وصفتى اللى جوايا يانوار،العشج واعر جوى عيخلينا حدا تانى لما نتكلم عنيه.

أفاقت (نوار)من تلك الحالة التى تعتريها وهي تطالع صديقتها قائلة بدهشة:
-وانتى عشجتى ميته وكيف؟انتى مش جلتيلى لمن هربتى من الجوازة اللى أبوك دبرلهالك،إنك مش عايزة تتجوزى من غير حب وإنك لسة مجابلتيش حدا تحبيه ويخطفك على حصانه.

قالت(بدارة)بهيام:
-جابلته ياخيتى، جابلته وعشجته بس هو ولا كنه شايفنى ولا حاسس بية،مشغول طوالى ولو شافنى بيشوفنى كيف أخواته البنات.

عقدت (نوار)حاجبيها فى حيرة للحظة قبل أن تتسع عيونها فى صدمة،لتهز (بدارة)رأسها قائلة بمرارة:
-إيوة يانوار،أنا عشجت مهران ولد خالك،ووجعت فى حبه كيف الرطل كمان.

_________________

دلف (مهران)إلى حجرة والده الذى ماإن راى ملامحه القلقة حتى بادره قائلا:
-خير ياولدى؟!!

قال (مهران):
-الجبالية جمعوا ناسهم وجايين على كفر هوارة ياأبوي.

ظهر القلق على ملامح (عسران)بدوره وشعر بالضعف والدوار،أسرع (مهران )يسنده قائلا:
-إجعد ياأبوي،إنت لساتك ضعيف.

قال(عسران):
-مفيش وجت للضعف ياولدى،الجبالية ناس واعرة جوى،ولازم نستعد لجايتهم حدانا،انى جلتلك جبل سابج بلاش نحمي بتهم فى دارنا وبلدنا بس إنت كابرت وآدى النتيجة،خراب ع الكل.

قال(مهران):
-مكنش ينفع ياأبوي مرة تتحامى فينا ونرجعها لأهلها يجبروها على جوازة مش رايداها.

قال(عسران) بقلة حيلة:
-ده سلونا وعاداتنا من جديم الأزل ياولدى.

قال(مهران):
-الجواز مش غصب ياأبوي،لازمن يكون بالرضا،السلو لازم يتغير أدامه غلط،وعموما متجلجش ،أنى جمعت الرجالة وخليتهم كلياتهم على أهبة الإستعداد وأعلنت حالة الطوارئ،أنى مش عايزك تخاف من حاجة طول ماأنى جنبك.

ربت (عسران)على ذراع ولده قائلا:
-تسلم ياولدى من كل شر،أنى مش خايف ،أنى بس عارف هم جايين ليه وجصدهم إيه ،عايزين ينتجموا من اللى حوصل زمان،مش جادرين يستوعبوا إن الجدر غلاب وإن إحنا ملناش صالح بيه،عايزين ياخدوا بتارهم من الهوارية كلياتهم عشان واحد فيهم غلط زمان ،بس الغلط عنديهم مش مسموح بيه،وتمنه الدم،الدم اللى هيغرجنا كلنا لو موجفناهوش النهاردة ..فى دارنا ياولدى.

لم يفهم(مهران)ماذا يقصد أبيه بكلماته ولم يكن هناك وقت لطرح الأسئلة الآن،لذا فقد قال بحزم:
-جلتلك متجلجش ياأبوي،أنى جهزت كل حاجة عشان ندافع عن دارنا و بلدنا ولو حد فيهم جرب من مخلوج فى البلد يبجى هم اللى إبتدوا والبادى أظلم.

طالعه (عسران)ولسان حاله يقول..
نحن من بدأنا بالظلم يابني والآن نجنى مازرعناه بالماضى،هذا الماضى الذى إتشح بالسواد وربما اتشح حاضره ومستقبله بالسواد أيضا..إلا إذا…..

ربما بدا جنونا ولكنه بالتأكيد قد يكون الحل الأمثل لوقف سفك الدماء،وإسدال الستار على ماض أليم،وإعمام السلام فى البلدتين…او هكذا يأمل.

 

الفصل السابع :

_________البدل والهدنة ________

العهود التي نقطعها دوائر مغلقة تلتف حول أعناقنا على حين غرة لأننا نحاول تحدي أقدارنا بها لذلك غالبا ماتنكث ، يقولون – اقتباسا من الذكر الحكيم – أنه لايمكن أن يكون للرجل قلبين في جوف واحد وأنني أحمل القلبين على روحي المنشطرة فما أكاد أميل إلى قلب فينكسر الآخر فبقي قلبي يتأرج داخل ذات الدائرة -دائرة العهد- بين الحب والواجب .

****

لم يكن(مهران )يوما شخص تطويه الضغوطات كان دائما ما يواجه بإصرار ولحين كان قلبه لايزال سليما ، لايزال قطعة واحدة أما الآن يشعر أنه يختنق حتى الكلمات التي تلفظها حنجرته تكاد تحبس أنفاسه ..

وقف على شرفته غارق في أفكاره وسحابة دخان السيجارة التي بين يديه ،هذه المرة الأمر لايتعلق بالعائلة فقط بل بالعشيرة كلها وبما أنه شخص مسالم -عادة- لايريد اللجوء إلى العنف من أجل حل هذه المشكلة التي أوقعتهم فيها( بدارة ) ، وقتذاك سمع طرقات خفيفة على الباب فظن أنها والدته أطفأ سيجارته وأذن لها بالدخول وهو لايزال في حالة شرود ..

دخلت ووقفت بجانبه تمسك بسور الشرفة فنظر إليها بجانب عينه ثم التف اليها قائلا :
_ إنتي جاية أوضتي ليه يابتاعة إنتي ؟

فقالت وكان يبدو عليها الارهاق من فرط الحزن :
_ عياخدوني ويجوزوني للي رايدينه وهعيش كيف البهيمة محدش هيبجى شايفني غير خدامة ومرة أجيب و أربي عيال ، محدش هياجي ويسألني كيفك ولا مضايجك ايه ، عشان اكده أنى هملتهم وانى خابرة زين لو لو جوني هيجطعوا رجبتي بس مافرجاشي أهو الموت مرة أهون من إنى أموت وأنى عايشة ..من الآخر ياسي مهران أنا هعاود دوارنا مايرضنيش حدا مالوش ذنب يتأذى بسببي ..أنا دخلت أوضتك عشان أتشكرك وأجولك ياكرم أصلك يابن الأصول ،إنت دخلتني بيتكم وتاوتني ..بس الحين لازمن أفوتك بعافية .

