جوازة نت لمنى لطفي

الحلقة الأولى:

– يا اهل الدار أين أنتم ؟، باركوا لي يا قوم بئيت الباش- مهندسة منّة عبد العظيم بامتياز مع مرتبة الشرف ” ، صاحت منة بهذه العبارة ما ان فتحت لها الباب أمها التي سرعان ما اطلقت زغرودة كبيرة تصدح في الاجواء معلنة فرحتها بنجاح ابنتها منة وحصولها على بكالوريوس الفنون الجميلة قسم ديكور ، حضر والدها سريعا على صوت الجلبة التي أحدثتها كلاًّ من ابنته وزوجته ، تكلم ما ان شاهدهما :
– ايه ايه مش تفرحوني معكم طيب ؟ ايه الاخبار يا بنت عبدالعظيم سبع ولا ضبع ؟؟ ، أجابته منة بمرح وهى تطوق كتفيه بذراعها :
– عيب يا أبو منة دا انا بنتك بردو …امتياز يا باشا مع مرتبة الشرف كمان ….،قبلها والدها بحب وهو يقول بفخر:
– ألف ألف مبروك النجاح يا حبيبتي هو دا النجاح اللي يشرح القلب ويشرّف بصحيح…، اقتربت منهما والدتها وعيناها تذرفان دموع الفرح وقالت لزوجها وهى تجذب يد ابنتها دافعة بها الى احضانها:
– أومال ايه.. بنتي دايما رافعه راسي عقبال ما افرح بيكي كدا مع واحد ابن حلال يعزك ويصونك…،قلبت منّة عينيها مخاطبة امها :
– يا توفي الزمن ما بقاش هو الزمن… دلوقتي لو الجواز مش هيكون فيه كل مقومات النجاح ويغير حياة الواحدة للأفضل يبقى بلاش منه احسن!، عموما سيبينا من الكلام دا ،.. وقفت واضعه يديها في خصرها وتكلمت بثقة قائلة وهى ترفع رأسها الى أعلى:
– يا ترى النجاح المشرف دا هديته هتكون ايه؟.
ضربتها امها بخفة على كتفها قائلة بجدية مفتعلة:
– ايه توفي دي يا بنت؟!، حد يقول لمامته توفي؟، وبعدين باباكي وعدك بهدية كبيرة لما تنجحي وهو عند وعده وانا بقه ليكي عندي احلى حفلة لنجاحك…،
ضحكت منة ومالت على والدتها قائلة بغمزة من عينها:
– ايه بس يا أم منة.. زعلانه من ايه يا قمر؟ هي توفي وحشة؟ انت مش اسمك عواطف تبقي توفي على طول يا أحلى توفي بالكراميل انت يا جميل…
تعالت ضحكات والديها التي قطعها صوت ضاحك آت من الداخل يقول :
– أيوة أيوة كوليها بكلمتين!، واقترب منها يشد أذنها بمرح محبب مكملا:
– وبعدين ايه أم منة دي يا هانم؟، اسمها أم أحمد!، انت نسيتي أخوكي الكبير ولا ايه يا آنسة؟،
ضحكت منة وقالت بمرحها المعهود متصنعة الألم من مسكته لأذنها:
-آي آي …. خلاص خلاص حرمت يا أبو حميد…. سماح النوبة دي..
ترك أذنها وهو يضرب كفا بكف ويقول بدهشة ضاحكة:
– أبو حميد؟ انت يا بنتي انت مش ناوية تبطلي تهريجك دا؟ وبعد دا كله تقوليلي سماح؟ سماح ماتت الله يرحمها !!..
تصنعت منة الحزن قالبة شفتها السفلى وهى تقول:
– ماتت!!، تصدق زعلتني!.
قاطع مشاغبتهما المرحة صوت والدهما الوقور الذي يحمل رنة الفرح بولديه:
– خلاص بطلوا انتم الاتنين تهريج، وانت يا باش مهندسة ، واشار الى الاريكة المغطاة بكسوة قماشية فاخرة:
– على مامتك ما تحضر الغدا تعالي قوليلي يا ترى فكرت هتعملي ايه بعد ما اتخرجت…
ذهبت الأم لتحضير طعام الغذاء بينما جلس عبد العظيم مع ولديْه واجابت منّة سؤاله بحماس:
– انا طبعا عارفة انى ممكن جدا ييجي لي تعيين معيدة في الجامعه لكن انا عمري ما فكرت انى ادخل سلك التعليم دا…
انا بحب الشغل.. عاوزة انزل مواقع واشتغل واشوف رسوماتي وهى بتتنفذ على الواقع،.. عمري ما شوفت نفسي دكتورة جامعه وقاعده على مكتب… ماليش في اللون دا!
احمد وهو يضربها بخفة على رأسها:
– يا بنتي انت بنت!، لا الاه الا الله.. شوية انوثة شوية!، ايه متعرفيش تتكلمي زي البنات ابدا؟!، حاسس انى بكلم واحد صاحبي ومش أي صاحب كمان… لا صاحب ضايع على الاخر!..
ابتسم الوالد لقول ابنه ووجه حديثه الى منة قائلا:
– هتضيّعوا الوقت في الهزار!، بردو مفهمتش عاوزة تشتغلي في مكتب هندسي يعني؟.
منة بانفعال حماسي:
– عارف بجد يا بابا نفسي في ايه؟ ، نظر اليها والدها في تساؤل بينما ارتسمت شبح ابتسامة حانية على وجه شقيقها الذي يكبرها بخمس سنوات وهو يرى شقيقته الصغرى تخطط لمستقبلها بحماس ولمعت عيناه بفخر للثقة التي تتحدث بها فهي تعلم موضع قدميها تماما بل وتعلم بكل وضوح ما تريد القيام به الايام القادمة…
منة متابعه بحماس:
– نفسي اسافر بره يا بابا… ايطاليا او باريس… بلاد الفن الحقيقي… انت عارف انى فنون جميلة قسم ديكور.. عاوزة اتعمق اكتر في دراستي وبفكر اسافر اكمل دراسات عليا هناك ..انا حاسة انى هتعلم هناك حاجات هتنفعني في شغلي بجد…ايه رايك يا بابايا؟، موافق؟..
ليقاطعها صوت عال بصرامة:
– طبعا…لأ !! .
شهقت منة والتفتت الى امها التي نَمّت وقفتها عن جديتها البالغة وكانت قد أتت لاخبارهم بأن الطعام أصبح معدا على مائدة السفرة، قامت منة من مكانها واتجهت الى والدتها محاولةٍ تليين قلبها بدلالها المعهود بينما تبادل الاب وابنه نظرات تدل على معرفتهما برأي الام مسبقا…
منة بدلال وهى تحيط كتفي أمها بذراعها:
– ليه بس يا توفي؟، انا مابقيتش صغيرة.. دي فرصة يا مامتي حبيبتي علشان خاطري وافقي..
الأم بجدية بالغة:
– عاوزة تسافري يبقى مع جوزك… تتجوزى الأول وبعدين تبقي تسافري مطرح ما انت عاوزة انما غير كدا مالكيش كلام في الموضوع دا … ودلوقتي ياللا علشان نتغدى قبل ما الاكل يبرد..
اجابت منة بنزق :
– ايه دا؟!، انا اعرف الواحد يسافر بجواز سفر مش بجواز بحق وحقيقي!، والبيه هاخده ايه بقه ان شاء الله التأشيرة بتاعت السفر؟ ولا هاند باج في ايدي على الطيارة وأسرّبه أول ما انزل منها؟!!..
قالت الأم وهى تتأفف بغيظ:
– ايه؟ تسرّبيه!، انت يا بنتي انت بتجيبي الكلام دا منين؟، اهو دا اللي انت فالحه فيه التريقة!!.
الاب تدخل مانعا ابنته من الرد على امها قائلا بجدية ونظرة صارمة على وجهه:
– منة… خلاص اقفلي الموضوع دا دلوقتي.. يعني هي التأشيرة على الباب والطيارة مستنية؟!، ياللا نتغدى وابقي فكري كويس عاوزة تعملي ايه وانا ممكن اكلملك عمك فخري الشركة اللي هو بيشتغل فيها رئيس للشؤون القانونية شركة هندسية كبيرة بتبني مجمعات سكنية وبيحتاجوا مهندسين ديكور في تنفيذ التشطيبات الداخليه.. هكلمهولك وان شاء الله خير..
رد احمد ضاحكا محاولا ترطيب الاجواء:
معلهش يا والدي العزيز…. اذا كانت منة هتشتغل يبقى مع اخوها!، مش معقولة يبقى اخوها عنده مكتب هندسي واكون مهندس انشاءات اسمه ابتدا يلمع وهى تسيبني وتشتغل عند الغُرب دي حتى كدا تبقى عامله زي القرع يمد لبره!!
كتفت منة ذراعيها وطالعته بسخرية قائلة:
– يا عم الغرور دا كله.. شوية تواضع علشان الغلابة اللي زيي… وبعدين هو كان مكتبك لوحدك انت معاك اتنين غيرك..
أحمد بثقة تامة:
– مالكيش دعوه اعتبري نفسك في فترة تمرين من بكرة… انت عارفة عمر وسيف عمرهم ما هيقولوا لأ..
منة وهى تصطنع المرض:
– يا خرابي هو انا قادرة عليك انت لوحدك علشان تجيب لي احمد وشركاه؟!..
الاب بجدية :
– خلاص نقفل الموضوع دا دلوقتي ويا للا علشان نتغدى وابقوا اتجادلوا بعدين..
واتجه الاربعة حيث غرفة الطعام لتناول الاصناف الشهية التى تبرع في اعدادها الأم……
استيقظت منّة في صباح اليوم التالي ونظرت الى الساعة الموضوعة فوق الجارور بجانبها والتي تشير عقاربها الى السابعة والنصف صباحا، شهقت ونفضت الغطاء من فوقها لتقوم سريعا وتناولت منشفتها متجهة الى خارج الغرفة بخطوات سريعة وهى تقول :
– مش هخلص من أحمد، هيقعد يقوللي هتأخريني وأخّرتيني..
قابلت أم محمود السيدة الممتلئة البدن الخمسينية العمر والتي تأتي يوميا لمساعدة والدتها في شؤون المنزل ولم تكن موجودة بالأمس حيث صادف يوم أجازتها الاسبوعية، ابتسمت منة ملقية عليها تحية الصباح:
– صباح الفل يا أم محمود..
أم محمود ببشاشة:
– صباح الورد والياسمين على عيونك يا ست منّة… ياللا على ما تخلصي حمامك يكون الفطار جاهز..
منّة بابتسامة وهى تخطو سريعا للذهاب الى الحمام:
– أوكي يا قمر..
أم محمود تبادلها المزاح:
– أوكيك يا عسليتنا….
منّة بتقطيبة جبين ونبرة جدية مفتعلة:
– كيك؟، كيك بالشوكولاتة ولا البرتقال؟، انت عارفاني الشوكولاتة حبيبتي أنا أنما البرتقال…… وحركت كتفها بدلال متابعة وهى تمط شفتيها المكتنزتين:
– أحبووووش!!.
دخلت الحمام وسط ضحكات ام محمود…
وقفت منّة أمام مرآة الزينة في غرفتها تطالع شكلها النهائي، اختارت طقما عمليّا للذهاب الى المكتب الهندسي مع شقيقها، يتكون من فستان قطني ابيض اللون يصل الى الركبة ذو نقوش من الازهار الصغيرة زرقاء اللون المطبعة على حواف الفستان من الاسفل وذات النقوش مطبوعة على حواف الكُم القصير للفستان ومن الاسفل بنطالا من الجينز الازرق وفوق الفستان سترة قصيرة بأكمام طويلة من الجينز الازرق ايضا وانتعلت حذاءا رياضيا أبيض اللون، ثم عكصت شعرها الكستنائي الناعم الذي يكاد يصل الى خصرها على هيئة كعكة صارمة لتغطيه بعد ذلك بحجاب رقيق عبارة عن وشاح من القماش الناعم ابيض اللون موشي بتعاريج زرقاء بسيطة في لفة محتشمة،ابتسمت لما رأته امامها فهي أنيقة ولكن بغير اسفاف وضحكت عيناها اللوزتيْن المكللتين برموش طويلة معقوفة الى اعلى وكأنها موشاة بأداة تلوين الرموش ولكنه صنعة رب العالمين، اسفلها أنف صغير مرفوع الى الاعلى دليل للعناد الذي هو خصلتها المتأصلة فيها ويعلو هذا الانف شفتين مكتنزتين حمراوين بلون ثمرة الفراولة الطازجة، نظرت الى وجهها يمينا ويسارا ببشرته الذهبية والتي كانت تفخر بها فمن يراها يصفها دائما بأنها تملك الجمال المصري الاصيل وهذا الامر كان يبهجها فهي لم تكن كباقي فتيات جيلها ممن يصبغن شعورهن بالوان صارخة ويرتدين العدسات الملونة فبرأيها ليس هناك أجمل من الهيئة التي خلقها الله عليها….، كان جسدها متناسق ومع أنها لم تكن من ذوات ممارسة الحمية بشكل دائم ولكن ممارستها لرياضة السير بشكل يومي في النادي الرياضي المشترك به عائلتها ساعدها في الحفاظ على لياقتها البدنية..
لم تضع أي زينة كعادتها فهي ليست من هواة هذه الالوان التي يضعنها صديقاتها وكأنهن ذاهبات الى حفل ليلي وليس للدراسة او العمل او حتى يصلح للخروج نهارا، واكتفت بمرطب للشفاه عديم اللون وارتدت حقيبتها القماشية بشكل عكسي كما تحب دائما كي يسهل عليها الحركة….
أحمد ينادي بصوت عال:
– ياللا يا برنسيسة… هنتأخر كدا.. مش معقول أبقى أنا المدير وأتاخر شكلك من أولها هتجيبي لي الكلام!.
اتجهت اليه منّة في خطوات سريعة مجيبة بلهجة واثقة:
– مين دا؟، ان ما كونتش أخليك تاخد بونط عن باقية مثلث برمودا بتاعكم دا مابقاش أنا!، هخليهم يقولوا لك جبتها منين دي يا أبو حميد؟!.
ضربها اخوها بخفة على رأسها وقال بحنق مفتعل:
– بس بس بس..ايه… راديو واتفتح!، اما نشوف يا ختي… يا ما انا خايف اقول انا اللي جبت دا كلو لنفسي….
نظرت اليه منة بنصف عين واضعة يدها في منتصف خصرها مجيبة :
– والله احنا لسه فيها وان كنت ناسي أفكرك!، انت اللي عرضت عليا انى اشتغل معكم ومش بس كدا انت كنت هتبوس الايادي كمان ان بابا ما يكلمش عمو فخري… صح ولا بتبلّا عليك؟.
دفعها احمد امامه بينما أتت والدته على صوت جدالهما العالي وقالت بابتسامة:
– انتو مش هتكبروا ابدا؟!…
قال احمد وهو يدفع شقيقته المشاغبة خارجا:
– مين دي اللي تكبر؟ بنتك؟، دا انا بيتهيألي ان طفلة اربع سنين ممكن تكبر الّا دي!!، سلام عليكم يا ماما…
ردت أمهما السلام وهى ترفع يديها داعية الله يوفقهما ويحفظهما لها…
نادت أم محمود التى أتت سريعا تلبية لنداء سيدتها:
– ياللا يا ام محمود شهِّلي شوية…، عاوزاكي تنزلي تيجيبي الطلبات اللي قلت لك عليها بسرعه على ما انا اجهز حاجة الغدا انت عارفة الأستاذ عبد العظيم بييجي 3 بالظبط، تظبطي عليه الساعة..
اتجهت ام محمود الى الباب وهى تنزل أكمامها المرفوعة توميء برأسها بالايجاب بينما يتبعها صوت عواطف يقول:
– آه وما تنسيش ورق العنب يا ام محمود انت عارفة منّة بتحبه أد إيه..
” عبد العظيم الأب: موجه أول لغة عربية.. رجل وقور محترم من عائلة عريقة تمتد أصولها الى الريف المصريّ ولكن عائلته سكنت المدينة منذ زمن طويل… يملك قطعة أرض هي ميراثه عن والده في بلده الريفي يرعاها شقيقه الذي يعيش هناك مع عائلته كما تعيش شقيقته في بلدتهما مع زوجها وعائلتها الصغيرة وشقيقة اخرى تعيش في الخليج مع زوجها واسرتها…
عواطف الأم: حاصلة على بكالوريوس تجارة.. تزوجت من عبد العظيم زواجا تقليديّا.. عاشت طوال عمرها في القاهرة لا تملك من الاشقاء سوى واحدة وتلك الاخيرة تعيش مع عائلتها في الاسكندرية حيث عمل زوجها، آثرت عواطف عدم العمل وانشغلت برعاية شؤون أسرتها الصغيرة فأصبح شغلها الشاغل مساعدة زوجها في تأمين راحة ولديْها، وتدعو الله ليل نهار أن يوفق كليهما في اختيار شريك حياته لتكتمل بذلك سعادتها هي وزوجها”…
**************************************************
– اتفضلي يا ستي….، دخلت منّة حيث يشير احمد لتجد نفسها في بهو واسع لشقة كبيرة، حيث لاحظت ثلاثة أبواب، تقدم أحمد مشيرا الى أول باب الى اليمين قائلا:
– دا مكتب الموظفين اللي معنا، هعرفك عليهم دلوقتي، والباب التاني دا مكتبي أنا وعمر والباب الأخير اللي في الوش يبقى مكتب الاستاذ سيف..
قطبت منة متسائلة:
– وايش معنى سيف صاحبك مكتبه لوحده؟.
احمد بتلقائية:
– طبيعي… سيف هو المهندس المسؤول هنا صحيح المكتب انا وهو وعمر شركا فيه لكن هو اكبر مننا سواء في السن اكبر مننا بتلات سنين وسواء في الخبرة عنده خبرة اكتر مننا بكتير وبعدين هو مش غريب دا ابن خالة عمر فبالنسبة لنا عادي وكويس انه وافق يشاركنا سيف عنده خبرة كويسة اوي وعمل علاقات في السوق مش بطالة…
هزت منة برأسها ايجابا ولم تُعقب، أشار اليها احمد لتتقدمه حيث دخلا الى غرفة الموظفين فطالعتهما زوجيْن من الأعين اشار اليهما احمد مبتسما:
– المهندسة سحر… زميلتنا هنا ودفعتنا في الكلية… مهندسة انشاءات، تقدمت اليها منة مصافحة وقد شعرت بالراحة اليها فوجهها تعتليه براءة طفولية محببة كما انه غير متكلف خال من أي زينة..،وملابسها بسيطة بعيدة كل البعد عن البهرجة وشعرها القصير الذي يصل حدود أذنيها يُكسبها مسحة من الجمال البريء مع عينيها الواسعتين بلونهما البندقيّ…
أكمل احمد التعريف مشيرا الى الأخرى قائلا:
– المهندسة ايناس… مهندسة كمبيوتر وأوتو كاد وحاجات كتيرة اوى هتلخبط لك دماغك.. من الاخر مهندسة تصميم ما حصلتش…
اتجهت ايناس للسلام على منة وقد احمرت وجنتيها لمدح أحمد لها مما لفت نظر منة التى نقلت نظراتها بينهما هما الاثنين لتشاهد لمحة خاطفة من حنان عبرت وجه اخيها سريعا ولكن لم تكن لتفوتها!!..،ولكنها عذرت شقيقها في اعجابه المُلاحظ بها فهي كالنسمة الهادئة التى تشعر بها لتريح اعصابك بعينيها العسليتين كبحر من العسل المصفى وبشرتها القمحية وشعرها الطويل نسبيا الذي يصل نهاية اكتافها بلونه الشوكولاتة الجذاب ولم تكن متكلفة ايضا لا في زينتها او ثيابها….
قالت ايناس بخفر:
– ما تبالغش يا باش مهندس… نورتينا يا…
ضحكت منة مجيبة وهى تصافحها:
– منة… مهندسة ديكور، وأخت الباش مهندس..
رحب الجميع بها وفجأة فاح في الهواء رائحة عطر ثقيل جعلت منة تنظر مشدوهه لتلاحظ سحر ترنو ببصرها الى شيء خلفها فاستدارت لتطالعها صورة من عارضة ازياء خرجت حديثا من مجلة للموضة والجمال…
احمد بجدية استغربتها منة:
– نشوى…. سكرتيرة المكتب او مديرة المكتب زي ما بتحب تقول..
اجابت نشوى في غنج لم تستسغه منة:
– تقدري تقولي الكل في الكل!، من غيري المكتب يتلخبط، انا اللي بظبط مواعيد العملا والطلبات اللي بتجيلنا وكل الشغل الاداري عليا انا لوحدي … ابقى اهم واحده ولا لأ؟!..
انهت عبارتها وهى ترنو لأحمد بدلال مقزز جعل منة ترغب بلكمها على أنفها المرتفع عاليا علّه ينزل الى الاسفل قليلا!!…
فحصتها منة بنظراتها بدءا من شعرها الاشقر المصبوغ مرورا ببشرتها البيضاء الخالية من العيوب مرورا بجسدها المثالي حتى اصابع قدميها الظاهرين من فتحت حذاءها ذو الكعب المرتفع جدا والمطلية بلون احمر قان كما اظافر يديها بينما طالعتها نشوى بنظرات زرقاء مغرورة!!..
همست منة في سرها:
– اتحدى انه عينيكي عيرة تمام كدا زي شعرك…وربنا يستر ما يكونش فيه حاجات تانية عيرة!!…
مالت على احمد هامسة له فلم يسمعها سواه:
– انت قلت لي هشتغل في مكتب مع موظفين عاديين زيينا كدا اقدر اعرف الساحرة الشريرة اللي واكله ولادها دي على الصبح بتعمل هنا ايه؟ ، في اشارة منها الى اللون الاحمر الفاقع الذي تطلي بهِ شفتيها!، قاطعته قبل ان يقوم بالرد عليها متابعة:
– آه.. بس.. فهمت، جايبينها تخوفوا بيها الزباين صح؟!..
كتم احمد ضحكته بصعوبة ونظر اليها نظرة زاجرة بعينيه وقال بخفوت مصطنع الجدية:
– منة بقولك ايه ابعدي عن دي خالص.. انا مش ناقص وَشْ!، خليكي مع سحر وايناس ونشوى ابعدي عنها انا ماليش دعوه علشان ما تجيش تشتكي بعد كدا!.
منة بحنق هامس:
– مين دي اللي تشتكي؟ أنا!….لا معلهش يا استاذ، اختك عندها المقدرة بعون الله انها تحط كل واحد في حجمه الطبيعي ولو عاوزني اخليهالك ماشية والعه والدخان طالع من ودانها ومناخيرها كدا ولا يهمك… أنا لها!، واشارت لنفسها بثقة…
اجاب احمد بذعر فهو يعلم شقيقته تماما ومقدرتها على حرق دم من يقف امامها وهى ببرود ثلاجة!:
– لالالا .. الطيب احسن… ابعدي عنها وخلاص… مش عاوز عمر أو سيف يتضايقوا هي يمكن مغرورة شوية انما شاطرة وممشية المكتب زي الساعه..
قاطع استرسالهما صوت ضاحك:
– ايه يا عم وانا ماليش في المعرفة جانب ولا ايه؟
تقدم عمر بوجهه البشوش الضاحك من احمد الذي خبط بيده على ظهره بمرح قائلا:
– ودا طبعا عمر باشا…. انت عارفاه..
قالت منة ولم يصافحها عمر فهو يعلم انها لا تصافح رجال من المرات القليلة التي شاهدها فيها لدى زيارة احمد وكان نادرا ما يزوره فأحمد على قدر مرحه ولكنه غيور جدا ولم يكن يدعو احد من اصدقائه لزيارته بالمنزل حيث والدته وشقيقته، ولكن كان عمر يصادفها لدى مروره على احمد في أمر طاريء….
قالت منة بابتسامة صغيرة فمرحها مقتصر فقط مع شقيقها وصديقاتها ولكن ليس مع أي زميل مهما بلغت درجة معرفتها به:
– اهلا وسهلا يا عمر.. اتشرفنا..
مال احمد على عمر هامسا بتساؤل وصل اسماع منة القريبة منهما:
– هو البوس لسه ما وصلش ولا ايه؟.
عمر بتلقائية :
– انت عارف انه مسافر البلد علشان والده تعبان، وبعدين خلينا يا عم نشم نفسنا شوية، دا ميعرفش حاجه في حياته غير العمل فالعمل ثم العمل!!..
فهمت منة ان الحديث الدائر يخص الغائب والذي بالتأكيد لن يكون سوى….سيف!.
في وقت لاحق وبعد استقرار منة في المكتب مع زميلاتها سحر وايناس وذهاب احمد الى مكتبه مع عمر… كانت منة تقوم برسم لديكور غرفة اطفال في تدريب لها كما سبق واتفق معها شقيقها ان الفترة الاولى ستكون بمثابة تدريب لها حتى تعلم تماما كيفية سير العمل…،أرادت منة الاستفسار عن بعض الامور ولكنها وجدت كل من سحر وايناس منخرط في عمله ففضلت التوجه الى شقيقها لسؤاله…قائلة في سرها:
– ماليش غيرك يا ابو حميد ،ثم استأذنت زميلاتها وخرجت متجهة الى مكتب اخيها…، كانت قد صادفت عمر في طريقها وهو يتجه خارجا من المكتب فعلمت ان شقيقها بمفرده هناك فدخلت بمرحها المعهود قائلة:
– معلهش يا حمادة هعطلك شوية….ممكـ…
لتبتر عبارتها عندما طالعتها هيئة طويلة من الخلف وجسم رياضي، قطبت باستغراب هامسة بصوت مسموع:
– أحمد!، انت ايه اللي طوّلك كدا؟!…ايه حطوك في الردّة ولا ايه؟!..
لتشهق عاليا ما ان التفت هذا الجسد الضخم الذي كان موليا اياها ظهره قائلا بفكاهة:
– لا معندناش ردة هنا!!..
نظرت مشدوهة الى هذا الوجه الرجولي الشديد الجاذبية الماثل امامها، قد لا يكون وسيما بالمعنى المفهوم للكلمة ولكن هناك جاذبية رجولية فجّة تنضح منه تُجبر من حوله على الالتفات اليه، كان يطالعها بنظرات سوداء عميقة كبحر عميق في ليل حالك السواد، بينما هناك خصلة سوداء شاردة تغفو على جبينه العريض تستفز من يراها كي يعيدها مكانها الى اعلى مع باقي الخصلات، وانف طويل شامخ يعلو فم حازم ونغزة عميقة في ذقنه المغطى بلحية خفيفة غير مشذبة او كما يقال هذه الايام “ديرتي”، هذا كله يعلو جسد عضلي يدل على ممارسة صاحبه للرياضة بشكل دائم وطول يصل قرابة الـ 190 سم، مما جعلها تشعر بأنها قزمة أمامه علما بأن طولها يقرب لـ 173 سم، وكثيرا ما لقبها صديقاتها بـ ” النخلة “، على سبيل المزاح بينهم فقد كانت اطول واحده في مجموعتها….
تحدثت منة بتلعثم قائلة:
– مـ….ميـ…مين؟!،أنتـ…..
ابتسم صاحب الجسد الضخم قائلا:
– بالتأكيد أنا مش حمادة!!.
قطبت منة غاضبة من هذا المتحذلق المغرور الذي يسخر منها:
– ولمّا انت مش حمادة تقدر تقوللي بتعمل ايه في مكتبه؟
رفع حاجبه باستفزاز مجيبا بسخرية:
– معلهش ممكن اعرف الاول انت مين وانت داخله زي القطر كدا ومن ساعة ما دخلتِ ما بطلتيش كلام زي ما يكون راديو واتفتح؟!..
استهجنت منة حديثه وخاطبت نفسها قائلة :
– راديو واتفتح! دا نفس كلام احمد!..
قالت وهى تستدير مبتعدة ببرود:
– معلهش هاجي بعدين يكون الباش مهندس احمد جه..
ليقاطعها ذاك الرجل بسرعه:
– لالالا خليكي احمد أكيد راح هنا ولا هنا وجاي على طول،… انما متعرفناش..
منة بدون نفس وهي تنظر الى ناحية بعيدة عنه:
– مبتعرفش بناس اغراب….
الصوت ساخرا:
– ايه ماما قالت لك ماتكلميش حد متعرفهوش؟!.
منة بغيظ مكتوم استغربته من نفسها فهي قلما استطاع أحد ان يخرجها عن طورها، ولكن هذا الكائن الضخم الماثل امامها يُخرج أسوأ ما فيها فأجابت بابتسامة صفراء وببرود ثلجي يقطر من كلماتها:
– آه فعلا..
ليقاطع نقاشهما صوت احمد الضاحك:
– سيف!.. حمدلله على السلامة .. جيت امتى؟
سيف وهو يتلقى احتضان صديقه اليه بينما ينظر الى وجه منة الممتقع خجلا الماثل وراء احمد بينما عينيه تطالعانها بنظرات غيظ ساخر:
– لسه من دقايق مالاقتكش ولا لاقيت عمر،..
ابتعد احمد قائلا:
– انا نزلت اجيب موبايلي من العربية كنت ناسيه وعمر تلاقيه هنا ولا هنا انت عارفه مش بيثبت في حتة واحده..، ثم تذكر وجود منة فاستدار مطالعا اياها وهو يقول باستفسار وابتسامة تعتلي محياه :
– منة فيه حاجه؟ ، همت منة بالكلام ليقاطعها صوت سيف:
– طيب مش تعرفنا الأول يا احمد؟، كان سيف يتحرق شوقا لمعرفة من تكون هذه اللبوءة الشرسة التي تنفث نارا من عينيها الرائعتين وكما كان رغبته لمعرفة من هذه الطفلة الفاتنة الواقفة امامه كان يخشى من سبب تواجدها في مكتب احمد او من درجة قرابتها له!!…، وتنفس الصعداء عندما سمع احمد يقول،
احمد بتلقائية:
– أه صحيح… انتو متعرفوش بعض ما سبقلكش شوفتها،…
اعرفك يا منة… المهندس سيف صديقي وشريكي والمدير التنفيذي للمكتب، ثم اشار الى منة قائلا بابتسامة:
المهندسة منة…اختى واول يوم تدريب ليها هنا في المكتب!!
أومأ سيف بتحية من رأسه قائلا بابتسامة صغيرة:
– اتشرفنا يا منة، ومد يده مصافحا فطالعتها منة ببرود لتقول دون ان تمد يدها للمصافحة:
– آسفة ما بسلمش….، ثم انصرفت وهى تقول :
– أستأذن يا احمد لما تفضى هبقى اجيلك..
ابتسم احمد معتذرا من سيف الذي برقت عيناه متابعا لهذا الغزال الهارب من امامه وهو يهمس في نفسه:
– واضح كدا ان الايام الجاية هتبقى مش مملة ابدا!!

رواية ” جوازة نت” للكاتبة “منى لطفى” الحلقة الثانية”

مرّ أسبوعان منذ ان بدأت منة التدريب لدى مكتب شقيقها احمد الهندسي، وطدت علاقتها مع سحر وايناس زميلاتها في العمل، كما كان عمر بمثابة أخ ثانٍ لها فهو انسان خفيف الظل ومحترم لم يتجاوز حده معها، ولكن تبقى نشوى التي لم تستطع الاندماج معها ليس عن كره لها ولكن شفقة عليها!!، نعم… فهي كانت تشعر بالعطف عليها مما تراه من سلوك نشوى المنفتح لدرجة كبيرة تخالف ما تربت عليه منة، لذلك آثرت عدم الاحتكاك معها الا في اضيق الحدود ولكنها لا تستطيع منع نفسها من ان ترد لها الصاع صاعين اذا ما تجاوزت الاخرى حدودها معها!
يبقى…..سيف!، لم تشاهده الا لماما طوال الايام السابقة ولكنها لا تعلم لما هذا الشعور الذي يلازمها من ان هناك مَن يراقبها!، كانت تتلفت حولها دائما ما ان يداهمها هذا الاحساس لتجد ان ما يخالجها وكأنه وهم في عقلها الباطن فقط ولكنها تكاد تقسم انها مراقبة!!..
– سحر تعالي شوفي كدا الديزاين دا قبل ما اسلمه لعمر..
اقتربت سحر لتطالع ما اشارت اليه منة وقالت وقد اعتلت ملامحها البريئة ابتسامة فرحة:
– جميل يا منون… بجد انت فنانة يا بنتي… انا متأكده لما أصحاب الشقة هيشوفوا الديكور اللي انت عاملاه هيتهبلوا عليه…
ابتسمت منة وقالت بلهفة:
– بجد يا سحر ولا بتجامليني؟
سحر مقطبة جبينها:
– انت هبلة يا بنتي؟، هجاملك في الشغل!..
قامت منة وتناولت لوح الرسم العريض الموضوع على الحامل الهندسي امامها وقامت بطيّه بشكل اسطوانى وقالت بحماس:
– اذا كان كدا يبقى هوريها حالا لعمر لانه لسه سألني على الشغل دا امبارح وقلت له انى هسلمه انهرده..
سحر بدهشة:
– مش هتوريه لأحمد الأول؟
منة باستهجان واضعة يديها في خصرها:
– نعم!، علشان يعدّلِّي فيه وبعدين لو عجب عمر يقول بفضل توجيهاتي!، ثم اشارت اليها براحتها الصغيرة متابعة:
– لا يا ستي.. انا عندي عمر يشوفها ويقول لي ملاحظاته كدا احسن…
سحر وهى تهز كتفيها بلامبالاة:
– خلاص براحتك..
انصرفت منه متجهة لمكتب احمد وعمر لتعرض لوحتها على الاخير بينما لم يكن احمد متواجد فقد اخبرها صباحا انه سيذهب الى موقع من مواقع البناء لمباشرة العمّال والاطلاع على كيفية سير العمل..
طرقت منة الباب بخفة فسمعت صوتا مُرّحبا يدعو الطارق للدخول، فتحت منة الباب وما ان ابصرها عمر حتى انفرجت اساريره واشار اليها بالتقدم قائلا ببشاشته المعهودة:
– اهلا… اتفضلي يا منة تعالي..
لاحظت منة ان الجميع يستخدمون أسمائهم المجردة بدون ألقاب فحذت حذوهم مرحبة بهذا الاسلوب الذي أشعرها انها بين أسرتها واصدقائها…
دخلت منة تاركة الباب مفتوح جزئيا خلفها وتقدمت راسمة ابتسامة صغيرة على شفتيها النديتين وهى تقول:
– معلهش لو هاخد من وقتك شوية… بس انا خلصت الشغل اللي انت كلفتني بيه وجيت اعرضه عليك…
قام عمر متجها اليها قائلا بحماس وهو يمد يده ليتناول منها لوحتها الاسطوانية الشكل:
– والله؟!، اتجه عمر الى الحامل الهندسي ليضع عليها اللوح وهو يهنئها بصدق:
– هايل يا منة.. برافو..
اقتربت منة من عمر لتستطيع مشاهدة اللوح والاستماع الى ملاحظاته، قال عمر بإشادة:
– جميلة يا منة.. فعلا تستحقي تنجحي بامتياز مع مرتبة الشرف..، دا غير انك فنانة بجد ودا باين في اختيارك للألوان..
اصطبغ وجه منة بحمرة خجل طبيعية لاستماعها مديح غير مديح اساتذتها وأخيها أو أبيها، فمديح عمر يدل على نجاحها في مضمار العمل، سألت بابتسامة متلهفة تشق وجهها الملائكي:
– بجد يا عمر؟، رفع عمر رأسه ناظرا اليها بابتسامة:
– وأبو الجد كمان!، شوفي هو فيه طبعا كم ملاحظة كدا لكن مبدئيا انت موهوبة وفنانة بجد…شكلي كدا هخليكي انت الديزاينير بتاعتي، المسؤولة عن ديكورات المشاريع اللي ماسكها، ايه رأيك نبقى فريق؟، ها… موافقة؟!..
ما ان همت منة بالكلام حتى قاطع حوارهما صوت يتحدث بجدية ممزوجة بسخرية طفيفة لم ينتبه اليها عمر ولكن منة التقطت رنتها الواضحة، قال الصوت:
– موافقة على ايه بالظبط يا عمر… مش ممكن نعرف ولا دا سر؟!..
نظر عمر خلفها في حين تسمرت هي مكانها وأصبح جسدها بأكمله مشدودا كالوتر في حين تحدث عمر بمرحه المعهود غير منتبه للشرارات التى تطاير من حوله:
– سيف!، تعالى يا سيف.. شوف فنانتنا الجديدة مبدعة ازاي..
اقترب سيف بخطوات بطيئة كالصياد الذي يقترب من فريسته على مهل خشية هروبها، وقف بجوار منة ونظر الى اللوح المعروض امامه ثم نقل نظره الى منة التي لم تلتفت اليه، وبدلا من ذلك سلطت نظاراتها على نقطة وهمية امامها زامّة شفتيها بغير شعور، قال سيف بلامبالاة :
– اممم… كويس.. مش بطّال!..
تحدث عمر بدهشة بينما طالعته منة بنصف عين:
– ايه؟ مش بطّال؟، ايه يا بني تكسير المجاديف بتاعك دا؟ بالنسبة لمنة وانها لسه مبتدئة فدا يعتبر فوق الممتاز!..
حرك سيف كتفيه بلامبالاة مجيبا وهو يلقى الى منة بنظرة غامضة بادلتها اياه بأخرى غاضبة من عينيها اللتين أطلقتا شرارات نارية باتجاهه، قال سيف ببرود:
– والله انا بقول رأيي… لو من دلوقتي سقفنا وهللنا وقولنا واو وتحفة وجميل يبقى هتفضل على كدا ومش هتحاول تطلع احسن من كدا…
هم عمر بالكلام فقاطعته منة رافعة راحتها الصغيرة بصوت حاولت اخراجه ثابت وبصعوبة ولكنها نجحت في ابرازه واضحا وواثق:
– معلهش يا عمر، انا مش متضايقه بالعكس!، من حق كل واحد انه يقول رأيه بحرية مطلقة،، ثم وجهت حديثها الى سيف الواقف امامها يطالعها بنظرة حملت اعجاب بثقتها الواضحة في نفسها سرعان ما اخفاه مستبدلا اياه بأخرى متحدية وهو يسمعها تتابع بثقة وتحد:
– أوعدك يا باش مهندس سيف ان المرة الجاية هتكون احسن، ثم حملت اللوح معيدة ربطه ثانية وقالت وهى تهم بالانصراف:
– عن اذنكم، وغادرت من غير ان تعير هذا الواقف يراقبها بنظرات كالصقر أي اهتمام…
ألقت منة ما بيدها بنزق على مكتبها وهى تتأفف بحنق، تبادلت كلا من ايناس وسحر نظرات الحيرة والتساؤل قبل ان تقترب منها ايناس مستفسرة بدهشة:
– مالك يا منون؟، حد زعلك؟، لتنضم اليها سحر في استفسارها باهتمام صادق:
– عمر قالك حاجه على الرسم؟، معقولة يكون معجبوش؟!.
اجابت منة وهى تنفخ غيظا وكمدا:
– بالعكس!، الشغل عجب عمر اووي وكان طاير بيه كمان!،
قطبت سحر وتوجهت اليها بالسؤال:
– اومال ايه اللي مضايقك اوي كدا؟
منة بغيظ وقهر:
– اللي مضايقني وحارق دمي انه حد يتدخل في شغلك ويسفهه.. في الوقت اللي غيره بيحييكي عليه!، يبقى دا قصده ايه غير انه يحسسك انك فاشلة ويحبطك وخلاص!..
ايناس في محاولة لتهدئة منة فهما قد علما طبعها جيدا فمع انها مرحة وعطوفة ولكن عصبيتها مفرطة وكالأطفال تماما حين تغضب حيث يغلب انفعالها على تفكيرها العقلاني وتحتاج للمداهنة كالصغير المشاغب تماما!!…
قالت ايناس:
– قصدك مين يا منة؟، وبعدين يا ستي مهما كان اللي قال كدا لازم تكوني واثقة في نفسك وشغلك اكتر من كدا، انت يا ما هتقابلي ناس هيحاولوا يحبطوكي ويكسروا مجاديفك لو كل مرة هتعملي كدا يبقى احسن لك تعتزلي من قبل ما تبتدي زي ما بيقولوا!..
منة في محاولة للتماسك وبنبرة خرجت قوية ونظرة واثقة لمعت في بركتي العسل في عينيها:
– لا من الناحية دي اطمني يا ايناس، مش منة اللي تخاف ولا تتعقد وتبعد، انا بس مش بحب النقد الهدام، أنا مش غبية وبعرف أميز كويس أوي من اللي عاوز ينصحني بجد او اللي عاوز…يحبطني!..
همت سحر بالكلام عندما صدح صوت سيف من امام غرفة مكتبهن مقاطعا نقاشهما الدائر بنبرة جدية صارمة لا تقبل النقاش:
– منة… عاوزك في مكتبي!،… ثم استدار مغادرا قاطعا عليها أي محاولة للرفض….
راقبته منة الى ان اختفى تماما وهى تخبط بقدمها الأرض في اشارة الى مدى سخطها، اقتربت منها ايناس وقالت مهادنة:
– منون حبيبتي.. مهما كان سيف يبقى المدير بتاعك ومهما اختلفت معاه او اتضايقت من كلامه لازم تبيني انك فاهمه يعني ايه رئيس ومرؤوس… روحي له دلوقتي وشوفي هو عاوزك ليه، وعلشان خاطري اهدي خالص وفكري كويس اوي قبل ما تتكلمي ممكن؟..
نظرت منة الى ايناس وقد برقت عيناها بالعزم والتصميم قائلة:
– ما تخافيش يا ايناس… صاحبتك مش غبية…، عن اذنكم..
وانصرفت مغادرة حيث ينتظرها هذا المتحذلق المغرور والذي عزمت على ايقافه عند حده!.
*************************************************
طرقت منة الباب فسمعت اذنه بالدخول بصوته القوي الرخيم، جذبت نفسا عميقا وشدت قامتها ودخلت الى عرين الأسد بقدميها!.
تقدمت منة بخطوات واثقة فرفع سيف رأسه من فوق الاوراق التي كان يطالعها ثم أشار اليها بمهنية للجلوس، جلست منة ونظرت اليه في انتظار سماع ما سيقوله..
امسك سيف بقلم مذهب وتلاعب به بين اصابعه الطويلة الضخمة، ونظر اليها من بين رموشه الكثيفة والتي استغربت منة لها اول ما رأتها فكأنها رموشا اصطناعية، تحدث سيف بنبرة رخيمة قائلا:
– انا حابب أوضح لك شوية نقاط واضح انه احمد ما لفتش نظرك ليها خصوصا وانك لسه متخرجة جديد ودي اول مرة تشتغلي فيها، انتظر لسماع ردها ولكنها واصلت النظر الى نقطة وهمية امامها وتعبير جدي يرتسم على ملامحها الفاتنة، تابع سيف حديثه بجدية:
– لما الشغل اللي انت بتعمليه رئيسك يلفت نظرك لحاجات فيه ما ينفعش تزعلي وتبوزى وتاخديه بمحمل شخصي!، دا شغل..، وفي الأول والآخر..مصلحة الشغل هي اللي بتهمنا كلنا..
نظرت اليه منة وقد كتفت ذراعيها وقالت بنظرة جامدة ونبرة صوت باردة:
– اولا… انا رئيسي عجبه الشغل جدا، ثانيا.. انا عارفة كويس انه مش لازم شغلي يكون بيرفكت خصوصا وانا زي ما انت قلت بنفسك انى لسه جديدة….، ثم اعتدلت ناظرة اليه متابعة بقوة وثقة جعلت لمحة اعجاب خاطفة تمرق بين فحم عينيه ولكنها سرعان ما غابت تاركة نظرة يشوبها الغموض بينما لم تنتبه هي الى ما شاب نظراته من غموض واستمرت متابعة باندفاع تلقائي شابته بعض السخرية الطفيفة:
– وبعدين تسمح لي أسألك سؤال؟،… وبدون ان تنتظر اجابته قالت:
– هو حضرتك متعود ترفع معنويات اللي بيشتغل معاك بالشكل دا؟، اسمح لي لأنه لو كدا انا متأكده انه كله هيجري بالمشوار من عندك، ولو دا مفهومك لرفع المعنويات يا ريتك تعفيني من الشرف دا…،واذا حصل واضطريت اوي للرفع فـيا ريت تنزل من معنويات اللي معاك، يمكن ساعتها تجيب نتيجة أفضل!.
لم يستطع سيف تمالك نفسه وانطلقت ضحكة رجولية عميقة راميا برأسه الى الوراء، بينما لا تدري منة ما هذه الدغدغة التي شعرت بها كتيار كهربائي يمر بها من أخمص قدميها وحتى منابت شعرها!، نفضت هذا الاحساس العجيب الذي خامرها وحاولت تمالك نفسها وهى تتحدث في سرها انه لا بد من منع ضحكته هذه بل وتجريمها قانونيا!، لما قد تتسبب فيه من سكتات قلبية مفاجئة!، هدأت ضحكات سيف ثم نظر اليها مليّا قبل ان يتحدث بابتسامة خفيفة:
– اللاه..، انت دمك خفيف أهو!، اومال على طول ليه شايفك مبوزة لدرجة انى حاسيت انى مع أبلة كشّر؟!..
قطبت منة قائلة باستهجان:
– أفندم!، أبلة مين؟، كشّر!!، واصلت باندفاع غير آبهة بمحاولاته مقاطعتها:
– عموما حضرتك شكلك كدا بتطفشني ومش عاوزني أشتغل معكم هنا وشكلك عاوزها تيجي مني لأنك مكسوف من احمد أخويا!،… هزت كتفيها بلامبالاة وقامت من مكانها واقفة امامه متابعة ببرود:
– عموما انا كنت أفضل انك ترفض شغلي معاكم هنا بدل الحركات دي،.. واوعدك انى همشي ومش هتشوفني معكم هنا تاني،…واطمن هقول لأحمد انى انا اللي مش عاوزة أشتغل هنا، عن إذنك!.
استدارت منة مغادرة حين صدح صوت سيف بصرامة وأمر:
– استني عندك…
وقفت منة مكانها دون أن تلتفت اليه بينما شعرت به يقترب حتى وقف على بعد خطوات منها واشتمت رائحة عطر رجولي ثقيل في الجو حولها، تحدث سيف بصرامة بالغة:
– أظن مش من الزوء انك تسيبي المدير بتاعك وهو بيكلمك وتقومي وتديلو ضهرك وتمشي!، اتفضلي ارجعي مكانك ويا ريت تتكلمي كانسانة ناضجة مش طفلة خدوا منها اللعبة بتاعتها!..
كتمت منة شهقة كادت أن تفلت منها والتفت ناظرة اليه بغضب شديد فيما كان هو واقفا امامها واضعا يديه في جيبي بنطاله يطالعها ببرود، قطبت منة جبينها دليلا على سخطها من طريقته الاستفزازية في الحديث..، سارت حتى وقفت امامه وقالت له وهى تضغط على مخارج حروفها من بين اسنانها:
– اولا انا ما اسمحلكش انك تتعدى حدودك في الكلام معايا!، ثانيا انا قمت ومشيت بعد ما استأذنتك وقلتلك رأيي بكل صراحة في طريقتك في التعامل مع الناس اللي بيشتغلوا معاك، كون بقه انك مش عجبك الكلام دي مش مشكلتي، ولا انت تقول رأيك وتجرَّح في الناس عادي ولما حد ييجي يقولك رأيك تغضب وتثور وتقول انا المدير ومحدش يكلمني بالاسلوب دا؟!..
كتم سيف بصعوبة شتيمة كادت تفلت من بين شفتيه، واقترب منها حتى غدا وجهه على بعد انشات قليلة من وجهها وقال وهو ينظر جيدا في بركتي العسل خاصتها بينما فحم عينيه يشتعل بقوة دليلا على غضبه الشديد والذي يحاول التحكم فيه بصعوبة شديدة:
– ما اعتقدش ان كلامي معناه انى رافض كلامك مع انه معظمه ان لم يكن كله… تجريح واستخفاف مش رأي موضوعي ممكن أتقبله وأسمعه!، ثانيا بقه… انا تعليقي كان على طريقتك في الكلام، انك تقطعي النقاش اللي بيننا بالطريقة دي وتقومي وتديني ضهرك من غير ما أكمل كلامي، أعتقد أنه دا مش من أبسط قواعد الزوء،…… سكت قليلا ثم تابع بسخرية:
– ولا انت رأيك ايه يا باش مهندسة؟..
زفرت منة بعمق وقالت وهى تنظر اليه ببرود حاولت التظاهر به لأن البديل كان أن تختبر المطفأة الكريستال الخاصة بالسجائر على رأسه!، وهي أكيدة أنها ستثبت فاعلية شديدة فهي من نوع جيد من الكريستال الفرنسي!، قالت منة :
– بقول ايه اعتقد انه الكلام في الموضوع دا خد مننا وقت كتير اوي، ممكن بقه تقوللي انت عاوز ايه بالظبط؟، علشان انا ورايا شغل كتير عمر مكلفني بيه، وعاوزة أفنشه قبل ما أمروح انهرده علشان أعرضه عليه…
سكت سيف لوهلة ولم يعقب في حين شعرت هي بأنها تكاد تغرق في لجة عينيه اللذان يبعثان اليها برسائل تدغدغ مشاعرها، بينما سيف أغمض عينيه لثوان يتنسم فيها عبيرها الذي هاجمه ما ان اقترب منها، هو ليس بعطر…، ولكنه عطر خاص بها، حيث تشيع فيه خليط من رائحة الورود ممتزجة بأخرى من عبير الفواكه، كل هذا قد اختلط برائحتها الأنثوية الخاصة ليصنعوا مزيجا مثيرا لعبير منعش يكاد يُقسم أنه يضاهي أغنى وأجمل العطورات الأكثر شهرة على مستوى العالم!، همس في نفسه… انه لو كان يملك الخيار لكان منعها تماما من استخدام هذا الصابون برائحته المنعشة التي تشعر من يشتمها بأنه وسط حديقة غناءا مليئة بشتى أنواع الورود والأزهار النضرة الفواحة..
قطبت منة حائرة من صمته الذي طال، وكانت قد أشاحت ببصرها بعيدا فهي لم تعتد على النظر الى أي رجل بشكل مباشر أثناء محادثته، كانت توشك على مخاطبته لتقطع هذا الصمت الذي ران عليهما عندما سعل سيف ليجلي حنجرته محاولا التحدث بطبيعية لا تشي بما يعتمل داخله من أحاسيس غريبة لأول مرة يشعر بها!..
أشار سيف بيده الى المقعد الجلدي الذي كانت تجلس عليه سابقا فزفرت بيأس وتوجهت اليه لتجلس وقالت بملل:
– نعم أفندم..
فاجأها بأن جلس في المقعد المقابل لها وليس في مقعده الرئيسي خلف المكتب، شعرت بارتباك لجلوسه مواجها لها، في حين استند هو بمرفقه على سطح المكتب واضعا ساقا فوق ساق وقال بجدية:
– ممكن نبتدي من الأول؟.
قطبت حائرة ونظرت اليه وهى تكتف ساعديها مستفهمة:
– نعم؟، نبتدي من الأول ازاي يعني؟.
ابتسم سيف قليلا واجاب:
– يعني… اشرح لك سوء التفاهم اللي حصل،… وبدون ان ينتظر اجابتها شرع في الحديث موضحا:
– شوفي يا منة، انا منكرش ان شغلك كمبتدئة كويس لكن انا ضد الطريقة بتاعت عمر، عمر مدح في شغلك بشكل يحسسك انه بيرفكت وانه مافيش بعد كدا!، بالتالي انت مش هتحاولى تطوري ولا تعملي أحسن من كدا، وايه اللي يخليكي تتعبي نفسك وتحاولى تبقي افضل اذا كان شغلك جميل وفل الفل وما حصلش؟!،…..، غيّر سيف جلسته واستند بمرفقيه على ركبتيه بعد أنزل ساقه ومال اتجاهها متابعا:
– انا في شغلي يمكن أكون جامد، احيانا بيقولوا عليا ما برحمش، لكن أنا بكون عاوز اللي بيشتغل معايا يطلع أحسن ما عنده، وصدقيني اللي انا بكون واثق ومتأكد انهم أفضل وانه ييجي منهم بكون ناشف عليهم شوية..، لكن اللي انا عارف انهم مهما عملوا دا آخرهم مابتعبش نفسي معهم وتلاقيني أقولهم كويس وما احاولش اضغط عليهم لأن دا آخرهم!،.. صمت ناظرا اليها مليا ثم تابع بهدوء:
– فهمتيني يا منة؟..
كانت منة تنظر الى البعيد ولم تستطع النظر اليه وجها لوجه ولم تستطع تجاهل الصدق الذي استشعرته في حديثه فاجابته بجدية وهدوء:
– فهمت!، بس أنا كمان معذورة…، انت بنفسك سمعت عمر بيمدح في شغلي ازاي لما الاقيك انت بتقلل من شغلي ومجهودي طبيعي أزعل واتضايق كمان خصوصا ان الشغل دا عمر اللي مكلفني بيه، يعني لو فيه أي شيء مش كويس اكيد هيوجهني…
ابتسم سيف قائلا:
– انت طبعا كان نفسك تقوليلي وانت مالك مش كدا؟.
نظرت اليه منة واجابت بينما ارتسمت شبح ابتسامة على شفتيها:
– وانت الصادق كنت هقولك مالكش فيه!..
انطلقت ضحكة سيف عميقة لتجعل دقات قلب منة تتسارع وقلبها يتخبط بقوة بين جنبات صدرها وقد أحمرت وجنتيها المرمرتين فغدا وجهها كثمرة الفراولة الناضجة!، هدأت ضحكات سيف ونظر اليها بمرح ساخر قائلا:
– طيب يعني نقدر نقول عفا الله عما سلف؟!..
ارتسمت ابتسامة خجولة على شفتيها الكرزتين وقالت وهي تشيح بنظرها بعيدا عن مرمى عينيه:
– عفا الله عما سلف، بس يعني أفهم من كلامك دا ان شغلي كويس؟..
لا تعلم منة لما اهتمامها لمعرفة رأي سيف في عملها؟!، ولكنها عللت لنفسها اهتمامها ذاك بأن سيف ذو خبرة واسعه وأنه لن يجاملها فكأنه كأستاذها الذي تنتظر رأيه فيما بذلته من مجهود!.
ابتسم سيف وأجاب رافعا حاجبه بمرح:
– شغلك لو ماكانش كويس ما كنتش اهتميت انى أشرحلك وجهة نظري، ودلوقتي اتفضلي…
وناولها رسم هندسي طالعته وقالت مقطبة:
– دا ايه دا؟
اجاب سيف:
– دا رسم هندسي لفيلا انا المسؤول عنها، صاحب الفيلا عاوز ديكور جديد، من الآخر عاوز حاجه جديدة ما سبقش لحد انه شافها قبل كدا، وانا عاوزك تعمليلي ديزاين لديكور الفيلا الداخلي، ممكن تبتدي بالدور الارضي وتوريهوني…، ايه رايك؟.
طالعته منة بدهشة واجابت:
– انت عاوزني بجد اشتغل على الفيلا دي؟
هز برأسه ايجابا، فتابعت منة :
– طيب يعني هشتغل لوحدي خالص ولا كل ما أخلص جزئية لازم أرجعلك فيها؟.
سيف بهدوء:
– اتصرفي براحتك، المهم انك تبهريني في الآخر!..
قامت منة بحماس وهى تحمل الرسم الهندسي وقالت بابتسامة:
– وهو كذلك، عن اذنك بقه هخلص الشغل اللي في ايدي، واسلمه لعمر، علشان أبتدي في الشغل الجديد دا….
واستدارت لتغادر مولية اياه ظهرها وقد رفعت يدها اليمنى ضامة السبابة والابهام مشيرة بالوسطى والخنصر والبنصر في اشارة لرقم ثلاثة باصابعها وهى تقسم في سرها:
– أبهرك؟!، عليّا الطلبات أنى هجننك مش هبهرك بس!..
ما ان تحركت خطوتين حتى سمعت صوت سيف يأتيها من خلفها يناديها فثبتت في مكانها مقطبة جبينها دهشة، في حين تقدم سيف منها بضعة خطوات حتى وقف وراءها وقال بتساؤل:
– معلهش يا منة ممكن سؤال؟.
استدارت منة وطالعته بحيرة ثم أومأت بالايجاب قائلة:
– اتفضل…
قال سيف بتؤدة:
– انا ملاحظ انك شايلة الرسميات زي زمايلك بينكم وبين بعض ومع احمد وعمر كمان وهما بيتعاملوا معايا كدا بردو، لكن ليه أنا الوحيد اللي بتتكلمي معايا بالألقاب؟!..
ضحكت منة ضحكة صغيرة مندهشة وقالت:
– نعم؟، ثم حركت كتفيها بلامبالاة واجابت:
– اعتقد الاجابة واضحة!، انت اولا المدير المسؤول هنا، تاني حاجه هما متعودين عليك وبيتعاملوا معاك عادي.. انا لسه جديدة هنا،……قاطعها مستفهما ولم يروقه اجابتها:
– بس عمر مدير بردو، وانا شايفك بتتعاملى معاه كأنكم تعرفوا بعض من زمان!!.
منة بتلقائية:
– انا فعلا أعرف عمر من زمان!..
سيف باستنكار:
– نعم؟!، تعرفيه ازاي يعني؟
منة بحيرة لا تعلم أين الخطأ فيما قالته:
– هو ايه اللي ازاي؟، عمر يبقى صاحب احمد اخويا من ثانوي، وكنت بشوفه في المرات اللي كان بييجي لأحمد فيها، صحيح نادر لما كان بييجي، لكن احمد على طول بيتكلم عنه والبيت عندنا كلهم يعرفوا مين عمر، جات عليا أنا يعني؟!..
قال سيف ببرود:
– آه، فهمت….
منة بهدوء:
– وبعدين ما تنساش حضرتك فرق السن اللي بيننا يحتم عليا انى ماشيلش الرسميات واتكلم بحدود معاك..
اجاب سيف بنزق واستنكار:
– اللي يسمعك يفتكر انى عجوز بالنسبة لك!!..
منة بابتسامة مستفزة:
– أظن 8 سنين مش شوية؟!، عن اذنك بقه علشان ألحق أخلص الشغل اللي ورايا..
وانصرفت مولية اياه ظهرها وقد ارتسمت على شفتيها النديتين ابتسامة نصر صغيرة فعلى أقل تقدير شعرت أنه كان لها الكلمة الاخيرة ولم يستطع سيف العظيم الرد على ملاحظتها الاخيرة بشأن السن!،…. تاركة سيف يرغي ويزبد خلفها متوعدا اياها بأنه لن يمر وقت طويل قبل أن يصبح هذا الغزال الشارد بين يديه!!…
**************************************************
عادت منة الى المكتب فتبادل كلا من سحر وايناس نظرات الدهشة فقد خرجت منة وهى في أقصى درجات الغضب والانفعال لتغيب وقتا طويل نسبيا وتعود مرتسما على وجهها ابتسامة فرح صغيرة!،…تُرى ما السبب؟!..
اقتربت سحر منها قالت بابتسامة:
– ايه الاخبار يا منون؟ شايفاكي راجعه مبتسمة وسعيدة يعني؟
منة بغرور:
– طبعا يا بنتي،…. كفاية انه الباش مهندس البوس بتاعكم بنفسه اعترف ان شغلي عجبه ومش بس كدا لا …كلفني بشغل جديد كمان!!.
ايناس تقدمت منها وبدهشة:
– ايه دا!، معقوله سيف اعترف انه كان غلطان وان شغلك عجبه؟!..
منة مقطبة وبتساؤل:
– وفيها ايه يعني لما يقول انه غلط؟، ايه عجبة؟!..
ايناس تحرك رأسها يمينا ويسارا:
– لا مش القصد، بس أنا مستغربة!، سيف عمره ما عملها!.
منة بسخرية:
– ايه فيه ايه مالكم؟، سيف عمره ما عملها!، معقوله سيف يعملها؟!، ايه المدهش انه يشرح لي وجهة نظره يعني أنا مش فاهمه؟، عادي انا شايفاها حاجه عادية!، دا سيف عبدالهادي مش سيف الخديوي!…
اطلقت سحر وايناس ضحكات عالية وقالت سحر من بين ضحكاتها:
– ايه؟ وايه سيف الخديوي دا كمان؟
منة باستخفاف:
– أصلكم مذهولين ومش مصدقين..، معقول سيف قال، معقول سيف عمل، زي ما يكون سيف دا مش انسان طبيعي زيينا!،حسستوني انه مش سيف عادي، كأنى بتكلم عن سيف الخديوي مثلا!!..
تبادل الصديقات الثلاث الضحكات حتى سألت ايناس:
– المهم هنتغدى فين انهرده؟
منة وهى تهز برأسها يمينا ويسارا:
– لالا اسمحوا لي، انا هبعت اجيب اكل واتغدى هنا، مش عاوزة اضيع ولا دقيقة واحده تانى، عندي شغل كتير اووى عاوزة أسلمه لعمر قبل ما ابتدي في الشغل اللي كلفني بيه سيف الخديوي!..
سحر وهى تضحك:
– ماشي يا ستي، مافيش مشكلة، نتغدى هنا، ها تتغدوا ايه؟؟-
منة باندفاع حماسي:
– بصوا بقه، انا عزماكم انهرده، ومش هرضى بأي اعتراض، ايه رأيكم هنضرب شوية كشري مادوقتوش ومش هتدوقوا زيه لا قبل كدا ولا بعد كدا ولا فيه زي كدا!!…
وافقت سحر وايناس وسط ضحكاتهم، نادت منة على ساعي المكتب..عليّ الفتى ذو الخامسة عشر عاما، وقالت وهى تناوله النقود وورقة بالمطلوب شرائه:
– الورقة دي فيها اللي احنا عاوزينه يا علي، وأدي الفلوس أهي…
تناول علي الورقة والنقود وقرأ المطلوب فهو حاصل على دبلوم الثانوية التجارية ولكن نظرا لضعف امكانياته المادية لم يستطع الالتحاق بكلية التجارة مع العلم أنه حاصل على مجموع يؤهله لدخولها..
علي مقطبا:
– معلهش يا باش مهندسة ، حضرتك كاتبة كشري وبين قوسين اسمي يعني ايه؟
منة بابتسامة:
– ابدا يا علي، قصدي عاوز كشري مخصوص ولا عادي وكنت هسألك..
حاول علي الاعتراض ولكن منة أصرت ان يجلب لنفسه طلبا من الكشري ، ذهب علي لاحضار الطعام في نفس الوقت الذي دلفت فيه نشوى الى الداخل وهى تقول بغرور:
– ايه على فين يا علي؟.
قاطعت منة علي قبل ان يقوم بالرد عليها قائلة بسخرية:
– باعتين علي يجيب لنا غدا، ايه رأيك تتغدي معانا؟، نظرت اليها ايناس وسحر بدهشة فغمزت لهما بعينها اليمنى في غفلة من نشوى التي قالت بدلال ثقيل:
– مافيش مانع مش هكسفكم..
كادت أن تلكمها على وجهها لتعيد تشكيله ثانية لعلها تقلل من غرورها الثقيل ذاك…..
حضر علي بالطعام الذي فاحت رائحته عاليا ، تجمع كلا من منة وايناس وسحر وقامت منة بتوزيع اطباق الطعام عليهم واعطت علي طبقه الذي تناوله وانصرف شاكرا لها كرمها،أمسكت منة بطبق واقتربت من نشوى لتناولها اياه، قامت نشوى من مكانها وكانت تجلس معهم في غرفتهم، أشارت بقرف الى الطبق الذي تحمله منة قائلة باستهجان:
– أيه دا؟،.
اجابت منة ببراءة:
– دا كشري!.
نشوى بقرف واضح وهى تضغط على انفها بأصبعيها السبابة والابهام:
– ياااي!، كشري!، بتاكلوه ازاي دا؟!، دا كفاية ريحته!..
منة ببراءة مصطنعه:
– لا…الكشري مش بيتاكل، الكشري بيتضرب!، احنا بنضرب كشري مش بناكل كشري!، وبعدين مالها ريحته؟، شمي كدا،…ورفعت الطبق الى أنف نشوى التى حاولت الابتعاد برأسها وهى تقول:
– أوه… مونديو….، ابعدي البتاع دا عني…
منة وهى مصرة على أن تتذوقه:
– ايه يا بنتي هو هيعضك!، نظرت اليها نشوى بريبة في حين تابعت منة بجدية مبالغ فيها:
– انت ماتعرفيش فوائد الكشري ولا ايه؟، هزت برأسها نفيا في حين تبادلت كلا من ايناس وسحر النظرات وهما مشغولتان بالتهام طبقهما من هذه الاكلة الشعبية اللذيذة..
منة وهى تعدد فوائد طبق الكشري:
– عندك مثلا الطماطم اللي في الصلصة بتاعته، هما مش بيقولوا حمرا يا طماطم؟ ، نظرت اليها نشوى مقطبة فتابعت منة:
– علشان كدا الطماطم بتجري الدموية في الوش وتخليه أحمر زي الطماطم!،…وبعدين عندك المكرونة… بتكون مسلوقة يعني من غير نشا وتشبع وما تتخنش، وعندك بقه العدس أبو جبة… عدس مؤدب ولابس جبة مش مكشوف!، وعلشان كدا مش بيِتْعب ولا حاجه!، نشوى بشك وهى تشير الى الطبق بين يدي منة:
– بجد؟، انت بتتكلمى بجد؟
منة وهى تهز برأسها بقوة وبالانجليزية:
– شور دارلينج ( مؤكد عزيزتي )…
تناولت نشوى الطبق وتذوقت المعلقة الاولى بتخوف وعلى مهل مغمضة عينيها، لتفتحهما على وسعهما وتنظر الى منة التي تنظر اليها مستطلعة رأيها فقالت بابتسامة واسعه:
– اممممم، جميل فعلا، وأنكبت على طبقها تأكله بحماس فضحكت منة وايناس وسحر وتابعوا تناول طعامهم…
بعد أن فرغوا من تناول طعام الغذاء، أحضر لهم علي الشاي، قالت سحر أثناء احتسائهم للشاي بأوراق النعناع:
– الله… تصدقي الكشري دا فعلا عمري ما اكلت في طعامته، صحيح يا منة هو من عند مين علشان أبقى اجيب منه؟.
منة بتلقائية طبيعية:
– نزلة معوية!…
صرخت نشوى في حين تبادل كلا من ايناس وسحر النظرات وقالت سحر بشبح ضحكة:
– لالالا.. احنا بنتكلم بجد يا منون..
منة بتلقائية:
– ومين قال انى بهرج؟، الكشري من عند نزلة معوية، انتو مش بتشوفوه؟، دا واقف بعربيته على طول على ناصية الشارع اللي ورانا؟
صرخ الثلاثة في صوت واحد:
– ايييييه؟، عربية!!!!!…
استغربت منة وقالت:
– آه، عربية!، ايه مالكم؟
أمسكت كل واحده منهن بطنها في حين تأوهت نشوى قائلة:
– حرام عليكي، كشري من على عربية واسم صاحبها كمان…نزلة معوية!!…
تعالت ضحكات منة، وسط السباب الغاضب الذي أنطلق من فم الباقيات..
انجزت منة ما طلبه منها سيف وترددت قبل ان تعرضه عليه ولكنها شدت من أزرها وقررت الذهاب اليه ودعت ألا يمارس عليها احدى نظرياته العبقرية في كيفية رفع معنويات من يعمل لديه..
وقفت منة بجانب سيف وكان يطالع لوحها الهندسي، كانت تقضم في شفتها السفلى علامة على توترها، رفع سيف رأسه وشاهد وقفتها التي تنم عن قلقها، قال بهدوء:
– ايه يا منة…قلقانة؟، رفعت منة كتفيها واخفضتهما وقالت محاولة ادعاء اللامبالاة:
– لا عادي يعني،، ولم تستطع تمالك نفسها وسألته:
– عجبك؟،نظر اليها سيف قائلا بابتسامة صغيرة:
– ممتاز،
لم تصدق منة ما سمعته أذنيها فقالت بدهشة:
– قول كدا تاني اللي انت قلته كدا!!..
ضحك سيف وأعاد قوله بابتسامة:
– بقول شغلك ممتاز، وعلشان كدا ليكي عندي مفاجأة!!
ابتسمت منة بسعادة واجابت :
– الحمد لله، ويا ترى ايه هيَّ المفاجأة؟، شغل تاني هتكلفني بيه؟
هز سيف رأسه يمينا ويسارا وقال:
– لا…..انت اللي هتشرفي على تنفيذ الشغل دا، بنفسك!
كادت منة ان تقفز فرحا وقالت:
– بجد؟. ابتسم سيف لمرآى سعادتها التي لم تستطع مدارتها، وقال:
– وجد الجد كمان، من بكرة تجهزي هفوت عليكي الساعه 7 ونص الصبح علشان الطريق طويل شوية!.
قطبت منة وقالت بتساؤل:
– تفوت عليا؟، هو انا مش هروح لوحدي؟
سيف بهدوء:
– لا هنشتغل سوا، مش انا قلت لك ان الفيلا دي انا اللي بنفذها؟!،
منة وقد ازدردت ريقها بصعوبة وقالت:
– طيب ونروح سوا ليه؟، ما هو ممكن انا اروح في الوقت اللي يناسبني انا!.
شعر سيف بتوترها وقال بهدوء محاولا افهامها:
– لما نروح سوا احسن، اولا انت لسه متعرفيش المنطقة هناك كويس، ثانيا… المشورع دا يعتبر بيننا احنا الاتنين يعني لازم ناخد رأي بعض في كل حاجه،وبعدين احمد وافقني على رأيي!
منة مقطبة:
– المنطقة بعيدة؟، ليه.. هي الفيلا دي فين بالظبط؟
سيف بتلقائية:
– في العين السخنة!..
منة بصرخة دهشة:
– فين؟ العين السخنة؟ واحمد موافق؟ هي العين السخنة دي مش سفر بردو ولا انا غلطانه؟
سيف بتمهل:
– ايوة يا منة، واحمد مقتنع انك تسافري معايا بدل ما تسافري لوحدك، وبعدين انت قلقانه من ايه؟، احنا مش هنكون لوحدنا…، فيه اصحاب الفيللا والمشوار كله ساعه رايح وساعه راجع وهنروح ونرجع في نفس اليوم، يبقى قلقانه من ايه؟!..
هزت منة رأسها بنفي بثقة مهزوزة قائلة محاولة التماسك:
– وانا هقلق من ايه يعني؟، ثم همست بينها وبين نفسها:
– العين السخنة يا احمد؟، وجالك قلب توافق؟، هتجنن واعرف أقنعك ازاي؟، واذا انت اقتنعت بابا وماما وافقوا ازاي؟..
سيف مقطبا بتصنع وهو يكبت ضحكته بصعوبة:
– بتقولي حاجه يا منة؟.
انتبهت منة من شرودها وقالت وهى تحرك رأسها يمينا ويسارا بشدة:
– ها؟، لا لا لا ولا حاجه، ولا حاجه ابدا!..
سيف بجدية مزيفة:
– تمام، ممكن تروحي انهرده بدري شوية علشان ترتاحي و7 ونص الصبح بإذن الله هكون عندك…
منة وهى تهز راسها بذهول:
– إن شاء الله…، وانصرفت وهى تحدث نفسها غير مصدقة ان أخيها وأبيها بل وأمها قد وافقوا على ذهابها مع سيف الخديوى هذا وبمنتهى السهولة؟، لا بد أن في الأمر سر…، لعلهم فهموا الموضوع خطأ وظنوا أنها ستذهب معه الى عين الصيرة وليس العين السخنة!!…
في حين راقب سيف خطواتها وهى تبتعد عنه وهو يهمس في سره وعينيه تومضان ببريق غامض ان كان وقع أنظار منة عليه كان ألقى في قلبها الخوف مما هو آت، قال سيف:
– ما تستعجليش يا منة، بكرة تعرفي ازاي وافقوا وليه؟!، علشان تصدقيني أنه مافيش حاجه اسمها صعب عندي وان اقدر اتحدى المستحيل…..علشان تكوني بين ايديا!!…

رواية ” جوازة نت” للكاتبة “منى لطفى” الحلقة الثالثة”

استيقظت منة صباح اليوم التالي وكانت قد ضبطت منبهها على وقت صلاة الفجر، بعد ان اغتسلت وصلّت فريضتها، قرأت قليلا في كتاب الله الى أن أشرقت الشمس وانتظرت قليلا ثم صلّت ركعتي الضحى كعادتها يوميا، ارتدت ملابسها وهي في حالة وجوم وعدم فهم فبالأمس لم يُرضي فضولها أيًّا من أهلها، فقد أخبرتهم بنبأ سفرتها القصيرة الخاصة بالعمل مع مديرها وتفاجأت بقبولهم للنبأ من دون أدنى اعتراض، مما جعلها تصمت و تقرر مُفاتحة احمد شقيقها في الامر فيما بعد كي تفهم كيف وافقوا على هذا الأمر؟…، ولكن أحمد خرج في المساء وهي كانت من التعب فلم تستطع انتظاره ونامت، والآن هي لا بد لها من أن تفهم كيف؟، ولما؟….
نظرت الى نفسها في المرآة بعين راضية لملابسها المكونة من قميصا ابيض فضفاض يصل الى فوق الركبة بقليل وأسفل منه بنطال قماشي أسود اللون، وانتعلت حذاءا رياضيا أبيض ولفت وشاحا أبيض يداخله تعاريج سوداء اللون بطريقة محتشمة وانيقة في ذات الوقت واكتفت بارتداء ساعتها الجلدية السوداء اللون، كما ارتدت حقيبتها اليدوية السوداء الجينز بشكل عكسي كالمعتاد، ولم تضع سوى واق للشمس نظرا لحساسية بشرتها تجاه اشعة الشمس الحارة…..
انضمت الى أمها في المطبخ وكانت تقوم باعداد الفطور مع ام محمود والتي تأتي مع نسمات الفجر وتعود الى بيتها بعد العِشاء..
تقدمت من امها وقبلت رأسها ملقية تحيه الصباح عليها وكانت الاخيرة واقفة امام الطاهي تصنع قرص البيض المقلي الذي يحبه افراد عائلتها ، ابتسمت الأم وقالت:
– صباح النور يا منونتي، التفتت منة الى ام محمود ملقية تحية الصباح والتي ردتها بصوتها الحنون..
سألت منة أمها:
– هو احمد لسه نايم يا ماما؟
الأم :
– لا بيتهيالي يا حبيبتي صاحي من ساعة ما رجع من صلاة الفجر مع باباكي ما نمش…
قالت منة بابتسامة:
– طيب هروح احضر السفرة علشان ما اتأخرش انت عارفة مشواري طويل انهرده..
حاولت منة التلميح لأمها علّ وعسى يصدر منها أى اشارة تجعلها تعرف الاجابة عن سؤالها ولكن امها لم يصدر منها أي شيء وتابعت تحضير الفطور بشكل طبيعي…
تجمعت العائلة حول مائدة الطعام، يتناولون إفطارهم وسط مشاغبات منة واحمد المرحة وان كانت منة تكاد تتحرق غيظا للانفراد بأخيها فاحساسها يخبرها انه يتعمد الهروب من سؤالها الظاهر في عينيها وكلما بادرت بالحديث في موضوع سفرها يقوم بتغيير الكلام فورا!!…
انطلقت رنة المحمول الشخصي لأحمد فطالع الرقم ثم نقل نظره الى شقيقته قائلا بابتسامة:
– اجهزي يا منون، دا سيف اتفقت معاه انه يديني رنة لما ييجي تحت…
ابتعلت منة باقي الطعام في فمها بصعوبة ثم شربت جرعة ماء كبيرة كادت تسعل على أثرها، انها اول مرة ترافق رجلا غريبا عنها لأي مكان!، دائما تنقلاتها كانت مع صديقاتها او شقيقها وأبيها، حتى عندما كانت تصدف الظروف وتضطر للعودة من كليّتها مع صديقة لها وشقيق الأخيرة لم تكن بمفردها، كانت برفقة صديقتها، كتمت تأفف بداخلها وقامت محاولة عدم الظهور بمظهر المغلوب على أمره….
قبّلت رأس والديها قبل ان تستدير منصرفة يتبعها احمد بنظرات شقية تلمع في عينيه وقد ابتسم لذويهما ابتسامة مشاغبة جعلت كلا من الاب والام يبتسمان بالمقابل ملوّحيْن له بالتحية..
خرجت منة من باب العمارة السكنية التي تقطن فيها مع اهلها، شاهدت سيف وهو يقف امام سيارته الرياضية مستندا بجذعه على مقدمتها ناظرا الى اللا مكان أمامه، وكان يرتدي ملابسا غير رسمية لم يسبق لها وان رأته يرتدي مثلها من قبل، فهو دائما ما يرتدي حُلل كاملة واحيانا يستغني عن ربطة العنق، اما اليوم فهو يرتدي زيا عاديا، جالت بنظراتها فيما يرتديه ابتداءا من سرواله الجينز الاسود اللون مرورا ببلوزته القطنية البيضاء اللون والتي تحمل ماركة ثياب معروفة على جانب منها، وكان رافعا لنظارته الشمسية اعلى رأسه، بينما لحيته الخفيفة قد أكسبته منظرا رجوليا ساحقا، اندهشت منة من ألوان ثيابه فهي ذات الالوان التي ترتجيها ودعت الله ألا ينتبه الى هذه المصادفة، وسرعان ما نفضت هذه الافكار جانبا وحمدت الله لارتدائها نظارتها الشمسية،لاخفاء نظراتها المشدوهة عنه، شدّت منة قامتها وخرجت من ظلال بوابة العمارة متجهة حيث كان سيف في انتظارها..
اعتدل سيف واقفا ما ان ابصرها خارجة راسما ابتسامة مرحبة على فمه الحازم وقال:
– صباح الخير يا منة…
اجابت منة بهدوء:
– صباح الخير يا باش مهندس…
اخفى سيف امتعاضه من طريقتها الرسمية في الرد عليه، وتابع ببشاشة:
– اتأخرت عليكي؟
قطبت منة ونفت بهزة من رأسها، فتح سيف الباب المجاور للسائق داعيا اياها للدخول وهو يقول:
– طيب اتفضلي…
تقدمت منة بخطوات بطيئة وما ان همت بالدخول الى سيارته وقد كانت قاب قوسين او أدنى من ان ترفض الركوب بجواره مفضلة الركوب في الخلف ولكنها خجلت فهو ليس سائقها الخاص لتفعل ذلك!!…
دعت الله في سرها أن يخرجها من هذا المأزق وتأففت بداخلها للمرة الألف لاعنة نفسها انها لم ترفض هذا المشوار من الأساس….، وكأن الله استجاب لدعائها فما ان همّت بالدخول حتى فاجأها من تقدم سريعا للجلوس في المقعد الامامي مما جعلها تفغر فاها دهشة، ثم ما لبثت ان افترت أساريرها عن ابتسامة واسعه وكادت ان تميل على هذا الراكب تشبعه قبلات، فلم يكن سوى……أحمد!!…
قطب سيف ناظرا الى احمد الذي جلس بكل أريحية في المقعد المجاور للسائق، مال عل النافذة المفتوحة بجواره ونظر اليه شزرا هامسا من بين اسنانه بحدة مكبوتة محاولا ألا يصل أسماع منة شيئا مما يقولانه:
– أفهم حضرتك بتعمل ايه هنا؟
أحمد ببراءة مزيفة:
– ايه انت مش هتسافر انت ومنة وقلت لي امبارح وانا وافقت؟!، مسافرين زي ما انت طلبت!!…
سيف وقد بدأ غضبه بالاشتعال:
– ايوة بس احنا ما اتفقناش على كدا!، انا قلت لك انا ومنة مسافرين واظن انت عارف كويس اوي سبب طلبي دا، ايه اللي حشرك معانا؟!..
كتم أحمد ضحكة كادت تفلت بصعوبة وبدلا من ذلك رسم الجدية على ملامحه وهو يجيب بخفوت مماثل:
– بديهي انى اسافر معاها!، انت قلت لي انه فيه شغل عاوز منة معاك فيه وانا وافقت، ماجتش مناسبة انى اقولك انى هسافر معاكم، وبعدين السبب اللي انت قولتهولي هو اللي خلَّا الحاج عبد العظيم يوافق على سفرها علشان يديكم فرصة زي ما طلبت قبل ما تتقدم لها رسمي!، ولولا انى معكم دلوقتي كنت تحلم انها تقرب من عربيتك بس، ودلوقتي اتفضل علشان نلحق نروح ونرجع في النور….
خبط سيف باب السيارة مغلقا اياه بشدة بعد ان همس له من بين اسنانه:
– ابقى فكرني أقتلك بعد ما نرجع!، عموما مردودالك… انا مابسيبش حقي ابدا!!، …. ارتسمت على شفاه احمد ابتسامة مغيظة ولم يُعقب، فتح سيف الباب الخلفي مشيرا لمنة بالجلوس والتي كانت تقف على بعد خطوات منهما فلم تسمع شيئا من الجدل الذي دار بينهما، فدخلت وابتسامتها تنير وجهها بعد ان أطلقت أنفاسها المحبوسة ترقباً!!…….
انقضت الفترة الاولى من الرحلة في هدوء لا يقطعها سوى بعض الاحاديث الخفيفة بين احمد وسيف والذي كان يجيب ببرود وقد أوشك في مرة من المرات على دفع أحمد من العربة، فكلما وجه عبارة ما الى منة وجده هو من يقفز مجيبا عليه!،… حتى أوشك على رميه من السيارة عدة مرات!،…وكل مرة ينظر اليه شزرا بينما الآخر يلاعب له حواجبه الكثيفة بإغاظة!،….ومنة لا تشعر بأي شيء غريب، فهي لم تكن مولية اياهما أي اهتمام….، وكانت جلستها خلف شقيقها، وحدث في مرة من المرات ان صاح احمد بحدة:
– سيف، حاسب… انت رايح فين؟!، مش شايف النص نقل اللي على يمينك؟!، داخل رشق فيها كدا ليه؟!..
كاد سيف ان يتسبب في حادثة مروعة عندما جنح الى اليمين بشرود غير منتبه الى هذه سيارة النقل الضخمة والتي أطلق سائقها بوق عال مع سباب صارخ متدافع!، فما كان من سيف الا ان أوقف السيارة جانبا قليلا ريثما يلتقط أنفاسه، والتفت بلهفة ليطمئن على منة التي بادلته نظراته القلقة بأخرى متسائلة عن سبب شروده المفاجيء، سألها بلهفة لم يستطع مداراتها:
– انت كويّسة يا منة؟..
أومأت منة برأسها ايجابا مجيبة بهدوء:
– الحمد لله ، ربنا ستر..
قاطع أحمد حديثهما قائلا بنزق:
– كويسة يا سيدي الحمد لله، ممكن انت بقه تركز في السواقة يا تنزل وأسوق أنا؟!، المشوار صغير لحقت تتعب من السواقة كدا بسرعة؟..
كاد سيف أن يلكم احمد على فمه علّه يكف عن مرحه السمج ذاك، ولم يعلم بماذا يجيبه؟، ترى ما سيكون ردة فعله إن أخبره أن سبب ما كاد أن يحدث هو تركيزه على مراقبة منة في المرآة الخلفية!،…. فجلوسها خلف احمد جعل من الصعب عليه رؤيتها مما دعا به الى تسليط المرآة عليها هي وبالتالي لم يعي أي شيء مما يسير بجانبه!،…سواءا من جهة اليمين أو اليسار!!.
ألقى سيف بنظرة سخط ممزوجة ببرود الى احمد قبل ان يدير المحرك ثانية لمعاودة رحلتهما والتى انقضت وسط صمت تام هذه المرة!!…
وقفت منة تطالع الأفق البعيد الذي تنتشر فيه الغيمات بشكل فنيّ لا يقدر مخلوق على رسمه، اغمضت عينيها وتنفست عميقا تعبّ من الهواء المحيط بها والمشبع بعطر البحر المنعش، سمعت صوتا أجشا يأتيها من الخلف قائلا:
– عجبك المنظر؟…
فتحت منة عينيها وقالت وابتسامة طفيفة تلوح على كرز شفتيها من دون ان تلتفت الى محدثها:
– منظر جميل بجد، سبحان المبدع العظيم، كل مرة أشوف فيها البحر كأني بشوفه لأول مرة، البحر دا دنيا غامضة وعميقة، بحس اني بحبه بس في نفس الوقت بخاف منه!…
التفتت اليه وهى على وقفتها مكتفة ساعديها والابتسامة لا تزال تنير وجهها الفتيّ، بينما تقدم سيف منها بضعة خطوات يتلاعب الهواء بشعره وبخصلته الشاردة التي تتحدى يدها في ان تتقدم اليها معيدة اياها الى الخلف مع باقي زميلاتها من خصلات شعره الابنوسي!،… قال سيف بابتسامة بينما تقطيبة خفيفة تعتلي حاجبيه الكثيفين:
– تعبير غريب!، بتحبيه بس بتخافي منه؟، هو ممكن الحب والخوف يجتمعوا سوا؟؟..
نظرت منة اليه بابتسامة في عينيها مجيبة:
– أكيد!،.. انت اكيد بتحب باباك بس في نفس الوقت بتخاف منه صح؟، انتظرت الى ان وافقها بايماءة من رأسه قبل ان تتابع شارحة:
– أنت بتحب باباك بس بتخاف على زعله وبتعمل حساب غضبه، انا كمان بحب البحر بس بحس ان غضبه زي الاعصار..، متقدرش تقف في وشّه، لكن مقدرش غير اني أحبه، وما اصدق اشوفه علشان أفضفض له باللي جوايا، بيسمعني وبحس بموجه كأنه بيردّ ويطبطب عليا!!..
غشيت عيناها نظرة رقيقة بينما كاد هو أن يجز على أسنانه غيظا وغيرة من هذا الـ…….بحر!!…، ترى هل سيستطيع يوما ان يجعلها تتحدث عنه بمثل هذا الشغف الذي يملأها للـ…..بحر؟!!….
نظر اليها سيف بنظرة عميقة من عينيه الناعستين وهو يتحرق شوقا لأن يرى عينيها تطالعانه هو بمثل هذا التوق والشغف اللذان تطالعان به غريمه….البحر!!..
لا يدري سيف ماذا هذا الذي تثيره فيه هذه الصغيرة؟،…،لم يكن سيف من المندفعين وراء مشاعرهم بل كان يعمل عقله في كل أموره صغيرة كانت أو كبيرة!، أما بالنسبة الى اختيار شريكة الحياة، فكان يكفيه ان تكون من أصل طيب ومنزل محترم على قدر من الخُلق والثقافة، ولم يكن يلتفت الى الجمال كثيرا ولكن بالطبع أن يحوز شكلها على قبوله، حتى يستطيع المضي قدما في حياته معها، ولكن فجأة دخلت هذه الفاتنة المشاغبة الصغيرة في لحظة غفلة منه،بابتسامتها الشقية وعينيها المرحة، لتعيث في مشاعره وقلبه بل وعقله على حد سواء…فسادا!!، لا يستطيع أن يحدد متى على وجه التحديد بدأت حسابات العقل والمنطق لديه والخاصة بمواصفات النصف الآخر تختلف؟!، ولكنه يعلم تماما أنه في نفس اللحظة التى دخلت فيها منة من باب مكتب أخيها ذاك اليوم الذي رآها فيه أول مرة ، هي ذاتها اللحظة التى دخلت الى قلبه مندفعة وبقوة ليشرع لها قلبه أبوابه على مصراعيها!!، ولكن ما يجعله يكاد يقتلع شعر رأسه غيظا هو شعوره الخانق من أنه وحده من يعاني مثل هذه الاحاسيس الشائكة!، ولكن… تبا له ان لم يجعلها تهيم به تماما كما يهيم هو شغفا وحبا بها وكأنه أصبح مجنون…منة!!،.. فهو يعلم تماما مدى جاذبيته والتى جعلت الفتيات في الجامعه يتذرعون بشتى الوسائل في سبيل محادثته والتعرف اليه…
اقترب سيف بضع خطوات وقد تسمرت عيناه على هذا المنظر الرائع امامه والذي لم يكن للبحر أي يد فيه…، بل هو مشهد هذه الحورية الفاتنة والتي تسللت بضع خصلات من وراء حجابها لتتطاير بفعل الهواء حول وجهها مما جعل أصابعه تتحرق لأعادتها الى مكانها الأولي ليخفيها عن الانظار وان كان شيطانه يهمس له بأن يدعها كي يُملي عينيه من حسنها، فهو يكاد يقسم أن هذا الشعر له ملمس الحرير وانه ان فلت من عقاله فسيتسبب في وقوع صرعى له من فرط الجمال الثائر الذي يمتلكه!!….، انتبهت منة لخصلاتها المتطايرة من وراء وشاحها الرقيق فقامت باخفاءها باصبعها الابيض الصغير مما جعل سيف يعض على باطن شفته السفلى من رقة حركتها متخيلا هذا الخصلات وهى تلامس صفحة وجهه او ماذا سيحدث ان لامسه هذا الاصبع بمثل هذه الرقة مداعبا صدره حيث خافقه يضخ الدم بسرعة عالية يكاد صوتها يصم الآذان؟!..
سعل سيف ليجلي حنجرته كي يفيق من أتون هذه المشاعر المتدفقة وما ان فتح فمه ليهم بالكلام مع هذه الانثى الشاردة والتي تطالع البحر بافتتان أشعل نيران الغيرة في صدره، حتى انطلق صوت صاخب بجوارهما يهتف قائلا:
– سيف، منة…، ياللا العميل جِه ومستنيكم..
أغمض سيف عينيه بشده قهرا من هذا الصديق اللدود في حين أسرعت منة لموافاة شقيقها، بينما كتم سيف شتيمة بذيئة كادت أن تفلت من بين شفتيه الحازمتين…
لحق سيف بمنة واحمد وما ان وصل بجوار هذا الأخير حتى جذبه من مرفقه بشدة أذهلته وتحدث سيف بغيظ من بين أسنانه:
– خليك مستظرف دمك كدا لما أغطسك في المالح انا انهرده واخلص منك!!،…، نظر اليه أحمد بنصف عين وقال ببراءة زائفة:
– ليه بس يا أبو السيوف!، انا كنت عملت حاجه؟!، عموما مش ههون عليك، وان هونت عليك مش ههون على منونتي اختي حبيبتي….
قرب سيف وجهه من احمد وقال بينما لمعت عيناه بنظرة تملك قويّة وصوته أصبح خافتا يحمل نبرة تحذير واضحة:
– جرّب تدلعها تاني وتقول منونتي وانت تشوف هيجرالك ايه!..
ضحك احمد بغرابة قائلا بدهشة واضحة:
– انت اتهبلت يا سيف؟!،.. دي أختي…
ليقاطعه سيف بقوة قبل ان يتم حديثه قائلا:
– ولو!!،… ما تدلعهاش قودامي لو سمحت،..ويا ريت ما تدلعهاش خالص لا قودامي ولا من ورايا!!..
حدّق احمد فيه بحيرة واضحة وتحدث قائلا:
– سيف بقولك ايه ما تخضنيش عليها وتقلقني منك!،… اعقل كدا بدل ما أفشكلهالك من قبل ما تتقدم لها رسمي حتى!!..
سيف بمداهنة وابتسامة صفراء تزين وجهه الرجولي الذي ينضح وسامة وجاذبية:
– لالالا وعلى ايه … انت عارف انت حبيبي من أيام الجيزة، هو انت تكره ان جوز اختك يبقى بيـ….، وبدلا من ان يقول لفظة غيرة والتى كانت ستتسبب في لكمة له من يد احمد لا محالة استعاض عنها بكلمة…..خوف، فقال:
– يبقى بيخاف عليها كدا؟، انت بس همتك معايا وخليها توافق، وليك عليا أي حاجه عاوزها هنفذهالك، بس يا ريت يا احمد سيبني اعرف اقولها كلمتين على بعض أومال هفاتحها ازاي؟!، مش كفاية هي خلقة بتهرب مني كل ما بقرب لها!..
احمد بجدية مصطنعه وهو يهز في رأسه موافقا:
– تصدق فعلا!. هتوافق عليك ازاي ولا اساسا هنفاتحها ازاي وانا بحس انها كل ما بتشوفك زي الطفل اللي شاف حقنة قودامه وبيصرخ علشان ما يخدهاش حتى لو كان فيها الشفا!!
أجابه سيف من بين اسنانه:
– الله عليك يا رافع معنوياتي انت!، حُقنة!!،.. انا حقنة!!،.. عموما مالكش دعوه هقنعها تاخد الحقنة طالما فيها الشفا ان شاء الله زي ما بتقول، ودلوقتي ياللا يا فالح اتأخرنا عليها اوي..
انتظر حتى تقدمه احمد ببضعة خطوات ليتمتم بينه وبين نفسه قائلا بغيظ حانق:
– حقنة!!،.. وانت الصادق انت اللي شَربة بس هعمل ايه مضطر أشربها علشان خاطر عينيها….، ثم سار لاحقاً بأحمد ومنة…
تم التعارف بين صاحب الفيلا الاستاذ طارق السعدي رجل الاعمال المعروف وزوجته غادة، و منة وسيف المسؤولان عن بناء وديكور فيلاتهما، وأحمد بصفته مهندس انشائي وشريك في المكتب الهندسي…
بعد أن تناقش الجميع بخصوص الفيلا وأعرب طارق وغادة عن سعادتهما من سرعة سير العمل، انبهرت غادة بالتصميم الداخلي لديكور الفيللا والذي وضعته منة، واشادت به قائلة أنه يفوق ما تخيلته بمراحل، وفرحت منة لهذا المديح، كانت منة قد شعرت براحة عميقة تجاه غادة بوجهها البريء وان لم يخلو من مسحة حزن غالبا ما تطفو عندما تعتقد بانشغال الباقين عنها، ولم يفت منة نظرة الشحن في عينيها الرائعتين بخضارهما الزيتوني العجيب، وشعرها العسلي الذي تنعكس عليه أشعة الشمس فكأنه ذهب يلمع يكاد بريقه يخطف الابصار، بينما تمتلك جسد انثوي جذاب بكل منحنياته الانثوية البحتة!، ولكن في ذات الوقت… لا تعلم لما هذا الاحساس بعدم الارتياح الذي يخالجها بشأن زوجها طارق على الرغم من وسامته الملحوظة التي تجعله أقرب لنجوم السنيما بدءا من جسده الرياضي الممشوق وشعره البنى الناعم الى عينيه بلون السماء الصافية…، ولكنها ما ان تبصر عيناه يُخيل اليها أنها عينا ثعلب ماكر ينتظر الفرصة للانقضاض على فريسته مقتنصا اياها!!…
قال طارق بنعومة أثارت الشعور بالغثيان لدى منة بينما ابتسامة لزجة ترتسم على شفتيه المخططتين بشارب خفيف يحيط بهما ولحية خفيفة تغطي الذقن فقط :
– بصراحه زوقك جميل يا باش مهندسة، التصميم اللي انت عاملاه تحففة بجد…
رسمت منة ابتسامة صفراء على محياها وقالت بهدوء:
– متشكرة لحضرتك بس انا كل اللي عملته انى نفذت رغبة مدام غادة، هي كانت حاطة تصور معين للديكور وانا حاولت أوصل للي هي عاوزاه…
قالت غادة بابتسامة :
– لا بجد، طارق عنده حق، انت موهوبة فعلا..، وانا سعيدة انك انت اللي هتنفذي ديكور الفيللا بنفسك، لانك اكيد هتقدري تعملي اللي انا عاوزاه بالظبط…
قال احمد بابتسامة بينما ظل سيف واقفا يتابع الحديث الدائر امامه بجمود ولا يعلم لما يرغب بلكم هذا الطارق على فمه ليمحي هذه الابتسامة البلهاء وكأنه يقوم بدعاية لمعجون أسنان!، لم يكن سابقا سريع الانفعال كما هو الآن، ولكنها هي…، انه تأثيرها هي، ولا بد له أن يفاتحها بأسرع وقت في امر ارتباطهما بل ويحاول بشتى السبل الحصول على موافقتها قبل ان يقدم على عمل أخرق….كرغبته بلكم طارق والذي يعد أكبر عميل لديهم!!….
سمع احمد يقول بهدوء:
– احنا مبسوطين ان الشغل عجب حضراتكم، وان شاء الله الفيللا تطلع زي ما انتو عايزين وأحسن…، ثم حانت منه التفاتة الى سيف وتنحنح كي ينتبه هذا الآخر اليه بينما تابع هو قائلا:
– معلهش احنا هنضطر نستأذن علشان ورانا سفر واي ملاحظة او استفسار طبعا التليفونات معكم والمكتب مفتوح لكم في أي وقت…
هتفت غادة وهى تمسك بالمحمول خاصتها:
– صحيح يا منة، عاوزة رقمك علشان أعرف اتواصل معاكي ولو فكرت في حاجه علشان الديكور يبقى سهل اقولك عليها وانت كمان لو عاوزة حاجه تكلميني على طول،….، نظرت منة الى شقيقها فوافق بهزة من رأسه، هي لا تزال تشعر بالغرابة فهذه هي المرة الاولى التي يُطلب منها رقم هاتفها كما انها لا تشعر بالراحه لهذا الطارق ولكنها تستطيع ايقاف أيًّا كان في مكانه اذا تجاوز الحدود معها…
قالت منة بابتسامة بسيطة :
– اوكي، اتفضلي، واملتها الرقم وقامت بتخزين رقم الاخرى، في حين لمعت عينا طارق باعجاب لم يفوتها بغريزة الانثى بينما سيف كاد ان يهتف بـ…..لا…. قاطعه، ولكن ما باليد حيلة، ولكنه لن يستطيع الصبر اكثر من هذا وسيفاتحها قريبا في أمر ارتباطهما…
قال طارق والذي أعجب بمنة ما ان وقعت نظراته عليها وأكثر ما جذبه اليها عدم التفاتها اليه بل ولم تلق اليه بالاً مطلقا وانشغلت بتبادل الحديث مع زوجته:
– مينفعش يا باش مهندس تمشوا كدا،.. لازم نتغدى سوا الأول..
قاطع صوت سيف الجدي أحمد قبل ان يجيب قائلا:
– لا معلهش يا طارق بيه، اعذرنا، سكتنا طويلة…
أصر طارق وساندته غادة في عرضه فقد أرتاحت لمنة وارادت توطيد علاقتها بها فهي ليس لديها اصدقاء وكيف وطارق له الفضل في ذلك بعد زواجها منه وانتقالها من البلد الاوروبي الذي عاشت فيه عمرها كله وتركها لعائلتها هناك لتعود الى الوطن بصحبة زوجها والذي سرعان ما ملّ منها ولم يكد يمر عاميْن على زواجهما!!….
نظر احمد الى سيف ورفع كتفيه علامة قلة الحيلة واضطروا الى قبول دعوة الغذاء وذهبوا الى احد المطاعم التابعة لمنتجع شهير في العين السخنة والمعروف بمأكولاته البحرية اللذيذة..
حول مائدة عامرة بكل ما لذ وطاب من مأكولات البحر الشهية المختلفة، تجمع الخمسة، تبادلوا بعض الاحاديث الخفيفة اثناء تناولهم الطعام، انفردت منة بالحديث مع غادة في حين تبادل الرجال الثلاثة الأراء حول أمور مختلفة ولكن كان من الملاحظ صمت سيف شبه الدائم، فكان لا يتدخل بالكلام الا اذا وُجِّه اليه الحديث….
انتهوا من تناول الغذاء، وتفرقوا كلا الى وجهته، بعد وعد من غادة بزيارة منة للاطلاع على التصميم النهائي لديكور الفيلا..
اتجه سيف واحمد لركوب السيارة، هم احمد بفتح الباب الخلفي لشقيقته عندما شعر بيد من حديد تشد مرفقه فتطلع لصاحبها بدهشة ضاحكة سائلا:
– ايه يا بني، فيه ايه تاني؟، انت مش عجبني انهرده خالص!..
اقترب سيف بوجهه منه وهمس من بين أسنانه بغيظ مكتوم:
– لو عاوزنا نوصل #مصر حتة واحده،…تتفضل تسوق انت..لأن أنا اعصابي بئيت على الآخر…
قطب احمد حائرا، ولكن حرك كتفيه علامة اللامبالاة قائلا:
– وهو كذلك، انت كنت عرضت قبل كدا وانا رفضت؟!..
وقبل ان يتحرك احمد الى الجهة المقابلة كانت منة قد وصلت فأسرع سيف بفتح الباب الخلفي لها فدخلت متمتمة بالشكر، وقف سيف امام احمد قائلا :
– اتفضل بقه روح سوق، عاوزين نروّح، خلي المشوار دا يخلص على خير بقه..
ابتسم احمد واتجه الى مقعد السائق بينما جلس سيف في المقعد المجاور له، وقام بضبط المرآة الجانبية والتي أظهرت منة بوضوح!، ابتسم سيف متمتما بينه وبين نفسه:
– ايوة كدا خلينا نطلع بحاجه من المشوار اللي مالوش صنف اللازمة دا!!….
انقضت رحلة العودة سريعا، ولاحظ احمد عزوف سيف عن تبادل الحديث، فسكت هو الآخر بعد عدة محاولات منه لاشراكه في الكلام، بينما أسندت منة رأسها الى ظهر المقعد وأغمضت عينيها، لتذهب في نوم متقطع، فهي منذ أن استيقظت فجرا لم تنم، ومع حركة السيارة جعلت جفونها تتساقط رغما عنها ليداعب الكرى عينيها…
وقف احمد أمام منزلهما، التفت الى سيف الشارد بنظره بعيدا ولكن من يدقق يعلم انه شاخصاً ببصره….خلفه! قال احمد بابتسامة:
– حمدلله على السلامة يا بوس، ثم التفت الى الخلف حيث منة والتى افاقت ما ان وقفت العربة قائلا:
– حمدلله على السلامة يا منون..
فركت منة عينيها فكانت أشبه بالاطفال مما رسم ابتسامة حانية على شفاه سيف ونظر اليها من المرآة نظرة شغف لم ينتبه اليها أحد، وسمعها وهى تقول بصوت ناعس بتلقائية:
– الله يسلمك يا أبوحميد…
عبس سيف وتمتم بحنق:
– أبو حميد ومنون، وانا يا باش مهندس!!…، لا لا لا الموضوع كدا مش نافع!…
كانت منة قد نزلت من السيارة يتبعها احمد عندما انتبه سيف من شروده ونزل هو الآخر، ثم نادى احمد عاليا:
– احمد!، التفت احمد اليه وكان على بُعد خطوتين من بوابة العمارة، تقدم سيف اليه وانتحى به جانبا وهو يقول بصوت خفيض:
– انا عاوز أقابل والدك!..
كان احمد عاقدا جبينه أول الامر متسائلا عن سبب مناداة سيف له، وما ان سمع منه رغبته في مقابلة والده حتى انفرطت العقدة وارتفع حاجبيه الى اعلى وهو يقول:
– تقابل الوالد؟، ليه فيه حاجه؟..، ثم استدرك قائلا:
– آسف طبعا ما أقصدش، دا بيتك يا سيف، بس اصلي استغربت…
سيف بنزق:
– وايه وجه الاستغراب؟!، انا عاوز افاتح والدك في موضوع ارتباطي بمنة..
قال احمد بتردد:
– ايوة يا سيف، بس مش كنا اتفقنا اننا هنفاتحها في الموضوع الاول قبل ما تتقدم رسمي؟، ثم تابع محاولا اقناعه بينما الاخر كان يهز برأسه نفيا :
– يا بني افهمني وبلاش نشوفية الدماغ دي، اذا كانت لما بتكلمك كأنها عسكري في الوحدة بتكلم القائد بتاعها، عاوزنا مرة واحده كدا نقولها اتقدم لك وعاوز يخطبك؟، تيجي ازاي؟، هيبقى الرفض هو الجواب المنطقي الوحيد، اختى وانا عارفها، رافضة كلمة جواز ، ويوم ما نقولها عريس ونحاول نقنعها يبقى انت!!….
قال سيف بثقة مطلقة:
– مالكش دعوه، خليني بس اقابل والدك وانا كفيل باقناعها…
حرك احمد كتفيه بقلة حيلة واشار اليه ليتقدمه قائلا:
– انت حر، اتفضل…
كانت منة قد سبقتهما الى المنزل، وكانت تتبادل القبلات مع امها وابيها وكأنها كانت غائبة لمدة شهر وليس لسويعات قليلة برفقة أخيها، عندما سمعت صوت احمد يدعو سيف للدخول، قطبت منة بحيرة متمتمة:
– ودا وقته يا احمد؟، والتاني دا مش تعبان يروح يرتاح؟!..
افاقت من شرودها على صوت والدها وهو يرحب بضيف ابنه في حين انسحبت هي الى غرفتها تاركة والدتها تنادي أم محمود لتأتي بواجب الضيافة….
كانت منة تريد الاغتسال لازاحة تعب السفر ولكنها لم تستطع لوجود سيف، فآثرت الانتظار الى ان يرحل، وبدلا من ذلك خلعت حجابها وأطلقت شعرها ليستريح منسدلا حتى خصرها، كانت ترقد فوق فراشها الوردي، عندما سمعت صوت طرقات على الباب تبعه دخول والدتها وهي مبتسمة، اعتدلت منة جالسة ونظرت بابتسامة الى وجه والدتها السعيد وقالت:
– ايه الخطوة السعيدة دي يا توفي!، الاودة نورت…
اتجهت والدتها اليها واقفة أمام الفراش وقالت بحنان امومي:
– عقبال ما أزورك في بيتك يا حبيبتي..
قطبت منة وقامت من مكانها متجهة الى والدتها وقالت وهى تحيط كتفيها بذراعها البضّ:
– ليه بس يا توفي؟!، انا مهما كان بنتك حبيبتك بردو، ليه عاوزة ترميني في النار بإيديكي بس؟!…
شهقت امها عاليا والتفتت اليها ناظرة اليها باستنكار تام وهو تهتف زاجرة اياها:
– ايه اللي انت بتقوليه دا يا بنتي؟، النار؟!، اعوذ بالله، دي سُنّة الحياة حبيبتي…
قلبت منة عينيها الى اعلى ثم حاولت رسم ابتسامة على شفتيها الورديتين وقالت بمزاح خفيف:
– خلاص ولا تزعل يا جميل،مش نار…..مايّة!!، بس بردو مشكلة!، انا في العوم مش أوي، يعني هغرق في شبر مايّة!!، شوفتي المصير واحد في الآخر…سواء نار او مايّة!!…
قالت امها وهى تضربها بخفة على يدها المحيطة بكتفيها:
– انا عاوزة اعرف انت بتجيبي الردود دي منين؟، ربنا يكون في عونه.. دا هو اللي هيكون وقع ولا حد سمى عليه..
ابتعدت منة عن امها قليلا واجابت:
– طيب كويس علشان ياخد باله وما يقعش!، عموما الكلام دا سابق لأوانه، يعني شايفه العريس واقف على الباب؟!…
شهقت امها قائلة:
– شوفتي الكلام خدنا ونسيت!، اتفضلي روحي لباباكي في الصالون…عاوزك..
قالت منة مقطبة بحيرة:
– عاوزني؟، وبابا عاوزني في الصالون ليه؟، وبعدين مش فيه ضيف معاه هو واحمد؟
زفرت الام بضيق قائلة:
– جرى ايه يا منة، هو محضر؟، روحي شوفي بابا عاوز ايه، ياللا اتفضلي…
رفعت منة يدها الصغيرة وقالت:
– طيب طيب طيب، قلبك ابيض يا أم احمد، رايحه أهو….
ووضعت وشاحها الذي سبقت وأن خلعته لتستر به خصلات شعرها الحريري، وغادرت مرافقة والدتها والتي حاولت معها لتبدل ثيابها بأخرى نظيفة، ولكنها عاندت وأصرت على الذهاب لرؤية والدها بنفس ثيابها فما الداعي للتبديل وارتداء ثيابا جميلة؟، فهي قد انصاعت لرغبة والدها لموافاته الى غرفة استقبال الضيوف بصعوبة، نظرا لوجود سيف هناك، انها لا تعلم لما لا تستطيع التصرف بطبيعية معه، بل وكأنها تخشى شيئا فما ان يتواجد بالقرب منها حتى تسارع باختلاق الأعذار لتتسلل هاربة من امامه، ولكم حمدت ربها لمرافقة شقيقها اليوم في رحلتهما، تلك الرحلة التى تعتقد اعتقادا كبيرا أنها لم ترُق لـ…سيف!..
انتبهت من شرودها على صوت والدتها يحثها للاسراع للحاق بوالدها..
طرقت منة الباب فسمعت صوت والدها الحاني يدعوها للدخول، دخلت تاركة الباب خلفها مفتوحا….
اتجهت منة الى والدها الذي أشار الى كرسي مذهب بجواره كباقي طقم الجلوس ، جلست منة وهى تنظر الى اخيها الجالس على الاريكة الفخمة بجوار سيف بتساؤل فرفع حاجبيه الى اعلى بمزاح، بينما لم تفوتها نظرات سيف المتلهفة!!…
وجه الأب حديثه الى ابنته بلهجة حانية:
– بصي يا منة يا حبيبتي الباش مهندس سيف هيتكلم معاكى شوية، يا ريت تسمعي منه كويس الأول قبل ما تقولي رأيك!..
ثم وقف الوالد يتبعه احمد ووقف كلا من سيف ومنة احتراما بينما منة عاقدة جبينها في حيرة وتساؤل، واثناء مرور احمد من امامها للانصراف قرصها في وجنتها بمزاح قائلا بمشاغبة بينما عيناه تلمعان من فرحته لرؤية صغيرته وقد أضحت عروس يخطب ودها الآخرون:
– والله وكبرت يا منونتي…، ما ان هم بالابتعاد تاركا منة غارقة في حيرتها حتى وصل الى اسماعه صوت سيف يقول بخفوت كي لا يسمعه الباقيين بلهجه عادية في ظاهرها ولكنها تحمل رنة تحذير مبطن:
– مد ايدك عليها تانى وانت تشوف شغلك!!، ومنونتي دي هعرفك ازاي انها تبقى منونة واحد بس!…
احمد بمرح واضعا يده بجانب فمه:
– خلي بالك انت لسه ع البر، وانا بكلمة مني ممكن اخليك ما تطولش اللي انت هتتجنن عليه دا!، روّق كدا وما تزعلنيش..
سيف بمزاح زائف:
– لالالا كله الا زعلك، احنا طالبين الرضا…
قال احمد بجدية مصطنعه وهو يقف معتدا بنفسه:
– ايوة كدا، ناس تخاف ماتختشيش بصحيح!،
قاطع جدالهما المرح صوت الوالد مناديا لأحمد الذي سرعان ما لحق به تاركيْن منة وسيف بمفردهما، والتي شعرت وكأنها كالطفلة التي تركها والدها في اول يوم لها بالمدرسة منصرفا، فكانت على وشك النداء عليه، علما بأن الباب مشرعا على مصراعيه وان عائلها تقبع على بعد خطوات منهما…
أشار سيف لمنة بالجلوس فجلست حيث الكرسي خلفها، جلس سيف وانتظرت منة سماع ما يريد قوله، بينما كان سيف يراقبها وابتسامة حنان صاف ترتسم على شفتيه فتقلل من حدة فمه الحازم، يطالعها بنظرة توْق وشغف تلمع في مقلتيه لتشعل فحم عينيه..
هزت منة بقدمها بحركة لا ارادية، وهي تقول في نفسها:
– ايه يا عمّنا، هو الموضوع عويص أوي كدا؟!، وبعدين موضوع ايه اللي عاوز يكلمني فيه؟، لا وبابا وأحمد موافقين!..
تكلم سيف بصوته الرخيم قائلا:
– عجبتك الرحلة انهرده؟..
نظرت منة اليه واجابت بهدوء:
– آه، كانت ظريفة، واحلى حاجه ان الشغل عجبهم، ثم سكتت قليلا لتتابع بعدها وقد انفرجت اساريرها وقد توصلت اخيرا في رأيها لسبب انفراده بالحديث معها:
– هو دا الموضوع اللي عاوز تكلمني فيه؟
قطب سيف وقال مستفهما:
– موضوع ايه؟
اجابت منة بحماس:
– المشروع اللي احنا الاتنين شغالين عليه سوا!، لم تنتظر سماع اجابته واندفعت موضحة:
– عموما ما تقلقش، عن نفسي الجزء الخاص بيا من المشروع هخلصه بسرعة، وأي شيء هحتاج أعرفه هسأل غادة، هي طلبت مني دا…
قطب سيف قائلا:
– غادة؟.. ثم ابتسم متابعا بسخرية طفيفة:
– انا شايف انكم بئيتوا اصحاب بسرعه يعني؟
اجابت منة بتلقائية:
– هي بصراحه شخصية حبوبة وظريفة وانا ارتحت لها، وهى اللي طلبت منى نشيل الرسميات، بيني وبينك انا مش بحب التكلف في الكلام!…
عاجلها سيف هاتفا:
– ايش معنى انا اللي مصرة على التكلف معاه في الكلام؟!..
اندهشت منة وقالت بارتباك خفيف:
– أفندم؟…
مال سيف بجذعه باتجاهها وقال بجدية ناظرا الى عمق عينيها اللوزتين:
– بقول ليه انا اللي مصرة تحطي حاجز بيننا؟، ليه مش عاوزة تشيلي الرسميات؟، مع العلم انك بتتصرفي عكس كدا مع الكل؟
ضحكت منة ضحكة خفيفة مضطربة وقالت وهى تحاول الهروب من حصار عينيه اللتان تثيران فيها مشاعر تختبرها لأول مرة:
– وانا أظن سبق وقلت لك سبب انى بكلمك بالاسلوب الرسمي دا!، انا مش شايفه فيها حاجه بصراحه تخليك بالحدة دي!، انت مديري، واكبر مني بـ 8 سنين ، وبعدين عادي يعني، فين المشكلة؟
أجاب سيف بحزم وهو يطالعها بنظرات قوية جعلت عيناها اسيرة شعاع عينيه الذي جعل خافقها يضرب بين جنبات صدرها بقوة حتى غدا كالعصفور الحبيس:
– المشكلة انه مينفعش واحده تقول يا باش مهندس وتتكلم رسمي اوي كدا مع الشخص اللي هيكون…جوزها!!..
فغرت منة فاها دهشة وفتحت عينيها على وسعهما وهى تكرر كالبلهاء:
– ايه؟،…….جوزها!!…، ثم عبست متسائلة:
– جوز مين؟!،،
ابتسم سيف ابتسامة صغيرة مجيبا:
– هو فيه حد غيرنا هنا؟..
نظرت اليه منة مصعوقة من اجابته، بينما كان يلوم نفسه فهو لم يكن من ضمن خططه مفاتحتها بأمر ارتباطهما بهذا الشكل ولكنها هي مَن تُثير أسوأ ما فيه، زفر بعمق واغلق عينيه لثوان ثم فتحهما ناظرا اليها بقوة وقد قرر طرق الحديد وهو ساخن فدائما كان مبدأه الوصول الى هدفه بأقصر الطرق وفي رأيه الاسلوب المباشر هو الحل الأمثل فهو لا يستسيغ المحاورة والمداورة في الكلام، وجه اليها الكلام متحدثا بجدية بينما تطالعه هي بذهول بالغ وكأنها أمام كائن خرافيّ:
– بصي يا منة، المعروف ان أقصر طريق بين نقطتين هو الخط المستقيم…،… صمت قليلا ليتابع ناظرا بعمق الى بحر عينيها الذي يموج بانفعالات شتى الآن:
– منة انا عاوز أتجوزك….، رأيك ايه؟، نظرت اليه منة وكأنها لا تفقه ما يقول وسرعان ما ترجم عقلها العبارات التى سمعتها أذنيها ووجدت نفسها تردد كالبغبغاء:
نعم؟…تتـ…..ايه؟،تتجوزني؟؟. ، أومأ برأسه ايجابا وقد برقت عيناه بعزم لا ينضب وقال بنبرة لا تحتمل المزاح:
– أيوة، وأحب أعرفك انى مش هقبل كلمة.. لأ!….،
نظرت اليه بسكون تام وعلامات الذهول وعدم التصديق ترتسم على وجهها بوضوح، بينما يعمل عقلها بكامل طاقته مفتشا عن اجابة لسؤال يراودها:
– تُرى هل هذه المزهرية المصنوعة من مادة البورسلين جيدة الصنع حقا أم أنها وعند أبسط احتكاك ستتكسر الى قطع صغيرة؟!، فهناك هاجس يلح عليها باختبار اناء الورود هذا على أمِّ رأسه!..، أو ربما شيء آخر!، كأن تصرخ الآن متهمة اياه بمحاولة التعدي عليها!،قطبت متسائلة في صمت:
– تُرى أيّهما الوسيلة المثلى للرد على هذا المجنون؟!، ولكن… مهلا… أليس كلامه في حد ذاته بل وتهديده الصريح برفضه لسماع أي رأيٍّ آخر خلاف موافقتها يعدُّ ضربا من الجنون؟!، إذن… فلن يلومها أحد أن اختبرت أيًّا من الحلّيْن؟، فالأمر كله جنون في جنون!!……

رواية ” جوازة نت” للكاتبة “منى لطفى” الحلقة الرابعة”

نظر سيف اليها مندهشا من هدوءها الملحوظ، قطب قليلا ثم تحدث بتساؤل محاولا اخفاء قلقه من الإجابة وقد رسم ابتسامة صغيرة على شفتيه المظللتين بلحيته الخفيفة:
– ايه يا منة، يا ترى سكوتك دا استغراب، ولا مش مصدقة، ولا..؟، وغمزها بمكر متابعا:
– السكوت علامة الرضا؟!.
طالعته منة ببرود:
– بصراحه، كل اللي انت قلته دا…
ما ان همت اساريره بالانفراج فمعنى ذلك انها موافقة أَوَ لم يقل السكوت علامة الرضا؟!، ولكن قبل ان تفترش ابتسامة واسعه وجهه الرجولي الجذاب سمعها تقول ببرود ثلجي:
– ما عدا…، وشهرت سبابتها أمامه متابعة بثقة:
– السكوت علامة الرضا!، عموما انا مش هأخر الرد عليك، نوووو……!!
عبس سيف وقال باستهجان:
– إيه؟!، إيه نووو دي إن شاء الله؟!.
منة وهى تحرك كتفيها بتلقائيّة:
– يعني لأ!، انت مش قلت انك مش هتقبل كلمة لأ؟!، تابعت ببراءة مزيفة:
– وأنا ما يرضنيش انى أقول حاجه انت رافضها، مهما كان انت مديري ولازم أسمع كلامك، علشان كدا ردي….نووووو!!
سيف باستنكار تام وعبوس:
– وأنا كمان نوووو!!..
قالت منة بحبور:
– ممتاز!، يبقى فين المشكلة؟، طالما أنا ونووو وإنت نوووو، يبقى خلاص متفقين؟، ما فيش حد هنا ييس…!!.
تحدث سيف وقد كان على أوشك أن يقتلع شعر رأسه غيظا:
– منة، متستفزنيش!، وانا هرفض ليه وانا اللي متقدم لك!!.
نظرت اليه منة ببرود وقالت منفعلة بغضب مكتوم:
– مين اللي مستفز فينا يا باش مهندس؟، هو مشروع شغل عاوزنا نعمله سوا؟!، انت مش شايف طريقتك؟!، انت بتديني أوردر وعاوزني أنفذه!!،.. لم تنتظر سماع اجابته وهبت واقفة من مكانها، ونظرت اليه متابعة:
– للأسف يا باش مهندس طلبك مش عندنا، عن إذنك!.
سارت بضعة خطوات باتجاه الباب قبل ان يوقفها صوته آمرا:
– إستني..، تسمرت قديمها في الأرض رافضة الحركة، بينما شعرت به يقترب منها حتى وقف خلفها تماما ثم زفر عميقا قبل ان يقول في محاولة منه لامتصاص غضبها:
– يمكن يكون خانني التعبير، بس اللي كان قصدي تعرفيه كويس إني مصمم على الارتباط بيكي، وانه حتى لو رفضت فأنا مش هزهق، وهحاول بأي طريقة انى أقنعك بإرتباطنا!.
عقدت منة جبينها والتفتت اليه ناظرة الى فحم عينيه وهى تسأل في حيرة:
– وليه إصرارك أوي كدا على الارتباط بيا؟، أعتقد انت ممكن تلاقي ألف واحده توافق عليك، انت بمواصفات العريس أعتقد انك مناسب…
ابتسم سيف قائلا:
– وأنا مش عاوز من الألف دول غير واحده بس!، نظرت اليه في دهشة حائرة بينما يكمل عبارته:
– إنت يا منة!… لا تعلم منة لما هذه الاختلاجة التي أصابت قلبها؟!، فنُطقه لأسمها الآن جعلها تشعر وكأنه يغازلها!، حاولت منة ازاحة عينيها بعيدا عن أسر عينيه وقالت وهى تتهرب بنظراتها:
– وإيش معنى أنا؟!.
أجاب سيف وهو يشير اليها بالجلوس على الأريكة العريضة:
– طيب ممكن نقعد الأول علشان نعرف نتكلم؟!.
جلست منة على طرف الاريكة حيث أشار سيف، ولم تنتبه أنه هو الآخر قد جلس على ذات الاريكة في الطرف المقابل لها!..
قال سيف بهدوء وجدية:
– شوفي يا منة، انا طول عمري وانا الجواز دا آخر حاجه بفكر فيها!، بالعكس أنا علشان الكبير والولد الوحيد وسط أربع بنات، وعيلتي من المنيا من الصعيد، فكانوا بيلحّوا عليا في الجواز بشكل مش طبيعي، ووالدي كل مرة بسافر لهم فيها لازم يفاتحنى في موضوع الجواز، بيني وبينك أنا كنت شايله من دماغي خالص!…، عقدت منة جبينها منة وسألته:
– وشايله ليه من دماغك؟.. على كلامك انت من الصعيد، والولد الوحيد، يعني أولادك هما اللي هيشيلوا اسم العيلة، وبعدين اللي اعرفه ان الصعايدة بياخدوا من بنات عمهم؟!.
نظر اليها سيف مجيبا بينما نظرات عينيه تدغدغ أوصالها:
– كل الكلام اللي انت بتقوليه دا مظبوط، لكن أنا كنت شايف أن لسه وقت قودامي على ما أفكر أرتبط، لكن كل حساباتي أتغيرت، وبالتحديد من أسبوعين وخمسة ايام بالظبط!..
تساءلت منة بحيرة:
– وايه اللي حصل من اسبوعين وخمسة ايام وخلاك تغير رأيك؟!…
سيف بهمس جعل دقات قلبها تتسارع قفزا بالرغم منها:
– اللي حصل إني شوفتك!!..، اضطربت منة وقالت وهى تشيح بوجهها الذي غدا في حمرة الشمندر السكري وقالت بارتباك ظاهر:
– إيـ..إيه؟، أنا مش فاهمه إنتـ….، قاطعها سيف بلهفة لم يستطع مداراتها:
– ايوة يا منة، ارجوك اسمعيني، انا من أول لحظة شوفتك فيها وأنا حاسس ان كلِّي متلخبط!، إسألي اخوكي كدا..، قوليله انا متقدم لك من امتى؟، هيقولك من عشرة ايام بالظبط!..
لاحت على وجه منة الفتيّ علامات الدهشة وعدم التصديق فهتف سيف بلهفة لتصدقّه:
– انا مش مضطر اني أزوء كلامي، بصي يا منة، انا معرفش اللف والدوران، من ساعة ما شوفتك عجبتيني، ولاقيت اعجابي بيك بيزيد كل يوم،وانا بحب الوضوح، ولأنك أخت صاحبي لازم كنت أبقى صريح معاه، انا مش هبُصِّلك من وراه، انا عارف انى فاجئتك لكن أعمل ايه؟، انا كمان عاوز أرسي على بر، طول ما الموضوع متعلق وانا مش عارف آخد بالي من شغلي، زي انهرده مثلا!…
قطبت منة متسائلة:
– انهرده؟، ليه؟، ايه اللي حصل انهرده؟، اعتقد المقابلة كانت ناجحة والشغل عجب العميل….
صمت سيف قليلا ولم يرد الإفصاح عما مر به هذا اليوم والذي لم يبشّر بالتفاؤل منذ البداية!، حين فاجئه أحمد بمرافقته لهما، الى هذا المتحذلق المغرور المسى طارق والذي يود كثيرا لكمه في أنفه!، فقد لاحظ طريقته في النظر الى منة والتي أثارت حفيظته ورغبته في الاسراع بأمر ارتباطهما كي يقطع الطريق على كل من يفكر مجرد التفكير في النظر اليها!، فهي منّتُهُ هو وحده…، وليس أحد آخر!..
امتنع سيف عن الاجابة وبدلا من ذلك قال:
– سيبك من الموضوع دا دلوقتي، ممكن أعرف ردّك على طلبي؟..
ارتبكت منة قليلا ولم تعرف بما تجيبه ولكنها لم تعتد هي الأخرى الهروب من المواجهة، ولهذا شحذت همتها واعتدلت في جلستها ناظرة اليه وقالت بكل هدوء وضبط للنفس تمتلكه:
– باش مهندس سيف، طبعا حضرتك عارف انك بمواصفات العريس فإنت ما شاء الله مواصفاتك تغري أي بنت بالموافقة عليك وأي أهل يبقوا فرحانين لأرتباطك ببنتهم…،
لا يعلم سيف لما هذه الكلمات قد أثارت خوفه بدلا من فرحته بمديحها له، وانتظر تتمة كلامها:
– انا بحترم صراحتك جدا، وأنا كمان مش بحب اللف والدوران، انا زي ما انت عارف لسه مخلصة الكلية من فترة قريبة اوي، وحلمي انى أسافر بره أكمل دراسات عليا!، رفعت كتفيها وأكملت وسط نظرات عدم الراحة والاستهجان التى رماها بها في حين لم تنتبه هي اليها وبدلا من ذلك تابعت بحماس في شرح وجهة نظرها:
– عارف انا حلمي دايما انى أكون مهندسة ديكور متميزة، فيه فرق بين الناجح والمتميز، وانا بحب التميز والتفرّد، بحاول على أد ما أقدر أنى أوصل للي بحلم بيه..
سيف بهدوء يناقض ما يعتمل في داخله من غضب من أحلامها التى قد تقف عثرة في سبيل تحقيق حلمه هو، ولكنه لن يستسلم ومنة ستكون له!، قال سيف:
– يعني أفهم من كلامك انك مش رافضاني كشخص، ورافضة مبدأ الجواز دلوقتي؟!..
أومأت منة بهدوء مجيبة:
– آه، تقدر تقول كدا…
سيف بمناورة ذكية:
– طيب وايه المانع انك تتجوزي وتحققي أحلامك في نفس الوقت؟، أنا عمري ما هقف قودام طموحك بالعكس، انا هشجعك وخصوصا اننا تقريبا بنشتغل في نفس المجال..
منة وقد بدأت تشعر بالتململ من هذا الحديث واحساسها بالحرج يزداد:
– معلهش يا باش مهندس، انا طبعا مقدرة طلبك، بس للاسف أنا مش بفكر في الموضوع دا خالص دلوقتي..
كان هناك سؤال يلح على عقل سيف ولا بد من معرفة جوابه فبناءا على اجابتها سيحدد هو خطوته المقبلة، تنحنح سيف قبل ان يتحدث وهو يضع عيناه في عينيها لتأسر نظراتها:
– تسمحيلي أسألك سؤال؟. هزت منة رأسها بالموافقة، فتابع:
– فيه حد تاني في حياتك؟… ، لفظ السؤال بصعوبة شديدة، وكاد قلبه أن يتوقف عن العمل في انتظار سماع اجابتها والتي لم تتأخر، عبست منة قائلة:
– حد تاني؟.. حد تاني ازاي يعني؟.. ، وما لبث أن أشرق عقلها بالفهم فأجابت :
– لا طبعا!، ولو فيه، أول حد هيعرف أحمد أخويا، أنا مش بخبي حاجه عليه أبدا..
لم تعلم منة كم كبرت في نظره لدى تصريحها بأنها لا تفعل شيئا في الخفاء، وإلى أي مدى هي واضحة وصريحة مع ذويها فاستحقت بالمقابل ثقتهم المطلقة بها، وهذا ما يجعله متمسكا بها الى النهاية، نظر اليها سيف وقال بهدوء واثق:
– انا طبعا مقدر صراحتك، بس معلهش.. انا مش شايف تعارض بين الجواز وبين تحقيق احلامك!، بالعكس بقه الجواز بيبقى حافز للنجاح!..
قطبت منة بتساؤل رآه في عينيها فتابع محاولا اقناعها برأيه:
– يعني مثلا عندك أنا!، من ساعة ما فكرت في الارتباط بيكي وانا بقيت عاوز أنجح أكتر وبقى ارتباطنا هو اللي بيحفزني انى اشتغل اكتر، وانى اكون مش بس ناجح… لا !، وابتسم مكملا:
– ومتميز كمان….، وعلى فكرة.. النجاح والتميز دا مش علشاني أنا لوحدي!…لأ…!، دا علشاننا احنا الاتنين!، لأني من يوم ما فكرت ارتبط بيكي واحنا الاتنين في نظري بئينا واحد!!..
لم تعلم منة ماذا تقول؟، فهذا الكم من المشاعر الفياضة والتي يغدقها عليها سيف تشعرها بالعجز عن النطق!، هي كأية فتاة في مثل سنها، تفرح عندما تعلم أن هناك من يحمل لها هذا النوع من الاحاسيس الجميلة التي تستشعر صدقها في نبرة صوته، ونظرة عينيه!،.. ولكنها لن تخدع نفسها بأنه أحبها، فلا يمكن أن يحبها في مثل هذه الفترة القصيرة، تخضب وجهها بحمرة الخجل، بينما تابع بصوت أجش وقلبه يطرق بين جنبات صدره هولا مما اعترف لنفسه به توا!، فهذه الصغيرة التى تقبع أمامه تفرك يديها خجلا بينما حمرة وجهها تجعله راغبا بقطف ثمار وجنتيها اللتان تبدوان أشهى من ثمار الفراولة الطازجة، هذه الفاتنة نجحت فيما فشل فيه غيرها!، هو لن يخدع نفسه أكثر من هذا، فرغبته الشديدة في الارتباط بمنة ليس لمجرد أنها تناسب متطلباته في شريكة حياته او لأنه معجب بها، بل لأنه….يحبها!، يحبها كما لم يتصور أن يحب أحدا بهذا الشكل من قبل!، بل إنه يعشقها ويحلم باللحظة التي تنتمي فعليا إليه، والتى تصبح فيها إمرأته هو،…. لم يستطع البوْح لها بما يعتمر في قلبه من مشاعر جياشة لها، خوفا عليها من طوفان الاحاسيس التى تجيش بداخله مهددة بهدم حصون مقاومته، سعل قليلا مزدردا ريقه بصعوبة وتابع بصوت أجش:
– ممكن ما تجاوبيش دلوقتي، خدي وقتك وفكري، وبعدين يا ستي لسه فيه خطوبة، والخطوبة دى مرحلة للتعارف، انت ليه تحكمي على ارتباطنا بالفشل من قبل ما تدي نفسك فرصة انك تعرفيني كويس وتديني فرصة أثبت لك اني صادق فعلا في كل حرف قلتهولك؟!..
ترددت منة في الاجابة ثم تحدثت بصوت مرتبك:
– يعني لو … انا بقول .. لو، حصل وما اتفقناش، هتقبل ساعتها برأيي؟..، احتلت نظرة غامضة عينيه وقال :
– ماتسبقيش الاحداث يا منة، عموما انا عمري ما هجبرك على حاجه انت مش عاوزاها….
ارتاحت أسارير منة فقال سيف بابتسامة:
– ممكن بقه تنادي عمي علشان عاوزه؟…
أومأت منة بالايجاب وهمت بالوقوف حينما وضع سيف يده على يدها المستريحة بجوارها هاتفا بلهفة:
– استني، نظرت منة الى أصابعها المستريحة في قبضته، فأزاح سيف يده والتي كانت كمن لامس سلكا كهربائيا مكشوفا، فلحظة ملامسته لبشرتها، سار تيار كهربائي عالي التردد في جسده بأكمله، بدءا من أصابع قدميه وحتى منابت شعر رأسه مرورا بعموده الفقري، نظر اليها سيف بنظرات أشاعت الفوضى في حواسها، كانت وكأنه يلامسها بعينيه!، اضطربت….، ارتبكت…..،و…..سَكنَتْ!!، لم تستطع الابتعاد قيد أنملة!، وكأنها تسمرت في مجال مغناطيسي بفعل شعاع عينيه الثاقب، كان أول من قطع خيط التواصل الغير مرئي هو… سيف، حيث فك أسر عيناها بنظرات خاصة، كادت تشعر بأنها تحمل لها رجاءا حار!، وقف سيف في حين اعتدلت هى في وقفتها واعتلت عينيها نظرات تائهة مشتتة، بينما همس لها بعد أن أجلى حنجرته:
– هستنى ردك، ما تتأخريش عليا،…. صمت قليلا ثم تابع بصوت متهدج:
– أرجوكِ..
كان كلا منهما يقف يطالع الآخر هو برغبة قوية لشدها اليه وزرعها في صدره ليقفل عليها بأضلعه، فلا تبعد عنه ولو أنملة، وهي بحرج وخجل، تهرب بعينيها منه كلما تلاقت نظراتهما……
دخل احمد بمرحه المعهود وهو يمزح قائلا:
– ايه يا باش مهندس، انت لو بتعمل مقابلة شغل، مش هتاخد الوقت دا كله!!.
نظر اليه سيف بحنق قائلا:
– عارف هادم اللذات، أهو إنت!!..
قال أحمد بجدية مصطنعه:
– بقه كدا!، أنا هادم لذّات!، نظر الى منة مصطنعا الصرامة وقال:
– منون، التفتت اليه منة ناظرة اليه بتساؤل فتابع وهو يلاعب حواجبه الكثيفة لسيف بإغاظة:
– روحي انت حبيبتي، ارتاحي شوية، خلاص البيه أكل ودانك بما فيه الكفاية، وبلغي بابا ان سعادته، عاوز يمشي!!..
تلعثمت منة قليلا ونقلت نظراتها من شقيقها الواقف يطالع سيف بإستفزاز مرح، وسيف الذي يكاد ينفث نارا من أنفه وفمه على حد سواء غيظا وكمدا من أحمد، ألم يحذره قبلا ألّا يناديها بأي من ألفاظ التحبب؟!، مَن حبيبته؟!، انها حبيبته هو وحده، وسيعمل على إفهام الجميع هذا!!….
أجابت منة ولم يفارقها بعد خجلها الواضح:
– حاضر، عن إذنكم…
لم يستطع سيف كبح جماح نفسه وهتف بها أثناء انصرافها:
– مش تسلمي طيب؟!..
التفتت اليه وما ان وقعت نظراتها عليه حتى سارعت بإشاحة عينيها جانبا، وقالت بخفوت:
– انت عارف انى ما بسلمش!..
قال سيف بمرح خفيف:
– مش لازم سلام بالإيد يعني، كفاية انك تقوليلي مع السلامة..
نظرت اليه منة بطرف عين وكتمت ابتسامتها بصعوبة في حين كان احمد يراقب المشهد أمامه بفكاهة، قالت منة وهي تخفض نظراتها أرضا:
– مع السلامة، ثم سارعت بالمغادرة تاركة خلفها قلبا يدوي عاليا، حتى كاد صاحبه يقسم أن من معه يستطيع سماع صوت نبضاته!!..
قال أحمد ساخرا مقلدا سيف:
– كفاية انك تقوليلي مع السلامة!!، ثم عدل نبرة صوته متابعا بامتعاض زائف:
– ايه يا عم النحنوح!!، ايه النحنحة دي كلها؟!..
اغمض سيف عينيه وزفر عميقا، وعدّ في سره من 1 إلى 10 ، ثم فتح عينيه مطالعا أحمد وتحدث من بين أسنانه:
– عارف أسوأ حاجه ايه؟، انك هتبقى أخو مراتي!!…، هم احمد بمجادلته عندما قاطعه دخول والده، فاعتدل كلا منهما وكفا عن المزاح احتراما له، أخبر سيف عبد العظيم أنه في انتظار جواب منة على طلبه وقام بإعطائه ورقة بها كل البيانات الشخصية الخاصة به وبعائلته، واستأذن منه أن يُحضر والده معه في المرة القادمة للتعارف، فرحب عبد العظيم بالزيارة، واخبره انه مهما كان جواب منة فسيظل مرحب به في هذا المنزل، فهو صديق أحمد وبمثابة إبن ثان له!!….
*************************************************
مر يومان منذ زيارة سيف لمنزلها، وكانت تتعمد اجتنابه في العمل، وكأنه شعر برغبتها بالانفراد بنفسها، فكان معظم وقته يقضيه بعيدا عن المكتب في مواقع البناء، صلت صلاة الاستخارة وتحدثت مع والدها ووالدتها كثيرا، هي لا تنكر أن والديها موافقين بل ومرحبين بهذه الزيجة، فمن الواضح أن سيف قد استطاع كسب محبتهما له، والشيء الذي يُدهشها أنها لم ترفض وبقوة منذ البداية!.. ما الذي جعلها تنصاع لرغبته في التفكير والروّيّة واعطاء أنفسهما فرصة لمحاولة انجاح هذا الارتباط؟!..كان لحديثها مع شقيقها نصيب الاسد من قرارها بالتروي قبل ان تدلي بموافقتها او رفضها….، فقد علمت منه أنه ابن وحيد على أربعة بنات، وأن عائلته من محافظة المنيا في الصعيد، من العائلات المقتدرة ماديا، ولكن سيف رفض وبقوة أي مساعدة مادية من والده، وكان يعمل وهو لا يزال طالبا في كلية الهندسة، وان مكتبهم الحالي كان هدية والده له بمناسبة التخرج ولكن جميع المصاريف الخاصة به تكفل بها سيف وحده قبل ان يشاركه هو وعمر، أخبرها أنه بما ان سيف هو الابن البكري والوحيد للشيخ عبدالهادي فكثيرا ما كان يلح عليه والده في الزواج، ولكنه كان يتنصل من هذا الموضوع حتى فاجأه ذات يوم برغبته في الارتباط بشقيقته هو…. منة!!….
كانت منة تجلس شاردة تلاعب قلمها بين أصابعها الغضة عندما فاجئها صوت يقول بصراخ مرح:
– بووووووه!، شهقت منة والتفتت الى صاحب الصوت لتجدها ايناس التي تنظر اليها بإستفزاز مرح تميل فوق مكتبها فقالت لها منة بغيظ :
– انت عارفة ان قلبي كان هيقف دلوقتي من الخضة؟!..
قالت ايناس بمرح:
– سلامة قلبك يا حبيبتي، اعملك ايه بئالي ساعه انا وسحر عمالين ننادي عليكي مابترديش، نبسبس لك مش بتتبسبسي، اللي واخد عقلك يا قمر!…
ابتسمت منة ابتسامة خفيفة وأجابت:
– لا.. تصدقي دمك خفيف وضحكتيني!، انا عارفة أحمد اخويا شايف فيكي ايه!!، رمت منة بجملتها الاخيرة وهى تراقص حاجبها الايمن بإغاظة لإيناس والتي تدرج وجهها بألوان الطيف السبعة، وارتبكت وهي تقول بتلعثم بينما اعتدلت واقفة:
– تصدقي إنك سخيفة ودمك بايخ، وانا استاهل انى بتكلم معاكي!.
ضحكت منة وقالت:
– خلاص خلاص هو انا كنت قلت ايه يعني؟!، وبعدين حبيبتي لو مش عاوزة حد يتكلم بطلي تعلقي له على كل بوست ينزله على صفحته الشخصية، دا انا يا بنتي اللي اسمي أخته مش بتكلم معاه بالطريقة دي!، انما انت آه بتتكلمي باحترام وزوء وكل حاجه، انما مش بتفوّتي بوست واحد ولا جملة حتى هو كاتبها… الا والاقيكي ناطة معلقة، لا.. وايه… من قلبك!!..
قالت ايناس باستنكار:
– انت اللي متخلفة، عادي بوست وبعلق له عليه، فيها ايه دي؟
قامت منة من مقعدها واستدارت حول المكتب واقفة بجوار ايناس وهى تهمس لها بينما كانت سحر في الطرف البعيد من الغرفة غير منتبهة لما يدور بينهما:
– أنوس حبيبتي، انت عارفة انا بحبك أد ايه، وأنت وسحر بقول انكم اخواتي مش أصحابي، وبخاف عليكي، حبيبتي الناس ليها الظاهر، والفيس دا دنيا تانية خالص، مش كل اللي على صفحة احمد مثلا يعرفوا انك زميلته في الشغل، ولو عرفوا فيه منهم اللي ضميره مش كويس ويظن فيكي ظن مش اللي هو، هتقوليلي بتعلقي عادي وكلامك ما فيهوش شيء عيب، هقولك انا متأكده، ومع انى ما كنتش أحب ادّخل وقلت لأحمد انى مش هفاتحك في الموضوع دا، لكن لازم اقولك!..، تطلعت اليها ايناس في توجس قلق بانتظار سماع ما أخبرها احمد به، زفرت منة بعمق وقالت وهى تطالع ايناس جيدا:
– احمد مش مبسوط من تعليقاتك لكل بوستاته، وعلشان أكون أوضح، احمد مستغرب اكتر من الوقت اللي بتقعديه ع #الفيس، الموضوع من الآخر مش عجبه ومش مريحه!!..
ارتبكت ايناس وقالت:
– وهو ماله ؟!، انت عارفة انى عايشة مع تيتة لوحدنا ، بابا وماما ما بشوفهومش غير شهر في السنة ولو كمل كمان ، في اجازتهم السنوية اللي في الغالب مش بيكملوها ويجروا ع المستشفى اللي بيشتغلوا فيها في الخليج، والفيس هو تسليتي الوحيدة، وانا مش بعمل حاجه غلط!..
حاولت منة امتصاص غضبها قائلة بابتسامة حانية:
– عارفة حبيبتي والله، بس احمد بيخاف عليكي، وانت عارفة كويس انه احمد آخر واحد يتهمك بحاجه وحشة او يفهمك غلط، لكن هو بردو مش عاوز حد يجرحك بكلمة او حتى بفكرة غلط عنك في دماغه ولو كان مايعرفكيش!!..
ارتبكت ايناس قائلة وهى تشيح بنظراتها بعيدا:
– بس كلامه ليكي…، قاطعتها منة هاتفة:
– كلامه ليا معناه انه خايف عليكي، ومعناه بردو انه قريب اووي، هيقوم بزيارة للسيد الوالد اول ما ييجي هو ومامتك #مصر بالسلامة، بس الاول موضوعي انا يخلص!!..
احمرت ايناس خجلا، ولكنها قطبت مستفهمة:
– يزور بابا؟، وموضوعك ايه هو؟؟
تنهدت منة عميقا واجابت:
– بصي يزور بابا دي أظن انت عارفة ليه؟!، مش معقول يعني علشان يدوق الشاي بتاعكم ويشوفه زي بتاعنا ولا احلى؟، خبطتها ايناس بمزاح غاضب على يدها، فيما تابعت منة وقد شرد نظرها بعيدا:
– وموضوعي بقه، واضح كدا انى محتاجه آخد رايك انت وسحر لان دماغي ورمت من كتر التفكير..
قاطعت همسهما نشوى وهى تقول بمزاح:
– موضوع ايه يا حلوين؟… ،تأففت ايناس حنقا بينما ضحكت منة والتي غدت علاقتها بنشوى أفضل بكثير من ذي قبل، فقد تيقنت منة ان سلوك نشوى ما هو الا نتاج تربية متحررة وغياب مستمر للرقيب المتمثل في الأب والأم واللذان انشغلا عنها احدهما بالركض لهثا لنجاح عمله وجعله أكبر صرح تجاري بالبلد، أما الأم فمبصاحبة سيدات الطبقة الراقية التي تنتمي اليها، والانشغال بالمظاهر الدنيوية الكاذبة، طمعا في كتابة اسمها في الصحف والمجلات وذكر أياديها البيضاء على الفقراء والمساكين ليلمع اسمها كسيدة مجتمع راقية وتصبح أشهر من نجم على علم، بينما لا يعلما أي شيء عن وحيدتهما نشوى والتي تعلم مربيتها عنها أكثر منهما بمراحل كثيرة ، هما لا يملكان سوى اسمهما القابع في شهادة الميلاد الرسمية كأب وأم بيولوجيين لهذه الفتاة، بينما الأب والأم الحقيقيين لم تعرف عنها شيء وحاولت مربيتها سد هذه الثغرة ولكن هيهات، فالحرمان منهما لا يعوضه حضن أي انسان أخر!!..، الأمر الذي أدى الى تحرر نشوى الزائد عن حده….مما جعل منة تأخذ على عاتقها أمر الاهتمام بها، والوقوف بجانبها لخوفها الشديد من نتيجة تحررها المنفلت ذاك!!..
قالت منة بابتسامة:
– ابدا، بنتكلم على مواصفات عريس الاحلام!..، انضمت سحر لهن، وجلسن الاربعه على جلسة خاصة موضوعه بأقصى الغرفة لمتابعة هذا الحديث الشيق!!…
قالت منة:
– يا للا بقه كل واحده مننا تقول مواصفات فتى احلامها ايه؟..
نظرت الى ايناس قائلة:
– ابتدي انت يا أيناس، هنمشي أبجدي، قالت ايناس بابتسامة يشوبها بعض الخجل:
– يعني زي أي بنت، عاوزاه انسان كويس، كريم، متدين، بيحبني ويخاف عليا…، نظرت منة الى سحر فشردت تلك الاخيرة بعينيها الى البعيد وقالت:
– زي مواصفات ايناس، وعاوزاه مرح وطيب ويا ريت لو يكون مهندس زيي، علشان يفهم ظروف شغلي، و…، قاطعتها منة ضاحكة:
– وأول حرف من اسمه عمر!!، نظرت اليها سحر بغيظ بينما تلاعبت منة بحاجبيها وانخرطت نشوى وايناس بالضحك، نظرت منة الى نشوى قائلة:
– وانت يا شوشو…. عريس الغفلة عاوزة مواصفاته ايه؟
أجابت نشوى بحماس:
– عاوزاه دمه خفيف زي احمد حلمي، ورياضي زي أحمد السقا، ووجيه كدا زي أحمد مظهر، وفي جمال أحمد عز!!..
نظرت منة اليها بصمت لثوان ثم قالت بثقة مطلقة:
– حمرااا!!، هتفت بها نشوى مقطبة بينما كتمت كلا من ايناس وسحر ضحكاتهما بصعوبة:
– هي ايه دي اللي حمرا يا منة؟، قالت منة ببراءة مزيفة:
– الشقة!!، ألوان الشقة أكيد حمرا صح؟، عبست نشوى قائلة:
– حد يلون شقته بالأحمر؟، انا أي نعم بحبه بس بردو!، ازاي الشقة كلها تبقى حمرا يعني؟!،…
قلبت منة عينيها الى الاعلى في حين انخرطت ايناس وسحر في الضحك، نظرت منة الى نشوى المندهشة من ضكاتهم بخبث واضح ومالت الى ايناس بجوارها وهمست لها ببراءة زائفة:
– خدت بالك يا أنوس، نشوى فارس احلامها كله على أحمد!، قطبت ايناس مستفهمة :
– ازاي يعني؟،
اجابت منة بدهشة مصطنعه:
– انت يا بنتي مش سمعتيها بتقول دمه خفيف زي احمد حلمي، وجسمه رياضي زي احمد السقا وأمور زي أحمد عز؟!، أومأت ايناس بالايجاب واعتلى وجهها علامات الريبة فتابعت منة:
– اممممم، يبقى ناقص تقول أول حرف من إسمه أحمد عبدالعظيم!!..، قطبت ايناس متسائلة بحيرة وريبة:
– مين أحمد عبد العظيم؟!، فغرت منة فاها دهشة وعبست قائلة بحنق:
– لا ابدا، دا المكوجي اللي على أول الشارع!، وما لبثت أن احتدت قائلة بسخرية:
– مش عارفة احمد عبدالعظيم يا أذكى اخواتك!!، صمتت ايناس لوهلة ثم شهقت عاليا ونظرت اليها مصعوقة وهى تشير بعينيها الى نشوى التى انشغلت بالحديث الى سحر:
– أحمد….اخوكي؟!، قالت منة ببراءة مزيفة:
– اوعي تتهوري يا ايناس، انا بهدي النفوس بس!!..
نظرت ايناس الى نشوى وقد لاح على وجهها علامات الإجرام،ولو كانت النظرات تملك خاصية القتل لكانت الأخيرة وقعت صريعة في الحال، واصدرت ايناس زمجرة غضب، فقالت منة بهدوء:
– روستخ روستخ يا زكي يا روستخ، في حين انتبهت كلا من نشوى وسحر اليهما، فنظرت سحر بتساؤل، بينما طالعتها نشوى بعدم فهم واضح!!…
**************************************************
كان سيف كالليث المحبوس، يتحرك في غرفته بالمكتب بقلة صبر وحنق واضحين، لما هذه المدة كلها لتبلغه بقرارها؟، هل الارتباط به مخيف الى هذه الدرجة ويستحق أن تفكر لمدة ثلاثة ايام كاملة؟، لقد ترك لها الحرية كاملة في التفكير، وكان يتعمد الابتعاد عنها حتى لا يشكل وسيلة ضغط عليها، هو يريد موافقتها التامة من دون أي ضغوطات منه، ولكن… لقد أوشك صبره على النفاذ،وقف سيف وهمس في نفسه وقد برقت عيناه بعزم لا ينضب:
– مش معقولة بعد دا تقولي آسفة!، لا يا منة كفاية عليكي وعليا الايام اللي فاتت، لو الضغط هيخليكي توافقي يبقى مافيش مانع من شوية ضغط صغيرين!!، ولكنه لم يستطع تنفيذ وعيده حيث تلقى مكالمة تغيرت على إثرها قراراته كلية!!..
هتف سيف مخاطبا محدثه على هاتفه المحمول:
– حضرتك بتقول ايه يا عمي؟، بتتكلم بجد؟، تعالت ضحكات الرجل كبير السن وقال بوقار:
– معقولة هكدب عليك يا بني؟، اندفع سيف قائلا بأسف:
– لا لا لا.. ما اقصدش والله، بس من مفاجئتي، مش قادر أصدق بصراحه!!…، أعاد الرجل على أسماعه عباراته بصوت وقور متزن:
– بقولك يا بني، منة بلغتني بموافقتها، شوف عاوز تجيب والدك امتى وتتقدم لها رسمي؟!…،
هتف سيف باندفاع:
– انهرده!، انهرده… هكلم بابا وأقوله ييجي ونتفق في كل حاجه!!، قال عبد العظيم والد منة وابتسامة وقورة تزين وجهه وهو يطالع زوجته الجالسة بجواره فرحة لموافقة ابنتها فهو عريس لا يعوّض:
– لا يا بني ما ينفعش انهرده، احنا كمان لازم نبقى مستعدين لاستقبال عيلتك الكريمة، وبعدين لازم مامتك واخواتك يشرفونا كمان!…
قال سيف برجاء:
– ما هو اخواتي البنات هييجوا في الفرح، المشكلة انهم متجوزين وظروفهم يمكن ما تسمحش، انما والدتي ممكن تيجي، بس يا عمي احنا مش ضيوف، معندكوش شاي؟، كوبايتين شاي من ايد حماتي هتبقى ممتازة، وشاي ليه انا هجيب معايا دستة شربات!!، ضحك الوالد واجاب:
– لا يا بني ما يصحش، وبعدين انت بتتكلم في الفرح ولسه الخطوبة ما اتعملتش، عموما هنستناكم بكرة ان شاء الله…
أجاب سيف بقلق:
– ما هو يا عمي اسمح لي انا شايف انه يبقى فرح على طول، حضرتك عارف اكتر مني ان منة ما كانتش موافقة على مبدأ الجواز من الاساس…
قال الأب:
– ايه خايف تغير رأيها؟.
أجاب سيف بثقة:
– لا يا عمي، ان شاء الله مش هتغير رايها، بس انا مش بحب فترة الخطوبة تطول…
أقر الوالد كلامه:
– عندك حق، عموما التفاصيل دي هنتفاهم فيها لما تشرفونا بالزيارة انت ووالدك…
تبادل سيف والوالد التحيات قبل ان يغلق سيف الهاتف متنفسا بعمق وقد أشرق وجهه الوسيم بابتسامة واسعه وهو يقول في نفسه:
– واخيرا يا منة، هتبقي حرم سيف الدين عبد الهادي، مراتي…أنا، وبرقت عيناه وهو يتابع بلهجة قوية كمن يدلي بقسم عظيم متعهدا في نفسه:
– باباكي خايف تغيري رأيك!، وكأنى هسمح بكدا، انت خلاص وافقت، والجواب دا نهائي مايقبلش النقاش!!….
**************************************************
لم يستطع سيف رؤية منة بعد ان أبلغه والدها بموافقتها، فما ان انطلق اليها في المكتب حيث تعمل حتى فوجيء بزميلاتها يخبرنه انها قد انصرفت مبكرا اليوم!، فكّر سيف متفكّها:
– بتهربي يا منة!، وهو كذلك…، بس مش هتعرفي تهربي مني كتير!..
جاء اليوم التالي وقد انقلب منزل عائلة منة رأسا على عقب!، فقد أعلنت والدتها حالة الطواريء بالمنزل، وقامت بطرد زوجها وابنها بغية شن حملة نظافة واسعة النطاق تساعدها فيها ام محمود، أما منة فأمرتها بملازمة حجرتها وعدم الخروج منها بعد أن فشلت في دفعها للذهاب لابتياع ثوبا جديد وزيارة صالون التجميل، فقد رفضت منة رفضا باتا، معللة أنها زيارة عادية ولا يوجد داع لمثل هذه الامور، صرخت فيها أمها:
– انت عاوزة تجنينيني يا منة؟!، يا بنتي، فيه عروسة عريسها جايلها هو وأهله وما تحبش تشتري فستان جديد ولا تروح للكوافيرة تظبط نفسها…، انا عمري ما شوفت كدا!!..
منة بطبيعية شديدة:
– آه فيه…. أنا!، وأديكي شوفتي يا ستي، حقك تشكريني انه فيه حاجة ماشوفتهاش قبل كدا وانا كان ليا الشرف وورّتهالك!!…
وخوفا من الأم على صحتها وكي لا تعاني من ارتفاع في ضغط الدم مصحوبا بأعراض أزمة قلبية مع العلم أنها لا تعاني أيًّا منهما، آثرت السكوت وعدم المجادلة وأصدرت فرمانها بحبس منة عبد العظيم في غرفتها حبسا انفراديا الى حين وصول الضيوف!!..
*************************************************
وصل سيف برفقة عائلته، وتم التعارف بين العائلتين، كان والد سيف ” عبد الهادي”..رجل صعيدي بمعنى الكلمة، بهيئته وزيّه التقليدي، وعباءته الفخمة التي توشي بثراءه، كما كانت الأم “زينب”، بعباءتها السمراء التقليدية ولكنها من القماش الفاخر وصفّاً من الأساور الذهبية العريضة، والتي كانت تصدر رنينا كلما حركت صاحبتها يديها…..
جلس الجميع يتبادلون الاحاديث الخفيفة في انتظار وصول العروس والتى كانت تقف خارج غرفة استقبال الضيوف تتمسك بعباءة أم محمود تكاد تبكي مقبلة يديها كي تدخل معها أو أن تدخل هي… بدلا منها!!..
أم محمود بدهشة بالغة:
– يا خراشي يا ست منة!، ادخل بدالك ازاي يعني؟..
كادت منة ان تبكي بل وترقرقت الدموع بالفعل في عينيها المكحلتين باللون الاسود والذي أسبغ عليها جمالا رائعا فغدت كعيون الغزال البريّ!، قالت منة برجاء واستعطاف:
– علشان خاطري يا ام محمود، مش هقدر أدخل لوحدى، وماما مش هعرف أناديها، حاسة انى زي ما اكون معروضة للبيع، هيقعدوا يبصوا فيها ويفحصوا!!..
كتمت ام محمود ضحكة كادت ان تفلت منها وهي تقول:
– الله يحظك يا ست منة، لا هو انت فاكرة حماتك دي زي الست ماري منيب كدا هتقعد تشدك من شعرك وتديكي جوزة تكسريها باسنانك وكدا؟، يا بنتي دول باين عليهم ناس أكابر، وناس مأصلين بصحيح، وبعدين سوى كنتِ بشعر أو قرعه، انت عاجبه ابنهم وعاوزك، يبقى خلاص!..
تبدلت نظرة منة من التوسل الى الحنق وقالت بزمجرة حانقة:
– خلاص خلاص، ولا الحوجة لحد، هي يعني كانت موتة ولا أكتر ، ثم جذبت نفسا عميقا وقالت في سرها:
– استعنا على الشقا بالله…، ودخلت بقدمها اليمنى كما أوصتها أمها سابقا وأم محمود الآن…
كان سيف أول من شاهدها فصمت عن الحديث بغتة لينتبه الموجودون لسبب صمته المفاجيء ذاك والمتمثل في ملاك بدون جناحين يدخل إليهم، كادت منة أن تتوارى خجلا من شدة بحلقتهم بها، كانت طلتها ملائكية بفستانها الابيض الحريري، منسدلا على قامتها حتى كاحلها، ويتداخل معه قماشا من الشيفون الأسود من الجزء السفلي، وحذاء أسود عال الكعب، ووضعت وشاحا فوق رأسها أبيض اللون من الحرير الطبيعي، يتداخل معه وشاح آخر من الساتان الأسود..، وكان الحجاب موضوع بطريقة ساترة وجذابة، واكتفت من الزينة بكحل أسود للعين، وملمع شفاه زهري، وخاتم صغير من الذهب الأبيض..
قامت والدتها ما ان شاهدتها وقالت بحبور وهي تشير الى والدة سيف الذي كان قاب قوسين أو أدنى من دعوتها للجلوس بجواره، بل وفي احضانه إن جاز الأمر!!…، قالت الأم مبتسمة:
– تعالي هنا جنب الحاجة أم سيف، تقدمت منة ترفل في ثوبها الحريري مطأطأة برأسها في خجل، حتى وصلت الى والدة سيف التي قامت من فورها محتضنة إياها بحب وقالت بلكنتها الصعيدية:
– ما شاء الله تبارك الرحمن، جَمَرْ، تعالي جاري اهني يا بنيْتي..
جلست منة في المنتصف بينها وبين والدتها، فيما نظر اليها الشيخ عبد الهادي وقد راقه احتشامها، فكان يخشى أنت تكون كفتيات هذه الايام حيث السفور والتبرج المبالغ به، ولكنه يعلم أن سيف ولده لم يكن ليرضى بهذه الاشياء فهو وإن كان يتحدث بلسان أهل المدينة وظاهره يواكب الموضة والعصر ولكنه من الداخل صعيدي حتى الصميم، وجّه الشيخ عبدالهادي حديثه اليها بصوته الوقور المتزن:
– ربنا يحميكي يا بنيْتي ويحفظك من كل شر، ثم التفت الى والدها الجالس بجواره متابعا:
– ما شاء الله يا حاج عبد العظيم، بنتك جمال وأخلاج عاليه، اجابه عبد العظيم فخورا بإبنته التي حصلت على اعجاب أهل خطيبها من اللحظة الاولى:
– ربنا يخليك يا شيخ، هي بنتك بردو….
قال الأب بحماس:
– أومال، معزتها كيف معزة بناتي تمام،….، تنحنح سيف قليلا وقال موجها حديثه الى والده وناظرا الى والد منة.. بينما احمد يتابع أخته بنظرات محبة فخورة :
– بقول يا حاج ندخل في المهم….
ضحك الجالسون وقال الشيخ بلهجته الصعيدية المحببة:
– مستعجل جوي شكلك إكدِه؟!، ثم تابع بابتسامة:
– عموما يحج لك تستعجل، عروسة زي الجومر زييها تُبجى خايف لا تروح منييك، وآني متلهف جبل منك أنها تكون مرات ولدي وبنتي الخامسة، ثم وجه حديثه الى عبد العظيم قائلا بابتسامة كبيرة :
– احنا يا حاج عبدالعظيم طالبين الجُرب منييك، ولدي سيف عاوز يتزوج بسلامتها بنتكم منة…
قال عبدالعظيم بابتسامة هادئة:
– ومنة بنتك يا شيخ، وسيف في معزة أحمد ابني تمام، وانا مش هلاقي ناس زيكم أتشرف بنسبهم وأطمن على بنتي الوحيدة معهم…
قال الشيخ بسرور وهو يوميء برأسه ايجابا:
– يُبجي على خيرة الله، وكافة طلباتك وطلبات العروسة مُجابة، انا معنديش أعز من ولدي، ويشهد ربنا انها دخلت جلوبنا ومعزتها من معزة ولدنا، المهر اللي تجول عليه والشبكة وكافة شيء، وعلى فكرة.. سيف هو اللي مصمم انه يتكفل بكافة مصاريف زواجه مع ان ربنا موسعها علينا لكن هو الله يهديه راكب دماغه ومحكم رايه انه هو اللي هيتكفل بكل حاجه، راجل من يومه، قال الشيخ عبد الهادي عبارته الاخيرة بفخر شديد بإبنه الوحيد وهو يربت على كتفه، تحدث عبدالعظيم قائلا بابتسامة صغيرة:
– وانا يا شيخ عبدالهادي مش طالب غير انه يعاملها بما يرضي الله، زي ما رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام قال ما معناه في الحثّ بتحري الزوج المسلم صحيح الدين في زواج بناتنا، إن أحبها أكرمها وإن لم يحبها لم يُهنها، صلّى الموجودون على الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام ، نظر سيف الى والده بنظرة يعلم معناها جيدا، فحرك والده رأسه بهزة طفيفة بالمقابل لم ينتبه اليها الحاضرون وقال:
– بجول ايه يا حاج عبدالعظيم، طالما احنا اتّفجْنا على كل حاجه تجريبا، يبجى انا بجول خير البر عاجله!، ايه رايك نكتب الكتاب؟، وأهو تبجى مَرَتُه شرعي برضيكي، يعني علشان يكونوا براحتهم، يتحدتوا سوا، هما الاتنين على حسب ما عرفت من ولدنا ابيشتغلوا في نفس المكان، فيبجوا يروحوا وييجوا سوا، أنا أضمن لك سيف ولدي برجبتي، لكن نفوس الناس سَوْ!، ممكن حد يجول حاجه ولا يتحدت بكلمة اكده ولا اكده، جولت ايه يا حاج؟!…
نظر عبدالعظيم الى زوجته والتى اعتلى وجهها علامات الحيرة ونقل نظره الى ابنته التي شحبت فجأة ونظرت اليه وعلامات الرفض تلوح في مقلتيها والتى انتبه اليها احمد الذي تدخل رغبة منه في ايجاد حل يرضي الطرفين:
– بصراحه عندك حق يا شيخ عبدالهادي

رواية ” جوازة نت” للكاتبة “منى لطفى” الحلقة الخامسة”

طالعت منة بنصر يدها اليمنى وابتسامة تختلج على محياها الفاتن، بينما يتخضب وجهها حياءا وقد غشيت عيناها نظرة حالمة شاردة، تتذكر ما حدث منذ سويعات قليلة!!…
بعد أن إنتهى الجميع من تبادل التهاني صدح صوت سيف مستأذنا حماه المستقبلي في رغبته بتقديم هدية لعروسه، وافق الأب وسط الزغاريد التي انطلقت من أمها وأمه تشاركهما أم محمود والتي دخلت بصينيه كبيرة صُفَّت فوقها كؤوس شربات الورد كالعادة في مثل هذه المناسبات، أفسحت زينب لولدها ليجلس بجوار عروسه بينما وقفت هي بجانب ابنها وهى تقول ببهجة عارمة فرحة بوحيدها وبعروسه الفاتنة:
– أُجعد إهنِه يا عريس، بعد إذنك يا حاج عبدالعظيم، العريس هيلبس عروسته هديِّتُه، وافق الاب بهزة من رأسه بينما تحدثت الأم الواقفة بجوار ابنتها بسعادة وهي ترى هدية سيف لابنتها والتي تنم عن فخامة ورقي في الذوق:
– تسلم يا سيف يا ابني، زوقك حلو بصحيح…
كانت الهدية عبارة عن خاتم من الذهب الأبيض مطعم بفصوص صغيرة من الألماس، يحمل فوقه فراشة رقيقة من الذهب الأصفر، بعد أن وضعه في بنصر يدها اليمنى والذي ناسب قياسها تماما وكأنه مصنوع خصيصا من أجلها، همس سيف لها بصوت منخفض:
– اول ما شوفته قلت هو دا، لونه ابيض زي قلبك، والفراشة دي زيك بالظبط، رقيقة..، وتسحر العقول!!…
لم تستطع منة الرد، وكاد وجهها أن ينفجر لشدة الخجل، قام أحمد بتسجيل هذه اللحظات السعيدة بآلة التصوير الرقمية الخاصة به، بعد ذلك دعا والديها سيف وعائلته للانتقال الى غرفة الطعام لتناول طعام العشاء، والذي كان معاناة بجميع المقاييس بالنسبة الى منة والتى جلست بجوار سيف بترتيب من أمها، طالعت منة أمها باستغراب فقالت تلك الاخيرة بضحك:
– اقعدي جنب عريسك يا منون، سماح انهرده بس، انما بعد كدا ما فيش لغاية كتب الكتاب…، ليعلو صوت سيف مرحا:
– طيب أنا بقول نكتب من بكرة ايه رأيكم؟، التفتت اليه منة شاهقة بدهشة في حين غمز أحمد قائلا بخبث:
– ايه يا عريس، هو سلق بيض؟، مش على طول كدا!!..
نظر سيف اليه من تحت جفونه بنصف عين وقال بمرح مفتعل:
– مش الكبار اتفقوا؟!،…يبقى خلاص!!، وعموما ريح نفسك أنا ومنة هنحدد سوا المعاد، ما تشغلش بالك انت!!…
تبادل الجميع الضحك متندرين على لهفة سيف لإتمام الزواج سريعا بعروسه، وان كان الأمر بيده لكان الزفاف وعقد القرآن في يوم واحد!!….
جلس الجميع في غرفة الجلوس بعد الانتهاء من تناول الطعام، وجلس العروسان في جلسة منزوية عن الجميع في أقصى طرف الغرفة بينما تجمع الباقيين في الطرف المقابل منها!!…
نظر سيف الى منة بنظرات هائمة وقال بصوت به بحة خفيفة من فرط سعادته:
– مبروك يا مُنايا!..، ما تتصوريش انا فرحان قد ايه!…..
أجابت منة وقد تخضب وجهها باللون الأحمر الشديد وهى تشيح ببصرها جانبا:
– الله يبارك فيك، قطب سيف بحزن مصطنع وقال:
– يا … إيه؟!، مش معقولة يا منة…، لغاية دلوقتي ما سمعتش اسمي منك لوحده كدا!، انت بئيتي خطيبتي فهمي نظمي رسمي، وقريب أووي هتبقى مراتي، ولسه مش بتكلميني الا رسمي !!..
ذكره لأمر عقد القرآن جعلها تنسى حرجها منه، ونظرت اليه في جدية قائلة بحنق خفيف:
– صحيح … كويس انك فكرتني!، احنا مش اتفقنا ان فترة الخطوبة دي تعارف ولو حسينا اننا مش متفقين يبقى نبعد في هدوء؟!، أقدر افهم ليه موضوع كتب الكتاب اللي انت فاجئتني بيه دا؟
كاد سيف أن يعض على أسنانه غيظا وقال بصوت حاول اخراجه هادئا بصعوبة ونجح الى حد ما وإن كان حمل بعضا من غضبه المكتوم:
– يعني أحنا لسه يدوب مقري فاتحتنا من نص ساعه، وانت بتتكلمي اننا نسيب بعض!، …زفر بعمق وتابع قائلا:
– انا مش فاهم ايه اللي مضايقك؟!، كتب الكتاب دا علشان تبقى خطوبتنا شرعية، ما نحسش بأي احراج واحنا بنتكلم، علشان نقدر نقرب من بعض من غير خوف وخجل، وبعدين انت بنفسك سمعت بابا وهو بيقول ان سميحة اختي سبق واتكتب كتابها وما حصلش نصيب وفكت وهى دلوقتي متجوزة وعندها طفلين، وبعدين كتب الكتاب دا هو الخطوبة الشرعية غير كدا أنا معرفوش ومش مؤمن بيه!!…
ارتفع قدر سيف في نظر منة، لأحساسها أنه يراعي حدود الله، ويتمسك بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولكنها لم تستطع اقصاء شعورها بالقلق والوجل نظرا لسرعة الاحداث، نظرت اليه وقالت في أسف:
– معلهش يا سيف، أرجوك ما تزعلش مني، كل الحكاية انى اتخضيت لما لاقيت الكلام على كتب كتابنا، وانا ماكنش عندي فكرة خالص ان باباك هيفتح الموضوع دا مع بابا، وانت ما قولتليش!!…
نظر سيف اليها بانبهار ولم يرسخ في ذهنه أيا مما قالته ما ان سمع همسها باسمه من بين شفتيها النديتين، وهتف:
– ياااااه!، ما كنتش أعرف ان اسمي حلو أوي كدا!، أسدلت منة جفنيها خجلا وكادت أن تتوارى من شدة الحياء، فيما تابع سيف بوله زائد:
– اول مرة أحب اسمي بالشكل دا!، ثم استدؤك مجيبا على الشق الثاني من كلامها:
– وبعدين…ماجاتش فرصة اقولك على موضوع كتب الكتاب، لأني مالقيتش تعارض بينه وبين الخطوبة، المهم دلوقتي ايه رأيك عاوز كتب الكتاب يكون في اقرب وقت؟!..
رفعت منة رأسها شاهقة بدهشة وهى تردد بذهول:
– ايه؟، في اقرب وقت!!، انت مش شايف انك مستعجل اووي؟….، نظر اليها سيف برجاء واجاب:
– لو عليا عاوزة بكرة ، لا … انهرده!، وعموما دا كتب كتاب بس ، ولو انى نفسي يبقى كتب كتاب وفرح مع بعض!!…
فتحت منة عينيها على وسعهما وقالت بانشداه:
– كتب كتاب وفرح مع بعض!، انت داخل على طمع كدا!، شوية شوية هلاقيك بتقولي يبقى بكرة!!..
ضحك سيف ضحكة رجولية عميقة دغدغت بصوتها الرنان قلبها الذي رفرف عاليا بين أضلعها، قال سيف من وسط ضحكاته:
– حلوة حكاية طمع دي!، ومالو لما أكون طماع في حقي!..
قطبت منة بحيرة وتساءلت بابتسامة خفيفة تعتلي محياها الجميل:
– حقك؟!..، أومأ سيف بالايجاب وأجاب بنظرة ملتهبة وصوت أجش محملا برغبة مكبوتة لاحتوائها بين أحضانه فلا يفلتها بعد ذلك أبدا:
– أيوة يا مُنايا،….إنتِ…..حقِّي!!…، لم تجد منة جوابا مناسبا للرد عليه، وارتبكت فآثرت السكوت، وشكرت الله في سرها عندما تقدم منهما شقيقها يمازحهما بأنه قد طال هذا الهمس الجانبي وآن الأوان لينزل كلا من الملك والملكة من فوق عرشهما وينخرطا مع باقي الرّعيّة !!….
عادت منة من رحلة ذكرياتها لهذا اليوم وهى تتحسس بابهامها خاتم سيف، أيقظها من شرودها صوت هاتفها المحمول، فحانت منها نظرة اليه لترتسم ابتسامة واسعه على وجهها الوضّاء ما أن طالعها اسم المتصل، فتحت عليه واجابت بهمس العصافير:
– السلام عليكم ، فأجابها سيف بصوت حنون:
– وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، نِمتِ؟، هزت منة رأسها رفضا ثم انتبهت لعدم استطاعته رؤيتها فأجابت بخفوت:
– لأ….، لسه..،ثم سكتت و….صمت !!، لم تعلم منة ماذا تقول وانتظرته ليبدأ الكلام، طال سكوته، فأعتقدت أن النوم قد غلبه، فنادته همسا:
– إنت نِمت؟!، سمعت صوت أنفاسا عميقا حتى كادت تقسم أنها شعرت بسخونة أنفاسه اللاهبة بينما يقول في صوت هامس دغدغ أوصالها:
– لا يا مُنايا، ما نمتش، بس صوت نفسك خلاني مش قادر أتكلم!
لم تعلم منة بما تجيبه، وارتبكت وقالت في دهشة حائرة:
– صوت نفسي؟، ثم ضحكت ضحكة رقيقة وتابعت:
– هو النفس ليه صوت؟، اجاب سيف بيقين تام:
– أكيد!، يعني مثلا كنت حاسس بصوته دلوقتي زي ما يكون بيهمس لوداني، كفاية أنى أقعد أسمعه كدا، وأسرح معاه!!، ابتسمت منة وقالت بخفر:
– واضح انك مش مهندس شاطر وبس، لا… وشاعر شاطر كمان!!..
ابتسم سيف وأجابها بهمس محبب:
– انت اللي خلتيني شاعر، من يوم ما شوفتك وحاجات كتير أوي اتغيرت فيا!!، ها… مش هتكلميني شوية ، انا اللي عمال أتكلم؟!.، همست منة :
– ما انا مش عارفة أتكلم أقول ايه؟!، عموما طمنِّي اخبار عمي وطنط ايه؟..
أجاب سيف وهو يعتدل فوق فراشه ساندا رأسه الى ظهر الفراش، وقد ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجهه ولم يرد ان يثقل عليها بمشاعره العميقة فهو سيسقيها حبه بالتدريج حتى تتشبع به خلاياها تماما كما تشبعت جميع مسام جسمه عشقها:
– الحمدلله كويسين، فرحانين جدا طبعا، وبيقولوا انهم كانوا خايفين من كتر ما كنت رافض موضوع الجواز ، انى لما آجي أتجوز أختار واحده ما تعجبهموش ، لكن الحاج عبد الهادي قالي بالحرف – وقلّد لكنة والده الصعيدية في الكلام -:
– سيف يا وَلَدي… إنت وِجِعت واجف!، الحمد لله، ثم ضحك وتابع :
– والحاجة أم سيف بقه قالت فيكي قصايد شعر، مال وجمال وحسب ونسب كاملة وما كامل الا وجه الله…
لم تستطع منة كبت ضحكاتها أكثر من هذا وهى تستمع الى طريقة سيف في تقليد أمه في الكلام ، سكون تام حل على سيف ليقول بعد أن هدأت ضحكاتها بصوت أجش من شدة ما يعتمل بداخله من فوران في مشاعره الجيّاشة:
– ايه دا؟، دي ضحكة ولا تغريد كروان؟!، خجلت منة بينما تابع هو بلهجة تقرير أمر واقع:
– إوعي تضحكي الضحكة دي قودام حد!، مهما كان!، أنا بس المسموح له يسمعها وتضحكيهاله… بس!… غير كدا مرفوووض!
أجبات منة بتساؤل وتقطيبة خفيفة تعتلي جبينها:
– وليه يعني؟، وايش معنى انت بس؟، ايه واسطة؟..، ثم تابعت بجدية مصطنعه:
– لا لا لا معنديش كوسة هنا، مابحبهاش!!…
قال سيف بمرح لا يخلو من الجديّة:
-لاني جوزك حضرتك، عرفت ايش معنى انا بس؟
هزت منة كتفها بلامبالاة وقالت باستفزاز لم يرُق له:
– بس انت ما بئيتش جوزي!، زفر سيف عميقا وأجاب:
– صحيح، ما قولتليش… ايه رأيك نكتب الكتاب يوم الخميس اللي جاي؟
أبعدت منة الهاتف عن أذنها ونظرت اليه مصعوقة، ثم أعادته ثانية الى أذنها وقالت بذهول تام:
– خميس مين ونكتب أيه؟، قال سيف بصبر:
– الخميس اللي جاي دا، وهنكتب ايه يعني يا منة؟، كتاب حياتي يا عين؟!، هنكتب كتابنا طبعا!!..
منة بعدم تصديق :
– انت قصدك الخميس اللي جاي اللي هو بعد تلات ايام دا؟، بما اننا انهرده الاتنين فاللي هو بعد التلات والاربع؟….
كتم سيف ضحكته وأجاب:
– أيوة يا مُنايا…تمام ..، شطورة …بتعرفي تحسبي صح!، هو دا بشحمه ولحمه!!…
عبست منة وأجابت ساخرة:
– يا راجل!، وجاي على نفسك ليه كدا؟!، ما تخليه بكرة وأهو خير البر عاجله وخلاص!، ثم تابعت من دون ان تدع له المجال للرد :
– هو انت فاكر نفسك رايح تكتب اسمك في ورقة وتمشي؟!، يعني معلهش مش كتب الكتاب دا له استعدادات؟، وأولها لااااازم أكون أنا شخصيا مستعدة؟!، إلا إذا حضرتك عاوز تكتب حاجة تانية غير كتب كتابي أنا وانت؟… ساعتها براحتك، اكتب اللي نفسك فيه، بس خلي بالك مش هقراه!، سايرها سيف في كلامها وسألها في جدية مصطنعه:
– وليه بقه ان شاء الله مش هتقريه؟، ايه دون المستوى!!..
اجابت بجدية مطلقة:
– الملخص من اوله كدا مش عجبني، وشكله هيطلع كتاب مقاولات، تمام زي أفلام المقاولات كدا، وانا ماليش في اللون دا!…
أطلق سيف ضحكة رجولية عميقة مست شغاف قلبها وجعلت ابتسامة حالمة لا ارادية ترتسم على وجهها الفاتن وقال :
– تصدقي أنا الاول كنت عاوز اتخانق معاكي، لكن بعدين مقدرتش امسك نفسي من الضحك،واضح فعلا ان حياتنا مع بعض مش هيكون فيها أي ملل!!، هدأت ضحكاته وتابع بنبرة جادة لم تخلو من شجن أثار لديها مشاعر غريبة عنها تختبرها معه لأول مرة:
– علشان خاطري يا منة، خلينا نكتب الكتاب في أقرب فرصة، انت ماتتصوريش نفسي أغمض وأفتح الاقي الحدود والحواجز دي اتشالت ما بيننا، الفرح ممكن نأجله شوية، لكن على الأقل وأنا بتكلم معاكى زى دلوقتي أكون مش حاسس انى بعمل حاجه فيها شبهة..، ايه رايك؟..
لم تعلم منة بما تجيبه، فوجهة نظره منطقية وهى لا تملك سوى الاعجاب بها، فهو يخشى الله في علاقته بها، ولا يريد سوى التقرب منها بدون أن يتكبل ضميره بعبأ ذنب من السهل تجاوزه!!..
أجابت ببعض التردد:
– طيب نخليه بعد شهر!، أجاب سيف بنزق:
– ايه شهر؟، بقه أنا يا مفترية بقولك عاوزُهْ بعد تلات أيام تقوليلي شهر؟، تنفس عميقا ثم تابع بجدية:
– بصي يا منة، هما اسبوعين، ودا آخر كلام عندي ، ثم تابع بلهجة ليّنة لإستمالتها:
– المفروض دى حاجه تفرحك، وتخليكي تتأكدي أنى فعلا جاد جدا في ارتباطي بيكي، وعمري ما هفكر تاني، وانا متأكد انه نفس الاحساس دا هيكون عندك، بس انت اديني الفرصة انى أقنعك ان خوفك دا مالوش أي مبرر!!..
أجابت منة وقد بدأ تشبثها بالرفض يتفكك ولاح التردد في نبراتها:
– يعني أنت مش هتنفع تقنعني الا لو كان مكتوب كتابنا؟..
قال سيف بمكر جعل الدماء تتدفق الى وجنتيها:
– اكيد!، يعني مثلا لو عاوز أقولك كلمة أو انقل لك شعور معين، مش هعرف وانت هتتكسفي، لكن واحنا مكتوب كتابنا أنا مش بعمل حاجه غلط، ولا هخاف حد يسمعني ولا حاجه، وفي نفس الوقت أهلك هيكون قلبهم جامد واحنا بنتكلم ولا حتى واحنا خارجين سوا …
أجابت منة بتلعثم:
– طيب…، هتف سيف:
– طيب ايه؟..
منة بخجل:
– طيب يا سيف، طيب!!، تأوه سيف عاليا وقال بحماس مندفع:
– من بكرة هكون عندكم علشان اقول لوالدك على المعاد، لو بابا ماكانش مسافر بكرة كان جه معايا ، لكن للاسف الحاج والحاجة لازم يسافروا الصبح الحاج وراه مصالح مش هيقدر يعطلها…، انما ما قلتيش عاوزة شبكتك تبقى ايه؟
قضمت منة باسنانها اللؤلؤية شفتها السفلى كعادتها لدى شعورها بالتوتر، وقالت بخفوت:
– الشبكة دي زي بابا ما قال ، هديتك ليا، تبقى على زوقك انت..
سيف بحنان وحب شعرته في نبرات صوته:
– لو عليا انا عاوز أجيب لك أغلى وأجمل حاجه وبردو يبقى شوية عليكي، والمهر زي ما باباكي قال ، اللي في مقدرتي، وانا مش هبخل عليكِ بحاجه ابدا، وبكرة بإذن لله هتفق مع باباكي في كل حاجه، أنا رأيي كتب الكتاب يبقى عائلي، يعني نكتب في المسجد ، انما الفرح نكون مرتبين له قبلها ليكي عليا أعمل لك أجمل فرح في #مصر كلها، ونعزم ان شالله حتى الدنيا بحالها، ايه رأيك؟
أجابت منة بخجل :
– اللي تشوفه..
أنهت مكالمتها مع سيف بعد حديث طال لأكثر من ساعتين، لا تعلم ما هذا الشعورالذي يغزوها كلما حادثها سيف بصوته القوي الرخيم، تشعر بدغدغة في مشاعرها لا تعرف لها إسما، هي لا تعلم ان كانت قد تسرعت بالاستجابة لرجائه بتعجيل موعد عقد القرآن ولكن ما هي على يقين منه أنها بذلك تكون قد اتقت الشبهات، فلا تشعر بالذنب اذا ما همس لها سيف ببضع كلمات جعلت أوصالها تغدو كالهلام كما حدث في نهاية مكالمتهما اذ همس لها بنبرة شجن وحنين:
– تصبحي على خير يا مُنى عمري كله، ثم بنبرة أشد خفوت:
– بحبك…، لينهي المكالمة تاركا اياها وقد شعرت بحرارة جسدها تكاد تقارب الاربعون، وفوران في مشاعرها الداخلية، وسخونة في وجهها حتى انها كادت تقسم أنه غدا كثمرة الطماطم الناضجة تماما!!…
اتفق سيف مع والدها على التفاصيل الاعتيادية الخاصة بزواجهما، لم يكن ينفردا بها في العمل الا نادرا،أما مساءا فكانت مكالمتها المعتادة والتي غدت بالنسة الى منة كطقوس يومية لا تستطيع النوم بدونها، ولكنه لم تهاتفه هي ولا مرة، فكان هو دائما الباديء بالاتصال، وكان يمازحها قائلا أنه لن يغضب لعدم مهاتفتها له، لعلمه بخجلها ولكن بعد عقد القرآن سيكون لكل حادث حديث وقتئذٍ!!…
فرح الجميع لنبأ خطبتهما، وباركوا لهما بفرحة من الاعماق، فقد استطاعت منة اكتساب #حب واحترام الجميع في تلك الفترة القصيرة التي عملت بها في المكتب…..
أوشك الاسبوعين على الانتهاء واقترب موعد عقد القرآن والذي تم الاتفاق على أن يكون في مسجد ( …… ) الشهير، وتمت دعوة جميع الاقارب من الجهتين، لحضور عقد القران، ثم بعد ذلك تمت اعداد وليمة كبيرة لأفراد العائلة المقربين فقط لدى منزل عبد العظيم والد منة….، ولكن…..حدث شيئين في تلك الايام القليلة التي سبقت عقد القرآن، كانا عبارة عن…مكالمة هاتفية و….زيارة غير متوقعة كان لهما دور كبير في مُجْرَيَات الأحداث بعد ذلك!!….
أما المكالمة الهاتفية فكانت بين عواطف والدة منة تدعو فيها شقيقتها الوحيدة سهام والمقيمة في الاسكندرية لحضور عقد قرآن ابنتها، والتي ما ان علمت بالنبأ حتى سكتت مصدومة، وعندما شعرت بدهشة عواطف شقيقتها لصمتها المباغت، انتبهت من صدمتها وهنأتها بخطبة ابنتها وقالت في معرض حديثها ما أزاح النقاب عن صدمتها أول الأمر:
– مبروك يا عواطف يا حبيبتي، انت عارفة منة غالية عندي أد ايه ، لو أقولك يمكن أغلى من رانيا بنتي …
أجابت عواطف بحنان:
– عارفة يا سهام طبعا، وولادك غاليين عندي اوي، ربنا يفرحك بشهد بنت رانيا، وعقبال نادر… ايه لسه مش ناوي نفرح بيه؟، ابنك مش صغير يا سهام ساكتة عليه ليه؟ دا احمد اللي أصغر منه بسنتين عاوز يخطب، واحده زميلته في الشغل ومنة بتشكر فيها اوي، قلنا بعد كتب كتاب منة ان شاء الله نروح نخطبها له..
زفرت سهام بيأس مطلقة تنهيدة عميقة وقالت:
– أعمل ايه يا عواطف.. مش بإيدي؟!، لو عليا نفسي أجوزه وأفرح بيه انهرده قبل بكرة، انت عارفة هو ورانيا اللي طلعت بيهم أنا وشوقي من الدنيا، لكن أقول ايه اللي كان عاوزها ومستنيها راحت لأبن حلال تاني، بس على الله يكون يستاهلها بجد!!…
عقدت عواطف جبينها وقالت بحيرة:
– هو نادر كان حاطط عينه على حد؟
اجابت سهام بأسف:
– كان يا عواطف… كان!!…..
اجابت عواطف وقد بدأ عقلها يعمل سريعا على ربط المعلومات التى اخبرتها بها أختها بعضها ببعض:
– وانتو ليه ما فاتحتوش اهل البنت؟…
سهام بحزن على ابنها عندما يعلم بخطبة فتاة احلامه لغيره بل ودعوته هو ليكون شاهدا على عقد القرآن كما أخبرتها شقيقتها:
– كانت بتدرس، واحنا عارفين انه باباها رافض أي كلام في الموضوع دا لغاية ما تخلص، وسبحان الله لسه مخلصة مابئالهاش شهرين، ونادر كان مشغول اليومين اللي فاتوا دول في كم فوج سياحي لشركة السياحة اللي هو ماسكها، وكان ناوي آخر الاسبوع ننزل #مصر ونتقدم رسمي بعد ما افاتح مامتها طبعا، بس نعمل ايه بقه؟…، القسمة والنصيب!!..
هتفت عواطف بينما رنا الى سمعها حشرجة بكاء من الطرف الآخر :
– انت… انت قصدك.. منة بنتي؟
قالت سهام وسط غصات بكائها:
– كان قايم نايم يحلم بيها يا حبيبي، وكل ما اقوله افاتحِك ولا ألمّح لك يقولي يا ماما عمي عبدالعظيم رافض أي كلام خالص ولما حد بيفاتحه بيرفض من غير حتى ما يعرفوا منة، انما نقول ايه، حد كان عارف انها اول ما هتتخرج هتتخطب على طول، زي ما يكون العريس واقف ع الباب!!،،،
قالت عواطف بحزن على حال شقيقتها وابنها الذي بمكانة احمد ابنها:
– معلهش يا سهام، مش هقولك لو كنت قولتيلي، لأن كل شيء قسمة ونصيب ، وان شاء الله ربنا يوفقه في واحده أحسن من بنتي كمان…
أنتهت المكالمة ولاحظ عبدالعظيم شرود زوجته الواضح فسألها فسردت له ما دار في المكالمة بينها وبين شقيقتها فقال بأسف لحال نادر والذي يكن له معزة خاصة:
– لا حول ولا قوة الا بالله، انما هقول ايه، كل شيء قسمة ونصيب، ونصيبهم مش مع بعض، نادر راجل بجد ولو كان عندي بنت تانية كنت روحت وخطبته هو ليها بنفسي….
ثم طلب منها عدم اخبار أي كان بهذا الامر خاصة منة..
أما الزيارة الغير متوقعة فكانت من…. غادة!!..
فاجئت غادة منة بزيارتها في مكتبها وبعد تبادل التحيات اخبرتها غادة برغبتها في ان ترافقها منة لشراء ما يلزم من أدوات ولوازم التشطيب الداخلي..
فتشت منة عن سيف لابلاغه بمرافقتها لغادة ولكنها علمت من نشوى انه بالخارج في احد مواقع البناء، فأخبرت احمد شقيقها الذي مازحها بشأن رغبتها بأخذ الإذن من سيف قبلا، فأخبرته بترفّع :
– دا شغل، يعني من الآخر أروح ولا أفضل والزبونة تطير مننا؟!..
هتف أحمد:
– لا لا لا، روحي طبعا، زبونة مين دي اللي تطير؟!، دا احنا عاملين لها شغل كتير اوي ، والمكتب هيكسب من وراها غير الارباح المادية شهرة جامدة جدا….
بعد ساعتين قضتها كلا من منة وغادة في جولة شرائية مكوكية، زارا فيها نسبة كبيرة من المعارض المخصصة لهذا الأمر، دعت غادة منة لاحتساء كوبين من العصير في مقهى قريب قبل رحلة العودة…
اثناء احتسائهم لعصير البرتقال الطازج تحدثت غادة بتلعثم طفيف قائلة:
– منة ممكن أسالك سؤال؟
أشارت منة برأسها بنعم هاتفة:
– اكيد…. اتفضلي!!…
تابعت غادة وهى تنظر الى كأس العصير القابع بين أصابعها البيضاء الطويلة وقالت بصوت تشوبه بعض المرارة بينما لمعت عيناها بدموع محبوسة:
– يمكن تستغربي للكلام اللي هقوله، خصوصا ان فترة تعارفنا مش كبيرة اوي، لكن صدقيني أنا ارتاحتلك جدا من أول ما شوفتك، ويمكن لأني ماليش أصحاب هنا خالص ، وطارق شبه مانعني من أن يكون لي أصدقاء الا في أضيق الحدود، ويكون بمعرفته هو ومن خلاله هو ولازم أقدم معلومات وافية عنهم، وهو يقرر اذا كانوا مناسبين ليا ولا لأ!، علشان كدا عاوزة آخد رأيك في حاجه، هي يمكن خاصة شوية ومحرجة شويتين، بس انا مقدرش اتكلم مع حد ولا حتى مع ماما، بيني وبينها بلاد ومش هتقدر تعمل لي حاجه!،،،
عقدت منة جبينها في تساؤل وقالت وهى تشير بيدها الى غادة تدعوها لمتابعة كلامها:
– اتفضلي يا غادة ، انا يمكن دي تاني مرة اشوفك فيها ، ومعظم كلامنا عن طريق التليفون بس بجد انا كمان ارتحتلك اوي، وحسيت انك في مقام أختي بالظبط، قولي يا حبيبتي اللي انت عاوزاه وتأكدي ان اللي هتقوليه ولا… كأني سمعته!!…
لعقت غادة شفتيها بطرف لسانها قبل ان ترفع عينيها الى منة قائلة باهتزاز واضح:
– الواحده اللي بتشك في جوزها، وعندها نسبة يمكن اكتر من 90% ان شكها دا في محله، مش من حقها انها تدوّر وراه علشان تتأكد اذا كان شكها دا صح ولا لأ؟؟
قطبت منة مجيبة وهي تطالعها بجدية:
– تدوّر وراه إزاي يعني يا غادة؟، قصدك تفتش في موبايله مثلا ومحفظته وكدا؟!
أشارت غادة برأسها ايجابا فقالت منة بهدوء ونظرة ثاقبة تعتلي عينيها:
– طيب خليني معاكي واحده واحده، لو شكّها طلع صح…وهو بيعمل فعلا حاجه غلط …وفتشت ولاقيت انها على حق ومش ظالماه ، هيبقى قودامها حل من اتنين – وأشارت بإصبعيها السبابة والوسطى – يا تواجهه يا تسكت كأنها معرفتش حاجه،…. مالت منة على الطاولة المستديرة التي تفصل بينهما في حين أولتها غادة كامل انتباهها فيما تابعت منة بهدوء شارحة وجهة نظرها:
– لو واجهته يبقى حاجه من اتنين – وعدّـ على أصابعها – يا إما هيعتذر ويبوس الايادي ويحلف انه غلطان ومش هيعمل كدا تاني…، يا إما هيقولها أنا كدا بقه وان كان عجبك وأعلى ما في خيلك اركبيه ، والغلط اللي كان بيعمله وهو مداري علشان مش عاوزها تعرف يعني ممكن نقول بيراعي مشاعرها يا ستي ، هيبقى على عينك يا تاجر!!، ولو اعتذر وقبلت اعتذاره هتشكّ في كل خطوة وكل كلمة هيقولها بعد كدا، وحياتهم هتبقى نار، نار غيرة وشكّ على طول ، طيّب لو اتجاهلت وعملت نفسها مش واخده بالها ؟!، هتسقط من نظر نفسها…وهييجي وقت هتنفجر فيه، هتكون عاملة زي حلة الضغط عماله تضغط في نفسها تضغط تضغط لغاية ما تنفجر!، وللأسف نتايج الانفجار دا ممكن تبقى مُدمِّرة، هتقوليلي أومال إيه الحل؟، هقولك!!..
صمتت منة قليلا ثم تابعت وغادة تتحرق لمعرفة ما ستقوله:
– فيه آية في القرآن بتقول ما معناه … بسم الله الرحمن الرحيم” لا تسألوا عن أشياء إن تُبدَ لكم تسوءكم”، صدق الله العظيم، بمعنى بلاش تفتشي ورا جوزك، وحاولى تتقربي من ربنا أكتر، عارفة لما بكون متضايقة أو أي حاجه مزعلاني بتوضى وأفرش سجادة الصلاة وأصلي، أول ما بقف على سجادة الصلاة بحس انى بقيت في معيّة الله، ببكي لربنا وبدعي له وبيسمع منى، من غير وسيط، الصلاة دي أسرع وسيلة علشان تتواصلي بيها مع ربك، عاوزة تدعي… صلّي، عاوزة تطلبي حاجه… صلّي، عاوزة تشكري ربك… صلّي، مخنوقة ومش عارفة مالك…صلّي واتكلمي معاه، سبحانه وتعالى بيسمعنا من فوق سبع سماوات، وقال لنا ” وقل إدعونى أستجب لكم “، أمرنا بالدعاء وأوجب عليه سبحانه الاستجابة، صدقيني يا غادة ، نبشك ورا جوزك مش هينفعك، ادعي له بالهداية، لازمي الاستغفار على طول، وربنا ان شاء الله هينور لك بصيرتك..
انفجرت غادة في بكاء حار وهى تكتم فمها بكفيها الاثنين قائلة من بين دموعها الغزيرة:
– بس انا نبشت وعرفت، ويا ريتني ما عرفت يا منة، يا ريتني ما عرفت…، ثم ألقت برأسها فوق الطاولة دافنة رأسها بين ذراعيها، وقد افترش شعرها الناعم الطاولة حولها، بينما دموعها تنساب مغرقة وجهها، شهقت منة بخوف وقالت وهى تحاول رفع رأس صديقتها المنتحبة:
– غادة حبيبتي، غادة اهدي، ثم رفعت كأس الماء الموضوع أمامها ونثرت بضع قطرات منه على وجهها، وأمسكت براسها من الخلف وساعدتها على ارتشاف بعضا منه وسط نظرات الدهشة والحيرة من رواد المقهى، بعد أن تمالكت غادة
أنفاسها قليلا ، سألتها منة:
– هديتي يا غادة؟، أومأت غادة برأسها ايجابا وقالت:
– الحمدلله، تابعت منة :
– بصي لو مش عاوزة نتكلم دلوقتي أجليها لبعدين!!..
أشارت غادة بيدها بالنفي بقوة بينما انشغلت بمسح أنفها وعينيها بمنديل ورقي ثم تحدثت بصوت ممزوج بغصات بكاء حار:
– لا يا منة، أرجوكي أنا عاوزة أفضفض علشان أرتاح، أنا… من زمان وأنا شاكة في طارق، انا وطارق اتعرفنا واتجوزنا في شهر تقريبا، كان في اوروبا وكان بينه وبين بابا شغل، شافني في حفلة من الحفلات اللي بحضرها انا وماما مع بابا لزوم شغله، وعجبته، حاول يتقرب لي كتير لكن أنا مع اني متربية هناك لكن تربيتي كانت شرقية، ما فيش حاجه اسمها اصاحب ولد، وكنت مادة للسخرية في المدرسة، كانوا مستغربين منى اوي وبيسموني المعقدة ، تقريبا كنت تحدي بالنسبة لطارق، ابتدى يغير طريقته معايا بدل الغزل المباشر،ابتدى يتكلم بلطف ويلمح أنه بعيد عن أهله وبلده وانه حاسس اننا كأهل له هناك، وفاجئني مرة واحده انه اتقدم يخطبني!، بصراحه انا مش هكدب طارق دمه خفيف وشخصيته ساحرة، وأنا كنت ابتديت أميل له فعلا واغير فكرتي عنه، وحبيته!، حبيته بكل مشاعري اللي كنت شايلاها جوايا للانسان اللي هرتبط بيه في النور، وعشت معاه بعد الجواز 10 شهور في الجنة، لكن شوية بشوية ابتدا يتغيّر، سهر لوش الصبح، وسفر ، ولما أسأله يقول لي شغل، حاسيت انى زي ما اكون موظفة عنده بس بدرجة زوجة!، يعني أخرج معاه في المناسبات الرسمية ، استقبل معاه الضيوف اللي لهم علاقات بيزنيس معاه، مش أكتر !!، وابتدت الخلافات بيننا، وزادت أكتر بعد الحمل ما إتأخر وكنت مصممة نروح نكشف، انما هو فاجئني وقال انه مش بيفكر في الاطفال دلوقتي ونسيب الموضوع بظروفها!!، لغاية ما الشك دخل قلبي وبالتحديد من 6 شهور بالظبط!!، مكالمات مريبة، يقعد بالساعات على الموبايل بتاعه ولا التاب ولما أسأله يقول لي أصحابي وبيعمل شات معهم، لحد ما في يوم نزل ونسي الموبايل بتاعه، الموبايل بتاعه له باس وورد، قعدت أجرب وفجأة قلت أجرب عيد جوازنا، وفعلا طلع صح، ودخلت على الاسكاي!!…، تهدج صوتها عندما وصلت في سردها للاحداث عند هذه النقطة ثم مسحت عينيها وتنشقت عاليا لتبعد الدموع عن عينيها وتابعت بصوت متألم مجروح:
– ما تتصوريش حالتي كانت عاملة ازاي لما شوفت القرف اللي على جهازه!!، فيديوهات وكلام في منتهى السفالة!!، عمري ما كنت أتصور ان جوزي يعمل كدا!!، حاجات في منتهى القذارة!! ، وطبعا فتشت في الفوتوز، والواتس!!… ايه كمية القرف دا!، يومها من كُتر قرفي طلعت جري على الحمام وقعدت أرجّع لدرجة انى حاسيت ان معدتي هتخرج من كتر الترجيع!!، وطبعا بعد ما هديت شوية قفلت الموبايل ورجعته مكانه تاني وقفلت كل الحاجات اللي فتحتها، ثم ضحكت بسخرية وتابعت:
– تصدقي انه يومها كان رايح الهرم واحنا ساكنين في القاهرة الجديدة، وهو في نص المسافة افتكر الموبايل…. رجع المسافة دي كلها تاني علشان ياخده!!، أنا لسه فاكره شاكله أول ما دخل عليا وانا قاعده عملت نفسي بقرا في مجلة كانت قودامي مسكتها اول ما سمعت الباب بيتفتح، بص لي بصة فيها قلق، على سؤال نفسه يسأله، على…خوف غريب عمري ما توقعت إني أشوفه في عينيه!، وسألني بلهجة غريبة عن موبايله، قلت له إني ما شوفتوش، دخل المكتب لاقاه مطرح ما كان سايبه، وقعد يتكلم معايا زي ما يكون بيجس نبضي، وانا معرفش ربنا اداني المقدرة يومها انى ابين له انى عادية جدا، واللي خلاه يقتنع نى فعلا معرفش حاجه …. انه اتصور انى مش ممكن أفك شفرة الموبايل، قوليلي يا منة أتصرف ازاي؟، انت عارفة ان فيلا العين السخنة دي هديته ليا؟!، زي ما يكون قلبه حاسس انى متغيرة، عارفة لما بيقرب مني جسمي بيقشعر ولما بيـ….، ببقى عاوزة أقوم أرجع في ساعتها، أنا تعبانه، تعبانه ومش عارفة أعمل ايه؟!!..
ربتت منة على يد غادة وقالت بتعاطف بينما داخلها يغلي كالمرجل تريد رؤية هذا الـ… طارق الذي باع نفسه للشيطان، ولتكشف له غبائه الحاد الذي سيجعله يخسر قلبا محبا مخلصا كقلب غادة،كنتيجة طبيعبة لخيانته لها …، فما حدث عبارة عن خيانه بجميع المقاييس حتى وإن كانت…. خيانة… نِت!!، ولكنها حاولت التخفيف عنها وتجنبت مشاعرها الحانقة تلك قائلة بتعاطف شديد:
– غادة حبيبتي.. لازم تكوني أقوى من كدا، انت بتحبي جوزك، وواضح كمان انه بيحبك بدليل جوازه منك، انا معاكى انه ممكن يكون اتجوزك لانك ما استجبتيش لمغازلته ليكي من الاول، لكن أنا متأكده انه #حبِّك، بدليل انكم قعدتم 10 شهور في منتهى السعادة زى ما قلتيلي، يمكن زهق من الاستقامة او اصحابه اللي هما اصحاب الشر هما اللي دفعوه انه يرجع للطريق دا تاني، وأكيد انه بعيد شوية عن ربنا، فشيطانه قدر يلعب بعقله، فيه حاجات كتير اوي ، وانا مش ببرر له خيانته لان الخيانة مالهاش تبرير، لكن عاوزاكي تحاولي مرة واتنين انك تنقذي جوزك من المستنقع دا، حاولى علشان ما ترجعيش تندمي وتقولي يا ريتني حاولت، بصي يا غادة محدش معصوم من الخطأ، واحنا بشر…، وربنا علشان كدا من رحمته بينا عمل لنا التوبة، وطمنا انه هيقبلها مننا بشرط تكون توبة نصوحة، وانها بتمسح الذنب لو كانت صادقة فعلا، غادة حبيبتي لازم تحاولى تنقذي جوازكم ،انت لازم تحاولى تنشليه من البير اللي هو وقع فيه برجليه، لازم يا غادة، صدقيني …. انت اللي هتكسبي في الاخر، انا متأكده انه جوزك جواه بذرة كويسة ، ما فيش حد حلو مطلق أو وحش مطلق، لكن احنا اللي بنمّي بذرة الخير او بذرة الشر بإيدينا، حاولى يا غادة، ادعي ربنا، واستعيني بالصلاة والصوم وقراية القرآن، وربك بإذن الله هيفك كربك، واوعي تعرّفيه انك عرفتي حاجه، علشان ما تقلبش عِنْد ويقولك وان كان عاجب!!، خلاص حبيبتي؟!!..
ابتسمت غادة من بين دموعها وقالت :
– ما تتصوريش كلامك زي البلسم الشافي ازاي يا منة، هحاول، ادعيلي يا منة…ادعيلي علشان خاطري….
قالت منة بابتسامة:
– هدعيلك حبيبتي في كل وقت انه ربنا ينور بصيرتك ويفك كربك ، بس ممكن نقوم بقه علشان الوقت سرقنا؟!..
نظرت غادة الى ساعتها اليدوية فشهقت متفاجئة:
– احنا قاعدين هنا بئالنا ساعتين؟، انا آسفة يا منة أخرتك معلهش ياللا بينا…
وغادرا المقهى بعد أن قامت غادة بدفع الحساب وسط اعتراض منة ولكن الأخرى أصرت أنها هي من دعتها، ولكن لتكون هناك مفاجأة من نوع آخر في انتظارهما عند وصولهما لسيارة غادة!!، فلدى قيام غادة بإدارة المحرك…… رفض المحرك أن يبدي أي استجابة!!، حاولت مرة واثنتان ولكن… لاحياة لمن تنادي!، فاضطرت غادة بعد أن اعتذرت لمنة أن تقوم بالاتصال بزوجها مرغمة خاصة وان مكان عمله لا يبعد كثيرا عن المكان اللذي هما فيه، تلقى اتصالها واخبرها انه سيوافيهما حالا، وبالفعل لم تكد تمر عشرة دقائق الا وكان طارق يصف سيارته بجوار سيارة زوجته…
اخبرت غادة زوجها انها خرجت في جولة شرائية لابتياع لوازم التشطيب الداخلي للفيللا وانهما توقفتا هنا لاحتساء بعض العصير والتماسا للراحه، ولا تدري ما سبب توقف سيارتها ليفاجئها زوجها انها وكالعادة قد قامت بتشغيل مصابيح انتظار السيارة وتركتها لفترة طويلة مما تسبب في توقف البطارية الضعيفة اصلا والتي لا بد من تغييرها، فقد طلب من أحد العمال لديه أخذ السيارة لورشة تصليح السيارات لتغيير البطارية، وكان من المُزمع عليه استبدالها اليوم أوغدا، ولم يعد أمام منة سوى قبول عرض طارق بتوصيلها بعد رفضه رفضا قاطعا لاستخدامها سيارة أجرة وساندته في هذا غادة وبقوة!!..
أوقف طارق السيارة أمام محل عمل منة، التى نزلت ومالت على زجاج النافذة المجاورة لغادة لتشكرها على ايصالها، وتركتها مع وعد على الاتصال بها، وقد دعتهما لحضور عقد قرآنها مقدمة اليهما بطاقة الدعوة المذهبة أطرافها….
دخلت منة الى المكتب فوجدت نشوى جالسة تحاول الاتصال بهاتفها المحمول، مالت فوق المكتب ممازحة اياها:
– ايه يا نونو….. بتعاكسي مين؟؟، شهقت نشوى متفاجئة، ثم أجابت بلهفة:
– منة!، خضتيني،، انت فين؟ أتاخرت ليه كدا؟، هزت منة كتفيها بلامبالاة مجيبة:
– أبدا، لفينا على بتاع 550 معرض كدا، وشربنا عصير، و…..، قاطع استرسالها صوتا قويا يقول بأمر لا يقبل النقاش:
– لو سمحت يا منة عاوزك!!. قطبت منة دهشة من طريقة سيف في الحديث، ولكنها توجهت اليه وهى مبتسمة قائلة:
– نعم يا فندم، يا ترى حضرة المدير عاوزني في ايه؟
ما ان أغلق الباب خلفها حتى أمسك بمرفقها بشدة آلمتها ومال عليها قائلا بغضب مكبوت من بين أسنانه:
– تقدري تقوليلي يا هانم عربية مين اللي انت نازلة منها دي؟، شهقت منة بذهول قائلة:
– إيه؟!، تابع سيف بسخرية وهو يشد على مرفقها بقسوة:
– أقولك أنا!، دي عربية طارق بيه!، اللي اعرفه أنك خرجت مع مراته، ايه…..سابتكم في نص المشوار وكملتِ أنت وهو؟!!
نظرت اليه منة باتسغراب لوهلة ثم ما لبثت نظراتها أن شابها البرود وقالت بصوت ثلجي وهى تنظر الى يده القابضة على مرفقها:
– سيب دراعي يا سيف!. هتف بقوة :
– انا بسأل سؤال دلوقتي وعاوز اجابته… ايه اللي خلاكي تركبي مع طارق دا؟..
أجابت منة بحده بالغة وهى تحاول جذب مرفقها بشدة من قبضته القوية:
– وانا بقولك سيب دراعي أحسن يا باش مهندس!!…
ترك سيف مرفقها ونظر اليها بدهشة ما لبثت ان تحولت لغضب ساحق وهو يقول:
– وكمان بتؤمري؟!، انت بتهربي من الاجابة ليه؟، واحده زيك بعد ما جوزها شاف اللي انا شوفته دا لازم تدافع عن نفسها مش تتكلم بكل وقاحه كدا!!…
نظرت اليه منة وقالت بصوت أصابه الجمود ونظرات خاوية:
– أولا انت مش جوزي!، تاني حاجه …لهجة الاتهام اللي انت بتكلمني بيها دي أنا برفضها، تالت حاجه بقه…. تقدر تعتبرني من اللحظة دي مستقيلة، عن اذنك!!…
انتبه سيف من ذهوله لتصريحاتها النارية وناداها بغلظة:
– استني عندك!!، وصل اليها في خطوتين ووقف خلفها في حين كانت يدها تشد على مقبض الباب بغية فتحه ولكن سيف لم يمهلها وهتف بغضب:
– اولا انا بعد يومين هبقى جوزك رسمي، ثانيا الاتهام دا انت السبب فيه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *