عن العشق والهوى

~ الفصل الأول ~

~ بسم اللہ الرحمن الرحيم ~

– تبدأ القصة عندما تخرج تلك الفتاة الجميلة البريئة من ذلك المنزل الضخم في تمام الساعة الخامسة فجراً وهي تبكي بحرقة وتضغط بقبضتها على تلك الحقيبة السوداء التي كانت تحملها بين يديها… وقبل ان تبتعد عن حدود المنزل التفتت اليه حيث كان واقفاً ينظر اليها من خلف نافذة غرفته البلورية وهو عاري الصدر ويمسك بيده كأس مشروب كحولي يرتشف منه بضع رشفات بهدوء مميت الامر الذي جعل غضبها يزداد ، لذا ضغطت على الحقيبة التي بيدها بكل قوة وقالت بنبرة صوت مجروحة : واطي .

ثم بصقت على الأرض وهمت بالمغادرة وهي تمسح دموعها بعنف وتضغط على تلك الحقيبة وكأنها تحاول ان تمزقها ، اما هو فاستمر بمراقبتها وهي تبتعد في تلك الساعة المبكرة من الصباح حتى غابت عن مجرى نظره تماماً ، وما ان تأكد انها لن تراه حتى قذف كأس الخمرة من يده ورماه أرضاً فأصبح حطاماً ثم بدأ يحطم كل شيء تقع يده عليه وهو يصرخ بصوت اشبه بزئير الأسد قائلاً : ليه … ليه عملتي كدا ، ليه وافقتي بالسهولة دي … كل دا علشان الفلوس … مكنتش عايزك توافقي … كنت عايزك تقولي لا وتضربيني آلم وبعدها تخرجي من هنا !

– قال جملته الاخيرة بنبرة حزينة وهو ينسدل بجسده إلى الاسفل ، فجلس على الأرض سانداً ظهره الى حائط تلك الغرفة الفاخرة والتي تبدو كما لو انها جناح ملكي أكثر من كونها غرفة نوم لشخصٍ واحد ثم رفع ثم وضع رأسه بين يديه غرساً اصابعه بين خصلات شعره الكثيف بقوة واخذ يضغط عليه بعصبيه شديدة جعلت عروق رقبته تظهر ؛ كما ان عيناه تجمرت من شدة الغضب.. بقي على تلك الحال لمدة لا تتجاوز الخمس دقائق وسرعان ما تنهد باستسلام واردف بنبرة حازمة : كلهم كدا … اهي دي كمان عملت كدا علشان الفلوس وانا اللي كنت فاكر انها غير كل البنات بس صدق اللي قال ان الطبع غلب التطبع وهما طبعهم الطمع والكدب.

قال ذلك ثم هب واقفاً بكل وقار وبعدها دلف الى حمام غرفته وبدأ يستحم وكأن شيئاً لم يحدث ، اما هي فكانت قد استقلت سيارة أجرة وهي تحتضن الحقيبة التي اخذتها منه بعدما عاشت اسوء كوابيس حياتها وهي تتأوه بألم في حضنه في الليلة السابقة ؛ أدمعت عيناها وزادت من شدة الضغط على الحقيبة وهي تردد في داخلها : استحملي يا مرام… استحملي يا حبيبتي انا جبت الفلوس وانتي هتعملي العملية وهتخفي بس استحملي لغاية ما اوصل.

☆ وبعد مدة وجيزة ………

اخبرها سائق سيارة الأجرة انهم وصلوا الى العنوان المطلوب فاستيقظت من شرودها ونظرت من نافذة السيارة لتجد انها وصلت الى المستشفى بالفعل ، تنهدت وسألت السائق : تؤمر بأيه يا اسطه ؟

اجابها : خمسين جنيه يا هانم.

فلم تعلق بأي حرف بل فتحت تلك الحقيبة التي كانت تمسك بها طوال الطريق الامر الذي ادهش سائق الأجرة عندما رأى رزم النقود بداخلها … أبتلع ريقه وهو ينظر اليها بعيون مفتوحة وهي تمسك بأحدى الرزم النقدية وتسحب منها ورقة نقدية من فئة الـ 200 جنيه وسرعان ما اعطته ايهاها قائلة : مامعيش فكه علشان كدا تقدر تخلي الباقي.

قالت ذلك ثم اغلقت الحقيبة مجدداً وترجلت من سيارة الأجرة تاركة ذلك الرجل يحدق بها بدهشة وهو يحمل ورقة النقود بيده ، فتساءل بتعجب : دي سرقت بنك ولا ايه حكايتها بالزبط ؟!