وقف (مهران )مشدوها مقبض القلب ،هناك شعور غريب تلبسه.. لما شعر أنه متخشب حين سمع كلمة وداع ؟ إذن هكذا يكون الوداع، لذا لم تقوى (شذا) عليه وقتها، أدرك أنها لو فعلت كان ليحطمه وداعها أكثر من رحيلها بحد ذاته .

حين وجدته( بدارة) صامتا همت لتغادر فالتفت واسند ظهره على السور وقال :
_ على أنهي دوار المرة دي ؟ اثبتي مكانك ياحرمة وكفاياكي تخريف عاد ، مافيش طلعة من اهنه ومحدش هيتأذى بأمر الله ، روحي اكده من وشي .

طالعته بغضب وقالت :
_ يابتاعة ..ياحرمة ..ياحزينة معندكشي اسم غير دول تنادم علية بيه ، وبعدين اسمي ماله هااا ،بدارة ..ب د ا رة ..شوفته مليح كيف !

ابتسم وقال :
_ طويب يابدر البدور هانم شهلي اعمليلي جهوة وابعتيها مع زهرة .

قالت بلهفة:
_ أنا ممكن أجيبهالك كومان .

قال بإبتسامة:
_ لاه توشكري انتي إعمليها ويبجى جميلة منك ياختي .

تجهم وجه (بدارة )وغادرت غرفته قبل أن تسقط دمعتها ، كلمة ياختي وقد كانت كلمة ساخرة منه لكنها أوجعت قلبها وزالت عنه نشوة فرحتها بأنه يريدها أن تظل بينهم واعترض على رحيلها أما هو فجلس يسند رأسه على يده واليد الأخر مثنية على ركبته التي يهزها من شدة توتره والالم الذي لاينفك يراوده منذ عودته، كأنه مدمن يعيش حالة إنسحاب بينما دخلت (زهرة )تحمل القهوة فوقفت أمامه وقالت :
_ جهوتك ياخوي !

فانتفض واقفا كقط مذعور وقد قلب فنجان القهوة وأمسك (زهرة )بكلتا يديها يطالعها بعينين جاحظتين ونزيف أنفه يغرق أسفل وجهه ، فزعت (زهرة )من حالته وبدأت تقول بتلعثم :
_ ممهران ..مالك ياخوي ..ممهرا …ن ..مهران !؟

ثم صرخت :
– ياماااااي …يامااااي !

ركضت كل من (ثريا )و(زبيدة )والفتيات على صوت (زهرة) التي كانت تهزه محاولة تخليص يديها وإعادته لوعيه لكنه لم يستجب لها ، وجداهما على تلك الحالة فصرخت( ثريا ):
_مالكم ياولاد ..مهران ولدي همل خيتك !

لكنها وجدت ذقنه غارقا في الدماء التي نزلت على قميصه أيضا فاردفت :
-قل اعوذ برب الفلق من شر ماخلق ..اعوذ بالله من الشيطان الرجيم ..

فوقع (مهران) مغشيا عليه وقد انتابته حالة صرع تعالى على إثرها صرخاتهن إلا (زبيدة )التي كانت تصطنع الخوف ولسان حالها يقول :
– مدد يا اسيادنا مدد ..حضروا حضروا .

بينما أسرعت( نوار )تنادي (كامل) و(عواد)، أما( بدارة )فوضعت رأسه على ركبتها وأرجعت رأسه إلى الخلف بينما قالت :
_ ثبتي رجليه يازهرة ، وانتوا بطلوا تولولوا مش هيفيج اكده ، سكتوا حسكم وابعدو عن خلجته عشان يتنفس ..

أمسكت يديه وجمعتها على صدره وماهي إلا ثوان حتى هدأ وتوقف النزيف من أنفه فهتفت في( راوية) :
-هاتي خرجة مبلولة ننضف الدم ده ياراوية .

دخل العم (عواد) والعم( كامل) فأردفت :
-جيتوا بوجتكم ، جربوا نحملوه للسرير .

وضعوه بسريره فقال العم (كامل ):
_ أنا هجيب الداكتور من المستوصف وأعاود بسرعة .

بدأت( بدارة )في جس نبضه فوجدته ضعيفا جدا فقالت ل(نوار) :
_ حمامة على المطبخ يانوار ،ابشري فصين توم واخلطيهم مع شوية مي وسكر بسرعة دجات جلبه ضعيفة جوي .

فركضت( نوار )نحو المطبخ مرتبكة بينما جلست( ثريا) الملتاعة عند قدميه المتجمدتين تفركهما وهي تبكي :
-ايه اللي حوصلك ياولدي ، اتحسدت ياكبدي ..آه ياجلبي ..فتح عينك ياجلب أمك ..

والتفت إلى (زهرة )المرتجفة :
_ انتي يامجصوفة الرجبة جلتي ايه لخيك خليتيه كيف اكده ، انطجي !

فقالت (زهرة )الباكية :
_ يمين بالله ماعملت حاجة انا جبتلوا الجهوة ويادوب بجوله جهوتك ياخوي هب واجف وانجلبت الجهوة ومسكني من يدي وبجت حالته اكده .

فقالت (راوية )وهي تحضن( زهرة ) :
_ هو بجاله تعبان من كام يوم بيشتكي من الصداع يمكن نزل ضغطه ،لمن يفوج عنعرف فيه ايه .

فأردفت( بدارة) بعد أن جرعته من مشروب الثوم المبشور الذي أحضرته( نوار ):
_ راوية معاها حج ياعمة ديه حالة صرع بتحصل لمن يكون الصداع جوي ومايجدرشي يتحمل حدا .

أما( زبيدة )فكانت تطالع مايحدث بعيون صقر لامعة ولسان حالها يقول :
-ماعتشوفشي غير بتي ياولد ثريا .

دخل العم (كامل )وقال :
_ فضوا الاوضة الداكتور وصل .

خرجت الفتيات برفقة( زبيدة )ولم تبق سوى( ثريا) و(بدارة) فقال( كامل) :
_ انتي كمان يابتي اطلعي ويا خياتك .

فقالت( بدارة ):
_ أخوي داكتور ياعم كامل وعلامني شوية حاجات انا هستنا وياكم عشان لو وصى الداكتور بحاجة أعملها لاني بفهم في الحاجات ديه ..

نظر (كامل) إلى الحاجة( ثريا )فأومأت له برأسها ثم قال بصوت عال :
-اتفضل ياداكتور !

دخل الطبيب الذي القى السلام وشرع يفحص (مهران) ويقيس نبضه وضغطه و فحص فمه وعينيه وأذنيه،ثم قال وهو يستعد لحقنه :
_ عنده هبوط حاد دخل في صدمة لازم ننقلوا المستشفى حالا .

حقنه ثم التفت الى( كامل )وأردف :
-اتصل بالاسعاف ياعم كامل عشان ننقلوا للمستشفى الكبيرة بالمدينة .

فقالت (بدارة ):
_والنزيف والصرع ياداكتور ؟

فقال :
_ كويس أنه نزف كان ممكن يحصله نزيف داخلي نتيجة جلطة ، ماتقلقوش الخطر عدا الواضح انكم لحقتوه واتصرفتوا صح والا ماكناش واقفين كده لاسمح الله ..

ضربت( ثريا )على صدرها مولولة فاحتضنتها (بدارة) تحاول تهدئتها بينما دخل( كامل) وهو يقول :
_ الاسعاف على الطريج ، خدي عمتك الحاجة يابتي ، هنغيرلوا هدمته جبل ماتوصل الاسعاف .

بدأ الجميع في نواح ونشيج بينما (زبيدة) بدأ الخوف يتسلل إلى أوصالها فانسحبت بعدما مثلت الاهتمام وهي تواسي (ثريا )ثم قالت تخاطب( راوية) :
_ اتصلي على أبوكي وخبريه يلحجهم على هناك ياراوية بس ماتخرعيهوشي، جولي تعب واخده كامل ماتجبيشي سيرة الاسعاف ..
تعالي يانفيسة ناخد ثريا غرفتها ترتاح ..

فقالت( ثريا )بغضب :
-وخروا عني ،أنا لازمن أروح اشوف ولدي ..دا وحيدي ..كبدي ياخلج .

اتت (حورية )تمسك بكأس من ماء وجعلت( ثريا) تشربه ،وبعد لحظات بدأ مفعوله فهدأت قليلا وتراخت فاسندنها إلى غرفتها فغطت بنوم عميق.

وقتها انسحت( زبيدة )إلى الخارج مستغلة انشغال الجميع ب(ثريا)، وتوجهت نحو بيت (عوالي) اطراف البلدة فوجدت( راجى) كالعادة وطلبت أن ترى والدته فأخبرها أن تنتظر لأنها في خلوتها ولايمكنه الدخول عليها إلى أن تنتهي ..

جلست بتوتر وهي تفرك يديها وآلاف الأفكار تتناطح برأسها اقترب منها (راجي )وقال :
_ الدنيا سجعة كيف الجليد ، تشربي شاي ؟اعملك معاي ؟

فقالت بنفاذ صبر :
_ هملني ياجدع انت ،روحي فى مناخيري ماعيزاشي حاجة غير الشيخة تخلص بسرعة وأجابلها .

فقال وهو يكلم نفسه :
_ عجربة مش فاهم كيف مخلفة ملاك زي نوارتي ،يجطعه نسب بس عشان نوارتي استحمل المر والأمر كومان ، عشرب شاي بروحي بناجص منيها وانا اللي جلت عتجرب منيها عشان هتبجى حماتي بس طلعت يابووووي سم سم، اتفوه ..اخص .

انتظرت (زبيدة) مايقارب النصف ساعة و(راجي) يطالع توترها الشديد من بعيد إلى أن سمع صوت والدته وهي تناديه فدخل إليها :
_ خد الحاجات ديه واعمل بيهم كيف العادة !

قال بحنق:
_ العجربة زبيدة اهنه وباين عليها الهم .

ابتسمت (عوالي )وقالت :
_ هشوفها رايدة ايه ديه .

خرج( راجي) وخرجت خلفه (عوالي) فأقبلت عليها (زبيدة )وقالت :
_ الواد كان عيموت ماإتفجناشي على اكده جولتلك زوجيه بتي مش تجتليه .

فقالت (عوالي) بغضب :
_ واجتلو ليه عاد؟وه ..مالياش صالح بيه أنا عملت اللي طلبتيه ،بس كنهم شداد عليه ماتحملهمشي فرفور كيف ابوه .

فقالت( زبيدة) :
-والعمل ايه دلوك ياشيخة ؟

جلست (عوالي) وارتشفت من كأس الشاي التي كان يشرب منها( راجي) وقالت :
_ متخافيشي هيجوم منيها وعخففله العيار المرة الجاية ، عاودي دوارك دلوك هيرجعلكم سبع الهوارة ماتخافوشي .

خرجت (زبيدة) وقد شعرت أنها أخطأت في اللجوء إلى (عوالي )في هذا الأمر الذي ظنته سيكون مصدر سعادتها لا حزنها ، أن يموت( مهران) الآن ليس كموته بعد أن يتزوج إبنتها لذا عليها أن تفكر جيدا قبل أن تقحم (عوالي) في هذا الأمر مرة أخرى .

__________

مرت ليلة عصيبة على الجميع، لم يفارق فيها الحاج (عسران) سجادته بين صلاة ودعاء وتلاوة، ودموعه تتدفق كسيل عرم وما أن بلغ الفجر حتى رن هاتفه باسم( كامل )الذي أخبره أن( مهران) استفاق وهو بخير فأقفل الخط وأجهش ببكاء مرير حتى وصل صوته إلى البنات فأفزعهن فأتين راكضات إللى غرفته فقال :
_ خيكم فاج يابنات ، كامل جال انه زين .

فرحن يرددن :
– الحمد لله الحمد لله يارب !

توجهت( بدارة )إلى غرفة الفتيات وأطلقت لنحيبها العنان ، لحقتها( نوار) وقامت باحتضانها :
_ كفاياكي ياخيتي مش هو بجى كويس ؟

قالت بلوعة:
_ ماجدراشي يانوار ،حاسة جلبي عيوجف من الوجع ، كان بين يدي كنه من غير روح لو راح مني أموت، بحبه جوي يانوار أنا روحي اتعلجت بيه اعمل ايه ،دا اللي حوصل .

اقترب كل من (زهرة) و(راوية )وقد سمعتا حديثها واحتضن بعضهن بعضانا وأخذن يبكين حتى غلبهن النوم .

_______________

أصبح الصباح ممطرا رياحه غاضبة تعصف بكل شيء ..
دخل (عزام) على والده وهو يحتسي قهوته وقال بعد أن قبل يده وألقى تحية الصباح عليه :
_ مهران الهواري بالمستشفى يابوي ، بيجولوا ايجتو الجلطة وكان عيموت فيها .

فقال الحاج (عويس) :
_ لاحول ولا قوة الا بالله.

فقال (عزام ):
_ مايصعبشي عليك يابوي ربنا اخد بحجنا منيه ، ولسه عيشوف المرار على يدنا .

فقال (محمد )وقد دخل عليهم :
_ حرام عليك ياأخوي، المرض مافيهوش تشفي مايبجاشي جلبك اسود عاد .

حدجه (عزام )بنظرات حارقة بينما قال والدهما :
_ ناولني التلافون يامحمد اهه هناك اهه .

ناوله الهاتف فطبع عليه بضع أرقام ووضع على أذنه وقال :
_ السلام عليكم …….مش آن الأوان نتجابل ولا ايه جولك ؟ ….يبجى بمكنة زمان فاكرها لساك ولا ناسيت ؟ …عال عستناك ماتعوجشي !

فقال (عزام )بفضول :
-اتحدتت ويا مين ياأبوي ؟

فقال وهو يستقيم مغادرا :
_شغلة كبار مالكشي صولح فيها ياعزام .

على ضفاف النيل بحدود القرى النوبية كان يجلس (عسران )داخل كوخ من الطوب الأحمر يستطيل ظله مع تراقص ألسنة النار العالية التي أوقدها من أجل التدفئة والإنارة ، ماهي إلا لحظات حتى دخل( عويس) يجر عصاته وراءه وهو أكبر من (عسران) بأكثر من عشر سنوات ، وقف بهيبة وبعد أن ألقى السلام قال :
_ عاودت غلطة زمان ياعسران ليه عاد ؟

فقال( عسران) وهو يفرك يديه قرب النار:
_ ياريتها كانت غلطة إنما ده جدر ياحاج عويس لابيدي ولا بيدك وانت خابرني زين الي يدج بابي ماسكرهوشي فى خلجته واصل ، والله بسماه عالم بتك في عيني كيف بناتي في الحفظ والصون ولأني خابرك زين عارفك عتعمل فيها ايه لو خدتها من بيتي عشان اكده عجولك بلاش دم ياحاج ، بلاش تفرط في بتك الوحيدة .

جلس( عويس) على صخرة أمامه وقال :
_ بتي فرطت فيا وفي سمعتي جدام الخلج وخرجت عن طوعي ،عجابها واضح زي الشمس .

قال(عسران)بإستنكار:
_ انك تجوازها غصبن عنيها مش عجاب بردك ؟

قال(عويس):
_ وه عاد ؟ من ميتا بناخد برأي النسوان في الجواز ؟

قال (عسران):
_ يبجى ظلم ياحاج عويس !

رمقه (عويس)بعتاب قائلا:
_ لو رايد ظلم ماكنتش جبتك اهنه ولا بتحدت وياك كيف دلوك .

قال(عسران)بحيرة:
_ واللي يرضيك ؟

سكت (عويس)هنيهة ثم قال:
_ الجواز .

قال(عسران):
_كيف يعني الجواز ؟

قال (عويس )بحزم:
_ بتي فى دوارك وسط عيلتك من سبوعين بحالهم وانت بدارك راجل لو جوزتهاله الناس عتجول بته هربت من عريسها عشان تتجوز ولد عمدة الهوارة
وأنا ماعنديش مانع أجوزهاله بشرط آخد بت من بناتك لولدي محمد جصادها .

قال(عسران )بإستنكار:
_ايه الحديت الماسخ اللي بتجوله ده ،بت مين اللي جصاد مين ؟ هنجوز مهران وبدارة وفضت وعشان كلام اهل البلد هعملهم فرح كابير بالساحة اعزم عليه كل الناس وتبجى فرحة كبيرة ماعيكلموشي عن حاجة واصل غيرها .

فقال( عويس) وهو يستقيم :
_ إنت صحتك على كدك وولدك كومان ، وأنا جلت اللي عندي ، معاك جمعة تفكر زين بحديتي وبعدها أقدار نافدة ياأخوي ،فتك بعافية ياولد الهوارة .

جلس (عسران) مكانه يفكر في كلام (عويس) بقلة حيلة، ابنته من جهة و(بدارة) من جهة، لايستطيع التفريط فى إحداهما .

 

الفصل الثامن

___على الرقاب قدر نافذ___

قال (عسران)بصدمة:
-عتجولى إيه ياولية ؟إنتى إتجنيتى إياك،موافجة تجوزى بتك لإبنهم بسهولة إكده؟

قالت(ثريا)بعيون تلمع:
-وليه لع ياحاج؟!انت مش جلتلى بنفسك إن محمد ولد عويس داكتور كد الدنيا وسيرته زينة بين الخلج،ومن عيلة كبيرة زي عيلة الجبالى ،يبجى أرفض ليه عاد؟وأنى فى ديك اليوم اللى أجوز فيه حدا من بناتى وأفك سحرها .

ضرب(عسران)كفا بكف قائلا:
-شوفوا الولية عتخرف وتجول إيه،سحر إيه ياثريا دلوكيت؟!أنى بيتلوى دراعى وبتى بتتاخد منى غصب،وابنى كمانى ..بتحرم من إنى أختارله عروسته وأفرح بيه .

ليردف بمرارة :
-كنى مكتوب علية ادفع تمن غلطة مش غلطتى ،سنين عدت من غير ماحدا يدفع حساب غلطته وجه حظى آنى عشان اوجف بحر الدم اللى فضل اتنين وعشرين سنة مستنى يفيض دلوك،وعشان اوجفه لازم أضحى بعيالى،فين العدل ياخلج؟فين العدل؟

إقتربت منه (ثريا)تربت على صدره قائلة:
-إهدى بس ياحاج وإسمعنى،انت نفسك جلتها،عتوجف بحر من الدم وهتنجد الخلج،بس مين جاب سيرة تضحية دلوك،وأنى لو كنت هختار لإبنى عروسة كنت هلاجى زي بدارة فين عاد؟جمال وأصل وأخلاج ،دى هي اللى نجدت ولدك لمن تعب،ولولاها كان فاته راح منينا بعيد الشر عنيه،أما بتنا فعتجوز داكتور كد الدنيا سمعته زينة مش عفشة لا سمح الله،إيه اللى عيزعلك عاد ؟والله الجدر كنه رايد يصالحنا بعد ما جعد سنين عاطينا ضهره،إعجلها ياحاج هتلاجى إن اللى حوصل أكيد خير وربك كابير ماعيضرناش واصل.

طالعها بحيرة للحظات قبل أن يتنهد قائلا:
-لله الأمر من قبل ومن بعد ياثريا،لله الأمر من قبل ومن بعد.
_______________

القدر قد يكون غريبا..
لا يمنحنا الزهور إلا ومعه بعض الأشواك..
مالنا بالقدر إختيار ولكننا نحن القدر والمقدور..
قدرنا هو بصماتنا..فعلى قدر المشقة تكون مغانم الرحلة،وعلى قدر حلمك تتسع الأرض..
ولكن فى النهاية يظل القدر هو القدر….
لا يعلم المزاح…
ان كان حتمي أو كان إختيارا…
يصبح بالنهاية على الرقاب نافذ…
ولا يؤمن عبد حتى يؤمن به…
يؤمن بالقدر …..خيره وشره.

طرق (عسران)الباب ثم دلف إلى الحجرة ماإن إستمع لولده يسمح له بالدخول،انفرجت أسارير (مهران)ماإن رأى والده قائلا:
-اتفضل ياأبوي.

إقترب (عسران)من سرير ولده متأملا وجهه الذى عادت إليه الدماء بعد أن ظل شاحبا لأيام،ليقول بحنان:
-كيفك دلوكيت ياولدى؟!

قال(مهران):
-أنى زين ياابوي ،بجيت منيح جوى وملهاش عازة رجدة السرير دى،أنى عاوز أعاود لشغلنا وأرضنا.

جلس (عسران)على كرسي بجوار سريره قائلا :
-هتعاود ياولدى،يامين كدة بس نطمنوا عليك فيهم وتعاود،احنا رايدين تكون بخير دايما يامهران ومش عاوزين حاجة عفشة تجرالك ياولدى.

هز (مهران)رأسه متفهما ،وهو ينظر لوالده الذى زاغت عيناه قليلا،ليدرك ان هناك شيئا يخفيه عنه،لذا قال على الفور:
-فيه حاجة ياأبوي،ولاد الجبالية عملوا حاجة وأنى راجد فى المستشفى؟طمنى الله يرضى عنيك.

تطلع والده إليه قائلا بسرعة:
-لع ياولدى معاملوش حاجة واصل بس ….

وصمت (عسران)ليقول(مهران)بقلق:
-بس إيه ؟أنطج علطول ومتخافش علية،انا كدها وكدود.

قال (عسران) بقلة حيلة:
-عويس جابلنى وعرض علية إتفاج عشان نوجفوا بحر الدم.

عقد (مهران)حاجبيه قائلا:
-إتفاج إيه ده ياأبوي؟ومن ميتة بنعجدوا إتفاج مع الجبالية،اللى أعرفوا ان بينا وبينهم عداوة عمرها سنين.

أشاح (عسران)بيده قائلا:
-اهو ده اللى حوصل ياولدى،عداوة جديمة اتجددت دلوكيت وبجى لازم نضحى فيها بالغالى عشان ميروحش فيها رجاب ناس ملهاش ذنب.

إزداد إنعقاد حاجبى (مهران)وهو يقول:
-مش فاهم أيوتها حاجة ،هنضحى بمين عاد؟

قال(عسران):
-بيك وبخيتك ياولدى.

نهض(مهران) من سريره قائلا بحدة:
-عتجول إيه ياأبوي،كيف بس هتضحوا بينا؟!!انى مش فاهم حاجة.

قال(عسران)وهو يجذبه من يده يجلسه مجددا على السرير:
-أجعد بس وأنا أفهمك،متتزرزرش إكده،عويس عاوزك تتجوز بته وعايز واحدة من خواتك لإبنه.

إتسعت عينا(مهران)فى صدمة قائلا:
-انت عتجول إيه بس؟جواز إيه اللى عايزنا نتجاوزه؟جواز بالغصب..لا ممكن نجبلوا بالإتفاج ده،يعمل اللى يعملوا ،إن شاالله تنجلب ساحة معركة ،بس الله فى سماه ماينول اللى رايده عويس الجبالى طول ماانا عايش.

قال (عسران):
-لع..هينوله ياولد عسران،تعرف ليه ؟لإن ده جدر والجدر مكتوب على الجبين وممنوش هروب يإبن ثريا،من أكتر من عشرين سنة هرب ولد عمى حافظ مع حسنة أخت عويس الجبالى وجامت الدنيا ماجعدت والجبالية بيطالبوا بالتار،ملجوش غير اخوه ومرته وولده،وكانوا رايدين ياخدوا تارهم منيهم ولما هرب أخوه توفيج هو كمانى،كانوا عاوزين ياخدوا بتارهم منى ،جدك كان عاوز يهربنى انى كمان بس ملحجش، عزام الجبالى الكبير وجف الجبالية وجتها،وجالهم مبناخدش التار غير من أصحابه،إنكتبلى عمر جديد وانكتبلى كمانى إنى مفارجش عيلتي و ارضي،بس فضلت النار جايدة فى جلوب الجبالية طول السنين اللى فاتت دى،لحد ماجاتلهم الفرصة ياخدوا بتارهم من جديد،والمرة دى واعرة ياولدى،بتهم عندينا من مدة،وسمعتهم بين الخلج متهددة ،ولازمن ولابد هيغسلوا عارهم بالدم عشان يجدروا يرفعوا راسهم كدام الكل،الدم ياولدى هيبجى للركب،ذنبها إيه بس الناس الغلابة اللى عتروح فى الرجلين دى؟

قال(مهران)بمرارة:
-وذنبي إيه انى وخيتي ندفع تمن حاجة ملناش صالح بيها؟

قال(عسران):
-القائد الحكيم هو اللى يجدر يضحى بالجليل عشان الكل يعيش ياولدى،وعموما جوازك من بدارة مش حاجة شينة لاسمح الله،بدارة ست البنات،أصل وحسب وجمال،دى هي اللى نجدتك لمن كنت تعبان.

أطرق(مهران)براسه قائلا:
-جالولى ياأبوي،انى مبجولش إنها فيها حاجة عفشة لا سمح الله بس أنا جلبى مش رايدها.

ليرفع رأسه ويطالع أباه قائلا:
-انى عشجان وحرام أظلمها معايا لإنى عمرى ماعحبها.

عقد (عسران)حاجبيه قائلا:
-عشجان؟!عشجان من ميتة ومين اللى عشجتها ياولدى؟نوار؟!!

قال(مهران)بسرعة:
-لع ياابوي،اللى عشجتها عشجتها فى روما…..

قاطعه(عسران)على الفور قائلا:
-يبجى تنساها ياولدى،أدامها من بلد غريبة ومش من دمك يبجى تنساها،الجلب ياما عشج بس وجت الجواز بيختار اللى أهله يختاروهاله و يرضوا عنيها كمانى.

قال (مهران)بحزن:
-مجادرش أنساها ياابوى،وحتى لو جدرت وجبلت أتجاوز بدارة،خيتى ذنبها إيه تتجاوز بالغصب؟

نهض (عسران)قائلا:
-الداكتور محمد عريس زين وخيتك زهرة وافجت تتجوزه،الجدر جال كلمته خلاص والفرح السبوع اللى جاي،ربنا يكتبلكم الخير ويسعدكم ويراضيكم بجدركم ياولاد هوارة.

طالعه (مهران)صامتا لايقوى على الإعتراض،بينما إستدار (عسران )مغادرا وهو يتكئ على عصاه،يردد بهمس:
-لله الأمر من قبل ومن بعد.

_______________

دلفت (زبيدة)بغضب إلى حجرة (عوالى)قائلة:
-بجى إكده ياعوالى؟إتضحكتى علية وعلى بتى؟!

نهضت (عوالى)هادرة بغضب:
-كيف تدلى علية إكده من غير إستئذان،وكيف بتتحدتى معايا إكده من غير ادب ولا خشا؟إتجنيتى إياك؟!

أمسكت(زبيدة)طرحتها تهزها يمنة ويسارا وهي تنوح قائلة:
-إيوة جنيت،ومجنش ليه؟يامرك يازبيدة،ياخيبتك بين الخلج ياحزينة،وجال جات الحزينة تفرح ملجتلهاش موطرح.

قالت (عوالى)بغضب:
-بطلى نواح ياولية لأخلى إسيادنا يجتلوكى ويدفنوكى موطرح ماإنتى واجفة أو يسخطوكى جرد ومتلاجيش حدا يناولك وكل يامجذوبة.

صمتت(زبيدة)على الفور وهي تتطلع إلى (عوالى)بخوف ،لتردف (عوالى)قائلة:
-أجعدى وإحكيلى إيه اللى حوصل بالراحة إكده أحسن عفاريت الدنيا الحين بتتناطط أدام خلجتى.

جلست(زبيدة)تقول بمرارة:
-(مهران) ولد أخوي اللى إتمنيته لبتى عيتجوز واحدة غيرها وبنات ثريا اللى معكرهش حد كدها عيجوزوا واحدة منيهم لداكتور كد الدنيا وكل اللى خططتله راح كيف الليل مع اول ضو للسمس.

قالت(عوالى)بهدوء:
-وميتة حوصل الكلام ده؟

قالت(زبيدة) بحسرة:
-كله من المزغودة بتى اللى جابت البومة بدارة لحد دار أخوي ،أبوها جام الدنيا ومجعدهاش غير بجواز ولد اخوي وبته لبت عويس وولده، بعد يامين.

قالت(عوالى):
-الجدر إتدخل وجال كلمته،بس عوالى مش جليلة وفى يدها تتحدى الجدر ياحزينة.

قالت (زبيدة)بلهفة:
-يعنى هتفضى الجوازة الغبرة دى ياكابيرة؟

قالت(عوالى):
-مش هينفع ياولية ،ملحجش ..الجواز هيتم بس مش هيلحجوا يفرحوا،هغفلجها على الكل وهخلى حياتهم مر كيف العلجم،سبوعين بالكاتير وهترجع بت عسران لدوار ابوها متطلجة وحزينة ومهران كمانى هيطلج بتهم ويرجعها دوار أبوها ووجتها عيجرى أخوكى عليكى ويجولك غتينى يازبيدة،جوزى بتك لإبنى اللى ملوش غير لحمه ودمه يحفظه ويآمنه.

لمعت عينا (زبيدة)قائلة:
-إحلفى ياستنا،هتعملى إكده صوح؟

أشارت (عوالى)لها قائلة:
-جومى من كدامى ياولية جبل ماتطلعيها فى دماغى وأسخطك جرد،جال أحلف جال،جومى ومشى طوالى ومترجعيش إهنه غير بعد جوازهم ..ومتنسيش تتجلى جيوبك عشان اللعب هيبجى على تجيل جوى..جووومى يلا وغورى من وشى.

أسرعت (زبيدة)بالهروب من امامها بينما تابعتها (عوالى)بعينيها قبل ان ترمى بعض البخور فى مبخرتها ،تفكر فيما اخبرتها به (زبيدة)،وتخطط لتقلب الأمور لصالحها فى النهاية،بينما إبتعدت أذنان عن نافذة الغرفة الخارجية،يفكر صاحبهما بغضب،والدته تتآمر مع حماته من أجل تزويج حبيبته لغريمه،لذا وقبل فوات الاوان ،عليه أن يجعل حبيبته ملكا له….وحده.

_________________

توقف (مهران)عند تلك الشجرة الكبيرة بكفر الجبالية،يستند عليها بيده ويطالع هذا النهر الجارى أمامه بهدوء،تشبه كثيرا شجرته التى يألفها فى بلدته ،يدرك أن الأماكن تتآلف ويصبح لها نفس السحر تقريبا،تبقى بذات السحر أو يزول سحرها ..
ليس لها ذنب فى إختلافها فهي لا تتغير وإنما من يتغير …هم البشر.

تناهى إلى مسامعه صوت رجل قوي النبرات يقول بدهشة:
-مهران الهوارى.

إستدار (مهران)إليه يطالعه بعين متفحصة لكل شاردة وواردة منه وهو يقول:
-صوح ياداكتور،انى مهران الهوارى وإنت محمد الجبالي،بينا سنين من النزاع والتار وبينا حديت لازمن يتجال عشان نحط النجط على الحروف.

عدل (محمد)من وضع نظارته وهو يقول بهدوء:
-وانى تحت أمرك،تعالى دارنا وخلينا نتحدت .

هز (مهران)رأسه قائلا:
-لع،مش عاوز حدا يعرف بمجابلتنا دى،أنى بعتلك صبيحة ينادم عليك فى السر عشان أعرف حاجة واحدة بس.

عقد (محمد)حاجبيه قائلا:
-إيه هي؟

إقترب منه (مهران)يتطلع إلى عينيه مباشرة وهو يقول:
-إنت إيه رأيك فى الإتفاج اللى تم بين أبوي وأبوك؟

قال(محمد)بهدوء:
-بصراحة،انى كنت رافض الموضوع فى اللول ،طول عمرى مبحبش جوازة الغصبانية وشايف إن الجواز لازمن يكون برضا التنين،جصدى العريس والعروسة طبعا،وأنى حسيت إن اللى أبويا عمله ده مش صوح حتى لو كان هيوجف الدم بس هيدمر حياة ناس كتير لو حوصل وأولهم حياتى أنا وخيتى،بس بعد ماعاودت خيتي من عنديكم،وإتحدت معاها،لجيتها طايرة طير بالجوازة دى وملهاش سيرة غير مهران الهوارى وخواته التنين،حتى الحاج عسران ومرته طايرة بيهم طير،جلت يبجى خلاص ده جدر ونصيب،ومحدش عيختار جدره وأنى مؤمن طول عمرى إن اللى يرضى ربه مش هيضره،وأنى إستخرت ربى اللى طول عمرى بخاف أغضبه ولجيتنى مرتاح يامهران ،فتوكلت على الله وجلت أرضى بجدرى وربنا بإذن الله هيراضينى.

تأمله (مهران)بقلب هدأت دقاته بعد قلق كان يعصف بكيانه ، أراحته كلمات(محمد)كثيرا وجعلته يطمأن على أخته،فشخص مثل (محمد)لايمكن ان يؤذى أخته أبدا،لذا فقد هز راسه وهو ويمد يده مصافحا (محمد)قائلا:
-كدة نتوكل على الله ونتمموا الجواز بنفس راضية .

لم يصافحه (محمد)وإنما طالعه قائلا:
-بس إنت مجلتليش يا(مهران)،إيه رأيك فى اللى حوصل؟

إبتسم (مهران)قائلا:
-أنى كمان توكلت على الله ورضيت بجدرى زييك ياولد عمى وبإذن الله ربنا يراضينا كلياتنا .

ليبتسم (محمد)بدوره وهو يمد يده ويصافح(مهران)،يظهر كليهما سعيدا بإتمام تلك الزيجة بينما أحدهما لا يحمل هذا الشعور بقلبه….حقا.

_______________

أهل الصعيد،أناس طيبون،يشبهون النيل فى أصالته كرمه،تملأ نفوسهم الخير وتعتريها دائما البهجة،مشاعرهم واضحة جلية،حين يحزنون وحين يفرحون تمتد أحزانهم وافراحهم بلا نهاية….
وفى دار عمدة هوارة ودار عمدة الجبالية ،كانت مراسم الفرح فى كل مكان،السعادة تغمر القلوب ماعدا قلب واحد تحرك بآلية ليحقق قدره.

قدمت الهدايا الذهبية،وخصصت الغرف للعرسان وجهزت كما يجب ان تكون،واشترت الأمهات مايعرف ب(الشيلة) لأولادها ليقدمها كل عريس لعروسه وهي عبارة عن حقيبة كبيرة تضم ملابس للعروس،بينما أعد اهل البلدتين الكعك والبسكويت إحتفالا بتلك المناسبة السعيدة،حتى جاء عقد القران ليتم العقد فى حضور الرجال من العائلتين فى مسجد كفر هوارة الكبير ،فيما تبقى النساء فى المنازل يحتفلون ويقومون بغناء أحلى الأغانى التراثية الشعبية فى إحتفال كبير…

جاء صباح يوم الحنة…
فذبحت الذبائح فى كلتا البلدتين ،وقامت (الحنانة)بوضع الحنة على انف العرسان كي تبقى رائحتها الطيبة بأنفهما ولا تزول أبدا،ثم تحنت العروستان وقريباتها وصديقاتها وأهل القرية الحاضرات،كانت (زبيدة)تتابع مايحدث بحسرة كتمتها فى نفسها على وعد بتحقيق مرادها لاحقا والتشفى فى تلك الثريا التى تمقتها من كل قلبها،حانت منها نظرة إلى (ثريا)فوجدتها تطالعها بعينين كالصقر،لترسم على شفتيها إبتسامة باهتة مرغمة وهي تصفق وتغنى مع الحضور ،تبدو سعيدة مثلها ولكن وحدها(ثريا)تعرف مايكنه قلبها من حسرة ولكم تسعدها حسرة تلك العقربة (زبيدة)وتشفى غليلها.

جاء يوم الفرح فتجمع مئات البشر فى شارع طويل مزين بالأضواء الملونة،شرفات المنازل إمتلأت بالسكان لمشاهدة هذا الحدث الرائع،زواج أبناء هوارة بأبناء الجبالية،بينما تتردد الأغانى الشعبية فى كل مكان…
إلتف الحضور حول منصة كبيرة خصصت لجلوس كل عريس وعروسه…
وصلت السيارة الأولى تحمل العرسان ليهبط منها (مهران)و(محمد)فبديا كأميران فى زيهما الصعيدي الرائع وعمامتهما التى أضفت نورا على وجهيهما،ليقفا فى إنتظار زوجاتهما ، وصلت السيارة الثانية وهبطت منها عروستان بديتا كملكتان متوجتان بتاج يتلألأ على رأسيهما وفساتين بيضاء رائعة،امسك كل عريس بيد عروسه وإتجه بها إلى المكان المخصص لهما ثم بدات الإحتفالات وتوالت الفرق فى تقديم عروضها …

كان يقف هناك بجانب والده ،يتلقى التهاني من اهل البلدة،شعر بالإختناق من هذا الزيف الذى يدعيه الجميع،عن اي فرح يتحدثون وتلك الزيجة قد تمت بالإجبار،ربما هو يرى أن أخيه اكثر من راض عن زيجته سعيد بها،بينما ملامح (مهران) لا توحى بسعادته مطلقا،يشعر من ينظر إليه بأنه مجبر حق وعلى رقبته قدر قد نفذ،اراد الحصول على بعض الماء ليبتلع تلك الغصة فى حلقه،أسرع إلى الخلف حيث تقام وليمة العشاء،رأى احد النساء تمنحه ظهرها وتقوم بتزويد الطاولة ببعض علب المياه،قال لها بسرعة:
-جزازة مي من فضلك؟

إستدارت إليه فتوقف الزمن،وجه فى رقة النسيم وصفاء السماء وعيون قاتلة نظراتها ،أسدلت أهدابها وحمرة جميلة ظللت وجنتيها تمنحه زجاجة المياه بصمت قبل ان تجذب طرحتها على وجهها وتغادر المكان بسرعة،تتجه إلى حيث تجلس النسوة،توقفت سيدة كبيرة بجواره تضيف للطاولة بعض ادوات المائدة فتحمحم قائلا:
-إلا جوليلى ياخالة،مين البنتة اللى كانت واجفة إهنه من شوي،جريبة العمدة ولا ضيفته؟

قالت(حورية)بإستنكار:
-جصدك زينة البنات (راوية)،دى بت العمدة واميرة الدار ياجدع إنت،بتسأل عنيها ليه عاد؟

قال (ناجى)بإضطراب:
-أنى بس كنت عاوز أتشكرلها عشان ناولاتنى جزازة المي.

تأملته (حورية)قائلة:
-وتبجى مين إنت ياواكل ناسك ؟كنك غريب مشفتاكش فى البلد جبل إكده.

قال(ناجى)بتوتر:
-مبجتش غريب ولا حاجة ياخالة،انى ناجى ولد عويس الجبالى،بالإذن.

مشي بخطوات سريعة بينما تابعته (حورية)بعينيها قبل أن تبتسم بهدوء،تدرك ان هناك عرس آخر فى الطريق ،أو هكذا تامل حتى تنال تلك الفتاة التى تحبها قدرها من السعادة كما تمنت لها دوما.

وبينما كانت (نوار)تسير عائدة إلى الحفل بعد أن شربت دواء يخفف عنا هذا الألم برأسها ،وجدت من يجذبها من يدها ويكمم فمها كي لا تصرخ،تطلعت إلى من فعل ذلك بعينين مرتعبتين مالبثتا ان هدئتا ولانت نظراتهما حين طالعها وجه(راجى)لينزع يده عن فمها وهو يتطلع إلى وجهها قائلا:
-وجك كيف الجمر فى ليلة تمامه وعيونك شرارهم كيف السمس بيدفى جلبى وينور طريجى يانوارة جلبى.

إبتلعت(نوار)ريقها بصعوبة ونظرات (راجى)الولهة تذيب كيانها،ونبراته تزلزل وجدانها،تطلعت حولها للحظة قبل ان تقول:
-مينفعش نجف إكدة لحالنا ياراجى لو حدا شافنا…

قاطعها قائلا:
-اللى عيشوفنا يشوفنا ،أنى ميهمنيش حدا واصل،أنا كدها وكدود يامهجة الجلب ولا معندكيش ثجة فيا.

قالت(نوار):
-الكترة تغلب الشجاعة ياراجى وانى خايفة عليك كيف مابخاف على روحى تمام.

قال (راجى):
-واه ياأبوي ،والله اتفتحتلك طاجة الجدر ياراجى ولجيت اللى عتحبك وتخاف عليك كمانى.

قالت(نوار):
-احب على يدك ياراجى،مش وجته الحديت ده عاد،بعد دلوكيت أنى منجصاش .

قال( راجى):
-مش جبل ما توعدينى إنك تجابلينى ،وبكرة طوالى كومان.

هزت رأسها قائلة:
-هجابلك بكرة ،امى عتكون مشغولة مع الخالة ثريا وهعرف أتسلل واجابلك ياراجى بس إمشى الحين الله يرضى عنيك.

إبتسم قائلا:
-همشى ياحبة الجلب ،وعلى وعدنا مع الجدر..وجدرنا نتلاجى ،اللجا بكرة والهنا بييجى مع اللجا،يعنى هنانا بكرة يانوار.

ألقى عليها نظرة محبة تتشرب من ملامحها قبل ان يبتعد،تتابعه بعينيها بحب بدورها قبل أن تتجه إلى مكان النسوة بخطوات تكاد تطير من على الأرض.

________________

إحتضنت (فيفيان)صديقتها(فدوى)بحب قائلة:
-سأفتقدك كثيرا صديقتى.

خرجت (فدوى)من حضن صديقتها تقول :
-وانا كذلك سأفتقدك بشدة،ماإن أستقر فى بلدتى وأثق بحمايتهم لى حتى أبعث لكى بعنوانى،لا تقلقى علي سأكون بخير..صدقينى.

قالت(فيفيان):
-آمل ذلك حبيبتى.

لترفع أصابعها التى عقصتها امامها قائلة:
-وأتمنى ذلك من كل قلبى.

أغروقت عيون (فدوى)بالدموع قائلة:
-أحبك فيفيان،أحبك كثيرا.

مسحت (فيفيان)دمعة سقطت على وجنتها وهي تربت على وجنة (فدوى)قائلة:
-وأنا كذلك حبيبتى،ولكن هيا، كفى دموعا ..إذهبى وأحصلى على قدرك من السعادة،حاربى من أجل عودتك لتحظى بما فقدتيه من عشق.

هزت (فدوى)رأسها وهي تمسح دموعها بدورها قائلة:
-سأفعل.

تراجعت بإتجاه البوابة الخاصة بطائرتها بينما تصيح (فيفيان):
-إلى لقاء قريب .

لوحت لها (فدوى)قبل أن تبتعد ،تسمح لدموعها بالسقوط مجددا،كم يصعب عليها تحمل لحظات الوداع وكم ودعت من أحباب ،وكأن القدر قد كتب عليها أن تودع كل من تحب،فى البداية والدها ثم والدتها،(مهران) وبالأخير صديقتها الوحيدة،ترى من ستودع فى مستقبلها،ربما حياتها.. إنها حقا لا تدرى ،فقط تنتظر القدر ليقول كلمته ،تدرك أن القدر لا مفر منه مهما حاولت ،تدرك أن على رقبتها قدر نافذ مهما ادعت…العكس.

 

رواية على الرقاب قدر نافذ.

بقلم شاهندة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *