قلب بارد مروة محمد
الفصل الاول
ارتضيت بك شريك لدربي ، أحببتك وأخلصت في حبك، لا تفرط في قلبي ولا تقابل مشاعري بقلب بارد.
هل حقًا سيفعل بها مثل ما فعل أخاه مع أختها؟، هل سيعاملها بجفاء مثلها مثل قطع الأثاث؟، زوجة تلبي رغباته كرجل وأم لأولاده، أم سيكون وضعها خاص؟، هل بعدها عنه في الفترة الأخيرة ودراستها جعلته ينظر لها تلك النظرة القاسية وهو يتقدم لخطبتها، أم أنه تغير بموت والده؟
لماذا حين سافرت أخر مرة كان وداعه جافًا؟، أيعقل أنه شك للحظة أن مدللته الصغيرة ستتغير عليه؟..أم أن والدته قامت بحشو عقله بالهواجس؟..أين هو وتشجيعه لها على إكمال مسيرتها الدراسية؟، أين رفعه لها إلى السماء وهي تحلق بأحلامها؟، أيعقل أن يسقطها تحت قدميه مثل ما فعل أخاه؟، لا وألف لا لن تستسلم عليها مواجهته قبل عرسهما، ستسأله سؤالًا واحدًا. هل من الممكن أن تفعل بي مثل ما فعل أخاك بأختي؟، ولكن القدر منعها عندما دلفت يسر أختها تنظر إليها باستغراب وهي عازمة أمرها على الخروج لتقول: على فين العزم؟، أنتِ نسيتي إن النهارده حنتك ولا ايه؟، وبعدين مالك وشك مخطوف كده ليه؟، فين الضحكة الواسعة من ساعة ما طلبك للجواز؟
تنهدت منة بشرود قائلة: مش مرتاحة يا يسر، شكله وهو بيطلبني للجواز مش زى ما اتخيلت، أنا تخيلت حتى يفاتحني الأول، بس ده حتى وهو بيطلبني زى ما يكون عليه تار.
ابتسمت يسر بحب قائلة: يا منة كلهم كده..وبعدين كده أحسنلك، أنتِ نسيتي أخوه لما جه طلبني كان عامل ازاي؟، ده كان ناقص يتحزم ويرقص، وهو سواد الليل وقعد بعدها يشخط وينطر.
تضايقت منة من تذكير أختها لها بزوجها، تعتبر نفسها أنها غير أختها وأن حبيبها غير أخاه لتزفر قائلة: أنا مليش دعوة بجوزك، أه هو أخوه بس أنا حبيبي غيره، ومش عايزاه يبقا زيه، وعندي إحساس بيقولي إن حماتك العقربة هي السبب.
تضايقت يسر قائلة: والله تعملها، بس ممكن على جوزي، إنما حبيبك لا؛ لأنها عارفة إنه بيعشقك من صغركم، غير إن جوزك ده راجل زي بابا، صوته من دماغه.
اقترحت منة على يسر الاقتراح الذي كانت تود فعله فقالت: طب أنا هروح أقابله قبل كتب كتابنا، وأفهم منه هو ليه اتغير عليا، ولو فعلًا مش عايزني يبقا بلاها الجوازة دي.
هزت يسر رأسها برفض قائلة: مستحيل، أنتِ عايزة تفضحينا؟، ده واحد جه طلبك وأنتِ وافقتي، كونك تروحي وتسألي أسئلة زي دي هيفكر إنك مجبرة على الجوازة، ريحي نفسك وشيلي من دماغك الأفكار اللي بتاكلك دي، أنا مش ناقصة وجع دماغ وتجلبيلي من جوزي ومن حماتي أنا اللي فيا مكفيني.
عبست منة بوجهها وتضايقت من ردة فعل يسر وشردت أمامها تتذكر عندما كانت بأحضانه منذ سنة وهي تسأله السؤال العالق في ذهنها: يا ترى هيجي اليوم وتتغير زي أخوك؟
قطب جبينه قائلًا: ليه بتجولي اكده يا منة؟
صمتت تتذكر كلمات صديقاتها في الجامعة، الزواج مقبرة للحب، نعم هذا الشك يروادها، ليس معاملة أخاه لأختها فقط، وإنما من كلمات صديقاتها المتنمرة عندما علمن بأن لها حبيب.
أخذت تفرك مقدمة جبينها لتصل إلى شعرها تود تقطيعه بين يديها من كثرة التفكير الذي استبد بها لتزيد ضيقة صدرها، تجد أنه لم يفعل بها شيئًا يحزنها.
يصل الألم بها إلى أسفل بطنها لتتذكر موعدها أنه اقترب وهذه الحالة تنتابها كل مرة ولكن هذه المرة تفوقها بمراحل، وفجأة في وسط ضيقتها تذكرته وهو يعاملها مثل الطفلة المدللة عندما كانت تذاكر ويثني عليها بكوب من النعناع الدافئ لتروق أعصابها.
وضعت يدها على صدرها تتنهد بسعادة لأن مثله لن يشك أنها أجبرت عليه قررت الخروج من غرفتها والذهاب إليه ليجاوب على كل أسئلتها دون تردد لكي يرتاح قلبها وعقلها من تلك الهواجس.
حين تجبر على إدعاء القوة واختيار كرامتك ستشعر بأكبر لحظات الضعف واليأس والانهيار.
ذهبت له ويا ليتها ما ذهبت، عاملها بقلب بارد، كان رده عليها مقتضب بدون إبداء أي أسباب لها.
عادت إلى المنزل لتجد يسر أمامها لتلمع الدموع في مقلتيها وترتمي بأحضانها قائلة: أنا حاسة إني عايزة أهرب من هنا يا يسر، ومش عارفة أهرب أروح فين؟، ولمين؟، علشان خاطري شوفيلي حل يا يسر.
الدموع التي ملأت عينيها جعلتها لا ترى غير يسر غير منتبهة على وجود والدها وابن عمها الذي يكون زوج أختها لتنتفض على صوت والدها ظافر وهو يرتفع قائلًا: تشوفيلك حل في ايه؟، جرا ايه وكنتي فين؟، وايه خرجك دلوجت؟، أنتِ مش خابرة إن دي ليلة حنتك؟ كنك عايزة تفضحينا وتجبيلنا العار!
خرجت من أحضان يسر التي لم تستطع أن تدافع عنها وارتعشت شفتيها قائلة: باابااا! أنا كنت عند شبل، أقصد يعني كنت راحة أسئله على حاجة، كنت عايزاه يجيبها في بيتنا، وحتى كان مستعجل سمعني ومشي.
ضر.ب ظافر الطاولة بيده حتى أحدث الخاتم الضخم الذي بيديه ضجة كبيرة وتحدث بغضب قائلًا: طب الحمد لله إنه سمعك، أودي وشي منيه فين؟، لما اللي عتبجي مرته كمان ساعات بدل ما تروحله يدها في يدي رايحاله ورجعالي دمعتها على خدها ، وعايزة تهرب! كيف روحتيله وعايزة حاجة وكيف عايزة تهربي؟
صمتت تحتار ولم تجد الإجابة على سؤال والدها.
كيف تقول له أنه تجاهلها ولذلك تريد التخلص من تلك الزيجة؟، فاندفع ظافر من تحت تأثير صمتها يود الفتك بها ولولا مدافعة ليث ابن عمها عنها لكانت تقطعت بين يديه لينحيه ليث عنها قائلًا بخبث: اهدى يا عمي، الحديت مش اكده عاد، بيجوز اشتقاتله، احنا بنعرف من زمان انها بتحبه من وهي عيلة صغيرة، وبعدين لساتك عتجول كلها ساعات وتبجى في دارنا وشرفها هو شرفنا.
نظر ظافر إلى ليث بكره يعلم أن معه حق ولكن طريقة إلقاء الكلمات كانت مثل السم لينزعج قائلًا: الحديت ده لو راجعة فرحانة، بس دي راجعة دمعتها على خديها، لازمن أعرف ليه عتبكي؟ لتكوني جبتيلي العار من مصر وأنتِ جاية.
هزت منة رأسها ترفض الكلمات من والدها تحاول الدفاع عن نفسها بعيونها لتنتبه على صوت ليث الخبيث والذي يتمنى إفشال الزيجة قائلًا: ونروحوا بعيد ليه يا عمي؟، نبعت نجيبوا شبل اهنه ونواجهوه بمنة، وكل شئ يتكشف ويبان على حجيجته، مع إن شبل عيحبها وعيرضى بقليله.
خرج ليث ليقوم بالإتصال بشبل ليعلمه أن الحرب ابتدت ولكن بطريقته في التبلي على المسكينة منة لكي يمنعها من دخول بيتهم مثل ما رسمت والدته عندما قالت: كفاية علينا واحدة من البندر، مش عيبجوا تنين يا ولدي، وخصوصًا البت المتقنزحة دي بعلامها.
حاولت منة إفهام الأمر لوالدها ولكن دون جدوى لم يرتضي سماعها حتى يسر حاولت ولكن نظرة ليث من خلف الباب الموارب كانت تمنعها.
على الجانب الأخر كان يتمشى في مزرعته مع صديقه جابر الذي كان يعلم ما في قلبه ليعاتبه قائلًا: يا شبل اللي عتعمله كله غلط في غلط، البت بتحبك ولا كأنها بتحب نجوم السيما، تجوم تهملها اكده؟، وعشان ايه؟ علشان عيجولولك إنها عتعشج وتتمعشج في البندر؟
كور شبل قبضة يديه قائلًا: بوي هو السبب، جبل ما يموت جالي خلي بالك من بنته البندر، دي أمها بندرية، وكانت عتدوق عمك المر بدلعها الماسخ، ولولا أن خوك قوي ما كان عرف يلم مرته.
كاد أن يرد جابر عليه ليتعالى صوت رنين هاتف شبل ويرد على أخاه الذي أتاه صوته الساخر قائلًا: فينك يا واد أبوي؟، بجا حتة العيلة تضحك عليك على أخر الزمن؟، لما رجعت عتبكي وتجول عايزة تهرب، كلام بوك وأمك صوح يا أخوي البت دي عتجبلينا العار.
قطب شبل جبينه قائلًا: بتجول ايييه؟، عايزة تهرب!، ده عيبجا أخر يوم في عمرها لو عملتها، مش شبل اللي مرته تهرب، حتى لو لسه معجدش عليها، لعب عيال إياك.
جز ليث على أسنانه من إصرار شبل على منة ليقول: بعد كل الحديت ديه وعتبجى مرتك! كيف يعني؟!، بجولك البت عايزة تهرب، ما يمكن على رأي بوك عشجت واحد من البندر وعايزة تهرب منيك.
علم شبل أن سبب بكائها هو بروده معها بالحديث فرد على أخيه قائلًا: لع، مش منة اللي عتعملها يا واد أبوي، منة بت متربية ولحمنا ودمنا، هي بس متجلعة شوي، وجاتني وأنا بشتغل وجلتلها تروح الدار. عشان اكده زعلانه.
لوى ليث شفتيه قائلًا: اكده يا واد أبوي؟ هي زعلانة عشانك جولتلها عاودي؟، عيني عليك يا أخويا!، مكنش يومك!، عتضيع هيبتك مع المسخوطة، وأنا اللي كنت فاكرك هتدبحلها الجطة.
رفع شبل رأسه بشموخ قائلًا: مش شبل اللي يضيع هيبته يا أخوي، أنا ععرف كيف اتعامل معاها، ريح حالك أنت واطلع منيها لأجل تعمر، هدي عمك وجوله إن منة مرتي كانت حدايا بنتناجش في شوية أمور وأنا اللي طلبتها.
رد عليه ليث باستهزاء قائلًا: أنت واعي للي بتجوله يا شبل؟!، نسيت كلام بوك وهو بينازع في روحه، ويجولك أنت عتحبها كتير يا ولدي وحبك عيخليها تركب وتدلدل رجليها.
زفر شبل بحنق قائلًا: يا ليث جلتلك اطلع منيها، أنا مش صغير، أنا واعي ومدرك وفاهم كيف أتعامل معاها، وهي معتعرفش تعمل حاجة من اللي بالك فيها.
رد عليه ليث بغضب قائلًا: أنت صغير يا شبل، معتعرفش البت يسر عملت في أمك ايه؟، كنت عمال تعشجلي منة ونايم على ودانك، ولولا إني ضر.بتها كانت طلعت عيني، بس عجولك ايه أنت حر اللي بيشيل قربة مقطوعة بتخر فوج رأسه عاد.
انتهت مكالمة التسخين وبائت بالفشل لليث أما شبل فقد نظر إلى جابر بضيق قائلًا: الظاهر إن كلامك صوح يا صاحبي. عيتحاملوا عليها وياخدوها بذنب أمها، بس أنا عحاول أرجع أعاملها زين كيف الأول، عيجولي إنها رجعت بكيانه وكله بسببي.
ابتسم جابر وربت على كتفيه قائلًا: أنت كده شبل صاحبي القوي، اللي لا يهزه كلام ولا تخاريف، وصدجني عتلاجيها كيف الغريبة الناعمة؛ لأنها بتحبك، ربنا يتملك على خير.
تركه جابر ورحل فذهب إلى الشجرة التي كانا يجلسان تحتها فبالنسبة له هو مكان هادئ يتذكر عندما كانت تجلس معه ومعها أوراق مذاكرتها ليقوم بالتسميع لها وتحفيظها أيضًا مع العلم أن تعليمه متوسط ولكنه كان يريد أن تصل بتعليمها إلى أعلى المناصب، لدرجة أنها تمنت جهاز لاب توب لم يتأخر عنها ولم ينتظر حتى يأتي به والدها، اتصل بصديقه جابر ليأتيه به فور أن طلبته منه. تذكر أيضًا عندما كانت تزور أختها ويشتهي قهوته المفضلة من بين يديها والتي كانت تسرع لعملها كأنها كانت تأتي لصنع القهوة من أجله. كيف له بعد أن نفذت إلى أعماقه بهذا الشكل أن يقسو عليها ويعاملها بقلب بارد؟، انتبه على صوت الصغير وهو يناديه حيث غفل تحت الشجرة وأغمض عينيه يتذكرها، فرفع رأسه قائلًا لابن أخيه أحمد: مالك يا أحمد؟
رد عليه أحمد الذي يعشق خالته قائلًا: خالتي يا عمي! عتبكي، وجدي بيزعج فيها جامد.
انتفض شبل من مكانه قائلًا لأحمد ابن أخيه: وووه! تعالى نروح نلحجها يا واد أخوي.
وبالفعل ذهب مسرعًا إلى بيت عمه ودلف وأخذ يبحث بعينيه عنها فلم يجدها فعلم أنها بالأعلى تبكي فتقدم من عمه قائلًا: اكده يا عمي!، هي دي التجهيزات لفرحي بردك، وأنا اللي كنت مفكر هلاجي رقص وزمر؟، جلبتوا البيت مناحة!، وكل ده ليه؟، ما جالتلك إنها كانت معايا.
عبس ظافر بضيق قائلًا: تجهيزات ايه؟!، وهي راجعة عتبكي، وبدها تهرب منيك ومن جوازتك. أنت عداري عليها يا واد أخوي؟، جولي البت دي عملت ايه وأنا أطخها.
تنهد شبل قائلًا: أجولك ايه يا عمي؟، منة دي مرتي، بتي، حته مني، دي تربيتي، وأنا مربيها صوح، هي جاتلي وكنت مشغول هبيت فيها رجعت عتبكي.
نظر إليه ظافر بإعجاب قائلًا: يا ولدي، أنا خابر زين إنك عتحبها، وهي دلعها ماسخ كيف أمها، متلعطش ليسر جامدة وقوية. وخابر بردك إنك قوي، بس بلاش القسوة يا ولدي.
دخل في هذه الأثناء ليث بخبثه قائلًا: لع يا عمي، عتتحامل على شبل كتير. شبل طيب وواد حلال، عيجلعها كتير. ده كان عامل نفسه كيف الأستاذ اللي بيذاكر لها، ونتيجتها كأنها نتيجته.
تضايق شبل من ردود أخيه ورد قائلًا بعصبية: كفياك عاد يا واد أبوي. ممنوش عازة الحديت ده. مش عنلتوا ونعجنوا كيف الحريم، خليك في حالك وجهز الدبايح لبكره.
بكره الفرحة الكبيرة.
لوى ليث شفتيه قائلًا: ماشي يا خوي، مبروك. عقبال الفرحة بأولادك، وأهم عيبجوا باسم العيلة؛ عشان عمي مخلفش صبيان. مبروك يا عمي. الله يرحمك يا بوي.
أخذت تبحث عنه في الدار ولم تجده فهي منعت يسر أن تأخذ أطفالها إلى بيت والدها؛ لخطتها التي رسمتها وهي إفشال الزيجة وأن يقوم ليث بتطليق يسر وحرمانها من أولادها وعدم دخولها المنزل مرة أخرى. أخيرًا وجدته يركض بفرح فنهرته قائلة: كنت فين يا أحمد.
أحمد بسعادة: كنت عكلم منة ع التلفون، وكانت عتبكي. روحت لعمي شبل وجولتله وأخدني وراح لجدي ظافر وصالحها وعيجيبها عشية عروسة عندينا يا جدتي.
تعالت النيران بصدر نجية حيث أن مخططها فشل فردت بغضب قائلة: كيف تخرج من غير إذني؟، كأنها سايبه إياك؟، أنا عاقول لبوك يضر,بك. جولتلك ميت مرة متروحش بيت جدك ظافر، جدك طاهر هيزعل منيك وهو نايم في تربته.
هرب أحمد من أمامها وصعد إلى غرفته.
اختلس أحمد الهاتف من تحت الوسادة وهاتف منة قائلًا: لساتك زعلانة يا خالتي؟، أنا هربت وروحت لشبل وجولتله على كل اللي حصل منيهم، وجالي أنه عيروح يصالحك. هو عيحبك قوي يا خالتي.
لوت منة شفتيها قائلة: أحمد حبيبي، قلتلك ميت مرة لما تتكلم معايا اتكلم عادي، مش لازم تتكلم صعيدي. وبعدين ليه تهرب وتخلي ستك تضر.بك، بلاش تعمل كده تاني.
ابتسم أحمد قائلًا: حاضر يا خالتي. هسمع كلامك بس علشان خاطري تعالي الليلة مع عمي شبل بلاش تهربي. عمي شبل بيحبك أوي، وإن كان على ستي هو هيحميكي منها.
دخلت في هذه اللحظه نجية ليقع الهاتف منه على الفراش وهي يتعالى صوتها قائلة: هو أني مش كنت بكلمك تحت؟، ليييه طلعت فوق وهملتني لحالي؟، أنت عايز ترباية من أول وجديد يا ابن يسر. عامل كيف أمك وخالتك، كنت عتكلم مين؟
رد عليها أحمد بخوف قائلًا: بلاش تجولي لأبوي يا ستي، عيضر.بني ويعلقني في الشجرة، وعمي عيتجوز ومش عيلحقني. أبوس يدك يا ستي، والله خالتي منة طيبة وعتحبك كيف ستي التانية.
كانت منة تستمع إلى الهاتف، وما يدور بين نجية الظالمة وأحمد ابن أختها، تخشى أن يصير فيها مثل ما صار في يسر ليدخل عليها ظافر وهو يبتسم ابتسامة أب حنونة بعد ما قام شبل بتهدئته.
فقال لها: متزعليش مني يا بتي. أنا عحبك، وخايف عليكي. ونجية دايرة في سيرتكم وعرضكم ونفسها تخرب الجوازة، بس شبل ولدي راجل بصحيح.
تنهدت منة قائلة: شبل زيه زى مرات عمي. كان بيضحك عليا يا بابا. عارف إني محتاجة حب وحنان وشفقة وعطف. عمل ده كله ولما قرب جوازنا قلب عليا.
ظافر باستغراب: كيف يعني؟، وأنتِ عايزة ايه إياك؟، عايزاه كل شوية دلع ومسخرة وحديت ماسخ. هو كان لازم يعمل اكده من زمان. أومال يمسخروكي في دارهم كيف ما عملوا مع يسر؟
أحست منة أن القادم أسوء وما فعله شبل كان عينة بسيطة فردت قائلة بارتجاف وخوف من ردة فعل والدها: يا بابا أنا خايفة. مرات عمي مش سهلة، دي بتضر.ب عيال يسر وقبل كده ضر.بت يسر وليث كمل عليها، وحضرتك مش بدافع عننا.
أمسكها من كتفيها قائلًا: مين جال إني مش بدافع عنيكم؟، يسر زي ما جال جوزها طولت لسانها وأخدت نصيبها، لكن أنتِ متنورة ومتعلمة ومأدبة. وأنا واثق فيكي وواثق إنك تجدري تخلي حماتك تحبك.
استشعرت منة ثقة والدها الكاملة فيها فردت قائلة: حاضر هرفع رأسك وهثبتلك إني قدها وقدود، بس يوم ما أنجرح عايزاك في ضهري. اوعى أهون عليك، وتصدقهم إني وحشة. محدش عارف يمكن يسر مظلومة معاهم.
نظر اليها ظافر بأسف هو يعلم أن يسر مظلومة، ولكن ما باليد حيلة، لا بد من التحايل لإتمام الزيجة، حتى لا تشمت به نجية حيث أنها منذ قديم الأزل تبغضه لرفضه الزواج من أختها.
تنهد ورد عليها قائلًا: بزيدانا عاد الحديت ده. شوفي التحضيرات والبت يسر عتطلعلك وتجهزوا حالكم. أنا عايز ليله الكل يتحاكى بيها. ربنا يخلف عليكم يا بتي.
ابتسمت ابتسامة باهتة.
ودلفت إليها يسر لتتذكر أحمد قائلة: يسر أنتِ لازم تروحي حالًا لأحمد. كان بيكلمني من شوية وسته حلفانة هتضر.به علشان راح قال لشبل إني بعيط، وملكيش دعوة أنا هجهز حالي.
تنهدت يسر بإحباط وهي تجلس قائلة: وتفتكري لما أروح هتدخلني؟، ده هي أساسًا كانت عايزة تفركش جوازتكم علشان أنا مرجعش بيتي تاني وتاخد عيالي. كبري دماغك أنا هدخل بيتي معاكي إن شاء الله، وجوزي أخره ليلة حلوة تعدي بينا وأنام في حضن عيالي، وأحمد أنا هقول لشبل يروح يلحقه.
ظلت شارده كعجوز تتحسر على حالها كيف لنجية أن تفعل كل هذا بأولادها وبأحفادها كيف جعلت من يسر امرأة حزينة ومهزومة. خرجت يسر من الغرفه لتتأمل منة ملامحها في مرأة الزينة لتستغرب كيف كبرت ملامحها في ظل أسبوع منذ لحظة الخطبة. صغيرة هي لتتحمل كل هذه المصاعب، تتمنى أن يرجع بها الزمان إلى أيام الدراسة والجامعة كانت لا تحمل شقاء ولا حزن. تستغرب من تغير شبل وهل سيتغير أكثر؟، هل سيتركها على راحتها في ارتداء الملابس العصرية أم سيحكم عليها مثل أخيه ويجعلها ترتدي العباءة مثل أختها؟، هي الآن ترى منه أشياء لم ترها من قبل ومعاملة جافة لم تعتد عليها. لا يمكن أن يكون هو. ذهبت إليه ليتجاهلها ويتركها وحيدة في مكانهم المفضل. وابتعد بدلًا من أن يقترب.
على الجانب الآخر بعد مهاتفة يسر لشبل ليلحق أحمد هرول مسرعًا إلى البيت ليجد خاله شامخ ينتظره قائلًا: واااه!، كيفك يا ابن خيتي؟ ده أنا جولت عتجيب العروسة في يدك وأنت جاي من حداهم، جولت أجعد علشان أنقطها، بس هي فين مجاتش معاك ليه؟
تمالك شبل أعصابه قائلًا: ودي تيجي بردك يا خال؟، كيف عايز العروسة تيجي اهنه من غير طبل وزمر؟، دي عتبجى عيبة في حقي، أنا كنت هناك عشان عنظبطوا حاجات بيناتنا.
نظر إليه شامخ بسخرية قائلًا: حاجات ايه دلوك اللي عتظبط؟ أني سمعت انيكو عتفضوها سيرة عاد، والبت متقنزحة عليك، جول يا ابني وصارحني، وأنا عجوزك ست ستها.
تضايق شبل قائلًا: أنا مش صغير يا خال. أنا كبير وععرف أوزن أموري صوح. خابر إن أمي جالتلك إني عسيبها، بس مش عيحصول واصل. أنا فرحي الليلة يا خال.
شامخ بغل وحقد قائلًا: أنت زعلت مني يا ولدي؟، أنا زي بوك بردك. كان جصدي تتجوز واحدة كيف أمك بت بلد لا لفت ولا دارت، بس أنت قطعت وعد مع عمك.
رد عليه شبل بفخر قائلًا: ده مش وعد يا خال. أنا عحبها من وأنا صغير، حتى وقت لما طلبت العلام بره البلد وافجت، لجل تتعلم وتتنور وتنفع عيالها، وأنا واثج إنها عتسعدني.
نظر إليه شامخ بقلة حيلة حيث أنه فشل في إقناعه مثل ما أفهمته نجية فزفر بيأس قائلًا: ماشي يا ولدي. اكده أنت حر. أنت دماغك وعقلك زين، وعتفهم إن كانت زينة ولا عفشة ومتنفعش جواز. ربنا يتمملك على خير يا ولدي.
حاولت إبعادها عن ابنها تارة عن طريق ابنها الأكبر وتارة عن طريق أخيها ولكن دون جدوى ما زال متمسكًا بها. لا عليها سوف تقوم بمهاتفتها وتفريغ كل شحنة الغضب عليها، لعلها تستسلم وترفضه وتسبب فضيحة لنفسها. جلست على الفراش بكل هدوء كأنها لا تود أن تفعل شيء. ما سيحدث الآن لن يعلمه أحد. شردت أمامها ترى منة ويسر مذلولتين أمام الناس. لم ترى أن الفضيحة أيضًا سوف تلتصق بولديها وأحفادها. أغمضت عينيها بقسوة وعزمت أمرها وبحثت عن الهاتف تحت الوسادة حتى وجدته، لتهاتفها وتفقدها كل شيء حتى كرامتها. هاتفتها من هاتف الصغير أحمد لترد منة بلهفة على أحمد ابن اختها قائلة: أنا قلتلك يا أحمد بلاش تتصل بيا. أنا كلها ساعات وهجي أعيش معاكم في البيت، وكفاية المرة اللي فاتت لما كلمتني ستك زعلتك وضر.بتك.
ابتسمت نجية بسخرية وفاجئتها بصوتها الخبيث وهي تقول:
أومال كنتي عايزاني أعمله ايه يا بت البندر؟، أصقفله إياك؟!، واد قليل الرباية كيف أمه وخالته. لازمن يتربى ويبجى راجل كيف بوه وعمه.
زفرت منة بحنق قائلة: حضرتك أنا ويسر متربين كويس أوي، وبعدين حمادة معملش حاجة غلط. هو عيب لما ابن أختي يتصل عليا؟، وبعدين دي كلها ساعات وأبقا عنده.
سخرت نجية منها قائلة: ها!، الظاهر إنك واثقة من نفسك حبتين. عتيجي اهنه تعملي ايه؟، عندينا البت في دارنا مش بتجلع كيف ما أنتِ عايزة، ولو رفضت بتاخد فوق نافوخها.
علمت منة أنها تخيفها فردت بخبث وحكمة قائلة: يلا ميضرش. أهو نتعلم منك يا ماما نجية. المفروض نغير لقب مرات عمي ده كفاية لحد كده. أنا هقولك يا ماما زي ما كنت بقول للمرحومة أمي. عن إذن حضرتك بقا أروح أحضر حالي.
وبالفعل أغلقت الهاتف في وجهها حتى لا تعطيها فرصة للرد لتزداد نيرانها ولكن كل ذلك دون جدوى. جاء الليل وهبطت إلى الأسفل كالبدر في ليلة تمامه ليركض إليها أحمد الذي جاء مع عمه ليأخذها لتحمله وتقبله عدة قبلات من شدة تعلقها به.
ليقول لها بفرحة عارمة: أحلى خالتو منة في الدنيا دي كلها. أنا فرحان أوي إن عمو شبل جابني معاه ناخدك يا عروسة، وأقعد جمبك على الكوشة، أنا بحبك أوي.
احتضنته بعناية لتطمأن عليه قائلة: يا حبيبي يا أحمد. أنا كمان بحبك أوي. أنا هبقى معاك علطول ومفيش تليفونات ما بينا تاني، ومفيش حد هيفرق بيني وبين حبيب خالتو.
أحمد ببراءة سألها قائلًا: هو صحيح يا خالتو جدتي نجية هتضر.بك زى ما بتضر.بني أنا وماما؟، وأنتِ مش هتقدري عليها زينا. ولا أنتِ علشان متعلمة هتقدري؟
قطبت منة جبينها قائلة: مين اللي قالك الكلام ده؟، جدتك نجية ست طيبة. وإن كان على التعليم أنت كمان هتتعلم زيي وتبقا شاطر. تلاقيك بس مش بتسمع كلامها.
هز أحمد رأسه بالنفي قائلًا: لا يا خالتي. أنا بسمع كل كلامها، بس دايمًا تمنعني عن جدي ظافر وتقولي جدك طاهر في التربة زعلان منك. طب مش الجدين أخوات؟
علمت منة أنها ستدلف منعطف تاريخي سيغير مجرى حياتها وعليها الصبر والتحمل مع مثل هذه المرأة لطالما عشقت شبل الذي تحول إلى قلب بارد فردت عليه قائلة: طبعًا الجدين أخوات. وهي مش قصدها حاجة وحشة، هي قصدها إن زي ما بتروح تزور جدك ظافر لازم تروح تزور جدك طاهر.
خرج من خلف الجدار ظافر الذي استمع إلى حديثها مع أحمد، وافتخر أن ابنته بدأت تحكم عقلها في صياغة الأمور ليربت على كتفيها ويديرها إليه مقبلًا رأسها قائلًا: ألف مبروك يا بتي. عقبال ما أشوف ولادك كيف أحمد، ويكون حداهم عقل زين كيفك. ربنا يكملك بعقلك يا بتي ويهنيكي ويسعدك.
رفعت رأسها اليه ليرى في عينيها القوة التي لم يرها في عين يسر، لتفاجئه قائلة: أنا مستعده أعمل أي حاجة، ولا إني أحط راسك في الطين يا بابا.
رد عليها قائلًا: أنا محدش يقدر يحط راسي في الوحل يا بتي، وأنا واثق فيكي إنك متعمليش حاجة عفشة واصل.
دفنت رأسها في صدره قائلة ودموعها بدأت تتساقط: وأنا هعمل كل اللي أنت عايزه.
الفصل الثاني
نظرت يسر إلى منة بحسرة وشعرت أنها تساهم في تعذيبها عندما استمعت إلى نجية وهي تسرد على شبل المحادثة بينها وبين منة ولكن بطريقه تحمل في طياتها الكذب والخداع. شعرت يسر أنها تحمل ثقل في صدرها وترددت أتخبر منة أم لا؟، رفعت أنظارها إليها وجدتها سعيدة، ولكن كيف تنظر إليها فيما بعد ستشعر بالخزي لأنها لم تخبرها. حدثت نفسها قائلة: أنا عارفة إني مش هقدر أبص في وشها تاني، خصوصًا إن حماتي أكيد هتقولها إني كنت عارفة. ساعدني يا رب لازم أعرفها وأفهمها.
وجدت يسر أن تقسو على منة وتخبرها الحقيقة بدلًا من اللين حتى تعلم هي مع من تتعامل، وأن هذا زواج لابد من توضيح كل شيء لشبل وعدم إخفاء أحد منهم شيئًا عن الأخر، حتى لا تخوض في تجربة مثلها. وعلى شبل أن يعيطيها فرصة للدفاع عن نفسها من الافتراءات التي باتت معلقة في أذنيه، حتى لا تكون شبيهة ليسر أخرى. وينطفئ نورها ويظلم وجهها.
احتضنتها لكي تبارك لها وأجلستها بجوارها بالداخل حيث يقام الفرح النسائي، لتبتلع ريقها قائلة: فرحانة يا منة؟، خلاص خوف الصبح راح صح؟، ولا كل ده علشان بابا ميزعلش، قولي يا منة متخافيش أنا هقف جمبك بس بالعقل مش بالجنان.
عقدت منة ما بين حاجبيها قائلة: أنا مش خايفة على فكرة، بس أنتِ خايفة صح؟، خايفة من ايه يا يسر؟، وايه سر مساعدتك ليا؟ أنتِ كنتي الصبح خايفة وبتقنعيني إن شبل كويس.
زفرت يسر بيأس قائلة: بصي يا منة هكلمك بصراحة. مكالمة حماتي ليكي، اتنقلت لشبل. صح أنتِ مغلطيش، بس هي قالت كلام تاني غير اللي أنتِ قولتيه.
مطت منة شفتيها بلا مبالاة قائلة: طب ما هو ده العادي والمتوقع منها يا يسر. العيب بقا على اللي يصدقها، وأعتقد إن شبل بعد وقفته لجوزك النهارده أكيد هيقف ليها وجامد كمان.
اضطرت يسر أن تبوح بكل ما سمعته فاعتدلت تستدعي الكلام قائلة بخوف من رد فعل منة: مقدرش يا منة، شبل مقدرش. رده عليها أنه مصدقها. في مثل بيقول العيار اللي ميصبش يدوش، وأهي عرفت تضر.ب العيار، يا ريتك ما رديتي عليها.
جحظت منة بعينيها غير مستوعبة ما تقوله يسر لتهتف مستنكرة:كفايى يا يسر. أصلًا كلامك ده معدش منه فايدة، حتى لو كنتي قلتيه من ساعة، بس كويس إنك عرفتيني إن الراجل اللي هيتجوزني بيصدق فيا الغلط.
سألتها يسر بتوجس وخوف: هتعملي ايه يا منة؟، هتواجهيه صح؟، بس افرضي ثبت على موقفه؟، هتخسري قدامها زي ما أنا خسرت. اوعي يا منة تبقي زيي في يوم من الأيام.
ردت عليها منة بجمود: أنا هعطيه درس عمره ما هينساه. هعرفه إنه زي ما رباني على أيده واختارني بإرادته مش مغصوب عليا زي ما بيقول، يبقا يثق فيا.
وضعت يسر يدها على وجهها بخوف قائلة: يعني هتعملي ايه بالظبط؟، هتتعاركي معاه؟، يا منة اسمعيني هو بيحبك بعكس أخوه. اضحكي عليه بكلمتين العند مش حلو، أقولك احكيله أنتِ على المكالمة.
هتفت منة بلا مبالاة: لا يا حبيتي، أنا مش مطلوب مني أبرر أفعالي ولا حتى مكالمة تليفون، كده هيشك إني غلطت فعلًا، لكن لما يشوفني قوية هيفهم إني على حق.
أخذت يسر تصفق مثل البلهاء للتي ترقص أمامها قائلة بخوف: أنتِ شكلك هتخربي على نفسك. وأنا اللي خفت عليكي وجريت أقولك علشان يبقا عندك رد مقنع لو حاسبك عليه. طلعتي شكلك مستنية غلطة.
تنهدت منة بتعب قائلة: تعرفي يا يسر أنا اللي كان مصبرني على الجوازة دي شبل، وهو اللي كان مقويني وأنا برد عليها النهارده في التليفون، بس للأسف طلع أضعف مني.
ردت يسر بحجة تنافي عقلها الضعيف قائلة: يعني كنتي عايزاه يعمل ايه؟، يا منة اللي ملوش خير في أمه ملوش خير في حد. وبعدين ما يمكن بيهاودها علشانها أمه برضه ومينفعش يقف قصادها.
عبست منة مصممة على ما تود فعله بشبل، وأظلمت عينيها لا تدري من استمع إليهما الآن، ألا وهو شقيق شبل الذي رسم خطته سريعًا أن يغصب أحمد أن يسرد حديث كاذب على عمه، وإلا سوف يقوم بضر.به ضر.بًا مبرحًا. إشارة تحذيرية واحدة لأحمد جعلته يذهب مغيبًا إلى شبل. لطالما شبل يصدق أحمد بقلبه، ليقوم بقت,ل الفرحة في قلب شبل شقيقه، ولا يستطيع أحد إنقاذ منة من براثن الشبل. لا يعلم أنه يقوم بتنفيذ جريمة من أعظم الجرائم ألا وهي تخريب بيت زوجية لم يتأسس بعد. يطعنهما وبقسوة، ويدمي قلبيهما، حتى لا يسمح لهما بالنعيم الذي يتنافى مع قانون نجية.
قد نصل بأفعالنا المهينة إلى خلق جيل خالي من القيم والمبادئ. لا نعلم أننا سنكون سر خلق شخصيتهم. إذا ارتقينا سنقودهم نحو الارتقاء، مثل ما يفعلا منة وشبل نحو أحمد يقودانه نحو التنوير. غفلا كلا من منة وشبل عما يدور من حولهما ولم يكن لديهما فكرة أن ليث يخطط مخططه الأخير. سيحدث شرخ في علاقتهما. وصل إلى الفرح العديد من الناس وانشغل بهم شبل وظافر والجميع. العرس الذي تمناه شبل منذ سنوات، ولكن عندما تحقق لم يستطع الحصول على فرحته، إلى الآن هو ما زال في وعيه ولكن بعد قليل سيهتز كل شيء. الإنسانة التي يعتبرها ويعتبر نفسه كيان واحد منذ أعوام. يعيد ترتيبها ويمنحها الثقة ويتيح لها التعليم، هي أيضًا اعتبرته فارسها المغوار. يرفض أي مصدر يغيره نحوها ويقلبه عليها عدا مصدر واحد سيثق به وبشدة. ذلك المصدر يخضع له خضوعًا تامًا، يعتبر حديثه يقينًا، لم يعلم أنها كانت أخر تجربة يضعه فيها ليث.
جلس أحمد بجوار شبل يحاول تسميع ما حفظه له ليث قائلًا: عمي، بدي أجولك شيء سمعته دلوجت من أمي وخالتي، أنا خابر إن الفتنة حرام، وأنت علمتني اكده، بس مش قادر مجولش ليك، لأني عحبك.
لم يستمع له شبل لانشغاله بلحظة خروجها من القاعة فهز أحمد بكتفيه لوالده ليعلمه أن عمه لم يستمع إليه ليزغره ليث ليفعلها مرة أخرى شد الصبي شبل من جلبابه لينتبه إليه شبل وقد ظن أنه يريد الذهاب معه إلى الحمام، فرح أحمد لذلك لأنه سوف يسرد الحقيقة بعيدًا عن والده ولكن تبعهما ليث ليظلا تحت أنظاره لينظر الصبي إليه بقلة حيلة قائلًا لعمه على مضض: عمي، أنا ما عايزش أدلا الحمام. أنا عاوز أجولك على اللي سمعته من خالتي وأمي من شوي، والكلام اللي جالوه على جدتي واللي عيعملوه فيها.
قطب جبينه قائلًا: كلام ايه عاد يا أحمد؟، وبعدين أنا مش جولتلك سابق الفتنة حرام عاد، وحرام تتصنت على حد، والكلام اللي يدور في بيت جدك ميتجالش في حتة تانية.
هز الصبي رأسه متفهمًا أن كلام عمه صحيح، ولكن ما باليد حيلة فصمم مستكملًا حواره حتى ينفذ من العقاب قائلًا: مش عايزك تعرف يا عمي بعد اكده وتزعل، هما جالوا كلام عفش على جدتي وإنهم عيضر.بوها زي ما ضرزبت أمي. كمان سمعت خالتي عتجول إنها عتكرهك وعتحب زميلها في الجامعة.
بالتأكيد سرد أحمد لهذا يجعله حقيقة بالنسبة لشبل فهذا طفل نقي بعيد عن شوائب البشر، بالإضافة إلى أنه هو الذي قام بتربيته. ‘شارة واحدة من ليث لأحمد جعلته يترك شبل بمفرده يعيد ترتيب الكلام في عقله، ليحدث نفسه قائلًا: اكده يا منة أنتِ ابتديتي والبادي أظلم. عتحبيلي عيل من ولاد البندر؟، يبجا كلام أمي وأخوي صوح، وإنك عتخلعي من الجوازة بأي طريقة.
ثم أقسم بداخله قائلًا: لع يا بت عمي، ياللي عتفضلي بت عمي لغايه ما أعلمك الأدب، والله لعخليكي تطلبي السماح ومش عسامحك واصل. بجا أني تعملي اكده امعاي؟
شردت منة في كلمات يسر ونفت بعقلها الرزين أن يكون شبل اقتنع بحديث نجية وقالت في نفسها: لا، استحالة شبل يكون صدقها. أكيد كان بيسكتها، وطبعًا زى ما يسر بتقول لو هيقف قدام الكل مش هيقف قدامها على العموم أنا هبقى عادية معاه وهشوف.
نظر إليها أحمد بحزن يعلم ما سوف يحدث لها من عمه، سب نفسه كيف تسرب كذبًا من بين شفتيه. غريب هذا العالم نلوم أولادنا ونتهمهم بالحماقة غير مدركين أننا سببها. تفاجئ أحمد بنظرتها الحنونة وهي تجذبه من ذراعه الصغير نحوها ليصبح أمامها. رفعت كلتا يديها تضعهما على كتفيه كأنها تتحدث إلى رجل وليس طفلًا. حركة إمساكها به أشعرته بالخزي، وهو من ساهم منذ قليل في تدميرها. حركة بسيطة جعلته يقول: أنا مش راجل يا خالتي، أنا عيل، وغلطت غلطة كبيرة، وعايزك تسامحيني عليها، ومتسألنيش هي ايه، لأني مش هقدر أقولك عليها.
عقدت جبينها اندهاشًا لما يقوله هذا الصبي وما أن استوعبت ما قاله، فحاولت أن تسأله لتتفاجئ أنه فلت من بين يديها ليدخل شبل في هذه اللحظة ليأخذها إلى بيته لترفع رأسها مبتسمة إليه ولكنه قابل ابتسامته بقلب بارد. صعد بها إلى الجناح الخاص بهما والذي يتكون من غرفتين وأدخلها قاعة النوم الخاص بها وتركها دون أن ينبت بشفة، استغربت بروده وجلست على حافة الفراش محدثة نفسها
من ساعة ما رجعت من القاهرة وأنت حالك متبدل، ومش عايز تقولي مالك، ولما قلت مش عايزاك رجعت وقلت عايزني، مش معقول هتعاقبني على مكالمة أمك ليا، وأنت عارف كويس إنها تقصد توقع بينا. يبقا زى ما توقعت في سر في كلام أحمد ولازم أعرفه، بس لازم أواجهك الأول حتى ولو على حساب كرامتي يا ابن عمي.
إن كان يستطيع أن يواجهها منذ البداية ما كان تركها ودلف إلى غرفة أخرى ولكنه خشي النظر إلى عينيها، إنما هي تستطيع وبقوة لأنها تريد معرفة أصل الحكاية، فلابد من معرفة ما خلف كلمات أحمد.
هو بداخله أشياء مبعثرة، وهي عليها معرفتها. بأخر إجازة لها قبل أن تنتهي دراستها كان يتحجج بكثرة العمل، ولكن السر يكمن في والدته وشقيقه. لن تنتظر حتى يخبرها بنفسه وفي الموعد الذي يريحه، ستخبره بكل ما تشعر به، لأنها غير قادرة على التحمل أكثر من ذلك وعلى تجاهله لها. انتفضت من مكانها كمن لدغتها حية وتوجهت إلى الغرفة الأخرى، وجدته نائمًا على فراشه مستكينًا غير مبالي بأي شيء، واضعًا يده فوق رأسه ليعلم أن ثورتها قد بدأت لينهض ينظر لها بغضب قائلًا: جرا ايه يا بت عمي؟، في حد يدخل اكده عاد من غير لا إحم ولا دستور، كأنك داخلة الزريبة إياك!، ولا العيشة في البندر نستك الأصول؟
اندهشت لتلفظه بكلمة ابنه عمي!، أين منه حبيبتي فانتفضت بغضب قائلة: وأنا يعني دخلت فين؟، أنا دخلت أوضة جوزي، جوزي اللي فرحه عليا النهارده وسابني في أوضة لوحدي، كأنه قرفان مني. هو في ايه بالظبط مالك؟
تأرجح الشيطان في عقل شبل ليتفوه بما يضمره قائلًا: هجولك في ايه، في إن أنتِ الصبح كنتي عتهربي وتجرسينا، وبعديها اتعديتي على أمي بالحديت في التلفون، وأخرة المتمة عايزة تضروبيها لأنك مش عاجبك عيشتك إياك وعايزة تروحي تعيشي مع واد البندر الصايع.
فرجت منة شفتيها مما يتفوه به لتتذكر كلمات أحمد الأخيرة وتفهمها جيدًا أنها وقعت في فخ مكتمل لتحاول أن تدافع عن نفسها قائلة: يعني أحمد لما قالي أسامحه علشان كده، أحمد اضطر يكذب ويقول كلام مش صح في حقي علشان خايف من ليث، بس مش مهم أحمد، المهم أنت، إزاي صدقت كل ده عليا؟
كاد أن يقتنع بحديثها ويحن قلبه ولكن صوت عقله كان جامحًا فرد عليها بفظاظة قائلًا: اسمعيني عاد، أنا اللي مربي واد أخوي مش بوه، ولو خايف منيه عيجولي إنه عيكدب، بس لع، هو مش بيكدب. أنتِ اللي كدابة وخاينة، بس أنا عدفعك تمن خيانتك وعتفضلي زوجة مع إيقاف التنفيذ وإياك حد يعرف عننا شيء، وعجبلك ضرة وعتكون بت خالي توحيدة وعيكون منها كل أولادي، أما أنتِ عحكم عليكي تكون أرض بور، خدامة اهنيه لأمي.
نظرت له بأسف وجمعت نفسها المبعثرة مثل خصلات الشعر الثائرة بسبب قراراته التعسفية في حقها وهرعت إلى الغرفة الأخرى قبل أن تنهار قواها أمامه.
وقف ينظر في أثر ها مندهشًا لصمتها ورحيلها، أيعقل أنه قسى عليها ولذلك صمتت، أم أنها بالفعل مخطئة وليس لديها ما تدافع به عن نفسها.
سطعت شمس يوم جديد لتنزعج على صوت خبطات على باب جناحها، لتنتفض وتظبط من هندامها حتى لا يعلم أحد بما حل بها أمس. هرعت إلى الغرفة الأخرى لتجده غير موجود، فحمدت ربها، وأغلقت الغرفة بإحكام حتى لا يتثنى لأحد بمعرفة شيء. كانت تتوقع أن الطارق والدته، ولكنها ما أن فتحت حتى وجدت من تسحبها من رجليها ألا وهي أبرار ابنة يسر وليث لتبتسم وتجلس على عقبيها تحتضنها وتدغدغدها لتضحك الصغيرة قائلة: وحشتيني يا خالتو، بس أنتِ مش بقيتي عروسة؟، أنتِ رجعتي تاني مش عروسة؟، خالتو علشان خاطري ارجعي البسي الفستان والطرحة تاني.
ابتسمت منة للصغيرة وقبلتها كثيرًا على برائتها لتعلو بجسدها وتحتضن يسر بشدة، لتفهم يسر أن سر الاحتضان ذلك كبير، لتغلقا باب الجناح عليهما، وأخذت أبرار تمرح أمامهما، لتنظر يسر إلى منة منتظرة أن تسمع ما حدث، فابتسمت منة بوجع قائلة: باين كده يا يسر كلامك كله طلع صح، حماتك قدرت تلعبها وبالجامد أوي، ومكفهاش كده، سلطت ليث على أحمد يكذب على شبل.
خبطت يسر على صدرها شاهقة تقول: هو ليث عملها؟، أتاري الواد أحمد عمل على نفسه امبارح، يا حبيبي يا ابني، منك لله يا ليث أنت وأمك، طب والعمل يا منة؟، شبل بيحب أحمد وبيصدقه.
لاحظت يسر انتباه أبرار عليها لتشك أنها تنقل أخبارها إلى نجية خوفًا منها، فأخذت منة إلى الغرفة وأغلقت الباب قائلة لمنة: مش عارفة ليه قلبي حاسس إن حماتك بتخلي البت أبرار تنقلها الكلام، العالم دي مش هتسيبنا في حالنا، هيضيعوا العيال معاهم، المهم شبل عمل معاكي ايه؟
ابتسمت منة بمرارة قائلة: هيعمل ايه يعني؟، هيقولي مش مصدقهم وهيسمع ليا!، لا طبعًا. هو كان السيف والجلاد يا يسر، حلف ما يلمسني ولا يكون لي زوج.
غضبت يسر قائلة: وأنتِ طبعًا ما صدقتي!، أه ما هو عرق الكبرياء واخداه من أمنا. تقدرى تقوليلي أمك أخدت ايه؟، أهي ماتت بحسرتها، مش قادرة يا خايبة عليه؟
جزت منه على أسنانها قائلة: الراجل اللي ميدافعش عن مراته يبقا ميستحقهاش، وهو باللي ناوي يعمله بيهيني ويهين كرامتي، وأنتِ عايزاني أعمل زيك؟، تقدري تقوليلي أنتِ أخدتي ايه؟
ابتسمت يسر بخبث قائلة: أخدت عقله يا ختي، كفاية أوي، واللي بتعمله حماتك ممنوش فايدة، عارفة ليه؟، بكره أنا وأنتِ ناخد مكانها، خليها تزعزع وتفرع. أنتِ كده خلتيها تفرح فيكي.
هزت منة رأسها رافضة لحديث يسر قائلة: مش هتفرح. عارفة ليه؟، لأن مسير الحق هيبان وهيعرف إنها كدابة، المشكلة مش فيها، المشكلة في أحمد احنا لازم نخليه يقوله إنه اضطر يكذب.
هزت يسر رأسها بتفهم قائلة: أنا هتصرف، بس اسمعيني هو نزل من شوية قدامنا وكان مبين إنه عادي، عايزاكي لما يرجع تبقي كويسة معاه وبلاش تفتحي سيرة الكلام ده.
تحت الشجرة التي كانايلتقيا بجواراها، كان شاردًا فيما قالته بخصوص أن أحمد اضطر للكذب فحدث نفسه قائلًا: كيف أحمد عيكدب عليا في موضوع اكده. يكون زى ما منة جالت إنه خاف من ليث. أنا خابر إن ليث بيكره منة، بس كيف عيخلي ابنه يعمل اكده؟
رد على نفسه قائلًا: بس منين منة عرفت إنه عيكذب عليا، يبجا شافته وهو عيتسمع عليهم، ولما عرفت إنه عينجل الكلام جامت مجيمة القيامة عاد واتهمت الصغير.
جاء ليث في هذه اللحظات ليستكمل بخ سمه ليقول بسخرية: حد يجعد في الأرض اكده يوم صباحيته عاد، طب أني يوم صباحيتي فضلت متشعلج في السرير عاد، وبوك جعد يمسخرني كيف الحريم.
نهض شبل وزفر بحنق ولم يرغب في الرد على سخرية ليث فتركه ورحل.
في هذه الأثناء أعلمت يسر والدها بما حدث لمنة، ليتصل على منة وبعد الاطمئنان عليها قال: منة يا بتي أني خابر إن الموضوع عنديك واعر قوي، بس أنتِ جدها وجدود. المرحومة أمك على قد كرامتها الكبيرة بس كانت خابرة كيف تراضيني صوح وتضحك عليا بكلمتين.
ردت عليه منة بغضب قائلة: أنت السبب في كل اللي حصل لأمي وموتها بحسرتها. قعدت تسمع لكلام عمي ومراته لغاية ما دمرتها، لا ومش كفاية اللي حصل رايح تجوزنا لأولادهم علشان احنا كمان نموت بحسرتنا زي أمنا. أنا مش عايزة منك حاجة، معنتش تكلمني قعدت تقولي هبقى في ضهرك، أهو أول مشكلة عرفتها بدل ما تحلها بتقول اعقلي، منين أجيب العقل؟، هو أنت خليت فيها عقل أنت وأولاد أخوك.
وقامت بإغلاق الهاتف في وجه والدها وقذفت بالهاتف على الأريكة، والتفتت خلفها لتشهق جاحظة عندما وجدت شبل يقف أمامها يتملكه الغضب لترتبك قائلة: هو أنت جيت امتى؟، قصدي يعني..أنت واقف كده ليه؟، بتبص لي كده ليه يا شبل؟، أكيد سمعت اللي قلته، في دي بقا أنا عايزاك تصدق.
انقض عليها وأمسكها من ذراعها قائلًا: ليييه؟!، كنتِ عايزاني مصدجش دي كومان، أنا خابر زين إنك خاطية وملعونة، وأنا اللي كنت عجرب منيكي وأتحدتت وياكِ وأسمعك؟
كان يتصنت عليهم ليث في هذه الأثناء يضع يده على قلبه من فرط السعادة، يحدث نفسه قائلًا: يا عيني عليكي يا منة، وجعتي في يد من لا يرحم، ده شبل خوي وخابره زين، حتى دلع البنتة ميحوجش معاه، والله ولعبتها صوح يا ليث.
ردت منة على شبل بغضب قائلة وهي تحرر نفسها من قبضته: بس بقا، من ساعة ما رجعت أخر مرة من القاهرة وأنت يا بتتجاهلني يا بتتهمني، لو أنا فعلًا بحب واحد تاني ايه اللي يرجعني هاا؟
رد عليها شبل بغضب قائلًا: متجدريش لأنك جبانة، وعتخافي لنجبوكي اهنه ونق,تلوكي. وياريتك عملتيها وكنا ارتحنا منيكي عاد، بدل القرف اللي عتصبح وعتمسي بيه.
وضعت منة يديها على صدرها تأخذ نفسًا عميقًا لعلها تهدأ ليشك أنها تستعطفه لينفض حنينه إليها ويشتد عليها قائلًا: أنتِ بجيتي لعنة،ويا ريت على قدي وعلى قد أمي وأخويا، لع، عتكلمي بوك بقلة أدب. جوليلي كيف أنا أرضى عنيك بعد اللي عملتيه عاد.
هدأت منة وردت عليه برزانة قائلة: أحمد امبارح عمل على نفسه وهو نايم، وده دليل إنه كان خايف من ليث وعلشان كده كذب عليك. أما بالنسبة لبابا فأنت معاك حق أنا غلطانة.
كاد أن يرد عليها لولا أن سمعا طرقًا على الباب وفتحه ليجد أخته هانم تحتضنه وتقبله وتبارك له فابتسم ليداري ما دار بينهما واحتضت أيضًا منة، فتركهما لأنه يعلم جيدًا أنه قد بدأت الحوارات النسائية.
أخذت تنظر إليها هانم نظرات خبيثه ثم قالت: تعالي بجا احكيلي، كيفك مع خوي شبل؟، عيدلعك ولا عيطلع كيف أجوازنا عاد، غربان وحياتك غربان، وعيجولوا وين الخراب عاد. جولي يا بت وأنا عجولك تتعاملي معاه كيف.
بكت منة ورمت نفسها بداخل أحضان هانم، فهي تعلم جيدًا أن هانم حنونة وليست أفعى كوالدتها فحزنت هانم قائلة: وه وه وه!، مالك يا خيتي؟، كأن حسدناكي عاد أنا والبت يسر في أخر جعدة بيناتنا، والله دي أخر حاجة أتوقعها تحوصل، شبل بيعشجك يا منة مش كيف أجوازنا.
خرجت منة من بين أحضان هانم قائلة وهي تمسح دموعها: مستحيل ده يكون شبل اللي كان بيحبني، عمال يصدق مرة كلام من مامتك ومرة كلام ليث وهو متأكد إنه كذب، بيتهمني إني بحب واحد من زمايلي.
وضعت هانم يدها على شفتيها غير مصدقة تقول: يا مرك يا شبل، الواد بينه اتجن عاد!، كيف يصدج عليكي الكلام ده؟، ده كل مرة ليث يجوله حاجة عفشة عليكي يوقفه عند حده، ويجوله منة متعملش حاجة عفشة واصل.
أغمضت منه عينيها قائلة بمرارة: يا ريتها جت على ليث. ليث عرف إنه ميقدرش يفرق بيني وبين شبل، خوف أحمد وخلاه يقول كلام كدب عني لشبل، وشبل علشان بيصدق أحمد مش مصدقني.
لوت هانم شفتيها قائلة: بس شبل خابر زين إنه أحمد ممكن يكذب، وأكيد عيهدى وعيعرف إنه غلطان في حقك، بس فكيها أنتِ، بلاش وش البوم ده عاد.
بكت منة قائلة: اسمعي يا هانم، أنا تقريبًا عرفت إن أحمد كذب عليه وعرفته كده، بس للأسف قالي إني هنا بنت عمه وبس، وهيتجوز عليا بنت خاله.
ربتت هانم على كتفيها قائلة: اسمعيني عاد، شبل مهما حوصل عمره ما عيجوز عليكي واصل، وخصوصا الحية بت خالي توحيدة، دي متطجاش ولا عتتعاشر، إنما أنتِ زينة البنتة، اغريه يا خايبة ورجعيه كيف خاتم سليمان في يدك وعينسى كل حاجة، وبكره تجولي هانم جالت.
ذهبت هانم وتركتها في حيرة من أمرها وشرود حتى أنها لم تنتبه على وجوده إلا عندما قام بفتح التلفاز ورفع صوته لتقطب جبينها فهو لا يميل إلى الصوت العالي في الأشياء فسألته: ايه الصوت العالي ده؟، من امتى بتحب التليفزيون؟، ولا حتي يكون صوته عالي؟، من فضلك وطيه؛ لأني مصدعة ومفيش هنا مسكن.
لم يرد عليها وأخذ يقلب في قنوات التلفاز ويرفع الصوت أكثر لتتنهد بتعب قائلة: أنت بتعمل فيا كده ليه؟، ليه مش حابب تصدقني؟، طب تعالى نقلب الآية، لو أنا اللي سمعت عنك كده تتوقع مني ايه؟، هصدقك ولا هثق فيك؟
اقترب منها وهمس كفحيح الأفعى قائلًا: فوقي يا بت عمي، أنا راجل وأعمل كيف ما أنا عاوز، لكن أنتِ حرمة شرفك من شرفي، وشرفك زي عود الكبريت، بس الغلطة غلطتي أني.
نظرت إليه باستفهام قائلة: غلطتك؟!، غلطتك في ايه؟، طب أنت حتى مصدقتنيش، على طول بتكذبني، ولا تكون غلطتك إنك اتجوزتني؟، خلاص تاهت ولقيناها.
انتفض كمن لدغته حية ومال عليها وهو ممسكًا ذراعيها قائلًا: ااااه!، جوليلي بجا، احنا لساتنا فيها، وتعالى نطلج. مش صوح يا بت عمي؟، واكده يطلع شبل مش زين، ويحقلك تتجوزي ابن البندر .
ثم استطرد بخبث قائلًا: طب ما أتجوزك أني الأول، ولا هو حلال ليه محرم عليا. اااه منك ومن لؤمك يا بت عمي، كل ده يطلع منيكي؟!، وأنا اللي كنت فاكرك جطة مغمضة.
وضعت منة يدها على وجهها مصدومة من اتهاماته، ليستكمل قائلًا: ايه؟!، مالك؟!، كنتي مفكراني عبيط إياك؟، فوقي يا بت عمي ده أنا اللي مربيكي، ولولايا لكنتي شفتي علام ولا مرواح مصر، وده اللي غولطت فيه.
لا تجد رد غير الحزن الذي دخل بقلبها ليستمعا إلى دقات الباب من جديد ليعلن عن قدوم نجية ليزغر ها أن تستقبلها باحترام وتركهم مرة أخرى، لتجلس نجية تنظر إليها باستياء قائلة: اوعي تفكري يا بت البندر إنك اكده كسبتي!، لع، أنا خابرة زين إنك خسرتي. وخسرتي كيف؟، عن طريق حبيب القلب أحمد. شفتي كيف عصينا قلبه عليكي؟
ابتسمت منة بسخريه قائلة: ما أنت مقدرتيش تعملي حاجات عملها عيل صغير؛ علشان خايف من أبوه. بس مسير كل حاجة تنكشف وتبان، وساعتها هيبقا موقفك وحش أوي.
نظرت إليها نجية بتعالي قائلة: وأنتِ بجا هيبقا موقفك ايه لما نبعتوا نجيبوا واد بالفلوس يمثل عليه إنك عشيقته؟، وعتعملي ايه لما يتجوز بت خوي عليكي وتجيب الواد؟
ردت عليها منة بثقة قائلة: ولا تفرق بالنسبة ليا، وأنا عارفة إن اللي فيه شبل ده مجرد غشاوة وهتنزاح، ومش يمكن يا مرات عمي أنتِ اللي تيجي تسترجيني أرجع لشبل؟
ضحكت نجية بسخرية قائلة: كيف؟!، جوليلي كيف؟، لهو أني اتخبلت عاد!، جال أجيلك أترجاكي ترجعيله، ده يوم ما تخرجي من البيت عكون كاسرة وراكي زير.
ابتسمت منة قائلة: الله أعلم ازاي، بس صدقيني يا مرات عمي أنا عندي ثقة بربنا وكبيرة إن شبل هيكون ليا في الأول والأخير. وبكره تقولي منة قالت.
ضحكت نجية باستهزاء قائلة: هنشوف يا بت سلفتي، ده أمك كانت غالية عليا عاد، وكنا كيف الأخوات، اتوحشتني جوي بدي أروح أزورها في قبرها، وأفرق قرص رحمة ونور عليها.
ردت عليها منة بحزن قائلة: ماما الله يرحمها كانت ست ولا كل الستات، استحملت وشافت حاجات لا أنا ولا يسر نقدر نستحملها، بس أنا واثقة إني مش هبقا زي يسر وهتعدي معايا،يا جدة أولادي.
اغتاظت نجية ولوت شفتيها وحركتهما يمينًا ويسارًا وتركتها ورحلت وهي تدعو لها بالخراب.
جاء الليل ليعلن عن ليلة عذاب جديدة بينهما لتسأله وهي تتنازل عن كبريائها قائلة: هو أنت هتبات في الأوضة التانية النهارده برضه؟، دي مفيهاش غير كنبة، مش خايف لضهرك يتكسر لو حابب ادخل الأوضة الكبيرة.
ابتسم شبل بسخرية قائلًا: ايه عتخافي عليا ولا ايه؟!، لتكوني بتحبيني عاد!،أنا اكده عصدقك. وفي الأخر عطلع عبيط من جديد، بلاش دور المسكنة ده، ودلع الحريم.
رمشت منة بحيرة قائلة: أنا كنت عاوزة راحتك، بس طالما هتأطمني يبقا بالناقص، أنت حر. الجناح بتاعك، نام مطرح ما تحب، أنا أكبر من اني أستخدم أسلوب زي ده معاك.
تضايق شبل من برودها قائلًا: أكبر منيه!، ليييه؟، مشبهش لإياك. لازم أكون متعلم ومتنور وبلبس كيف واد البندر علشان تحبيني وتخافي عليا مش صوح يا منة؟!، يا خسارة حبي ليكي.
تنهدت منه بتعب قائلة: حتة التعليم دي أنت السبب فيها، أنت كان نفسك مراتك تبقا متعلمة علشان تنفع أولادكـ، زي ما أنا نافعة أحمد وأبرار، بس للأسف أنت غلطت فعلًا لأن طلعت مش مهمة.
زفر شبل بحنق قائلًا: يعني المعروف اللي عملته ليكي طلع ملوش قيمة!، اكده عاد!، خيرًا تعمل شرًا تلجى. يا ريتني كنت سمعت كلام بوي وبوك واتجوزتك من بدري.
ثم استطرد بغضب قائلًا: لو كت اتجوزتك بدري، كان زمانك كيف البهيمة في قلب الدار، لكن أعمل ايه في جلبي اللي عشجك وأنتِ كرهتيني فيه وفي نفسي.
غضبت منة وتعالى صوتها قائلة: أنت ايه يا أخي؟، مُصر تبقي المظلوم في اللعبة دي؟، أنت فعلًا مظلوم، عارف ليه لأنك صدقت أمك وعيل صغير. يا شبل صدقني أنا عمري ما أنسى خيرك عليا.
اقترب منها ووضع يده على شفتيها ليخرسها قائلًا: صوتك ميعلاش، أنتِ فاكره نفسك فين؟، فوجي وافهميني صوح. عارفة معنات كلامك ايه؟،إ نك متجوزاني رد جميل، مش اكده معناته؟
أزاحت يده من على فمها قائلة: احسبها زي ما تحسبها، بس احسب برضه الندم اللي هيحصل معاك لما تفوق من كل الظلم اللي عمال تظلمه ليا، بس ياريتك تفوق بدري.
استفزته بجملتها الأخيرة فرد عليها قائلًا: ابقي احسبي وجت الندم لوحديك، ومن عشية امبارح أنتِ غلطتي فيا وفي العيلة كلياتها ولازم تدفعي تمن غلطك ذل وإهانة، يا بت أمك.
أغمضت عينيها عند ذكره والدتها فردت بغضب قائلة: متجيبش سيرة أمي على لسانك، اطلب لها الرحمة. عايزة أقولك على حاجة أنا زميلتي في الكلية هتتجوز الشهر الجاي واحد بيشتغل في الكويت وعرضت عليا عقد عمل كمدرسة هناك وأنا رفضته عارف ليه علشانك، أنا قلت الكلام رغم إني عارفة إنك مش هتصدقه.
سخر منها قائلًا: لع، أنتِ اكده بتكشفي ورجك واحدة واحدة، تكرهيني وتطلجي مني وتتجوزى واحد من زمايلك وتسافري معاه وكده يبقا هجيتي من حياتنا.
ذهلت منه ومن تفكيره المسموم، ليستطرد قائلًا: اكده كلام بوي عنيكم صوح. يا ريتني كنت سمعت كلامه ومتعلجتش فيكي، لو أعرف إنك حجيرة للدرجة دي لكنت سلمتك بيدي وجوزتك وغورتك من اهنه.
وضعت يدها على رأسها تكاد تنفجر ، ليزيد من كلامه قائلًا:
ألا قوليلي يا منة أنا خابر إن يسر عرفت بموضوعك مع الواد اياه، ايه رأيك لو أخبر ليث وهو يتصرف معاها؟، ولا أجولك عسيبكم اكده خايفين لليث يعرف.
جائت الفرصه لمنة على طبق من فضة لتربع ذراعيها في وجهه قائلة بكل ثقة: أنا هقولك، ايه اللي يخلي أحمد يجي يقولك أنت الكلام ده وميقولوش لأبوه؛ لأن أبوه هو اللي قاله يقولك الكلام ده. ليث نسي هنا إننا ممكن نكشفه.
وجد شبل في حديثها إتزان، ولكن صوت عقله نفضه مرة الاخرى فاستهزأ بها قائلًا: أنا هقولك مجالش لبوه ليه؟، لأنه خابر إن بوه عيضر,ب أمه، فسكت ولما جلتي إنه عمل على روحه فده من خوفه لبوه يعرف بالسر اللي أمه مخبياه.
هزت منه رأسها بيأس قائلة: ده أنت كده بتصعبها عليا أكتر يا شبل، ومُصر كل مرة تنزلنا تحت الصفر. خد بالك يا شبل، احنا الثقة ما بينا تعتبر منهارة، ومش هترجع تاني.
رد عليها بسخرية قائلًا: خابر إنها مش عترجع واصل، الثقة دي أنتِ اللي ضيعتيها يا منة، وأنا اللي عندي قولته، ومش راجع فيه، إلا إذا اتغيرتي وبطلتي تناطحيني راس براس.
مطت شفتيها بيأس ورحلت لا تعلم كيف تتعامل مع هذا القلب البارد.
الفصل الثالث
مر أسبوع على منة وشبل، صار فيه شبل أكثر شراسة لا يريد الاقتراب منها رغم محاولاتها المستميتة معه. أخر يوم من أيام الأسبوع وجدته صباحًا يهتف بها ببرود قائلًا: هو أنتِ عتفضلي جاعدة في الجناح اكده كتيير؟!، اكفاية عليكي اكده، تدلي تحت من النهارده وتشتغلي مع الحريم.
خطت نحوه واقتربت منه لتعدل من هندامه ليتفاجئ بها وهي تبتسم بخبث قائلة: حاضر، ولو إني لسه عروسة، بس المهم إن أنت تبقا راضي عني.
ارتبك من أسلوبها ولكن استجمع قوة قلبه من جديد وأنزل يديها من على كتفيه وتخطاها ورحل لتجز على أسنانها.
ارتدت ملابسها وجاءت تهبط للأسفل لتتفاجئ بأخته نوارة الحاصلة على الثانوية العامة، ترتمي بأحضانها وتتعالى شهقاتها كأنها تستنجد بها لتدخلها منة على الفور وتربت على كتفيها لتقول الأخرى: شفتي يا منه اللي عيعملوه فيا؟، مش عيخلوني أكمل تعليمي وعيجوزوني واد خالي!، الحجيني يا منة!، أنا جايبة مجموع طب عيحطموني.
ربتت منة على ظهرها قائلة بحنان: مين قالك إن ده هيحصل يا نوارة؟، ده كلام بس بيقولوه، متقلقيش، شبل أكيد هيخليكي تتعلمي زى ما أنا اتعلمت، ويا ستي اعملي زيي اتخطبي لابن خالك ولما تخلصي اتجوزي.
زمت نوارة شفتيها قائلة: جوزك هو السبب يا منة، كانت أمي وخوي ليث مجتنعين، جه هو وفركش كل حاجة، جال إنه لا يمكن يبجا في شبيهة ليكي تاني، كفاية أنتِ وعمايلك.
فزعت منة ونهضت من جوارها قائلة: بتقولي ايه؟!، شبل هو اللي قال الكلام ده!، طب ليه؟!، أنا معملتش حاجة!، أربع سنين قضيتهم في الكلية باحترامي، حتى عقد العمل اللي كان جايلي من صاحبتي رفضته.
هزت نوارة رأسها قائلة: أيوه صوح، هو جال إنك كنتي عتهربي مع صاحبتك وجوزها وتتجوزي هناك واحد غيره، وأمي وخوي صدجوه، بس أني مش مصدجاه.
فجأة ارتفع رنين هاتف منة وهي جالسة مع نوارة، لكي تكون نوارة خير دليل إثبات على برائتها. كان من صديقتها زهرة كانت مرحة كثيرًا في حديثها فهتفت بلهفة قائلة: بت يا منة، اتوحشتك جوي يا بت، قوليلي بقا الجواز حلو يا منوش ولا السنجلة جنتلة؟، واوعي تقوليلي السنجلة جنتلة، أصل خلاص كتبت كتابي امبارح.
ابتسمت منة قائلة: أنتِ بنت حلال يا زهرة، وابن الحلال عند ذكره بيبان. كنت لسه بحكي لنوارة عنك وعن عقد العمل اللي قدمتيه ليا وأنا رفضته، ويا ريتني ما رفضته.
كانت منة في تلك الأثناء فتحت مكبر الصوت لكي تستمع نوارة لكل شيء، قطبت زهرة جبينها قائلة: أنا مش مرتاحة لكلامك يا منة، ايه يا ريتني ما رفضته دي ؟، من امتى منة بتندم على حاجة خصوصًا لما تكون مقتنعة ومصممة متعملهاش.
هزت منة رأسها قائلة: تقدري تقولي من ليلة ما اتجوزت، من يوم ما الكل اتهمني، وكنت مفكرة إنه الوحيد اللي هيدافع عني، بس لا يا زهرة مقتنع إن كان ليا علاقة بحد في الجامعة.
هزت زهرة رأسها بعدم اقتناع قائلة: أنا متأكدة إن في سوء تفاهم، وأنا مستعدة أكلمه بنفسي أو أخلي جوزي يكلمه، قلتلك يا منة المكان عندكم مينفعش تعيشوا مرتاحين فيه.
استكفت نوارة بما سمعته وعزمت أمرها أن تفتعل شيء في سبيل إسعاد منة، بعد خروج نوارة أخذت منة تنتحب في الهاتف مع زهرة قائلة: هو المكان بس، ده حتى بابا يا زهرة مجوزني له علشان ينتقم من مرات عمي، ومرات عمي مصرة تحط راس أبويا في الطين، هي وابنها.
جحظت زهرة بعينيها قائلة: هو ابنها التاني ده مش جوز يسر؟!، ولا هي اتطلقت منه؟!، ايه اللي بيحصل ده؟!، هو تار ما بين العيلتين، وشبل فين من ده كله؟!، مش ده حبيبك؟
تنهدت منة بتعب قائلة: خلاص يا زهرة، شبل مبقاش حبيبي، بقا عدوي، هيخليني خدامة له، وهيتجوز عليا وهيعرف الكل إني مش بخلف؛ لأنه مش هيلمسني.
أغمضت زهرة عينيها بحزن قائلة: يعني ايه اللي بتقوليه ده؟َ!، معقول يصدق كل الكلام ده؟!، لا وكمان يصدر حكم بالنيابة عنك؟!، مش خايف لتشتكيه ويضطر يطلقك .
هتفت منة معارضة لحديث زهرة قائلة: هو أنتِ مفكرة إني ممكن أعملها؟!، عمرى ما أقدر يا زهرة، ومش علشان خايفة منه؛ لأنه ببساطة ممكن يحلها في ليلة وغصب عني.
هتفت زهرة باستغراب قائلة: أومال مش هتعمليها ليه؟، واوعي تقوليلي إنك بتحبيه؛ لأنه ميستاهلش. يا ستي دي الحاجة الوحيدة اللي كانت معلقاكي فيه هي حبه ليكي.
ردت عليها منة بحزن: وما زلت متعلقة بيه، ومقدرش أبعد عنه. جايز بكابر بيني وبين نفسي، بس كل أما بشوفه بحاول أقرب منه وأشيل الحواجز اللي بينا.
هزت زهرة رأسها بيأس لإحساسها بحالة منة وهتفت قائلة: حاسة بيكي يا منة، وباين من كلامك إن هو معندوش استعداد يرضى عنك، بس هقولك إني خايفة ينفذ كلامه فعلًا، وأنتِ هتتنازلي عن حقوقك.
صرخت منة قائلة: يا زهرة أنا بحبه ومقدرش أعيش من غيره، وفي نفس الوقت مش متخيلاه مع واحدة غيري، منتظرة عدالة ربنا تنجيني من اللي أنا فيه.
دعت لها زهرة قائلة: ربنا ينصرك يا منة يا حبيبتي، منة اسمعيني كويس بكررها تاني أتصل أنا عليه وأفهمه كل حاجة. يا منة أنتِ مكنتيش بتتكلمي مع أي ولد في الجامعة.
تنهدت منة بحزن قائلة: المشكله أكبر من إنك تتصلي وتوضحيله الأمر. المشكلة فيها ابن أختي اللي راح كذب عليه لأنه خايف من أبوه، صعبان عليا الولد هو كمان. عمومًا أنا مضطرة أقفل معاكي دلوقتي ورايا شغلي تحت هكلمك لما أخلص.
أنهت منة اتصالها وهبطت أسفل حتى تقوم بمهامها ولا تستمع لأي كلمة تجرحها، وبأخر النهار صعدت ونامت من التعب تاركة هاتفها على الأريكة بالصالة، قلقت عليها زهرة لأنها وعدتها بالاتصال مؤخرًا فقامت بمهاتفتها فوجد شبل الهاتف وقطب جبينه لعدم وجود اسم حيث اضطرت زهرة لاستخدام هاتف خطيبها لعدم وجود رصيد لديها فتح شبل الهاتف وظل صامتًا ليستمع لصوت زهرة المرح وهي تقول: يااااه يا منة!، أنتِ لسه فيك العادة النيلة دي، لما تلاقي رقم غريب يا إما مترديش يا تردي وتفضلي ساكتة، يعني أنا لولا فهماكي كنت فضلت مستنياكي تتكلمي.
رد شبل بخجل قائلًا: منة نايمة، أنتِ مين؟، أنتِ صاحبتها صوح؟، أنا أسف اني مرديتش أول ما فتحت التلفون، بس أصلك متصلة من رقم مش مكتوب عاد.
ابتسمت زهرة وعضت على شفتيها فقد حانت فرصتها للتحدث معه فردت بلهفة قائلة: ده رقم جوزي أصل معييش رصيد، كنت بطمن على منة كلمتها الصبح وقالت وراها شغل وهتكلمني بليل، وبصراحة مبسوطة إنك أنت اللي رديت.
واستطردت قائلة: اسمعني يا أستاذ شبل، أنا أعرف منة من أربع سنين، مشوفتش منها غير الأدب والأخلاق، وصلت لدرجة إنها ترفض تعطي محاضراتها لولد علشان ميبقاش في احتكاك.
عبس بوجهه قائلًا: ليه بتجولي اكده؟
ردت بثقة قائلة: لأن عارفة اللي وصلك، وأي إن كان وصلك ايه فهو كله كذب وافترا، لو مش مصدقني موبايل منة بيسجل المكالمات افتح واسمع وشوف.
استشعر شبل في نبرتها الصدق فأراد أن ينهي مكالمته معها قبل أن تستيقظ منة، ولكنه تفاجئ بمنة تخرج من غرفتها تنظر إليه باستغراب وهو ممسكًا هاتفها لتسمعه يقول: شكرًا ليكي يا أستاذة زهرة، منة صحيت، وهتكمل معاكي التلفون، السلام أمانة لجوزك.
أعطى الهاتف لمنة لتقف أمامه تعاتب صديقتها قائلة: مكنش له لزوم يا زهرة، أنا قلتلك الصبح اللي في دماغك لا هيقدم ولا هيأخر، ليه تحاولي تعملي حاجة من ورايا؟، وترخصيني بالشكل ده.
زفرت زهرة بحنق قائلة: بصراحة لقيتها فرصة، وأنا مش هسيبك في النار لوحدك زي ما يسر عملت، منة أنتِ أختي وبحبك، ولعلمك بكره تقولي زهرة قالت هيحن.
انتهت مكالمتها وتوجهت منة إلى الغرفة لتسمعه يهتف قائلًا: أنا رديت لما لجيته رقم غريب، خابر إنك عتفكري إني شاكك فيكي وأنا مش عنكر، بس صدجيني لما لجيتها صحبتك ارتحت جوى.
التفتت إليه قائلة بحزن: ارتحت لما عرفت إنها صحبتي ولما قالتلك اني معملتش حاجة من الخرافات اللي عمالين يقولوها، عمومًا هي اترجتني الصبح كتير تعرفك بس أنا مكنتش راضية.
كاد أن يرد عليها ولكن لم تمهله، ودلفت إلى غرفتها تتصل بزهرة تعاتبها لترد عليها زهرة بمرح قائلة: نهار اسوح!، أنتِ بتتصلي ليه؟َ!، اوعي يكون مقتنعش!، يا أبويا ويا مرك يا نعمة على الدماغ الصعيدي!، أركب القطر وأجي أضر.به؟
زفرت منة بحنق قائلة: لا اقتنع، بان في عينيه إنه صدقك، بس أنا مش عايزة كده، أنا عايزة شبل حبيبي اللي يصدقني أنا، مش يصدق كلام أمه شوية وكلام عيل.
لوت زهرة شفتيها قائلة: كان لازم طرف تالت يا منة، وبعدين الحركة مش مقصودة، بس جت تدبير من عند ربنا أهو، ده الراجل بيكلمني وخلص معايا وكان مش عايز يسمع أصلًا.
تنهدت منة قائلة: ما هو ده اللي مجنني يا زهرة!، هيقت,لني بقلبه البارد، ايه اللي غيره كده؟، مش معقول يكون اللي قالوه، النهارده بدأت أحس إن فرق التعليم موتره.
شهقت زهرة جاحظة تقول: أوووبا!، أنا ازاي تاهت عني الفكرة دي، بس يا منة أنتِ موافقة عليه ومقتنعة كمان، ايه اللي يخليه يحس إنه قليل بالنسبة لك، وبعدين أنتِ ايه اللي خلاكي تشكي؟
أغمضت منة عينيها قائلة: النهارده مشكله نوارة، هو الوحيد المعترض على تعليمها، وعايزة يجوزها ابن خالها ولما قلت ايه يعني تتخطب وتتجوز بعدين قالوا علشان هتحس بالفرق زيك.
لوت زهرة شفتيها قائلة: وطبعًا سيادتك، الكلام تعب نفسيتك وقعدتي تعيطي قدامها، هقولك ايه ما أنتِ هبلة، زمانهم بقا حكوا له وعرف أنتِ قد ايه يا عيني متعذبة.
ابتسمت منة قائلة: كأنك فتحتي مخي ودخلتي قعدتي جواه، أنا فعلًا اتأثرت أوي، خصوصًا اما اكتشفت سبب معاملة شبل الباردة ليا،بس اطمني لحقت نفسي.
تنهدت زهرة قائلة: طيب بما إنك مش هبلة زي ما أنا تخيلت، يبقا استنتاجي في محله، كون إنه مش راضي يسمعني وأنا بفهمه ده معناه إنه خلاص العقدة راحت.
زفرت منة قائلة: تقريبًا كده، ده حتى كان صريح معايا وقالي إنه شك لما شاف رقم غريب، وقال كمان إنه انبسط إن طلعتي أنتِ مش حد تاني، بس برضه خايفة.
صرخت زهرة في وجهها قائلة: كفاااية!، حرااام ارحمي أمي الغلبانة وجوزي أنا كده بهمك ده هيعلى الضغط وبدل ما أدخل دنيا هدخل أخرة، بصي اهدي كده وسيبي نفسك وشوفي هيحصل ايه.
ابتسمت منة تهز رأسها قائلة: حاضر يا زهرة هعمل اللي بتقولي عليه، ومتشكرة أوي على كل اللي عملتيه معايا، ابقي طمنيني عليكي وادعي يجيبني ليكي أشوفك قبل ما تسافري.
ابتسمت زهرة قائلة: أنتِ تؤمري يا منوش، مطر دعوات هينزل عليكي ساعة الفجر مني ومن ماما ومن الراجل اللي معذباه معايا ده، يلا تصبحي على خير.
نامت منة رغم انتظاره لها أن تخرج له في أي لحظة، ولكنها فضلت المكوث في غرفتها.
سطعت شمس يوم جديد واستيقظت ولكنها لم تجده فهبطت إلى الأسفل حيث العمل مع يسر لتنظر إليها يسر بامتعاض قائلة: ده بينها جوازة هم، ايه اللي عملاه في نفسك ده؟، ألا ما فيه في وشك حبة أحمر ولا أخضر ، كنتي يا خايبة حطيهم علشان نغيظ العقربة حماتك.
ابتسمت منة بسخرية قائلة: وهو شوية الأحمر والأخضر اللي يغيظوها، اطمني دي تغيظ بلد، يا بنتي دي موتت أمك بحسرتها، ده خلت أمك تسقط مرتين، والله أنا بقيت بخاف منها.
كتمت يسر ضحكاتها قائلة: ايه بتخافي؟، معقول يا منة؟!، أنتِ تخافي منها!، معلش أصلك خايبة زي أمك، أو أقولك جايز شبل هو اللي طلع جامد زى أبوكي، لكن ليث حاضر يا أما، وفي الأوضة هيموت عليا.
زفرت منة بحنق قائلة: بقولك ايه يا يسر، متجبيش سيرة ليث ده خالص طول ما أنا واقفة معاكي، فرحانة بيه أوي يا ختي وهو بيعلم ابنك الكذب ويخوفه، هو مفكر نفسه مين؟
هزت يسر رأسها بيأس قائلة: أنا بحاول أنسى عمايله، لا وهيتجنن وعايز العيل التالت، امبارح قلتله واحد طلعته كداب والبت طلعتوها فتانة، والتالت هطلعوه ايه حرامي؟
ابتسمت منة بسخرية قائلة: كل شئ جايز مع العيلة دي، المهم أنتِ يا يسر لازم يبقالك قعدة مع ولادك، مش تسيبيهم كده، وأنا هحاول مع أبرار، لكن أحمد الصراحة لا.
تذمرت يسر قائلة: يا سلام!، أحمد لا ليه بقا؟، مكنتش كذبة يا ست منة، أنا قلتلك هقول لشبل، بس ابعدي الولد عن الموضوع. يعني كنتي عايزاه يضر.ب؟
ردت منة قائلة: وبالنسبة للي حصل معاه طول الليل؟، يرضيك يا يسر هانم؟، ابنك مش صغير قوليلي هيطلع راجل ازاي وقد المسؤلية؟، ولا هيبقا ابن أبوه؟
تحدثت يسر بحزن قائلة: أنا عارفة إن الموضوع كبير وصعب، بس في نفس الوقت الواد بيصعب عليا لما بيتمد كل شوية منه، مش عارفة بيعمل فينا كده ليه.
ربتت منة على كتفيها قائلة: متزعليش مني أنتِ كنتي ملهوفة عليه لهفة وحشة أوي، كأن لا قبله ولا بعده، وده اللي خلاه ميعملكيش كرامة، وكل حاجة بتعطيه بسهولة.
اتغيري يا يسر، مش مرة واحدة بالتدريج، قربي من ربنا، صلي، تعرفي لو حماتك طلبت منك أي حاجة وقت الصلاة اوعي تعمليها، ارضي ربنا وهي هترضى عنك، جايز هتطول بس صدقيني اللي قريب من ربنا ربنا بينصره، أنا قلت ليها يوم الصباحية أنا واثقة إن ربنا هينصرني، وعلى فكرة أنا قريب أوي هرجع قلب شبل ليا تاني.
بهذه الكلمات كانت منة تحدث نفسها ولكن صوت عقلها تعالى قائلًا: لأجل كرامتك يا منة..سوديها على دماغهم.
تردد هذا الصوت في أذنيها وكأنه صوت أمها، ولكن تبرأت منه، وبرأت أمها من هذه الكلمات تضع في رأسها شيء واحد هو العيش معه في سعادة، والإنجاب منه والانتصار على السيدة التي دمرت حياة أمها..تعلم جيدًا أن عقلها ناضج، ولكن ما قام به شبل من خذلان جعلها تفكر في أمور بدائية لتحارب من أجل كرامتها وتطفئ سعادة من تطاردها وكأنها الكابوس الذي لا ينتهي، كابوس تسبب في موت من أنجبتها.
تسترجع ذكرياتها وهي صغيرة وتسأل نفسها، ألم يكفيها تلك المرأة ما فعلته بأمي ومحاولات تفريقها عننا إما بطلاقها من والدي حتى أراحتها أمي عندما ماتت بالمرض اللعين.
تعبت من كثرة التفكير وهو تأخر عليها ولكن دون قصد منه حيث كانت تنتظره نوارة في الحديقة الخلفية، ليغمض عينيه فور رؤيتها فهو يعلم أنها ستتحدث بأمر إكمال التعليم لتجلس أمامه بابتسامة مضطربة قائلة: كيفك يا خوي؟، أنا خابرة إن الوجت متأخر، بس أنا عاوزة أتحدت وياك، بخصوص منة، منة زينة يا خوي، وأنا معاي الدليل، أنتوا كلياتكم ظلمتوها.
تنهد شبل واضعًا رأسه بين كفيه قائلًا: خابر يا نوارة، منة طلعت صوح، إني هيجي يوم أندم فيه، بس في نجطة يا نوارة على اعتراضي في تعليمك، واد خالك رغم إن خالك عفش بس الواد عيحبك.
ثم أشاح بوجهه يستطرد قائلًا: وأني مش عاوز يحس بالجله زيي، ..أنا يا نوارة بعد ما منة جربت تاخد شهادتها..وبسمعها بتتحدت لغات زين..استخسرتها في نفسي.
هزت نوارة رأسها متفهمة لتوضح له الأمر قائلة: الكلام ده يرسى لما تكون اتجنعرت عليك، كان نفسي تسمعها وهي عتتحدت ويا صاحبتها..والله العظيم بتعشجك يا واد أبوي..والبت الشارية مش بيهمها حاجات زى اكده.
زفر شبل قائلًا: طب قيمينا من الموضوع ده دلوك، توعديني يا نوارة لو كملتي علام، وحسيتي إنك كبيرة على واد خالك، هتيجي تجوليلي ولا عتهربي؟
ابتسمت نوارة تنفي ما يقوله قائلة: يا خوي مين جال إنك وواد خالي مش متعلمين؟، دبلوم الصنايع مش هين برضك، ده في ناس بيبجى معاهم مجموع الثانوية ورغبتهم بتبجي في الدبلوم.
كانت تنتظره لتتناول العشاء معه فهاتفته حتى أنه استغرب اتصالها ليرد عليها وتتلهف عليه قائلة: شبل..أنا مشفتكش الصبح..وبعتلك الأكل مع الغفير رجع زي ما هو..أنت مش ناوي تيجي تتعشى معايا..أنا كمان مأكلتش حاجة.
ابتسم شبل حتى أضائت الابتسامة وجهه قائلًا بسعادة تغمره: مساء الورد يا منتي يا حبيبتي..استنيني أصلي اتوحشتجك جوي..أنا بس جاعد مع البت نوارة بنتحدتت في موضوع جامعتها..عخلص معاها وعجيلك.
استغربت منه مع من تتحدث ترى ما هذا التغيير المفاجئ أيعقل أن يكون سببه نوارة؟
على الجانب الأخر كان ليث يستمع إلى محادثته مع منة ليتقدم إليه قائلًا بسخرية: مساء الخير يا شبل، شايفك مزاجك رايج! خير فرحني معاك يا خوي، لتكون وافجت على جامعة البت نوارة؟، ده أنا لسه متفج مع واد خالك على الفرح.
تنهد شبل قائلًا: أيوه وافجت، أنت صوح خوي الكبير، بس بتنتهز الفرص وتخربط الدنيا، أنا عتحدتت معاه بكره وهرسيه على الليلة، عنكتبوا كتابهم بس.
ثم استطرد قائلًا وهو يرى الغضب في عيني ليث: وعتخلص سنتين وتتجوز، وعشرط عليه يكملها علام، حتى لو عنصرفوا عليها بنفسينا، دي أختنا الصغيرة برضك وبوك وصانا عليها.
لوى ليث شفتيه قائلًا: ليه يا واد أبوي؟، كنا جوزناها وخلصنا منيها، لأحسن تتجنعر علينا كيف مرتك، وواد خالك طيب مش عيستحمل مرمطة زيك.
فهم شبل ما يرمي له ليث من كلماته فرد بغضب قائلًا: أه!، أنت بتلجح عليا يا خوي، ماشي وماله، بس عجولك حاجة، واد خالك جوي زيي عايز مرته تبجا متعلمة وجوية، كيف منة، مش مربوطة في ساجية كيف يسر.
تذمر ليث قائلًا: محصولش، يسر ست الدار دي كلياتها بعد أمك، اكفايه إنها عتسمع كلامي، دي الرجولة عاد، مش المسخرة والدلع ومرواح البندر.
علمت نوارة أن الحرب دارت بين أخويها لتتنحنح قائلة: أنا عتمسخر وعدلع يا خوي؟!، مش أنت اللي خلتني أزن على شبل يوديني الجامعة، ولما مرضيتش جولتلي إن منة السبب، أهي طلعت مظلومة.
اندهش شبل لما تقوله نوارة ونظر إلى ليث باشمئزاز قائلًا: ما كنت تخليها تجتل منة بالمرة؟!، مش خابر ليه عتكره منة كل الكره ده؟، لو علشان مرت عمك الله يرحمها، طب ما أنت متجوز بنتها التانية.
هنا ظهرت هانم في محيطهم أختهم الكبرى التي عاشرت صراعات كثيرة بين والداتها وامرأة عمها لتتحدث بصدق قائلة: ومنة كومان عتكره ليث يا شبل، وأنا خابرة ليه، زمان ليث كان عيجتل مرت عمي، ومنة شافته كانت لسه صغيرة، والله العظيم كانت راجل ومسكت البندجية بتاعت بوك وخرجته من الدار يجري كيف المجنون.
فرج شبل فاه قائلًا: وه وه وه!، عتجولي ايه يا هانم؟!، ليث كان عيجتل؟!، جتالين جتله احنا عاد!، ليه!، يبجا عستغرب ليه لما ألاجي ابنك عيكذب، وبنتك عتفتن لستها.
تعالت ضحكات هانم قائلة: صوح كلامك يا شبل، اسمع التجيله يا واد أبوي، عشية كان عايز يخلف الواد التالت، يسر جالتله وده هيطلع ايه حرامي؟، جام ضر,بها.
كاد أن يتحدث ولكنه لمح أحمد يقف خلف الباب ينتظر ما سيحدث في والده فقام بالنداء عليه ولكن هرب أحمد يستصعب مواجهة شبل لينظر شبل إلى ليث باشمئزاز قائلًا: هو ابنك مخاصمني يا ليث؟، روح يا شيخ منك لله، الأول فرجت بيني وبين مرتي وفي أحلى ليلة في عمرنا، وبعديها فرجت بيني وبين الواد.
هزت هانم رأسها لتعلمه أن لا جدوى من حديثه مع ليث لتقول: يعني ده اللي مزعلك يا خوي؟!، ده هو ذات نفسيه مش زعلان على حاله، ولا فارجة معاه، أهم حاجه يرضي أمي، طمعان ياخد منيها الأرض.
رد شبل باعتراض قائلًا: مش الأرض دي برضك أنا ليا فيها؟!، ده أنا اشتغلت فيها أكتر منيك، ولا هو أكل وبحلجة. اسمع أما أجولك أني صوح أصغر منيك بس مش عسيب حجي وحج أخواتي في يدك.
رد عليه ليث بفظاظة: احنا عنوروثوها وهي عايشة؟!، هي حرة، وطول ما أنت متجوز منة مش عتعطيك حاجة من أملاكها، وأنت معتجدرش تاخد حجي في أرض بوي.
تنهد شبل قائلًا بوعيد: طيب يا خوي..خليها تكتبهالك..وأنا من بكره مش عمد يدي فيها وخليها تخرب..علشان تبقى تفرح بيك يا كبير..جال كبير جال..الكبير كبير بمجامه.
قامت هانم بإغاظة ليث قائلة لشبل: حيث اكده..عنروحوا الشهر العجاري أنا ونوارة وعنعملولك توكيل يا خوي..اتصرف أنت عاد..إن شا الله تبيعنا هدومنا اكفاية حنية جلبك علينا.
ابتسم شبل بشماتة قائلًا: ده العشم برضه يا خيتي، أنتِ عملتِ اكده لأنك خابرة إني لا يمكن أكل حرام ولا أكل ولادي حرام، اكفاية تبجوا مطمنين وأنا عايش.
تضايق ليث وأشاح بيده قائلًا: يلا إياك بت البندر تبيعوا اللي وراه واللي جدامه ويبجى عامل زي عواد باع أرضه، والله دي أمي ساعتها تطب ساكتة، وليه أنا عجولها.
تركهم ليث وغمزت هانم لنوارة أن ترحل لتتحدث إلى شبل قائلة: حبيبي يا أخوي، مش كفاية اكده عاد؟، حن على البنية عتعشجك كتير، وأنت تستاهل تتعشج، عيش حياتك وانبسط واوعى تصدج تاني كلام عليها.
استمع إلى كلماتها وصعد إليها ليجدها تنتظره قائلة: اتأخرت ليه؟، أنت قلت هتيجي بسرعة، حصل حاجة؟، اوعى تكون اتعشيت تحت مع مامتك؟، أنا سخنت الأكل تلات مرات، وجعانة جدًا.
ابتسم إليها قائلًا: جالي تلفون من جوز صاحبتك عازمنا على فرحهم في القاهرة بكره، وده اللي أخرني، ده حتي جالي على عجد العمل بتاعك، ليه مجولتليش أول ما عرضوا عليكي.
ابتلعت ريقها قائلة: عقد العمل!، يعني مش موضوع مهم أوي، أصل أنا اعترضت عليه من أول ما قالتلي زهرة، أنت عارف الصحاب بيبقوا عايزين يبقوا مع بعض في نفس المكان.
جلس ينظر إليها بتدقيق قائلًا: أنا جولتله موافج، بس مش على السفر طبعًا، أنتِ خابرة مجدرش أهمل الأرض، بس إن كان على مرواح القاهرة مفيش مانع تروحي.
قطبت منة جبينها قائلة: أروح!، لهو أنت هتسيبني أروح لوحدي؟!، لا طبعًا أنا لا رايحة ولا جاية، إذا كان وأنا مش مراتك طلعت عليا إشاعة، أومال هيحصلي ايه دلوقتي؟
ابتسم شبل بسخرية قائلًا: وأنتِ عبيطة؟، أصلًا تصدقي إني عخليكي تروحي لوحدك؟، لع، عنروحوا سوا وعنحضروا الفرح وننجطوا كومان، احنا مش جليلين.
ابتسمت منة قائلة: بجد يا شبل هنروح سوا؟، أنا فرحانة!، مش علشان هحضر الفرح، لا، علشان هنسافر سوا، كنت كل مرة ببقى عايزاك تسافر معايا.
نهض شبل واقترب منها بخبث قائلًا: وأدينا عنسافروا سوا كومان، وعنبيتوا بره بلدنا ولوحدينا بعيد عن الدار المنحوسة دي، وعنعملوا أحلى شهر عسل، وعنفضلوا سبوع بحاله هناك.
ارتبكت منة قائلة: شهر عسل ايه اللي بتقول عليه؟، احنا هنروح ونرجع في نفس اليوم، الشقة اللي كنت قاعدة فيها متبهدلة، مش هينفع نبات فيها، وبعدين ملوش لزوم.
ابتسم شبل بخبث قائلًا: وماله عنجعدوا في أغلى فندق فيكي يا مصر، وأنا عندي كام منة؟، مع إني كان نفسي نبيتوا في نفس المطرح اللي كنتي بتبجي فيه بعيدة عني.
ابتعدت عنه بتوتر قائلة: يعني هو أنا كنت بعيدة عنك بمزاجي؟، أهو كله كان بمزاجك، وبعدين طالما نفسك يبقا نبات في شقتي، أهي على الأقل أوضتين زي هنا.
ابتسم بخبث قائلًا: يا مرى أوضتين!، ليه يا عمي ظافر؟، جابلك ليه شوجه أوضتين؟، كنتي بتنيمي العفريت في الأوضة التانية؟!، ولا ايه؟، لع الفندج أحلى.
تعالت ضحكات منة قائلة: لا، الحكاية وما فيها إن الشقة دي قريبة جدًا من الجامعة، واحنا كان بيبقا عندنا محاضرات متأخرة، فكنت باخد زهرة تبات معايا.
هز شبل رأسه متفهمًا، وقال: امممم، يعني عتنيميني مكان زهرة؟، لع مش عيوحصل، هنام جارك يا حلوة، وأهو نجربوا العتبة دي، يمكن تفتح معانا وتبقا عتبة خير.
ارتبكت منة قائلة: أنا هروح أسخن الأكل تاني، وأنت ادخل أوضتك هتلاقي هدومك على السرير وحمامك جاهز، على بال ما تاخد شاور أكون حضرت الأكل.
وفرت هاربة من عينيه الراغبة فيها، ليحدث نفسه قائلًا: لو جدرت أصبر لحين ما نروحو القاهرة أبجى بطل، يخربيت أم الغمامة اللي كانت على عيني، البت كيف الجشطة، ولا صوتها وهي عتغني كروان.
كانت منة تدندن في المطبخ بصوتها العذب بعض الأغاني لتطرب أذنه بها.
انتهى اليوم وذهبا إلى القاهرة بدون أن يعلما أحد، وما أن وصلا إلى شقتها هبط ليشتري بعض المنظفات لتقوم بتنظيفها وبعد أن انتهت ارتمت على الأريكة منهكة تقول بتعب: خلاص خلصت معنتش قادرة، قلتلك كفاية يوم ونرجع فيه، حكمت رأيك أسبوع وأنا مقدرش أقعد في مكان مش نضيف، يا ريتني وافقت على الفندق.
ابتسم بخبث قائلًا: الحمد لله إنك موافجتيش عليه، الشوجة دي دافية جوي وهواها يرد الروح، وأنتِ جميلة جوي فيها مش زي هناك، شكلك هناك عفش جوي.
نهضت منة تضحك عليه قائلة: أنت بتقول ايه بس، بقا أنا هناك وسط لبس جوازي والأحمر والأخضر شكلي عفش!، وهنا احلويت!، أنت اللي بيتهيألك بس مش أكتر.
نظر إليها بهيام قائلًا: أنا كان بيتهيألي، بس خلاص الغشاوة راحت من على عنيا يا منتي، سامحيني يا حتة من جلبي، غلطت فيكي كتير، بس أنا كنت خايف.
ابتلعت منة ريقها بمرارة قائلة: خلاص يا شبل، بس علشان خاطري أنا مش عايزة أفتكر اللي حصل، يعني اديني فرصتي، أنا نمت مقهورة كتير منك، أنت ظلمتني أوي.
زفر بحنق قائلًا: أنا بعدتك عنيهم علشان تروجي، ولو عاوزة كومان توجعي العقد مع جوز زهرة أنا موافج في سبيل سعادتك، بس أنتِ خابرة عروح أشتغل ايه هناك بالدبلوم؟
تنهدت منة قائلة: كنت حاسة إنك فكرت في النقطة دي، لذلك رفضت العقد، شبل أنا عايزة أقولك أنا لو اتعلمت وبقيت دكتورة جامعة عمري ما هكبر عليك.
هز شبل رأسه بتفهم قائلًا: خابر، بس الزن على الودان أمر من السحر، خابر اني في اكده مش راجل، بس صدجيني أنا راجل وعاشج ليكي كمان، وخايف تفارجيني.
لمعت الفرحة في مقلتيها وتحدثت قائلة: أنا عمري ما أقدر أبعد عنك أبدًا، ويوم ما فكرت أهرب وأسيبك، لأني لقيتك واحد تاني مش شبل اللي حبيته، ومبقيتش عارفة هتصرف معاك ازاي.
زفر بحنق قائلًا: أنتِ برضك يا منة شفتيني مزاجي معكر فضلتي تزني مالك مالك مالك، اتعصبت عليكي، وأنتِ كيف العيلة الصغيرة، راحة تعيطي ليسر.
عبست منة بوجهها قائلة: من ساعة ما رجعت ولقيتك متغير، عرفت من يسر إن توحيدة بنت خالك كانت قاعدة عندكم، وطبعًا أنا عارفة مامتك عايزاك تتجوزها ازاي.
وضع شبل يده على وجهه قائلًا: والله العظيم ما أني فاكر شكلها ايه، ولا حسيت إنها موجودة كومان، تعرفي كنت ببيت فين؟، في شوجتنا، بس لا يسر ولا ليث حسوا عليا.
سعدت منة قائلة: شبل بجد يا ريتني كنت اتكلمت معاك من زمان، بس أنت برضه غلطان، من امتى واحنا بنخبي اللي في قلوبنا عن بعض؟، ده أنت اللي مربيني.
اقترب منها قائلًا: عجبال ما أربي ولادي اللي عجيبهم منيك يا منة جلبي، والله العظيم أنا جتيل اللحظة دي، من اهنه ورايح مش عخبي عنك حاجة واصل.
حانت اللحظة ولكن يبدو أن القدر له رأي أخر جائه اتصال من جابر صديقه ليرد مضطرًا، ليصيح جابر بمرح قائلًا: أنا فرحانلك كتير يا صاحبي، خابر ليه؟، بالحركة اللي عملتها دي ولعت وكدت ليث، الواد كيف الطور الهايج، عيولع فينا، بس سيبك انبسط أنت.
زفر شبل بحنق قائلًا: ماشي يا صاحبي، يا هادم اللذات ومفرج الجماعات، يعني أنت خابر إني هربان منيهم، ده وجت تتصل فيه؟، غور دبر روحك معاه.
ثم استطرد قائلًا: منك لله أنت وهو، البت هربت مني، كنت خلاص، ادعي عليك بايه يا جابر؟!، روح غضبان عليك، ومش عخليك تركب الفرسة بتاعتي واصل.
قهقه جابر من الضحك وأغلق الهاتف وأخذ شبل ينظر إلى الباب الذي دخلته منه ويبتسم على خوفها منه.
الفصل الرابع
ليث تملؤه العيوب، بالإضافة إلى تخريب بيت شقيقه، وتحطيم أخواته، والانصياع إلى أوامر والدته، ومعاملة زوجته المهينة، وتربيته الخاطئة لأولاده، يرافق الراقصات ويهاتفهم متخفيًا ولا يعلم أن من استخدمه يومًا لتخريب بيت شقيقه هو من يقوم بالوشي عنه.
انطلق أحمد إلى والدته يتلجلج في حديثه قائلًا: ماما عايز أقولك حاجة، زي ما خلاني أكذب على عمي أنا هفتن عليه، بس اوعي تقوليله ليقت,لني، بابا بيكلم الغازية وبيروح لها.
تسمرت في مكانها تنظر خلف أحمد مصدومة من حديثه، ومصدومة من وجود ليث خلفه، ليلتفت أحمد خلفه ينظر إلى ما تنظر إليه يسر بصدمة، ليتفاجئ بمن يلقي على وجهه صفعة أدمته، ليسقط أرضًا نازفًا بدمائه، لينخفض ليث لمستواه ويأخذ جلدة يستعملها في ضر.به ليكمل تعذيبه قائلًا: الغازية اللي عتتكلم عنيها دي تبجى مرت أبوك، واللي عتخلف خوك واللي ععطيه كل شيء، أما أنت يا ابن أمك عجتلك وأشرب من دمك.
نظرت إليه يسر بصدمة أكبر من صدمتها بمعرفة علاقته بالغازية وركضت إلى غرفتها تخشى أن يصعد إليها ليستكمل بها ما فعله بأحمد.
جاء الليل وخرجت متخفية بدون أحمد ولكن أصرت أبرار على الذهاب معها، كانت تحمل حقيبة في يدها تنوي الهروب إلى القاهرة حيث منة وشبل في منتصف الطريق وقفت تتنهد قائلة: أنا ايه اللي عملته في حياتي ده يا ربي، تبليني بواحد عديم الضمير والنخوة، يا رب ريحني يا رب من اللي أنا فيه، يا ريتني ما وافقت أتجوزه.
وجدت أبرار تبكي فانخفضت إلى مستواها فمسحت أبرار أنفها قائلة: أنا أسفة يا ماما، أنا اللي سمعت أحمد بيحكيلك جريت على بابا قلتله، حقك عليا، بس متسبنيش زي أحمد ليهم، أنا عايزة أروح لعمي معاكي.
حملتها وتوجهت نحو المحطة لتتفاجئ بناجي أمامها وذكريات الماضي تفيض من عينيه فهي حبه الأول والأخير وكانت مقدمة على الزواج منه ولكن قام ليث بالتفريق بينهما عن طريق بخ السم في أذن ظافر أن ناجي عاشق للفتيات في القاهرة، نظر لها ناجي وإلى أبرار مستغربًا حالتها قائلًا: على فين العزم يا يسر؟، جصدي يا ست يسر، أسف عدخل في خصوصياتك، بس خابرة الدنيا ليل ومفيش حداكي حد في المحطة.
ردت عليه بلوم وعتاب قائلة: هربانة يا ناجي، ورايحة القاهرة لشبل ومنة علشان يخلصوني من جوازة الهم والغم، ربنا ينتقم من الظالم واللي كان السبب في الجوازة دي، اللي هو أنت على فكرة.
تخطته وهي ما زالت حاملة أبرار التي نظرت له نظرة استنجاد أن يلحقهما ويحميهما من البطش .
أهانته لأنها لا تعلم شيئًا من الحقيقة التي قام ليث بتزييفها، انتقلت إلى استراحة المحطة، وجلست لتنتظر موعد قطارها، ولكن قام هو بقطع كافة الطرق، حتى يصل إلى والدها ليخبره، ويكون سببًا في تحريرها من وجود ليث في حياتها، لا بد أن تحل الأمور قبل أن تنتقل لشبل، لاعتقاده أن شبل لن يكون منجى لها من ليث القوي والمسيطر والجائع لكل ثروة العائلة، والذي أوصلها إلى الهروب من ظلمه لتلملم بقايا نفسها فلم يعد منها سوى حطام امرأة.
يا لها من جبل تحملت الكثير من القسوة في حياتها، أصر ليث على الزواج منها حتى يستطيع أن يرث عمه بعد أن قال أنه كتب كل شيء للابنتين.
كيف أوصلها إلى هذا الحد من العناء؟، يريد ليث أيضًا أن يأخذ مكان عمه ككبير للعائلة في المنطقة، قضى على أمالها وأمال ناجي، حيث عشقها ناجي وباح بسر عشقه لليث لأنهما كانا من نفس العمر يتحدثان سويًا دائمًا، ولكنها كانت تعشق ناجي ففي أي اجتماع بين العائلات تستمع إلى حديثه وطريقة تفكيره ليستشعر ليث هذا الأمر ليقوم بكسر وتحطيم قلوبهم غير محترما لصداقه تمت بينه وبين ناجي.
ذهب ناجي وأعلم ظافر بما حدث ليطلب من ناجي أن يأخذه إلى المحطة، بالفعل ذهبا ليقترب منها ظافر بكل هدوء حتى لا يرعبها قائلًا: يسر!، على فين يا بتي؟، عتهربي؟، وتجرسيني وسط الناس!، ليه؟!، اكده بردك يا يسر؟، وأني اللي بجول عليكي عاجلة وزينة البنتة؟
انتحبت يسر قائلة: خلاص يا بابا مبقتش قادرة، كل يوم ضر,ب وإها.نة وضر.ب العيال، وتوقيع بين أختي وجوزها، واخرة المتمة مرافق الغازية واتجوزها وحامل منه.
لم يعلموا أن ليث شعر بعدم وجودها وذهب إلى بيت ظافر ليجده يخرج مع ناجي مهرولان إلى المحطة ليجدها تبكي وتنوح حالها لوالدها لينقض عليها قائلًا: كنتي عايزة تهربي يا واكلة ناسك؟، فاكراني مقطف إياك، وباعته لبوكي عشيجك يا فاجرة!، أنا عمرمطك، وعجرسك وسط البلد، ومش عطلقك واصل.
انتفضت يسر من مكانها ليتصدى له ظافر قائلًا: يسر من النهارده ملهاش عيش معاك يا واد أخوي، أنا اللي غلطت وجوزتهالك، كنت فاكرك راجل، طلعت ندل وخسيس، خوي معرفش يربي واصل.
تنهدت يسر تحمد ربها قائلة: ربنا يخليك ليا يا بابا، وميحرمنا منك أبدًا، كنت خايفة أوي ترجعني ليه، بابا أنا انتهيت وانطفيت معاه، خلاص مبقتش باقية،بس أنا عايزة أحمد.
ارتبك ليث حيث أنه علم أن كل شيء سيضيع من يده فتوسل برجاء إلى عمه قائلًا: خلاص يا عمي، حجك عليا، والله العظيم ما عزعلها تاني واصل، عحطها في حباب عينيا من جوه، بس بلاش تهملني هي والأولاد.
أثناء بحثه عنها علمت أخته هانم بما حدث عن طريق زوجها ضاحي فضاحي وناجي أخوة فطلبت منه أن يقوم بإنقاذها حيث اعتقدت أن العم ظافر سيرجعها إلى ليث، أثناء استعطاف ليث لظافر ظهر من خلفه ضاحي وهو كبير السن والمقام قائلًا: الحديت ده ممنوش لازمة عاد، عمي ظافر عياخد بته داره، وأنت عتيجي معايا عند هانم، حداها كلمتين بدها تجولهم ليك من غير ما أمك تعرف.
أزمة يسر التي أضاعت عمرها مع رجل عديم الأخلاق والمبادئ، رجل من المؤكد أنه سيفقدها حياتها يومًا ما، مثل ما قالت منة ستدفعين ثمن تنازلاتك دفعة واحدة وستندمين، كانت تظن بعقلها الضعيف أنها تتمكن منه في لحظاتهما سويًا، عندما وجدت ناجي أمامها شعرت بأن سنوات العمر تتراجع أمامها، عادت إلى الزمن الذي لم تكن تبالي فيه أمرًا. كانت في منزل والدها امرأة شجاعة لا تخاف شيئًا، والدتها كانت تحاول فعل ما في وسعها حتى تجعلها هي ومنة سعيدتين، وكانت تبالغ في تدليلهما، لدرجة كانت تغير منها نجية، وكل ما فعلته نجية كان رد فعل لما رأته من عشقهم لوالدتهما، قضت على سعادة يسر وكانت في طريقها لتحطيم سعادة منة، وأخيرًا يسر استمعت لصوت عقلها حتى تتخطى هذه الأزمة بدون خسارة أكثر، أخذها والدها إلى منزله وأخذ ضاحي ليث إلى بيت أخته هانم لتتم المواجهة بين هانم وليث.
دلف لمنزل شقيقته متذمرًا ليجدها تجلس مربعة رجليها تضع كفيها على ركبتيها من الجانبين قائلة بغضب: رايح تجرسنا يا خوي على أخر الزمن، وعتعشجلي الغازية وتتجوزها كوومان؟!، ليه؟، عتحط راسنا في الطين ليه؟، مالها بت عمك جصرت في ايه؟
رد عليها ليث قائلًا بتذمر: مش عجباني يا هانم، بومة، ومش وراها إلا عيالها وأختها، وأنا بالنسبة ليها كيف الصنم، جولتلها نجيبوا عيل كمان مش رايدة.
نظرت إليه هانم باشمئزاز قائلة: تحبل تاني منيك؟، ليه عاد؟، واحد عيطلع كداب والبت فتانة، وجوازك من الغازية عتجيب عيل شمام، أنت راجل عفش، وهي عتستحق تخلص منيك.
تصاعدت النيران في صدر ليث ليهتف قائلًا: مش عيوحصل يا هانم، أنا خابر أنتِ ليه متصدرة ليها، عشان أخو جوزك، الضايع بتاع بنتة مصرـ عايزة تجوزيه وتخلصي من جعدته في جلب دارك.
هزت هانم رأسها بيأس قائلة: أنت غلبان بعقلك يا خوي، اللي عتتحدتت عنيه ده، راجل وسيد الرجالة كمان، والله العظيم ما بحس عليه ميتا بيجي وميتا بيروح، كتر خيره خاف لمشية يسر تجرسنا في قلب البلد جري على عمي وجاله.
تضايق ليث من دفاعها عن ناجي لينفجر قائلًا: عدافعي عنه يا هانم وأنتِ خابرة عفاشته؟، نسيتي إنه كان عينه منيها وأنا اللي نجدتها!، ده كان داير ورا البنتة في مصر وعيجوزهم عرفي.
ردت عليه هانم لتخرسه قائلة: بكفياك اكده عاد، أنت اتجنيت عليه زمان، وكرهتها فيه رغم إن عمي كان موافج عليه، وأنا اللي غلطانة إني مجولتش كلمه الحق اللي عليا.
زفر ليث بحنق قائلًا: عطلقها وعخلص منيها، بس عاخد حاجتين مقابل طلاقها مني، الواد والأرض بتاعتها، اكفاية عليها البت، وعجيب مرتي التانية تبجى ست الدار.
ردت عليه هانم بعناد قائلة: مش عيوحصل يا أخوي، احنا بعتنا الواد أحمد دار جده ظافر، وأمك عرفت بجوازتك وناصبة مندبة في قلب الدار، وحلفانه لتطلق الغازية.
تعددت الأسباب والفراق واحد
استيقظ شبل من نومه العميق ليجدها متشبثة بملابسه، حيث قضيا ليلتهما كليلة هادئة قررا فيها تصفية الحسابات ونظرًا لتعبها الشديد في تنظيف المنزل، فتركها تنام بأحضانه فقط. وجدها تفتح عينيها ببطئ ليبتسم إليها قائلًا: صباح الخير يا جمرر، ايه الحلاوة دي يا منتي!، خابرة يا منة، أنا ععشقك كتير، وعحمد ربنا إنك من نصيبي، وإننا بجينا سمن على العسل.
نهضت ببطء واعتدلت ونظرت إليه بخجل قائلة: صباح النور يا شبل، أنا كمان بحمد ربنا علشان بقيت جوزي وعلشان فهمتني صح قبل فوات الأوان، وزعلانة امبارح اني نيمتك من غير عشا.
تصنع الجوع قائلًا: عتفكريني ليه عاد؟، خابرة أنا محطتش الزاد في معدتي من ميتا؟، من أول امبارح عشية، لولا هانم خيتي غصبت عليا أكل، ومفطرتش امبارح.
عضت منة على شفتيها وانتفضت قائلة: معلش يا شبل يا حبيبي، أنا كمان بس الصراحة لما قلت هنسافر فطرت علشان الطريق طويل، وشغل البيت هنا هد حيلي، هقوم أعملك فطار.
وبالفعل ركضت إلى المطبخ لتحضير الفطار فذهب خلفها يمازحها قائلًا: وعتعمليلي ايه نفطرو بيه؟، أنا عاوز أتغذى، تحبي أساعدك؟، خابرة كنت في الجيش عاكل العساكر كلياتهم، ولا أجدعها شيف.
نظرت إليه بإعجاب قائلة: معقول!، بقا أنت يا شبل بتعرف تطبخ؟!، أه!، علشان كده كنت قاعد في شقتنا قبل ما نتجوز!، وأنا أقول البوتجاز شكله قديم ليه؟، هما استخسروا فيا واحد جديد.
ابتسم لإعجابها قائلًا: كيف ده عاد؟!، بجا حد عيستخسر في زينة البنتة حته بوتجاز، ده احنا نولعوا في روحنا عشانك يا جمر، جال نستخسروا جال!، طب بالك مكنتش عشتريه، لأنك تستحقي الخدمة.
تعالت ضحكاتها قائلة: للدرجة دي!، هتولعوا في روحكم!، طب ده حتى مرات عمي ممكن تطخني بالبندقية لو سمعتك بتقول كده، وبعدين مين يعملك الأكل الحلو لما أقعد والكل يخدم عليا، لا أنا مش بحب الخدمة.
قاما بتحضير الإفطار سويًا وذهبا إلى منزل صديقتها حيث العرس المقام بين أهلها ليبتسم شبل بمرح على زوج صديقتها قائلًا: ليه جوز صاحبتك حاطط وشه في الأرض كيف الحريم عاد؟، يكونش خايف؟!، وصاحبتك ما شاء الله شكلها خابرة كيف اللي عيوحصل.
كتمت منة ضحكاتها قائلة: ايه اللي أنت بتقوله ده؟!، عيب والله!، ده خجول جدًا، وبعدين هي كمان عبيطة ولا تعرف حاجة، دي بتدعي ليلتها تبقا عاملة زى ليلتي.
مط شبل شفتيه قائلًا: يا بوي!، جوليش كان ليكي ليلة من أصله!، احنا ليالينا لسه مبدأتش واصل، بس عوعدك هتبجى ولا ليالي ألف ليلة وليلة، عتحكي عليها لأولادنا.
نظرت وهي ترفع كتفيها قائلة بمزاح: ليه يعني؟!، هي دي مش ليله جوازنا اللي سيبتني فيها وروحت نمت في الأوضة التانية؟!، وصباحيتي اللي كانت فيها دمعتي علي خدي؟
هز شبل رأسه قائلًا: أيوه بجا!، ده انتي جلبك طلع واعر جوى..وأسود كومان، جولنا سوء فهم مني..وغيرة عليكي يا فؤادي..يا حبي الأول والأخير.
ابتسمت له وتقدما من العروسان لتهنئتهما لتنفرج أسرارير العريس قائلًا: والله يا شبل بيه ولا ليك عليا حلفان..كنت هجي بنفسي أبارك لكم، أه والله، أنت متعرفش معزة الأستاذة منة عند زهرة ازاي؟، وكان نفسها تسافر معاها.
لكزته زهرة في ذراعه وابتسمت قائلة لشبل: كان..كان نفسي، بس طبعًا لما عرفت إن منة متقدرش تبعد عنك ولا تبعدك عن البلد، سحبت عرضي، أنا يهمني إن منة تكون سعيدة.
ابتسم شبل على مضض قائلًا: أنا كمان يهمني إنها تبجى سعيدة، ولو الظروف استقرت عندينا، أنا بنفسي اللي عتصل بيكم تبعتولها العقد. مبروك يا أستاذة زهرة، مبروك يا عريس.
هز العريس رأسه ببلاهة واحتضنت منة زهرة قائلة: جوزك كان الحمد لله هيوديني في داهية، عمره ما هيتغير، مستغربة أنتِ ازاي رضيتِ بيه وأنتِ عقلك يوزن بلد وبيوزن الأمور؟
ردت عليها زهرة بابتسامة قائلة: هو ده اللي ينفعني يا منة، قلبه الأبيض غير نظرتي في حاجات كتير، عمري ما كنت أصدق إن في رجالة كويسة، خصوصًا بعد ما بابا طلق ماما.
تفهمت منة زهرة وتركتها ورحلت مع شبل لتبدأ معه حياة جديدة.
دلفت إلى شقتها ليحاصرها خلف الباب قائلًا: أنتِ كيف حلوة اكده؟، حتى من غير بويا على وجك!، عتعملي فيا ايه تاني يا بت عمي، خابرة النهارده آخر يوم عتكوني فيه بت عمي.
ترقرقت دموع الفرحة في مقلتيها قائلة: عارفة ومتأكدة وواثقة زى ما كنت واثقة إن اليوم ده هيجي، وقلتها ليسر، ولمامتك. أنا كنت عارفه إن ربنا مش بيرضى بالظلم، بحبك أوي يا شبل.
حملها شبل وسار بها إلى غرفة النوم ووضعها على الفراش ليتصاعد فجأة رنين هاتفه باسم هانم ليرد بخوف ليجد هانم تتحدث بفزع قائلة: أنت فين يا شبل؟، احنا متمرمطين من غيرك يا خوي، خوك اتجوز الغازية وض.رب أحمد ويسر كانت هتدلى عنديكم، لولا ناجي الله يستره شافها.
نزعت منها نجية الهاتف وأخذت تحدثه وهي تلطم خديها قائلة: المخفي خوك عيفضحنا في البلد، عيتجوز الغازية وعيخلف منيها وعيجرسنا، تعالى بسرعة يا ولدي، وجفه عند حده، محدش جادر عليه.
أغلق الهاتف ونظر بشرود أمامه كأن عقله توقف عن العمل، لتقلق منة وتدمع عينيها قائلة: في ايه؟، بابا جرى له حاجة؟، ولا يسر؟، ولا ولادها؟، في ايه يا شبل؟، متسيبش مفاصلي، أنا مش مستحمله قلبي هيقف..انطق..اتكلم.
سرد لها ما سمعه من هانم ونجية وانتفضت لتنهض مسرعة معه ليعودا مسرعين إلى الصعيد وصلا إلى بيتهما ودلفا لتنهض إليه نجية وتحتضنه قائلة: شفت يا ولدي اللي جرالنا..فضيحة..خوك عيجبلي العار..ومرته عتهرب وعتطلق..يا شماته البعدا فيكي يا نجية..أه يا مرك يا نجية.
تضايق شبل قائلًا: حضرتك بتجولي ايه يا أماه؟!، فضايح ايه وجرس ايه؟، محدش عيعملها طول ما أنا عايش، كل حاجة عترجع زى ما كانت، ويسر عرجعها.
نظرت إليه منة بغضب قائلة: ايه اللي بتقوله ده يا شبل؟!، عايز ترجع يسر ليه بعد ما ضر.بها وضر.ب الولاد وراح اتجوز عليها؟، ده كويس إنها مجتش لينا القاهرة.
رد عليها بشبل بغضب قائلًا: أنا جولت عرجعها تبجى ست الدار مش ليه يا منة، وحجها واللي يرضيها عيحصل، أنا مش ظالم للدرجة دي، بس أنتِ شايفة حالة أمي.
نظرت منة إلى نجية بحزن قائلة: طبعًا شايفة، بس معلش في الكلمة مش حضرتك السبب في كل اللي حصل؟، فضلت تعلي فيه عليها، كل ده علشان تحرقي دم واحدة ميتة.
نظرت إليها نجية بغضب قائلة: كأنك شمتانة يا بت البندر، طبعًا، بس عقولك الحالة دي مش عطول واصل، وليث عيرجع لعقله، وعتشوفي يسر عيحصل فيها ايه.
ردت عليها منة باشمئزاز قائلة: بكره اللي قلت ليكي عليه من فترة حصل أهو يا مرات عمي، وحصل بدري كمان، أنا وأختي وأمي معملناش حاجة في حد، ولذلك حقنا بيرجع.
زفر شبل بحنق قائلًا: أنتِ شايفة إن ده وجته يا منة؟، فضينا عاد.
وأنتِ يا أماه اهدي منة معتجصدش، عتفتحي في جروح جديمة عاد ليه؟، خلونا في اللي جاي.
بكت منة وانتحبت قائلة: لا ازاي؟، هي زرعت في قلب ليث القسوة من ناحية يسر، علشان تنتقم من ماما.
ماما اللي كانت دايمًا تقولنا عيب تتكلموا مع مرات عمكم وحش.
تدخلت هانم قائلة: حجك علينا يا منة، أنا ععتذرلك بالنيابة عن أمي، أنتِ خابرة عاد الجرسه اللي احنا فيها، والله العظيم فاتحينها مندبة من عشية، ومش عارفين عنتصرف ازاي؟
تنهد شبل قائلًا: خلاص يا منة، مش وجت بكا عاد، أنتِ خابرة أن دي أم وخايفة علة ولدها عاد، خلونا في المصيبة اللي احنا فيها، عايزين نخلصوه من الغازية.
انفرجت أسارير نجية قائلة: صوح يا شبل؟!، يعني أنت عنديك حل نخلصوا منيها؟، طب كيف؟، ده خوك مبيت عنديها من امبارح، أنا جولت تجيب يسر يمكن يرجع.
هزت هانم رأسها بيأس قائلة: أنتِ خابرة يا أماه إن ده مش حل، ولو حل شبل مش عيعملها، هو أكيد عيرجعه بحاجة تانية، يا إما يطلقها ويغور هو والغازية بتاعته.
ندبت نجية قائلة: لع، مش عيوحصل واصل، أنا عايزة ولدي في حضني، اعملوله كيف ما هو عايز، بس معيخرجش برات داري، أحب على يدك يا ولدي.
زفرت منه بحنق قائلة: وماله رجعوه زى ما انتو عايزين، بس لا أختي ولا ولادها هيرجعوا، أظن ده حقهم، وما دام خايفة عليه أوى يا مرات عمي رجعيه هو والغازية.
رد عليها شبل بغيظ قائلًا: وبعدهالك يا منة!، جولنا مش وجته الكلام ده، أنا عرجعه بطريقتي، وهي لو مش عايزة براحتها، أنا مش عغصبها واصل، دي حياتها.
نظرت إليه منة برجاء قائلة وهي تفرك يديها: أنا عايزة أروح أشوفها عند بابا، وأنا أوعدك اني هرجع تاني، مش هفضل هناك، بس هطمن عليها هي والولاد وهاخد هانم معايا.
وافق على مضض وأخذت هانم وخرجت وطلبت منها برجاء أن توصلها إلى ناجي، ورغم رفض هانم لهذا الموقف إلا أنها رأت أن تفكير منة سليم.
وصلت منة إلى دار هانم، وأخبرته هانم أن منة تريد رؤيته.
بعد الترحيب بها زفرت منة بحنق قائلة: أنا مش بحب الكذب فيا ريت تبقى دوغري معايا، أنت زمان كنت بتحب يسر وعايز تتجوزها، بس للأسف شغلك وسرمحتك في مصر قضوا على كل حاجة، ولما واجهناك سكت، مع إن كان ممكن تدافع عن نفسك بالكذب بس محصلش، واتجوزت أعز أصحابك اللي كان في وقتها منقذ ليها.
قاطعها ناجي قائلًا: أنا عمري ما كذبت واصل، أنا حبيت يسر ولسه عحبها، وعمري ما عملت شيء مهين لا في شغلي ولا في قعدتي في القاهرة، وأنا مسكتش واصل وبعتلكم ردي.
لوت منة شفتيها قائلة: بعت لينا الرد؟!، هي المواجهة هتبقى عبارة عن رد!، ليه سيادتك مستكبر تيجي بنفسك وتواجهنا؟، طب بلاش أنت فين الحاج ضاحي؟، استكبر هو كمان؟
هز ناجي رأسه بيأس قائلًا: أستاذة منة، أنا وجعت في فخ، ليث قالي إن مواجهتي ليكم عتولع الدنيا بين العيلتين، خفت لجواز هانم وضاحي يروح في الرجلين.
جزت منة على أسنانها قائلة: ومخفتش على أختي اللي انهارت بسبب ضياع حبها واتجوزت واحد مش بتحبه واتحملت الذل والإهانة علشان متنكسرش في عينك، بس مفيش فايدة.
اليوم اللي قررت تهرب فيه كنت قصادها، وأنت اللي منعتها، بتمنع حريتها لمرتين في حياتها، يا خسارة يا ناجي كنت مفكراك غير كده، عن إذنك.
هبط على الكرسي مطأطأ الرأس لا يدري ماذا يفعل.
ذهبت منة إلى يسر، لتحتضنها يسر قائلة: حقك عليا يا منة، أنا عارفة إنك عروسة ومن حقك تفرحي، وكنت هنكد عليكي أكتر لما كنت جيالك، بس الحمد لله إن ناجي شافني ولحقني.
تضايقت منة قائلة: ايه اللي انتي بتقوليه ده؟!، عروسة ايه وزفت ايه!، وبعدين مالك فرحانة كده ليه إن ناجي فتن عليكي!، ده أنا روحت ليه بهدلته، هو ماله مش كفاية اللي عمله فيكي زمان، جاي يكمل على بقيتك، يا ريتك كنتي لحقتي تهربي وتوصلي لينا، أنا مش عارفة شبل ناوي على ايه؟
تنهدت يسر قائلة: مش مهم ناوي على ايه، المهم أنا اخترت ايه، ومتخافيش يا منة، بابا معايا ومش هيرجعني لليث تاني، وهانم وضاحي معايا، وربنا كبير.
زفرت منة قائلة: ماشي، ولو إني خايفة من بابا ليقتنع بكلام شبل ويرجعوكي، مش عارفة شبل بيحاول يهدي أمه ولا هو فعلًا هيرجعك، بدأ تاني يعمل ألغاز.
هزت يسر رأسها قائلة: لا لغز ولا حاجة، شبل عقله يوزن بلد، ده أنا لما جيت أهرب كنت جاية له، شبل شايل عني وعن ولادي هم كبير، يا بختك بيه، اللهم لا حسد!
ابتسمت منة بمرح قائلة: أهي عينيكي دي اللي مخلياني لسه بنت عمه، منك لله يا ليث أنت ورأس الحية، الجوازة باظت لأنها منظورة منك أنتِ وزهرة، اسكتي مش اتجوزت؟
ابتسمت يسر قائلة: بجد ده ولا هزار!، وأخيرًا، طب كنتي استني اطمني عليها، لأحسن ده شكلها… ولا بلاش سامحني يارب…قوليلي يا منة لسه بيقولها حاضر؟
تعالت ضحكات منة قائلة: يا ريت على قد حاضر، لو تسمعي كلام شبل عنه يوم الفرح هتموتي من الضحك، س سبحان الله شبل ربنا عاقبه والواد غاظه وقاله كان نفسنا منة تبقى معانا.
تعالت ضحكات يسر هي الأخرى قائلة: يا نهار ضحك!، دي باين زهرة كانت عملاله دماغ، يعني مش كفاية بيقول حاضر، لا كمان بيقول كل حاجة وكله بيدخل في بعضه.
ابتسمت منة ابتسامة بسيطة ووضعت يدها على ذقن يسر قائلة:
أنا عايزة الضحكة على وشك دايمًا يا يسر. يسر القوية اللي بتقع في أي مصيبة وترجع تفوق وتضحك كمان وكمان، مش عايزة حد يشمت فينا.
أدمعت عينا يسر قائلة: لما شفته…ضعفت تاني يا منة، نفسي أعرف ليه شفته هو لما جيت أهرب، لسه زي ما هو يا منة، وعارفة لسه متجوزش، مش راضي.
ربتت منة على يدها قائلة: فوقي يا يسر، أنتِ نسيتي اللي سمعناه عنه؟، حتى لو اطلقتي مينفعش، ازاي هتعيشي مع واحد زيه هيبقى نسخة من ليث في كل حاجة.
ابتسمت يسر بمرارة قائلة: مش عارفة أفوق ولا أعيش في الوهم يا منة، أنا عرفت إنه بريء فعلًا، ذنب ناجي الوحيد لإنه سلم نفسه لواحد زي ليث وسمع كلامه.
اختنقت منة قائلة: يسر، بطلي بقا تلتمسي الأعذار لغيرك، أنتِ ايه مش بتزهقي؟، قلتلك ميت مرة اللي عنده عذره يجي ويواجه، مش يداري، وهو غلط.
هزت يسر رأسها بتفهم قائلة: أنا عارفة إنه غلط، بس أنتِ كمان شبل غلط في حقك ومع ذلك سامحتيه، ولا علشان لسه متجوزتيش؟، عمومًا يا منة هو مش واقف على الباب، ولسه مشكلتي متحلتش، ولو اتحلت وفرضًا جه، هنفتح مشاكل جديدة، وهي ازاي أهل الولاد هيقبلوا إن راجل غريب يربي ولادهم.
استشعرت منة أنها ضايقت يسر فربتت على يدها قائلة: أنا عايزاكي متزعليش مني، وكلامك صح وأنا فعلًا سامحت شبل لأنه يستحق، بس أنتِ غيري، لازم المرة دي تحكمي عقلك قبل قبلك.
ابتسمت يسر ابتسامة باهتة وقالت: حاضر يا منة، وأنا عارفة إنك هتكوني معايا أخت كبيرة وعاقلة مش صغيرة، هسمع كلامها وهاخد برأيها، بس اوعي تتخلي عني.
زفرت منة بضيق قائلة: ايه اللي بتقوليه ده يا يسر؟!، أتخلى عنك ليه إن شاء الله؟، أنتِ شاكه إن شبل هيجبرني على كده؟..شبل عمره ما يعملها، ولو شاكة في حماتي متقدرش.
ردت يسر بثقة قائلة: عارفة يا منة، أنتِ قوية وأقوى مني، عملتي لنفسك كرامة وسطهم، مش زيي ضيعت نفسي علشان خايفة من الفضايح، وخايفة على بابا.
ابتسمت منة ونهضت قائلة: مضطرة أسيبك وأروح علشان أحضر العشا لشبل، لأني وعدته إني هرجع، هجيلك بكره، وأول ما يوصلوا لحل هبلغك، تصبحي على خير.
عادت منه إلى منزلها وصعدت سريعًا إلى شقتها ووضعت الطعام وجلست تنتحب مغمضة العينين حتى أنها لم تشعر بقدومه إلا عندما قام بمسح دموعها، لتفتح عينيها المفعمة بالبكاء ليسألها قائلًا: مالك يا منتي؟، لساتك زعلانة على يسر؟، جولتلك عحلها بالطريجة اللي عترضيها، وعرجعلها حقها منيه، ليه البكا عاد؟، عتجطعي قلبي.
ارتمت بأحضانه وبكت قائلة: نار وقايدة في قلبي يا شبل من ساعة ما شفت حالتها، احنا ليه بيحصل فينا كده؟، كل ده علشان أبونا حب المصراوية، طب ما المصراوية كمان حبته.
أخرجها من أحضانه مستغربًا على كلمة المصراوية ليقول: كلام ايه عاد اللي بتجوليه ده؟، المصراوية دي تبجى أمكم، وأحلى مصراوية، ست ولا كل الستات، أنا كنت عحبها كتير، اكفاية أنها جابتك.
هزت منة رأسها بقلة حيلة قائلة: مش عارفة ايه اللي خلاني أقول عليها كده، بس جايز كلامهم كلهم أثر فيا، بس هي جابتنا الدنيا علشان نتعذب؟، نفسي أشوف يسر مبسوطة.
ابتسم إليها قائلًا: كل شيء بوجته حلو يا منة، يسر عيجي عليها يوم وعتتبسط، وعتعيش حياتها زينة هي وأولادها، أنا خابر إن خوي عفش، بس هو خوي.
بكت منة بمرارة قائلة: أنا ليه حاسة إنك هترجعهم لبعض؟، طب بلاش علشاني أنا يا شبل، علشان يسر هي مش عايزة ترجعله ومستعدة متتجوزش عمرها.
ابتسم قائلًا: إحساسك غلط يا منة، أنا مش ظالم للدرجة دي، وإن كان على كلامي لأمي، فهو كيف كلامي معاها يوم فرحي واللي نجلته ليكي يسر.
جحظت منة بعينيها قائلة: مش معقول!، أنت عرفت إن يسر نقلت لي الكلام؟، طب ليه حاسبتني على الكلام اللي مقولتوش في حق مامتك؟، وأنت كنت بتهاودها مش أكتر.
أشاح بوجهه للجانب الأخر قائلًا: مع اني مكنتش حابب أتحدتت في الموضوع ده تاني، بس حديت أحمد خلاني أصدج كل حاجة، علشان اكده حابب أخلص أحمد من بوه.
شهقت منة ووضعت يدها على شفتيها بذهول قائلة: لا، مش معقول!، أنت بجد بتفاجئني، يعني أنت بكل اللي حصل ده ناوي تبعد ليث عن يسر والاولاد؟!، ده أنت تبقى عملت فينا معروف كبير.
رفع سبابته قائلًا: اوعاكي يا منة حد يعرف، دي تجربة وععملها معاه وادعي تنجح، أنا خابر هو رايد ايه، رايد يبيع الأرض، وأنا عشتري نصيبه فيها.
نظرت إليه منة باستغراب قائلة: طب افرض الفلوس خلصت؟، ما هو هيفضل عايز ده طماع، وبعدين هتقول ايه لمرات عمي؟، أكيد هترجعه تاني وتفضل المشاكل ما بينكم. يعني كلام هانم النهارده واحنا ماشيين صح، هي ونوارة عملولك توكيل وأنت هتتصرف، وهيمشي فعلًا من البلد، بس أنا خايفة ليرجع تاني.
ابتسم بخبث قائلًا: مش عيرجع تاني، خابرة كيف؟، عقولك جوز صاحبتك الواد الخجول ده، اتصل بيا يشكرني على مجيتي عشيه، أنا وأنتِ طبعًا، طلبت منيه عقد عمل.
قطبت منة جبينها قائلة: عقد عمل!، لمين لا مؤاخذة!، هنهرب؟!، ولا ده ليسر؟، عقد العمل للمدرسين، ايش دخله بيسر ولا حتى بليث، أنا مش فاهمة حاجة!، أنت كلامك ملخبط.
تحدث كفحيح الأفعى قائلًا: جوز صحبتك كفيل، وطول عمر ليث عيحب السواقة، وهناك السواقن بتأكل دهب، فأنا عخليه يروح ويعيش هناك، وعكتب في العقد سبع سنين.
ابتسمت منة ببلاهة قائلة: وهما سبع سنين كفاية، خليه مؤبد خلينا نخلص، المهم حلمي قالك فعلا إنه ممكن يجبله؟، أصل أنا عارفة حلمي ده كلام على الفاضي.
ابتسم بخبث قائلًا: أني بعت لحلمي مبلغ محترم على حسابه في البنك، وجالي في خلال يومين عيبعت العقد، ومتخافيش حتى لو سنة واحدة همضي ليث تنازل عن حضانة ولاده. وعلى فكرة لو رفض عقدم في النيابة محضر عمله ضاحي وأثبت حالة تعديه على أحمد، واكده عيوافق غصبن عنيه، اكده أنا خنقته من كله.
نظرت إليه بإعجاب قائلة: بس معلش أنت خنقته أه، بس بالنهاية هيعيش ملك زمانه في الكويت، دي فلوسها كتير أوي، محظوظ طول عمره، وهيخلص من جوازة بقالها عشر سنين.
ابتسم بخبث لها قائلًا: لع، مش عيستفيد واصل، هو عياخد نصيبه بس، وعيرضى بجليله، لأني شايل منيه نصيب ولاد يسر كأنهم ورثوه بالحيا، علشان يعرف إن الله حق.
هزت رأسها باندهاش قائلة: لا مش ممكن!، شبل أنت ليه مكملتش تعليمك؟، أنت كان ممكن تبقى محامي شاطر، ده حتى المحامي لا يمكن يفكر زيك كده، يا نهار خطط.
تذمر شبل قائلًا: بكفاياكي عاد، قطع التعليم وسيرته، نعلموه لولادنا كفايه، ينفعوا بيه نفسيهم، ونعلم الكل البت كيف الواد ومنفرجش ما بينهم واصل.
ثم استطرد قائلًا: إنما يا منة، كنتِ متوجعة اني ععمل كل ده ولا لع؟، أنا خابر إنك كنتِ شاكة في، وكنتِ مفكرة إني عرجعها، بس أنا كنت عرجعها وسطينا ست الدار.
خجلت منة قائلة: متزعلش مني يا شبل، كلمة هرجعها دي كنت قلقانة منها أوي، بس برضه أنا مش عايزاها ترجع هنا حتى بعد ما يمشي، أنا عايزاها تعيش حياتها.
هز رأسه برفض قائلًا: لع، ولاد أخوي معيتربوش بره دارنا واصل، وبعدين مش لساتك جايلة إنها مش عتتجوز واصل، كيف عايزاها تعيش حياتها، هااا.
ارتبكت قائلة: طب افرض حد اتقدملها ؟، ايه هنرفض؟، ما نوافق، ويمكن يكون واحد بيحبها ومستعد يربيلها ولادها، ايه المشكلة ما هما ولادنا برضه.
ضيق عينيه بخبث قائلًا: طب افرضي إنها بنفسها رفضته، علشان مثلًا يعني اتجال عليه زمان إنه واد بتاع حريم، ولا عيكون ساكن بالقاهرة، وياخدها هي وعيالها.
توترت منة قائلة: مش للدرجة يا شبل، أنت كأنك بتتكلم عن ناجي، أنا بقول فرضًا يعني، وبعدين على رأيها هو يعني العريس واقف على الباب أهو كلام وخلاص.
ابتسم إليها قائلًا: ماشي، إذا كان ناجي ووافق إنه يستقر اهنه هوافق عليه، علشان عارف قد ايه هو عيحبها وعيصونها هي وولادها، وعيصلح اللي سواه خوي.
اندهشت منة واندفعت إليه في أحضانه قائلة: بجد فرحتني أوي يا شبل، أنا بحبك أوي، مش علشان أنت بتحبني، لا علشان أنت راجل وسيد الرجالة بتفكر في كل واحد فينا وبتحاول ترضيه.
ضمها إلى أحضانه مشددًا عليها قائلًا: مش اكده وبس، أنا كمان خابر ايه اللي بقلبك ونفسك في ايه، عفهمك من نظرة عينيكي، عحس بيكي، كأني جاعد في عقلك، بس عتزعليني منيكي.
حاولت أن تخرج من أحضانه عاقدة بين حاجبيها ليعاود ضمها من جديد قائلًا: مكنش له لزوم مرواحك عند ناجي النهارده، خابر إنك عتشكي في هانم، إنها هي اللي جالتلي، بس للأمانة ناجي هو اللي جالي، وزاد في نظري، مرتين مرة لما خبر بوكي بهروب يسر ومرة لما جالي بدل ما حد تاني يجولي.
عضت على شفتيها خجلًا من فعلتها، ولكن إحاطته لها طمأنتها أنه لا يريد محاسبتها هو يريد منها طلبًا واحدًا الثقة وطلب الأمر منه بدون تردد.
الفصل الخامس
أتجاوز ما تفعله بي لكي لا تحزن.. أو هي التي تجبرني على الاكتفاء بها وحدها بغض النظر عن أخطائها..تجعلني أتخطاها لتخطيها أخطائى..لنغوص في حياة جميلة قائمة على التخطي والتجاوز والتسامح لدوام العيش.
نامت في أحضانه وهي واقفة بين يديه ليعلم أنها نامت من انتظام أنفاسها ولقدرته العجيبة على تهدئتها مثل ما كان يفعل بعد مذاكراتها، فكر في حملها إلى الغرفة، ولكن لمعت برأسه فكرة خبيثة، فقام بمداعبتها عن طريق دغدغتها في جانبيها لتصرخ وتتعالى ضحكاته قائلًا: هو احنا هنجضوها نوم؟، من يوم ما اتجوزنا واحنا يا نوم يا غضوبة، ولا فيه وكل ولا شرب ولا حب. جوازة ايه الغم دي؟، أنا اضحك عليا.
عضت منة على شفتيها بخجل قائلة: اخص عليك يا شبل!، وأنا اللي كنت فكراك رومانسي، طب والله العظيم أنا ما رضيت أبات عند يسر علشانك، ورجعت بسرعة أطبخلك.
نظر إليها بفرحة عارمة قائلًا: أيوه بجا، هو ده الجواز عاد. الوكل ريحته مفحفحة، لسه الحب يا منتي، أه منك ومن حلاوتك، ويخرب مطن غبائي وكبريائي، جال مش عتحبيني جال.
ابتسمت منة قائلة: ثواني وأسخن الأكل، أنت عارف إنه برد من كتر كلامنا. يا سلام يا شبل، تقدر تقول إن دي أول مرة من يوم ما اتجوزنا هاكل بنفس.
ذهب خلفها إلى المطبخ ونظر إليها بخبث قائلًا: بيجولوا اللي عيحب حد عيعرف كل عوايده، وأنتِ خابرة كل عوايدي، إلا عادة الوكل السخن، عرفتيها منين يا جلبي؟، واوعي تجوليلي هانم، لأن هانم معتعرفهاش واصل، حتى البت نوارة، ولا أمي ذات نفسيها، مفيش غير شخص واحد اللي عيعرفها ومعتقدش إنه جالك.
شردت منه وتذكرت والدتها ثم خرجت من شرودها قائلة: أنا عرفت من ماما الله يرحمها، الوحيدة اللي كانت عارفة إني بحبك، وتعتبر مربايك أكتر من مرات عمي، علشان كده كنت واثقة إن قلبك هيحن عليا.
اقترب منها شبل وأحاطها قائلًا: كل حاجة اتعلمتها من مرت عمي كانت زينة، والله العظيم أنا حزنت عليها أكتر منيكم، كانت كيف الأخت الكبيرة، وأنتِ زيها حنينة.
ثم أغمض عينيه بحزن قائلًا: وصتني عليكي يا ما، وأني خالفت الوصية وظلمتك، وأول ما عرفت الحقيقة روحت نمت على قبرها كيف العيل اللي حزنان على أمه.
الاختيار الأول دومًا هو الاختيار الصحيح..اختارته دون غيره لإيمانها به..لم تهتم أبدًا لما بدر منه في بادئ الأمر..كل ما شعرت به أنها ستجبر وسيتحول القلب البارد إلى قلبٍ لينٍ مفرطٍ في مشاعره..نعم كانت تود الهروب ولكن تذكرت كلمات والدتها قبل الرحيل..عدم استكمال شبل لتعليمه لا ينقص منه شيئًا..اكتشفت أن كلماتها مقنعة الآن عندما سرد لها طبيعة علاقته بها..فقد اهتمت والدتها به كمن تهتم لصبيها..لم تكترث يومًا بها وبأختها بقدر ما اكترثت له..ماتت والدتها وهي بسن الثامنة عشر لتجد من شبل استكمالًا لها..منذ ذلك اليوم اعتبر شبل ابنًا لتلك المرأة..ماتت وهو رجل راشد بعد ما أوصته على ابنتها من خلال سقيها الحكمة له.
نظرت إليه منة باستغراب وعقدت ما بين حاجبيها قائلة: يااااه!، للدرجة دي؟، اللي يسمعك وأنت بتقول الكلام ده يفكر إن أنت ابنها مش أنا ولا يسر، تعرف ده أنا لما زعلت منك مفكرتش أزورها.
تنهد قائلًا: مفيش مرة عاملتني على إني ابن سلفتها، طول عمرها بتعاملني كيف ولدها، وأني كمان عمري ما جصرت في حقها، علشان اكده أنتِ ويسر ملزومين مني.
ابتسمت منة وهتفت بحزن مصطنع قائلة: هو أنت علشان كده اتجوزتني؟، علشان ملزومة منك وعلشان الوصية!، لا يا عم لو علشان كده يفتح الله، وبعدين تعالى هنا أومال كنت هتعمل ايه لما تنفذ تهديدك؟
وجدته ينظر إليها ببلاهة يحاول تذكر تهديده لتميل عليه قائلة: أنت نسيت؟!، صح النوم!، ده أنت خلتني في ليلة متجوزة وأرض بور ومش هخلف وهتتجوز عليا بنت خالك وتبقى ست البيت وأم عيالك.
تعالت ضحكات شبل قائلًا: اكفايه عاد بجا، كل دي تهديدات؟، ليه كنت بهدد الأميرة ديانا ولا ايه؟، وبعدين كاني اتجنيت، خلاص خلصوا البنتة من البلد؟، مش عتجوز غير بنت خالي!
لكزته منة في ذراعه قائلة: شبل أنت جاي تغير كلامك دلوقتي!، عمومًا أنا بصراحة في الأول صدقت، بس هانم الله يسترها قالتلي لما جت المخفية قعدت تحت، كنت أنت هنا.
اقترب منها بخبث وهمس: وايه كمان؟، هانم مجالتش ليه حاجة كمان؟، كيف اني عحبك وععشجك، وكنت عستناكي من الجمعة للجمعة كيف المستني العيد.
ابتسمت منة قائلة: دي حاجة مينفعش تتقال يا شبل، دي حاجة تتحس، وأنا بحس بيك أوي، علشان كده أول واحدة حسيت إنك قلبت عليا والكل مكنش مصدقني.
ابتسم لها بخبث قائلًا: طب ومش حاسة بحاجة كمان؟، مش حاسة اني رايدك تبجي حلالي بجا وأم عيالي؟، ولا عنفضلوا عايشين كيف الاخوات عاد.
هربت من محيطه إلى غرفة الطعام تصدح ضحكاتها بأركان المكان قائلة وهي تعتدل على الطاولة: شبل الأكل سخن يا بابا. علميًا الأكل لو اتسخن أكتر من كده ضرر على الصحة. اقعد كده زي الشاطر ناكل وبعدين نشوف حوار العيال ده.
جلس على الطاولة بجوارها ينظر إليها بخبث قائلًا: لع، وأنا صراحة خايف على صحتك، لأنها لزماني في ليفل الوحش يا وحش، كلي واتغذي أنتِ كمان، عايز عيال بالتوم، اوعاكي تجولي تنظيم الأسرة.
عضت منة على شفتيها ومزحت قائلة: توم ولا جيري، لا تنظيم الأسرة ايه اللي هقوله، أنت اللي هتطلبه مني يا حبيبي، وده بعد أول عيل، خصوصًا لو طلع مدلع زيي.
نظر إليها بحب وأمسك يدها وقبلها قبلة حنونة قائلًا: وايه يعني لما يطلع مجلع زيك، ده يوم السعد والهنا بالنسبالي، وعا أجولك هاتي كمان، كفايه إنهم منيكي، خابرة يا منة ميتا كانت لحظات رعبي؟
عقدت ما بين حاجبيها قائلة: لحظات رعب!، بعد الشر، لحظات رعب ايه مش فاهمة؟، تقصد يعني كنت خايف لأهرب منك وكده، يا حبيبي أنا لا يمكن أهرب منك.
ابتسم بحب قائلًا: الحكاية مش حكاية هروب، ولو كان خوفي اتحقق كنت أنا اللي عهرب منيكي، أنا كنت خايف من التحليلات اللي عملناها سوا، تطلع نتيجتها عفشة.
فهمت مدى خوفه واستغربته كثيرًا فردت قائلة: مكنتش عارفه إنك كنت خايف زيي، أنا اللي كنت خايفة يا شبل، بس أنت اللي أصريت، مش عارفة كان فين عقلك وقتها، كنت أرفض.
هز رأسه برفض قائلًا: كيف أرفض حاجة مفروضة عليا؟، دي كانت من ضمن وصايا المرحومة والدتك، جالتلي يا شبل أنا مش عقدر على ليث في الطلب ده.
جحظت بعينيها واندهشت قائلة: شبل!، أنت عارف بتقول ايه؟، أنت وصل بيك الحال لإنك تنفذ وصيتها في دي كمان، أنا حقيقي متفاجئة بيك، إنك ممكن تضحي بحبك علشانها.
ابتسم ابتسامة باهتة قائلًا: وليه ما أضحيش؟، الست كانت بتعاملني كيف ولدها، وكانت مجنعة كفاية، كانت تجول الطلب، وتجول علشان ايه، مش فرمان.
هزت منة رأسها بتفهم قائلة: عارفة، هي كانت متعلمة جدًا، بصرف النظر إن شهادتها كانت ثانوية عامة ومكملتش، لكن كملت بقرايتها للكتب اللي كان بابا بيبعت يجيبهم.
ثم تابعت بشرود: طب عارف، الكتب دي يا ما عملت مشاكل ما بينهم، مش اعتراض بابا عليهم، لا، باباك الله يرحمه كان بيعرف لأنهم كانوا بيجوا على البيت عندكم.
ابتسم شبل مستكملًا حديثها: الباجي أني عارفه، ساعات يترموا في الترعة، وساعات يتحرجوا، وطبعًا ده غير التريجه اللي بتاخدها والدتك، وكل ده لأن الراجل اللي بيجيبهم بيجيبهم على دارنا.
نظرت له منه باستياء قائلة: مكنتش أعرف ليه بيجوا عليكم الأول، بس عرفت بعدها إن والدك طرد بابا من البيت الكبير بعد ما اتجوز أمي، علشان ما اتجوزش خالتك.
تنهد شبل قائلًا بمرح: بس أحسن والله، عمي عمل عين العقل، راح يغير في النسل، يا مرى لو كان اتجوز خالتي، كان خلف غربان وبوم، عمري ما كنت عفكر أتجوز منيهم خالص.
ضحكت منة قائلة: حرام عليك يا شبل، ما اخواتك هانم ونوارة حلوين أوي، وبعدين بلاش تريقة، ترجع تجيب بنت شبهم، وساعتها بقا هتجوزها مين؟
ابتسم قائلًا: عجوزها أحمد، أنا خابر إنك زعلانة منيه، هو كمان مش جادر يبص في عيني، بس عنعمل ايه، ده ولدنا برضك، واحنا اللي مربينه.
ثم استطرد قائلًا: منة خابرة يسر عرفت منين موضوع الغازية؟، من أحمد، عارفه ده معناته ايه؟، الطفل انتجم من بوه، لأنه عرف إن بوه عفش، وميستحجش أمه.
تنهدت منة بحزن قائلة: وأنا عمري ما أزعل من أحمد أبدًا، أحمد ده بعتبره ابني البكري، كلمته ليا يوم فرحي وضحت حاجات كتير، بس صعبان عليا وقعته بالنص.
ربت على يدها قائلًا: متخافيش، أنا ععوضه عن كل حاجة، وأنتِ كمان رجعيه لحضنك كيف صاحبك، ده بيخاف عليكي كأنك أخته الصغيرة، وخاصمني كتير علشانك.
عضت على شفتيها بقلق قائلة: شبل، هو ممكن ليث يغدر بينا في أخر لحظة، وهو ماشي من البلد، وسايب أحمد وأبرار، مش ممكن يروح يخطفه، ومعدش يرجعه.
ابتسم على سذاجتها قائلًا: كيف اكده؟، يا منة ده لازم يكون معاه جواز سفر للواد، واكده لازم الواد يروح معاه مشوار مصلحة الجوازات، والواد من ساعة ما ضاحي وداه عنديكم مش بيخرج.
تخيلات منة بلا حدود فردت قائلة: مش مرتاحة يا شبل، حاسة إنه ممكن يعملها وياخد أحمد بالذات، لا ويمكن قبل سفره بكام يوم، علشان لما نبلغ يتهم يسر إنها غير أمينة.
حديثها كان مثيرًا للوساوس والشكوك ولكن أراد طمأنتها قائلًا: ميجدرش، وعمومًا أنا عاخد عليه ورقة ضد، لو عمل حركة اكده ولا اكده عسجنه بيها، أنتِ بس اطمني، واوعاكي تجولي الكلام ده ليسر.
هزت رأسها بتفهم قائلة: حاضر، مش هتكلم، بس مش عارفة قعدتها في بيت بابا صح ولا غلط، وفي نفس الوقت خايفة أقولك رجعها هنا، لا مامتك تسهله أموره.
رد عليها غير مبالٍ لأنه يعلم من يختلق الوقت لحمايتهم عند دارهم ألا وهو ناجي ليرد عليها: هنا هناك مش فارجة، هو مش عيقدر يجرب من البيتين، وأنا واثج من اكده، اهنه هو عيخاف مني، وهناك ناجي مش عيرحمه لو جرب منيهم.
ابتسمت منة بسخرية قائلة: ناجي بلا وكسة، ناجي اللي منع هروبها لينا؟، وقال ايه خاف عليها من الفضيحة، لا جدع أوي، لكن مش خايف عليها من البهدلة والمرمطة.
اقترب منها محاسبًا لها على زيارتها لناجي قائلًا: وجعتي يا حلوة، وأنا كنت ناوي أفوتها، بس أنتِ دبور وزن على خراب عشه، عتروحي لناجي ليه من ورايا يا منة؟، أجتلك دلوك وأرتاح منيكي؟
استشعرت أنه يحاسبها بالفعل وليس مزحًا فارتعدت فرائصها قائلة: أنااا…والله العظيم كنت متغاظة منه مش أكتر، وقولتله ليه عملت فيها كده؟، كنت سيبها على راحتها زي زمان، جاي تدخل دلوقتي.
قربها منه جيدًا وهمس في أذنها قائلًا: معتتكررش يا منة، اللي حوصل الصبح ده عيبة في حجي، أنا اهنه اللي عحاسب وعقول ايه اللي يوحصل واللي ميعحوصلش…ماشي؟
عبست بوجهها وهي تنظر إليه من ظهره وهو محتضنها لتقول: كنت بتهزر معايا من شوية يا شبل؟، اخص عليك وقعت قلبي، في حد يعمل كده؟، طب وربنا قلت هتطلقني، يلا شكلي قطعت الخلف بسببك.
أخرجها من بين أحضانها قائلًا: نعععم…بتجولي ايه يا حبيبتي؟، جال جطعت الخلف جال؟!، لو احنا جربناه علشان نقطعوه، ولا هي حجج فارغة؟، وربنا لأسلط عليكي مرت عمك.
ابتسمت منة قائلة: أنت كمان بتخوفني بمامتك؟، طب أقولك على حاجة ومتزعلش مني؟، أنا عمري ما خفت منها، مش عارفة ليه؟، يمكن طالعه لمامتي.
ابتسم شبل بانتصار قائلًا: أنا مش زعلان على فكرة، بالعكس أني فخور فيكي، لما جت واشتكت منيكي، رغم إني عارف إنها بالغت، بس خابر زين إنك كيف الصقر.
نظرت إليه بغرور قائلة: تربيتك يا شبل يا حبيبي، أنت وماما علمتوني إن طالما مش غلطانة أرفع راسي لفوق وخصوصًا قدام اللي ظالمني، وده اللي هعلمه لولادنا.
أحاطها بذراعيه كمن يحتضن صغيرته يسقيها من بين أحضانه بحورًا من العشق واللطف والمحبة والود..هي أيضًا كانت مستمتعة بأحضانه الدافئة كمن ترقد في حضن والدها..هما الاثنين يكمل كل منهما الأخر..يدعوان في نفس واحد أن يديم سعادتهم للأبد..نعم فهما يستحقان لأنهما لم يبنيا سعادتهما على تعاسة الأخرين مثل ما فعل بهما..ترى أستدوم هذه السعادة أم للقدر رأي أخر..وماذا عن يسر؟..ماذا ستفعل؟
فقط ساعات الليل نعمت فيها بدفئه ولأنها أصبحت زوجته وهو مستلقي بين أحضانها..مثل الصغار الذين تحاوطهم الأم وتخاف عليهم..رغم بقاء والدته بهذه الحياة إلا أنه لم يستشعر أحضانها يومًا..يشعر معها بالمعاناة فقط وهي تبحث عن الإرث والوضع المادي..وما آل إليه حالهم من ضياع ليث..الذي أصبح تابعًا لرغباتها الطامعة..نعم أحسنت تلك السيدة التي أنجبت زوجته عندما قالت أن للوالدين أثر فعال في تركيب شخصية أولادهم..ولا بد من تعليمهم..أما نجية مناقضة لها تمامًا..تتركز رأسها في العمل وجني الأموال فقط..سعدت كثيرًا عندما ماتت والدة منة وأرادت تزويج والدهم بأخرى لتريه أنه سيرتفع في وسط أهله..ولكنه رفض وابنته أثبتت لها أن لوالدتها الفضل في تشكيل شخصية ابنها.
استيقظت منة واغتسلت وطلبت منه أن تذهب إلى يسر فوافق وأراد إيصالها ولكنها رفضت..اقتربت من بيت والدها لتجد من تقف عاقدة ذراعيها في وجهها ألا وهي توحيدة ابنة خاله لتتمسخر بها قائلة: الأستاذة منة؟، عاش من شافك!، من ساعة فرحك مشفتكيش، خير هو الجواز مخبيكي؟، ولا تلاجي من وشك النحس بجيتي بتداري منينا.
اغتاظت منه من طريقتها ولم تبغي الرد عليها لتنقذها يسر من ذلك الموقف حين لمحتهما من الشرفه فهرولت مسرعة لتنقذ أختها وما أن وصلت حتى سمعت أخر جملة وهي تنعتها بالنحس، لتخلع ما في رجلها وتمسكها من يدها رافعة حذائها قائلة: بتقولي ايه يا توحيدة؟، مين دي اللي وش النحس؟، والله ما في وش نحس غيرك أنتِ وأبوكي وعمتك، دي وش الخير، أقولك أنتِ مش كان نفسك في واحد من ولاد عمتك خدي ليث حلال على بوزك.
وكادت أن ترفع الحذاء وتهبط به على كتفي توحيدة لولا منة التي أنزلت يدها قائلة: خلاص يا يسر، مش وقته الكلام ده، هنتفضح في البلد، وأنتِ يا ست توحيدة غوري بدل ما أقول لشبل وعم ضاحي وهما يتصرفوا معاكي.
أخذ صدر يسر يتعالى من النهجان من أثر ما انهالت عليها بالضر,ب حيث لم تستمع إلى منة، وهي تتحدث قائلة: والله أنا من يومها وأنا نفسي أفش غلي في حد، وأهي الفرصة جاتلي لحد عندي، حماتك يا هانم هي اللي بعتاها، علشان تحرق دمك لما شافتك مبسوطة.
ابتسمت منة بسخرية قائلة: طب ما أنا عارفة، وكنت هرد عليها، بس أنا في ايه ولا في ايه، اللي زى دول يا يسر بتمر عليهم المصايب ولا كأن حصل حاجة، مش بيتأثروا.
ردت عليهما توحيدة بخوف قائلة: هو في ايه؟، أنا عملتلكم ايه؟، كل ده عشان بسألها فينك من زمان؟!، هو السؤال حرم عاد؟، أما انتوا عيلة مهابيش بصحيح كيف أمكم!
شهقت منة ووضعت يدها على شفتيها من كلمة توحيدة لتنظر إليها يسر لتقول لها بعينيها انظري!، ضُ,ربت وما زالت تسبنا وتسب أمنا أيضًا، ليلمع الغضب في عيني منة وتقوم بتلقينها درسًا أشد شراسة وبشاعة من درس يسر، حيث قامت بالانقضاض على طرحتها وأزاحتها وأمسكت ضفائر شعرها وسحقتها أرضًا قائلة بصوت أشبه بفحيح الأفعى: يعني أنا ساكتة ليكي وببعد يسر لتعملك عاهة مستديمة وأنتِ بدل ما تقولي أسفة بتشتمي في أمنا لاااا، ده أنا أدفنك مكانك واعتبر إن ربنا مخلقكيش، كله الا أمنا يا بنت أخو نجية.
نخطئ..نعم.. فعلتها منة وأخطأت..كان من الصواب أن تتركها ..ولكن الخطأ الأعظم هو ظهور توحيدة في ذلك الوقت المفعم بالثورات..ليس خطأ منة أو يسر وحدهما في ردة فعلهما.. ولكن ما الذي سيحدث الآن؟..بعد أن ألحقت السوء بتوحيدة..بإنقضاضها عليها.
نظرت منة إلى توحيدة التي باتت تحت قدميها، وإلى يسر التي تبتسم ابتسامة نصر، وتركتهما وذهبت إلى شبل حيث مكان وجوده، لتسرد له ما حدث دلفت إلى المزرعة وعيونها تلمع وهي حمراء كالدم قائلة بلوم وعتاب: مامتك مش حابة إن واحدة من بنات سلفتها تعيش سعيدة، بعتتلي توحيدة عند بيت أبويا تعايرني بوشي النحس على أختي، أنا سكت لأن يسر قامت بالواجب، وأنا دافعت عنها، تخيل الحقيرة اتكلمت عن أمي كله إلا أمي يا شبل!، أنت فاهم؟، أنا موتها من الض.رب.
لم يصبر شبل واحتضنها بقوة وسط خيله الذي ازداد صهيله كأنما يشعر بعشقهما، ربت على ظهرها يهدئها قائلًا: هو ده اللي مزعلك صوح؟، أنا خابر إن حجيجة اللي مزعلك إنك ضر.بتيها،بس هي تستحج، خابرة ليه؟، لأنها كيف البغبغان بتردد حديت أمي.
تعالت شهقاتها كثيرًا وهي بين أحضانه، ليذعر الخيل من صوتها ويرمح في المزرعة، ليقبلها شبل من جبينها ويمسح دموعها قائلًا: بزيداكي عاد يا منتي الفرس يزعل، ولا أنتِ ولا الفرس تهونوا عليا، والله العظيم لأجبلك حجك منيها، خابرة ععمل ايه؟، عجوزها الواد جابر حلال فيها ولو إنه طيب، بس حجاني وعيعرف يلمها صوح.
ابتسمت على مزحته، لأن في البداية كلامه كان كالبلسم الشافي، أحضانه سكينة بالنسبة لها، تحققت جميع خيالاتها معه، يجعلها المرتبة الأولى في حياته، ينبثق من قلبه الطاهر شعاعات مضيئة، بدون تحدثها معه وهي في تلك الحالة كانت ستنهار فعليًا، لأنها تمتلك الشجاعة من خلاله، هل يمتلك قوة خارقة أم ماذا؟، قوة خارقة تشتعل من أجل إسعادها. تود أن تصرخ وتعلم العالم بأكمله أنها تعشق هذا الشبل، الذي تكون مهمته الوحيدة في هذه الحياة إسعادها فقط.
تركته ورحلت مرة أخرى إلى أختها فظهر من جديد الشخص الذي كان يخبأ نفسه من عيونها لينظر إلى شبل قائلًا: عمي…كتر خيرك إنك مجولتلهاش إني اهنهه..أنت خابر من ساعة الفرح مش جادر أحط عيني في عينيها..فضلت متخبي عنيها وهي في دارنا.
احتضنه شبل وربت على ظهره ليبكي أحمد قائلًا: يا عمي والله العظيم ما كنت عايز أكذب عليك..بس بوي الله يسامحه هددني بالضر,ب..وأهو عاود و ضر,بني تاني..لما فتنت عليه ..أنا خابر إن خالتي عتسامحني.
مط شبل شفتيه قائلًا: ولما أنت خابر إنها عتسامحك، عتتخبى منيها ليه؟، وهربت النهارده من دار جدك ظافر وأنت خابر إن اكده خطر عليك، تصرفك كلياته غلط.
نظر إليه أحمد بحزن قائلًا: أنا جيت اهنه لأني خابر إنها جاية دار جدي..وعشية كانت عايزة تشوفني وأمي اتحججت إني نايم..طب دلوجيت أمي عتحجج بايه؟
هز شبل رأسه باستياء قائلًا: يعني علشان أمك متكدبش تقوم تيجي اهنه، طب دلوجيت أنت طلعت كذاب تاني، وأمك عتطلع كذابة لأنها معتعرفش تقول أنت فين.
خبط أحمد على جبهته قائلًا: صوح يا عمي.. بس أعمل ايه أنا عحب خالتي منة كتير..يمكن أكتر من أمي.. وزعلان على اللي عملته فيها.. ومش جادر أطلع في وشها.. خلاص يا عمي أنا ععاود ليهم تاني وععتذرلها عن كل شيء.
ابتسم شبل لجرأة أحمد وعزم أمره على الرجوع معه خوفًا من بطش ليث، بينما كانت منة تجلس مع يسر أختها في حديقة المنزل حتى وجدت نوارة تدلف إليهما كالهارب من شيء قائلة: توحيدة راحت على المركز يا منة وجالت إنك ض.ربتيها وعملولك محضر، أنتِ ويسر وأمي شهدت عليكم، وجالت عطربجها فوق دماغكم.
قطبت منة جبينها قائلة: ايه اللي أنت بتقوليه ده يا نوارة؟، هي أمك تق,تل القت,يل وتمشي في جنازته!، طب يعني كنت أعملها ايه وهي نازلة كلام سم على أمي؟
رفعت نوارة يدها بيأس قائلة: مخبراش، أنا جيتلك من وراها، والله لو تعرف لتق,تلني، البت راجعة هدومها مجطعة، وخطيبي المحترم عايم على عومها وعايز ياخد حجها.
زفرت منة بحنق قائلة: حقها!، حقها ده ايه؟، احنا هنستعبط!، بدل ما يروح يجيب حقها يروح يحاسبها وهي دايرة في الشوارع تلطش في خلق الله، قال حقها قال!
تنهدت نوارة بتعب قائلة: والله العظيم أنا نفسي الأرض تنشج وتبلعني من اللي بيحصل مننا فيكم، بس أعمل ايه يا منة دي أمي برضك، ومعرفاش لساتها مستجوية عليكم ليه؟
خرج في هذا الأثناء ظافر إلى الحديقة بعد أن قامت يسر بإخباره ما حدث ليقاطع نوارة قائلًا: أنا عجولك يا بت خوي، أمك عتعمل اكده ليه في بناتي، لأني زمان موافجتش أتجوز خالتك، من يوميها جلبت النار بين وبين خوي.
حاولت منة تهدئته قائلة: بابا ملوش لزوم نوارة تعرف حاجات زي دي عن مامتها، نوارة لسه صغيرة، وبعدين دي مخطوبة لابن خالها، متصعبهاش عليها الله يخليك.
دلفت في هذه الأثناء نجية تصرخ قائلة: أنا ساكتلك من عشية يا مرت ولدي، لكن كله كوم وتوحيدة بنت جلبي كوم تاني، بجا تضروبيها وعسكتلك عاد، لع، عتضر,بي زي ما ضر,بتيها.
ربعت منة ذراعيها بكل ثقة قائلة: لا يا مرات عمي، الضر.ب ده للعيال مش ليا، أنا ست كبيرة وعاقلة وناضجة، وهروح القسم وهعترف على نفسي، وهمشي بالاجراءات.
لم تستمع إليها نجية وانقضت عليها مثل الأسد الذي ينقض على فريسته ليرفع ظافر عصاه الأبنوسية في وجه نجية ويقف حائلًا بينها وبين ابنته قائلًا بغضب: سيبيها يا نجية، بدل ما عضر,بك أني، و ادفنك مطرحك، وأعتبر إنك مجتيش الدنيا، ومش عيهمني عضم التربة يا بت عمي،اسمعيني زين بناتي خط أُحمر.
ابتسمت منة ابتسامة شماتة لنجية بسبب مدافعة والدها عنها وتحدثت بثقة قائلة: بابا قال اللي كان لازم يقوله من زمان يا مرات عمي، بس هو احترم إنك ست كبيرة وليكي مقامك، بس أنتِ دايمًا بتضيعي مقامك وسطينا.
استشعر ظافر كلمات منة اللاذعة فأوقفها قائلًا: منننة، عيب يا بتي، دي مهما إن كان حماتك برضك، اكفايه اني بس أرد عليها، بصي يا نجية يمين بعظيم لو عرفت إنك قربتي عليهم تاني لتكون نهايتك بيدي.
هزت نجية رأسها بغضب ووعيد قائلة: اكده يا ابن عمي، عتخسر اللي بيناتنا بسبب بنتين ملهمش لازمة عاد، حتى أمهم كانت كيف الغوازي، علمتهم المسخرة والتطاول على أسيادهم.
اقترب منها ظافر ونظر لها نظرة نارية قائلًا: منة النهارده كانت هتجتل توحيدة من الضر,ب لمجرد انيها اتكلمت على أمها، جوليلي أعمل فيكي ايه وأنتِ عتتكلمي عن مهجة القلب.
ثم أكمل ليشعل فتيل الحرب بينهما غافلًا عن تلك الأعين التي تراقبهم، أعين حاقدة وناقمة على ما يحدث.
ظافر باستعلاء: طب دي منة، ما بالك بيسر، اللي أنتِ وولدك استجليتوا بيها، خابرة ععمل ايه عطلجها منيه، وعاخد عياله وعجوزها ناجي سيد سيده.
ولم يدري أنه لفظ أخر جملة بعمره فمن بعد تلك الكلمة لم تتحمل الأعين التي تراقبهم فقد تفاقم الحقد والغل بداخلها فاندفعت بإطلاق الرصاص نحو منتصف رأس ظافر ليسقط أمام ابنته التي انعقد لسانها إثر رؤية الد,ماء تلطخ قدميها مكان سقوطه.
الفصل السادس
سقط الجبل الذي تحتمي به لتسقط من بعده على ركبتيها تحاول إخراج صرخاتها ولم تستطع، تتحسس دمائه بيدها وتقربها من وجهها لتقوم بلطم وجهها بدمائه وتنطلق صرخاتها قائلة: لييييه.. ليييييه.. لييييه.. لااااا..باااااابااا.. متسبنييييش.. ارجع تاني يا بابا.. علشان خاطري.
وانهارت تقبل يديه بجنون قائلة: أبوس ايدك.. أنا وحشة عارفة أن أنا السبب.. ارجع وأنا هريحك مني.
كل ذلك بدون جدوى، سبق السيف العزل، لما كل هذا البغض والكره، أخذت تحتضنه بقوة تضع يدها على دمائه تحاول إيقافها ولكن كل ذلك لا يجدي، لقد غدر به.
سقط ظافر بدمائه أرضًا بعد طلقة غادرة في منتصف رأسه لينهار كل شيء أمامها وأمام شقيقتها التي هرعت بعد سماع صوت الرصاص لتلطم وجهها غير مستوعبة رؤية والدها وهو جثة ماثلة أمامها.
هرعت يسر إليها وانحنت نفس انحنائتها بانهيار قائلة: قلتلك يا بابا مش هيسبونا في حالنا.. وأهو أخدوا ماما مننا.. ورجعوا أخدوك.. ياخدونا معاك يا بابا.. هنعيش لمين من بعدك.. منهم لله.
هرعت إليهم هانم بعد أن أبلغتها نوارة بالمشادة بين والدتهما وعمها لتلطم على وجهها وتبكي وتنوح قائلة: يا خرب بيتك يا عمي.. يا مرك يا هانم.. اتيتمنا مرتين من بعدك يا عمي.. يا حبيبي يا عمي.. كنت زى بوي.. منك لله يا للي كنت السبب.
جاء شبل مهرولًا ودلف إلى الحديقة ينظر إلى كل شيء بذهول خاصة والدته المتيبسة بمكانها يلتمع الشر والشماتة بعينيها السوداتين المليئتين بالحقد الدائم ليصرخ في وجهها قائلًا: عملتوا ايه في عمي يا أماه؟
نظرت إليه باستهزاء ورحلت ليجد زوجته مغطاة بالتراب هي وشقيقتها وشقيقته تصرخن بعويل عميق، لينحني أمامهن يضع يده على عيني عمه ويغلقهما ثم يحمله بين يديه ليدلف به إلى الداخل حتى تتم كافة الإجرائات ومنة ويسر ما زالتا بالأرض تنثران التراب على وجهيهما ممزقتان إلى أشلاء.
العائلة لأي فرد في المجتمع هي كل شيء.. عشق الفتاة لزوجها لا يعادل عشقها لعائلتها خاصة والدها ووالدتها.. استشعرت الظلام في حياتها بعد انتهاء عائلتها والتي لم يتبق منها غير يسر.. ركضت خلف جنازة والدها كالطفل الذي ما زال يركض خلف والده وهو ذاهب إلى عمله كأنها تحادثه خذني معك.. ولكن كيف يأخذها وروحه قد حلقت في الأفاق عند خالقها.. احتجزت نفسها ثلاث ليالي بالمقابر بين المقبرتين اللتان تضمان والديها.. ولأول مرة يتركها تفعل ما تشاء لأنها تمتلك كل الحق.. تنظر إلى المقبرتين ويترتسخ بعقلها اعتقاد واحد أن من بهما ليسا بشر.. بل أجساد كانت تعيش كالملائكة.. وقد ق,تلا عمدًا.. واحدة قت,لت بالحزن.. والأخر قت.ل بالن.ار.. بعد مرور تلك الليالي العصيبة.. انتظرت شبل أن يأتي بليث ويقدمه للشرطة ولكن دون جدوى.
ذهبت إليها نجية والتي انتظرت لحظة انشغاله بتلقي التعازي ونظرت إليها بشماتة قائلة: عتستني كتيير يا منة، وولادي مش عيخبصوا على بعض، خليكي مزروعة اهنه بالمقبرة وليث ولدي عيهرب على الكويت، خابرة الكويت يا منة.
نظرت إليها منة بغضب قائلة: أنتم السبب، أنتم اللي دمرتونا، بداية منك ومن عمك، وأخوكي وابنك، حسبي الله ونعم الوكيل فيكم، يا ريتنا سمعنا كلام ماما ومفضلناش وسطيكم.
سخرت نجية قائلة: احنا لسه فيها عاد، قضيتي ليلة ولا تنين معاه مش عيفرجوا، روحي البندر وهملينا نعيشوا حياتنا، اللي كان ليكي اهنه مات، بدل ما تموتي أنتِ وخيتك.
نظرت منة إليها في مرارة وهي ترحل، ليأتيها شبل بعد ذلك يحاول إعادتها إلى المنزل فأمسكته منة من ملابسه قائلة وهي تنتحب وتتعالى شهقاتها من البكاء: محدش عملها غيره، محدش ق.تل بابا غيره، أقسم بالله يا شبل لو ما جبتلي حقي منه، لا هكون مراتك ولا ساعة واحدة، واللي بينا هينتهي .
جحظ بعينيه قائلًا: أنتِ عتجولي ايه يا منة؟!، أنتِ مفكرة لو طلع ليث أو غيره أنا عسكت!، لا، يبجى متعرفنيش يا بت عمي، مش شبل اللي عيعملها، ده أنا عسلمه بيدي.
صرخت منة قائلة: مش عايزة كلام كتير، تروح تجيبه من تحت الأرض، واخلص منه، ولا أقولك هاته هنا، أنا اللي هق,تله زي ما قت.ل أبويا، وحرمني منه.
وضعها بأحضانه قائلًا: اهدي يا حبة قلبي، الأمور دي ما عتتحلش بالهجوم ده، كله بالراحة والهدوء.
كانت تنظر إلى أحضانه بمرارة تتخيل بعقلها كلام نجية لتتأكد أن هدوئه يحوم حول فكرة تهريب أخاه لتعزم أمرها على تركه.
سمعت من نجية أنه قام بإرساله إلى الكويت لكي ينقذه.. يا لها من بلهاء.. عزمت أمرها أن تأخذ يسر وأولادها وتذهب إلى القاهرة للمكوث هناك وبدء حياة جديدة بعيدة عنه وعن عائلته.. مما أثار غضبه.. وأخذ يبحث عن ليث إلى أن وجده وقدمه للعدالة مما أثار نجية وأحزنها وبعد محايلته كثيرًا لتهريب أخاه والتي بائت بالفشل سقطت نجية ذات يوم مغشيًا عليها وقد أصيبت بجلطة جعلتها لا تتحرك ولا تتحدث مع أحد.. جلطة جعلتها تندم على كل ما فعلته تجاه ظافر وعائلته.. جلطة لم تبالِ لها توحيدة ولا والدها ولا أخاه.. مما جعل نوارة تفسخ خطبتها منه وتذهب إلى منة وتعيش معها ومع يسر.. تاركه والدتها إلى هانم وشبل.. سردت نوارة كل ما حدث لمنة وكانت تتوقع رجوع منة للوقوف بجانب شبل.. ولكن زاد عنادها لأنه تركها ترحل بدون عتاب حتى لم يأت لها يومًا لكي يطمأن عليها.. ذات يوم خرجت نوارة ويسر والأولاد للتنزه.. بينما هي رجعت من المدرسة التي تعمل بها لتجده يقف من ظهره لتملأ السعادة قلبها ولكن هدأت من نفسها ووقفت خلفه قائلة بغضب مصطنع: ايه اللي جابك؟، مش اللي بينا انتهى؟، ولا كنت مفكر لما نوارة تحكيلي هرجع أعيش تحت رجليك تاني، طب تيجي ازاي وأنت محاولتش تقولي مشيتي ليه؟
ذهل من حديثها وارتجف واضطر أن يلتفت إليها لتراه جيدًا لتصدم وتقول وهي واضعة يدها على شفتيها: ناجي!
نكث ناجي رأسه بخجل في الأرض قائلًا: أني أسف، والله العظيم كنت علتفتت وأجولك إني ناجي، بس استحيت منيكي، كنت جاي عشان حابب اتحدت وياكي في موضوع.
لوت منة شفتيها وربعت ذراعيها قائلة: موضوع ايه اللي أنت واقفله تحت العمارة؟، احنا مفيش بينا وبينك مواضيع يا ناجي، وبعدين المواضيع دي مع الرجالة، مش مع الستات.
هز ناجي رأسه قائلًا: خابر… بس يسر جالتلي إنك مجاطعة الكل، ولو رايدها أطلبها منيكي، عشان خاطرى يا ست منة وافجي والله أحطها في حباب عيوني.
رفعت منة حاجبيها باندهاش قائلة: وكمان بتكلمها من ورايا؟!، والهانم عايزاك تتقدملها!، المياه بتجرى من تحت رجليا يعني، أه أنا أصغر بس أنا بفهم عنها كتير، والعقل بيقول إننا لازم نكون بعيد عنكم.
نظر إليها بحزن قائلًا: أي عقل يجول إنك تفرجيني عنيها، اكفاية اللي حوصل زمان، وبعدين أنا عايش اهنه، مش عتنزل البلد واصل لا هي ولا ولادها.
رفعت منة سبابتها لها قائلة: اسمعني كويس يا ناجي، لا أنا ولا اختي حمل وعود فارغة، اختي لا هتعيش معاك هنا ولا هناك، ولا هتتجوزك أصلًا، ابعدوا عننا بقا.
لم يستطع الرد عليها ونظرت له باستهزاء وصعدت إلى منزلها لتبدل ملابسها بعد عناء العمل، لتستمع إلى جرس الباب لتزفر بحنق حيث استشعرت أن ناجي صعد ليلح بطلبه فأرادت أن تثور عليه ففتحت الباب غير مدركة من الذي جاء وهي تصرخ قائلة: أنت راجل معندكش دم.
ثم تسمرت مكانها وبرقت بعينيها لتجده ينفخ في وجهها باستمتاع وهو يغلق الباب من خلفه قائلًا: وأنا ععمل ايه بالدم؟، خليهولك يمكن ينفعك، وأنتِ عدرسي للطلبة بتوعك، يا أبله. عدرسي القيم والمبادئ والأخلاق، وأنتِ مهمله جوزك تلات شهور وسبوعين.
ابتسمت منة بسخرية قائلة: يااه نسيت تعدهم باليوم كمان، لسه تلات أيام فراق، اللي هما بتوع العزا، لأني كنت نايمة في المدافن لوحدي، وسط الكلاب، وأنت ولا على بالك.
زفر شبل بحنق قائلًا: منننة، متنرفزنيش، أنتِ كانت حالتك صعبة، جلت عسيبك تهدي، ومع ذلك كنت باجي أطل عليكي كل ساعة، والساعة اللي غفلت فيها هربتي.
ردت عليه منة بغضب وهي تضع يدها في خصرها قائلة: أيوه، خدوهم بالصوت ليغلبوكم، أنا قلتلك عايزة حق أبويا، وبدل ما تجيبه هربته، أه ده محصلش لأنه كان كدبة من الست والدتك، علشان تحرق قلبي، بس برضه محاولتش تفهمني.
زفر شبل بغضب قائلًا: هو أنتِ عطتيني فرصة أتحدتت وياكي؟، وجلتلك جبل سابج أنا مبجدرش أتحكم في أمي، هي عتتصرف من ورايا، وأنتِ خابرة زين.
هزت منة رأسها بغضب قائلة: ماشي معاك حتى عمي مكنش بيقدر عليها، ولا الله أعلم يمكن هو اللي كان بيدبرلها الخطط، بس أنت يا شبل ولا مرة وقفتها عند حدها.
اختنق شبل وتضايق قائلًا: يعني ععمل ايه فيها؟، أموتها عاد!، اكفاية اللي جرالها من يوم ما جبضوا على ليث، وأنا اللي دلتهم عليه، مش زى ما صدجتي إني هربته.
ابتسمت بسخرية قائلة: عارف أنا واثقة إنك عمرك ما هتهربه، بس اللي حرق قلبي اهتمامك بالشكليات، والدفن والجنازة، ده أنت كان ناقص تقيد الق,تل ضد مجهول.
هز شبل رأسه بعدم استيعاب قائلًا: كنت عايزاني أدلى ببوك للمشرحة ويبهدلوله؟!، أنا أكرمته لأنه مش عمي ده بوي، ولو كان عايش وواحد منينا جراله نفس الشيء كان عيتصرف نفس التصرف.
تنهدت منة بتعب قائلة: خلاص يا شبل، الكلام ملوش فايدة، اللي حصل حصل، أنا لا ينفع أرجعلك ولا ينفع أجبرك تيجي تعيش هنا وتسيب والدتك، نفترق أحسن.
اقترب منها بخبث قائلًا: لععع، معينفعش، خابرة ليه؟، لأنه ولدنا مش عيرضى يتربى بعيد عن بوه، لأني واثج إنه عيعشجني كيف أمه العندية، ولا عنديكي حل تاني.
ابتلعت ريقها تستدرك الموقف حتى نوارة لم تعلم لا يعلم غير يسر وصديقتها لتسأله بتوجس قائلة: ولدنا!، أنت عرفت منين؟، من يسر صح؟، قالت لناجي وناجي الزفت قالك، طب بص بلغه إن بعد الفصل البايخ ده طلبه بقا مستحيل.
ابتسم بشماتة قائلًا: لع مش ناجي، وحتى لو هو، أنا كبيركم دلوجت أني وضاحي جوز هانم، وناجي طلبها مني وأنا وافجت وفرحهم يوم الخميس الجاي.
تعالت ضحكات منة الساخرة قائلة: هههه، أكيد بتهزر!، يكونش جاي تعزمنا، ولما أنت عطيته كلمة، دلوقتي هو جه تحت البيت واسترجاني أوافق ليه، عمومًا لما يسر ترجع حسابي معاها.
ابتسم بشماتة قائلًا: هملي يسر لحالها دلوجت دي عروسة برضك، دي عرفت تهرب منيكي هي ونوارة وأدلوا البلد الصبح وعيجهزوا لكتب الكتاب والدخلة.
هرعت إلى غرفة يسر تبحث في دولابها لم تجد ملابسها لتلتفت وتجده خلفها لتجز على أسنانها قائلة: أنت بتقوي أختي عليا يا شبل؟، حابب ترجعنا للقرف والهم تاني؟، ونموت بحسرتنا زى أبونا وأمنا!، ماشي يا شبل جوزها ليه، بس أنت المسئول قدامي.
رفع كتفيه قائلًا: أنتِ اللي جولتيها أهو، أني المسئول جدامك، معناته عفضل جدامك على طول، وبعدين واحنا مالنا بيهم هما عيعشجعوا بعضيهم، وفرجتهم الأيام.
هزت منة رأسها قائلة: لا معلش مش الأيام اللي فرقتهم، أخوك منه لله اللي فرقهم، زي ما فرقنا عن بابا، ومامتك فرقتنا عن أمنا، واحنا افترقنا عن بعض، رغم إن في بينا رابط.
رد عليها بعند قائلًا: لععع يا منة، احنا مش عنتفرجوا واصل، وأنا مرجعتش ليكي عشان اللي في بطنك، أنا حبيتك تريحي أعصابك حبه، بس مبجتش قادر على بعادك.
نظرت إليه بسخرية قائلة: مبقتش قادر على بعادي؟!، واشمعنا بعد ما عرفت إني حامل؟، مش شايفها غريبه شويه يا شبل!، أنا لو كان بعدي تعبك كنت جيتلي من تاني يوم.
هز رأسه بيأس قائلًا: أنا جيتلك يا منة، أه مش من تاني يوم من تاني سبوع، يسر جالتلي إنك عتشتغلي في مدرسة، وصتها معترفكيش اني جيت، لأني روحت شفتك مبسوطة وعتضحكي في وسط صحباتك.
نظرت إليه بحزن قائلة: قمت ما صدقت تخلص مني صح؟، أه ما هو لو كنت راضتني ورجعتني ومامتك شافتني قدامها مكنتش هتخلص من المشاكل اللي بيني وبينها.
ابتسم إليها قائلًا: أني كنت عبعدك عن كل المشاكل دي، وكنت مجهزلك دار وحديكي، وكنت عوافج على شغلك في المدرسة عندينا، بس أني خابر إن كل ده عيتعبك أكتر.
زفرت منة بضيق قائلة: عندك حق، أنا يمكن مش عايزة يسر تتجوز وترجع البلد لأني هضطر أشوفها، وهروح هناك وكل المواجع هتتقلب عليا، وأنا مش ناقصة.
سألها بتوجس قائلًا: والعمل يا منة؟، أنتِ خابرة زين إني عحبك وأنتِ كمان، وولدنا اللي جاي في السكة ده مصيره ايه؟، أرجوكي تعالي نرجع لبعض في أي مكان، حتى لو نسافروا.
انتفضت منة قائلة: لا لا لا، سفر ايه؟، أنا مش حمل سفر ولا بهدلة، وبعدين لو سافرت مش هرجع مصر تاني أنا عارفة نفسي، أنا بفضل نفضل عايشين هنا.
اقترب منها بخبث قائلًا: أفهم من اكده إنك موافجة ترجعيلي؟، حيث اكده بجا… أنا عبيت معاكي الليلة، ومش عنرجعوا إلا ليلة الفرح، ايه رأيك بجا؟، ولا عتباتي لوحديك؟
ارتجفت منة لفكرة المبيت بمفردها فاندفعت قائلة: لا خلاص بات هنا، إن شاء الله تبات عشر سنين، بس ممكن طلب لما تروح يوم كتب الكتاب بلاش تبات هناك وتسيبني أو ابعتلي نوارة، لأني مش هحضر.
علم أنه لن يستطيع السيطرة عليها في قرار ذهابها للفرح ولكن حمد ربه على موافقتها الرجوع إليه وهذا يكفيه حد الاكتفاء.
يعتبر رجوع منة لشبل كحلم تحقق بعد عناء.. عندما التقى بها من جديد استشعر أن القمر اكتمل.. لم يندم طرف منهم أكثر من الثاني بل الاثنين معًا بنفس التوقيت والمكان وبنفس القدر.. انتظرها كثيرًا لتهدئ ولكن علم أن كثرة الانتظار تولد الجفاء فانتهز فرصة طلب ناجي ليسر ليغتنم هو الأخر منة.. ظهر إليها وبالوقت المناسب حتمًا كانت ستتركها يسر حتى لو عارضتها وأيضًا تلك الروح التي بعثها الله في أحشائها.. لم تستطع طرده من حياتها من جديد فهو عنصر مؤثر في حياتها بالرغم من كل التأثيرات في حياته عليها.
في صباح يوم العرس ارتدى ملابسه وخرج إلى الشرفة ليحتسي قهوته قبل أن يرحل ويتركها ليعود إليها في الظلام الدامس لخوفه الشديد عليها من المبيت وحدها.. دلف إلى الغرفة ليودعها ليجدها ترتدي فستانا بلون الأوف وايت .. نظر إلى انعكاس صورتها في المرأة وهي ترتدي الحجاب لينبهر من طلتها البهية محتضنًا إياها من الخلف قائلًا: خسارة الجمال ده كله معيحضرش معايا الفرح؟، كيف عقدر أسيبك يوم بحاله؟، ليه معتجيش معايا؟، وعتروحي فين بالفستان الزين ده؟
ابتسمت منة والتفتت إليه تظبط له ربطة عنقه قائلة: متخافش، مش هروح بالفستان ده حته من غيرك، أنا أساسًا مقدرش أبعد عنك بعد كده، أنا جاية معاك فرح أختي، يا كبير عيلتنا، ايه رأيك بقا؟
التقط يدها وقبلها بنعومة قائلًا: اللهم صل على النبي، ايه الحلاوة دي يا منتي، أيوه اكده صوح عاد، أنا ععشجك أكتر وأكتر، دايمًا رافعة راسي كيف ما كنتي رافعة راس بوكي.
ابتسمت منة بخبث قائلة: أصل كمان فكرت في حاجة تانية، دلوقتي لما يسر وناجي يتجوزوا أكيد يعني هيحبوا يقعدوا مع بعض لوحدهم كام يوم، فأنا وأنت هنقعد هناك بالعيال، وهعطيهم مفتاح الشقة دي يقضوا فيها أسبوع.
لوى شبل شفتيه بإمتعاض قائلًا: أنا خابر إن أمي داعية عليا، معتهناش واصل، ناجي عيرتاح على جفايا، اكده يا منة، طويب، والله لعطلعه على جتتك ليلة ما تجومي من الولادة دي.
تعالت ضحكات منة بسبب غيظه واحتداده الطفولي، ليبتسم إليها ولم يعارضها يكفيه أنها سعيدة، وتحاول إسعاد الجميع لم يرد أن يقطع فرحتها يومًا.
في الحب والحرب كل شيء مباح، عبارة استخدمها ليث مرة وناجي مرة، استخدمها ليث عندما كان يحارب من أجل الزواج من يسر والنيل من نصيبها، أما ناجي استخدمها في الحب ضحى بحبه عندما علم من ليث أن يسر تعشقه، ضحى مرة أخرى وخشي عليها من الفضيحة فأبلغ أخاه ووالدها أنها حاولت الهرب، مرة أخرى يضحي ويتزوج من امرأة سبق لها الزواج ولديها ولدين ليقوم بتربيتهما كأبنائه عوضًا عن والداهما الفاسد، وها هي الفرصة أتيحت ليسر، وبالرغم من رفض منة لهذه الفرصة، إلا أن يسر تمردت وللمرة الأولى وهربت لتعويض ما فاتها في دروب الأيام، لأنها اعتقدت في يوم من الأيام أن الحياة ستقف بها مثل ما وقفت بوالدتها، بينما الزمان خبأ لها تعويضًا ومنحة جيدة تغنيها عن عناء ما شاهدته من قبل.
ذهبت منة وشبل إلى العرس وبينما كان شبل وناجي في قاعة الرجال أخرج شبل من جيب سترته رزمة من المال في مظروف قائلًا: دي نجطتي أني..نجطه مرتك مرتي عتعطيهالها…وده مفتاح الشوجه عتدلي فيها انت ويسر سبوع واحد…وعنجعد احنا اهنه بالعيال…عشان تاخد راحتك.
ابتسم ناجي بامتنان قائلا
=ربنا يبارك فيكم يا واد خالي…معتنساش الاصول واصل..وربنا يجدرني وأكون عند حسن ظنيكم فيا…وعوعدك عحطها في حباب اعنيا
ربت شبل علي ركبة ناجي الذي يهزا توترا وبنبرة مرحه قال
=انت عتتوتر من دلوجت…اجمد اكده عاد…التجيل جاي ورا…شكلك عتفضحنا اياك…وعجولك ايه احنا عايزين نشوفواعوضكم اقريب…
ابتسم ناجي بتوتر قائلا
=ان شاء الله…وبعدين ليه مستعجلين عاد… عيال يسر هما عيالي وععاملهم كيف اللي جبتهم من صلبي…ولا عتاخدوهم منينا عاد…دي ممكن تتطلب الطلاج فيها.
استمع اليهم ضاحي وجلس بجوار أخاه قائلا ليطمأنه
=اكده عاد ظنك السوء يا خوى…لا عيخدوهم ولا حاجه..العيال عيفضلوا في دارنا اهنه وشبل موافج كومان…بس احنا عايزن نشوفوا خلفك بردك.
تنهد ناجي واطمأن لينظر اليه شبل نظرة لوم وعتاب قائلا
=خابر لوكنت ععرف انك عتفهم أمنيتي ليك عفشه اكده …مكنتش اتمنيتها واصل…بس علي رأي الحج ضاحي ظنك سوء…معتخافش يا أبو أحمد وأبرار.
انفرجت أسارير ناجي لذكر شبل لهذا اللقب وغمرت السعاده قلبه ورد قائلا
=يا بوى يا شبل..انت عتجول ايه يا راجل يا طيب…أحلي لقب عتناديلي بيه…وأنا عوعدك اني عربيهم أحسن تربيه وععلمهم أحسن علام.
ابتسم شبل بمزاح قائلا
=… قد القول والله يا أبو أحمد…بس في حاجه لازم توحصل كل سبوع…لزمن يجوا يزوروا ستهم ومتخافش لا انت ولا يسر عليهم.
هز ناجي رأسه بتفهم قائلا
=خابر زين…وعلي فكرة عشيه أنا بنفسي أجنعت يسر وخدتهم من ايديهم ووديتهم عند ستهم وكانت فرحانه ياما وكان نفسها تلمسهم…بس مجدرتش.
تنهد شبل بألم قائلا
=مسكينه يا ماي…أومال عتعمل ايه لما تعرف انه سبوعين و النطج بالحكم في قضيه ليث…ربنا يتولاها برحمته…ويجدرني ان أعديها المحنه دي.
علي الجانب الأخر دلفت منه إلى يسر والتي تفاجئت بها لتحتضنها منة قائلة: أنا جيت فرح أختي وحبيبتي علشان أوصلها بايدي لعريسها.
أدمعت عيني يسر قائلة: ربنا ما يحرمني منك يا منة.
ابتسمت منة قائلة: كنتِ مفكرة إني مش جاية صح.
هزت يسر رأسها بحزن قائلة: الصراحة أه.
ابتسمت منة ورفعت ذقن يسر قائلة: مقدرتش يا يسر أسيبك في ليلة زي دي.
لمعت الفرحة في عيني يسر قائلة: يعني خلاص يا منة موافقة على ناجي؟
هزت منة رأسها بفرحة قائلة: أه يا حبيبتي، وألف مبروك، عقبال يا رب ما أشيل اولادكم يا حبيتي.
بعد خمسة أيام من العرس جاءت شبل موافقة بزيارة ليث فأسرع للذهاب بمفرده دون معرفة أحد، لتذكره جيدًا أن منة ستمنعه من زيارته، تعتبره وحش ملعون كان بحياتهم وجاءت الفرصة للخلاص منه، ربما هذه الزيارة ستكون الأخيرة بين الأخوين، وبعدها سينفصلا للأبد، ربما ستكون مضمونها وصية من ليث لشبل على أولاده، أو ستكون الزيارة الذي يليها الصمت الدائم، هل يستحق ليث منهم فرصة أخرى، ورفع أيديهم له بالدعاء بعد هذه الزيارة.
نظر شبل إلى حاله ليث المزرية قائلًا بحسرة: واعي أنت بجيت فين يا خوي؟، واعي لحالك وصل لفين!، ليه اكده عاد؟كنت عايش ومبسوط وعندك ولدين ومرتك اللي بتحبك، ليه ضيعت كل حاجة اكده؟
هز ليث رأسه بانكسار قائلًا: يا ريتني كنت سمعت كلامك من الأول يا خوي، بس عنعمل ايه أني السكينة سرجتني ومشيت عكس التيار، كنت عاوز أخرب عليك وأخد كل شيء منيهم وأموتهم كلياتهم بحسرتهم كيف ما أمي طلبت مني، بس داين تدان أنا اللي عموت، عيعدموني يا خوي أنا واثق من اكده، لأنه جتل مع سبق الإصرار والترصد، أمانة عليك يا شبل خلي بالك من عيالي، أنا خابر ان يسر اتجوزت ناجي وخابر إنه عيحب عيالي، بس أنت عمهم برضه كيف بوهم ومربيهم، خلي بالك من أحمد خليه ينساني، وينسى جساوتي، وخلي بالك من أخواتي البنات، وبلاش جوازة نوارة الهم دي، بلاش عمايلي تطلع على أخواتي، وخلي بالك من أمي وخليها تسامحني، وجول لمنة حجك ربنا عياخده من ليث، سامحوني كلياتكم.
كاد أن يرد شبل عليه لولا انتهاء الزيارة، ليرجع شبل وإحساس يملأ قلبه أنه لن يرى ليث مرة أخرى، وبالفعل في فجر اليوم التالي للزيارة وقبل النطق بالحكم بأسبوع جاء خبر من السجن أن ليث توفي، وبخبره قهر قلب الجميع رغم ظلمه وق,تله لعمه قاموا بإجراءات الدفن سريعًا حتى لا تشعر نجية بشيء، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فقام ابن خالهم ببعث أخته توحيدة إلى دار نجية وذلك انتقامًا من فسخهم خطبته لنوارة.
هرعت توحيدة وألقت الخبر السام في أذن نجية والتي سرعان ما صرخت صرختها الأخيرة وتوفت بعد ثلاثة أيام من موت ليث، ليشعر شبل أن جذوره اق,تلعت وبالرغم من مواساة منة وأختيه له إلا أنه ظل حزينًا قرابة الست شهور.
انهيار والدته وموتها لم يستطع بعدها السيطرة على نفسه المبعثرة، يظن أنه لن تعود له الحياة مرة أخرى، يتذكر صوتها حتى عصبيتها وغضبها عليه، كانت امرأة قوية ذات جبروت كان الجميع ينتبه لها ولأفعالها، كان ينظر إلى مكان جلستها ويحادث نفسه بأن جلستها حتى في مرضها هيبة للمكان، نعم كانت بها كل الصفات السيئة وأشهرها الكذب وحب الوقيعة، ولكن بالنهاية هي والدته التي لا يعرف سواها، كل شيء حدث فجأة بداية من ق,تل شقيقه لعمه، ثم موت شقيقه بالسجن، ثم موتها حسرة على موت شقيقه، وكأن القبر فتح للجميع الواحد تلو الأخر، كلهم تعذبوا، منهم من تعذب كثيرًا في سنوات، ومنهم في خلال شهور ذاق العذاب أضعافًا مضاعفةً، مثل ما فعل بغيره في سنوات كثيرة.
فاق من كل ما هو فيه بعد شهورعلى صرخات منة وهي تلد، نظر إلى مولودته ليتأكد أن الحياة أهدته بداية جديدة، نظرت إليه منة وهو يبكي حاملًا ابنته لتبتسم قائلة: حمد الله على سلامتك يا شبلي، أخيرًا رجعتلي، يعني كان لازم أخلفها من بدرى علشان أشوف ضحكتك الحلوة دي؟، هااا هتسميها ايه؟
نظر إليها بحب وعشق قائلًا: مش بخاطري يا حتة من جلبي، بس الصدمة كانت وعرة جوي عليا، وجولت إنك هتجدريني، المهم البت دي عتفكرني بالشمس اللي بتشرج تنور الحياة.
ابتسمت منة قائلة: مش معقول يا شبل!، تعرف إن بابا الله يرحمه كان عايز يسميني شمس لأن كنت نفس الشبه ده؟، بس عمي بقا اللي هو باباك الله يرحمه مرضاش.
علا الحزن وجهه من جديد فنهرت منة نفسها على ما قالته، وحاولت تطييب خاطره قائلة: بس على فكرة، ربنا بينزلنا بأسامينا، محدش له دخل فيها، وده رزق شمس، ومكنش رزقي، وبعدين كفاية عليا تقولي يا منتي، مش شمسي.
ابتسم شبل قائلًا: أنا اللي عأذن لها في ودنها كيف ما أذنت لولاد خوي، شفتي بجا، أنتِ بجا عمك اللي هو بوي اللي أذنلك، عأذن ليها ونغظوكي، عجبال ما أذن لأخواتها.
تعالت ضحكات منة لدرجة أن الجرح أوجعها من جديد، ولكن كل شيء يهون مقابل عودة شبل مرة أخرى لحياته وكسر حاجز الحزن الذي مر به.
نوفيلا قلب بارد.
بقلم مروة البطراوي.
الخاتمة
بعد مرور عشرون عامًا منذ ولادة شمس الدين شبل أبو بكر، والتي عاشت في كنف والدها ووالدتها وشقيقها محمد، وفي وسط عائلة تتمني أي عائلة أخرى أن تقيم نسب معها، ولكن كان قلبها معلق نحو شخص أخر ألا وهو أحمد ابن عمها وخالتها بنفس الوقت والذي قارب سنه على الثلاثون بدون أن يتقدم لأي فتاة، منتظرًا نصيبه، متخوفًا من رفض منة أو شبل له لأنه على الرغم أنه تربى على أيديهم وعلى يد ناجي واستكمل دراستها في القاهرة في بيت شقيقة والده الطبيبة نوارة والتي تزوجت من معيدها لعشقه لها منذ أن دلفت للحرم الجامعي لأول مرة.
منذ نجاح أحمد بالثانوية العامة أخذته نوارة ليعيش معها ومع زوجها وكانت رغبة زوجها لمساعدته في عمله بعد التخرج وتشجيعه المستمر ليتخصص نفس اختصاصه، تخرج أحمد بسن الخامسة والعشرين وفكر أن يعرض طلبه على عمه ولكن تراجع في أخر لحظة وقرر أن يحصل على الماجستير وقد كان، أتى من جديد الصعيد وكانت تنتظر على أحر من الجمر، كان أول من كانت في استقباله هي أبرار شقيقته والتي تمت خطبتها لابن شقيقة والدها هانم الابن الأكبر لها ولضاحي ويدعى هادي، احتضنت أبرار أحمد بشوق قائلة: وحشتني أوي أوي يا أحمد.
غمز لها أحمد بشقاوة قائلًا: مش قدي يا بربوري، زي ما أنتِ قصيرة وهبلة مش بتتغيري، الله يكون في عونك يا هادي .
وضعت أبرار يدها في خصرها بتذمر قائلة: نعععععم.
ليأتيها صوت عمها من خلفها قائلًا: عتعملي ايه يا بربر، عترقصي للدكتور؟، ما نبعتوا نجيبوا الدكتور هادي ويرقص معاكي بالمرة.
ثم وجه نظر إلى أحمد بشوق قائلًا: كيفكك يا أحمد؟ اتوحشتك جووووى يا ولدي.
احتضنه أحمد قائلًا: وأنا كمان اتوحشتك جوي، كلكم وحشتوني.
وما كاد يستكمل حديثه حتى لمحها تنزل من على الدرج تركض من السعادة، لمحها مثل ما وصفها والدها يوم مولدها شمس تشرق من بعيد تنير المكان بأكمله.
كانت تركض إليهم إلى أن وصلت، حاولت تهدئة مشاعرها حتى لا يلاحظ والدها شيئًا وابتلعت ريقها وهي تمد يدها ليده لتصافحه قائلة: حمد الله على سلامتك يا أحمد، الصعيد نور من جديد.
رد عليها وجعلها تضع وجهها في الأرض خجلًا حيث قال: لا معلش الصعيد منور بناسه، بشمسه اللي بتنور دايمًا.
أتى ضاحي وهانم وابنهما هادي ليرحبوا بأحمد ودخل ضاحي يتنحنح قائلًا: احم، لا اكده كتير، العيلة كلياتها دكاترة، حتى البنتة، عنفتخروا بيهم يا شبل، ومعنرحوش لدكاترة واصل، اكفايه إن كل واحد تخصص.
ضحك شبل قائلًا: والله عنديك حق يا ضاحي، عحمد ربنا كتير اني وافجت على تكملة تعليم نوارة جلابة الخير، هي وجوزها الدكتور فاتحولنا ماسورة دكاترة.
هبط محمد ابن شبل قائلًا بتذمر: ليه بجااا عاااد، حديت الدكاترة الماسخ ده، مالهم المهندسين، اكفاية إننا عنبنوا للدكاترة الدوار الجديد علشان عيتجوزوا فيه.
كان أحمد مبتسمًا، ولكن حديث محمد جعله يقتضب ابتسامته ويتسرع قائلًا: مين اللي عيتجوز من الدكاترة هادي ولا شمس؟
خشت شمس أن تكون هي المقصودة، وصمت شبل ليجعلهما في موضع حيرة من أمرهم، فمثل هذا الأمر محسوم له، كان لظهور منة الفيصل حيث هبطت قائلة: هيكون مين يا نن عين خالتك منة، أنت يا حبيبي، أما أنا لقيتلك حتة عروسة، قمر بدر منور.
ثم احتضنته بخبث وهو متجمد مثل لوح الخشب في أحضانها يظن أنه يعاقب الآن على ما فعله والده، ثم وجهت أنظارها نحو شمس لتجد على عينيها غلالة من الدموع، ولكن تحجرت تخشى الهبوط.
ليدلف كلا من هادي و هانم يحاولان إفساد ما يفعلوه به واحتضنه هادي قائلًا: ابسط يا عم عيجوزوك، وأني اللي خاطب أختك البربور يجولولي لسه صغيرة، دي البت شاخت.
لتتذمر أبرار قائلة: والله وما ليك عليا حلفان يا هادي أنا هتجوزك صدقة علشان عمتي متزعلش.
أشاح إليها بيده قائلًا:لا يا بايرة.
جزت أبرار على أسنانها وذهبت إلى شقيقها تحتضنه قائلة: وافق على العروسة يا أحمد، دي مليييحة جووي.
عبس بوجهه وأشاح به للجانب الآخر.
لتنزعه هانم من بين أحضان أبرار، لتسمعه يقول: أنا معفكرش في الجواز واصل، إلا لما أخد الدكتوراة وساعتها أنا اللي هنجي يا خالتي، انتو كتر خيركم لحد اهنه.
نظر الجميع إلى بعضهم البعض، ثم لوت هانم شفتيها غضبًا قائلة: حمد الله على سلامتك يا ولدي، سيبك منيهم، عيهزروا معاك.
عقد أحمد ما بين حاجبيه قائلًا: كيف يعني؟
لينظر إليه ناجي وهو يدلف بلوم وعتاب قائلًا: مكنش العشم يا ولدي، عتسيبنا تاني وتعاود، افرض جرالي حاجة، ده أنا خليت واد عمك يبني المجمع الصحي وتمسكه وتفضل اهنه وتتجوز.
هز أحمد رأسه برفض قائلًا: مش عقدر يا بوي، أنا مستقبلي هناك، وعتجوز من هناك واحدة زميلتي وعتحبني وعحبها، ومعترضاش تعيش اهنه.
انهارت شمس وتحطمت أحلامها أمام جملة يثأر بها لكرامته ليأتيهم صوت نوارة وهي تضحك قائلة: أنت يا واد يا أحمد من كتر عشرتك للمرضى جالك زهايمر؟، أنت نسيت؟!، البت كانت عندينا امبارح وجولتلها إنك عتعاود وتخطب من البلد.
نظر إليها أحمد ليجد الجميع يبتسم بخبث ليأتيه الصوت الذي أخرجه من كل هذه الصراعات، ألا وهو صوت يسر وهي تأتي ببطء وكانت تتبطأ ذراعي التؤام ياسر ونوارة الصغيرة، ليركض أحمد باتجاهها نظرًا لظروفها، حيث أصيبت بتمزق في الأربطة نتيجة استعدادها البالغ لاستقباله، لتكون بعد هذا العناء أخر من يستقبله.
احتضنها يغمض عينيه ويشتم رائحتها قائلًا: وحشتيني أوي يا ماما.
أخرجته من بين أحضانها قائلة بحنان: وأنت كمان يا حبيب ماما، لو أعرف إنهم هيشتغلوك برخامتهم كنت متعبتش نفسي الأيام اللي فاتت وكنت استنيتك أول واحدة.
قطب جبينه قائلًا: هيشتغلوني!
ضحكت أبرار قائلة: لا وأنت شربت المقلب، علشان تبقى تقولي يا بربوري.
نظر إليها بدهشة، ونظر إلى الجميع وهم يبتسمون لبعضهم البعض، عدا شمس التي كانت مذهولة، أو كمن كانت في كابوس واستيقظت، ليبتسم أحمد قائلًا: يعني عمالين تشتغلوني من أول ما جيت؟
ابتسم شبل بسخرية قائلًا: ما أنت اللي مخبول، ما أنت خابر رأيي في الموضوع ده من جبل ما شمس تتولد.
عضت شمس على شفتيها وهمست قائلة: لا مش ممكن ده أنا كان قلبي هيقف، بس وقعت يا أحمد ولا حدش سمى عليك، قابل بقا حسابي على كلامك اللي طاوعك قلبك وقلته.
نظر إليها ضاحي وهي تجلس على مقربة منه ليتعالى صوته بخبث قائلًا:عتجولي حاجة يا شمس؟ مين ده اللي عتحاسبيه؟، أحمد؟
انتفضت شمس قائلة: لا، لا يا عمي، مكنتش بقول حاجة، ده… ده… ده بقرأ الأذكار.
ضحك الجميع في آن واحد وابتسمت منة قائلة: أه، أنا بنتي متدينة، يا بختك هتقضيها أذكار، وترحوا تقروا على الترب بالمرة.
غمز ضاحي لهانم لتفهمه قائلة: لععع، دي مش أذكار يا منة، ده عنيها هيطق منها انتجام واعر جوي، عنتتجم من أحمد علشان اتكلم على زميلته.
نفت شمس بخجل قائلة: لا، لا، لا، محصلش الكلام ده يا عمتي، وبعدين أنا مالي بيه أنتقم منه ليه؟
قام ناجي بفرك خلف رأسه قائلًا ببلاهة مصطنعة: كيف مالك بيه؟..مش عتتجوزيه عاد؟.. نشوف له عروسة تانية؟
انتفضت شمس قائلة: لااا… ااااه… أنتم حرين.
تضاحك الجميع على أدائها المحرج وردود أفعالها لتفاجئهم نوارة بحديثها قائلة: أنا بعتبر أحمد ابني، وجوزي كمان بيعتبره ابنه ما تتكلم يا ساهر وتجول احنا جايين ليه.
تنحنح ساهر قائلًا: الحقيقة أنا محروج منكم…بس ده طلب نوارة ومتعودتش اني أرفض لها طلب، طبعًا أنا عارف إن أحمد ابنكم كلكم، سواء عم ضاحي كبيرنا ولا شبل عمه وأبوه، ولا الحاج ناجي الأب الفعلي الراجل بجد، أحمد قعد عندنا سبع سنين، عمره ما عمل مشكلة، بالعكس مشاكل ولادنا كان هو اللي بيحلها، انتوا عارفين معندناش ولد وهو ابننا البكري، أخو البنات وحاميهم، البنات صحباتهم كانوا بيحسدوهم عليه، بطلب منكم تعتبروني أب رابع له، ودوري المرة دي أطلب أيد الأنسة شمس للدكتور أحمد.
نظر إليه شبل بفخر قائلًا: طلبك مجبول يا دكتور ساهر، مجبول من وأحمد صغير.
اندفعت الزغاريط من النساء، لتنظر يسر إلى نوارة وساهر بامتنان قائلة: أنتو عوض لينا، أنتم وهانم وشبل، عمركم ما قصرتوا ناحيتنا ولا دخلتوا حوارات الكبار ما بينا.
أخرجتهم أبرار من هذا الموقف بمرحها قائلة: طيب ماشي، يعني أحمد وشمس اللي لسه هيتخطبوا هتجوزوهم الأسبوع الجاي، طب أنا والمزعج ده احنا مخطوبين بقالنا تلات سنين، هتجوزونا امتى طيب؟
رد عليها أحمد قائلًا:الكبير بيتجوز الأول، واحنا عنجوزوا هادي جبلي، بس مش أنتِ، علشان أنتِ أصغر مني، يبجوا نشوفله واحدة غيرك.
انفرجت أسارير هادي وأخذ يتعمد إغاظتها، لتخرج لسانها قائلة:خفة أنت وهو.
ليحكم أمرهم شبل قائلًا: مفيش حد عيجوز جبل التاني، فرح أحمد وشمس، وأبرار وهادي الجمعة الجاية.
توترت شمس قائلة: طب ممكن نخليها أول جمعة في السنة الجديدة.. أهو يبقا قدامنا شهر.
لينظر هادي إلى ضاحي كي يتلاحق الأمر قائلًا: كل حاجة جاهزة من بدرى، وأنا رأي خير البر عاجله، أنا نفسي أفرح بهادي جووي.
حاول شبل الصف بجانبها لاستصعابه ابتعاد شمس عنه، ولكن أوقفته منة قائلة: خلاص يا عم ضاحي، القول قولك يا كبيرنا، أنا شايفة إن مفيش داعي للتأجيل ده كله، مبروك يا ولاد.
تهللت أسارير هادي قائلًا: أخيرًا هعرف أربي بربور.
ضحكت هانم قائلة: عتربي مين يا واد؟، ابقى جابلني.
هز هادي أكتافه ليجد عيني أبرار يشع منهما خبث ومكر ليهمس لنفسه قائلًا: سلام قول من رب رحيم.. دي جلبت على جدتي نجية.
اقترب ناجي من أحمد وأبرار يهنئهما قائلًا: مبروك يا ولادي، يا حتة من قلبي، ربنا يهنيكم ويخلف عليكم وأربي عيالكم.
قبلته أبرار من خديه وقام أحمد بتقبيل يده باعتباره والدًا فعليًا له.
همست نوارة لساهر قائلة: عمري ما كنت أتصور إن أبرار وأحمد هيبقا ليهم حياة حلوة زي دي.
همس لها ساهر قائلًا: ده أنتِ اللي حلوة، اه يا نورا خنجر في قلبي لما عرفت إنك مخطوبة، وسعادة دخلت قلبي رغم المشاكل اللي مريتي بيها إنك فسختي خطوبتك.
ابتسمت له نوارة قائلة: أهو أنا وأحمد وأبرار ويسر اتخلق لينا حياة جديدة.
جلس ناجي بجوار يسر لتربت على ركبتيه قائلة: مبسوط يا ناجي؟
أغمض عينيه قائلًا: هطير من الفرحة، أنا ربنا عوض عليا بيكي وباولادك وباولادي بعد ما كنت خلاص يأست .
ردت عليه بامتنان وحب قائلة: أنت كمان عوض ربنا لينا.
أقيم العرس وتزوج الفتاتان والشابان ودلف كلا منهم إلى شقته.
عند أبرار وهادي
نظرت إليه أبرار وبكت قائلة: عااا.. أنا خايفة رجعني لماما.
تدلت شفتيه إلى الأسفل قائلًا: متخافيش يا بت خالي.. أنا طيب جووي.. وعحبك.
لوت شفتيها بامتعاض قائلة: أنت بتتكلم صعيدي ليه هو في حد معانا؟
ابتسم بخبث قائلًا: أصل الليلة دي صعيدي يا بوووي.. والكل لزمن يشوفوا الأحمر.
شهقت أبرار بخوف ووضعت يدها على شفتيها قائلة: مكنش يومك يا أبرار.
تعالت ضحكات هادي قائلًا: هههه.. أنتِ صدقتي يا هبلة..صدق اللي قال بربور.
جزت أبرار على أسنانها قائلة: طب وديني لأوريك.
وهربت من أمامه، ودلفت الحجرة وأوصدت بابها بالمفتاح.
انتظرت أن يقرع الباب عليها ويتوسل إليها لتدخله، ولكن لم تستمع إلى صوته ظنت أنه خرج ليشعل سيجارة في البرانده أو دلف ليصنع قهوة.. صعدت إلى الفراش وأخذت تفكر في حل معه، لتتفاجىء به وهو يفتح بالمفتاح البديل قائلًا: مع مفتاح هادي ابن ضاحي، هتاكل زبادي وتعيش راضي وتخلف حماقي.
وقام بالهجوم الشرس عليها ليأتيه صوتها الناعم قائلة: بحبك يا هادي يا بتاع الزبادي.
رد عليها بحب قائلًا: بحب يا أبرار يا ملكة الأشرار.
تعالت ضحكاتها ليضع يده مسرعًا على شفتيها قائلًا: يخربيتك هتفضحينا ويفكروا اني عنتر.
وضعت يدها على خديه قائلة: طب ما أنت عنتر يا هادي، هو أنت في في جمالك، أقولك سر، حلاوتك وأنت شبه عمتي ورفنع زيها مطلعتش بكرش زي عمو ضاحي.
قبلها قائلًا: وحياة عيالك ما تقري، لأحسن أكرش بعد الجواز، وملقيش حد يبص لي.
أمسكته من حمالة التيشرت قائلة: مين يا د اللي يبصلك؟
رد عليها بخوف مصطنع قائلًا: مفيش حد يسطا، دي أماني زي اسمي كده هادي.
عند أحمد وشمس
حملها ودلف بها إلى شقتهما الخاصة، لينزلها ويوقفها أمامه في مستواه قائلًا وهو يمتلك وجنتيها بين يديه ويقربها من شفتيه: مبروك يا شمسي، أنا فضلت كتير أحلم باليوم ده، والحمد لله ربنا حقق حلمي.
أخفضت يده من على وجهها ونظرت إليه بلوم وعتاب قائلة: أنت لا حلمت ولا حاجة، هي جت معاك صدفة.
عقد ما بين حاجبيه قائلًا: قصدك ايه؟
ردت عليه بغضب قائلة: قصدي اني هونت عليك، علشان كرامتك قلت كلام عن صاحبتك وأنا تخيلته واتقهرت منك.
ابتسم ببساطة وأخذ يدها وقبل باطن كفيها قائلًا: ربنا وحده اللي يعلم كنت بتقطع قد ايه، ومكنتش عايز أتكلم، ولا كنت عايز أتجوز واحدة تانية وأنتِ قدام عيني.
سألته بتوجس قائلة: هي صاحبتك دي بتحبك فعلا؟
ابتلع ريقه قائلًا: أه، بس بصي، هي موهومة بالنسبة لها أنا مختلف عن باقي الدكاترة لذلك اتعلقت فيا.
رفعت سبابتها بنبرة تحذيرية قائلة: معدش ليك علاقة بيها مفهوم.
ابتسم أحمد قائلًا: طب ليه كده بس يا بنت الحلال؟، ما أنا مضطر أرجع أشتغل معاها عادي.
دبت شمس بقدميها على الأرض بغضب طفولي قائلة: هتقطع علاقتك بيها يعني هتقطعها.
زفر وتنهد قائلًا: عمومًا متقلقيش، هي سافرت.
لوت شفتيها بامتعاض قائلة: ومالك زعلان كده ليه؟، ايه هتوحشك؟
هز رأسه بالنفي قائلًا: لا، أنا زعلان منك، في ليلة زي دي بتمناها من زمان، وأنتِ عمالة تقلبي.
انتحبت قائلة: متزعلش مني يا أحمد، أنا بحبك أوي.
احتضنها قائلًا: ومش عارفة اني بحبك؟
هزت رأسها قائلة: عارفة.
ربت على ظهرها قائلًا: يبقى اعرفي كمان اني مقدرش أتجوز ولا أبص لواحدة غيرك.
ابتسمت قائلة: بتحبني من امتى؟
قبل شفتيها بشوق هامسًا: من يوم ما شرقت شمسك.
استكمل حديثه وهو يفك سحاب فستانها ويتحسس بشرة عنقها لترتعش قائلة: لا يا أحمد عيب كده.
تعالت ضحكاته قائلًا: هو ايه اللي عيب لا مؤاخذة؟، أنا محروم بقالي تلاتين سنة.
حاولت أن تهرب منه ولكنه أحكم حصارها جيدًا لتتهرب قائلة: هروح أغير هدومي وأرجع.
نظر إليها بخبث قائلا: لععع يا بت عمي، مش عتهربي مني الليلة ليلة أحمد وبس.
وحملها أحمد وركض بها إلى غرفة النوم لتتعالى ضحكاتها قائلة: هتعمل ايه يا مجنون؟
اودعها في الفراش قائلًا: أنا مجنون بيكي يا شمسي، وععملك كيف ما الحبيب بيعمل في حبيبته.
عند شبل ومنة
احتضنها قائلًا: عجبال محمد يا أم شمس.
ابتسمت له منة قائلة: لا بقا، قولي يا منتي، ولا معدش يليق؟
قبلها شبل قائلا: كيف معدش يليج؟، عتفضلي طول عمرك منتي، حتى لو عجزتي وكركبتي، المهم مبسوطة معايا يا منتي يا قلبي؟
تنهدت منة من السعادة قائلة: جدًا يا شبلي، رغم إن كان قلبك بارد في يوم من الأيام، بس فرحانة اني كملت معاك وكسبتك.
ابتسم شبل بخبث قائلا: أني أصلي مكنتيش عسيبك تهمليني، أنتِ عشج طفولتي زي ما شمس عشج أحمد.
شردت منة في أحمد وشمس وقالت: تفتكر يا شبل أحمد بيحب شمس زي ما أنت بتحبني؟
رد عليها بثقة قائلًا: وأكتر كمان، اكفاية إنه مغلطش غلطتي وشك فيها، أه مفيش حد يشككه، بس متنسيش إنه عاشر بنات البندر، الواد ده رغم إنه ابن ليث، بس طالع كيف ناجي واد عنده كرامة وعزة نفس.
عبست منة بوجهها قائلة: ما بلاش السيرة دي يا شبل.
رد عليها شبل بحزن قائلا: كيف عايزاني أنساهم يا منة؟
ربتت منة على يده قائلة: قول الله يرحمهم، بلاش تذكر مساؤهم.
هز رأسه باستياء قائلا: معنديش حاجة حلوة ليهم أفتكرهم بيها.
سألته بتوجس قائلة: هو ليث الله يرحمه كان انتحر صح؟
هز رأسه بحزن قائلا: ايوه، بس كتمت على الخبر اكفايه الحكم اللي كان عليه، أنا وناجي وضاحي جعدنا نرمم شرخ كبير هو عمله لولاده وبحمد ربنا إن حبهم انزرع في قلوب ولادنا واتجوزوا منينا.
ابتسمت منة قائلة: حتى لو ده مكنش حصل، ربنا كان هيعوض عليهم برضه، لأن ملهمش ذنب والدليل نوارة وجوازتها.
هز رأسه قائلا: معاكي حق.
ثم نظر إليها بخبث قائلا: ايه؟، الليلة دي هنجضوها كلام ولا عنعمل كيف ولادنا؟
ضحكت منة قائلة: عنعملوا كيف ولادنا ونجيبوا بجيه الدستة يا أبو شمس يا شبلي.
وتعالت ضحكاتها وضحكات كل من في هذه العائلة لتستمر السعادة بين دروبهم وللأبد.
نوفيلا قلب بارد.
بقلم مروة البطراوي.