عازف بنير,ان قلبي بقلم سيلا وليد
بسم الله الرحمن الرحيم
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
ما,تت حروف الحبِّ من دفترِ الكلمات فقد ظُلمت مثلما ظُلِمت، كما حكمَ الجميع على قلبي وحالي من بعيد، دون أن يسمعَ أحدٌ أو يرى في عيني انكسارات قلبي السابقة، حكموا على مشاعري دون أن يلمسوها في العلن، حكموا على إحساسي دون أن تدخلَ قلوبهم لقلبي، أصبحت قلوبُ الجميع قاسيةٌ لا تعرف عن الحبِّ شيئ، إلا استغلال الفرص إن كانت لصالحهِ أو لا، ما,ت الحبُّ كما قت,لوا قلبي أمام عيني، ثم تركوني أبكي وحدي في جنازتي…
❈-❈-❈
الشخصيات
البطل الأوَّل:
-راكان البنداري
يبلغ من العمر ثلاثة وثلاثين ربيعًا، يعمل وكيل نيابة بإحدى مقرَّاتِ النيابة،
يُعرفُ بالنزاهة والذكاء، شخصيةٌ حنونةٌ مع والدته وأصدقائه ولكنهُ قاسيًا جبارًا مع العالم الفاسد..لديه الكثير من الأموالِ الطائلة التي ورثها عن والدتهِ الألمانية..
البطل الثاني:
يونس البنداري
ابن عمِّ راكان ..يبلغ من العمر ثلاثين عامًا، يعمل طبيبًا نسائيًا ويمتاز بالذكاء، شهرتهِ ملأت الوسط الطبي بمجاله..
البطل الثالث:
نوح الكومي
أحدُ أصدقاء راكان، يبلغُ من العمر ثلاثة وثلاثين عامًا ..يعمل طبيب لجراحةِ التجميل..
البطل الرابع:
-حمزة العمري
الضلعُ الرابع أو الصديق الرابع لراكان، يعملُ محاميًا ويُعرفُ بالنبلِ والشرف..
بطلة الرواية:
ليلى عاصم المحجوب
تبلغ من العمرِ ثمانية وعشرين عامًا، تعمل مهندسةً بإحدى الشركات، حاصلة على ماجستير في الهندسة ورغم ذلك إلا أنَّها متهورة وسريعةُ الغضب..
البطلة الثانية:
أسما
تبلغ من العمر ثمانيةٌ وعشرين عامًا، تعملُ مهندسةً زراعية بإحدى المزارع..
البطلة الثالثة؛
سيلين البنداري
تبلغ من العمر خمسةٌ وعشرين عامًا بصفِّها الثالثِ الجامعي بكليةِ الهندسة..
باقي الأبطال سنتعرَّفُ عليهم خلال الأحداث.
ملحوظة:
الرواية بدايتها فلاش باك..
👇👇👇
في إحدى الأحياءِ الراقية في مدينة القاهرة، خاصةً في ذاك القصرِ المقام على مساحةٍ شاسعة؛ يحاوطهُ الحرسُ من كافة الاتجاهاتِ وهو قصرٌ مبني على الطرازِ الكلاسيكي الضخم.. ورغم اتساعهِ إلا أنَّه يفتقدُ الدفء حيث تغلّّفُ جدرانه ببرودةِ سكانه..رغم غناهم الفاحش ومظاهرَ الترفِ والرفاهيةِ الظاهرة من أثاثهِ ومفروشاتهِ على أحدثِ طراز..
ورغم أنُّه يضجُّ بسكانهِ ولكن لم نجد الدفءَ سوى في هاتين الغرفتين.. إحداهما لفتاةٍ تبلغ من العمر إثنينِ وعشرين عامًا والأخرى لزوجةِ ابنهم الراحل، تجلسُ بشرفة غرفتها مع بداية شروق الشمس التي تسلَّلَ شعاعها لتسطعَ على سطح الأرضِ، لينعم به الناس من دفءِ طبيعة الخالق..
انتهت ليلى من صلاة الفجر وجلست كعادتها تتلو وردها اليومي بعد قراءتها للأذكارِ الصباحية، ثم نهضت تتنفسُ بهدوءٍ جمال الطبيعة حولها..
كان المنظرُ الربانيُّ حقًا رائعًا للقلب قبل العين..قطراتُ الندى التي تغطي أوراق الشجر وتبدأ بالتلاشي بشعاع الشمس.. وقفت بعد الانتهاء تنظر للزروع التي تحاوطُ القصر من كلِّ مكان..تتنفسُ نسيم الصباح بنداها الطيب..لم تحبّ في هذا القصر سوى المساحاتِ الخضراء الكثيرة التي تحاوطه..
أمسكت دفترها وبدأت تدوِّن به بعض الجمل التي تشعر بها:
-“لا بأس أيها العاصي..مرحبًا بحياة.. نلتقي فيها …كلَّ يومٍ ألف مرَّة..دون لقاء ..”
-“حقًا لا شَـيء أسهَل من الكراهـيّة …
أما الحبّ فهو يحتَـاج نفوسًا عظِيمة ..”
قطع إندماجها بالكتابة..
إشعارُ رسالة وصلت لهاتفها..أمسكت الهاتف تنظر للَّذي راسلها بهذا الوقت المبكِّر..نهضت كالملدوغةِ وأحسَّت بغصةٍ بحلقها تمنع تنفسها عندما وجدت بها:
“ليلى لو مش عايزة راكان يعرف إنك حامل وممكن يقت,لك لازم نقعد مع بعض و نتكلم؛ وعلى ماأعتقد إنتي مؤمنة وعمرك ماتفكَّري تنزلي البيبي…”
لوَّنت الصدمة وجهها ونظرت حولها كالذي يُسحبُ على المشنقة..
جلست وعينيها تحجَّرت بالدموع عند ذكرها لذاك الرجل التي اعتقدت أنها تستمدُّ قوتها وحمايتها منه…اعتقدت أنَّه ملاذها الأول..ولكنهُ صفعها بشدة كما صفعها القدر..سواءً من زوجها الراحل أو من زوجها الحالي…ليظهر وجههِ كذئبٍ بشريٍّ أودى بها لغياهبِ الجبّ.
مسحت عبراتها التي انسدلت على وجنتيها تحرقها كما تحرق النارَ سنابل القمح..أمسكت هاتفها وجسدها يرتجف، تلعن اليوم الذي فعل بها ذلك ثمَّ هاتفتهُ صارخةً به:
– إنتَ عايز مني إيه؟.. مش كفاية اللي حصلي بسبك..بتهدِّدني براكان الله ياخدك إنتَ وهوَّ في لحظة واحدة..ربنا ينتقم منكم..وهنزِّل الولد..يارب تكون مرتاح قالتها بقهرٍ وعجزٍ في آنٍ واحد..لم تعطيه فرصةً للردِّ وأغلقت الهاتف ثمَّ وضعت يدها على أحشائها وهي تبكي بنشيح:
– أعمل إيه يا ربِّي في المصيبة دي.. قالتها عندما شعرت بعجزها.. فلقد فعل بها القدر وأسقطها في بئرٍ مظلمٍ لا نجاة منه وهي مكبَّلةُ الأيدي..
ظلَّت على حالتها لبعضِ الوقت إلى أن استمعت لطرقاتٍ خفيفةٍ على باب غرفتها..وإن دلت خفَّتها فتدلُّ على صاحبتها بحيويتها وجمالِ روحها وابتسامتها الخلابة، سمحت بالدخولِ بعدما أزالت عبراتها..
دلفت سيلين بمرحها كالفراشةِ وابتسامتها العذبة تُزيِّنُ ثغرها:
– صباح الخير يالولة..أنا قولت أكيد صاحية..رسمت ابتسامةً على وجهها لم تصل لعيونها بعدما شعرت بإنهيارِ قواها الداخلية فأجابتها:
– صباح الخير ياسيلي..طالعتها سيلين بتقييم فتساءلت:
– إنتِ كنتِ بتعيَّطي ياليلى؟..هزت رأسها بالنفي وهي تتَّجهُ لابنها بعدما استيقظ وأجابتها:
– مش العياط اللي في دماغك..أنا بس بابا وماما وحشوني أوي وطبعًا أخوكي اللي معرفشِ مستحملينه إزاي..محاوطني بسجن من حديد…كانت إجابةً واهيةً كاذبةً علَّها تهربُ من تساؤلات سيلين..
ربتت سيلين على ظهرها فهي تشاطرها أحزانها فتعثَّرت الكلماتُ عند شفتيها ولا تعلم كيف تخفِّفُ عنها..فتنهَّدت وهي تنظر لذاك الطفل..
ظلَّتا الاثنتين صامتتينِ لبعض اللحظات.. أخرجهما من صمتهما” أمير “الطفل الذي يبلغُ من العمر سنةٌ ونصف السنة وهو يتحدَّثُ بكلماتٍ طفولية:
– ماما.. ماما.. سين.. سين.. اتَّجهت سيلين إليه تحملهُ وتقبِّلهُ من وجنتيه:
– قولي أعمل فيك إيه عايزة أكلك ياولا ياأمير..اتَّجهت بنظرها تطالعُ ليلى فتحدَّثت علَّها تخرجها من حالتها الحزينة فناغشتها:
– معرفشِ ليه حاسة أمير قلب لعمه راكان..حتى شوفي عيونه بقت تهبل وتجذب زي عمه..
برَّقت ليلى عينيها وهي توزِّعُ نظراتها بين سيلين وأمير، وشعرت وكأنها اسقطت دلوًا من الماء المثلجِ فوق رأسها بليلٍ شديدِ البرودة..
جذبت أمير تحدِّقُ نظراتها به وداخلها رجفةً تسري بجسدها لا تعلم ماهيتها، ثمَّ دفعت سيلين بيدها بوهنٍ وهي تتمتمُ بلسانٍ ثقيلٍ كأنها تتعلمُ الحديث:
– إنتِ بتفرسيني ياسيلين..وعايزاني أكره الولد…بتشبَّهي ابني بالتنين المجنح دا؟!..
قهقهت سيلين عليها وأمالت بجسدها تحدقها بغموض:
– بقى راكان اللي سيدات مصر كلها يتمنُّوا منه نظرة واحدة تشبِّهيه بالتنين يالولة..واللهِ قلبك قاسي أوي أوي..
اشتعلَ غضبها من حديث سيلين فرمقتها بنظرةٍ تحذيرية:
– بالله عليكِ مش عايزة صباحي ينتزع على الصبح..في سيرة اسم الله عليه أخوكي دا..وبلاش تجيبي سيرته مع إنه مسافر ومرتاحة منه..بس ممكن تلاقيه ناططلي هنا بيجي على السيرة زي الشيطان لما بيجي على المزمار كدا.
ضحكةٌ صاخبةٌ أفلتتها سيلين من فمها حين استمعت لحديث ليلى..فجلست تمسكُ بطنها من كثرة ضحكاتها..
أخرجت ليلى زفرةً حادةً وهي ترمقُ سيلين..بطَّلي ضحك يابنتي..واحمدي ربنا إنِّ الغضنفر مش هنا..مش بقولك ياجمال الحياة وهدوئها..طيب تصدَّقي بالله أنا بشعر بالراحة زي صفاء المية في البحر الأحمر كدا…وإنتي بتشوفي فيه جميع الشعاب المرجانية..وأخوكي غضنفر دا مش هنا.. يالهوي دا عليه تناكة إلهي يعدمها ياشيخة..
وضعت سيلين يديها على فمها حينما شعرت بتوقُّفِ قلبها من كثرة ضحكاتها،
نهضت سيلين وهي تراقصُ حاجبيها مردفةً مماجعلها كالكتكوت المبلول:
– لولة..راكان تحت وعايز يشوف أمير، ثمَّ أخذت الطفل من يديها وهي تطالعها بشقاوتها:
– هاخد أمير لراكان صحي من النوم وبيسأل عليه، وإنتي اجهزي وانزلي يازوجة راكان البنداري اللي هتجنن بسببكوا إن شاء الله.
صاعقةٌ قويةٌ ضر,بت قلبها فبعثرته لأشلاء..
وبعينينِ زائغتينِ وقلبٍ فتَّتهُ الوجع من شدة قساوة ما رأته بذلك المنزل، وخاصة ذاك الراكان طالعتهاو همست بتقطُّع:
– هوَّ جه؟..أشفقت سيلين على حالتها كثيرا فهزَّت سيلين رأسها ترأفُ بها فتحدثت سريعا:
– ليلى واللهِ راكان طيب معرفش ليه بتقنعي نفسك إنُّه عدوِّك..عايزة أقولِّك حاولي تقرَّبي منه وبلاش أسلوبك القاسي دا..
ورغم كلمات سيلين البسيطة التي قالتها إلَّا أنها نجحت بإخراجِ نيرانها فأردفت:
– لا طيب ولا وحش خليه بعيد عنِّي ياسيلين… وبعدين هوَّ اللي خلاني كدا.. يوم مادفني بالحياة في البيت دا..ربتت على كتفِ سيلين وأردفت:
– سيلين متزعليش منِّي بس أنا بجد بموت ومعدتش متحملة البيت والناس اللي فيه.. دول مش بني أدمين دول شياطين وخصوصًا ولاد عمك…ونصيحة مني خليكي بعيدة عن يونس زي ماإنتي برافو عليكي..
أشفقت عليها حينما وجدت عبرات متكورة بعينيها..فأمسكت كفيها وضمتهما:
– إنتي جميلة أوي ونفسك عزيزة أوي أوي واللي زي يونس وراكان دول مش وش بنات زيك..دول فعلا عايزين بنات من أشكال اللي بيسهروا معاهم..
تراجعت سيلين خطوةً للخلفِ وهي تهزُّ رأسها:
– عندك حق ياليلى..علشان كدا أنا بعدت عن الكل..بس راكان غير يونس ياليلى صدَّقيني..راكان ظروفه هي..
وضعت كفَّها أمام سيلين:
– لو سمحتِ بلاش سيرته على الصبح.. كفاية إنُّه رجع..عايزة أتنفس قبل ماأقابله وينزع حياتي…قاطعهم عندما
دفعَ الباب بقوةٍ فدخل بهيبتهِ وهيئتهِ الجذابة وعطرهِ الذي تسلَّلَ لرئتيها مما أشعرها بالغثيان..
ثارت زعابيبُ غضبها فأردفت تطالعهُ بعينينٍ تطلقُ شررًا:
– هتفضل لحدِّ إمتى تدخل بالطريقة الهمجية دي..رمقها بنظراتٍ نارية لو تحرقُ لأحرقتها بالكامل..أمالَ بنظرهِ لأختهِ وتحدَّث بهدوءٍ مميت:
– ساعتين عشان تجيبي الولد ياسيلين ولَّا المدام رفضت..
هزَّت سيلين رأسها وهي تطالعُ ثوران ليلى وغضبها فتحدثت:
– لا ياأبيه دا كان نايم وبنصحيه..أشارَ بيديهِ وتحدث:
– سيلين انزلي بأمير..قالها من بين أسنانه..
خطت سيلن وهي تحملُ الطفل بين يديها ولكنهُ أوقفها وتلقفهُ بين يديه يقبله:
– حبيب عمُّه عامل إيه…وحشتني ياأميري..أمسكَ أمير لحيتهِ الكثيفة وهو يتمتم:
– بابا.. بابا.. طبع قُبلةً مطولةً وعينيهِ على التي تطلق شررًا والغضب يتملكها..ناوله لأختهِ وأشار بعينيه للخروج..
غادرت سيلين الغرفة بينما تسمَّرت ليلى بمكانها، تستجدي طريقة تحاولُ التملُّصَ من قبضته ورائحتهِ التي لم تعد تتحمَّلها..
أوشكت على الالتفات، فوجدت قبضتهِ القوية التي أوقفتها بمكانها وعينيهِ تبحر فوق ملامحها وهو يزمجر:
– أنا مش مليون مرَّة أقولك ماتتكلميش معايا بالطريقة دي..نسيتي إنِّك مراتي وأدخل في أي وقت..إيه، عايزاني أستأذن قبل ماأدخل أوضتي..ليه دايمًا بتخليني أتعصَّب..
تصاعدَ غضبها للحدِّ الذي جعلها تنفضُ يديه بعيدًا عنها وتقول:
– أنا مش مرات حد..ودي أوضتي أنا..خليك في نزواتك وابعد عني..
برقت عيناه، لقد تجرَّأت على كبريائه..فأشعلت كلماتها جحيمَ غضبه والذي تجلَّى بعينيه، فخطا إلى أن توقفَ أمامها ودنا منها حتى اختلطت أنفاسهما:
– لا مراتي ياهانم..وغصب عنك مش برضاكي..ولو كنتِ نسيتي أفكَّرك.. ودلوقتي لازم تجاوبيني..
– خرجتي من يومين وكسرتي كلمتي ليه؟!
قالها عندما جلس على الأريكة يضع ساقًا فوق الأخرى، وقام بــاشعالِ تبغه الغالي ونفثهُ وهو يقيِّم حالتها..
-بلَّلت حلقها تُحاول أن تجيبه بــردٍّ مقنعٍ حتى لا يشكَّ بها..فــهي تعلم أنه سيعلم..
– كنت تعبانة ولازم أشوف دكتور..قالتها وهي تفركُ يديها وتهرب من نظراته..
توقَّف يدور حولها ونظراته مثبتة يحدقها بتمعن؛ لهجتها المتقطعةِ وعيناها الزائغة جعل الشكَّ يتسرَّبُ لـِقلبه فـتحدث:
– ودكتور النسا دا معرفة آسر برضو؟!
-أفلتت شهقة من جوفها..فـلقد بلغ الغضبُ ذُروته، فـلم تعُد تتحمَّل حديثه المسموم الذي أصاب احترامها، لـذا اشتدَّ صوتها وزادت حدتهِ فــصرخت:
– احترم نفسك إحنا اتقابلنا صدفة، وعلى ماأعتقد اللي سايبه يراقبني قالك..ألقت كلِماتها بــملامحٍ مرتجفةٍ وعينينِ تهتز من ثقل العبرات المحتجزة بها..
– والله! والمفروض أنا الأهبل أصدَّق صح…بداخله نيران تغلب وتحرق أوردته، حينما علم بــمقابلتها بـذاك الآسر الذي يودُّ لو يخنقه ويلقيهِ صريعًا…
– ماهو مش معقول تقابلي الأستاذ صدفة!! وكمان يطلع معاكي لــدكتورة نسا..دكتورة نسا مع راجل غريب يامدام، وكمان قريبتكم..ممكن المقابلة دي تكون واجهة..وياعالِم عملتوا إيه؟!..قالها عندما تحوَّلت عيناهُ لـجحيمٍ من النيران وبدأ يركل كلَّ مايقابله…
رمقها بـنظرةٍ حارقة وأردف مسترسلًا..
– أنا مراتي تروح مع راجل غريب لـدكتورة نسا!! ليه مش متجوزة راجل؟!!!
اتَّجهت إليه، وطالعته بـغضبِ أنثى دُعس بكلِ جبروت على شرفها..
– “اخرس” مفكَّرني واحدة زي نزواتك؟!! قالتها وهي تدفعه بكلِّ قوةٍ وتنظر إليه بــاشمئزاز، فـقد كانت كلماتهِ كـنصلِ سكينٍ باردٍ تبتر عنقها لـيجعلها تموت بـالبطيء…
أمسك ذراعيها، يعقُدها خلف ظهرها، ودنا يهمس بـجوارِ أُذُنها، فـتقابلت عيناهُ التي بـلونِ شعاعِ الشمسِ وهي تطلق كُرات ملتهبةٍ لـسوادِ ليلها الذي ألقتهُ كـتعويذةٍ على قلبهِ..خرج من سحرِ عيناها وناظرها بـجمود:
-نزواتي!! على الأقل دُول ستات معروفين بـيعملوا إيه، إنما المدام اللي تروح مع راجل غريب عند دكتورة نسا نقول عليها إيه؟!!!
طالعته بغضب وصرخت:
-اطلع بررررة مش عايزة أشوف وشك..
-اقترب يجذبها من رسغها:
– بـتطرديني من أوضتي، اتجننتي؟!!
قالها وهو يخطُو إليها، ونظراتُ الرعبِ تملَّكتها عندما وجدت نيرانه التي تخرُج من عينيه…أمال بـجسدهِ، وبدأ صدرهِ يعلو ويهبطُ من انفعاله وقُربهِ منها، ورائحتها الشهية التي تسلَّلت لأنفِهِ..رغبةٌ عاتيةٌ في الاقترابِ أكثر واستنشاق خصلاتها التي بـلون عيناها فـهمس لها:
– متنسيش إنك مكتوبة على اسمِ راكان البنداري…ودا جايزة بـالنسبالك… تحمدي ربنا على الوصول لاسمه…
ظلّ يطالع حالتها المرتبكة فــأكمل:
– احمدي ربنا إنك مراتي..وإنِّك ست..دا اللي شفعلك عندي.. لأن من قوانيني ممدش إيدي على واحدة ست… فـتخيلي بقى مش أي ست، لا دا مراتي.. وحطي تحت مراتي دي مليون خط..
دنا حتى لامس شفتيها وأكمل:
– إنتي مغلطيش بس يا لولا… لا دا إنتي اتجاوزتي حدودك…جبتي آخرك معايا يا ليلى راكان البنداري….افتكري اللقب دا كويس لأنه هوَّ اللي بـيشفعلك في كلِّ مرة..بس احترسي رصيدك بـيخلص..
طالعتهُ بـأعينٍ مرتجفة، وجسدٍ هاوٍ، محاولةً استيعاب مدى قسوتهِ وإهانتهِ لها..
ورغم أنها في موقف الضعفِ إلا أنها تحدثت كــقطةٍ شرسة:
– متخفش، اسمك محفوظ بعيد مش حبًّا فيك يا ديستينجويشنج ..لا.. بس علشان مش عايزة أفتكر اسمي مرتبط بـشخص زيك عايزة أفقد الذاكرة ياسوبر مان…
❈-❈-❈
صمتَ يُطالعها بــنظراتٍ كـالذئبِ، وكأنه لم يستمع لما قالته، أو كأنه ادَّعى ذلك.. كانت عيناهُ على شفتيها التي تشبهَ حبة الكريز وهي تُحرِّكهم بـحديثها، ودَّ لو تذوقهم بـتلك الأثناء حتى لو بها سُمًّا.. فالسُمُّ لديها كـترياقٍ له..
دنا مرةً أُخرى إلى أن اقترب من شفتيها يهمس:
– متخلنيش أوريكي المميز والسوبر مان يعمل فيكي إيه.. هـنفذ كلامي اللي قولته قبل كدا، وخصوصا بـحالتك دي..قالها ويُودُّ أن تعطيهِ فقط إشارةً من عينيها الجميلة…
شعورٌ مقيتٌ يجعلُ دقاتها تتقاذف بين ضلوعها من قربِ أنفاسه التي تحرق رئتيها دون رحمة..تقابلت نظراتهما هو بــتمنِّيه قُربها، وهي بـنفورها من نفسها، بسبب سيطرتهِ الطّاغيةِ لـروحها…
لحظاتٌ فقط كفيلةٌ لتُغرق كلَّ واحدٍ بجبروتِ عِنادِه..أكملَ وعيناهُ مثبتةً بعينيها، ثمَّ سحب نفسًا وطردهُ حتى لفحت أنفاسُه وجهها واستطرد:
– خليني بعيد عنك ياليلى لو سمحتِ مش عايز أأذيكي وترجعي تكرهيني تاني..لو سمحتي متخرِّجيش الوحش اللي جوايا ناحيتك..
اللعنة على صوتهِ الذي ذبذب جسدها بـالكامل، وهمسهِ الهادئ بـاسمها، ارتجفت شفتيها تُحاول الحديث، ولكن حروفها قد هربت بـالكامل..انتشلها من سيطرته الطاغية، وأنفاسِه القريبة، ونظراته التي خدَّرتها بـالكامل طرقات الباب..
اعتدل تاركًا إيّاها..محاولًا السيطرة على نفسهِ فـخرج صوتهِ متزنًا بعض الشئ:
– ادخل..دلفت العاملة وهي تتحدثُ بـوقارٍ لشخصهِ:
– توفيق باشا والعيلة كلَّها وصلت يافندم..والستِّ زينب بعتتني عشان أعرَّف الستِّ ليلى تنزل..أشار بـكفيهِ بـانصرافها..فـتحرَّكت العاملة سريعًا، وعيناها تُلازم الأرض..ثمَّ استدار لِلتي جلست على الفراش تهربُ بـنظراتها في كافة الاتجاهات..
مسمعتيش؟! قومي اجهزي…عشر دقايق وألاقيكي تحت وإيّاكي تتأخري.. وقتها هـطلعلك، وبلاش أكمِّلك…
تحرَّكَ خطوتين فتوقَّف عندما تذكَّر شيئًا:
– آه بلاش تحتكِّي بِـسارة وسلمى نهائيا.. قالها وهو يُغادر بخطواتهِ المهرولة، كأنَّهُ يهربُ بعيدًا عن عينيها..
أخيرًا استطاعت التنفس، الذي سحبهُ بـالكامل من حولها..وقفت تضع يدها على صدرها، وهي تُحادثُ نفسها:
-“وبعدهالك ياليلى هـتفضلي لحدِّ إمتى كدا؟..لازم تخلصي منه ومن كلِّ اللي يُربطك بيه..وضعت يديها على أحشائها:
– وإنتَ كمان هخلص منَّ إزاي، يارب ساعدني..قالتها بقلبٍ يأنُّ وجعًا..
-بعد قليل هبطت إلى غرفةِ الطعام التي تضُّم العائلة بـأكملها…بـهيئتها الخاطفةِ للقلوب، وفستانها الأبيض الذي يصل لـِكاحِلها بـنقوشهِ الزرقاء التي بـلون السماء…رمقها الجميع بـنظراتٍ..منها الحنونة، ومنها نظراتُ كرهٍ وغيرة..
كان الجدُّ توفيق يترأسُ الطاولة، وبالمقابل أسعد وبـجوارهِ إخوتهِ وزوجاتهم وأولادهم..
– صباح الخير… قالتها ليلى بـهدوء..
– صباح النّور حبيبتي تعالي اقعدي جنب جوزك..هزَّةٌ عنيفةٌ أصابت جسدها، عندما خصَّتها زينب بـزوجته..رمقها الجدُّ بسخرية وأردف:
– تعالي اقعدي شوية قبل ما مراته الجديدة تستحوذ على المكان؛ مع أنه مش ملكك من الأول..أخذت جرعةً كبيرةً من الهواء تحبسهُ بـداخلها، علّها تُهدئ من نيران الغضب الممزوج بـالحزنِ الذي ظهر على ملامح وجهها؛ وعيناها التي رمقته وهو يتناول طعامه بـهدوء وكأنهُ لم يستمع لحديث جده..
ابتسمت سلمى بـحبورٍ وهي تُطالع ليلى التي مازالت واقفة وأجابت جدها:
– قولَّها ياجدو..وعرَّفها إن نورسين مبتحبش اللي يقرَّب من ممتلكاتها.. جذبت ليلى المقعد بـعنف، عندما شعرت بـانهيارها وجلست بجوار سيلين وتحدثت:
– لا نورسين ولا غيرها، خليها تيجي وتاخد القصر كلُّه…أنا هنا عشان ابني وبس.. أومأ الجدُّ برأسه وطالعها بغموض:
– برافو عليكي خليكي دايمًا متذكِّرة كدا.. إنتي هنا عشان أمير ولَّا إيه ياراكان؟!!
استدار راكان لجده:
– عارفين الموضوع دا وحفظينه، ليه دايمًا بتحسِّسنا إننا في حصة وبـتسمَّع لنا الدرس؟!!!
-غيره ياتوفيق بيه..قولي إيه سبب الجَمعة الحلوة دي، مش هو كان يوم الجُمعة، ولَّا أنا غايب بقالي سنين وغيَّرت النظام؟!!
-ازداد غضب توفيق واستشاطَ داخله فــرمقه قائلا:
– هشام النمساوي اتصل وقال نحدِّد فرحكم قبل اجتماع مجلس الادارة.. وطبعًا إنتَ عارف يقصد إيه..إحنا عايزينه شريك للمشروع الكبير..
أنهى طعامه واتَّجه ليُونس وتساءل:
– هو نوح مش بــيحضر الاجتماعات ولا إيه؟..مال النمساوي بــاجتماعاتِ الشركات وبعدين حضرتك دخلت يحيى الكومي قبل كدا ودلوقتي النمساوي..إيه ياباشا عايز تاخد اقتصاد البلد كلها؟!..
قوَّس فمُّه وأكمل:
على فكرة تفكير غبي؛ لأنك كل ما الحاجة تبقى بتاعتك لوحدك أحسن من الشركاء..
أظلمت أعين توفيق وارتسمت عيناهُ بنظرةٍ قاسية:
– أنا اللي هــوطَّد العلاقات بينا..وكدا كدا إنتَ هــتتجوّز بنته فــعادي أنه يحضر..غبي ولا غيره..إنتَ مش عندك شركاتك، مالك ومال شُغل العيلة، ولا عشان نصيبك الأكبر هــتتفرعن على جدَّك يا حضرة النايب زي كلِّ مرة؟!!..
زفرَ بــهدوء، محاولًا السيطرة على غضبه، عندما حثّتهُ والدته بــعينيها بـعدم الغضب..
– تمام ياتوفيق باشا، اعمل اللي حضرتك عايزه، شُغلكم ماليش دعوة بيه، والفرح حدِّده معنديش مانع..قالها وهو يرمُق تلك التي جلست تتلاعبُ بــطعامها بــعينينِ تقطرُ ألمًا، وملامحَ يكسوها الحزن الذي تغلغلَ لروحها..
❈-❈-❈
قاطعهم دلوفُ نورسين..
– جود مورننج جدو..جود مورننج للجميع..
اتَّجهت لــراكان:
– حبيبي حمدًلله على سلامتك، وحشتني أوي..قالتها عندما قبَّلتهُ على وجنتيه..
أشارَ توفيق على المقعد الذي يُجاور راكان:
– صباح الخير ياحبيبتي.. اقعدي، بنت حلال كنا لسة بــنجيب في سيرتك..
طالعت راكان وأردفت:
– إيه ياراكي..أوعى تكون كنت بتقول لجدو إنِّي وحشتك؟!..
-ابتسم بجانب فمهِ بسخرية..فــأجابها دون النظر إليها وتحدَّث:
-أيوه طبعًا يا حبيبي كنت بـقول له نورسين دي مفيش زيَّها وحشتني لدرجة هنعمل الفرح بعد أسبوع…
هنا رفعت ليلى عيناها سريعًا إليه، فــتلاقت بــعينيه..شيّعها بــنظرةٍ خبيثة وأكمل:
– كفاية تأجيل..إحنا كنا هــنتجوز من فترة لولا موت سليم الله يرحمه..
رمقت نورسين ليلى فــاستطردت قائلة:
– وياترى ليلى هتفضل معانا فوق؟!..سوري لكن من حقي ياجدو..مش كدا ولَّا إيه؟!!
حمحمَ راكان وطالع ليلى مُردفًا:
– مدام ليلى أصلًا مش هــتكون موجودة في إسبوع الفرح، معنديش مانع لو عايزة تقضي أسبوع الفرح في بيت المزرعة، وأكيد مش هعرَّفها الجو هناك بيكون عامل إزاي الأيام دي..
كان وقعُ كلِماته على مسامعها كــصدى صوتِ رعدٍ بــليالي الشتاء القاسية وزوابع عواصفها..لم يرحم قلبها فأكمل:
– مش عايز الناس يفهموا علاقتنا غلط، وجودك هــيسبب الشك.. ودا عكس شخصيتي أبيِّن حاجة وأعمل حاجة تانية..
استقرَّت كلماته القاسية وسط قلبها، فــمزقتهُ لأشلاء حتى شعرت بــآلامٍ شديدةٍ بــأنحاء جسدها، مما جعلها تتشبَّثُ بــيد سيلين بــجوارها،
طالعتها سيلين وهمست إليها
– إنتِ كويسة؟…هزَّت رأسها، وغشاوةٌ من دموعها احتُجزت بــعينيها منعتها من التحرر، ولكن أكمل ما هشَّمَ الباقي من كرامتها حينما أردف:
– ماما ممكن تنقلي ليلى وأمير للجناح التاني، عشان حضرتك عارفة نورسين وغيرتها، وأنا مش عايز دوشة حريم…
قبَّلتهُ نورسين مرةً أخرى على وجنتيه أمام الجميع، وهمست له:
– راكي خلَّص فطارك بــسرعة عندنا فسحة هتغيَّر مود الشغل اللي خطفك منِّي بقاله أسبوعين…
-رفعت نظرها، وعبرةٌ غائرةٌ انسدلت عبر وجنتيها مسحتها سريعًا، حتى لايرى ضعفها فأجابتهُ وهي توزِّعُ نظراتها عليه وعلى نورسين:
– أنا اتكلِّمت مع طنط زينب من فترة كبيرة من بعد موت سليم، وحضرتك رفضت..يعني أنا اللي طلبت من الأوَّل.. ودلوقتي مستحيل أخرج من جناحي، دا بتاع جوزي واللي مش عاجبه ممكن ينقل في مكان تاني..ووقت مايجيلي مزاج ياحضرة النايب أنقل هــنقل مش هستنى حد يتأمَّر عليا…
ذُهل الجميع من شراسة حديثها، شعر راكان بــصفعةٍ مدويةٍ فــاتجهَ بــنظره لوالدته:
– كلامي يتنفذ ياماما..سليم مات ومش موجود بينا ودلوقتي مينفعش..
-قاطعته عندما هبَّت كــالملسوعة تُوزعُ نظراتها بين الجميع:
– سليم مات عندكم بس، لكنُّه لسه عايش جوّايا، عايش في ابنه دا..مش من حق حدِّ فيكم يجبرني على حاجة مش عايزاها…أنا اتجبرت مرتين ياحضرة المستشار، المرة دي لا..دا حق ابني إحنا هنا اللي لينا الحق الأكبر..
وقفَ أسعد محاولًا تهدئتها:
– ليلى حبيبتي اقعدي يابنتي هنعمل اللي إنتي عايزاه…
-إزاي ياأسعد؟!!
أردفَ بها توفيق بــقوة..هــتسمع كلام أرملة ابنك..ثمَّ رمقها وأردف:
– إنتِ بأيِّ حق تتكلِّمي كدا..نسيتي نفسك؟!..
-عايزة تحطِّي نفسك بــنورسين؟!..
إلى هنا وقد طفح الكيل.. وصرخت كــالذي مسَّها مسًّا جِنيًّا، وضر,بت على طاولة الطعام:
– أنا فعلًا مش زي حد، وعشان كدا خلي حفيدك المغرور دا يطلقني ويتجوّز سليلة الشرف والنسب…أنا مش عايزة أعيش هنا أدُّوني ابني خلوني أمشي..
هبَّ كــالملسوع ورفع سبّابتهِ أمام وجهها قائلًا بــنبرة آمرة:
– مفيش خروج من البيت دا بــأمير إلا بـأمر مني، ومتنسيش حضانة الولد معايا..عايزة تمشي اتفضلي الباب مفتوح، غير كدا مسمعش صوتك…
تساقطت دموعها بــقوة عبر وجنتيها، وهي ترمُقه بــنظراتٍ احتقارية ثمَّ تحدَّثت بــصوتٍ مرتجف:
– إن شاء الله تتعذِّب في حياتك يا راكان وتتوّجع زي ما وجعتني كدا..ضر,بَ الجدُّ بــعصاهِ الأبنوسية على الأرضية:
– احترمي نفسك يا بنتِ المحجوب متنسيش نفسك، واعرفي إن اللي بتغلطي فيهم دول يبقوا إيه..
ظلّت مسلطةً بصرها، تنظر إليه بــبُغضٍ شديد.. استدار لجدهِ والغضبُ استحوذَ عليه كليًّا وصاح:
– متنساش إن دي مراتي يا توفيق باشا، ومش معنى إني ساكت يبقى تهينها، اللي يغلط فيها كأنُّه بيغلط فيا…
صفقت ليلى بــيديها، فـلقد فقدت السيطرة بـالكامل حينما دعسوا على كبريائها:
– لا برافو.. زادني شرف والله ياحضرة النايب..اتجهت إليه تدفعه بــيديها :
– أنا مش مرات حد.. وأعرف آخد حقِّي كويس..اتجهت بــنظراتها لنورسين:
– هوَّ على بعضه مايلزمنيش ياحبيبتي.. ولو فعلًا شايفاه راجل ويستحقِّك خليه يطلَّقني…
-توقَّف مجرى الدم بــعروقهِ وتثلَّجت أوصاله، حينما ألقت سهامها ودعست على رجولته بــكلِّ جبروتها..
استدارَ إليها وجذبها من رسغها:
– اقعدي واسمعي آخر الكلام يا بنتِ الناس..أنا بــحاول أتغاضى عن كلامك مش عشان أنا مش راجل..أبدًا..
تنهدَ وأخذَ نفسًا فـٓأكمل:
– علشان أخويا المرحوم أولًا؛ وعشان إنتِ مراتي..فــبحاول مغضبشِ عليكي ياليلى، مطّلعيش الغضب اللي جوايا.. صدَّقيني هكرَّهك في نفسك..
إيه يا راكان مش إنتَ من شوية كنت بـتقولها هـعمل وأسوي ما ترسي على حل يابني!!..قالتها فريال وهي تنظرُ إليه بــسُخرية..
نهضت ليلى من مقعدها سريعًا؛ تحتضنُ ابنها الذي بكى من أصواتهم المرتفعة..
صاح راكان بـِغضبٍ على مربيته:
– خدي أمير..ضمَّته ليلى لأحضانها:
– لا محدش هـياخده منّي..سحب الطفل منها بـقوةٍ وصرخ:
– خدي الولد أوضته، وبعد كدا ممنوع يبات مع والدته..نفَّذت المربية أمره سريعًا، فانتفضت ذُعرًا تقول بـفزعٍ:
– متبعدش الولد عنِّي يا راكان لو سمحت..
جلس وكأنهُ لم يستمع لـتوسلاتها..
اتَّجهت بعينيها تُراقب ابنها، الذي صدح بكائه بـالمكان حتى اختفى، ثمَّ استدارت تسلِّطُ نظرها عليهِ تستجديه علَّها تجدُ بـهما رأفةً لـحالها، ولكن كيف وهوَ الذي أوجع وأبكى قلبها وأدماه منذ لقائهما الأول…
سحب كفَّ نورسين التي جلست تُطالع الجميع بـصمتٍ مُريب وتحرَّك بعض الخطوات..
شعرت بــآلامٍ تنخُر بــجسدها وشيئًا ما يسقُط من بين ساقيها..ضغطت بـقوةٍ على يدِ سيلين التي تساءلت:
– ليلى مالك..فـانتبه الجميع لحديثِ سيلين..
اتجهت لـتحرُّكهِ تُطالعهُ بـنظراتٍ متألمة..رمقها سريعًا وتحرَّكَ خطوةً وهو يردف:
– ماما متعملوش حسابي النهاردة مش هرجع.
هنا شعرت بآلامٍ أشدُّ قوةً فــخَارَ جسدها وضعُفَ حتى هوت جالسةً تأنُّ وجعًا وتصرُخ..
دنا يُونس منها عندما وجد تعرُّقها وأنينها، وجلس بـمقابلتها وأردفَ متسائلًا:
مالك يا مدام ليلى؟! قالها عندما تغيرت ملامح وجهُها وتحوَّلَ لـشُحوبٍ كــشُحوبِ الموتى…أمسك كفَّها لـيرى نبضها، ولكن جحظت عينيهِ واستدار يُطالع راكان الذي وقف متصنِّمًا بـمكانهِ من صرخاتها فـسألها:
مدام ليلى إنتي حامل؟!! تساقطت دموعها بــغزارةٍ تُحرِق وجنتيها كلهيبٍ يقضي عليها..
فـهمست عندما فاق الألم تحمُّلها:
– الحقني يا يُونس أنا بــنزف..
رجفةٌ قويةٌ أصابت جسده فـعَقَد حاجبيهِ ليفهمَ تساؤل يُونس ومعنى حديثها:
– أنا حامل..همست بها ليلى، ودموعها أغرقت وجنتيها بـالكامل..
-صدماتٌ وشهقاتٌ وهمهماتٌ من الجميع عندما استمعوا لـحديثها؛ بينما ذاك الذي تصنَّم جسدهِ وكأنَّ أحدُهما سكب عليه دلوًا من الماء المغلي جعلت جسده كـحِمَمٍ بُركانية..
اتجهَ لــيُونس كـالضائع بـغيباتِ الجبِّ، واستمع لـسؤاله عندما ازدادت حالتها سوءًا وبدأت قُواها تتهاوى بـفقدانها للوعي…
– ليلى إنتي حامل في الشهر الكام؟! تساءل بها يونس الذي بدأ يقيس ضغطها ونبضها..
أطبقت على جفنيها متألمة؛ وكأنَّ روحها تُسحبُ منها وغمامةَ سوداء تطاردها فــهمست:
– التالت..لم تُكمل كلِمتها فـسقطت بين ذراعيِّ يُونس فاقدةً للوعي..
نظر يونس تحتها وجحظت عيناه من آثار الدماء، التي لطَّخت فستانها الأبيض، فـصاح بـأختهِ وهو يحملُها متجهًا لـغرفتها:
– سلمى هاتي لي شنطتي بـسرعة، بينما سيلين التي وقفت كـالمتصنِّمة تبكي على وضعها..
الكل بدأ ينظر لـراكان، هناك نظراتُ شفقة وهناك نظرات شماتة، ولكن هو، لقد هوى قلبهِ وزُهقت روحه، تمنَّى لو صرخ من أعماقِ قلبه حتى ينقطع نفسه..حرَّك رأسهِ رافضًا حديثها بـقوة، شعرَ بـفقدانِ وعيه، نظر بــضياعٍ حينما أردفت فريال:
– إيه ياراكان أرملة أخوك اللي ميِّت بقاله سنة ونص حامل إزاي؟!! وإحنا كلِّنا عارفين طبيعة جوازكم!! هنا لم يجد كلمات تُعبِّرُ عمّا يجيش بــصدره من آهاتٍ صارخةٍ..
-تحرك يُونس خطوتين وهو يحملها بين ذراعيه متَّجهًا لـغرفتها..
-هبَّ فَزِعًا وكأنَّ صراخ سيلين بـاسمها أيقظه من صدمتهِ فـهرول يلتقطُها من بين ذراعيهِ وصاح بِـغضبٍ:
– رايح فين؟!! أنا هـودِّيها المستشفى.. قالها وشعور الاختناقِ يعيق تنفُّسه..كيف يتنفسُ وصفعاتُ القدر المتوالية لم ترحمه؟!!!
-خطا يُونس بها للخلف وهو يضمُّها، حينما وجد الغضبَ ونيرانُ عينيه ووجعه بآنٍ واحد..فـتحدَّث بـهدوءٍ:
– راكان ليلى ممكن تموت..ننقذها الأول.. ممكن يكون الطفل مات..وممكن يكون عايش..أرجوك ابعد غضبك دلوقتي وخليني أنقذها..وبعد كدا حاسبها زي ما إنتَ عايز..
تلقَّفها منه بـقوةٍ وغضب، وهو يدفعه بـجسده:
– ابعد عني عشان غضبي مايولعشِ فيك يا يُونس..إيَّاك تقرَّب منِّي..
-توقفت والدته وعمَّتهِ سميحة، حينما وجدا حالته فـاتجهت زينب لأسعد والده:
– هـتسبوه ياخدها؟!!
-تحدثت سميحة: بابا…رمقها الجدُّ بـنظرةٍ غاضبةٍ وأشار بــسبَّابته:
– مش عايز أسمع صوت حدِّ فيكم..
اتجهَ بـنظره لأسعد:
– شوفت مجايب ولادك..أهو شرفهم بقى في الطين..
هبَّت زينب وصاحت بـغضب:
-إيه مالكم خلاص حكمتوا إنِّ البنت خطيت..إيه أنتوا ناسيين إنها متجوزة؟..
طالعتها فريال بــسُخرية:
-أه وعارفين كمان إن ابنك مش طايقها، ومفيش حاجة حصلت بينهم، واللي يثبت كلامي حالته المجنونة دي..بينما جلست نورسين وهي تضع ساقًا فوق الأخرى:
– لا دي مش أشكال راكان، دا مبيكرهش في حياته أدَّها..وبعدين ياأنطي متنسيش إنَّها السبب في موت سليم.. مش كدا ياسلمى، فاكرة موت سليم.؟! قالتها نورسين بـمغذى وهي تنظرُ لأظافرها..
بـالخارج عند السيارة..
تحرَّكَ بها يُحاول إخفاءَ مزيج المشاعر؛ التي اجتاحت كيانه ممَّا استمع إليه..يحاول أن يحرِقَ الأخضر واليابس وكلَّ مايقابله..
خرج سريعًا وهو ينادي على سيلين:
– إلحقيني بـسرعة للعربية، بينما بـالداخل هناك حرب شعواء بين الجميع..
تحدثت يارا ابنة عمَّته:
– معقول ليلى تكون غلطت مع حد؟!! لا أنا مش مصدقة…بينما هزَّ الجدُّ رأسه وهو يردف:
– وآدي الأشكال اللي ضحكو على ولادك يا زينب؛ قبل كدا بنت صياد والتاني جايبلي بنتِ محاسب، لا، وواقفة تجادلي وتقولي إنَّها متجوزة..طالعها بــسخرية:
-هيَّ تربيتك هتجيب إيه غير كدا؟!! قالها ساخرًا ثمَّ أكمل:
– ادعي ربنا إنِّ ابنك مايموتهاش ويدخل السجن في حاجة ماتستهلش…
تحركَ يُونس سريعًا يستقلُّ سيارته علّه يُحاول السيطرةَ على راكان..
أمَّا بـالسيارة..جلست سيلين بـالخلف تبكي وجسدها يرتعشُ؛ عندما وجدت تغيُرِ ملامح ليلى لـيُصبح شاحبًا كــالأموات فـاهتزَّت شفتيها وحدَّثت أخاها:
– راكان بـسُرعة..ليلى هـتموت.
أنهت كلِماتها المتألِّمة وأنفاسها المتقطعة بـالبكاء..
هل شعر أحدُكم كيف يكون حالُ العاشق حينما يرى موت معشوقه أمامهِ وهو عاجز..هذا ما شعر به راكان عندما شقَّ طريقهِ بـسرعةٍ جنونية، ودَّ لو يحرقها ويحرق نفسه معها..كوَّر قبضته يضر,بُ على السيارة؛ ونيرانُ صدرهِ تشتعل بـداخلهِ تحرقه بـالكامل وهو يصيح بـغضب:
– ليه؟! ليه ياليلى ليه؟!! صرخ بها بـغضب..
-نظرت سيلين إليه بـالمرآة فـلا تعلم كيف تُهدِّئُ من روعهِ وهو محقًّا في غضبهِ، ولكن إلى أيِّ حدٍّ سيودي به غضبه جِراء نيرانَ قلبه النّازفة…هل حقًا ليلى دهست على رجولته، وخانته بهذه الطريقة الشنعاء؟!!
مسحت عيناها وهي تهزُّ رأسها رافضةً حديثها مع نفسها..
انسدلت دمعةٌ حارقةٌ على وجنتيه وهو يتذكَّرُ الماضي..
❈-❈-❈
فلاش باك قبل ثلاثِ سنوات
داخل هذا القصر المريب…في إحدى الغرف تدخلُ سيدةً في أواخرِ عِقدها الخامس إلى غرفةٍ ذات الطابع الأنثوي الرقيق..
جلست بـجوارها السيدة التي تدعى زينب، تملِّس على شعرها بـحنانٍ أمومي…ظلّت لـبعض الدقائق تنظر لابنتها تتمنى من الله أن يرزقها حياةً هادئةً مِثلها..
– سيلين حبيبتي، ياله اصحي إخواتك صحيوا يا قلبي..قومي علشان متتأخريش على جامعتك..
فتحت الجميلة عينيها التي تشبه لونُ البحر بـأمواجه، اعتدلت الفتاة واتَّجهت لوالدتها مقبِّلةً جبينها..
– صباح الخير مامي الحلوة:
قبَّلتها والدتها، صباح الياسمين على ياسمينة قلبي حبيبتي..ياله قومي بـسرعة خدي شاور وغيَّري وانزلي بِـسرعة..جدِّك عامل اجتماع عائلي وعمِّك وولاده موجودين تحت..
مطَّت شفتيها الكنزة بـتذمر:
– أُووف هو كلِّ شوية اجتماعات عائلية.. هو جدُّو دا مبيملش؟!
رمقتها والدتها بـتحذير:
– سيلي مينفعش نقول كدا على جدِّك، بابا لو سمع هـيزعل جدًا منِّك..ياله بلاش كسل قومي لمَّا أشوف سليم صحي ولَّا لا..
-هوَّ أبيه راكان مرجعش من اسكندرية؟؟
أردفت بها سيلين باستفهام.
– رجع بس متأخَّر وصحي من بدري بيعمل تدريباته…
– نهار إسوح، هـتهزَّأ يامامي كنتي عرّفيني..بقالك ساعة بـتكلِّميني وساكتة!!
قهقهت عليها والدتها:
– يعني راكان بس اللي بتعمليله حساب والباقي لا ياسيلين..تمام.
قفزت من مخدعها متَّجهةً إليها سريعًا تضمُّها بـمشاكسة:
– إنتي الحبِّ كله يازوزو.
ضمَّتها لـصدرها، وربتت على ظهرها :
– ربنا يهديكي يابنتي، رفعت ذقنها تنظر لـمقلتيها:
– إنتي كبرتي ياسيلين معدتيش البنوتة أم عشر سنين، عايزاكي ياحبيبتي تخلِّي بالك من تصرفاتك، وبلاش الحفلات اللي مابتنتهيش دي!! راكان لو عرف مش هيرحمك وممكن يقعَّدك من الجامعة..
نفخت وجنتيها بـتذمر:
– يامامي كلِّ صحباتي بـيعملوا حفلات ويسهروا وحضرتك لسه بـتقولي أهو أنا كبرت، معرفش ليه أبيه راكان بـيخنقني بـتصرفاته دي؟!!! ثمَّ أكملت مفسرة:
عندك يُونس أهو ابن عمُّو بس غيره خالص، إخواته بـيروحو حفلات وبـيفضلوا للصبح وهو كمان بـيحبِّ يضحك ويسهر أمّا دا معرفش ماله؟!!
قاطعتها بـحزمٍ:
– أخوكي خايف عليكي، مش معنى كدا أنه بـيتحكِّم فيكي، وبعدين ماهو بـيعامل سليم الراجل كدا مش هـيعاملك إنتي يابنت!! وبعدين تعالي شوفي يارا بنت عمّتك أهي بـتعمله حساب..ياريت تاخدي بالك من أسلوبك في اللبس كمان وبلاها البناطيل المقطعة دي!! قال موضة،
دي موضة زفت على دماغكم!!…قالتها زينب وخرجت متأففةً من أسلوب ابنتها..
-اتَّجهت إلى غرفة ابنها..
طرقت الباب عدَّة طرقات، دخلت بعدما سمح لها بـالدخول..
صباح الخير ياحبيبي.
– صباح الورد ياستِّ الكل..قالها مقبلًا جبينها..
جلست على فراشه..
-كان واقفاً أمام مرآته يُهندمُ ملابسه، نظر لها من خلال المرآة وتساءل:
– فيه حاجة ياماما؟
ابتسمت له وأردفت:
– سلامتك ياحبيبي..اتَّجه لها ناظرًا بـاستفهام:
– لا شكلك مضايقة من حاجة..
هزَّت رأسها بالنفي…ثمَّ زفرت وتنهدت:
– جدّك عامل اجتماع…وربنا يستر مايتخانقش مع راكان زي كل مرة..
-قطبَ جبينه متسائلا:
– إنتي خايفة على راكان ياماما من جدو؟!!!
أخذت شهيقًا وزفرته بـهدوء:
– راكان عصبي وجدَّك كمان، أنا كلِّ مرة بـحطِّ إيدي على قلبي، متنساش مرات عمَّك بـتحبِّ تصطاد في المية العكرة يابني..
-ضحك سليم بـصوته الرجولي:
– مين دي ياماما؟!..إيه يازوزو نسيتي إنتي مين وولادك مين ولَّا إيه؟!! خايفة من فراويلة بنت سلطح ملطح؟ دي منفوخة على الفاضي!!
-اغروقت عيناها فجأةً من ذكرياتٍ أليمةٍ مرَّت بها بـتلك العائلة، كم كانت تكره ضعفها الذي انتابها حين تذكَّرت مأساتها مع والد زوجها الطاغي.. هذا الضعف تحوَّل لـحزنٍ تسرَّب إلى قلبها فأدماه حتى شعرت بـعدم تنفسها..
-نظر سليم لـصمتها ثمَّ احتضن يديها بين راحتيه:
– ماما مالك ياحبيبتي، ليه شكلك اتغيَّر كدا؟!!!
هزَّت رأسها وربتت على يديه:
-مفيش ياحبيبي، بس افتكرت حاجة.. المهم ياسليم كلِّم راكان وخليه يهدى وبلاش كل شوية تصادم مع جدُّه يابني..
قبَّل رأسها وطالعها بـنظرةٍ حنونةٍ مؤكدًا:
– حاضر ياستِّ الكل أنا هعدِّي عليه قبل ماأنزل..
وقفت متجهةً للخارج:
– ربنا يكمِّلك بـعقلك ياحبيبي.
-على الجانبِ الآخر..
في منزلٍ ليس بـالرقي الفاحش ولا بـالمتوسط، يُقال عليه من الطبقة فوق المتوسطة، يتكون من ثلاثة غرف كل غرفة بٓحمامها وبه صالون على الطراز الحديث..
صاحبُ هذا المنزل للأستاذ عاصم المحجوب الذي لديه ابنتان وولد،
ليلى التي تبلغ من العمر ستةٍ وعشرين عامًا، وابنته الأخرى “درة” التي تبلغ من العمر ثلاثةٍ وعشرين وهي بالفرقة الرابعة لـكلية الهندسة، أمَّا الابنِ الأصغر “كريم” الذي يبلغ من العمر ثمانية عشر عامًا؟ وهو بـالصفِّ الثالث الثانوي..بـداخل هذا المنزل الذي تحتوي جدرانه على الدفء والحبِّ والتعاون، تستيقظ تلك الجميلة من نومها..
فتاةٌ في منتصف عِقدها الثالث تمتلك من جمالها مايميزها عن غيرها، عيونًا سوداءَ اللون متوسطةُ الاتساع برموشها الكثيفة، وأنفها بـطولهِ قليلًا، ودقَّة أرنبة أنفها وشفتيها التي تشبه حبة الكريز، وشعرها الأسود بـسواد الليل يصل لـمنتصف ظهرها..
-وقفت متَّجهةً إلى حمامها، لـتؤدي فرضها..
بعد قليلٍ تقوم بـارتداء ملابسها العملية، التي كانت عبارة عن بدلةٍ نسائيةٍ من اللون الأبيض وحجابٍ بـاللون القُرمزي..
دلفت والدتها مبتسمةً لها:
– صباح الجمال على جميلة ماما..
– صباح الورد ياوردة..
دقَّقت النظر في ملابسها، ثمَّ قطبت جبينها متسائلة:
– رايحة تدوَّري على شغل برضه زي كلِّ يوم؟!!
ابتسمت بـهدوء:
– لقيت شغل وعندي انترفيو النهاردة، دعواتك ياسمسم..
-اتَّخذت نفسًا طويلًا تملأ رئتيها بـأوكسجين الأمل، وأردفت داعية:
– دعيالك ياقلبي بـكلِّ وقت وحين، ربنا يوفقك ويكتبلك الخير، يارب يابنتي تتقبلي؛ مش هـخبِّي عليكي حبيبتي
الحمل تِقل على باباكي أوي وخصوصًا مصاريف الثانوية العامة بتاعت كريم أخوكي..
ربتت على يديها بـحنان:
– أنا حاسة المرادي هـتقبل ياماما، بس يارب ميكنشِ كتير متقدِّم، لأن الشركة دي كبيرة أوي، وبـيقولوا ليها فرع في كلِّ محافظة ورغم كدا آسر إدَّاني أمل إنِّي هـتقبل..
– تمتمت أمَّها بـدعواتها وخطت متحرِّكةً تجاه المطبخ قائلة:
– هروح أحضَّر الفطار علشان تفطري مع إخواتك وباباكي قبل ماتنزلي..
-تمام ياستِّ الكل بس عالسريع علشان زحمة المواصلات إنتي عارفة زحمة الشوارع في الوقت دا..
بـالغرفة المجاورة:
-كانت جالسةً تدرُس محاضراتها فـهي بـالفرقة الرابعة بـكلية الهندسة، دلفت إليها ليلى:
– صباح الورد ياوردة.
– صباح الورد يالولة عاملة إيه حبيبتي؟..
دقَّقت النظر بها:
-إنتي خارجة ولَّا إي؟
أجابتها وهي تردُّ بـتمني قبولها:
– في مقابلة عمل في شركة البنداري، جروب تسمعي عنها؟؟
ظلت تردُّد الاسم وهي تدقُّ بـقلمها على سطح مكتبها في محاولةٍ للتذكُّر فـأجابتها:
– حاسة سمعت الاسم دا قبل كدا… المهم بـالتوفيق ياحبيبتي إن شاء الله وربنا يكتبلك الخير..
قبَّلت خصلاتها الحريرية:
– خدي بالك عايزين امتياز زي كلِّ سنة..
أومأت درة بـرأسها وابتسمت بـحنانٍ لأختها..
إن شاءلله ياحبيبتي..
خرجت من غرفة أختها وهي تؤمِّنُ على دعواتها..بعد قليل يجلس الجميع على مائدة الطعام:
-أاامم بيض بالبسطرمة تسلم إيدك ياستِّ الكل..قالتها درة بابتسامة..
ربتت سمية على كتفها مردفة:
-بالهنا على قلبك ياحبيبتي، رمقها زوجها بنظرةٍ حنونة:
-تسلم إيدك ياسمية دايمًا بطلَّعي أجمل نكهة مع أقلِّ تكلفة.
بالهنا ياحبيبي على قلبك.
-حبيب مين ياسمسم نحن هنا…أردفت بها ليلى بمشاكسة..
ابتسمت بخجلٍ لابنتها..قاطعها والدها:
-مالك ومال سمسمتي ياليلى..
رفعت حاجبها وهي تلوك الطعام بسرعة وتحدثت:
-واللهِ، سمسمتك وأنا إيه ياسي بابا اعترف حالًا.
قهقه والدها عليها وأجابها:
-إنتي روح بابا وقلبه ياحبيبة بابا.
وقفت ضمَّته بجلسته مقبلةً خديه:
-ربنا يخليك لينا ياحبيبي يارب.. ياله أنا لازم أنزل.
ربت والدها على يديها:
-ربنا يوفقك يابنتي يارب..ومش عايزك تشيلي هم ياحبيبتي يعني لو ملقتيش النهاردة تلاقي بكرة إن شاء الله؛ حتى لو مفيش خالص مش عايز العيون الجميلة دي تحزن أبدًا.
ابتسمت لوالدها بعرفانٍ وقبَّلت جبينه:
-ربنا مايحرمنا منَّك ياحبيبي يارب… قاطعهم كريم أخيها:
-دا إيه العشق الممنوع دا على الصبح..
ابتسمت له قائلة:
-صباح الخير ياحبيبي..عامل إيه في دراستك ماشفتكش إمبارح؟..
-تمام ياحضرة المهندسة النشيطة..وإن شاءلله هيكون ليكي وريث هندسي.
إن شاء الله ياحبيبي، شد حيلك بس ياكريم عايزة مجموع مايقلش عن هندسة هزعل منَّك بجد..ابتسم لها وأردف مؤكدًا:
إن شاءالله يالولة متخافيش أخوكي أدها..
أرسلت له قبلةً في الهواء وتحدثت:
أنا نازلة ياستِّ الكل محتاجة حاجة؟..
-سلامتك ياعمري وربنا يوفقك يابنتي يارب.
في مكانٍ آخر بأحد المنازل العريقة التي تشبه القصور وهو قصر الدكتور يحيى الكومي..
كان يواجه والده بهدوءٍ ظاهريٍّ ونبرةٍ عميقة، ونظراتُ عينيهِ تبحر فوق ملامحه بغموض..أردف والده بغضب:
-وبعدهالك يانوح هتفضل منشِّف دماغك لحدِّ إمتى!!..أنا خلاص إديت كلمة للناس وآخر الأسبوع دا هتروح تشوف العروسة..
حبس نوح أنفاسه داخل صدره ضاغطًا على كل عصبٍ بجسده ألا ينفلت وبنبرةٍ عميقةٍ تحدث:
-هو ليه حضرتك محسِّسني إني بنت ولازم أمشي ورا طوعك، أنا كبرت ياحضرة الدكتور مبقتش العيل اللي لازم يسمع الكلام ويقول آمين.
اغتاظ يحيى من حديث ابنه وغروره اللامتناهي، وتعجرفهِ مع كل بنت يختارها له..جلس واضعًا ساقًا فوق الأخرى نافثًا تبغه الغالي الذي يشعل صدره كنيرانِ ابنه المستعرة له:
-المرادي أمر ياحضرة الدكتور العظيم… هنروح يوم الجمعة علشان تشوف البنت ودا آخر كلام عندي…
اسودت عينا نوح وازداد عبوس ملامحه الخشنة تزامنًا مع أنفاسه الحارة، ثم خرج كالإعصار وكأنهُ شيطانًا مستعدًّا للمواجهة، ولكنه اصطدم بجسدٍ ضعيفٍ أثناء خروجه..
وقف يناظرها بهدوءٍ رغم بركانه الثائر، ارتجف جسدها من نظراته التي أربكتها، إنها أسما المهندسة الزراعية التي تبلغ من العمر خمسةٌ وعشرين عامًل وتعمل بمزرعتهم..قطعت نظراته لها وهي تردف مرتبكة:
-أنا كنت جاية أشوف دكتور يحيى عشان المزرعة..أفسح لها الطريق دون حديث، اشتبكت عيناهُ بعينيها التي أشعرته بدقاتهِ ولكنه أبعد هذا الشعور وتحرك مغادرًا..
تنهدت بحزنٍ من عدم مبالاته لها… وانسدلت دمعةً شريدةً من عينيها… أزالتها سريعًا بأناملها متجهةً لغرفة الدكتور يحيى..دلفت وألقت تحية الصباح:
– صباح الخير يادكتور.
أشار بيديه وأردف:
-تعالي ياأسما..فيه حاجة؟
أمسكت بعض الاوراق ووضعتها أمامه:
– دي أنواع سلالات جديدة لبعض الخيل..وكمان بذور جيدة لأنواع الفواكه والمحاصيل.
أمسك الأوراق يطالعها ثم نطق:
-تمام سبيهم هشوفهم وبعد كدا هقولِّك تمام..أومأت برأسها مغادرةً تبحث عن الذي جفاها النوم من حالته الأخيرة..
علي الجانب الاخر:
بقصر جلال البنداري وهو عمِّ راكان؛
بإحدى الغرف ينام شابًا عاري الصدر ورائحة الغرفة المظلمة متشبِّعة برائحة تبغه..ظلَّت العاملة تطرقُ على باب غرفته بعضًا من الوقت…فتح عينيهِ وصاح بصوته النائم:
-فيه إيه على الصبح؟..
-أنا اسفة يادكتور، بس الستِّ فريال بتقول لحضرتك لازم تنزل حالًا علشان الحجِّ توفيق عامل اجتماع على الفطار في قصر البشمهندس أسعد البنداري.
– تمام..روحي إنتي وأنا شوية ونازل..
استلقى على ظهره يزفر بضيقٍ ثم وضع كفَّي يديه على شعره أرجعه للخلف بضيقٍ في حركةٍ تنمُّ عن مدى غضبه من تحكُّمات جده…رفع هاتفه..
على الجانب الآخر:
في غرفةٍ شاسعةٍ ذات الطابع الرجولي.. جدرانها باللون الرمادي الداكن مع اللون الأبيض..يقف أمام المرآة منتصبَ العود،
صاحب ملامح حادةٍ قويةٍ مع صلابة عظامه وفتول ذراعيه وعضلاته البارزة من قميصه الاسود الذي يرتديه…ذو بشرةٍ قمحاويةٍ مع عيونٍ بلون أشعة الشمس، وقف يغلق أزرارِ قميصه الكلاسيك…قاطعه رنين هاتفه:
-صباح الخير يايونس.
-أيوة بيقول فيه اجتماع الساعة تسعة… أنا عندي جلسة الساعة عشرة…مش فاضي لجدَّك..وكمان فيه اجتماع في الشركة معرفش إيه اللي حصل في فرع إسكندرية…كويس المشاكل دي حصلت بعد ماجيت.
على الجانب الآخر أردف يونس ابنِ عمه متسائلًا:
-تفتكر جدك عامل اجتماع الصبح ليه؟.. وياترى عمَّك خالد هيكون موجود هو وسميحة ولَّا؟..
قاطعه مردفًا:
-دلوقتى نعرف ياله أنا نازل وإنتَ فوق كدا وبطَّل سرمحة ياجيمس بوند..
قهقه على الجانب الاخر:
-تلميذك ياإمبراطور..و بطَّل تراقبني ياراكي…أنا مش مسرمح يابني أنا محبوب بس…أعمل إيه الستات بيموتوا في جمالي.
شعر بمدى حماقة ابن عمه فزفر بغضب:
-قدامك عشر دقايق وتكون هنا ياأما فيديوهاتك هتكون على الصفحة الإخبارية..
قفز من فوق مخدعه:
– وعلى إيه الطيب أحسن دا أنا تحت بس إنتَ مش واخد بالك…قالها مقهقًها عندما أغلق راكان الهاتف بوجهه.
بالأسفل بغرفة الطعام:
دخل بهيئته الجذابة وقامته المديدة… كان الجميع يجلس في غرفة الطعام، سوى فريال مرات عمه وابنها يونس.. دلف ملقيًا تحية الصباح بهدوءٍ على غير شخصيته العصبية.
على رأس طاولة الطعام يجلس توفيق البنداري الجدَّ الصارم الذي يبلغ من العمر سبعةٍ وسبعين عامًا،
في مقابل الطاولة يجلس ابنه الأكبر أسعد..على جانبه ولديه راكان بجانبه سليم وسيلين…كانت الطاولة تضمُّ خالد وزوجته وتوأمهم سارة وفرح، اللتان تبلغان من العمر أربعة وعشرين عامًا، يجلس بجانب الجدِّ ابنه الأصغر جلال بمقابله ابنه يونس الذي وصل للتو.. وعدي الذي يبلغ خمسةٌ وعشرين عامًا.. وابنته سلمى التي تبلغ من العمر ثلاثة وعشرين عامًا.
بجوارهم تجلس سميحة وزوجها وابنتهما الوحيدة يارا..
رمق الجدُّ الجميع بنظراته الصقرية:
طبعًا أنتوا متعرفوش أنا مجمَّعكم هنا ليه دلوقتى على غير عادتنا…
أولاد أسعد:
“راكان-سليم-سيلين” وهو الأكبر لتوفيق
الابن الثاني:
خالد ولديه ابنتان توأم “سارة وفرح”
الابن الثالث:
جلال ولدية ابنان وبنت
“يونس وعدي وسلمى”
وابنته الوحيدة سميحة ولديها ابنة وحيدة وهي يارا..
رفع الجميع أنظارهم إلى الجد إلَّا ذاك الذي يجلس يتفحص الجريدة وكأنه لا يعنيه حديث جدِّه..
استشاط الجدُّ من أسلوبه البارد والغير المحبب لديه لعدم احترامه له،
صاح بصوته قائلًا:
أنا بتكلِّم ياراكان إيه مفيش إحترام لجدك؟..
-أنا سامعك ياجدي…
قالها وهو مازال ينظر للجريدة دون حتى أن يرفع نظره لجده..
ضرب بعصاه الأبنوسية بجواره وتحدث بغضب:
-من الإحترام لمَّا جدَّك يتكلم تبصله يابن زينب..هنا رفع نظره لجده وظهرت علامات الغضب عليهِ قائلًا بفظاظة:
– إيه ابن زينب دي، محدش قال لحضرتك إننا بنسمع بودانا.. بقالك ساعة عمَّال تتكلِّم في مقدمات وأنا عندي شغل..وأكمل بإبانة:
– كلِّنا متعطلين علشان وصايا حضرتك اللي مبتخلصش…وفي الآخر تقولي يابن زينب.
نصب عوده ووقف وهو يلقي الجريدة من يديه…مالها أمي؟..كلِّ شوية إهانات ليه..
نظر لأخيه الذي يرمقه بنظراته أن يهدأ وصاح به بغضب:
– إيه بتبصلي ليه؟..اتَّجه مرةً أخرى لجده:
-زينب اللي مش عجباك ولادها همَّا اللي رافعين اسم عيلة البنداري..بص حواليك وشوف مين هيَّ زينب اللي دايمًا بتقلِّ منها..
رفع سبابته أمامه:
-لوحضرتك شايف إنِّ سكوتي على إهانة أمِّي دا يعتبر احترام…فأحبِّ أقولك ياجدِّي العزيز إنِّ حفيدك
مترباش صح.
قام بجمع أشيائه الخاصة وأردف :
-أنا عندي شغل وقررات حضرتك يونس او سليم يبقى هيبلغهالي… بعد إذنك.
جحظت أعين الجد من تمرد حفيده الأكبر عليه…فهو رجل ذو هيبة يستمع إليه الكبير قبل الصغير، وأوامره تُطاع على الجميع إلَّا من ذلك المتمرد.
اتجهت والدته إليه وعيناها تترجاه:
-حبيبي علشان خاطري أقعد ماينفعش تسيب العيلة كلها متجمَّعة وتمشي وإنت أكبر حفيد..
قاطعها عندما لملم أشيائه:
– عندي محكمة ياماما بعد نصِّ ساعة، مش فاضي لطقوس العيلة اللي مبتخلصش..
صاح أسعد بولده:
– اقعد ياراكان عشر دقايق ونمشي…
اتجه بنظره ليونس وهو يكزُّ على شفته السفلى..أومأ له يونس بعينيه أن يهدأ..
– هقعد بس يكون في معلومك ياجدِّي أي غلط في أمِّي تاني مش هسمح بيه… وكمان أنا ابن أسعد مش ابنِ زينب… أردف بها وهو ينظر داخل مقلتيه… تحدَّت النظرات بين الجدِّ وحفيده..قطب الجد جبينه بسخرية:
– والله عرفتي تربِّي يازينب الحمد لله إنك ممعكيش بنات، قاطعته وهي تردف سريعًا تنظر إلى سيلين تترجَّاه بعينيها:
– ولا يهمَّك ياعمي…راكان عصبي لما بيكون عنده مرافعة في قضية..
رمقها راكان بنظراتٍ حزينةٍ لضعفها أمام جده..بدأ الجد حديثه:
– أنا جمعتكم علشان ناوي أخليكم دايمًا متماسكين وإيد واحدة..
قاطعه أسعد متسائلًا:
-مش فاهم حضرتك يابابا تقصد إيه؟… هوَّ إحنا مش متماسكين؟..
رمقه الجد توفيق:
– لا فيه الأقوى يابني..النهاردة ناوي أجوز الولاد لبنات عمُّهم.
تناول راكان شريحة توست وبدأ يلوكها بهدوء حتى يخرج غضبه ثمَّ التوى فمه بابتسامةٍ ساخرة:
كان الجدُّ يراقب حركات وجهه مما جعله يستشيط غيظًا..
زفر بحنقٍ وأكمل حديثه:
– يونس هيكتب على سارة بنت خالد… اتجهت نظرات يونس سريعًا إلى سيلين التي تتلاعب بصحنها دون مسه…في حين أكمل الجد حديثه:
وراكان هيكتب على سلمى بنت جلال،
وسليم هيكتب على يارا بنتِ عمِّته..
صمت الجميع لبرهة، فيهما من أعجبه هذا القرار كثيرًا وفيهما من استشاط داخله..
طيب وسيلين ياعمِّي نسيت سيلين؟..
رمقها بنظرةٍ تحذيريةٍ وأردف بغلاظة:
– هنشوفلها واحد من برة العيلة دي مالهاش حدِّ من عمرها.
أشفق راكان كثيرًا على والدته وأخته فتحدَّث قائلًا:
زي بالضبط كدا ياماما مفيش حد على أدِّي من العيلة…
-إيه اللي بتقوله دا ياولد؟..كلامي هيتنفِّذ كلُّه..
قهقه راكان مما جعل حالةً من التوتر تصيب والدته..أرجع بجسده يتكئُ على مقعده ورفع بصره لجده وتحدث:
-وحضرتك نسيت تسمِّي العيال إيه ياتوفيق باشا..
وضع إبهامه على ذقنه مصطنعًا التفكير:
– أيوة..أنا لو جبت ولد هسميه توفيق البنداري..مطَّ شفتيه وتحدث:
ماهو لازم نخلِّد ذكرى كبير العيلة مش كدا ولَّا إيه يايونس؟..ابتسم بسخريةٍ وأكمل يوزِّع نظراته على الجميع:
– شوف ياتوفيق باشا..بص حواليك كدا.. شوف الدكتور يونس بقى إزاي من قراراتك التحكمية بتعتك..ثمَّ اتجه إلى سليم:
ولَّا الباشمهندس سليم اللي كلِّ حاجة لازم جدو يعرف ياراكان..هوَّ برضو كبير العيلة..
أوف توفيق باشا نسِّتني أهمِّ شخص انفلاتي بالعيلة..أمال برأسه لمرات عمه ونظر بخبث:
– الكونتيسة سارة البنداري..رفع يديه لابنة عمِّه الأخرى:
أوه برنسس فرح..آسف سموِّك، أصلكم كتير الصراحة مش عارف أبدأ بيونس ولَّا عدي ولَّا سليم…توقف ونظر لسيلين
وأومأ بنظرةٍ حنونةٍ إليها وأردف قائلا:
-والله كان نفسي أحقَّق لك أمنيتك دي ياجدِّي العزيز بس للأسف ماليش نفس للجواز أو ممكن تقول كدا..جرَّبت حظي مرة ومش هتتكرَّر تاني والبركة فيك… قالها ثم وقف مغادرًا بخطواتٍ نارية.. كالنيران التي أشعلها جده بجسده…
بينما يونس نظر لصحنه ووجع قلبه الدامي لا يعلم كيف الجراح به…على الجانبِ الآخر نظر سليم إلى فرح ثم رفع نظره الى جده :
– انا آسف ياجدي مش هقدر أحقق طلبك انا كمان..فرح أخت ليا ومستحيل أشوفها غير كدا.
رمقته والدته بنظراتِ التعاطف علَّها تحثُّه على عدم التحدث حاليًا.
❈-❈-❈
كانت سيلين تجلس ودموعها تنذرف على وجنتيها عندما استمعت لحديث جدِّها القاسي..
رمقها يونس بنظراته الحزينة..نزلت دموعها على صدره كقطع زجاجٍ تقطع جلده لطبقاتٍ متألمة..
وقفت متجهة للأعلى..غادر المائدة خلفها بعدما وجد الأحاديث الجانبية بعد خروج راكان:
-سيلين أردفَ بها بصوتٍ هادئ:
أطرقت رأسها للأسفل تقاوم رغبةً قويةً بالبكاء…لماذا تصفعها الحياة بهذه القسوة.
سحبها من يديها متجهًا إلى الخارج في غفلةٍ من الجميع، سوى فريال والدته التي همست لزينب:
– لمِّي بنت الإيه دي بعيد عن ابني بدل ماتنطردي يازوزو…قالتها بشماتة..
❈-❈-❈
في جامعة القاهرة بكلية الهندسة،
تجلس تتابع شرح أستاذ المادة بكلِّ تركيز…فهي من الطالبات المتفوقة ودائمًا من أوائل دفعتها..
كان يناظرها من حينٍ لآخر..براءتها وجمالها الهادي يخطف السلام النفسي لروحه..
رفعت نظرها عن دفترها التي تدوِّن به بعض المعلومات المهمة، وجدته يصوِّب نظراته اتجاهها وحدها…لكمتها صديقتها أروى:
– الدكتور نور ماله مش منزِّل عيونه من عليك ياجميل؟..اتجهت بنظرها إليها:
-إيه اللي بتقوليه دا ياأروى؟…إنتي عارفة أنا مش بتاعة الحاجات دي..
قاطعهم زميلًت لهما:
– درة ممكن أشوف كشكولك فيه حاجة معرفتش أدوّنها.
ناولته دفترها بكلِّ هدوء..إلا أن ذاك الغاضب الذي كان يتابعها بعينيهِ الصقرية:
– ممكن المهندسين اللي ورا يركِّزوا معايا..
نفخت وجنتيها بغضبٍ من صديقتها:
-جبتينا الكلام ياحضرة المهندسة..
بعد فترة من انتهاء المحاضرة أثناء خروجها أوقفها صوته:
– باشمهندسة درة…استدارت له وتساءلت:
– فيه حاجة يادكتور؟
أومأ لها برأسه…اتجهت له ووقفت بمقابلته:
– فيه حاجة يادكتور ولَّا إيه؟..
رمقها بنظرة إعجاب ثم تحدَّث:
– لو فيه حاجة مش فاهماها ممكن أشرحهالك..
شكرته متعجِّبة من أمره:
– شكرًا لحضرتك..كله تمام بعد إذنك… تحرَّكت مغادرة..ظلت نظراته متشابكة بها إلى أن اختفت من أمامه..
بمكانٍ آخر:
يجلس بمكتبه يراجع قضيته قاطعته مديرة مكتبه:
– فيه واحد برة عايز يقابل حضرتك.. بيقول عنده قضية.
رفع نظره من على الأوراق:
– خلي “سماح” تشوف قضيته إيه أنا خارج دلوقتي عندي ميعاد ضروري.. وميت مرة أقولك يانرمين مدخليش حدِّ بدون ميعاد.
والله ياأستاذ حمزة حاولت بس هو مُصر،
نفخ بضيقٍ ثم جلس مرَّة أخرى:
– دخليه وقوليله عشر دقايق بس.
أومات برأسها وتحرَّكت للخارج.
-بعد قليل دخل المدعو راجح:
إزي حضرك ياأستاذ حمزة…سمعت عنَّك كتير..وعرفت أدِّ إيه إنَّك محامي شاطر،
عندي قضية عايزك تترافع فيها.
أشار حمزة بيديه وتحدَّث بلباقة عمله:
-والله ياأستاذ أنا مشغول جدًا..ممكن تشوف حد تاني..
طالعه الرجل بنظراتٍ توسُّلية:
– لو سمحت أنا عرفت عنك إنك شاطر في القواضي اللي زي دي..وخصوصًا إن المنافس راجل متجبِّر ومبيعرفش الرحمة.
أشار بيديه وتحدث…سامعاك ياحج راجح:
– جلس يستمع له باهتمام..
بدأ الرجل يحدِّثه بحيثياتِ القضية فأردف قائلًا:
– فيه عيلة أخدوا مني قطعة أرض غصب…وعايز أرجَّعها.
خرجت الكلمات من فمه غاضبًا..وأكمل
أنا معايا اللي يثبت إن الأرض ملكي..
عايز ترفع القضية على مين؟..سؤال أردف بها حمزة.
– جلال البنداري
حجظت عين حمزة لتجتاحه الصدمة .. ظلَّ يستمع له باهتمام إلى أن انتهى..
– تمام سبني أشوف أوراق القضية وأبلغك رأيي..
بعد قليلٍ في إحدى المحاكم دخل بقامته المهيبة:
حضرة المستشار راكان موجود؟..
أومأ العامل بالإيجاب…فأردف إليه:
قوله حمزة العمري.
دخل المسؤول عن مكتب راكان:
– فيه واحد برَّه اسمه حمزة العمري عايز يقابلك ياباشا.
– دخَّله حالًا…بعد لحظاتٍ دخل حمزة بابتسامته:
– حضرة وكيل النيابة اللي محدش بقى يشوفه..
ضمَّه راكان بمحبة:
– وحشني ياحمزة…إيه يابني مختفي ليه؟..
رفع حاجبه بسخرية:
– أنا برضو اللي مختفي…ليه نوح ويونس مش بوصلولك أخباري ولَّا إيه؟..
قطب جبينه وتساءل:
– نوح مشفتوش بقالي أسبوع…أما الدكتور الفاشل دا مبعرفش اتلايم عليه من كتر مصايبه.
قهقه حمزة وأردف بشقاوته المحبوبة لقلب راكان:
– لسة زي ماإنت…يونس بصاوريخه وإنت بغضبك وعصبيتك..وبعدين مش عليا ياراكي..أخبارك عندي يابتاع شطِّ بحر الهوى والستات الحلويات..أنا بسمع إنهم ناوين يلمُّوك.
قوَّس راكان فمه:
– أيوة جينا بقى للنق يانص متر..أنا باخد توفيق باشا على أدِّ عقله..بدل مانقلب على بعض…المهم سيبك من توفيق البنداري وتخطيطاته..وتعال عايزك في موضوع ومفيش غيرك..
– ليه يونس راح فين؟
يونس دا هاخده أرميه في البحر للحوت ياكله..فيه بنت واكلة عقله والمشكلة إنها متجوزة..ودماغه طايرة على الستات..
مطَّ حمزة شفتيه لا، إلا المتجوزين مش سكِّتنا..
لكزه راكان: ماتتلم إنت كمان ياحلوف.. هلاقيها منك ولا من جيمس بوند..
رفع حمزة حاجبه وتحدَّث مدافعًا عن يونس:
– والله يونس أحسن منك على الأقل بعرف ألمُّه..منكرش مغامراته تدوخ بس يستاهل والله بيجيب ستات صاروخ أرض جو.
دفعه راكان بقلمه:
– ماتتلم ياحمار..شايفنا قاعدين في ديسكو..دي محكمة ولازم تحترم نفسك.. أصل وربِّ الكعبة أخليهم ياخدوك تحر,ش.
قهقه حمزة عليه:
– اهدى ياحضرة النايب اللي يسمعك يقول مقطَّع حُصر الجامع…دا إحنا طبيخينه سوا.
رفع حاجبه بسخرية وأكمل:
– فينك يايونس والله إنت اللي في عيلة البنداري.،
اغتاظ من أسلوبه المغلَّف المدافع عن ابن عمه، ولكن سرعان ماتحول لقهقة عندما تذكَّر بعض مناوشاته مع يونس.
سيبك من يونس ومغامرته:
– أخبارك إيه وإيه اللي رماك عليَّا النهاردة، أجابه حمزة:
– ياسيدي أنا كان عندي مرافعة في المحكمة دي وعرفت حضرتك موجود هنا…فقولت أسلِّم، وكمان فيه موضوع يخصِّ عمَّك جلال.
❈-❈-❈
في فيلا خالد البنداري:
-جلست تتآكل من الغيظ..شوفتي ياماما
يونس عمل إيه…سابني وطلع يجري ورا السنيورة.
ناظرتها عايدة بهدوء وهي تقلم أظافرها ثمَّ نفختهم بضيق:
-اهدي ياحبيبتي…مش مهم بيعمل إيه، المهم أنه هيرجع لمين ويتجوزها.
اتجهت فرح إلى والدتها:
-ماما إزاي سكتي إن سليم يتجوز يارا… حتة البتِّ المفعوصة دي عايزة تاخد مني حبِّ عمري..
وقفت عايدة متجهةً للنافذة وهي تتحدث بحقد:
-كلِّ حاجه معمول حسابها متخافوش… وسليم هيكتب عليكي يافرح…ثمَّ اتجهت بنظرها لسارة:
-أوعي تقلِّي بنفسك قدام يونس فهمتي ياسارة…خليكي ملكة قدامه..علشان يعرف مين بنت الحسب والنسب من بنت الشوارع..
جحظت أعين ابنتها وأردفت متسائلة:
-قصدك مين ياماما بكلامك دا؟!..
ضحكت بسخرية وهي تجلس تضع ساقًا فوق الأخرى:
-سيلين هانم هيَّ مش بنت أسعد وزينب زي ماهم مقرطسينا كدا…دي بنت لاقيِّنها في الشارع وكانوا مخبيين على جدكو وعلينا…بس إحنا عرفنا وأخيراً جت زينب تحت ضرسي…
قاطعتها فرح وتساءلت:
-علشان كدا جدو رفض يجوِّزها من العيلة…طيب ماكدا عارف..
تهكَّمت عايدة وأجابتها:
-لا عشان سيلين نقطة ضعف راكان فهوَّ عايز يضغط على راكان بسلين..واللي عرفته إن راكان خيَّره بين جوازه وبين أنه يبعد عن سيلين..ولحدِّ دلوقتي هو بحافظ على سيلين على إنها بنت ابنه..
هزَّت فرح رأسها بنفي وتحدَّثت:
– لا ياماما…فيه حاجه غلط…جدو عارف بدليل قالها احمدي ربك إن خلفتك ولاد.. أنا إزاي ماأخدتش بالي..
قطبت عايدة حاجبيها وتساءلت:
-قصدك إيه؟!..
اللهم استرنا فوق الارض وتحت الأرض ويوم العرض عليك
ارجو متنسوش الفوت على البارت ياحلوين
عايزة تفاعل حلو
البارت الجديد بينزل على مدونة رواية وحكاية يوم الجمعة والتلات
وعلى الواتباد الاحد والخميس
الفصل الثاني
لا إله إلَّا أنت سبحانك إنِّي كنت من الظالمين
لا تدري أنَّها رحلت..
و خلَّفت وراءها قلبًا قعيدًا..
يتَّكئُ على كتفِ فراقٍ أعمى
قلبٌ..
سقطَ في جُبِّ يوسُف..
و لن تُنجيهِ سوى رؤيتها وضمِّها..
قلبٌ مازال يرتجفُ شوقًا..
لا يدري..
كيف يحتمي من بردِ رحيلها
وهي التي علَّمتهُ معنى الدفا
❈-❈-❈
دلفت إلى الصرح الضخم وهي تنظر بانبهار..
كان عبارةً عن مبنى ضخمٍ ذو واجهاتٍ زجاجية، تعطيه رونقًا خاصًا وتصميماتٍ هندسية دقيقة…دلفت تطالع الموظفين، تجلَّى في عينيها الدهشة من النظام الدقيق من قبل العاملين به… اتَّجهت نحو المكتب الموجود بالطابق الأرضي:
– صباح الخير….لو سمحت أنا جاية علشان الوظيفة المطلوبة…
ردَّ عليها موظف الاستقبال التحية… وأشار لأحدهما:
– هتطلعي الدور السادس…دا مكتب الباشمهندس المسؤول عن مقابلة الموظفين الجداد.
أومأت برأسها وشكرته متَّجهة لوجهتها..
بعد قليلٍ بالأعلى وقفت أمام الموظف المسؤول عن توظيف المهندسين،
نظر الرجل لها بعد إعجابه الشديد بقدراتها..أشار إليها:
– لحظة وراجعلك يابشمهندسة.
اتَّجه لمكتب سليم، وقف أمام السكرتيرة وتحدَّث:
– الباشمهندس فاضي؟.
أجابته السكرتيرة بعملية:
-أيوة لسة قدامه نصِّ ساعة على الاجتماع.
– طيب عرَّفيه إني محتاج أقابله ضروري..
أومأت برأسها بالموافقة وبعد لحظاتٍ أشارت له بالدخول..
بداخل المكتب كان يستند بظهره على المقعد وهو يحاول أن يجد حلًا وسطًا بين جدِّه وراكان…التي وصلت العلاقة بينهما للاصطدام ككلِّ مرةٍ يحدث بها اجتماعهم.
دلف المهندس المسؤول عن توظيف المهندسين…حمحم عندما وجده شاردًا في ملكوته…رفع نظره قاطبًا جبينه:
– خير يامعتز فيه حاجة؟..
– أيوة يافندم…بالنسبة للإعلان المنشور لتوظيف مهندسين الديكور…من إمبارح وأنا بقابل المتقدِّمين… والنهاردة الحمدلله موجود تلات مهندسين، وأنا محتار أختار مين فيهم…فلو ينفع تختارً بينهم.
نقر على مكتبه وأردف متسائلًا:
– إحنا محتاجين كام مهندس للوظيفة دي؟ ”
-والله يافندم إحنا محتاجين في كل قسم مهندسين على الأقل…أنا اخترت المعماريين…بس مهندسين الديكور دول اتقدِّم فيهم أكتر المبدعين..فتركت الاختيار لحضرتك..
نهض يضع يديه بجيب بنطاله وتحدث:
-مش المفروض دا شغلك ولَّا إيه؟..
حمحم معتز ثم تحدَّث آسفًا:
– والله يافندم أنا محتار بين تلات مهندسين..التلاتة نفس المستوى ومحبتش أظلم حد.. وبما إن حضرتك خبرة فقولت أرجع لحضرتك..
أومأ سليم برأسه وأشار بكفيه:
تمام يامعتز..دخَّلهم واحدة واحدة وبعد كدا هشوف مين اللي ممكن نستفيد بخبرته..
أومأ معتز برأسه وخرج مستأذنًا، بعد قليل وقفت ليلى أمامه بسي في C. V،
دقَّق سليم بملفها ورفع نظره لها:
– شهادتك ممتازة…لية ماشتغلتيش بعد ماخلصتي؟..
ابتسمت بهدوء وأجابته:
– لو حضرتك دقَّقت أكتر هتعرف إني كنت بحضَّر دكتوراه في السنتين دول… والحمد لله لسة مخلصة من شهرين بس..
فحصها بنظراته..ظلَّ للحظة ساكنًا يناظرها..فحمحم وتحدث بهدوئه المعهود:
– تمام يابشمهندسة…دلوقتي ممكن أقولك مبروك…منتظر إبداعك.
أومات برأسها وأردفت:
– شكرا لحضرتك وأتمنى أكون قد المسؤولية يافندم.
ضغط على زرِّه لاستدعاء السكرتيرة:
– خدي المهندسة خليها تستلم شغلها مع المهندسة صابرين…وخلِّي محمد يشتغل في مكتب يافوز.
– تمام يافندم فيه أي أوامر تانية؟..
– لا شكرا يانورة…هاتيلي قهوتي
تحرَّكت السكرتيرة مع ليلى إلى مكتبها الجديد الذي سيغيِّر حياتها.
❈-❈-❈
في مكتب راكان:
بعد قصِّ حمزة ماحدث من راجح في قضيته مع عمِّه جلال …رجع برأسه على المقعد؛
– بس عمي جلال مستحيل يعمل كدا.. أنا أعرف أنُّه بيحب الفلوس بس مبياخدش حاجة مش بتعته..
زفر حمزة وتحدَّث بشك:
– أنا لو هقبل القضية هدوَّر ورا عمك… ولو الراجل دا له حق متزعلش هضطر أترافع عنُّه.
نقر راكان على مكتبه وبدأ يتحدث بشرود:
– خلِّيني أشوف إيه اللي ورا عمِّي الأول.. إنتَ عارف أنُّه له أسهم عايز يبيعها علشان يعمل شركة خاصة بيه على الأرض دي..وعلى العموم لو إتأكدنا إن الراجل دا كلامه صحيح فوقتها أعمل شغلك…عمري ماأدخل في حاجة مش من حقِّنا..
وقف حمزة وأردف:
– تمام يابوص أنا قولت كدا بردو لازم تعرف قبل ماآخد أي قرار…دلوقتي أسيبك تشوف شغلك والموضوع بقى عندك ياسيادة المستشار…شوف وردِّ عليَّا بس متتأخرش..
أومأ له راكان:
– تمام ياحضرة المحامي…
بقولك أنا عازمك النهاردة على العشا فيه
موضوع عايز آخد رأيك فيه.
قطب مابين جبينه متسائلاً:
– موضوع إيه ياراكان؟..هتقلقني ليه.،
ضحك على صديقه وأردف مبتسمًا:
– فيه إيه يابني خوفت ليه كدا…هاخدك تحري ولَّا إيه…قهقه حمزة وهو رافعًا يديه:
– وعلى إيه ياعم الطيب أحسن…
وقف حمزة أمامه وحدَّق به:
– راكان مالك؟فيه حاجة حصلت ولَّا إيه؟
وضع يديه بجيب بنطاله واتجه للشرفة وهو ينظر للخارج واسترسل بنبرةٍ حزينة:
– جدي مش راحمني ياحمزة بيحاول يخنقني وأنا بحاول أتغاضى بأيِّ طريقة…عشان سيلين وأمي..
استدار يطالعه وأكمل بإبانة:
– تخيَّل النهاردة كان عامل اجتماع عشان يجوز العيلة في بعضها..
اتَّجه ينظر إلى الفراغ بعينين تقطر ألمًا وملامح يكسوها الحزن فأردف مستطردًا:
– لولا ماما ووعدي ليها…صدَّقني مكنتش رحمت حد.. همَّا مفتكرين نسيت الماضي..أو تقدر تقول أنا أوهمتهم بكدا..
خيَّم الحزن على وجه حمزة فربت على كتفه وتحدَّث مواسياً:
– لازم تنسى الماضي عشان تعرف تعيش الحاضر ياراكان..أوعى تفكر تمثيلك عليهم بيفرق معاهم..ليه دايمًا بتحطِّ صورة مش كويسة لنفسك قدام الكل؟..
ارتسم تعبيرًا مندهشًا ممزوجًا بالغضب واستدار يتحدث باستنكار:
– علشان أنا كدا بالفعل ياحمزة..أنا واحد مش كويس..وبلاش إنت اللي تتكلِّم وتقول كدا..دا إحنا دفنينه سوا ياصاحبي.
– لا ياراكان إنتَ اللي دايما بتوهم نفسك وبتوهم اللي حواليك بكدا..بلاش تخليني أتكلم كلامي هيزعلَّك..احمد ربنا فيه اللي اتخان وقادر يوقف على رجله.
– والله واللي حصلي مش خيانة؟..قولي ياحضرة المحامي هيَّ الخيانة إيه في منظورك غير الطعن في الضهر..
تحرَّك حمزة عندما وجد النقاش بينهما سيؤلمُ أحدهم:
– أشوفك بالليل ياراكان لحدِّ ماتروق..
❈-❈-❈
في مزرعة نوح:
تجلس بمكتبها تراجع في بعض المراجع الخاصة بالنباتات…دلفت إحدى العاملات:
والد حضرتك برة يابشمهندسة وعايز يقابلك، لم تكد العاملة تكمل جملتها حتى تفاجأت من ذلك الصوت خلفها… صوتًا تمنَّت أن تنساه للأبد.
أشارت للعاملة بالذهاب..دلف والدها وهو يبتسم بفخر:
– كدا ياأسوم بقى بابا ماوحشكيش ياحبيبتي؟..
اشتعل غضبها بصورةٍ كبيرةٍ من حديثه فاحتدت نظراتها واختنقت أنفاسها… عندما تذكَّرت مأساتها من ذلك الأب الذي أقلَّ مايقال عنه أنَّه أب في شهادة الميلاد فقط..
جلست بمقابلته وشعورًا مقيتًا تشعر به اتجاهه..حاولت السيطرة على حالها فأردفت:
– خير يابابا إيه اللي فكرك بيا؟…بقالنا كتير متقابلناش..
جحظت أعين والدها من مقابتلها الجافة كما وصفها:
– دي مقابلتك لبابا ياأسما بعد شهر…ثم رفع نظره وتحدث بحزنٍ علَّه يستعطفها:
– وحشتيني يابنتي هتفضلي مقاطعة ابوكي لحدِّ إمتى؟..
أمتقع لونها وانسحبت الدماء من أوردتها…عندما علمت هدفه من كلامه:
– بابا لو سمحت مهما تعمل وتقول أنا هفضل زي ماأنا مستحيل أتجوز…وزي ماحضرتك شايف أنا مرتاحة في حياتي..
وقف والدها وحاصرها وهي تجلس على مكتبها…قائلًا بنبرةٍ شيطانيةٍ مستهزئًا:
– اوعي تفكري يابتِّ إنك علشان اشتغلتي وقعدتي لوحدك تقدري تمشي كلامك على أبوكي…لاااا فوقي كدا واعرفي اللي واقف قدامك دا منير العشري يابت..
وضعت يديها على أذنيها وتحولت نظراتها إلى الكره الواضح، فاشتعلت عيناها كجمرتين من اللهب الحارق وصرخت بوجهه:
– كفاية بقى إنت مبتزهقش…كل شوية منير العشري ابن حضرة الضابط كاظم العشري..
وقفت واتجهت له وكانت لحظات غضبها استحوذت عليها، فلوحت بيديها وهي تتحدث:
– أسما كبرت ياحضرة منير العشري.. وبقت تعرف تاخد حقها من كل اللي أذوها…ماهو بنت الوزِّ عوام..وأنا أحييك، علمتني كتيير أوي يامنير ياعشري.
اقترب والدها وهو ينظر لها شزرًا:
– وياترى يابشمهندسة أبوكي أذاكي في إيه لدا كله..المفروض تشكريني لولا اللي كنت بعمله مكنتيش وصلتي لكدا.. وبقيتي الباشمهندسة أسما العشري..
ضحكت بسخرية وهي تلطم يديها ببعضها البعض:
– دا مفيش حد أذاني أدَّك للأسف..
آه منكرش إني اتعلمت جبروتك واتعلمت أخد حقي..لكن خسرت كتير أوي.. قاطعهم دخول نوح:
– صباح الخير ياأستاذ منير،
أزدردت ريقها بصعوبة تستجمع بعض الكلمات؛ التي هربت من بين شفتيها بسبب حالتها من دخول نوح..
أهلًا يادكتور نوح الحمدلله يابني إنك جيت وحضرتنا…علشان عايز أشكيلك من الباشمهندسة اللي مقاطعة أبوها دي…
نظرت لوالدها بعتابٍ بينما جلس نوح بمقابلتها، ينظر لها بهدوء وتدارك توترها فتحدث:
– مزعلة والدك ليه ياأسما؟..
انكمشت ملامح وجهها بامتعاضٍ من إفصاح والدها بما يصير بينهما،
وابتلعت غصةً مؤلمةً من نظرات نوح وأردفت:
– مفيش حاجة يادكتور سوء تفاهم عائلي بينا وهيتحل إن شاء الله..مش محتاج للغرب التدخل..مش كدا يابابا…أردفت بها وهي تنظر لوالدها حتى يخرجها من مأزقها الذي ألقاها به دون رحمة..
مسح والدها على ذقنه بعلامة تفكير.. كأنَّهُ يستغلُّ خجلها من نوح..ثم أومأ بعينيه دلالةً على فهم ماتشير إليه:
– فعلًا يادكتور…ممكن يكون مفهمتش بنتي كويس…
وقف نوح وابتعد ومازل مسلطًا بصره عليها ثم تحدَّث:
– جيت أقولك ياأسما، استلمنا خيول جديدة..كنت عايزك تشوفيهم، وتخلِّي الدكتور عاليا تشوفهم كويس.
ابتسمت بسخرية، وكأنَّ قلبها موشومًا بالوجع الذي أهلك روحها من ذاك الرجل، فأومأت إليه وهي ترمقهُ بعيونٍ حزينة:
– إن شاء الله يادكتور هكلِّم عاليا تشوفهم…ظلَّ ينظر لها بعمقٍ وثار تمرده عليها عندما وضعت حاجزًا بينهم ونادته بتكليف…مما جعلَ عيناهُ تظلمُ من وجعها وتوجَّه بحديثه لوالدها:
– بلاش تزعل الباشمهندسة ياعمِّ منير…
اقترب منير للخارج وهو يحدق ابنته ثم اتَّجه بنظره الى نوح:
– إن شاء الله يادكتور… وزي ماقولت لحضرتك سوء تفاهم.
❈-❈-❈
بالجامعة عند درة:
جلست بالكافيه الخاص بالجامعة تنتظر محاضرتها التي ستبدأ بعد نصف ساعة.. وصلت أروى إليها تحمل كوبين من عصير الفراولة وجلست بمقابلتها:
– اشربي العصير دا هيروَّق دماغك وتعرفي تحلِّي الأسئلة صح..
مسحت على وجهها بعنف قائلة بانفعال:
– والله يابنتي حليت زيهم كتير قبل كدا معرفش ليه دماغي واقفة كدا..
استمع عدي الذي كان يقف خلفها لحديثها صدفةً..فاقترب:
– مالك يادرة بتتخانقي مع نفسك ليه.. قالها بإستهزاء…نهضت تقف بمقابلته وصاحت بوجهه بغضب:
– ابعد عني ياعدي عشان متتهزأش زي كل مرة..جذب مقعدًا وجلس بجوارهم وهو يطرق على الطاولة:
– وأنا بموت في التلزيق وخصوصًا لما يكون من واحدة قمر زيك كدا.
أمسكت درة كوب العصير وسكبته فوق رأسه وتحدثت بشماتة:
– أوبس، أصلي لقيت لو رديت على واحد زيك يبقى برفع من قدرك؛ وإنت الصراحة متساويش براية قلم رصاص من سوق الجمعة..قالتها ثم جمعت أشياءها وسحبت كفَّ أروى التي وقفت تنظر بذهول مما فعلته بعدي..
توقف جميع من بالكافيه وبدأو يضحكون بسخرية على هيئة عدي؛ خاصةً وهو يرتدي تيشيرت أبيض وسروالًا باللون نفسه..
ركل الطاولة وهو يصرخ بهم ويدفع البعض…اتَّجه سريعًا لصديقه الذي كان ينتظره ليرى ماذا سيفعل بدرة..تحرك وجحيم غضبه يسيطر عليه..أمسكه صديقه الذي يدعى بأحمد:
-عدي!! أوقف رايح فين ماإنت اللي غلطت في الأول والكل هيشهد بكدا.
دفعه بقوة وهو يزمجر قائلًا:
– هي متعرفش مين عدي البنداري ولَّا إيه، والله لازم أفصلها من الجامعة دي وأخليها تروح جامعات الشحاتين..
قالها ثم تحرك سريعًا متجهًا خلفها.. توجَّهت درة لقاعة المحاضرة وهي تضحك على مافعلته..هزَّت أروى رأسها وهي تشاركها ضحكاتها ثمَّ تحدثت:
– بس دا مش هيسكت يادرة..خلي بالك.. اتجهت وجلست بالبنش الذي يتوسَّط القاعة ووضعت أدواتها وأجابت صديقتها:
– دا واحد مغرور ويستاهل اللي يجراله
قطع حديثهم دخول الدكتور نور..ولكن قبل أن يلقي التحية رأى ذاك الذي أسرع باتجاه درة.. ووقف أمامها وسحب يديها يجذبها بعنف:
– أنا هعرَّفك ياحيوانة إزاي تتجرأي وتعملي كدا..اتجه الدكتور نور
– إنتَ ياحيوان بتعمل إيه عندك…إزاي تعمل في زميلتك كدا؟..
رفع بصره للدكتور وأجابه بنبراتٍ غليظة:
– آسف يادكتور…حساب ولازم نصفيه.
اتَّجه نور لدرة بنظراتٍ مستفهمة؛
هزت رأسها وهي تحرُّر كفيها من كفِّ نور الذي يقبض عليه بقوة..
اتجه نور إليهما وتجمَّع كل من يوجد بالقاعة لفكِّ اشتباك عدي ودرة..دفعه الدكتور بعيدًا عنها،
ثم اتصل بالأمن عندما علم بهويته، اتجهَ
يسحبه للأمن الذي أخدوه لعميد الجامعة..استغلَّ الوضع لصالحه وقام بتقديم شكوى ضدَّ درة..
شهقةٌ قويةٌ خرجت من جوف درة عندما وجدت الموضوع وصلَ لرئيس الجامعة.. هذا المعتوه حوَّل الأمر لصالحه،
مسدت أروى على ظهرها وتحدثت بعيونٍ مطمئنة:
– اهدي إن شاء الله البنات اللي كانوا موجودين في الكافيه هيشهدوا..
– أنا مش خايفة منه أنا خايفة من تقديراتي تتأثر بسبب المشكلة..قالتها بملامح مرتجفة وعينينِ زائغتين،
وصلت ليلى للحرم الجامعي حينما هاتفتها أروى وقصَّت عليها ماحدث،
ضمَّتها لأحضانها حينما وجدت حالتها المرثية وعيناها المتورمة، فتحدثت بكلماتٍ لطمئنتها:
– متخافيش حبيبتي محدش يقدر يئذيكي..تحركت متَّجهة للداخل حيث مكتب رئيس الجامعة…دلفت بعد الاستئذان، وجدت عدي يجلس وكأنه ابن من أبناء الوزراء..
ألقت التحية باحترام..ثم أردفت بهدوءٍ ووقار أمام رئيس الجامعة:
– بعد إذن حضرتك يادكتور..ممكن أعرف اختي متحولة للتحقيق ليه؟..
رمقها عدي بسخرية وهو يوزع نظراته بين درة التي وقفت صامتة وبين ليلى التي تقف أمام رئيس الجامعة كمحامي في قاعة المحكمة..
– اتفضلي أقعدي ياباشمندسة..أخت حضرتك تطاولت على الباشمندس عدي البنداري..اتجهت ليلى تطالع عدي بنظراتٍ تقيمية…رفع حاجبه ينظر إليها بطريقةٍ مستفزة وهو يشير على قميصه:
– أختك سخرت مني قدام الجميع ودلقت العصير.
وقفت تطالعهُ لبعض اللحظات ثم اتجهت لرئيس الجامعة:
– هوَّ أيِّ حد يجي يشتكي حد من غير دليل..وبعدين مش يمكن حضرتك يكون قلِّ أدبه..طبعًا آسفة في اللفظ..لكن من المفروض حضرتك تسمع جميع الأطراف ونشوف الشهود الموجودين…قاطعهم
دلوف يونس أثناء حديث ليلى مع رئيس الجامعة..
نهض رئيس الجامعة يحييه:
– أهلًا دكتور يونس…نوَّرت الجامعة حضرتك.
اتَّجه يونس يطالع أخيه الذي يجلس وكأنه ليس المذنب..ثمَّ تحولت نظراته لليلى و درة،
جلس بعدما قام بفتح زرِّ بدلتهِ وبعد حديثه فترة مع رئيس الجامعة، أشار لأخيه ليحكي ماصار أمامهم، كما اتجه لدرة:
– ومن حقِّ الباشمهندسة تدافع عن نفسها وتقول مبرَّر لفعلتها دي..
تحدث بإبانة لدكتور الجامعة وعيناهُ مسلَّطة على ليلى:
أصل الصراحة مش كلِّ مانضايق من كلمة واحد يقولها ندلق عليه عصير مش كدا ولَّا إيه؟..
مطَّ شفتيه وطالع ليلى الصامتة وأكمل حديثه:
– دا لو معاكي سكينة كان ممكن تطعنيه.. عشان ضايقك بالكلام..
حاولت ليلى السيطرة على غضبها وهي تضغط بقبضتها فوق ساقيها..ثم رفعت رأسها وابتسمت ابتسامةً لم تصل لعينيها:
– طيب ليه حضرتك لو كلِّ واحد يحترم نفسه، ويعرف إنِّ بنات الناس دول خطوط حمرا ومينفعش نستقلِّ بدمنا عليهم ونستخفِّ ونرمي نفسنا ونقلِّ أدبنا؛ ولَّا عشان الدكتور له وزنه في المجتمع يرضى بتجاوز أخوه الغير أخلاقي.
أووبس..قالها يونس وهو يطالع شراستها، ابتسم تلقائيًا على ردها ثم تحدث:
-اهدي حضرتك أنا مقولتش إن عدي مغلطش..
نهضت وتحدثت بهدوءٍ حاولت اكتسابه ثم أكملت:
– حضرتك لو أختي غلطت من حقَّك تعاقبها بمجلس تأديبي زي ماحضرتك شايف..لكن تطاول في الأخلاق من الدكتور في حقِّ أختي مش مسموح..
وقف يونس مبتسمًا على شراستها فاقتربَ خطوةً يطالعها بهدوء..وجهها البرئ وعينيها التي تشبه عين الغزال بلونهما واتِّساعها..حدقها لبعض اللحظات ثم اتَّجه لرئيس الجامعة:
-اعمل اللي باشمهندسة طلبته يافندم.. ولو أخويا غلط يتعاقب..قالها وهو يرمق ليلى بابتسامة تسليةٍ ثمَّ خرج.
❈-❈-❈
بعد عدَّةِ شهورٍ من عمل ليلى بالشركة، خرجت من غرفتها بعد أداء روتينها اليومي،
قامت بتحية الصباح على والدها مقبلةً يديه ثم اتجهت لوالدتها:
– صباح الخير ياسمسم…عايزة منك دعوات تهدِّ جبل ياماما النهاردة..
شاكستها درة بغمزة:
– ليه ياقلبي ناوية تقابلي صاحب الشركة المبجل ويقع في حبِّ الاميرة،
لكمتها في ذراعها:
– بس ياهبلة خلِّيكي في مذاكرتك..
عقد عاصم حاجبيهِ متطلِّعًا لدرة:
– متقوليش كده تاني يادرة عيب ياحبيبتي الكلام دا..
تأسَّفت درة لوالدها قائلة بأسفٍ حقيقي:
– مكنش قصدي يابابا والله إحنا بنهزر،
مسدت ليلى على خصلات أختها:
– ولايهمِّك ياقلبي…ثم همست لها،
على فكرة قابلته يابشمهندسة..
جحظت عيناها وأردفت بسعادة:
– قولي والله…ولسه ألوووون ياحضرة المهندسة العظيمة..
قاطعهم والدهم وأردفَ متسائلًا:
-فيه عندك إيه ياليلي النهاردة؟..
ارتجفت عيونها بقلق وأجابت والدها:
– هيختاروا أفضل تصميم للمدينة الجديدة يابابا..ديكورات لبعض التصاميم ولبعض الفلل والقرى السياحية.
ربت والدها على يديها:
– أنا واثق فيكي ياحبيبتي…حتى لو ماتوافقشِ على تصميمك خليكي فاكرة إن ربنا عنده الأفضل..وإنِّك مجتهدة وناجحة..
قبَّلت رأسهِ وأردفت مبتسمة:
– أكيد يابابا ربنا مايحرمني منك ياحبيبي،
أتت والدتها بقهوتها:
– خدي اشربي قهوتك ياحبيبتي…على طول مستعجلة… قبّلت خديها:
– معلش ياماما يادوب إنتي عارفة زحمة المواصلات…والنهاردة أول اجتماع سنوي لمساهمين الشركة ماينفعشِ أوصل متأخر.
في فيلا أسعد البنداري:
صباحًا على مائدة الطعام،
يجلس والدهم ويتحدَّث بهدوء:
النهاردة الاجتماع السنوي للمساهمين في الفرع الجديد، اتجه بنظرهِ لراكان الذي يتفحَّص هاتفه:
– لازم تحضر يابابا…وبلاش عصبيتك كلِّ ماتتقابل مع جدَّك وعمك ياحبيبي لو سمحت..
رفع نظره من هاتفه واتجه لوالده محاولًا السيطرة على غضبه فتنهَّد متحدِّثًا:
– بابا أنا مبتكلمش…بس حضرتك عارف إن جدي بيضغط عليَّا جامد…ياريت يتعامل معايا في حدود..هو مالوش علاقة أتجوز ولا لأ.. ومن الأفضل مايفتحش معايا الموضوع دا…ثمَّ أكمل مفسرًا:
– أنا عاقل مافيه الكفاية مش محتاج حدِّ يقولي أعمل ايه…
لم يشعر بنفسه وهو يتحدث:
– الراجل دا عمري ماهسامحه على اللي عمله وتدميره لحياتي..
نهض يجمعُ أشيائه الخاصة عندما تحجرت دموعهِ داخل جفونه حتى أصبحت ثقيلة،
وتحدَّث دون النظر لوالده:
– أنا بحاول أسيطر على نفسي قدامه، صدَّقني عشان حضرتك بس..دا اللي مخليني راكان العاقل…أمَّا غير كدا كان زمانه تحت التراب من تلات سنين..قالها وبخطا متعثرة اندفعَ يركضُ للخارج إلى أن اصطدم بأحدهم،
صاحَ بغضب:
– إيه مش تفتحي..عقدت ذراعيها أمامها وهي ترمقه بسخرية:
– الظاهر إن حضرة المستشار اللي ماشي مش واخد باله..حضرتك اللي خبط فيا.. قالتها عايدة وزمَّت شفتيها بملامح جامدة، التوت زواية فمه بشبهِ ابتسامة محتقرة:
– شوف إزاي وأنا اللي فكرت إنك الغلطانة…دنا يهمس إليها:
– لمِّي تعابينك أصل ورحمة أمي هخليكي تشوفي أيام أسود من لون شعرك..مع إنِّي مش متأكد من لونه الطبيعي..
رفع بصره لخصلاتها ذات الصبغة السوداء وأكمل مستهزءًا:
– إنَّما لونه إيه يامرات عمي؟…قالها بإستهزاء وخرج بخطواتٍ ظاهرها ثابتة ولكنها متعثرة بوخزِ قلبه من طعنات الأقارب..
أسرعت فرح خلفه تناديه،
اشتعل نيران الغضب بعينيه ورغم ذلك تحرَّك متجهًا لسيارته…ولم يعري اهتمام للتي خلفه تحاول اللحاق به:
– راكان استنى خدني معاك..قالتها فرح وهي تتجه إليه.
– عدِّيني على النادي عربيتي في التوكيل، أجابها بحاجبٍ مرفوعٍ وزاوية فم ملتوية بابتسامةٍ هازئة:
– نعم ياختي..ليه حدِّ قالك أنا بشتغل شوفير الصبح..قالها وهو يرمقها بنظرة حارقة ثم استقلَّ سيارته وتحرك مغادرًا بسرعةٍ جنونيةٍ وكأنه يطارد عدوه..
❈-❈-❈
توقَّف بالسيارة أمام النيل وذكريات الماضي تطارده بقوة..
فلاش باك:
“منذ ثلاث سنوات”
بإحدى ليالي الشتاء ذات البرودة القارسة، كان عائدًا من حفل زفاف لأحدِ أصدقائه بالاسكندرية هو وابن عمه يونس…داخل السيارة
فتح يونس موسيقى هادئة وهو ينظر لقطرات المطر الغزيرة بالخارج، فاتجه لراكان الذي يقود السيارة بحذرٍ شديدٍ بسب زخات المطر الشديدة، ثمَّ تحدث قائلًا:
– بقولك ياراكي ماتيجي نبات هنا في أي فندق للصبح..الجو وحش أوي يابني وإنتَ شايف مفيش طيران للقاهرة دلوقتي..
توقَّف راكان بجانب الطريق..واتجه إليه:
– تعالَ سوق شويا يايونس وبطَّل كلام..أنا عندي بكرة جلسة الساعة تسعة عارف دا معناه إيه؟..وطبعًا حضرتك مينفعشِ أكلِّم أي حد من صحابي قبل قضية تقيلة زي دي بساعات وأقوله اترافع بكرة..
ترجَّل يونس من السيارة وهو يزفر…اتجه سريعًا لينجو من قطرات المطر..استبدل الأثنين مقاعدهما…وفي أثناء سفرهما.. كان راكان يشعل تبغه فقام بفتح نافذة السيارة ينظر للخارج مع تنفيث تبغه،
ولكن قطعه منظرًا لهروب فتاة من ذئاب بشرية وهي تصرخ..كانت تهرول بحثًا عن النجاة من أولئك الأوغاد..وهي تصرخ تكادُ تُقطعُ أحبالها الصوتية..حاوطها بعض الشباب الذين لاينتمون لبني البشر سوى أسمائهم فقط..
رفع راكان كفيه يحثُّ يونس على التوقف:
– اقف يايونس بسرعة..توقف يونس فجأة حتى اصطدمت أجسادهم للأمام:
-فيه يابني خضتني..أشار بيديه على الشباب الذين يحاوطون الفتاة ويحاولون التحر,ش بها:
– شوف ولاد الكل,ب بيعملو في البنت إيه؟..
تحرَّك يونس بالسيارة:
– راكان دول شكلهم مجرمين وإحنا ممعناش أسلحة مش شايف ماسكين أسلحة بيضة على البنت إزاي؟.. ظل يقود السيارة وهو يرمقه ثم تحدث:
– وفيه بنت محترمة تخرج من البيت في الجو دا وفي الساعة دي…تلاقيها كانت متفقة على سعر واختلفوا..فحبت تعمل كدا.. قالها بشبه ابتسامةِ سخرية..
هزَّ راكان رأسه وصوت ضميره يصفعه.. فهناك شعور يؤلمه والذي كان كالسكين ينحر عنقه من مظهر تلك الفتاة وهي تستغيث بأحدهم.. بسط يديه وحوَّل مجرى السيارة سريعًا مما أدى إلى ارتفاع صوت صريرها العالى وتهاوي أجسادهما..
صرخ يونس براكان:
– أكيد اتجننت مش كدا…أشار بيديه على الطريق:
– ارجع بسرعة يايونس مفيش وقت.. مستحيل أشوف حاجة زي كدا واسكت.. إيه إنتَ معندكش أخت يابني؟…مش خايف يتعمل فيها كدا؟..
أفرغ يونس شحنات غضبه من ابن عمه وهو يضرب على قيادة السيارة:
– مجنون وعايز تموتنا..أشار راكان بعينيه للطريق دون حديث.
أتى يونس لفتح فمه للتحدث.. رفع سبابته أمامه بغضب:
– ولا كلمه..مش عايز ولا كلمة..
امشي بسرعة لسة هترغي…بعد قليل وصلوا للمكان ولكن لا يوجد به أحد.
ترجل راكان من السيارة يبحث بعينيه.. فالمكان مظلمٌ لغياب القمر والنجوم بسبب كثرة السحب السوداء التي تغطي سماء الاسكندرية بالكامل.
استدار لكي يعود وبداخله خيبة أمل، وصوتُ ضميره الذي يؤنِّبه، ولكن تسمَّرَ بوقفته عندما استمع لصراخها مرةً أخرى..
تحرَّك سريعًا..ترجل يونس خلفه وهو يسبُّه يبحث عنه.. وصل راكان للمكان الذين يحتجزونها به….حيث يوجد به هؤلاء البشر الحيوانيين..انسدلت عبراتها وهي تضغط على جفنيها بألمٍ لاقترابها من موتها الحقيقي لأنثى ستحطَّم حياتها من تلك الأيادي الخبيثة..
حاولت بكل قواها التحرر من قبضتهم، صفعةٌ قويةٌ على وجهها أدَّت لضعف جسدها بالكامل حيث شعرت بتمزق روحها وعلمت أنها النهاية..
رفع أحدهم يديه وقام بتمزيق ملابسها ولكنَّهُ وجد نفسه طائرا بالهواء…أمسكه راكان ثم رفعه للأعلى تاركًا إياه يصطدم بقوة بالصخرة؛ حتى شعر بتهشيم جسده..
تراجعت الفتاة التي تدعى بشمس للخلف وهي تضمُّ ركبتيها لصدرها وتبكي بشهقاتٍ مرتفعة وهي تضع يدها على أذنيها كي لا تسمع شجارها…تحمد ربها لإنقاذها في الوقت المناسب..
حاوط الثلاثة شباب راكان بأسلحتهم البيضاء؛ وكلاً منهم حاول النيل منه ولكن قوته الجسمانيه وتدريباته القتالية ساعدته في تفاديهم..انضمَّ إليه يونس وبدأ الاثنان مقاتلتهم بكل قوة..رأى راكان أحدهم متجهًا ليونس من الخلف لطعنه.. فجذبه من تلابيبه وأبرحه ضربًا وماكان على الآخر إلا أن طعنه..في هذه الأثناء وصلت الشرطة التي قام يونس الاتصال بهم بعد إصرار راكان على إنقاذها..
أسرع يونس لابن عمه عندما جثا على الأرض وهو يمسك بطنه والدماء تلطِّخ قميصه الأبيض..ومياه الأمطار التي اختلطت بدمائه حتى شعر ببركة دماء أسفل راكان…جحظت عيناه وهو يضمُّه ويصيح بغضب:
– قولتلك بلاش..طالعه وهو يكاد يفتح عينيه:
– بطَّل ياغبي دي مطوة في البطن مش في القلب..اتصرف..هو إنت مش دكتور ولَّا سرقت الشهادة وبتضحك علينا؟..
فحصه يونس وهو يكزُّ على شفتيه بغيظ:
– تعرف كان نفسي يقطعوا لسانك اللي بيرمي طوب دا
❈-❈-❈
شعر بالنعاس يداعب جفنيه ولم يقو على فتحهما..حاول فتح جفنيه
فاتَّجه بأنظاره للفتاه المنكمشة بجانب الصخرة تبكي وهي تطالعهم؛ لم تظهر ملامحها بسبب الظلام وكمية تساقط الأمطار..
وقف الضابط أمامهم ويونس يقوم بالإسعافات الأولية…وبعد بعضِ الأسئلة ووصول سيارة الأسعاف..رفع نظره ليونس وهمس بصوتٍ يكاد يُسمع:
– اخلع الجاكيت بتاعك يايونس..قام بخلعه سريعًا يضعه على كتف ابن عمه ظنًّا منه أنه يشعر بالبرد، ولكنه أشار على الفتاه التي تقف مع الضابط وهي تلملم ملابسها الممزقة بيديها وتبكي وهي تقصُّ ماصار..
فهم يونس مايعنيه..فأسرع إليها ووضعه على أكتافها وهو يطالع ملامحها الباكية.. كانت فتاةٌ تبلغ من العمر اثنا وعشرين عامًا..
اتجهت إلى راكان ويونس عندما وجدت المسعفين يضعونه على السرير المتنقل:
– إنتَ كويس؟،.قالتها وهي تنظر اليه ودموعها تغرق وجنتيها…شكرًا، إن شاء الله هتقوم بالسلامة..
حدثها يونس بعنف عندما أغلق ابن عمه جفنيه وهدر بحدة:
– بتعيطي ليه…فيه واحدة محترمة تخرج في الجو دا والوقت دا..قالها وهو يرمقها بنظرات محتقرة..ثم أسرع خلف راكان الذي دلف لسيارة الإسعاف.
بعد فترةٍ من الوقت كان يونس يقف أمام غرفة العمليات ينتظر الطبيب..وتجلس الفتاة بجوار والدها الذي أتى بعد اتصالها به وهو يضمُّها لأحضانه..
خرج الطبيب..أسرع اليه يونس:
– إيه يادكتور طمني؟..
– كويس مفيش خطورة، الطعنة كانت بعيدة عن الأعضاء الحيوية..هوَّ اتنقل لأوضة ممكن تروحو تشوفوه بعد مايفوق …قالها الطبيب ثم تحرك..
جلس يونس يمسح على وجههِ بعنف يكاد يق,تلع جلده:
– الحمدلله عدِّت..الحمدلله..اتجه بنظره للفتاة ووالدها وهو يرمقهم بنظراتٍ تفحُّصية… نهض إسماعيل والد شمس واتجه اليه…بسط يديه ليونس:
– أنا إسماعيل..أبو شمس..
قطب يونس حاجبه متسائلًا:
– مين شمس..؟ أشار والدها عليها وتحدث بعرفان:
– البنت اللي أنقذتوها..ربنا يبارك فيكم يابني وينجِّيكم دنيا وآخرة..
شعر يونس بالخجل من نفسه و عتابه على راكان فيبدو أنه تسرع في الحكم، فأومأ برأسه:
– إحنا معملناش حاجة…أيِّ حد مكانَّا كان هيعمل كدا…قالها ثم تحرك متجهًا لغرفة راكان..
بعد فترة فتح عينيه…كان يونس غافيًا على المقعد بجواره…بينما في آخر الغرفة على إحدى الأرائك..تجلس شمس بجوار والدها تقرأ بمصحفها…نهضت عندما استمعت إليه وهو يتمتم:
– يونس..ولكن يونس كان غارقًا بنومه… اتجهت إليه ووقفت وهي تضمُّ جاكيت يونس عليها وطالعته بعيونٍ مترقرقةٍ وتحدثت بشفتينِ مرتعشتين:
– إنتَ كويس؟..عامل ايه؟..أنادي الدكتور؟..
أطبق على جفنيه عندما شعر بألم بطنه وتحدث بصوتٍ مرهق:
– إنتي مين؟ استيقظ يونس ونهض يسأله بلهفة
– راكان إنتَ كويس؟.أومأ بعينيه وتحدث وهو ينظر للفتاة:
– مين دي؟… قوَّس يونس فمه بسخرية وأشار عليها:
– دي بنتِ عمِّ القمر..قالها غامزًا بعينيه لراكان..طالعها راكان كانت تنظر بعينيها للأسفل وتفرك بكفيها..
دنا يونس منه وهمس:
– دي البنت اللي حضرتك عملت فيها فريد شوقي وأنقذتها..استيقظ والدها واتجه إليهم:
– حمدالله على سلامتك يابني..مفيش كلمة شكر تعبَّر عن اللي عملتوه..
أومأ له بعينيه ومازالت نظراته تتفحصُ شمس، التي لم ترفع عينيها عن الأرض فأردف متسائلًا:
– عملتوا إيه مع الشرطة..متخافيش منهم لازم تاخدي حقَّك..علشان لو كل واحدة سكتت عن حقها في كدا.. هندِّي فرصة للي زيهم يتمادوا.
رفعت عيناها التي تشبه مياه البحر، فتقابلت أعينهم للحظاتٍ حتى ذهب بنومه مرةً أخرى..
غادرت شمس مع والدها..وظلَّ يونس بجواره ينتظره حتى يفيق كاملًا..ولكنه غفا بمكانه..
أسدلت الشمس ستائر نورها الدافئ ولاتزال سماء الإسكندرية ملبَّدةً بالغيوم، تارةً تحجب أشعتها وتارة تتغلَّب على سحبها السوداء فتنير الأرض..
اعتدل يونس وهو يمسك عنقه بسبب نومه على المقعد..نهض يفحص ابن عمه، ثم جلس مرةً أخرى ينتظر استيقاظه…أمسك هاتفه يتفحَّصه.. واتسعت عينيهِ مما رأى..
فتح راكان جفنيه وحاول الاعتدال ولكنه تأوَّه متألمًا..ساعده على الاعتدال ثم تساءل:
– حاسس بإيه؟..أومأ له وأجابه بصوتٍ مرهق: أحسن الحمدلله..تليفوني فين لازم أعمل مكالمة ضروري..
اعطاه يونس هاتفه وانتظر بعد إنتهائه من مكالمة عمله…ظلَّ يطالعه بنظراتٍ غاضبة:
– قول ماتقعدش تبحلق فيَّا كدا..ولا أقولَّك قوم خلينا نمشي..أنا مبحبش المستشفيات..ظلَّ يونس صامتًا للحظاتٍ ثم تحدث متهكِّمًا:
– إنتَ عارف العيال اللي اتخنقنا معاهم فيهم ابنِ المسيري؟..
تجهَّمت ملامح السخرية بنبرته وهو يسأله:
– ومين البتاع اللي قولت عليه دا؟..
أرجعَ يونس خصلاته للخلف بغضبٍ وتحدث:
– والله العيلة دي ماهتتبرَّى منِّي غير من أعمالك دي ياراكان..استعد لنار جدَّك لما يعرف..استعد ياحبيبي..ولا أقولك ولا كأننا عملنا حاجة ولو حدِّ سألني هقولُّهم إنَّك اتسممت وعملت تنضيف معدة.
ابتسم بسخريةٍ لم يستطع مداراتها وهو يعود بظهره على فراش المشفى للخلف مستندًا على مرفقيه:
– قوم يابني يلَّا علشان نروح معرفش مخبوط على دماغك ولَّا مالك على الصبح..عكننت عليَّا إلهي ربنا يعكنن عليك دنيا وآخرة.
نهض وهو يميل عليه هامسًا
– المسيري ياراكان..اللي انضرب إمبارح وعملناله قضية اغتص,اب..إنتَ فاهم معنى القضية ياحضرة النايب؟..يعني هيفتح علينا جحيم جهنم وياسلام لو جدَّك عرف..دا هنولَّع قبل مانوصل..
هنا تذكر ذاك الرجل..فحاول النهوض يستند على يونس:
– طيب تعالَ نمشي…أومأ يونس برأسه:
– أحسن برضو..لكن غريبة راكان يسمع كلامي من غير جدال..إيه اللي ناوي عليه ربنا يستر..
وصل بعد فترةٍ لسيارته بعدما أنهى يونس الأوراق الخاصة بالمشفى..
صعد للسيارة بهدوء بسبب جرحه، وجلس بصعوبةٍ ثم اتَّجه بنظره ليونس:
– روح على القسم..عايز أعرف إزاي العيال دي طلعت في قضية أقلِّ حكم فيها عشر سنين..
هنا صفع يونس على وجهه وظلَّ يتمتم:
– أحيه عليك ياراكان…وحياة ربنا أخرتي في العيلة دي على إيدك..
نهاية الفلاش..
❈-❈-❈
خرج من ذكرياته على رنين هاتفه..زفر متخذًا نفسًا ورفع الهاتف:
– أيوة ياسليم…تمام.. قالها ثم أغلق هاتفه وقاد السيارة عائدًا لمنزله.. وبدأت أنفاسه في الاضطراب وخفقاته تتسارع في سباقٍ؛ حتى شعر بأنه سيفقد وعيه بسب ماتذكَّره من ماضٍ مؤلمٍ لروحه..
وصل بعد قليل…ترجَّل من السيارة،
قابله والده وقفَ أمامه:
– مش هتحضر الاجتماع ياراكان؟.. براحتك يابني..أنا هروح الشركة مينفعش سليم يكون لوحده..ماهو مينفعشِ تكون تلات أرباع الشركة من نصيبنا وسليم يوقف لوحده في الاجتماع..
وقف أمام والده بجسدٍ مستقيمٍ رغم أحزانه التي تحرق قلبه فتحدث بصوتٍ رصين:
– بابا عايز تروح اتفضل ..أنا هنزل بعد شوية..
سحب نفسا وطرده محاولًا أن يتحلَّى بالجَلدِ والصمود فخرج صوته معبًّأ بالألم:
– ياريت تكلِّم جدي يخليه بعيد عني، زي ماكان بعيد عنِّي السنين اللي فاتت لو فعلا عايزني أروح الشركة..
زفر والده بحزن:
– يعني يابني زعلان من جدَّك وإنتَ دلوقتي داخل على إتنين وتلاتين سنة؟..يعنى مش صغير زي ماإنت لسة قايل..
هرب اللفظ من بين شفتيه فأخذ نفسًا مطوَّلًا:
– المطلوب من ابنك اللي داخل الخمسة والتلاتين إيه؟..قالها عندما اختنق من إصرار والده.
مال والده عليه ينظر بحدقيته فتحدث قائلًا:
– أنا هتنازل عن مجلس الإدارة لحضرتك ياحضرة النايب..واعمل حسابك مفيش اعتراض..ماهو تعبي السنين دي كلها ميوقعشِ في الأرض عشان غضبك من جدَّك؛ وهتكون جنب سليم لحدِّ مايعرَّفك أسرار الشغل ورغم إني عارف ومتأكد إنَّك متابع كل حاجة…بدليل شركتك وأرباحها اللي بتزيد..
ربت على كتفه وأكمل:
– راكان إنت الكبير مينفعش سليم يدير الأمبراطورية دي كلها لوحده..يونس إنت أدرى بعمايله…ونوح يوم في الشركة وعشرة لأ..
سحب أسعد نفسًا وطرده وأكمل بإبانة:
– إحنا أكتر ناس هتضرَّر ياراكان.. متنساش النصيب الأكبر في المجموعة بتاعنا والمعظم عايز المجموعة توقع..
زفر بضيق وحنقه بازدياد بسبب ذاك العمل..
فتحرك بعض الخطوات وتحدَّث:
– حاضر هنزل الشركة مع سليم وكمان حضرتك ماتزعلش..لكن لوي الدراع دا بلاش منُّه تمام …
استدارَ بجسده يطالع والده..ثم أشار بكفَّيه:
– عندي شروط لاستلام المجموعة.. وأولَّها:
– أيِّ غلط من أعمامي وجدي صدَّقني العواقب هتبقى وخيمة على الجميع على الكل يابابا..مش هرحم حد..
– تقصد إيه ياراكان؟…قالها أسعد.
احتدَّت نبرته وأجابه:
جدي لو فضل مُصّر يفضل مسيطر عليَّا وعلى أخواتي هطلَّع القديم والجديد، صدَّقني مش هرحم حد..خاصةً سيلين..
تنهد أسعد بحزنٍ وحاول أن يستجديه بعطفه على سيلين فاستغلَّ نقطة ضعفه:
– طيب ياحبيبي لو فعلًا خايف على أختك من جدَّك سكِّته واتجوز بدل مايحطِّ سيلين في دماغه مكانك..هو أهم حاجة عنده تتجوز..
اشتعلت عيناهُ كجمرتينِ من اللهب الحارقِ وصاح بغضب:
– طيب خليه يقربلها وشوف هعمل إيه.. أقسم بالله العيلة كلَّها ماتكفيني..
دنا أسعد منه بعد محاولته الفاشلة:
– طيب لو قولت عشان خاطر أبوك ياراكان..
تسمع الكلام المرادي بس..إنتَ يابني على طول كدا..نفسي أفرح بيك وأشيل ولادك..ولَّاشايف دا كتير على باباك..
تنهد بحرقةٍ شديدةٍ وغاص في عتمة عناده وأردف بنفاذ صبر:
– بابا حضرتك شايف إني في مركزي دا… أستنى حدِّ يختارلي شريكة حياتي؟..
ربت والده على يديه وتحدث بهدوء:
-إنت مش كدا كدا هتجوِّز، ماهو مش معقول هتفضل يابني من غير جواز… خلاص اتجوز أيِّ واحدة تعجبك ياسيدي وجدَّك يسكت.
صمت هنيهةً يحاول تمالك أعصابه:
-حاضر يابابا هشوف موضوع جوازي دا…بس ماأوعدكش حاليًا ومش علشان جدِّي..لا، علشان زي ماحضرتك قولت جه الوقت اللي أعمل عيلة..
وقف وتحدث:
-أنا هطلع أغيَّر وأنزل على الشركة حاضر، قالها ثم تحرَّك للأعلى..
بعد قليلٍ وصل للشركة دلف لغرفة مكتب سليم..
– نهض سليم وهو يرفع يديه يادي النور…يادي الهنا، والله الشركة نوَّرت ياحضرة المستشار قالها سليم وهو يرفع حاجبه بشقاوةٍ أمام أخيه.
وقف بشموخٍ وبخطواتٍ ثابتةٍ متجهًا لغرفةِ الاجتماعات:
– عارف يابني مالوش لزوم أعرَّفك، المكان اللي راكان البنداري بيدخله بيزيده شرف.
توقَّفَ سليم يقهقهُ عليه وهو يومأ برأسه ويرفع ذراعيه:
– اتفضَّل سموّ الأمير على الرحب والسعة..
لكزه بكتفه ورفع حاجبه وأردف بفظاظة :
– اسمها اتفضل سمو الملك..الأمير دا ابني اللي هجيي لمَّا ندفن جدك إن شاء الله..
قوَّس فمه معلقًا:
أصلي خايف لو اتجوزت دلوقتي أجيب ولد شبهه..كفاية عمَّك خالد..تلاتة في العيلة كدا ممكن العيلة تولع..
توقف سليم بضحكاتٍ صاخبةٍ على حديث أخيه الذي خرج يجيب على هاتفه..
تحرَّك متجهًاا للمصعد ولكن قطعه رنين هاتفه، زفر بغضبٍ و توقف للإيجاب:
– أيوة يانورسين..أيوة في الشركة خلاص نازل…قالها ثمَّ أغلق قائلا:
– بنت باردة..وعايزة قطم رقبتها…فجأة اصطدم بجسدٍ أنثوي مما أدَّى لتساقط هاتفه..
جزَّ على شفتيه ورمقها بنظرةٍ سريعة:
– إيه قطر معدي..باراحة هدوسيني قدامك..
رمقته بنظرةٍ استخفافية..وتقدمت بخطواتٍ ثابتةٍ بحذائها العالي الذي كأنه يتحرَّك على جمرات غضبه منها..عندما لم تعيره أي اهتمام..
أغضبه تجاهلها كثيرًا فهمس بصوت:
– يخربيتها دي ولا كأنَّها شافتني..لا ودخلت الأسانسير وسبتني..
وصل سليم يطالعه باستفهام:
– راكان واقف كدا ليه؟..وبتبصِّ على إيه؟.. هزَّ رأسه وتحرك عندما فُتح المصعد..
❈-❈-❈
بمنزل عاصم المحجوب:
دلفت سمية زوجته وهي تحمل كوبًا من الشاي الساخن…وضعته بجواره وهو جالسًا يقرأ بمصحفه..أغلق المصحف يطالعها:
– فيه حاجة ياسمية؟.،جلست بجواره وتحدثت بإبانة:
– فيه جمعية قدامي عايزة أدخلها علشان جهاز ليلي ياأبو ليلى؛ البنت معدتش صغيرة وبكرة ابن الحلال يجي وقتها نقوله استنى معلش أصلنا مجهزنهاش..
رجع بجسده على المقعد وربت على ساقيها:
– ربك يسهل إن شاءالله حبيبتي..وقتها ربنا هيعينا..
قاطعته مستطردة:
– أم محمود بتعمل جمعيات كبيرة وليلى ماشاء الله قبضها حلو ليه نستنى؟..أهو أدخل بجزء من مرتبها والباقي يكون لدروس كريم..
أومأ برأسه وتحدث بابتسامةٍ حنونة:
-اعملي اللي إنتي شايفاه صح ياأم ليلى.. ربنا يباركلي فيك يارب..
في شركة البنداري:
بعد مرور أكثر من ثلاث ساعات في غرفة الاجتماعات، بوجودِ جميع المساهمين..
وقف سليم أمام شاشة العرض الكبيرة وتحدث بعملية:
– طبعا آخر صفقة أخدناها حققت أرباح هايلة…وزي ماكلُّكم عارفين المشروع الجديد محتاج مننا أفكار جديدة… للمدن الحديثة اللي صممناها وطلعت بالمستوى الممتاز..
اتَّجه بنظره لشاشة العرض وتحدث بإبانة:
– نيجي مثلا لمدينة ( ) دا تصميمها أكتر من رائع والحمدلله يعتبر خلَّصنا حجز جميع الوحدات بيها..
دلوقتي محتاجين بس نصمِّم ديكورات جديدة لبعض القرى المحيطة بالمدينة دي..
أنا جمعت أفضل المهندسين اللي موجودين عندنا…وكلِّ واحد هيعرض فكرته وبناءً عليه هتختاروا فكرة واحد فيهم…ونبدأ نكمِّل فيها… علشان في الإعلان الأخير عن المدينة نذكر كل المواصفات الداخلية والخارجية..وبكدا هنكون حققنا أفضل مكسب.
أومأ والده وعمِّه خالد وبعض المساهمين من خارج العائلة بالموافقة،
اتَّجه كل مهندس بعرض فكرته للمنتجع الذي أقامته الشركة من مدن جديدة يحاصرها قري سياحية بإحدى المحافظات المطلة على البحر…وضَّح ثلاث مهندسين أفكارهم..فيما رفع سليم نظره لليلى لتوضِّح فكرة تصميمها،
نهضت ليلى للشاشة وهي ترتدي بدلةً نسائيةً سوداءَ اللون وحجابًا باللون الوردي…فظهرت بطلَّتها الخاطفة للقلوب..رآها يونس الذي قام بالتصفير المنخفض:
– أيوة هو إنتي…مرحبًا أيتها القطة الشرسة..وأنا بقول شوفتك فين أتاريكي في أحضان البندارية..
رمقه الذي يجلس بمقابلته بنظرةٍ أخرسته،
اتجه ينظر بتمعنٍ لتلك التي تقف بثقةٍ أمام شاشة العرض مع بعض الرسومات التي قامت بتصميمها بدقةٍ عالية؛ لتخرج بأجمل صورة وبدأت الشرح بطريقةٍ عمليةٍ وجذابةٍ للاستماع لوجهة نظرها..أمال برأسهِ لسليم:
– دي مهندسة جديدة ياسليم ولَّا بقالها فترة هنا؟..
نظر إليه بصدمة:
– راكان بيتكلِّم عن واحدة معقول تكون عجبتك…طيب الأهبل دا وعارفينه..
احتدت نظراته ثم رجع بنظراته إليها:
-أنا بسأل ياغبي علشان وقفتها: دي وقفة واحدة مخضرمة بعملها مش علشان ملفته ولاحاجة…أهي زيها زي أيِّ بنت مفيش حاجه تميزها..
رفع يونس حاجبه ساخرًا:
– فعلًا إنتَ هتقولي…فعلًا مفيش حاجة تميزها غير جمالها الهادي الملفت ولَّا صوتها الكرواني..
وقف يونس متجهًا إليها…يرمقها بنظرةٍ سريعةٍ واتجه بجوارها ينظر للجميع:
– أنا شايف إنِّ التصميم دا أحسن واحد… وبدأ يشرح وجهة نظره ببعض النقاط الخاصة… وختم حديثه:
– طبعًا أنا مش مهندس ولا أفهم بشغلكم زيكم بس لو هنيجي نقارن هنشوف دا مثلًا..
أكمل راكان حديث يونس وهو يرمقه بتحذير:
– أنا مع يونس..ثم وزَّع نظراته للجميع وهو جالسًا بمكانه:
وبدأ يشرح بدقة وجهات الاختلاف بين التصاميم الأربع…اعتمادًا على دقته بوظيفته بأدقِّ التفاصيل،
قاطعته نورسين ابنة أحدِ الشركاء:
– بس أنا أختلف معاك ياراكان وزي ماإنتَ قولت إنَّك مش مهندس…أنا كعملي بقول إنِّ تصميم عامر أحلى…دا تحسه Simple أوي والطبقات الراقية عايزة حاجات تانية…ولا إيه ياعمو أسعد؟..
اتجه أسعد بنظراته لراكان الذي يجلس بهدوئه وكأنه يعلم بإجابة والده:
-أنا مع راكان ثم توجَّه لسليم،
وبما إنك المسؤول ياسليم مقولتش رأيك؟…وقف سليم متجهًا إليهما
وبدأ يشرح وجهة نظره هو كذلك… وافقه عمُّه خالد ومعظم الموجودين سوى نورسين التي نظرت لليلى بحقد على إشادة الجميع بعملها..
اتَّسعت ابتسامتها لإعجابهم بتصميماتها…
رفعت بصرها لراكان فتلاقت أعينهما سريعًا، فشرد للحظات يتأمَّلُ حدقيتها الواسعة..ولكن ذهب بشروده لأمواج بحره الذي غُدر قبل الوصول لشاطئه… استفاق سريعًا عندما استمع لبعض المناقشات حول التصاميم الهندسية الأخرى..
اتجهت ليلى لتجلس بمكانها،
أومأت بنظرها إليه تشكره على رأيه:
– شكراً لحضرتك..
هزَّ رأسه وهو يطالع بعض الأوراق بيديه، وتحدث بصوتٍ رصينٍ ولم يلتفت إليها:
– مفيش داعي للشكر..إنتي عملتي شغلك كويس، فإحنا وافقنا على أجمل تصميم،
ثمَّ رفع بصره وحدَّق بمقلتيها:
-كان الأفضل تتأسفي مش تشكريني ياحضرة المهندسة..
تصاعد الغضب بداخلها فتحركت تجلس بجوار زميلتها والغيظ يتآكل داخلها؛ فطالعته مرةً أخرى وهو جالسًا وكأنَّ مايدور حوله لايعنيه فأردفت:
– عامل زي الطاووس دايماً فعلًا واحد مغرور..
اتجه سليم على الطاولة التي توجد بها المخطوطات..بعد خروج المشاركون إلا من بعض المهندسين المسؤلين عن العمل..
أشار سليم إليهم جميعًا للتوجه للطاولة،
وقف سليم بجوارها ونوح الذي اتجه لمكان تواجدهم على التخطيط الهندسي..
عقد نوح حاجبيه وهو ينظر إليهم وهم يتحدَّثون عن التصاميم الموجودةِ أمامهم ..فجلس أمام راكان وهو يرمقهم:
– أنا ماليش في شغل الهندسة ياراكي.. تحسِّ أنه معقَّد سبحان الله ماليش غير في الذوق الجميل.
استدار راكان وأجابه:
-بالعكس يانوح الهندسة حلوة وعملية جدًا..وكل ماتتعمَّق فيها تحبها أكتر، ربنا يسامحه اللي كان السبب، ذهبت ذاكرته لذاك اليوم..
(فلاش باك)
ضمَّته زينب بحبٍّ ودموعها تتساقط عبر وجنتيها:
– ألف مبروك ياحبيبي..مش عارفة أوصلك فرحتي إزاي يابني، ربنا يوفقك ويسعدك دايمًا ياراكان زي ماأسعدتني بنتيجة النهاردة وتكون الأول على دفعتك، الفرحة مش سيعاني..وخصوصًا إنك هتحقَّق هدفك وتدخل الكلية اللي بتحلم بيها..مش كدا ياباشمهندس،
اتجه توفيق بنظرةٍ باردةٍ إليه:
– جهَّز نفسك بقى علشان تدخل هندسة..وتتعلم كويس وسيبك من أحضان زينب اللي مش هتاخد منها غير الضعف، ثم صاح بغضبٍ بها:
– ابعدي عن الولد يازينب إنتي نسيتي نفسك ولَّا إيه؟.،متنسيش إنه كبر دلوقتي وبقى راجل..مش طفل علشان تاخديه في حضنك كدا..
بكت زينب بنشيجٍ وشعرت بدوارٍ يضرب رأسها من كلمات توفيق السامة..فأجابته بشفتينِ مرتجفتين:
– أنا ياعمي هعلِّم ابني الضعف؟!!وعايز تحرمني إنِّي أضمه لصدري!!
رمقها بغضبٍ ونهض وهو يطلق لها نظراتٍ نارية:
-إنتي بتردي عليَّا يابنت الحصري ورفع يديه حتى يصفعها، ولكن توقف راكان أمامها وتلقَّى الصفعة مكانها،
توسعت أعين توفيق من فعلة حفيده فصاح بغضب:
– إنتَ عملت إيه ياولد؟. ابتلع ريقه بصعوبةٍ وهو يضمُّ والدته ثم قال بهدوء مفتعل:
– لو شوفتك بتعمل كدا ياجدِّي في أمي وأسكت يبقى ماستهلش أكون ابنها، يبقى أنا واحد جاحد عاصي لبرِّ الوالدين…
نظر بداخل عينيه ولأولِ مرةٍ تمرَّد على جده فتحدث:
– وقبل ماتقول أسطوانتك كلِّ مرة هتفضل أمي نور عيني لأخر لحظة في حياتي…قالها وهو يشدِّد على كل كلمة تخرج من بين شفتيه وكأنَّهُ قاصدًا استفزاز جده..
صفعةٌ أخرى هوت على وجنتيه وصاح بغضب به..صرخت زينب بأعلى صوتها:
– “راكان” رفع عينيهِ إليها بنظراتٍ جحيميةٍ فأخرستها ثم لوَّح بيديه:
– هستنى من تربية زينب إيه غير واحد عديم التربية زيك..هيَّ بنت الحصري بتعرف تربي…رفع سبابته:
-اسمع ياولد متفكرش نفسك علشان خلصت الثانوي هتكون كبرت عليَّا..إنتَ هتعمل اللي هقولو وبس، وإياك تاني توقف قدَّام جدك بعدم إحترام..
هتجهَّز ورقك وتقدِّم في الهندسة ودا أمر من توفيق البنداري وخلي بالك عيني عليك.
وصل أسعد اليهم يوزِّع نظراته بينهم:
– مالكم واقفين كدا ليه؟..رمق راكان جدِّه:
– بابا أنا مش هدخل هندسة…صاعقة أصابت زينب وهي تهزُّ رأسها بالرفض لما نطقه راكان…بعيونٍ مترجية:
– حبيبي متخليش انفعالك يخليك تاخد قرارت تندم عليها طول عمرك وإنتَ بتحلم بالهندسة.
نظر بداخل عين جده وأردف بإصرار:
– كان زمان ياماما دلوقتي لا، قالها بصوتٍ مرتفع..قهقه توفيق بسخريةٍ وأردف:
– ومين اللي هيخليك تعمل كدا ياولد.. دنا من والده ونظر إليه:
– بابا وأنا وغير كدا محدش له سلطة عليا..
نهض توفيق سريعًا يحاول الفتك به ولكن توقَّف أسعد أمام والده:
– بابا لو سمحت حضرتك بتعمل إيه؟.. حضرتك شايف إن راكان طفل علشان تضربه..
– لا متخافش من الحتة دي يابابا لأن جدي قام بالواجب وزيادة..أنا مش هدخل هندسة ودا آخر كلامي..قالها ثم اتجه يقبِّل رأس والدته يطالع ملامحها الحزينة بأسف:
– سامحيني نوع الكلية مش تقييم للإنسان ياماما..تقييم الإنسان بنجاحه اللي بيوصله..قالها ثم تحرك للأعلى..
خرج من ذكرياته وتلألأ الدمع بعينيه، وقف سريعًا متجهًا لشرفة الغرفة وأخرج تبغه ينفثه بدخانِ غضبه الماثل بصدره.
❈-❈-❈
جلست ليلى مع زميلتها وزميلها عامر وبدأو يتحدَّثون عن التصميم ويطبِّقون الملاحظات..ابتسم عامر على ذكائها:
– فعلًا ليكي حق يادكتورة إنِّك ماتحبيش شغل الجامعات…
أمسكت قلمها وبدأت ترسم خطوطًا عريضةً وتتحدث وهي تعمل:
– لو اشتغلت في الجامعة هفضل دكتورة بدرس للطلبة من غير تجديد…رفعت نظرها له وأردفت مفسِّرة:
– يعني روتين ممِّل…أما شغلي الحر دا بيحبِّ الإبداع والتغيير..وكمان ممكن أدرس حاجات كتيرة وأطبَّقها فهمتني؟..
صفَّق بيديه وأردف يهنِّئها بسخاء:
-برافو ياليلى..اقترب وهمس لها:
تسمحيلي أقولك ياليلى بدون ألقاب؟..
قاطعهم سليم:
-عامر شوف التصميم دا وراجعه كويس مع نورسين..
أومأ عامر برأسه وخرج وهو ينظر لليلى:
– هستناكي في مكتبي.
استغربت حديث عامر…ورغم ذلك نظرت لبعضِ الأوراق التي تُوضع أمامها،
كان يقف بجوار النافذة يراقب مايحدث مرَّةً وينظر لمرور المارة بالخارج…وهو ينفث تبغه..سالت قطرةُ ضعفٍ من عينيه على ذكرياته المؤلمة..رفعت نظرها إليه وكأنَّها ترسمه بملامحها..
شخصًا هادئًا بملامحٍ غامضة..ملامحَ يكسوها الوجوم..ملامحٌ ثابتةٌ جامدةٌ على عكس طلَّته الجذابة…شعره الناعم الغزير مع لحيته…ولون عينيهِ التي تتغيَّر بتغيُّر ملامح وجهه…اقتربت نورسين منه وهي تضع يديها على ذراعه:
– الشركة نوَّرت ياراكان..مصدَّقتش لما يونس قال إنَّك هتنزل وكمان تستلم الشغل.
التزم صمته وهو ينظر للخارج..أمَّا هي فقد راق لها التقرُّب منه والتلذُّذ بملامحه الرجولية التي تتميَّز بوسامتها…رفعت كفيها تلامس وجنتيه،
تراجع للخلف وهو يرمقها شزرًا:
– اتجننتي إحنا في المكتب بين الموظفين، توسَّعت ابتسامتها:
-سعيدة أوي بوجودك ياراكان بجد.
رفع حاجبه ورسم بسمة سخرية:
-أفهم من كدا إنك مبسوطة من وجودي؟…اقتربت وطوَّقت ذراعه وهي تقترب منه حتى أصبح لا يفصل بينهما إنشًا واحدًا:
– أوي ياراكان إنتَ عارف أنا بتمنى كدا من زمان.
مطَّ شفتيه للأمام وناظرها بهدوئه الغامض، ثم رفع يديه يزيح خصلاتها المتمردة من على كتفها:
– هنشوف يانور…قعدتي في الشغل هتعمل إيه..
تحركت ليلى متجهةً إلى سليم عندما أشار بيديه إليها:
-شوفي المنتجع دا عايزه عالمي…حاجة تخصِّ اسم البنداري…
أمسكت بعض المساحات التي عرضها سليم أمامها:
– تمام هشوف الباشمهندس عامر ونشتغل عليه…قاطعهما راكان ونورسين:
– سليم أنا هروح على المكتب، بس بلاش شغلك إنتَ ويونس وتلمولي شغل الشركة كله وتعملوا عليا خبراء،
جذب التصميم من يد ليلى:
دا بتاع نورسين مش كدا؟ اتَّجهت نورسين له وابتسمت ثم تحدَّثت بفخر:
-والله، ماهو إنتَ عارف أهو..
-شوف ياسليم التصميم دا مش عاجب أخوك بتاع القانون..ثم توقّّفت تنظر له وأردفت:
– إنتَ عرفت إزاي صحيح؟..دا من بين تصاميم كتير.
تحرَّك وهو يتحدث:
– نور أنا مش مجرد كرسي بتفرَّج على الموظفين، عارف كل واحد بيعمل إيه… أوقفه سليم:
– استنى ياراكان..لسة بيظبَّطوا لك المكتب مكنتش عامل حسابي إنَّك هتداوم النهاردة..خليك معايا هنا لحدِّ مايخلصو..
جذب مقعدًا بجوار سليم وجلس دون حديث.
دلف المهندس المختصِّ بالتنفيذ:
– مهندسة ليلى ممكن حضرتك تيجي نتناقش في التصميم؟..
أشار له سليم:
-تعالَ هنا ياآسر نراجع مع بعض… علشان من أول الأسبوع نبدأ التنفيذ..
جلس آسر وبدأ يعترض على بعض النقاط…اتَّجه سليم بالنظر اليهم:
-بعدين نشوف أنا تعبت…اعتذرت ليلى:
– لازم نخلص مش معقول تصميم الانتهاء هياخد أكتر من شهر..
كان يطالعها بعمق..
– فتاة ذكية منمَّقة بعملها…حاصلة على أعلى الدرجات…واثقة بنفسها بدرجةٍ عالية، أسلوبها وحديثها وإقناع الغير بوجهةِ نظرها بطريقةٍ سلسة..ناهيك عن حجابها الذي أعطاها هالة من النور… قطعَ شروده بها عندما تحدَّث آسر:
-ليلى عندها حق..رفع بصره لإيمي المهندسة الأخرى: ممكن ناخد ريست ونكمِّل..
وصل يونس إلى مكتب سليم وهو يرمق ليلى:
– سليم أنا ماشي..عندي عمليات كتيرة وماليش في جوِّ العكننة دا..
قالها ومازالت نظراته مثبَّتة على ليلى..
-استنى يايونس فيه موضوع مهم لازم نتكلِّم فيه..
قطب جبينه وتساءل:
– هتتأخَّروا يعني…رفع نظره لساعته:
– نصِّ ساعة بالكتيير..تنهَّد ثم جلس بجوارهم وهم يتناقشون، انتبه يونس لحديث ليلى فابتسم وتحدث:
– بقولك يا…قالها يونس وهو يطالعها بهدوء، رمقته ليلى باستخفاف وأجابته:
-“اسمي ليلى”
طيب يابشمهندسة ليلى ممكن تبعتي التصاميم لمكتب المهندس التنفيذي وسليم هيتعامل؛ وزي ماقولتي مش معقول هنفضل علشان حتة انتهاء من تصميم اليوم كلُّه غير إنِّي جوعت والله… أنا بقول نطلب بيتزا إيطالي…وأقعد أكلها هنا معاكم وأسكِّ على العمليات النهاردة.
❈-❈-❈
في الجامعة وخاصةً كلية الهندسة:
-خرجت من المدرج مع صديقتها أروى:
الحمد لله كنت خايفة أوي من موضوع عدي البنداري، لولا دكتور نور ربنا يباركله يارب أنقذني…وطبعًا ليلى شغالة عندهم ربنا يستر..واحد مستفز، لازم أروح أشكر دكتور نور..
ضحكت أروى مازحة:
– ليكون معجب ياغزال…لكمتها بكتفها:
– عيب ياأروى ماتقوليش كدا مهما كان دا دكتور..اتَّجهت الفتيات إلى الكافتيريا وطلبا مشروبهما الذي هو عبارة عن قهوةٍ سريعةِ التحضير الكابتشينو،
اتَّجهت مها وهي طالبة من فرقتهما:
– أهلاً يادرة عاملة إيه؟..سمعت عنِّك كل خير النهاردة.
رفعت درة نظارتها الطبية وتحدثت:
– “فيه إيه يامها مالك ؟”
جلست أمامها واضعةً ساقًا فوق الأخرى:
إلَّا نور يادرة…سبتلك شباب الدفعة كلُّهم وبما فيهم عدي البنداري..
ضيَّقت درة عينيها ونظرت لأروى رافعةً أكتافها:
-مالها دي ومين نور دا…؟!!
وقفت مها مرتديةً حقيبتها:
-متستهبليش يادرة مش علشان إنتي حلوة شوية تتغرِّي بنفسك فيه أكتر منك حلاوة ياقلبي..أنا بحذَّر مرة واحدة.. شاوووو…
في شركة البنداري:
اتَّجه راكان إليهم بعد ساعتين..بعد تركهم وذهابه لعمله بمكتبه… ذُهل من استمرار عملهم…
-سليم لسة كتير؟
أشار سليم بالجلوس وهو مازال يتحدث بالعمل، جذب المقعد وجلس بجوارها…ارتفع صدرها بشهيقٍ طويلٍ من قربه ورائحته، أنفاسه الممزوجة بتبغه وعطرهِ الذي تسلَّل لرئتيها حتى منعت تنفسها..
-شوف ياسليم الوقت واحسب عليه وحوِّل الشغل كمجموعة بلاش الفردية دي…أنا شايف كلِّ مهندس شغال على حدة..
كانت ترمقه بين الحين والحين بنظراتها التقييمية..فأجابت على كلماته وهي تنظر لسليم:
– حضرتك كلِّ اتنين شغالين على تصميم معين.
نظر إليها صامتًا وانتظر حديث سليم:
-إحنا يعتبر تقريبًا خلصنا ياراكان.
نهضت تضع التصميم أمام سليم، فكانت قريبةً منه حتى لامست ثيابها وجهه:
– أنا خلصت شغلي المطلوب حاليًا، وممكن أكمِّل الباقي في البيت ياباشمهندس، حضراتكم ممكن تشوفوا المناسب..
تدخَّل آسر:
-خلاص ياليلى…إنتي خلَّصتي الجزء الأكبر وأنا ممكن أساعدك الباقي في البيت.. وهخلِّي عامر يراجع بتاع المهندسة نورسين..
نهضت وهي تلملمُ أشياءها..عندما أذن سليم إليهم بالانصراف..تحرَّكت ولكنها نسيت هاتفها بجوارهِ على الطاولة..تسمَّرت فجأة:
– “ليلى” قالها راكان..متجهًا بنظره وهو يرفع يده بهاتفها…فتحرَّكت إليه ونبضاتها تتخبَّط بعنفٍ بين ضلوعها وكأنَّ قلبها سيخرج من صدرها، جذبت الهاتف من يدهِ وأردفت:
– شكرا لحضرتك يافندم…أومأ برأسه دون حديث.
كان سليم جالسًا على مكتبه وهو يرمق يونس بنظراته الغامضة:
– هتفضل هلَّاس لحدِّ إمتى؟..مالك ومال ليلى!!
غمز بعينيهِ لسليم واتجه بجوار راكان يربت على ساقه:
-نوَّرت الشركة والدنيا كلها ياراكي إنما مقولتليش:
– إيه رأيك في الشغل ياحضرة المستشار؟..
رمقه سليم بغيظٍ عندما تجاهل سؤاله..
رجع راكان برأسه للمقعد وأغمض عينيه:
-أنا بزهق بسرعة من شغلكم دا…دلف العامل بقهوتهم:
-وضع القهوة وقال:
المهندس آسر بيقول لحضرتك هيخلَّص الشغل بتاع المهندسة ليلى..وهيبعته لحضرتك.
عند آسما بالمزرعة:
كانت تتحرَّك بين الخيول هي والدكتورة البيطرية عاليا ويتحدثون عن احتياجاتهم، توقَّفت أسما عندما استمعت إلى رنين هاتفها..ابتسمت حينما وجدتها ليلى:
– لولة حبيبتي وحشتيني أوي، كدا من يوم حفلة نوح ماتقبلناش..كانت ليلى تستقلُّ سيارة أجرة عائدةً لمنزلها:
– وإنتي كمان ياأسومة وحشتيني أوي.. آسفة ياباشمهندسة..وقتي بقى ضيَّق بس وعد هحاول أعمل أجازة و أقضيه كله في المزرعة، وأهو أقعد مع نوح شوية..
سحبت نفسًا طويلًا وزفرته ثمَّ تحدثت:
-أسما أنا قابلته النهاردة..قطبت أسما حاحبها وأردفت متسائلة:
– هوَّ مين دا اللي قابلتيه ياليلى؟..
نطقت بصوتٍ ممزوجٍ بمشاعرها التي جاهدت طويلًا لدفنها بداخلها:
-“راكان”ياأسما اتقابلنا النهاردة.
الفصل الثالث
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم ردني إليك ردا جميلا.. وجملني بقلبا رحيما
أيتها العازفة على أوتار الروح
رفقًا بقلب فى صمته بوح
رفقًا بعيون فى عيناكى تسرح
رفقًا بصوت
من كثرة الصراخ باح
يا أيتها العازفة
على أوتار الروح
رفقًا بعاشق متيم بالروح
❈-❈-❈
أغلقت الهاتف مع أسما وترجلت من سيارة الأجرة عندما وصلت لمنزلها… دلفت وذكرياته تصفع قلبها الضعيف بقوة.. حقًا هل قلبها تعلق به لهذه الدرجة!!كيف ستتعامل معه.. أغمضت عيناها بإرهاقا
.. كيف أوصلها لتلك المرحلة..؟ بدأت تحدث عقلها كفى أيها الغبي.. هو الذي لم يتذكرنا… دلفت عندما فتحت والدتها باب المنزل.. ابتسمت إليها
– حمدالله على سلامتك حبيبتي.. قبّلت والدتها وأرسلت ابتسامة من عينيها لتشعر والدتها إنها على مايرام
– الله يسلمك ياست الكل.. ياله بنتك واقعة من الجوع عايزة آكل وأخم نوم قد البحر
ربتت والدتها على ظهرها وحثتها على الدخول
– طيب يالولة ادخلي غيري وصلي العصر هكون جهزت السفرة.. وكان كريم وصل كمان… أومأت بالموافقة وتحركت سريعا لغرفتها هروبا من والدتها كي لا تفحص عينيها عما تشعر به
بعد قليل إنتهت من طعامها واتجهت لغرفتها تجلس بالشرفة على طاولةدائرية وتضع بعد الأوراق الخاصة بشغلها… دلفت والدتها وقطبت جبينها متسائلة
– ليلى مش كنتي بتقولي هتنامي يابنتي.. إيه هتشتغلي كمان في البيت!!
وضعت خديها على كفيها وهي ترمق المخطوطات أمامها ثم تحدثت بصوتها الرقيق:
– مشروعي أتقبل ياست الكل.. وأنا عايزة أكون قده.. فبالتالي لازم أخلصه وأسلمه في ميعاده
مسحت على وجهها ورفعت بصرها لوالدتها
– لو ينفع ياست الكل فنجان قهوة تقيل.. يظبط مخوخ بنتك
مسدت على خصلاتها بحنو بالغ وأردفت
– ربنا يقويكي يابنتي.. وأحلى فنجان قهوة لأجمل مهندسة
رفعت يد والدتها وقبلتها وأجابتها بلمعة سعادة من عينيها:
– ربنا يخليكي ليا ياست الكل ودايما تدعيلي كدا.. ادعيلي ياأمي دايما
ضمت رأسها ومازالت تمسد على خصلاتها
– ربنا يريح قلبك ويسعدك ياليلى يابنت سمية يارب.. أمنت على دعاء والدتها التي تحركت للخارج
تلألأت عبراتها بعينيها وهي تردف لنفسها
– يارب ياماما يريح قلبي اللي مش مريحني دا… ضغطت على جفنيها بقوة
– وبعدهالك ياراكان بعد الشهور دي كلها.. وبعد ماأتقلمت على نسيانك ترجع تهد كياني ليه وتشغل عقلي ليه؟
اتجهت بأنظارها للخارج وتذكرت ذاك اليوم
فلاش باك
وصلت قسم الشرطة بصحبة آسر أبن عمها ودموعها تتساقط عبر وجنتيها كالشلال
وقفت أمام الضابط المسؤل في ذاك الوقت
– لو سمحت عايزة أعرف بابا فين
نهض الضابط مضيقًا عيناه فتسائل:
– إنتِ بتسألي على مين… قاطعه آسر عندما أردف:
– الشرطة من ساعتين قبضوا على واحد اسمه عاصم المحجوب بتهمة الأختلاس وعرفنا أنه هنا
أومأ الضابط برأسه ثم تحدث:
– آه دا شكله مزقوق عليه من ناس واصلة.. ياريت تجيبوله محامي كويس.. أصله دخل على وكيل النيابة على طول
قطب آسر حاجبيه وتسائل
– ممكن توضح أكتر… جلس الضابط وهو ينادي على المسؤل عن مكتبه (العسكري)
– ياعسكري.. دلف أحدهم فأشار الضابط على ليلى وآسر
– وديهم مكتب وكيل النيابة يابني.. في قضية الراجل المغتلس
أرتجفت أوصالها من حديث الضابط ووصف والدها بالمغتلس
تحركت سريعا خلف الشرطي إلى أن وصلت الغرفة المنشودة… فأشار الشرطي:
– دا مكتب وكيل النيابة.. وقت مايخلصوا هيطلعوا.. خليكوا هنا
تحركت ليلى متجهة لباب المكتب.. جذبها آسر قائلًا:
– ليلى بلاش تهور.. استني نشوف إيه اللي هيحصل.. .. إستني نشوف مين وكيل النيابة.. وأنا هكلم صاحبي ممكن يدخل ونعرف المشكلة
قاطعهم خروج والدها وتُوضع بيديه السلاسل الحديدية.. أسرعت إليه وهي تضمه وتبكي بنشيج وقلب محترق بابا:
– بابا حبيبي.. إيه اللي حصل ومين اللي عمل كدا.. جذبه الشرطي
– إتحرك يامتهم يلا… بكت ليلى وهي تجذب والدها.. وصاحت بغضب مرتفع:
– بابا مش متهم.. وأبعد ايدك عنه.. قالتها بقهر… رفع آسر نظره للعسكري
– “مين وكيل النيابة هنا ؟ ”
– المستشار راكان البنداري هذا ماقاله الشرطي… ضمت ليلى والدها وظلت تبكي وتدفع العسكري.. حاول آسر التحدث مع العسكري ولكنه جذب والدها بعنف.. صرخت ليلى:
– بابا مش هسبهم ياخدوك.. ربت على ظهرها وأردف بنبرة حنونة:
– حبيبتي ماتخافيش أنا كويس.. روحي وطمني ماما زمانها قلقانة.. والسكر بتاعها علي عليها
هزت رأسها بالرفض وبدأت تصرخ في وجه الشرطي
– سيب بابا.. بابا مظلوم.. دفعت الشرطي من أمامها بقوة وهي تصيح بغضب:
– بابا حبيبي مين اللي عمل فيك كدا
أدى صوت صراخها إلى خروج راكان وهو يتسائل بغضب:
– إيه اللي بيحصل هنا.. إيه الدوشة دي؟
أسرعت ليلى إليه وهي تزيل دموعها بكف يديها كالأطفال:
– لو سمحت يافندم بابا برئ… بابا مستحيل يعمل كدا
طالعها بغموض وتسائل:
– إنتِ مين وباباكِ مين..؟ أسرعت لوالدها.. وهي تجذبه ناحية راكان ودموعها مازالت تتساقط بقوة…
رفعت بصرها إليه وتحدثت بعيونا راجية
– والله بابا مظلوم.. عمره مايعمل كدا
عقد حاجبيه وتحدث :
– آه قولتيلي بابا مظلوم.. آشار للعسكري
– خده على الحجز.. هو أي حد يعيط شويةوينزل دموع التماسيح توقفله…دا متهم والقانون هيحاسبه على جريمته اتحرك
توسعت بؤبوتها وهي تنظر إليه بسخط.. تحركت إلى ان تقلصت المسافة بينهما وهي ترمقه بإزدراء
– لا يافندم مش كل واحد يعيط يبقى مظلوم.. ولو تفكر أنا بستعطفك بدموعي تبقى غلطان
بنبرة مختنقة تحدثت :
– أنا ابويا أشرف راجل في الدنيا.. مش محتاج دموع التماسيح اللي حضرتك بتقول عليها
صمتت برهة ثم اكملت:
– مش مستنية رأي حضرتك في أبويا علشان تقول عليه متهم
في تلك الأثناء وصل نوح إليهم..
– ليلى ايه اللي حصل؟ رفع بصره لراكان اتجه إليه ليسلم عليه… ثم تحدث :
– فيه إيه!! وايه تهمة عمو عاصم ياراكان…
قطب راكان حاجبيه وتسائل؟
– أنت تعرفه.. دا متهم بالاختلاس في الشركة اللي بيعمل فيها… اسرعت ليلى إليه وبدأت تصيح كالمجنونة
– حضرتك ليه مُصر تقنع نفسك واللي قدامك إن بابا متهم.. . بابا انضف واحد.. ومستحيل يقبل على نفسه يأكلنا بقرش حرام…
مسحت دموعها بغضب لتساقطها أمامه وأكملت:
– مش من حق حضرتك تقول عليه متهم غير لما تتحقق.. مش كل بلاغ نرمي الناس بيه بالباطل ياحضرة النايب.. قالتها بعيون حزينة
وضع يديه بجيب بنطاله وهو يطالعها بهدوء:
– وطي صوتك.. أنا مقدر حالتك.. لكن والدك حرامي
-اخرس… قالتها بضجر…آهات ملتاعة صاحبتها نبرة مرتعشة وعينيها تطلق شرزا..
-اتجننتي يابت، أنا ممكن احبسك دلوقتي.. طالعها نوح بآسى، فاقتربت منه معتذرة:
– انا آسفة بس بقول لحضرتك لو سمحت بلاش تظلم بابا..
-ابوكي قدامي متهم دا اللي اعرفه
طالعته قائلة :
– إنت تبعهم.. ماهو اكيد تبعهم
توقف نوح أمامها عندما وجد حالتها:
– ليلى اهدي..دي نيابة..اتمالكي أعصابك لو سمحتي…
قالها نوح بنظرة رجاء من عينيه ثم هز رأسه:
أنا هعرف إيه اللي بيحصل تمام .. ممكن تهدي..
رفعت يديها نحوه وصاحت بغضب
– أهدى إزاي يانوح وهو عمال يقول بابا حرامي.. يعرف إيه عن أبويا علشان يقول عليه كدا… هو علشان وكيل نيابة يدوس على خلق الله بالباطل
❈-❈-❈
توهجت عينيه قائلاً بغضب ولهجة صارمة
– صوتك.. يابنت.. أبوكي هنا متهم
تحركت بغضب وهي تكاد أن تقبض على عنقه حتى لم ولن يتفوه بكلماته القاتلة لقلبها … جذبها نوح وحاول تهدئتها
– وبعدين ياليلى؟
نظرت بعيناها الباكية وتحدثت بصوتا باكي:
– انت ممكن تصدق يانوح إن بابا حرامي.. بابا مستحيل يعمل كدا.. تلاقي حضرة النايب تبعهم.. لكن ماتخافش ياحضرة المستشار
– لينا ربنا أحسن منك ومن غيرك.. وأنا هعرف اطلع أبوي
دلف راكان لمكتبه وهو يصيح بغضب
– البنت دي لو مابطلتش تصرخ وقفلت بوقها هحبسها.. نوح سكتها يااما خليها تمشي من هنا.. قالها مزمجرا بغضب
هز نوح رأسه بالرفض من أفعال ليلى… فجذب كفيها وأجلسها.. وطلب كوباً من المياه وحاول تهدئتها:
– ليلى ممكن تهدي.. أنا أوعدك والدك مش هيبات في الحجز.. هدخل أشوف راكان وهطلعلك
نظرت إليه بأمل وبعيون مترجية:
– نوح بابا ممكن يحصله حاجة لو بات هنا.. إنت أكيد مصدق أنه مش كدا
رفع بصره إلى آسر الصامت يشير عليها:
– خليك معاها.. وأنا هدخل أشوف راكان
أومأ رأسه بالموافقة..
بداخل المكتب.. دلف نوح ووجده عيناه كالحمم البركانية وأشار ليه هادرًا بغضب:
– إيه البنت قليلة الإحترام دي..ازاي تعلي صوتها كدا وحياة ربنا لولا وجودك لكنت حبستها
تبسم نوح وهو يرمقه بنظراته المستعطفة
– ايه ياحضرة النايب أول مرة تشوف بنت كدا… المهم سيبك من ليلى
– إيه موضوع الاختلاس دا… الراجل دا عمره مايعمل كدا
اشعل تبغه وبدأ ينفثه بهدوء ناظرا لنوح
– تعرفه منين يانوح… مسح نوح على رأسه وأرجع خصلاته بغضب من برود صديقه
– راكان متهزرش.. بلاش برودك دلوقتي وقولي الراجل دا اتحبس ليه!!
سند بذراعيه على المكتب وهو يرمق نوح:
– علشان حرامي ومتسمعش كلام البنت اللي برة دي.. ودلوقتي هتقولي إيه علاقتك بالراجل الحرامي دا؟
هب نوح كالملسوع ولوح بيده
– على مهلك ياحضرة المستشار.. دا بيكون جوز خالتو.. يعني عِشرة سنين.. والراجل دا هو اللي مربيني.. فأكيد البلاغ كيدي
رجع بظهره على المقعد وتحدث بإبانة:
– نوح الشهود كلها شهدت أنه سرق فلوس خزنة الشركة .. غير الكاميرا مصوراه وهو بيدخل المكتب
ظل نوح يزرع المكتب ذهابا. وإيابا ثم تحدث مستطرداً
– مستحيل ياراكان.. عايزة أقولك إنك تشك فيا أما عمو عاصم بعيد عن الشبهات …تنهد براحة ثم إتجه و
جلس أمامه قائلًا:
– أكيد فيه حاجة غلط.. دور عليها وأنا بأكدلك على ضمانتي إن الراجل دا برئ
زفر بإختناق وتحدث
– يابني بقولك التهمة لابساه… أمال نوح بجسده ساندا بذراعيه على المكتب
– الراجل دا أضمنه برقبتي ياراكان.. اكيد حد مزقوق عليه.. فأنت من واجبك تدور عليها ياصاحبي يابتاع القانون
أومأ برأسه وتحدث قائلا
– حاضر هدور ورا الشهود.. وأراجع… كدا أرتحت.. ليه بتحسسني انا اللي عمله قضية… تنهد وأكمل:
أكيد إنت عارفني مستحيل أقبل بالظلم..نفس تبغه ثم تذكر شيئا فتحدث:
– البنت بنته دي مستحيل تكون عاقلة إيه دي عاملة زي القطر.. يخربيتها خرجتني عن شعوري وكل شوية بابا مظلوم
ابتسم نوح وأجابه معترضًا:
– ليلى دي سكرة يابني.. بس هي حزينة واتعصبت علشان والدها.. متزعلش منها أمسحها فيّا
جز على فكيه اغتياظا
– امسح فيك ايه يابني آدم.. ماهو لولاك كانت زمانها مرمية في السجن
أتسعت ابتسامة نوح وهو يغمز بعينيه
– من إمتى الحنية ياحنين.. دا إحنا دافنينه سوا.. ولا يمكن العصفور بيطير حوالين القفص..
انفجر راكان ضاحكا ثم دنى منه
– عصافيري كتير ووقت ماازهق هعرفك ياقط..
ضرب نوح يديه ببعضهما وأشار بيديه
– طيب دا اقوله ايه هو انا في ايه ولا في ايه.. الراجل محبوس بتهمة خطيرة يابني
سحب نفسا وهو يطالعه بهدوء
– طلب اخير ياصاحبي.. قهقهه راكان وتحدث
– مش هينفع.. دا ضد مبادئ.. لازم يبات في الحجز.. وأنا أوعدك هباشر القضية بنفسي وأسهر عليها
هز رأسه بالرفض:
– مستحيل ياراكان اخلي الراجل دا يبات مع المجرمين.. وعد مني هجبهولك الصبح
زفر راكان بغضب.. وبدأ ينقر على مكتبه ثم رفع بصره إلى نوح:
– أنا ممكن اخدمك أنه يبات في مكتب الظابط غير كدا ماوعدكش ياصاحبي.. صعب والله صعب انه يخرج علشان الدلايل كلها ضده
– أنا كلمت حمزة وهو زمانه على وصول.. إنت عارف انه هيعرف يتصرف اكتر مني
– ألتوت زواية فمه بعبث ثم تحدث وهو يرمقه:
– دا الموضوع مش مجرد جوز خالتك.. أي هو إحنا سبنا أسما ومسكنا في القطر اللي برة
شهق حمزة وهو يطالعه بصدمة
– يخربيتك إنت قصدك إيه.. ليلى زي اختي يَلاَ لا دا بقيت صعب لا تحتمل
– خلاص هو انا غلطت في البخاري.. شكيت في إهتمامك.. أنا الأول وبعدين حمزة فقولت يمكن الموضوع فيه إن
إنزعج نوح من كلماته فأجابه:
– لا إن ولا كان قالها متحركا للخارج متجها إلى ليلى… توقف لدى باب المكتب واتجه بأنظاره إلى راكان
– طيب خليهم يجيبوه علشان بنته تقعد معاه شوية.. وخليه زي ماقولت حرام راجل زي دا يبات مع المجرمين
تحرك بخطواته الهادئة متجها مع نوح للخارج… هرولت ليلى إلى نوح ووزعت نظراتها بينهما
– بابا هيخرج مش كدا يانوح.. إنت وعدتني صح
ربت نوح على كتفها:
– إهدي ياليلى.. بابا كويس وهيجي وتشوفيه.. هو بس هيبات الليلة هنا وبكرة هيروح مش كدا ياراكان
كان راكان يتحدث مع الضابط المسؤل لمبيت عاصم بمكتبه.. تحرك متجها اليهم فوقف أمامها وهو يشير بيديه على نوح
– أنا هعمل معاه واجب علشان نوح مش أكتر.. قالها وهو يتجول بنظراته عليها
قطعت المسافة بينهما بخطوة واحدة ونظرت لمقلتيه:
– لا ياحضرة وكيل النيابة.. متفكرش إنك بتشفق علينا.. حضرتك لو عندك ذرة شك أن والدي متهم مكنتش عملت كدا
ظل يتابعها بعينيه الصقرية الحادة.. كل حركة وحرف يخرج من بين شفتيها يراقبه بتلذذ..
تبسم بمكر وطالعها بشموخه
– غلطانة يا… هز رأسه وهو ينظر لنوح فتحدث بسخرية:
– قولتلي إسمها ايه يانوح.. رفع كفيه يمسد على لحيته وتحدث:
– “ليلى” قالها بتهكم ثم تحرك مغادرا وهو يرمق نوح
– مش هتلاقي وكيل نيابة حنين وطيوب زيي كدا يانوح… أفتكر دا
تهكم نوح مبتسما بسخرية:
– عارف والله!! وصل حمزة بتلك الأثناء يوزع نظراته بينهم.
– فيه إيه يانوح وقضية إيه اللي بتقول عليها دي
رفع بصره للتي تجلس تضع رأسها بين يديها تنتظر والدها ثم اتجه إلى حمزة
– نوح قريبه متهم بالأختلاس ياسيدي وجايبك علشان تجبله البراءة.. رفع يديه يربت على كتفه ثم تحدث متهكما:
– ياله ياحضرة المحامي الشهم وريني شطارتك وقولي إزاي هطلع الحرامي من السجن
هبت فزعة عندما استمعت لحديثه: ووصلت إليه وتحدثت بغضب عارم
– هو ليه حضرتك مش عايز تصدق ان بابا مظلوم.. ليه مُصّر على الظلم.. مش من واجب حضرتك ترد المظالم.. ولا الدنيا اتشقلب حالها وبقيتوا تحكموا بالظلم و خلاص
استدار ورمقها بتهكم كأن كلامها لم يرف له جفن متجاهلاً حديثها تماما.. فاتجه لحمزة وحدثه:
– عرف الأستاذة ياحمزة أننا بنحكم بالدلائل والشهود.. وقولها إن كل الشهود ضد والدها.. مش معقول كلهم ظالمينه قالها وتحرك للخارج
جلست ودموعها تغرق وجنتيها بقوة وهي تتمتم:
– بابا مظلوم… وصل والدها إليها.. بينما اتجه حمزة ونوح لضابط المسؤل للأطلاع على أوراق القضية
❈-❈-❈
بعد ثلاث أيام وتحري حمزة وتحريات راكان وضغطه على الشهود.. جلس عاصم أمام راكان.. فاتجه راكان للكاتب الخاص بكتابة القضايا وتحدث:
– بعد التحقق من الأدلة قررنا نحن وكيل نيابة ( ) راكان أسعد البنداري.. الأفراج عن المدعو.. عاصم سيد المحجوب وذلك بناءا على عدم وجود الأدلة الكافية التي تدينه بهذه التهمة إذ لم يطلب على قضايا أخرى
تبسم عاصم بإرتياح وهو يحمد ربه ناظرا لحمزة:
– شكرا ياأستاذة حمزة.. مش عارف أشكرك إزاي يابني.. ابتسم حمزة بحبور وهو ينظر لراكان:
– الشكر لحضرة المستشار ياأستاذ عاصم هو اللي أدلنا على أول الخيط.. قاطعه راكان متسائلا:
– ليه الراجل دا بيتهمك… دي تهمة كبيرة هنا توقف عاصم وهو يطالع راكان
– معرفش ربنا يهدي عبيده.. أشكرك ياحضرة النايب.. ممكن أخرج علشان بنتي زمانها قلقانة
أومأ برأسه دون حديث.. ولكن تابعه بعيناه حتى خرج… توقف حمزة أمامه
– تفتكر الراجل صاحب الشركة عمل كدا ليه في الراجل دا
مط شفتيه رافعا منكبيه:
– الله وأعلم بس الراجل دا شكله متهدد بحاجة اللي يخليه ساكت كدا ومرديش يقدم بلاغ فيه تعويض على اللي حصله… هنا اقتحمت ليلى الباب وهي تدفع الشرطي الذي يقف أمام الباب
توقفت أمامه تنظر اليه بإزدراء
– شوفت حضرتك بابا طلع برئ مش زي ماكنت بتقول تحت السواهي دواهي.. بيقولوا عليكم بتنصفوا المظاليم وانتوا أكتر ناس بتظلموا
أخذ نفسا من سيجارته ورفع بصره إليها عندما تصاعد غضبه ولكنه تحكم بغضبه عندما جذبها والدها وهو يهز رأسه لراكان
– أسف ياحضرة المستشار.. بنتي لسة صغيرة ومش عارفة حاجة.. قالها والدها وهو يحاول أن يجذبها
انتزعت نفسها من والدها ووقفت تطرق بقوة على مكتبه:
– دلوقتي ممكن تجبلي حق كرامة أبويا والشرطة وخداه وبتعامله كمجرم.. دلوقتي تقدر تجيب كرامتي بين زمايلي في الشغل والكل بيبص إني بنت الحرامي المختلس
هتقدر ترجع وجعنا طول تلات أيام اللي فاتوا وأنا بحاول أقنع حضرتك إن والدي برئ وحضرتك كل اللي بتقوله.. القانون مابيخدش بسيرة الناس إحنا اهم حاجة عندنا دلايل
دنت منه حتى أصبح لا يفصل بينهما سوى سنتيمترات وهي تنظر داخل مقلتيه ثم أردفت:
– إنما ايه أخبار دلايلك ياحضرة المستشار… قالتها بتهكم.. ثم سحبت والدها الذي حاول إيقافها ولكن كأنها صم لا تسمع شيئا
وقف حمزة ونوح الذي وصل للتو أمامها
– آنسة ليلى والدك خرج بفضل سيادة المستشار المفروض تشكريه.. علشان هو اللي وصلنا للدليل الأقوى ولولا الدليل دا مكنش والدك خرج
تنهد حمزة وهو ينظر إلى نوح بهزة من رأسه:
– قولها يانوح لولا مساعدة راكان اللي وصلني للمجرم الحقيقي كان زمان الاستاذ عاصم محبوس
انكمشت ملامح وجهها بإمتعاض ولمعت عيناها بذهول عندما استمعت لحديث نوح فاردفت بين نفسها
– معقول المغرور دا هو السبب في براءة بابا.. هزت رأسها رافضة فاتجهت ببصرها لوالدها.. الذي أطبق على جفنيه وهو يهز رأسه بالموافقة
حل الصمت بالغرفة بينهم للحظات حمحم نوح وهو يرفع حاجبه لليلى:
– اعتذري ياليلى.. قالها هامسا
هنا اعتصرت عينيها بألما ورغم ذلك لم تستدر إليه وضمت ذراع والدها الذي علم بحالة ابنته.. رفع بصره لراكان:
-أنا آسف بناءا عن بنتي ياسيادة المستشار
أومأ برأسه دون حديث
( نهاية الفلاش) خرجت من شرودها عندما أستمعت لرنين هاتفها
– أيوة ياآسر.. لا أنا بشتغل عليه مفيش داعي.. إن شاءلله بكرة هيكون خلصان
باليوم التالي… بمزرعة نوح
صباح لاح بالأفق ليعلن عن شروق شمس جديدة… تستيقظ كعادتها مبكرا.. تقوم بأداء روتينها اليومي من قضاء فريضتها ثم جلست تذكر ربها لبعضا من الوقت
❈-❈-❈
بعد فترة اتجهت بين الحقول تنعش بالهواء المنعش النقي… ظلت تتحرك وتنظر باستمتاع للحقول والطيور التي تغرد في الصباح الباكر إلى أن وصلت لمكانها المعتاد
جلست بوجه يكسوه الحزن عندما تذكرت حديث والدها بالأمس… وضعت يديها على صدرها تحاول أن تتنفس بهدوء… وكأنها تريد البوح عما يعتريها من الآم الماضى
قطع شرودها رنين هاتفها:
– صباح الخير يالي لي… دا الصباح الجميل دا…. على الجانب الاخر أجابتها ليلى
– كنت عارفة هلاقيكي صاحية دلوقتي… عاملة إيه.. معرفتش أكلمك امبارح خلصت التصميم متأخر ونمت ودلوقتي بجهز ونازلة..
أرتسمت أسما إبتسامة هادئة على ملامحها الجميلة فتسائلت بهدوء
– مقولتيش.. عملتي إيه مع راكان.. قالك حاجة
أطبقت ليلى على جفنيها.. ثم سحبت نفسا طويلا وطردته بهدوء
– كنت مفكرة إنه نسي.. ابتسمت وأكملت
– طلع فكرني وبيقولي الأولى تعتذري
ضحكت أسما بصخب فتحدثت متهكمة أنهي اعتذار بالظبط يالولا.. بتاع الحفلة ولا بتاع قسم الشرطة.. معرفش يابنتي حاسة أني هشوف بينكم حب أفلاطوني
هزة عنيفة أصابت عمودها الفقري من حديث أسما.. وشعور بسعادة يدغدغ قلبها لا تعرف لما شعرت بذاك.. ورغم ماأحسته
صاحت بصوت متقطع :
– أسما.. إيه اللي بتقوليه دا.. أنا يوم ماأحب أحب الطاووس دا.. دا عليه غرور يابنتي زي غرور فرعون وهو بيقول أنا ربكم الأعلى… إلهي يعدمه ياشيخة
قهقهت أسما على حديثها.. ثم صمتت فجأة وأردفت:
– بس عيونك مابتقولش كدا ياليلى.. إيه هتخبي على أسما..
اتجهت أسما بأنظارها للحدائق الواسعه تستنشق رائحة الزهور والخضرة بها ثم أكملت حديثها:
– شوفت نظرة إعجاب منك له يوم الحفلة.. على رغم إنك متكلمتؤش بحاجة.. بس شوفت لهفة عيونك عليه.. صمتت للحظات ثم أستطردت ماجعل قلب ليلى يخفق بشدة
– ليلى إيه حكاية راكان البنداري…. أوعي الراجل دا يشدك..انا حاسة إنك معجبة بيه.. حاسة بيكي.. هو يتحب الصراحة.. لكن حياته غير حياتنا.. وأنا حكتلك عنه وعرفتك بنزواته
جلست ليلى على فراشها وهي تضع يديها على صدرها حينما أختلج صدرها بكثيرا من المشاعر المتناقضة حوله.. حب أم كره
ولكن هناك حقيقة حدثها قلبها بها
-“لماذا يخفق هذا القلب بعنف بجانبه..؟ ”
أغمضت عيناها ثم تحدثت بصوت متقطع:
– أسما إتأخرت على الشغل.. هكلمك بعدين
أومأت أسما برأسها دون حديث.. وظلت جالسة بمكانها.. ثم همست لنفسها
– للأسف ياليلى حبه باين في عيونك ياصاحبتي.. ربنا يستر عليكي من القلب المطعون
في الشركة وخاصة بمكتب راكان
كان سليم يجلس بجوار راكان على طاولة دائرية وأمامهم الكثير من الأوراق المتعلقة بالشركة
جذبت نورسين مقعد وجلست بجواره تضع ساقا فوق الاخرى وأضافت بنبرة ذات مغذى تدرك إنها ستنجي ثمارها
– المهندسة الجديدة دي ياسيلم كله بتمسح فيها ليه… وحساها كدا مش كويسة
قاطعها سليم واردف بنبرة حاسمة:
– نورسين متنسيش إنك بتتكلمي عن مهندسة في شركة البنداري وبعدين ليلى مش جديدة ليلى بقالها تمن شهور هنا والكل بيحترمها غير حبهم ليها
عقدت ذراعيها
– اي ياسليم اللي يشوفك يقول إنها عجباك… هنا اعتدل راكان مضيقا عيناه.
– إيه يانور ماسكة البنت من ساعة ماشوفتيها كأنها عدوتك… رفعت حاجبها بسخرية وتحدثت:
– والله مين بيتكلم… روكا حبيبي أنزل يديها من على كتفه ووقف يردف بغضب :
– ميت مرة أقولك بلاش أسلوب الإستهبال دا… وبعدين أنا معرفش إنتِ هتفضلي لحد إمتى كدا… ايه حبيبي دي
قاطعهم سليم :
– ممكن تهدوا مفيش حاجه حصلت لدا كله
دلف يونس بمرحه يوزع نظراته بينهما:
– ازيكم ياولاد البنداري.. جذب مقعد وجلس بجوار نورسين.. ثم ضيق عيناه مالكم انتوا كنتوا بتضربوا بعض وأنا قطعتكم
رمقه راكان بنظرة غاضبة أخرصته… دلفت ليلى بعد السماح لها بالدخول…
عزمت امرها ودلفت حيث مكان جلوسهم..وضعت بعض عملها أمامها سليم على المكتب
– حضرتك دا شغل المهندسة نورسين… طلعت منه بعض الديفوهات… وكمان المهندس عامر…اعترض علي بعض النقط… ودا شغلي المهندس أسر هو اللي راجعه
هبت نورسين متجه لها:
– اتجننتي إنتِ ولا إيه… إنتِ مين علشان تطلعي ديفوهات في تصميماتي… دا انا نورسين النمساوي أكبر مهندسة هنا
❈-❈-❈
تدخل يونس عندما وجد الغضب على وجه سليم … أمسك يديها وتحدث:
– نور تعالي نشرب قهوة فيه موضوع عايزة أخد رأيك
دفعت ذراعه وتحدثت بغضب:
– إيه يايونس إنت مش شايف المهزلة دي… سليم جايب حتة عيلة من برة بتعمل عليا ريسة وبتراجع ورا نورسين النمساوي
كان يجلس يطالعهم بهدوئه غير المعتاد
اتخذت نفسا طويلا تشحن رئيتها باالاكسجين ثم نظرت لها وتحدثت بثقة:
– اولاً حضرتك غلطي فيّا مرتين.. فدا مش مسموح… إنك أهنتيني بعملي الوظيفي بغض النظر أنا قولت إيه عن الشغل اللي مطلوب مني،… ثانيا ودا الأهم
– حضرتك ياريت بدل ماتعلي صوتك وتسمعي الناس كلها عندنا حاجة إسمها ثقافة الحوار… تقولي الغلط بس باسلوب مهذب… ثالثا ودا من عندي ياحضرة البشمهندسة… أنا مش عيلة قدامك أنا مهندسة كبيرة وواعية عندها ستةوعشرين سنة يعني مش عيلة… والعيلة اللي حضرتك بتتريقي عليها دي واخدة دكتوراه في الهندسة يعني من شغلها تراجع ورا اللي بيغلطوا… اتجهت بنظرها إلى سليم
– آسفة حضرتك بس كان لازم أعرف الباشمهندسة إزاي تعرف تتعامل مع اللي قدامها
أمسكتها من ذراعها تحدجها والشرر يتطاير من مقلتيها
– إنتِ اتجننتِ يابت إنتِ… متعرفيش بتتكلمي عن مين… دا إنت لسة مكملتيش غير كام شهر هنا… لا فوقي ياقلبي وأعرفي انك واقفة قدام نورسين النمساوي..اللي بتاخدي مرتبك منها
دنت ليلى منها وتحدثت
– وأنا متنازلة عن المرتب اللي حضرتك بتدهولي نظير تعبي ومجهودي مش صدقة منك..
إقتربت منها نورسين وتطلق إليها نظرات نارية لو تُق,تل لق,تلتها
ثم دفعتها بقوة حتى تسقط على الارض إهانة لها… وتحدثت بنبرة شيطا,نية
– دلوقتي اعرفك إزاي تغلطي في أسيادك
وقف متجها إليهما حين علم بنية نورسين وتلاقها حتى أصبحت بأحضانه بالكامل…
رفعت نظرها للذي حاوطها بذراعيه ورائحته تغزو رئتيها… تقابلت نظراتهما للحظات…
ترنح جسدها وأحست أن ساقيها فقدت القدرة على حملهاو عدم قدرتها على التنفس بسبب رائحته التي ملئت رئتيها اعتدلت سريعا عندما طالعها بنظراته ثم أردف بهدوء ماقبل العاصفة:
– إنتِ كويسة..!!
اومأت براسها بنعم… حمحمت بصوتها حتى يخرج … ثم استجمعت شتات نفسها وقوتها وتحركت للخارج سريعا عندما فقدت قدرتها بالكامل أمامه
اقترب راكان من نورسين وطالعها بغضب:
– إيه اللي كنتِ ناوية تعمليه دا.. ايه قالها بصوتا مرتفع غاضب
فركت يديها وأجابته:
– إنت مسمعتهاش بتقول إيه.. قاطعها سليم وتسائل:
– هي قالت إيه يانور.. ياريت ماتدخليش في موظفيني تاني.. بلاش تخليني أخرج عن شعوري يانور
ابتسمت بتهكم ورفعت حاجبها بسخرية:
– ليه بتحسسوني إني غلطت في كوين ايطاليا.. دي واحدة متساويش
– نوووور.. صرخ بها راكان ورفع بسبابته:
– إهانة للموظفين مش مسموح.. وإنتِ هنا زيك زيها… قاطعهم دلوف ليلى دون الأستئذان
-آسفة يابشمهندس سليم…إتفضل استقالتي حضرتك… المكان اللي إتهان فيه ماينفعش أكمل فيه
دوى صوت ضحكات نورسين الذي انشطر قلب ليلى لاستهزائها
– شوفوا بتعمل إيه مفكرة إننا هنتحايل عليها.. جود باي قاطعها راكان وصاح بغضب عارم
– اعتذري… قالها وهو يرمقها شزرا
جحظت عيناها وتحدثت بغضب:
– تقصد إيه ياراكان…!! عايزني اعتذر، لدي
أخرج تبغه وبدأ يشعل سيجاره
– غلطي يانور ومن الأفضل إنك تعتذري …صرخت بصوتها:
– مستحيل اعتذر من دي… وقف سليم واتجه إلى ليلى :
– أنا آسف ياليلى حقك عليا أنا… ونور مستحيل تتعرضلك بكلمة تانية…
بلغ الغضب دروب راكان بعد فعلة سليم ليقول:
– قولت اعتذري يانور، منها إنت غلطتي
إتجهت له وألقت نفسها بأحضانه
– كدا ياراكان… وأنا اللي فكرت إنك تاخد حق حبيبتك
أخرجها بهدوء ومازال يشير بعينيه قائلًا:
– قولت اعتذري يانور.. مش هعيد كلامي
اتجهت ليلى لباب الغرفة وضعت كفها المرتعش على مقبض الباب لمحاولة الهروب من حصارهم اللعين عليها
إستني عندك… أنا مسمحتش إنك تمشي
قالها راكان عندما ازدادت وتيرة أنفاسه من غضبه… إنتفض جسدها من صوته المرتفع..
تدخل يونس سريعا لفض الاشتباك:
– اهدى ياراكان الموضوع مش مستاهل العصبية دي كلها
– خلاص آسفة ياراكان كدا حلو
الأسف مش ليا يانور إنتِ مغلطيش فيا ولا تقدري تغلطي اصلا
استدارت ليلى بجسدها ونظرت إليه
– وأنا مش محتاجة أسف من حد…
نفث دخان سيجاره بهدوء وتحدث دون النظر إليها:
– مش إنتِ اللي تقولي اعمل إيه.. إنتِ هنا بتشتغلي في شركة البنداري
رفعت سبابتها أمامه… أنا شغالة تحت اشراف الباشمهندس سليم والتعامل معه بس خليها تبعد عني قالتها بحدة… لا تعلم لماذا تفوهت بها
خطى إليها حتى وقف أمامها
– إنتِ مين علشان تعلى صوتك وأنا موجود
بصي يا… مش مهم إسمك إيه.. أنا مبحبش الظلم وهي غلطت وهتتأسف.. وكمان مبحبش أكرر كلامي مرتين…إحنا مش في حصة… وممنوع صوتك يعلى
ارتفعت دقات قلبها وارتجف جسدها عندما رأت نظراته النارية… ساد الصمت للحظات.. ابتلعت غصتها وتحدثت:
– وأنا مستحيل أفضل في شركة زي دي
تدخل سليم لتلطيف الأجواء
– راكان اهدى.. ليلى مهندسة محترمة متقصدش كلامها
ولا تقصد ياسليم فيه هنا قوانين للشغل لازم الكل يلتزم بيها
احتدت نبرة صوتها وهي ترمقه بنظرات غاضبة:
– أنا معرفش حضرتك… ولا … قاطعها
أنا اللي صاحب الشغل اللي حضرتك بتخططيله… وكلامي اللي يتسمع هنا بس …ثم استدار سليم
– إيه ياسليم ماقولتش للمهندسة القوانين اللي مفروض تلتزم بيها وتعرفها إنها ماضية عقود احتكار لشركتنا…
جحظت عيناها من أسلوبه المستفز كما وصفته…
– حضرتك تقصد اي؟
اتجه لمقعده جالسا ينفث تبغه حتى غطى وجه خلف دخانه
– قصدي إنك مينفعش تسيبي الشغل غير بعد تلات سنين دا مبدأي وراجعي على العقد اللي حضرتك مضتيه كويس… أما عن موضوع الإهانة اللي اتكلمتي عنه…فنورسين هعتذر
إتجه بنظره لنورسين فتحدثت نورسين عندما وجدت إصراره:
– آسفة يابشمهندسة قالتها بتحفز
نفخ دخانه ونظر إليها ببرود:
– ودلوقتي على شغلك ومفيش حاجة إسمها استقالة إلا إذا دفعتي الشرط الجزائي… وبلاش شغل البنات بتوع الكرامة دول..
فرت دمعة فوق وجنتيها ببطئ مسحتها سريعا.. ظلت تناظره مدوهشة وهو يبادلها نظراتها باخرى قاتمة
رسمت ابتسامة ساخرة.. عندما تصاعد غضبها حتى أعماها فلم تتمالك نفسها عندما قالت :
– تمام يا… معرفش إسمك إيه…. قالتها ثم خرجت صافعة الباب خلفها بقوة
جحظت اعين يونس وسليم اللذان كانا يجلسان صامتين منذ نشب الخلاف
في فيلا خالد البنداري
تستلقى سارة على فراشها عارية ولا يسترها سوى شرشف خفيف… وتقوم عاملة المساچ بتدليك جسدها… اغمضت عيناها وهي تتحدث بالهاتف مع ابنة عمها سلمى
– وبعدين ياسلمى أخوكي هيفضل سايق عليا الدلال لحد إمتى… مش قولتي هساعدك
نفخت سلمى وجنتيها بضجر…
-ماهو انتِ عارفة يونس أكتر مني ياسارة.. صرخت عندما ضغطت العاملة على جسدها
اه.. براحة ياحمارة
أجابتها سلمى هي مين دي اللي حمارة ياابلة سارة:
ضحكت سارة بسخرية:
– مش قصدي عليكي ياهبلة قصدي على بتاعة المساج دي
وقفت مسرعة متجه لباب غرفتها
– عندك بتاعة المساج متخلهاش تمشي لما اجيلك محتاجها تمام… ثم أغلقت الهاتف
ضيقت سارة عيناها وتسائلت:
– هي مالها المجنونة دي ومن إمتى وهي بتهتم بالمساج.. نظرت للعاملة…
– اشتغلي حلو جايلك زبونة جديدة
❈-❈-❈
في شركة البنداري:
ظل يجوب المكتب ذهابا وايابا كلما تذكر نظراتها.. يصل الغضب والحنق بين طياته… ضغط على قبضته بغضب حتى أبيضت مفاصلها
– انا يتقالي ياا…
مسح على وجهه بغضب وهو ينظر شرزا ليونس الذي رفع يديه متهكما من حالته
– ابعد عني يايونس هولع فيك… ولا أقولك أنا هسبهالك على بعضها
خرج من مكتب أخيه وكأن شيطانيه تتطارده… وجدها تجلس مع آسر وتضحك وكأن لم يحدث شيئا
تصاعد غضبه حتى أسودت عيناه ولكنه تحكم بنفسه بصعوبة… واتجه لجلستهم
– ايه اطلبلكم حاجة ساقعة تطري القاعدة..
وقف أسر وحمحم حتى يخرج صوته:
– إحنا خلصنا ومستنين الباشهمندس سليم
فتحت حقيبتها وأمسكت هاتفها كأن الذي أمامها لم يكن:
– ايوة يادرة… لا حبيبتي كويسة… تمام نص ساعة وعدي عليا
استشاط داخله من طريقتها المستفزة وأردف ببرود ليحرق روحها
– عندنا شغل لأربع ساعات قدام… مفيش خروج دلوقتي… وياريت تشوفي شغلك بدل ماقاعدة تضحكي مع دا ودا
بنفس ملامحها الهادئة ونبرتها المتزنة أجابته:
– لو حضرتك شايفني مقصرة في شغلي ممكن تمشيني من الشغل…
قالتها ثم حملت أشيائها متجه للخارج
– آسر بلغ الباشمهندس سليم إني خلصت شغلي زي مااتفقنا وسلمه المشروع… ثم رفعت نظرها للواقف يضع يديه بجيب بنطاله وينظر لها بملامح غامضة:
– لو حضرتك خلصت إهانة ممكن أمشي.. قالتها متحركة للخارج
اخترقت كلماتها التي أشعلت بجوفه نيران التحدي أعماقه ليهدر بحدة:
– استني عندك أنا مش لسة قايل قدامنا أربع ساعات شغل… وصل يونس وسليم في تلك الاثناء
– في ايه ياراكان مالك..؟
اخرجت زفرة حادة من جوفها علها تهدأ من روعها حتى لا تغضب احدهم… اتجهت بنظرها لسليم
– فيه لسة حاجة مطلوبة مني يابشمهندس
أشار بيديه إتجاه الباب:
– لا ياليلى ممكن تمشي دلوقتي
في فيلا جلال البنداري
تجلس فريال بجوار الجد توفيق
– يعني أي ياعمي هتسبنا وتروح تقعد عند أسعد
كانت ملامحه قاسية ونظراته غاضبه… تحدث إلى فريال
– فريال لازم أوقف راكان عند حده… الولد أبوه سايبه يطيح في الكل
يعني هتقدر تقعد عند زينب وعيالها ياعمي
ضرب بعصاه على الارض وتحدث بغضب :
– أنا هقعد في بيت ابني محدش له عندي حاجة
امتقع لونها بشده وانسحبت الدماء من اوردتها وبدأت تهمهم
– خايفة تروح هناك وزينب تضحك عليك بسهوكتها اللي خلت اسعد يسيب الدنيا كلها علشان… خايفة تنسى ابنك محمود الله يرحمه اللي هي السبب في موته
صباح يوم جديد
كانت تجلس بحديقة منزلهم.. وتقوم برياضة اليوجا.. جلست وهي مغمضة العينين تضع يديها على ساقيها… وصل وجلس بجوارها يرسم ملامحها الجميلة بعينيه.. خصلاتها تتطاير بفعل الرياح دنى يستنشق رائحتها طاردا زفيره.. عندما تسللت رائحتها التي تشبه رائحة الأطفال رئتيه… استنشقت رائحة تحفظها جيدا ففتحت عيناها سريعا تنظر للذي يجلس بجوارها
اقترب بجوارها للحد الغير مسموح وهمس بصوته الرجولي
– بتاخدي العقل ياسيلين.. بتخلي قلبي عايز يطلع من صدري.. رفع خصلاتها التي تطير على وجهها وقربها لأنفه
– بموت في ريحة شعرك بتفكرني لما كنتي طفلة وكنتي بتنامي في حضني فاكرة الأيام دي ولا نستيها
رجفة قوية مرت بسائر جسدها فهزتها من اقترابه وتناست العالم من حولها حتى أصبح هو عالمها الوحيد.. ابتسمت بحبور من كلماته
– لسة فاكر الأيام دي يايونس.. وضع كفيه على وجنتيها يلامس نعومتها التي أرسلت إليه قشعريرة لذيذة
– عمري ماأنسيت حاجة تخصنا ياسيلين.. أقترب منها متعمد خفض صوته الذي جعل جعل جسدها يرتعش بالكامل.. فحبست أنفاسها عندما منعت تنفسها
– يونس إبعد.. إنت بتقرب ليه
قرص وجنتيها مردفا والسعادة تتملكه
– قلب يونس وحياته كلها ياسيليني
رفعت بصرها تنظر إليه بسحر وهيام من كلماته التي أخذ قلبها
تشعر بتدفقات تتوغل في أوردتها فاحمرت
وجنتيها بحمرة الخجل واردفت بصوت متقطع
– بس يايونس عيب كدا.. ايه اللي بتقوله دا… قهقه عليها ثم غمز بعينيه
– هو أنا لسة قولت حاجة
عند أسما وليلى
ضيقت أسما عيناها مستفهمة
– إيه اللي حصل… اوعي يكون اتخنقتي مع سليم… دا كيوت خالص
ضحكت عليها ليلى وأردفت من بين ضحكاتها
– يابنتي إركزي على واحد علشان أعرف أرد عليكي.. إنتِ مع سليم ولا نوح ولا يونس ههه
ابتسمت بحزن على ذكرى نوح وتمتمت:
– دي مش عايزة كلام صديقتي العزيزة
إرتدت ليلى حذائها الرياضي وهي تتحدث بهاتفها.
إنتِ فين دلوقتي في المزرعة ولا في الشقة
أخذت شهيقا عميقا ثم زفرته:
– نزلت اتمشى في المزرعة إنتِ عارفة أنا بحب الجو دا دلوقتي
– تمام أنا هنزل أجري شوية وأعدي عليكي في الكافيه بتاعنا تمام
تمام ياليلى
في إحدى الكافيهات على النيل
وصلت ليلى وجدت أسما تنتظرها، أردفت مبتسمة:
– صباح الورد ياوردة… وحشتيني أوي ياأسما
ابتسمت لها وهي تحاوطها بنظراتها
– وأنتِ كمان ياحضرة الدكتورة المهندسة الكبيرة
قهقهت عليها وهي تجلس:
– إيه يابنتي التعريف الاخباري الشاشتوي دا… ضحكت الفتيات
نظرت ليلى بهدوء لأسما
– إيه أخبارك… وباباكي رجع يحوم حواليكي تاني ليه ؟!
آهة خفيضة تحررت من بين شفتيها يتبعها حزن بعيون دامعة.. نظرت أسما للخارج وتساقطت دموعها رغما عنها:
– كالعادة ياليلى عريس من الاديشه وعايز يتمم الصفقة… ماهو مفلس ومحتاج فلوس… وأمي صحتها معادتش بتيجي على الشغل
ربتت ليلى على ذراعها بحنو وتحدثت لكي تخفف عن صديقتها:
– ربك هيحلها زي كل مرة… ولا تزعلي نفسك والله يابنتي أبوكي دا نفسي مش عارفه أقولك إيه
تنهدت أسما وأردفت بحزن :
– ابويا مُصر يسرق أحلامي كلها… سرق حلمي بكليتي .. وسرق حبيب عمري ودلوقتي جاي يسرق شغلى وباقي حياتي الحزينة
احتوت ليلى وجهها بين راحتيها ونطقت بنبرة تشجيعية:
– أسما محدش هيقدر يسرق منك حاجة تانية وأنا لسة عند رأيي لازم تحكي لنوح مش تفضلي تتفرجي من برة… لسة ممكن تنقذي حبيبك
أطبقت جفنيها الحزينتين تاركة لدموعها حرية الإنسياب وهمست بنبرة متقطعة:
– إنتِ اللي بتقولي كدا ياليلي عايزة أقل من نفسي أكتر من أنا قليلة في نظره.. عايزاني أروح اعترفله وهو في الاخر يدبحني… لا أنا راضية بحياتي كدا… راضية أحبه في صمت وبس … أنهت كلماتها وقلبها ينشق لنصفين
تمتت ليلى بكلمات مستاءة من حياتهما البائسة في الحب
رفعت أسما حاجبها وسألتها
– بتقولي أي ياليلى اتجننتي بتكلمي نفسك ياقلبي
ضربت ليلى كفها ببعضهما واضعة خديها فوق كفها:
– مش أنا قابلت الطاووس تاني امبارح واتخنقنا.. وشكله هيقعدلي على أنفاسي
برقت أسما أعينها من كلماتها متسائلة:
– اتقابلتوا تاني واتخانقتوا..!!
مسحت ليلى على وجهها بعنف وتمتمت:
– أهو من حظي الأسود… تخيلي طلع زي مارسمته بالضبط من يوم القسم … تنك تناكة يخربيت ابو تناكته ياشيخة… دا بيقول ياارض إتهدي مع عليكي أدي
نظرت لها وبدأت تقلد صوته
– انت اتجننتي بترفعي صوتك قدامي..
ضحكت أسما عليها وعلى مظهرها وهي تقوم بتقليده
– ياخبيتك ياليلى.. يعني يوم ماتقبليه تتخنقي معاه… وفجأة توقفت عن الحديث
– استني إنتِ شوفتيه فين… وليه اتخانقتوا ياخايبة
ارتسمت ابتسامة واسعة على محياها مجيبة:
– الشركة ياقلبي من حظي الحلو نزل الشغل بسمع كدا… لا وكمان عاملي فيها فلانتينو… فيه هناك البت الصفرا اللي شوفناها يوم الحفلة
ابتسم ثغرها عندما تذكرت ماصفعته به وبدأت تقص لها ماصار
وضعت أسما يديها على فمها من الصدمة وأردفت بسخط :
– يخرب عقلك ياليلى دا إنت المرأة الحديدية يابت
كتمت صوت ضحكاتها وهي تنظر لصديقتها:
– ليلى إنتِ متأكدة أنه هو اللي كان في الحفلة وفي القسم
كزت ليلى على شفتيها السفلية بغل تود أن تراه أمامها الآن ثم رفعت نظرها لأسما التي مازالت تضحك
– هو بغروره وحياتك… تعرفي أول مادخلت الشركة وعرفت إنها بتعتهم كنت بدعي ربنا إني أقابله تاني… بس بعد مقابلته في الزفت دي… بدعي ربنا ماشفوش تاني قدامي…. ثم اكملت مفسرة:
– والله ياأسما معرفش المرة الجاية هعمل إيه لا والآنسة نورسين رايحة جاية حبيبي
دققت أسما النظر اليها :
– أيوة حبيبتي عارفة إنك متغاظة.. نفسك تكوني مكانها صمتت لحظات وهي تهز رأسها ثم تمتمت بتقطع :
– مش ملاحظة كل أسئلتك حول راكان ياأسما قالتها وهي ترفع كوبها ثم أرتشفت قهوتها …انعقد حاجبيها
– أيوة ياليلى… مش دا اللي كنتي عايزة تعرفي كل حاجة عنه من خلال نوح
ألتوى ثغرها ساخرا:
– دا لما شوفت الكاميرات كلها حواليه والعيون محاصراه… كنت عايزة أعرف مين الشخصية المهمة دي وخصوصا بما أنه صديق نوح بس مش أكتر.. ولما جت قضية بابا فأنا عرفته أكتر ياحبيبتي.. ومن وقتها وأنا كرهت سيرته
إنكشمت ملامح أسما وأردفت:
– اكيد بتهزري ياليلى… دا اللي يشوفك وانت بتبحثي عنه يقول إنك معجبة
قاطعتها ليلى:
– ابداً إنتِ عارفة أنا بحب أعرف كل حاجة عن الشخصيات المهمة أو بمعنى أصح اللي عليها علامة استفهام ودا قبل ماأقابله في النيابة
تمتمت أسما بكلمات منخفضة
– ايوة فعلا بتحبي تعرفي محور الكون
سامعاكي على فكرة ياأسما… قالتها بابتسامتها البريئة
اتسعت ابتسامتها ثم اقتربت متكأة على المنضدة:
– طيب عيني في عينك كدا… إنك مش مغرمة بحضرة البشكاتب… دا حتى كنا لسة بنحكي على أحضان وريحة تدوخ
رمقتها ليلى بنظرة تحذيرية:
– أسما إياكِ تقولي كدا قدامي… إنتِ على فكرة بتدليني للرزيلة
قهقهت أسما بصوتها كاملا وصدى صوت ضحكاتها حتى نظر ماحولهم اليهما
رفعت ليلى نظرها بتوبيخ
– ينفع كدا خليتي الناس تبص علينا يقولوا إيه… وضعت يديها على فمها تكتم ضحكاتها
– والله انتِ مصيبة يابنتي… ثم تذكرت شيئا
– هو مفيش شغل النهارده ولا إيه… الساعة تمانية وحضرتك لسة بلبس الرياضة ولا شكلك ناوية تروحي تكملي تدريبك مع اسم الله عليه الحليوة اسمه ايه
تناست العالم حولها عندما تذكرت نفسها وهي داخل احضانه… أغمضت عيناها كأنها تستنشق رائحته التى ملئت رئتيها بعبقه
طرقت أسما أصابعها أمام وجهها
– الجميل راح مني فين!!
اعتدلت واقفة هاربة من نظرات أسما التفحصية:
– أنا يادوب أمشي وزي ماحضرتك لسة قايلة عندي شغل… مش عايزة أتأخر
وقفت معها متجهة للخارج بعد دفع الحساب…
– بقولك ياسوسو مايبقى تعدي عليا في الشركة ونخرج زي زمان…
قطبت جبينها
– امتى؟ انتِ عارفة بخلص شغلي على اربعة وأنتِ بتخلصي امتى؟
– والله ياحبيبتي على المواعيد بتاعة الباشمهندس سليم تلاتة… بس لو حضرة البشكاتب هيستمر في الشركة تقدري تقولي ممكن اتناشر بالليل
جحظت أعين أسما وأردفت:
– بتهزري… ثم ربتت على ذراعها
– متخافيش أنا أعرف أنه بيخرج كتير برة القاهرة لقواضي سمعته مرة بيتكلم مع نوح
أومات برأسها متفهمة:
– ولو مخرجش ميهمنيش أنا قولت للباشمهندس سليم إمبارح شغلى معه
أستقلت سيارة الأجرة التي أوقفتها:
– على تليفون ونكمل كلامنا بعدين سلام
أشارت لها أسما وتحركت مغادرة للمزرعة التي تبعد عدة أمتار
بفيلا جلال البنداري على مائدة الافطار
نظر الجد ليونس وتحدث
– ماقولتليش هتعمل خطوبتك إمتى على سارة يادكتور
قبضة قوية اعتصرت قلبه عندما تحدث الجد مرة آخرى… ورغم ذلك وزع نظراته لوالدته التي تحثه على القبول وبين جده الذي ينظر له بترقب ووالده الذي يستهين بالأمر
– الأيام دي مشغول أوي عندي حجز كتير في العيادة وكمان محاضرات في الجامعة
وقت ماأفضى هعرف حضرتك… قالها ثم نصب عوده يلملم أشيائه الخاصة مردتيا نظارته الطبية… وتحرك مغادرا
بعد مغادرته نظرت فريال له حتى اختفى.. ثم توجهت للجد:
– يونس مستحيل يكسر كلمتك ياعمى وزي ماحضرتك شوفت اهو قالك يفضى بس من زحمة شغله
أومأ براسه وهو يناظر ابنه الذي منشغل بهاتفه
– ايه اخبار شغلك ياجلال
زفر جلال بغضب:
– البورصة يوم عن يوم بتنزل وأسهمنا بقت في الأرض… معرفش أسعد دايما أسهمه بتطلع وأنا وولادي لا
اتجه عدي الذي نزل للتو… جود مورننيج على الجميع
ابتسمت والدته بهدوء:
– طبعا عدي طول الليل سهران للمذاكرة علشان كدا لسة صاحي
نظر جلال لابنه بغضب:
– مين دا اللي سهران يذاكر ياهانم ابنك راجع البيت وش الفجر… لا وكمان مش همه حد… ياريته يخلص كليته اللي بقاله سبع سنين فيها لما خلص على فلوسي
ضغطت فريال على يديه وابتسمت بخبث أمام والده:
– هو كلمني وقال بيذاكر مع واحد صاحبه
نظر الجد له شزرًا وتحدث بغضب:
– معرفش مفيش حد فيكم نجيب ليه… ولاد زينب حرمتهم من اللقمة وشوفوا هما فين وانتوا فين واحد وكيل نيابة والتاني دكتوراة في الهندسة حتى بنت الشوارع اللي بيربوها دخلت هندسة كمان… ثم اكمل مستطردا:
– وانتوا الفلوس كلها تحت رجليكم وياريت حد فيكم نجب غير يونس..ولولا زينب اللي كانت بتواليه مع راكان كان زمانه فاشل… وياريته دلوقتي فالح طالع مزجاني معرفش لمين… قولت أهو واخد الشطارة من ابن زينب وحرمت ابن زينب من الهندسة ودخلت يونس طب قولت علشان يدوس عليه بتعليمه… اتضحلي ان التاني اللي بيدوس على الكل… قالها بغضب ثم وقف متجها للخارج
– هاتلي شنطة هدومي ياجلال روح اقعد عند اسعد يمكن حالكم ينصلح انت وخالد
توقفت فريال تسائله بغموض
– حضرتك قصدك على مين بنت شوارع ياعمي… رمقها بسخرية ثم تحرك متجها لفيلا أسعد
❈-❈-❈
❈-❈-❈
في فيلا أسعد البنداري بغرفة راكان
استيقظ وعلامات الغضب ترتسم على ملامح وجهه منذ الأمس…
أمسك هاتفه وقام الاتصال بصديقه
– أيوة ياعزيز عندي قضية بكرة في إسكندرية محتاجك تروح مكاني… فيه مشكلة في الشغل ولازم أكون موجود
أجابه على الطرف الاخر:
– تمام ياحضرة المستشار
بعد قليل اتجه للأسفل لتناول افطاره مع عائلته
قام بتقبيل رأس والدته كعادته ثم اتجه لوالده:
-صباح الخير يابابا
رد تحيته بحنان أبوي
– صباح الخير ياحبيبي.. إيه شكلك منمتش باين على وشك الإرهاق
نظر حوله وتجاهل أسئلة والده وتسائل
– فين سليم وسيلين مش باينين ليه؟
– سليم راح الشركة ياحبيبي… وسلين فوق بتجهز لكليتها
أومأ برأسه وهو ينظر إلى طعامه…
حمحمت زينب وهي تمسد على رأسه:
– جدك جاي يقعد عندنا كام يوم ياراكان علشان خاطري ياحبيبي استحمله لو بتعزني زي مابتقول… قالتها زينب بتعاطف
امسك يديها وقبلها:
– ماما علشان خاطرك إهد الدنيا… حاضر طول ماهو بعيد عنك أنا كمان مش هتكلم… إنتِ عارفة خلافي معه على ايه… أنا مش بكرهه ابدا والله… دا مهما كان جدي وعارف ومتأكد أنه بيحبني كمان بس التعبير في الحب عنده مختلف.. هومفكر الحب جبروت وعايز يتملك في الكل
زفر وأستطرد:
– وتملكه وجبروته بيخليه يعمل حاجات عقله بيصورله إنه صح
– صدقت والله يابن أسعد… فعلا جدك بيحبك بس مابيعرفش يعبر، عن حبه له
قوس فمه وأجاب والده:
– يعني تركت كل كلامي وممسكتش غير في الكلمتين دول يابابا ثم وقف عندما استمع صوت توفيق
اتجه متحركا للخارج فقابله وقف أمامه وهو يرتدي نظارته الشمسية ناظرا إليه:
– أهلاً ياتوفيق باشا البيت نور طبعا بوجودك… وأكيد كلنا فرحانين بوجودك وسطينا.. ثم دنى منه
– يارب حضرتك اللي تتبسط مننا
أومأ الجد برأسه له:
– عارف يابن ثم سكت متجها بنظره لزينب وأكمل ياراكان يابن أسعد
ناظره راكان بنظراته الصقرية عله يكتشف بما يفكر به ولكنه لم يصل لشئ ثم اتجه متحركا للخارج طالعه الجد
– دا اللي سمعته جد… إنك هتواظب في الشركة وتنسى شغل القواضي
توقف لدى باب الفيلا وأستدار ينظر إليه من تحت نظراته
– مش بالضبط… أنا بواصل هنا وهنا…دي شطارة ياتوفيق باشا…واكيد حضرتك عارف الشغل من زمان سايبه كله لسليم وهو كتر خيره مااشتكاش… جه الوقت اللي أساعده علشان يرتاح
رمقه الجد وأردف:
– عارف إنك شاطر ياحفيدي.. ولكن قبل دا كله لازم تتجوزوا ونفرح بيكم مش كدا ياحضرة المستشار
تحرك راكان للخارج وتحدث:
– لسة لما اقابل بنت الحلال اللي تقدر تسعدني… قاطعه الجد
– وبنت الحلال دي قولتلك عليها… استدار وهو يرمقه شرزا
– بنت الحلال اللي تعجب راكان ياتوفيق باشا… قالها ثم تحرك مغادرا
زفر الجد بغضب ونظر لأسعد
– ابنك من إمتى هيحترم الكبار ياأسعد
وقفت زينب وتحدثت:
– هعملكم قهوتكم
صاح الجد بغضب
– استني عندك… روحي ربي ولادك الأول وبعد كده شوفي القهوة.. ولا علشان الولد مش ابنك بتعلميه يبقى قليل الأدب وميحترمش حد… قاطعه اسعد بهدوء:
– بابا لو سمحت مينفعش كدا… هي قصرت في إيه كل شوية تغلط فيها ليه… ليه مش عايز تتغير… ومن إمتى زينب قصرت في تربيته.. راكان زيه زي سليم
– انت بتعلي صوتك على أبوك ياأسعد أقوم أرجع عند خالد ولا جلال ولا اروح لسميحة
في الشركة وصل إلى جراج السيارات
ودلف إلى المصعد الخاص بملاك الشركة أسرعت بعدما تركها المصعد الآخر
دلفت سريعا ولم يخطر بذهنها أنه موجود به… حاولت أن تتنفس بهدوء بسبب سرعتها ولكن انتعش تنفسها برائحته التى مازالت عالقة برئتيها
استدارت سريعا تنظر للذي خلفها يطالعها بنظراته ماكرة
– اهلا بحضرة الباشمهندسة النشيطة المتأخرة على عملها نص ساعة كاملة
شعرت بأنفاسه تضرب وجنتيها وهو يتحدث… رعشة لذيذة أصابت جسدها ولم تقو على الحديث كأنها لم تعرف الحروف
حاولت التفوة ولكن الصمت سيد موقفها
اقترب منها ونظر لداخل عيناها لأول مرة …تذكر أنه رأى تلك العيون التي تشبه عيون الغزال بل سواد الليل.. قبل مقابلته لها بالنيابة ولكن أين لا يعلم
– كنتي بتقولي إيه امبارح… عايز اسمع
ارتجفت شفتياها ولاتعلم مالذي صار لها
اقترب للحد الغير مسموح وكلا منهما ناسيا أو تناسا إنهما بالمصعد فهمس
– أنا شوفتك فين قبل القضية.. إحنا أتقابلنا في مكان تاني صح
طالعته بصمت …تحرك إليها وكأن دقات قلبه العنيفة تسحبه دون أن يدري اتجهاها
– “ليلى” قالها بتلذذ بين شفتيه
رفعت نظرها له وكل خلية بجسدها تنتفض لقربه…
حاصرها بذراعيه بالمصعد وهي ترتعش كأنها فقدت الحركة… ورغم ذلك ايقظها عقلها سريعا
– ابعد انت اتجننت… رفع حاجبه بسخرية:
– اتجننت يانهار أبيض أنا شكلي بتهزأ
رفعت حاجبها مثله:
– اومال اللي يقرب على بنت لوحدها في الاسانسير دا إيه… فجأة توقف الاسانسير وأظلم المكان بالكامل… تراجعت بزاوية الأسانسير وبدأت تتمتم بكلمات مش مفهومة
– قولهم يشغلوا البتاع دا…
دي شركة كبيرة ازاي اسانسير يتعطل فيها
رأف بحالتها كأن التي أمامه الآن ليس هي منذ لحظات فقط
صرخت بصوتها كله
– حد يفتح الباب دا…
– ليلى اهدي من فضلك… هتصل متوترنيش … نظرت له في الظلام
– راكان لو سمحت قولهم يشغلوا البتاع دا بسرعة… قالتها ودموعها تنسدل بقوة على وجنتيها… ورغم ماقلته إلا أن نطقها لاسمه ذلذل كيانه ومن غير مايشعر اقترب يحتوي كفيها ويربت عليهما وهو يردف لها كلمات تشعرها بالطمأنينة
فجأة اشتغل المصعد مرة أخرى… هنا فاقت من الصدمة التي كانت تحاصرها وهي بالقرب منه .. انتزعت كفيها بقوة
ثم أشارت بسبابتها
– إنت مين أدالك الحق تمسك إيدي.. أنا مش من معجبينك ياحضرة النايب
قالتها وهي تنظر لمقلتيه بغضب لا تعلم غضب من نفسها بالسماح له من الأقتراب ولا غضب منه وهو يتلذذ بتحطيم غرورها الأنثوي
توقف المصعد أمام الطابق المنشود خرجت سريعا تمسح دموعها بغضب… وهي تسب نفسها… أما هو الذي وقف للحظات جاحظا عيناه من تلك المتمردة.. كيف تطاولت عليه، وصمته على اهانتها
كز على شفتيه بغضب كاد أن يدميها ثم أردف لنفسه:
– فوق دي حتة بنت لا راحت ولا جت.. إنت كل يوم بتقابل أحسن منها.. خطى بعض الخطوات ولكن توسعت عيناه عندما رآها بتلك الحالة
عايزة فووووت ياحلوين لو سمحتم
الفصل الرابع
بسم الله الرحمن الرحيم
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
كان وداعه باردًا.. وكأني لم أكن له شيئًا.”
أقاوم الوقت من دونه ، بشكل يهلك قلبي
ماذا لو تجاوزنا المنطق وتخطينا حدود الواقع..
فكتبت له كيف حالك ـــــ؟!
فأجابني بعفوية ” لست بخير من دونكِ
أعلم جيداً أنڪِ ستشتاقي لي
يوماً ما ..
و ستجدي ڪل مايذڪركِ بي
و لڪنكِ ….
للأسف “لن تجديني” و قد لا أڪون موجودا
❈-❈-❈
خرج من المصعد متجها لمكتبه ولكنه توقف عندما استمع لتهشيم شيئا ما… تخطى بعض الخطوات إلى أن وصل لدى باب مكتبها وقف ولكنه أصيب بصدمة عندما وجدها في حالة لاترثى لها خطى للداخل وهو يطالعها بعيونا جاحظة مما تفعله.. رأته رفعت كفيها أمامه
– حضرتك دا مش مكتبك.. ولا شغلي مع حضرتك.. فياريت ماتتعداش حدودك معايا بعد كدا
توقف مجرى الدم بعروقه.. حاول السيطرة على نفسه حتى لا يثور بغضبه عليها .. فتجولت أنظاره في الغرفة بتأني يحاول سحب شهيقا ويطرد زفيره بهدوء ولكن دنت منه بخطوة ورفعت رأسها بشموخ وتحدثت:
– لو أعرف إننا هنتقابل هنا تاني صدقني كنت رفضت الوظيفة حتى لو دفعتولي مال قارون.. ودلوقتي عندي شغل
لقد نجحت في إخراج وحوشه الكامنة واضرام نار غضبه فرمقها بنظرة متهكمة
– اهدي ياماما.. اعصابك شوية… نسيتي نفسك ولا إيه.. إنتِ هنا في شركتي.. يعني في ملكي.. ادخل أي مكان وقت مااحب مش هستنى من واحدة ذيك تقولي ادخل فين وامتى.
دنى ومازال يطالعها بنظرات مشمئزه
– إنتِ مين علشان أقرب منك.. إيه، قالها بصوتا مرتفع حتى اهتز جسدها.. أشار عليها بسخرية مردفا:
– حبيت أعمل معاكِ راجل بس شكلك متستهليش.. قالها ثم تحرك مغادرا وهو يصفع باب المكتب بقوة
تجمدت بأرضها وقد شعرت للحظة برغبتها في التلاشي فلم تعد تتحمل كلامه.. وضعت يديها موضع نبضها وهمست لقلبها تعاتبه
– بطل بقى.. ملقتش غير دا تدقله.. أنا بكرهه.. انسدلت دموعها خارطة وجنتيها تهمس لنفسها
– اكرههيه مش الشخص المناسب
عند درة
خرجت من قاعة المحاضرات.. وتحركت متجه لخارج المبنى.. توقفت حينما وجدت استاذها الجامعي يقف أمامها واردف بنبرة رخيمة:
– باشمهندسة درة ممكن كلمتين على إنفراد.. اتجهت بأنظارها لصديقتها ثم اتجهت إليه
– حضرتك ممكن تتكلم هو فيه موضوع خارج الدراسة.. هز رأسه بالأيجاب ..إلى ان ربتت أروى على كتفها وتحدثت :
– هستناكِ قدام شوية يادرة.. خلصي وألحقيني… أومأت رأسها بالموافقة
وقفت أمامه منتظرة حديثه للحظات ثم أردفت:
– إتفضل حضرتك سمعاك
طالت نظراته عليها لبعض اللحظات ثم حمحم لكي يخرج صوته ثم تحدث
– كنت عايز رقم والدك.. عايز ازوركم أنا ووالدتي وأختي.. الوقت اللي يناسبكم
أنزلت ذراعيها بصدمة.. والقت نظرة خاطفة على ملامحه كي تستشف ما يقصده إبتسم عليها وأردف:
– الصراحه أنا معجب بيكِ وعايز أزوركم علشان أطلب ايدك
توردت وجنتيها خجلا…فأنزلت ببصرها للأرض وهي تفرك يديها..لقد صدمها بحديثه..حاولت أن تتحدث ولكنها أصبحت كالعاجزة..ظلت للحظات صامتة إلى أن قاطعها
– درة مبترديش ليه ممكن أزوركم ولا لا
هزت رأسهاولم تقو على الحديث
– مش عارفه..أنا هقول لبابا الأول..قالتها ثم تحركت سريعا..وهي تتخبط بخطواتها ،وصلت لأروى التى تناظرها بإبتسامة
– إيه نقول مبروك…لكزتها درة وهي تسحبها عندما وجدته متجها لسيارته خلفهم..
– امشي ياكلب البحر..أنا مش قادرة اقف على رجلي أصلا..رفعت أروى حاجبها بسخرية
– ليه ياختي لتكوني عشقاه يابت من ورايا..بس بصراحة هو دكتور مز ويتحب
لكزتها مرة أخرى ودفعتها بداخل سيارة الأجرة قائلة
– اركبي يامصيبة حياتي..هو مين دا اللي مز ياختي..بتجيبي الألفاظ السوقية دي منين
عند سيلين
خرجت من منزلها متجه لچراج سيارتها..توقفت سارة أمامها..واقتربت تطالعها بإستهزاء
– إنما الجميلة متأخرة على الجامعة ولا إنتِ مش وراكي جامعة وخارجة تعملي فسحة..قالتها وهي تدور حول سيلين
رفعت بصرها وإبتسمت بحبور
– والله ياسارة لو فاضية كنت عملت معاكي البحث العائلي بتاع العيلة دا..وياترى بتعمليه معايا أنا بس ولا إيه
اقتربت سارة وهي تناظرها بغضب جحيمي وجذبتها من خصلاتها..ولكن قاطعهما وصول يونس
– إبعدي ايدك عنها ياسارة اتجننتي. ايه الهمجية دي
اسرعت سارة تتصنع البكاء أمامه
– ماهو لو عرفت قالت إيه يايونس مكنتش زعقت كدا
مد يونس كفيه لسيلين التي تطالعه وتنتظر جوابه
– تعالي هاخدك في طريقي ووقت ماتخلصي أرجعك معايا مش إنتِ عندك سكشن بس الساعة تلاتة.. ابتسمت بعيونها وهي تهز رأسها بالموافقة.. كانت السعادة تحاوطها بسبب إهتمامه بتفاصيلها
تشابك كفيهما ببعضهما أمام سارة التي نظرت إليها بعيونا تطلق شرزا.. تود أن تصفعها بقوة.. كورت قبضتها بغضب
فتح باب السيارة وهمس لها
– ودلوقتي أنا أسعد واحد علشان اميرتي الصغيرة هوصلها الجامعة
استقلت السيارة بجواره بصمت.. تحرك بالسيارة أمام سارة التي وقفت تتآكل من الغيظ، بسط كفيه … مما أصابها برعشة مرت بسائر جسدها.. وبحركة آذابتها ودغدغت مشاعرها دنى هامسا إليها.
– نفسي أقول للدنيا كلها… أنا أسعد راجل في الدنيا النهاردة وأخيرا عرفت انفرد بحبيبتي… قالها وهو يجذبها ويضمها لأحضانه.. ثم قبّل رأسها
– اكيد إنتِ عارفة أنا بحبك قد إيه.. قالها وهو يجمع خصلاتها على كتفها.. حتى لفحت أنفاسه وجنتيها
شردت بملامحه التي تعشقها منذ نعومة أظافرها.. رمقها بنظرة خاطفة ثم غمز بطرف عينيه
– حلو مش كدا.. اعتدلت تستند على المقعد وتحدثت بهدوء رغم ضجيج قلبها
– يونس هتعمل أيه في قرار جدو.. تجاهل سؤالها ومازال يقود السيارة.. بسط كفيه وقام بتشغيل الكاسيت الخاص بالسيارة
– شوفي الأغنية اللي الكل ماشي بيغنيها دلوقتي.. ارفع صوتها “سطلانة” حتى يشتت تركيزها بإجابته.. التفت بأنظارها للخارج تنظر من النافذة.. وعلمت مايريد حتى لا يجيبها.. زفر بحزن عندما وجدها بتلك الحالة، وظل يمسد على خصلاتها
– سيلي حبيبي مش عايزك تخافي من قرارت جدو.. أنا هحل الموضوع..
كادت أن ترفع رأسها من على كتفه ولكنه رفض
– سيلين اكيد إنتِ حاسة وعارفة أنا بحبك قد إيه.. فياريت حبيبي تصبري شوية وأنا هظبط الدنيا
خللت أصابع كفيه بأصابعها وتحدثت ومازالت تستند برأسها على كتفه
– يونس وأكيد إنت عارف أن علاقتنا بقالها قد إيه..
– أنا هتكلم مع راكان في أقرب وقت.. كنت هقوله لكن جدي جه هد كل مخطوطاتي
هزت رأسها بتفهم ورفعت بصرها إليه
– أنا معرفش جدو بيعمل كدا ليه.. ومعرفش مابيحبنيش ليه
مسد على خصلاتها بكفيه ونظر لعيناها
– صدقيني معرفش.. ولو اعرف كنت قولتلك.. أنا بحاول أبعد نظره عن علاقتنا علشان ماينفش دماغه ويعمل حاجة فيا زي ماعملها في راكان
رفع ذقنها وهو يوزع نظراته بينها وبين الطريق
– سيلو عايزك تتأكدي أنك الوحيدة اللي هزت قلبي.. وابعدي عن سارة خالص
تحولت ملامحها الهادئة إلى أخرى ثائرة فدفعت كفيه بعيدا
– إنسى يابن عمي.. خليها تقرب مني وشوف هعمل فيها إيه.. ثارت زعابيب غضبها.. فأمسك كفيها يقبلها
– سيلي اهدي حبيبي.. انا بحاول الاقي مخرج مش أكتر
بلعت غصة بجوفها منعتها من التنفس فأردفت بنبرة مبطنة بالبكاء :
– يونس أنا بحاول أضغط على نفسي قدامها وهي كل شوية تقولي يونس بيكلمني وبيجبلي و.. وو
وضعت كفيها على وجهها وانخرطت بالبكاء قائلة:
– صعب أتحمل واحدة عمال تتغزل في حبيبي.. كتير اوي على قلبي بجد حرام اللي بيحصلي دا
توقف بالسيارة على جانب الطريق.. عندما وجد إنهيارها.. دمى قلبه لحالتها..
– سيلي حبيبي.. عارف إنك في موقف صعب.. لكن صدقيني الفترة دي مش هطول… أخرجها من أحضانها وحضن وجهها بين كفيه
– أنا مقدرش أبعد عنك.. إنتِ عارفة إنتِ إيه بالنسبالي.. أنا بحبك بجنون
امسك كفيها ووضعها موضع نبض قلبه
– دا ملكك إنتِ وبس.. مستحيل ينبض لحد غير سيلين…. ابتسم لها ومسح عبراتها التي كوت قلبه وأردف
– حب عشر سنين.. تخيلي كدا ممكن أن أتخلى عن حب مكنون في قلبي من عشر سنين..
حاوطها بنظراته المحبة لقلبها.. عايز اشوف ابتسامة حبيبي
ابتمست حتى لمعت عيناها.
– بموت فيكِ ياطفلة يونس وعشق قلبه
في مزرعة يحيى الكومي
تجلس بين الزروع وتأخذ بعض الشتلات النباتية لفحصها.. كان يتماطى جواده.. رآها وهو عائدا من جولة صباحية.. اتجه لاسطبل الخيول.. واضعا جواده بمكانه ثم إتجه إليها… وصل إليها ..دون إنتباهها
ظل يتطلع عليها بنظراته الحزينة على حب طفولته وصباه ولكن كان للقدر رأي آخر
أمسكت زهرة من بعض الزهور التي تحاوطها ثم استنشقت عبيرها وهي تغلق عيناها بإستمتاع لرائحتها العبقة
– ياريتني مكانها.. هزة اصابت جسدها واتجهت بنظرها مدهوشة من وجوده بل لما سمعته… ملجمة اللسان تستطيع النطق او النظر إليه.. ولكنها ابتعدت بنظرها عن مجرى نظراته.
خطى بخطوات متمهلة عكس دقات قلبها التي ارتفعت بصدرها.. حتى وصل ولم يفصل بينهما سوى خطوة واحدة
– مبترديش عليا ليه؟! قالها نوح وهو يطالعها بإشتياق
استدارت تواليه ظهرها وعبرة غائرة على وجنتيها مسحتها سريعا ثم أردفت متسائلة:
– مش فاهمة قصدك يادكتور.. خطى حتى وصل بمقابلتها ونظر لمقلتيها
– عايز اعرف ايه اللي حصل يوم الحفلة يا اسما من يوميها وإنتِ متغيرة
قالها متصلب أنظاره عليها.. اما هي فكأن كلماته هوت فوق رأسها كالماء الساخن وشعرت وكأن الأرض تموج من تحت قدميها، ورغم ماشعرت به
فركت كفيها وهي تتهرب بنظراتها بجميع الاتجاهات ثم اردفت بصوتًا مهزوز بعض الشئ
– معرفش تقصد ايه…
ضحك ضحكة مستهزئة واتجه إليها يرمقها قائلا باستخفاف:
– بجد!! متعرفيش قصدي… أسبلت جفنيها تحاول الثبات امامه.. ساد صمتها مما جعله يأخذ نفسا عميقا حتى استمعت إليه
– تمام ياباشمهندسة.. مترجعيش تعيطي بعد كدا.. قالها ثم تحرك للخارج
في مكتب راكان
دلف للمكتب وهو يكور قبضته بقوة.. ثم ضربها بقوة بجدار الغرفة حتى يخرج غضبه الذي اشعلته تلك المرأة.. أحرقته بكبريائها وشموخها.. بدا وقلبه يضخ نيران وليس دما.. ثار وثار إلى أن فقد توازنه ..اتجه إلى مكتبه وكلما تذكر حديثها.. تزداد نيران صدره إشتعالا بثورانها.. طاحت يمينه بكل ماقابله على المكتب.. وهو يمسح على وجهه بغضب
وبدأ يزرع المكان ذهابا وإيابا كالأسد الجائع. يود لو يصفعها بقوة على فمها حتى يخرصها..
لحظات بل دقائق وهو يحاول ضبط أعصابه كي لا يخرج إليها مرة أخرج.. جلس مطبقا على جفنيه بقوة.. لحظة اثنين وكلماتها نخرت قلبه بشدة.. بل كانت كزجاج تشحذ طبقات صدره
– ليه ياليلى.. بعد دا كله وجاية تدبحيني بكلماتك.. أغمض عيناه محاولا سحب نفسا لرئتيه عندما شعر بإختناقه
.. قاطعه طرقات على باب المكتب
دلفت السكرتيرة
-الأستاذ حمزة برة.. أومأ برأسه دون حديث.. دلف حمزة غامز بعينيه ولم يلاحظ حالته فتحدث
– مصدقتش لما عرفت العصفور وقع في القفص.. مسح على وجهه بغضب وهز رأسه ثم أخرج تبغه وقام بإشعال بطريقة حارقة مثل قلبه الذي يحترق كسيجاره
جلس حمزة وطالعه بتقييم
– راكان مالك فيه حاجة؟!..دا انا قولت أباركلك على خطتك ياعم لما عرفت إن ليلى اشتغلت عندكم
زفر دخانه بقوة حتى اختفى وجهه خلف غباره واردف
– حمزة بلاش نتكلم في الموضوع دا دلوقتي.. لو سمحت.. وزي مااتفقنا نوح مايعرفش حاجة.. مش هأكد عليك
توقف حمزة متجها إليه ثم جلس امامه على المكتب
– تمام نوح مش هيعرف ولا حتى يونس.. بس احكيلي مالك ومن زمان مشفتش حالتك كدا
هز رأسه ومازال يدخن بشراسه.. حتى انقطع تنفسه من كثرة استنشاقه.. دقائق وحمزة يتابعه ولم يتحدث لأنه يعلم حالته وقت غضبه
اتجه للنافذة حتى يستنشق بعض الهواء النقي هروبا من غبار تبغه الذي ملأ الغرفة
عقد حمزة ذراعيه امام صدره ومازالت نظراته عليه.. عاد راكان يقف بمقابلته
مربتا على كتفه
– أنا كويس.. شوية مشاكل بس وهتتحل إن شاءالله
– ليلى السبب؟ قالها حمزة بتحفز
شعور مقيت يجعل دقاته تتقاذف بين ضلوعه في نيران تحرق قلبه من مجرد ذكرها
أخذ نفسا طويلا من تبغه مرة أخرى وقال بعدم إهتمام
– إنسى الموضوع دا كله.. ولا كننا اتكلمنا فيه
رفع حاجبه متسائلا:
– أي اللي حصل يابني.. مش دي اللي فضلت تخطط وتخلي الشركات كلها ترفضها.. لحد ماخليت نوح يكلمها عن شركتكم.. ودا كله ليه.. إنت مش عايز تعقل ياراكان..
تحرك وبدا ينظر إليه بغضب
– كان عندي امل فيها وقولت يمكن دي اللي تفوقك ياصاحبي لكن طلعت غلطان
نفث دخان تبغه ومازال جالسا بمكانه فتحدث بهدوء
– بتكرهني قد كرهك لداليا ياحمزة..جحظت اعين حمزة وهو يهز رأسه بصدمة فأردف:
– مستحيل..اللي بتقوله مستحيل..قاطعهم سليم عندما دلف بإبتسامته
– انتوا قاعدين هنا وأنا قاعد باكل في الورق لوحدي..قهقه حمزة وهو يرمق راكان الذي خيم الحزن بعينيه
– كنت هعدي اسلم عليكوأخد شوية ورق أتسلى فيهم في العربية لما اجوع
ضحك سليم بصخب وهو ينظر إلى راكان قائلا:
– شوفت صاحبك..شكل يونس عداه..تركهم راكان وتحرك للخارج ولكنه توقف
– سليم شوف نورسين عملت ايه..وجهز نفسك لمؤتمر الغردقة علشان انا مش هسافر..عندي قضية في مرسى مطروح..ومينفعش حد غيري،..شوف حد من المهندسين المطبقين للمشروع واجهزوا قالها ثم تحرك للخارج
بعد أكتر من ساعتين في العمل
اعطى السكرتيرة بعض الأوراق
– ابعتي دول لسليم.. وابعتيلي المهندسة ليلى وآسر
اخذته السكرتيرة وأجابته بطاعة
– تمام يافندم.. ثم تحركت دون حديث.. رجعت المهندسة وتحدثت
– الباشمهندسة ليلى مشغولة بمشروع الغردقة حاليا.. هب فزعا واتجه إليها بغضب من طريقتها التي هيجت اعصابه لدرجة جعلته يفكر بصفعها.. احتقن وجهه من الغضب بمايكفي
❈-❈-❈
بمكتب ليلى
وقفت تحتسي مشروبا دافئ ليقيها برد الشتاء القارص… دلف إليها وألقى مابيديه
– خدي التصميم دا راجعي عليه كله أخطاء… ياريت تركزي في شغلك بدل ماإنتِ عمال تضحكي مع دا ودا…
لم تحيد ببصرها عنه كانت تستمع إليه بملامح جامدة.. صاح بغضب عندما وجد برود نظراتها
رفع سبابته إليها وأردف غاضبا
– أنا بحذرك التكاسل بشغلك… وشغلك تحت إشرافي بعد كدا… ماهو مش بدفع الرواتب دي كلها علشان تيجوا تهزروا مع بعض… وخرج كمطارد من عدوه وقفت مصدومة من حديثه… محاولة إستيعاب ثلجية كلماته التي ألقاها عليها وبريق عيناه التي تحدقها شرزا… جلست على مقعدها… هي تعلم إنها أخطأت بحقه ولكنه رد أهانتها اضعاف حاولت أن تتنفس بهدوء علها تملأ رئتيها بالأكسجين الذي شعرت أنه انسحب بالكامل من حولها
– ليه بتأذيني بطريقتك دي… إنت مفكر نفسك مين… ملعون ابو الوظيفة اللي هتهين كرامتي دي… وقفت محاولة استجماع شتات نفسها وتحركت متجه إلى غرفة سليم بعد مااخذت ورقة وقلم وكتبت إستقالتها للمرة الثانية
اتجهت للسكرتيرة الخاصة بسليم
– البشمهندس سليم موجود… اومأت برأسها.. تحركت متجهة اليه،
دلفت للداخل ثم وضعت استقالتها امامه
– آسفة مستحيل أكمل الشغل في الظروف دي… وقف سليم واتجه إليها جالسا أمامها وطلب منها الجلوس ونطق بنبرة هادئة:
– ممكن تحكيلي إيه اللي حصل
زفرت باختناق ونيران صدرها مشتعلة من ذلك المتجبر
– حضرتك سؤال واحد بس… مين المسؤل عن المجمع دا غير المهندسين… إيه علاقة الاستاذ راكان بشغل المهندسين
جحظت عيناه من حديثها
– راكان قالها متفاجأ.. ماله راكان هو ايه اللي حصل بينكم تاني
وقفت وتحدثت:
– أنا مش جاية لحضرتك علشان أقولك قال إيه أنا خلاص عايزة استقيل…
– تمام يابشمهندسة استقالتك مقبولة… قالها راكان وهو يقف مستندا على باب غرفة المكتب ثم أكمل حديثه
– عندك شرط جزائي ادفعيه ومع الف مليون سلامة
راكان… صاح بها سليم
نظر لاخيه بغضب:
– فيه إيه ممكن أعرف احنا فاتحين الشركة ليه إيه… علشان نشتغل ولا نقعد نهزر مع الموظفين ناسين شغلنا… ونعمل شغل كله أخطاء… احنا مش هنيجي على اخر الزمن سمعتنا تنضرب بسبب مهندسة غير مسؤلة
– مسمحلكش كفاية إهانة لحد كدا… أنا مقصرتش في شغلى… وإن كان حضرتك بتتكلم على وقفتي مع الباشمهندس أسر فكان بيعزمني على خطوبة اخته اللي هي اصلا بنت عمي مش واقفة اضحك مع حد. غريب.. لا أخلاقي ولا قيمي تسمحلي أخرج عن المألوف مع أي شخص.. وحضرتك عارف دا كويس
نفس غضبه بدخان سيجاره وتحدث بغروره:
– مش مسمحولك وقت شغلك تتكلمي مع حد في إطار غير الشغل… لو على الاخلاق ياما فيه بنات ماشية تدعي الأخلاق بستار خلف اعمالهم
-لو سمحت كفاية بقى..
لقد طعنها بخنجر سام بقلبها… فانسكبت دمعة من طرف عيناها..
– آسفة قالتها ثم خرجت مسرعة ودموعها تتساقط بقوة لأول مرة تشعر بالعجز زفر سليم بغضب مختنقا ليتحدث إليه بغضب خيم دخان نبرته
– ليه كدا ياراكان من إمتى وأنت ظالم… البنت نشيطة وبتعمل شغلها المطلوب بدقة عالية… قالها ثم تحرك خارجا إليها
جلس راكان وهو يمسح على وجهه بغضب من نفسه يعلم أنه أغضبها وجرحها بحديثه المهين تذكر صباحا عندما دلف الى مكتبه وجدها تقف مع أحد المهندسين وهي تضحك ببراءة كانت كطفلة بريئة بملامح جذابة لكل من ينظر إليها… شعر بدقات عنيفة اتجاهها… خطى عدة خطوات إليها ولكنه تراجع عندما استمع لاحد الموظفين
– المهندسة ليلى دي جميلة أوي عليها جسم صاروخ ولا ضحكتها يخربيت جمالها فعلا… عقب أخر
– تعرف نفسي اتكلم معها بس… لا والباشمهندس سليم عمل حصار عليها ياعم ومكتب خاص لوحدها وجنبه وتحت إشرافه بعد ماكنت تحت اشراف المهندس اسر…. ضحك الاخر
– له حق آسر عينه هتطلع عليها… إنت مش واخد بالك من الكيميا اللي بينهم…لا وبنت عمه هو أولى بيها.. عاد الى مكتبه ونيران صدره تكاد تحرق قلبه
أفاق من شروده عندما دلفت نورسين
– حبيبي فينك روحت مكتبك بس مكنتش موجود… وقف متجها للخارج
– اكيد مش هكون موجود وزي ماحضرتك شوفتي أنا هنا أهو… وصل لمكتبها
– سليم أنا خارج عندي قضية وقدامي اسبوعين لحد ماأرجع انا كنت جاي ابلغك
قالها وتحرك دون أن ينظر لها… شعرت بحزن من كلماته لاتعلم لماذا
هل لانها لم تراه مرة اخرى لمدة اسبوعين ..أم لأنه خرج دون ان يعتذر منها
نظرت لخروجه وجدت نورسين تطوق ذراعه متحركة معه الى الخارج… اغمضت عيناها وهي تسب نفسها كثيرا
بعد قليل
كانت تجلس تراجع التصميم الذي أحضره لمراجعته… ووجدت به أخطاء فادحة… تذكرت حديث سليم منذ قليل
– ليلى راكان راجل قانوني بيحب يشوف كل حاجه مليون المية… هو ممكن يكون عنده مشكلة في القضية اللي ماسكه وخصوصا انها في مرسى مطروح. صديق عزيز عنده حصل عنده حالة وفاة فلازم يوقف معه ياخد قواضيه اللي مفروض يترافع فيها… ومش هخبي عليكي كل قضية في مكان مختلف
نظر لها وتابع حديثه بجدية:
– ليلى لو سمحتي شوفي التصميم تاني فيه أخطاء فعلا… معرفش ازاي مااخدتيش بالك منه… أنا مع راكان في الشغل… بس طبعا كلامه التاني فأنا آسف بدلا عنه… وأنا بوعدك مبقاش هيتعرضلك بأي كلمة
صوت نفس طويل خرج من رئتيها بعدما نظرت للتصميم ووجدت اخطائها
– تمام يابشمهندس… بس سؤال
هو ازاي عرف اخطاء التصميم دا مع انه مش مهندس .. ابتسم على كلماتها
– راكان عارف كل حاجة… مايغركيش شغله بس هو مش مندمج أوي معانا… صدقيني لو فضل في الشركة حالها هيطور… بس هو مش حابب الشغل دا… بيحب شغله التاني او بمعنى اصح بيهرب بشغله بطموحه
ضيقت عيناها وتسائلت
– يعني إيه مش فاهمة؟!
اقترب واضعا يديه على المكتب ونزل بمستوى جلوسها
– اكيد هيجي وقت وأحكيلك كل حاجة… نفوق بس من مشروعنا دا اللي هينقلنا نقلة جديدة وبعد كدا هنقعد مع بعض كتير واحكيلك كل حاجة مش عنه بس عن العيلة كلها
إستغربت حديثه ورغم ذلك تحدثت
– تمام… هشوف التصميم تاني
❈-❈-❈
بمكتب حمزة
– يجلس يراجع قضية لشخص ما… قطع تركيزه رنين هاتفه
– ايوة مين… استمع لتنهيدات انثوية
– عامل إيه ياحمزة وحشتني”!!
وقف متجها للنافذة بعدما علم هوية المتصل
– عايزة ايه ياسلمى؟
أجابته كحية رقطاء:
– لسة زعلان مني ياحمزة… والله عرفت قيمتك بعد مابعدت عني… عرفت فعلا إنك
قاطعها وتحدث بغضب
– قولي بسرعة عايزة إيه معنديش وقت
– حمزة أنا اكتشفت إني بحبك فعلا… فعلا زي ماانت قولت انا كنت موهومة ومفكرة نفسي إني بحب راكان بس والله بعد بعدك عرفت إني بحبك إنت
كور يديه بغضبا متملك قائلا بتأفف
– سلمى كان فيه منه وبح خلص… خفي عني ياسلمى لاني مبقتش حمزة القديم…وإنتِ زيك زي داليا..بكرهكم انتوا الأتنين..ودلوقتي وبعد إذنك مش فاضي وياريت ماتتصليش بيا تاني
اتسعت عيناها من حديثه… ظنت إنها عندما تتحدث إليه… سيسرع إليها بسبب حبه المتمادي لها، كزت على أسنانها بغيظ .
– والله ماهرحمك ياحمزة لاخليك تيجيلي زاحف… دلفت والدتها اليها
– إيه ياسلمي اتجننتي يابنتي بتكلمي نفسك
– مفيش ياماما… قالتها وهي تشعر بأن دمائها تغلي من شدة الغضب
جلست والدتها بمقابلتها
– كلمتي راكان ولا لسة… كانت تنظر من النافذة بشرود…
صاحت والدتها مرة أخرى
– سلمى بقولك كلمتي راكان ولا لسة
اخذت شهيقا عميقا واستطردته
– لسة ياماما… والصراحة مش عايزة أكلمه… بارد ومتكبر ومبحبوش…
وقفت والدتها واتجهت تصرخ بوجهها
– نعم ياختي هو مين دا اللي بارد… احنا هنستهبل مش دا راكان اللي رفضتي العرسان بسببه
– أوووف ياماما… دا كان زمان مش دلوقتي.. دلوقتي مغرور دا مابيقولش كلمتين يرضو ربنا وهو بيبصلي.. كل مااقعد معه ياإما ماسك تليفونه… ياإما بيتكلملي على كسوف الشمس وخسوف القمر
– انتِ مالك النهاردة يابت… عايزة ايه مش دا راكان اللي خليتني اتخانق مع فريال بسببه
بفيلا خالد البنداري
خرجت من المرحاض وهي تدندن بصوتها الناعم… فجأة توقفت عن الغنا
– صباح الخير يايارا… فيه حد يخض حد كدا
أشارت لها يارا بالجلوس
– عايزة اتكلم معاكي شوية ياسارة ممكن
مطت شفتيها بسخرية… ثم جلست واضعة ساقا فوق الاخرى
– بسرعة بس علشان عندي ميعاد مهم
انكمشت ملامح وجه يارا بإمتعاض من أسلوبها المستفز
– ممكن تسمعيني ياسارة لو سمحتي… وبلاش طريقة الاستهزاء بتاعتك دي
– زفرت بحنق وأجابتها
– تمام يايارا خير… أنا سمعاكي أهو
– مالك ومال سيلين… ليه دايما بتحاولي تضايقها… دي بنت خالنا ووحيدة مالهاش اخوات بنات
انفجرت ضاحكة ووقفت وهي تضرب يدا بالاخرى :
– مين دي اللي بضايقها… ومين دي بنت خالنا … شكلك طيوب أوي يابنت عمتي بس حبيت اوضحكلك حاجة
– تبعد عن حبيبي وأنا أبعد عنها
زفرت يارا بإختناق من طريقتها:
– كلنا عارفين إن يونس بيحب سيلين ياسارة ماتضحكيش على نفسك
التوى ثغرها ساخرة ثم توجهت لغرفة الملابس
– مين اللي ضحك عليكي بكدا ياقلبي… أظن إنتِ أكتر واحدة عارفة أنا ويونس مرتبطين من زمان… لحد مانقلنا هنا جنبهم وبدأت تتلاعب عليه… وأهو أخد شوية معها… خرجت برأسها وتحدثت بسخرية
– حب يجرب حاجة جديدة عليه.. يعني واحدة تقول نعم وحاضر وبس
انعقد حاجب يارا:
– مش معقول يكون بيلعب بمشاعر بنت عمته… قهقهت سارة بالداخل
– المفروض تقولي دا لو معملش كدا ميكونش يونس بتاع الستات
تمتت يارا بكلمات إستيائية محاولة إبتعاد سارة عن يونس
– اللي أعرفه إن يونس بيحبها… يعني من الأفضل ترفضي قرار جدك
خرجت وهي تقوم بهندمة ملابسها المثيرة للغاية
– بصي يايارا علشان منزعلش مع بعض… إنتِ عندك راكان روحي ألعبي براحتك معه… بلاش تدخلي في حياتي علشان مدخلش في حياتك… ثم اقتربت وناظرتها بقوة
– بلاش انتِ يايارا متنسيش ان سلمى هتموت وحد يساعدها علشان تجذب راكان ليها… بس أنا بقول أنه عينه منك… فخلي عينه دي عليكي ياقلبي بدل ماتلف على حد تاني تمام
في فيلا يحيي الكومي
– كان يجلس يراجع بعض أعماله دلفت إليه أسما
– دكتور يحيي أسيا الدكتورة البيطرية جت وشافت السلالات الجديدة بتاعة الأحصنة وبتقول ممتازين.. وأنا شوفت البذور والشتلات بتاعة المزرعة…
أومأ برأسه قائلا:
– تمام يااسما شكرا يابنتي..
مطلوب مني حاجة تانية… أنا بعت برنامج الخاص بتاع الشتلات دي
اتجهت مغادرة بعد ماأنهت حديثها… ولكنه اوقفها
– أسما استني عايز منك خدمة!!
استدارت له حتى تعلم ماذا يريد منها
تسلطت عيناه عليها وتحدث بهدوء عله يبعد أي واجس بداخله
– عايز منك تكلمي نوح خليه يوافق يروح معايا نخطبله
حدقت به بصدمة من كلماته عندما شعرت كأن صاعقة صفعتها بقوة… وقلبها يتمزق ألمًا… تجمدت مكانها وجسدها يرتعش من صدى طلبه منها… رفعت نظرها وبدأت تتلعثم بالكلمات ويديها ترتعش:
– تفتكر هيسمع مني… هو بقاله فترة كبيرة مبقاش بيتكلم معايا معرفش ليه
استند بظهره على المقعد ينظر لها وإلى صدمتها ورغم ذلك ضغط عليهاو صفع قلبها وأدماه بكلماته
– عارف يابنتي أنه مبقاش بيكلمك.. وشكرا للي عملتيه علشاني وعلشانه.. لكن عايزك دايما تعرفي إن دا دكتور كبير وكمان ابن مين ..
كبر وعرف أنه مينفعش يتكلم مع اي حد… بس أنا فكرت فيكي قولت يمكن لسة عنده صدق مشاعر الرأفة بحالتك ويسمع منك زي زمان… فاكرة زمان ياأسما… أيام لما كان بينقذك من ضرب أبوكي ليكي إنتِ وأمك
أغمضت عيناها بوجع… وشعرت بقبضة قوية تعتصر فؤادها وكإنه يضعها فوق لهيب ليشتعل قلبها أكثر وأكثر حتى شحبت ملامحها..
– حاضر يادكتور… أوعدك هكلمه لو سمع مني… قالتها وخرجت دون حديث آخر… خرجت وهي تتضارب بخطواتها كانها لاتعلم إلى أين ستذهب… ضائعة .. تائهة بين الدروب.. فجأة اصطدمت به وعيونها تنسدل عبراتها كالشلال
جحظت عيناه عندما وجدها بهذه الحالة:
– أسما مالك فيه إيه؟!… وإيه الدموع دي!
مسحت دموعها بقوة وتحدثت بغضب:
– انا كويسة مفيش حاجة.. بعد اذنك
في فيلا اسعد البنداري
دلف للفيلا وجهه ينم عن غضبا شديد… قابلته سيلين على باب الفيلا
– مساء الخير ياآبيه
أومأ برأسه دون حديث وتحرك مغادر… ضيقت عيناها مستغربة حالته هذه
– ابيه راكان ممكن طلب… توقف في سيره ومازال مواليها بظهره
– في حاجة ياسيلين؟
اقتربت وهي تفرك يديها… حمحمت ثم تحدثت:
– الكلية عندنا عاملة رحلة لشرم الشيخ… وأنا بعد إذنك يعني نفسي أروح مع صحابتي وأغير جو
استدار قاطبا جبينه
– إحنا بنروح كل سنة تقريبا شرم أنا وانتِ ويونس ليه السنادي عايزة تروحي وكمان إحنا في الشتا… هي الرحلة دي امتى!!
أقتربت تستعطفه بعيناها ثم تحدثت بصوتا حزين:
– لو سمحت ياآبيه نفسي أخرج زي زمايلي.. عايزة أحس إني زيهم
صدمته بكلماتها…
– إيه اللي بتقوليه دا ياحبيبة أخوكي.. هو أنا حارمك من حاجة… دا إنتِ أهم حاجة في حياتي
ابتسمت ومسحت دموعها سريعا
– خلاص وافق لو أنا مهمة عندك نفسي اروح معهم بليز ياراكي
رفع حاجبه بسخرية
– بليز وراكي… لا دا شكلها طارت منك ياسيلي… ألقت نفسها بحضنه تستعطفه:
– وحياتي عندك ياآبيه يارب ينولك اللي في بالك ويسعدك يااخويا ياحبيبي يارب
باااس يخربيتك اللي يسمعك يقول البت بتشحت عليا
ضحكت بصوتا هادئ… وضع يديه على ذقنه بتفكير ثم نظر لها مضيقا عيناه
– هوافق تروحي بس بشرط
ضيقت عيناها وتسائلت
– وإيه هو شرطك ياحضرة المستشار
– أشوف يونس ولا سليم الفاضي يروح معاكي… ماهم دول اللي أقدر امنلهم ياسيلي غير كدا انسي
ضربت قدمها بالارض وهي تكز على شفتيها
– يعني مفيش فايدة فيك أبداً ياآبيه
ارتدى نظراته وتحرك
– ابدا ياسيلي… هتروحي زي ماانتِ عايزة أهو مع صحابك بس برضو حد من أخواتك ياخد باله… ومتقوليش مش واثق فيكي.. أنا مش واثق في اللي معاكي ياحبي
قالها وهو يصعد درجات السلم
دلف غرفته وقام بخلع جاكتيه بعنف… جلس على أطراف الفراش وهو يمسح بعنف على وجهه كلما تذكر تلك الليلى التي أذهبت بعقله لجحيم التفكير بها…
القى بظهره على الفراش ينظر لسقف الغرفة ويتذكر جميع لقائته بها… يتذكر تلك العيون جيدا… نعم رآها قبل القضية ولكن لم تسعفه ذاكرته للتذكر
تذكر ذلك اليوم وهي تخرج من باب الشركة وكانت تنتظرها فتاه تشبهها كثيرا بخجلها ورقتها ويبدوا إنها تصغرها بالعمر ..
قبل فترة
اقترب من الفتاه عندما وجد احد الشباب يضايقونها بحديثهما
– فيه حاجة ياآنسه واقفة كدا ليه هنا
فركت يديها ونظرت بخجل للأرض
– مستنية أختي شغالة هنا… وهتخرج بعد شوية… أومأ برأسه ثم أشار لها عندما وجد الشبه الكبير بينهما
– طيب ادخلى استنيها عند الريسبنشن وقفتك في الشارع مش كويسة
اومأت متحركة للداخل دون حديث معه، تحرك لسيارته الذي أحضرها فرد الأمن… وتحرك أمامه البودي جارد المسؤل عن حمايته
فتح باب السيارة جالسا بالخلف مردتيا نظارته اذ بها تخرج من الباب الرئيسي وهي تضم اختها وتضحك ببراءة… ضحكتها خطفت لب قلبه وليس عقله فقط… ظل واقفا يتابعها بعينه
اوقفها المدعو آسر
-باشمهندسة ليلى لحظة من فضلك… استدارت له ومازالت ابتسامتها تنير وجهها:
– ايوة فيه حاجة… اتجه آسر بنظره لدرة وبسط يديه بتحيته
– أزيك يادرور
الحمدلله ياأسورة
– كنت بقولك لو ينفع بكرة نخرج بعد الشركة عازمك على الغدا
قطبت مابين حاجبيها
– اسفة ياآسر مشغولة
قالتها ثم تحركت متجهة لسيارة الاجرة وركبت مغادرة.. وقف آسر ينظر لها بنظرات عاشقة إلى أن أختفت… أغمض عيناه وكأن قبضة قوية تعتصر فؤاده عندما وجدها اليوم تقف وتبتسم معه رغم إنها ابنة عمه ولكنه رفض التحدث بصوتها الناعم لغيره اعتدل سريعا وهو يمسح بغضب على وجهه كلما تذكر ذلك… ود لو اختطفها من الجميع ولا يراها سواه
وقف متجها لمرآته وظل ينظر لنفسه ويتحدث مع نفسه كأنه شخص آخر
– في إيه ياراكان اول مرة تكون ضعيف كدا… دا اجمل منها بيتمنوا نظرة منك… فوق كدا متخليش ست تتحكم فيك…
بقالك شهور بتخطط علشان تبقى جنبك ويوم ماتقرب تهينك بالشكل دا.. أطبق على جفنيه بألم.. يكفي ماأحس به قلبه من كرهها اللامتناهي له ولا يعرف لماذا
❈-❈-❈
بعد أسبوعين
داخل غرفة المكتب تجلس تطالع ساعة يديها.. ثم نظرت للأوراق التي أمامها دون تركيز
طالعها سليم بإبتسامة:
– إيه وراكي مشوار.. كل شوية بتبصي في الساعة
هزت رأسها بالنفي واتجهت تنظر لتصميمها مرة أخرى وهي تشعر بالحزن.. قاطعهم رنين هاتف سليم
رفع نظره ليونس وتحدث دا حمزة بيتصل بيا ليه غريبة
– طيب رد ممكن عايزة يسأل على راكان.. ممكن ميعرفش انه في مطروح.. قالها يونس بقلق
– حمزة حبيبي.. ولكنه هب فزعا وهو يصيح
– هو فين دلوقتي.. بتقول مستشفى إيه ياحمزة… صرخ بها سليم وهو يجمع اشيائه متحركا للخارج ثم صاح ليونس
– راكان انضرب بالنار يايونس…ارتعدت أوصالها والرعب والخوف تملك منها حتى شعرت بالدوران يجتاح جسدها بالكامل.. .
استفاقت سريعا تنادي باسمه سليم
– راكان كويس.. توقف يونس يرمقها بعدما استمع للهفة سؤالها عنه
اسبلت جفنيها تنظر للأسفل تلعن نفسها من تسرعها فتحدثت:
– هو حالته إيه كويس!! قالتها بهدوء.. كان سليم قد خرج سريعا ولم يتبقى بالغرفة سواها مع نظرات يونس التي تحاوطها
– لما نروح هنعرف وأكيد هنطمنك.. قالها بمغذى ثم خرج سريعا
اهتز جسدها بالكامل وانسدلت دموعها تحرق وجنتيها ولم تشعر بنفسها إلا وهي تتمتم
– يارب نجيه.. يارب متوجعش قلبي عليه
ظلت لبعض الوقت حتى ساءت حالتها من البكاء كلما تذكرت ماقالته اليه.. دلف آسر إليها
– بدور عليكِ من وقت.. قاعدة كدا ليه؟
مسحت ﮂموعها ونهضت تجمع أشيائها
– كنت بشتغل ونسيت الوقت
-إنت بتعيطي.. تسائل بها آسر
هزت رأسها بالنفي فأجابته بصوتا مكتوما من البكاء
– لا افتكرت حاجة.. لازم أمشي
– عرفتي اللي حصل لراكان البنداري.. تصنم جسدها..وفجأة أحست بإنقباض شديد لقلبها الذي كاد يتمزق من الألم.. وانسدلت دموعها مرة أخرى وهي تواليه ظهرها فحاولت الحديث ولكن اختنق صوتها وكأنها لم تعلم كيفية النطق
قلبها يدمى كأنين وتر مقطوع وتتمنى لو يرجع بها الزمن لم تحدثه بتلك الطريقة
– بيقولوا حالته خطرة الرصاصة جنب القلب بكام ملي..وممكن يموت …هنا أنهارت بالكامل وهوت على المقعد تبكي كما لم تبك من قبل
جحظت أعين آسر على حالتها وجسدها الذي بدأ يرتعش أمامه..أسرع يجلب لها كوبا من المياه وحاول ان تشربه
– ليلى أهدي..إيه اللي حصل… معقول تكوني زعلانة على راكان.. لا مستحيل
رفعت بصرها إليه ولم تعرف بما تجيبه
– أفتكرت موت خالتو ياآسر… ماتت برصاصة غدر
ربت على كتفها وساعدها في القيام متجها للخارج ومازالت دموعها تنسدل.. استقلت السيارة بجوار آسر
– آسر وديني عند أسما.. مش عايزة أروح دلوقتي…
بعد قليل وصلت لمزرعة الكومي كانت أسما تجلس بين الزروع تبكي بصمت
رأت سيارة آسر تقف أمام البوابة الرئيسية للفيلا… تحركت تمسح دموعها متجهة لليلى التي ترجلت من السيارة.. كانت تتحرك بوهن وكأنها تسير على جمرات تحرق اقدامها.. وصلت لأسما ولم تشعر بنفسها إلا وهي تلقي نفسها بأحضان أسما
– راكان بيموت ياأسما.. مش هسامح نفسي لو حصله حاجة
احضتنها أسما باكية على ماأصابهما.. أختلج صدرها بطعنات قلبيهما.. سحبتها واجلستها على الأريكة التي توضع أمام الملحق التي تمكث به
احتضنت وجهها وتحدثت مخففة عن قلبها آلامه
– ليلى راكان هيكون كويس.. ونوح سافرله من ساعة تقريبا.. حمزة كلمه.. هو آه حالته خطرة لكن هيخرج ان شاء الله
تنهدت بحزن على بكائها فأردفت مرة أخرى
– حبيبتي ممكن تهدي وأنا هكلم نوح ونطمن عليه.. هو زمانه خرج من العمليات لانه مضروب الصبح اصلا وهو راجع مش دلوقتي
هزت رأسها تشير لهاتف أسما
– كلمي نوح وطمنيني.. زفرت أسما وحاولت الحديث
– هقوله ايه ياليلى بس.. هيقولي بتسألي ليه.. ظلت ليلى تهز رأسها
– لا مش هيسأل.. ربتت على كفيها
– تمام هتصل.. ممكن تهدي!! لا وبتقولي مش بتحبيه دا إنتِ ميتة فيه ياخبيت إخواتك
مسحت دموعهاوتنطق بتألم:
– بحبه أوي ومضايقة منه أوي.. لا زعلانة منه بقالي أسبوعين ياأسما وهو بعيد لما خلاص عرفت أنه مهم قوي
– أيوة يانوح.. قالتها أسما بهدوء،… على الجانب الأخر يجلس امام العناية هو سليم وحمزة ويونس ووالده الذي وصل للتو
– فيه حاجةياأسما..حمحمت أسما وهي تنظر لليلى التي تنتظر بلهفة إجابته
– لا مفيش..كنت بتصل أشوفك هترجع إمتى..والمستشار عامل إيه
– هنرجع بكرة القاهره ان شاءالله..هو كويس منتظرينه يفوق..توقفت اسما وسالته بأمل أن يريح قلب تلك المسكينة
– هي أصابته خطيرة يانوح؟
حمحم نوح مبتعدا وأجابها بغضب
– من إمتى راكان مهم عندك؟ دا إنتِ بقالك أسبوعين مش بتكلميني
اتجهت بنظرها لليلى وتحدثت بهدوء:
-طمني يانوح بجد.. راكان كويس.. صعبان عليا مش أكتر وبعدين دا صاحبك عارفة إنه مهم عندك..و هتكون حالتك عاملة إزاي دلوقتي
أرجع خصلاته للخلف بغضب منها وأجابها
– كويس ياأسما الحمدلله.. مستنين يفوق مش أكتر.. اغلقت معه سريعا حتى لايدخلا بنقاش أمام ليلى
ابتسمت لليلى
– كويس الحمد لله.. ماخدتيش غير دموعك وعينك اللي ورمت بس.. غمزت لها قائلة:
– دا الحب مقطع الجميل
باليوم التالي بغرفته بالمشفى… كان حمزة يجلس بجواره بعدما ذهبوا جميعا لقضاء بعض وقت من الراحة
استمع لهمهمته… ليلى… ليلى.. قالها عدة مرات.. اقترب حمزة وحاول يحدثه
– راكان فوق حبيبي ياله.. لحظات وبدأ يستعيد وعيه.. حاول فتح عينيه ولكن إضاءة الغرفة كانت تعترضه .. لحظات وفتح عيناه وهو يتسائل بصوتا متعب:
– أنا فين؟.. ابتسم حمزة له وغمز بعينيه
– في حضن لولا ياوحش.. قطب مابين حاجبه محاولا الحديث..
– هي فين ليلى!! قهقه حمزة وهو يرفع يديه
– لا دا الرصاصة اخترقت عقلك ولكن شغلت القلب ياقلب.. ليلى قالها مرة أخرى وذهب بنومه مرة أخرى.. دلف سليم بعد إستياقظه
– هو لسة مفقش.. تسائل بها سليم… كان حمزة مازال يضحك فأردف من بين ضحكاته
– لا فاق وسأل على حبيبت.. ولكنه صمت ولم يكمل حديثه
قطب حاجبيه متسائلا
– راكان له حبيبة.. قاطعهم يونس الذي يتثئاب..
– راكان عامل إيه..سليم كلم والدتك قلقانة من غيابنا كلنا.. وطبعا لو عرفت هتقلب الدنيا
أومأ سليم برأسه متحركا للخارج.. لكنه توقف وتسائل:
– أنت كنت تعرف إن راكان له حبيبة يايونس.. جلس يونس يتمطأ بذراعيه مردفا بسخرية
– لا عارف أنه بيتجوز كل أسبوع.. لكزه حمزة
– اخرص ياحيوان..
بعد أسبوع انقطعت ليلى عن العمل.. وعاد راكان للقاهرة محجوزا بمشفى اخرى… ذهب إليه معظم العاملين من الشركة .
ذهبت لعملها بعد أجازة اسبوعا كاملا من العمل.. دلفت لمكتبها تحاول السيطرة على نفسها
دلف يونس إليها
– حمدالله على السلامة.. دا طلع مش راكان بس المريض.. حاولت الابتسامة فتحدثت حتى تهرب من نظراته المحاصرة
– الحمدلله.. كنت واخدة دور برد شديد وبلغت بكدا… أومأ برأسه ومازال يطالعها فرفعت رأسها وسألته
– حضرة المستشار عامل إيه دلوقتي
– كويس.. قالها يونس بتحفز ثم خرج وهو يطلق صفيرا.. فابتسم بخبث
– بتلعب عليا ياابن عمي.. تمام لو مكنتش يونس لو مطلعتش عليك القديم والجديد
في فيلا أسعد البنداري
جلست تمسد على خصلاته وهو غافيا ودموعها تنسدل عليه.. كيف سيكون حالها لو فقدته.. فتح عيناه بعدما شعر بها.. حاول الاعتدال.. فقبلت رأسه
– حبيبي خليك ماتتعبش.. ضم كفيها ورفع انامله يزيل دموعها
– ممكن أعرف بتعيطي ليه ياحبيبتي.. أنا كويس حبيبة قلبي
قبّلت جبينه وأردفت:
– ربنا مايحرمني منك ياحبيبي..
ابتسم لها قائلا:
– ولا منك ياست الكل.. ممكن بقى تساعدي إبنك أنه يجهز.. عايز أخرج أشم شوية هوا
هزت رأسها رافضة:
– لا مستحيل تخرج.. إنت لسة تعبان.. أعتدل ناهضا من مخدعه..
– ماما حبيبتي أنا هخرج بلاش تتعبيني بالكلام ياحبيبتي لو سمحتِ
ضمت وجهه وتحدثت بعاطفة الأمومة
– ويرضيك أمك تفضل قلقانة عليك ياحبيبي.. أمسك كفيها وقبلهم
– ست الكل أنا هكون كويس أكتر لو خرجت.. طالعته بنظرات مستفهمة
– يعني إيه ياراكان.. تحرك بهدوء خطوتين
– عايز أروح أشوف حبيبتي ياست الكل وحشتني بقالي شهر بالكامل مشفتهاش.. ابتسمت بحبور وأسرعت تضمه
– راكان إنت بتحب واحدة..هز رأسه وابتسم لها وتحرك دون حديث
أستقل السيارة وتحدث لسائقه
– على الشركة يابني.. جلس ينظر من النافذة ويتذكر زيارة جميع من بالشركة سواها.. ابتسم بخفة
– بتعاقبيني ياليلى.. هعرفك كويس إزاي تعاقبيني بعد كدا
في مكتب ليلى جلست مغمضة العينين
سحبها من يديها متجها للأريكة التي توجد بمكتبه..
– وحشتيني.. ابتسمت له ونظرت لصدره
– موجوع.. الجرح لسة بيوجعك… هز رأسه بالنفي
– لا.. كان لكن دلوقتي كويس.. وضعت رأسها على كتفه.. ويديها موضع إصابته
– خفت عليك أوي.. قالتها بصوت متحشرج بدموعها
رفع ذقنها وضم وجهها بين كفيه
– ليلى أنا كويس.. لو سمحتِ بلاش أشوف دموعك دي
انسدلت دموعها بقوة على وجنتيها.
– كان ممكن تموت ياراكان…
– إشش إهدي حبيبي.. أنا كويس.. أخرجها من أحضانه يمسح دموعها ثم دنى يهمس
– تعرفي أنا بحبك قد إيه.. فزعت من غفوتها على المقعد ودقاتها تتقاذف بعنف
– وبعدهالك ياليلى أنتِ وعدتي نفسك.. فوقي لنفسك هتخسري نفسك كدا.. دوسي على قلبك… الشخص دا لازم تدوسي عليه مينفعكيش… تذكرت اليوم الذي ذهبت لزيارته بصبحة آسر…
وصلت المشفى وتحديدا أمام غرفته.. وجدت يونس يجلس بالخارج بجوار إحداهن.. ويضمها وكأنه يواسيها.. وبالجانب الأخر والده ووالدته.. توقفت تهز رأسها لأسر
– ادخل أنت أطمن وطمني.. مش عايزة أدخل أنت عارف علاقتنا متوترة
أومأ برأسه وتحرك للداخل.. خرجت احدى السيدات من داخل غرفته التي تظهر بالجاذبية والأناقة.. توقفت أمام باب الغرفة وهي تلوح بيديها
– هستناك حبيبي ألف سلامة عليك.. ضغطت على ثيابها بقوة وهي ترمق التي تتحرك بخيلاء متوجهة إلى أسعد
– عمو أسعد ألف سلامة على راكي.. إن شاءلله يقوم بالسلامة.. بعد دقائق وصلت يارا ملقية نفسها بأحضان زينب
– راكان ياطنط عامل إيه.. ربتت زينب بمحبة
– أهدي حبيبتي هو كويس مفهوش حاجة.. ممكن تدخلي تشوفيه..
تهكمت في نفسها
– دنجوان عصره اسم الله عليه.. عامل فيها توم كروز.. لا وأنا العبيطة اللي كنت هموت نفسي من العياط عليه.. خرج آسر
تحركت أمامه سريعا كأنما لو ظلت دقائق اخرى ستدخل وتصفعه على عينيه
توقفت عندما إستمعت لأخرى تسأل عن غرفته نظرت لها بتقييم..كانت ترتدي ثيابا تظهر جسدها أكثر مما تخفيه
– وحياة ربنا الراجل دا نفسي اضربه على وشه.. قالتها وهي تكز بإسنانها
وصل آسر يطالعها ثم تسائل:
– ليلى بتكلمي نفسك.. هزت رأسها وتحركت لسيارته
خرجت من شرودها ثم زفرت بغضب من نفسهافتوقفت متجهة للنافذة تحاول أن تخرج من حالتها.. وشردت بالمارة بالخارج.. لحظات وفُتح الباب وطل منه بهيئته التي جعلتها تلقي جميع وعودها لنفسها بالأرض.. ودت لو أسرعت وألقت نفسها بأحضانه حتى تشبع منه
وقفا يناظران لبعضهما البعض للحظات.. حتى خطى بخطواته السلحفية وانظاره تحاوطها بإشتياق
الفصل الخامس