ولكن سرعان ما نظر إلى ورقة النقود التي اعطته اياها وابتسم قائلاً : وانا مالي… المهم اني كسبت 150 جنيه كدا من غير معملش حاجة.

قال ذلك ثم وضع النقود في جيب سترته وبعدها شغل محرك السيارة وهم بالمغادرة… اما هي فركضت الى داخل المستشفى والى قسم الطوارئ بالتحديد حيث كانت غرفة العناية المركزة التي ترقد بها اختها الصغرى ذات الـ 12 عاماً والتي كانت بحاجة لأجراء عملية زرع قلب جديد بأسرع ما يمكن.

توجهت نحو مكتب الأستقبال وقالت وهي تلهث : انا… انا جبت الفلوس… يلا دخلوا مرام غرفة العمليات بسرعة.

فنظرت اليها موظفة الاستقبال الخاصة بقسم الطوارئ بتوتر شديد وقالت بتلعثم : انا..انا هطلب من الدكتور عماد علشان يجي يكلمك .

أومأت لها برأسها وهي ما تزال تلهث قائلة : طيب.. بس من فضلك خليه يجي بسرعة.

فلم ترد عليها الموظفة بل امسكت المايك واخذت تقول : دكتور عماد شحاته من فضلك تعالى على قسم الطوارئ دلوقتي.

ثم كررت ما قالته وبعدها اطفإت المكبر الصوتي ونظرت إلى تلك التي كانت تناظرها بترقب ثم تنهدت وقالت : اكيد الدكتور سمع النداء وهيجي فوراً .

وما هي الا دقيقة قد مرت حتى جاء ذلك الطبيب الذي يرتدي نظارات طبية ويبدو انه في الاربعين من عمره حيث كان شعره خفيفاً ويكاد ان يصبح اصلع بينما كان جسده ممتلئاً قليلاً ، وما ان رأته حتى ركضت نحوه وهي تمسك الحقيبة ثم قالت بلهفة : انا.. انا جبت الفلوس يا دكتور … وهدفعهم حالاً علشان تعملوا العملية لأختي الصغيرة.

في تلك اللحظة تغيرت تعابير وجه الطبيب عندما رآها مما جعله يعدل وضع نظارته الطبية ثم تنهد وقال بكل هدوء : خلاص…مفيش داعي انك تدفعي الفلوس.

– رمشت هي عدة مرات ثم سألته بعدم فهم : قصدك ايه يا دكتور ؟

واضافت بقلق : ازاي مفيش داعي اني ادفع فلوس عملية اختي ، مش انتوا اللي قلتوا انكوا متقدروش تعملوا العملية قبل ما ادفع فاتورة العلاج اللي هي 300،000 جنيه ؟!

فاخذ الطبيب يفك ربطة عنقه واردف بتوتر : اسمعي يا بنتي.. الكلام اللي هقولهولك دا اكيد هيبقى صعب بس نعمل ايه بقى دي مشيئة ربنا ولا اعتراض على حكم الله.

في تلك اللحظة تجمد الدم في عروقها وسألته بخوف شديد : هي مرام جرالها حاجة ؟

تنهد الطبيب واجاب : البقية في حياتك…وشدي حيلك.

وبعد ان سمعت ذلك سقطت الحقيبة الجلدية من يدها على الأرض واخذت تحدق به بتعابير غريبة لم يستطيع ان يفهم معناها ثم قالت بعصبية : انت كداب…ايوا انت بتكدب عليا علشان انتوا مش عايزين تعملوا العملية لاختي بس انا هطلعها من هنا وهوديها مستشفى تاني احسن من دا بكتير.

قالت ذلك ثم ركضت باقصى سرعتها الى غرفة العناية المركزة التي كانت تنام فيها اختها فلحق بها الطبيب عماد وهو يقول : استني يا أنسه مريم… مينفعش تعملي كدا.

ولكنها لم تستمع اليه بل اتجهت إلى حيث كانت الغرفة وسرعان ما صدمت عندما لم تجد اختها في السرير فصرخت بالطبيب قائلة : فين مرام ، انتوا ازاي تخرجوها من غير اذني ؟

وبينما كانت تصرخ نظر اليها بعض الاشخاص الذين كانوا متواجدين في ذلك القسم ومنهم صديقتها الحميمة ألهام أمين التي كانت جالسه على الكرسي بصمت ويبدو عليها انها بكت كثيراً ، وعندما سمعت صراخها نهضت من مكانها بسرعة ثم ركضت نحوها وهي تبكي قائلة : كنتي فين يا مريم ، انا اتصلت عليكي كتير اوي بس الموبايل بتاعك مقفول قوليلي رحتي فين ؟

فنظرت مريم اليها وسألتها ببكاء : اختي فين يا الهام ؛ هما عملوا فيها ايه ؟

عانقتها الهام وبكت بحرقة ثم قالت من بين دموعها : شدي حيلك يا مريم ، كلنا على الطريق دا.

في تلك اللحظة انفجرت مريم باكية واخذت تصرخ قائلة : لااااااء… انتوا بتكدبوا… كلكوا كدابين مرام لسه عايشه ، انا مش هصدق اللي بتقولوه دا ابداً

واستمرت بالبكاء حتى عانقتها الهام مجدداً وهي تبكي قائلة : ارجوكي يا مريم متعمليش كدا… دا حرام.

ولكن المسكينة لم تتوقف عن البكاء الا عندما وقعت على الارض فاقدة للوعي… كيف لن تفقد وعيها وهي التي ضحت بنفسها وروحها لذلك الرجل المليونير فقط لكي تستطيع ان تنقذ اختها التي كانت تصارع الموت ولكنها لم تكن تتوقع ان حبل المنية { الموت } سيأتي ويزور اختها مبكراً جداً ويأخذها معه في تلك الرحلة الأبدية.. هي حتى لم تستطيع ان تنسى كيف مات والدها عندما كانت في سن الثامنة عشر لتتبعه امها التي توفيت منذ سنة تقريباً جراء حادث دهس وها هي الان تفقد اختها الوحيدة بسبب المرض ؛ كثير… والله كثير لكي تتحمل كل هذا العذاب وهي ما تزال في الواحد والعشرين من عمرها .

☆ عودة في الزمن / قبل ثلاث سنوات….

كانت مريم فتاة في سن الثامنة عشر وكانت تعيش حياة سعيدة مع عائلتها المكونة من والدها مراد موظف في شركة الكهرباء وامها سعاد التي هي ربة منزل وشقيقتها الصغرى مرام… كانوا عائلة متوسطة الحال ليسوا فقراء وليسوا اغنياء فقط كانوا من الطبقة المتوسطة في المجتمع وبالرغم من ذلك كانت حياتهم سعيدة ؛ والدها كان يحبهم كثيراً ولا يجعل اي شيء ينقصها هي واختها وامها بالرغم من مرتبه الذي بالكاد كان يكفي لدفع مصاريف المدرسة وفواتير الكهرباء والماء وغيرها وكان يحضر لهن كل ما يطلبنه… طعام شهي ملابس جميلة ويعطيهن مصروف المدرسة كل يوم.

ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان حيث ان السيد مراد تعرض لحادث في العمل عندما ارسلته الشركة التي يعمل بها الى احدى الاحياء الشعبية لكي يصلح عمود الكهرباء ، وعندما امسك الكابيل الرئيسي الذي كان غطائه البلاستكي متلف وعليه بضع قطرات من الندى تعرض للصعق بالكهرباء بقوة تزيد عن الـ200 واط مما اسفر عن موته فوراً .

صعقت السيدة سعاد عندما سمعت الخبر وان زوجها الذي تحبه كثيراً قد مات وشعرت بأن روحها التي ماتت ، اما ابنتيها مريم ومرام فسيطر عليهن الحزن لأن الصغيرة قد اصبحت يتيمة الاب وهي ما تزال في سن التاسعة بينما الكبيرة كادت ان تفقد عقلها لان والدها الذي تحبه قد تركها وهي في مرحلة حساسة من العمر ، حيث انها كانت تحتاج من يوجهها ويعلمها التفرقة بين الصح والخطأ ولكنه مات وتركها مع ام مكسور خاطرها واخت صغيرة تعاني من ضعف في القلب لازمها منذ ان ولدت.

اما شركة الكهرباء فتحملوا مسؤولية ما حدث للسيد مراد لانهم هم من ارسله لكي يصلح عمود الكهرباء لذا قرروا ان يعطوا عائلته مبلغاً من المال تعويضاً لما حدث قيمته 150،000 جنيه يصحبه اعتذار رسمي … ولكن ما فائدة المال حين يخسر المرء شخصاً عزيزاً على قلبه ؟

فبعد تلك الحادثة خيم الحزن على منزل ” الأرملة سعاد ” التي لم تعد تعرف ما هو طعم الحياة عندما فارقها زوجها الذي تزوجته بعد قصة حب جميلة ، فأصبحت هزيلة ووجهها شاحب على الدوام مما جعل ابنتها الكبرى مريم تخاف عليها كثيراً وتقلق بشأنها ، كما ان احوال المنزل لم تكن تسر حيث ان الديون تراكمت عليهن ومبلغ التعويض الذي اخذنه من شركة الكهرباء لم تشاء السيدة سعاد ان تلمس قرشًا واحداً منه حيث انها تركته لكي تستطيع ان تنفق منه على مصاريف اقساط الجامعة عندما تذهب اليها مريم.

ولكنهن كن بحاجة للمال فالسيدة سعاد اصابها الاكتئاب بعد موت زوجها فتوجب على ابنتها مريم العمل عوضاً عنها لكي تعيل العائلة.. ولكن ماذا تستطيع تلك الفتاة ذات الثامنة عشر عاماً ان تفعل كما انها كانت في الصف الثاني عشر وموعد تخرجها من المدرسة قد اقترب ؟

بحثت كثيراً حتى وجدت عملاً لطيفاً في احدى مقاهي الانترنت بـ دوام جزئي بعد ان تعود من المدرسة… وبالفعل بدأت العمل في ذلك المقهى هي وصديتها المقربة الهام أمين التي لم تكن تستطيع الأبتعاد عنها ابداً ، وخلال فترة عملهن هناك بدأن يحببن عالم الحاسوب و الأنترنت وعالم البرمجة والتطبيقات التكنولوجية لذا حسمن امرهن بأن يدخلن الى كلية علوم الحاسوب والتكنولوجيا التقنية عندما يتخرجن من المدرسة الثانوية.

بعد مرور سنتين…..

اصبحت مريم في سن العشرين ودخلت إلى كلية التكنولوجيا مع صديقتها الهام امين بالفعل كما انهن استمررن في العمل بمقهى الأنترنت كدوام جزئي وقررن ترك العمل عندما يتخرجن من الكلية لكي يذهبن ويعملن في احدى الشركات التقنية المتطورة حيث ان علاماتهن كانت ممتازة كما لو انهن خلقن ليصبحن جزء من عالم التكنولوجيا.

– ومرت الايام والشهور بسرعة حتى جاء اليوم الذي ستتخرج فيه مريم والهام من كلية التكنولوجيا وهندسة التقنيات ، فكانت فرحتهن لا توصف وخصوصاً مريم التي نالت شهادة تقدير على علاماتها الجيدة فهي بالرغم من كل المصاعب المادية التي واجهتها في دفع اقساط الجامعة الا انها كانت من العشر الأوائل في الكلية كلها.

{ ستقولون كيف واجهتها مصاعب ماديه وامها تركت لها حرية التصرف بمبلغ التعويض الذي حصلن عليه من شركة الكهرباء عندما توفي والدها لذا سأخبركم بأن المبلغ لم يكن بالمبلغ الكبير جداً ، فقط مئة وخمسون الف جنيه وبالكاد استطاعت ان تنهي سنتها الثانية بدفع هذا المبلغ… كما انها استعملت قسم من مرتبها الذي كانت تحصل عليه من عملها في مقهى الانترنت لدفع اقساط السنة الاخيرة ، ولهذا السبب كانت تعمل في المقهى لساعات اضافية دون ان تأخذ يوم اجازة واحد حتى في ايام المرض فقط لكي تستطيع دفع اقساط السنة الثالثة من تعليمها وتوفير بعض النقود لمصاريف مدرسة اختها ودفع فواتير الكهرباء والماء وغيرها }

وبعد ان تخرجت مرفوعة الرأس وجعلت امها واختها تفخران بها …بدأت هي وصديقتها الهام في البحث عن عمل في شركات التكنولوجيا حيث انهن تعاهدن على ان تبقيا سوياً ، فذهبن الى الكثير من الشركات المعروفة ولكن الحظ لم يحالفهن لان جميع الشركات كانت تطلب خبرة في العمل لا تقل عن سنتين وهن كانتا قد تخرجتا حديثاً ولم يسبق لهن ان عملن في شركة.

– فخرجت هي وصديقتها من اخر شركة رفضت ان تقبلهما بخيبة أمل وتنهدت بضيق ثم قالت بتذمر : وبعدين بقى..احنا اتخرجنا من شهر تقريباً ولسه مالقيناش شغل !

فقالت الهام : مهو كل الشركات بيطلبوا خبرة على الاقل لمدة سنتين واحنا معندناش الخبرة دي .

مريم : على الحالة دي احنا مش هنشتغل ابداً …لازم نشوف لنا حل علشان نلاقي شغل في شركة محترمة والا كل تعبنا هيضيع .

الهام : وهنعمل ايه يا ميمي ؟؟

فأخذت مريم تفكر بحل ولكنها لم تفلح لذا تنهدت ثم اردفت باستسلام : معرفش .

الهام : كويس اننا لسه مسبناش الشغل في الـ Internet cafe والا كنا هنبقى في مشكلة.

مريم : عندك حق…يلا خلينا نرجع لان عندنا شغل كتير اوي.

الهام : ماشي.

ثم ذهبن الى عملهن …

وما هي الا ساعات قد مرت حتى حل الظلام فعادت كل واحدة الى منزلها… دخلت مريم المنزل ووقفت تخلع حذائها امام الباب قائلة بصوت عالٍ لكي تسمعها امها : انا جيت.

في تلك اللحظة ابتسمت امها التي كانت في المطبخ تعد العشاء اما اختها مرام فكانت جالسة في غرفة المعيشة تذاكر دروسها المدرسية فهي كانت في الصف السابع آن ذاك …وعندما رأت اختها قالت : جيتي في وقتك يا مريم.

فابتسمت مريم وسالتها : ليه… في حاجة ؟

مرام : تعالي ساعديني…انا مش فاهمة ازي احل مسألة الرياضيات المقرفة دي.

فوضعت مريم حقيبتها جانباً ثم اقتربت منها وجلست على الأرض بجانبها قائلة : ايه اللي مش مفهوم يا حبيبتي ؟

مرام : الاستاذ شرح لنا طريقة الحل كويس بس انا مش عارفه احل المسألة دي اصلها صعبة.

فأخذت مريم القلم من يدها وقالت : طيب انا هشرحها لك ازاي تحليها.

قالت ذلك ثم بدأت تشرح لها …وفي تلك اللحظة خرجت امها من المطبخ وهي تحمل اطباق العشاء وقالت : يلا يا بنات العشا جاهز.

التفتت كل من مريم ومرام اليها وقالت الاخيرة : ثواني بس يا ماما.. هنخلص المسأله دي الاول.

السيده سعاد : ماشي بس استعجلوا قبل ما الاكل يبرد.

قالت ذلك ثم عادت الى المطبخ لكي تحضر بقية الطعام ، وبعد 10 دقائق جلسن ثلاثتهن حول المائدة وبدأن يتناولن العشاء فقالت السيده سعاد : عملتي ايه النهاردة يا مريم ، انتي لسه مالاقيتيش شغل في شركة ؟

فتنهدت مريم واجابت : لا والله يا ماما… كل الشركات اللي قدمت لهم طلب توظيف قالوا انهم بيوظفوا ناس عندهم خبرة سنتين وانا معنديش الخبرة دي مع الأسف .

فقالت مرام : متقلقيش يا ميمي.. اكيد ربنا هيساعدك علشان تلاقي شغل في شركة كبيرة.

فابتسمت مريم واردفت : ان شاء الله يا حبيبتي.

اما السيدة سعاد فقالت : ربنا ينولك اللي في بالك يا بنتي.

مريم : ربنا يخليكي ليا يا ست الكل… وان شاء الله هلاقي شغل قريب اوي طول ما انتي بتدعيلي كدا .

تسارع في الأحداث………..

استمرت مريم وصديقتها الهام في البحث عن عمل لمدة ثلاثة أيام وكانت النتيجة نفسها ، ولكنهن لم يستسلمن ابداً ، وذات يوم خرجت السيدة سعاد الى السوق الشعبي لكي تشتري الخضراوات من اجل اعداد الغداء وبعد ان تسوقت ارادت ان تعود الى المنزل فحملت اكياس المشتريات وحقيبتها القديمة ثم سارت مبتعدة عن السوق حتى وصلت الى الشارع الرئيسي… ولكن لسوء حظها ان احد الأكياس قد تمزق فوقعت منه الخضراوات على الأرض مما جعلها تقول بتذمر : يوووه ودا وقته ؟

قالت ذلك ثم وضعت بقية الاكياس على الارض واخذت تجمع حبات الطماطم التي تبعثرت على الشارع لانها تعرف ان كل حبة تساوي الكثير وخصوصاً في تلك الفترة حيث كان سعر الخضراوات باهظ جداً ، وفي الوقت ذاته اتت سيارة مسرعة كانت هاربة من الشرطة ولم يستطيع السائق ان يسيطر على السرعة فصدم المرأة التي لم تكن منتبهة مما ادى الى سقوطها على الارض بجراح خطيرة جداً.

وما هي الا دقائق حتى تجمهر الناس حولها واخذوا يتمتمون فيما بينهم ، اما الشرطة فقد استطاعوا ان يمسكوا بالرجل الذي صدمها كما انهم توجهوا نحوها واخذوا يبعدون الناس وقام احدهم بالاتصل بسيارة الإسعاف ولكن الحظ لم يكن حليفها حيث انها توفيت على الفور بعد ان اصطدم رأسها بزجاج السيارة الأمامي وسبب لها نزيفاً حاداً في المخ .

☆ عند مريم…..

كانت تمشي في الشارع بعد ان خرجت من عملها لتذهب الى المدرسة التي تدرس بها اختها مرام من اجل ان تدفع رسوم اخر الشهر ، لقد حصلت على مرتبها من مالك المقهى وطلبت منه الاذن لكي تذهب الى المدرسة وتدفع قسط تدريس اختها ، وبينما كانت تعد المال وردها اتصال هاتفي فوضعت المال في محفظتها ثم اخرجت هاتفها من جيب سترتها وابتسمت عندما قرأت اسم ” ست الحبايب ” ثم اجابت : ايوا يا ماما.

ولكن الشخص الذي اجابها لم يكن امها بل احد ضباط الشرطة إذ قال : حضرتك مريم بنت الست سعاد صالح ؟

في تلك اللحظة تسلل الخوف الى قلب مريم فقالت : ايوا يا فندم… انا بنتها الكبيرة بس انت تبقى مين وفين أمي دلوقتي ؟

الضابط : انا ابقى الضابط *** مع الاسف والدتك حصل لها حادثة في منطقة *** ومع الاسف هي اتوفت على طول.

في تلك اللحظة نزل ذلك الخبر على مسمع مريم كما لو انه نيزك مدمر سقط من السماء على رأسها ، فقامت بوضع يدها على فمها بصدمة شديدة ، اما الضابط فقال : آلو.. آلو.. حضرتك سمعاني ؟

فأجابته بصوت يكاد يختفي : ا.. ايوا.. ا.. انا سمعاك.

الضابط : من فضلك يا ريت تيجي مستشفى *** دلوقتي علشان تتعرفي على الجثة … والباقية في حياتك .

قال ذلك ثم اغلق الهاتف ، اما هي فنزلت دموعها كزخات المطر ثم ركضت بأسرع ما يمكن حتى اوقفت سيارة أجرة واخبرت السائق ان يوصلها الى المستشفى… كانت طوال الطريق تبكي وتدعو الله ان يكون ذلك الخبر كذباً وان السيدة التي توفيت ليست امها ، ولكن لا احد يستطيع ان يفعل شيئاً عندما يقضي الله تعالى بأمراً وقد قضى بأن تموت امها بتلك الطريقة وفي ذلك اليوم بالتحديد.

– وعندما وصلت الى المستشفى نزلت من سيارة الأجرة بعدما وضعت المال في يد السائق حتى بدون ان تنظر الى المبلغ ثم ركضت الى داخل المستشفى وذهبت الى قسم الاستقبال ؛ فسألت الموظفة وهي تبكي لو كان قد تم نقل جثة أمرأة في الخمسين من عمرها تعرضت لحادث فأخبرتها بأن تذهب الى قسم الموتى في الطابق السفلي لان ما تقوله كان ينطبق على تلك المرأة التي احضرتها سيارة الاسعاف قبل ساعة.

ركضت الى هناك حيث كان ضابط الشرط التي تحدث معها على الهاتف ثم قالت ببكاء : ماما فين يا حضرة الضابط ، ارجوك قول ان الست اللي جوا مش هي !

فتنهد الضابط وقال : مع الاسف يا بنتي… احنا اتأكدنا من بطاقة الهوية واتضح ان الست اللي جوا دي هي سعاد صالح بس لازم نتأكد من ان الست دي مش وحدة شبها علشان كدا عايزينك تتعرفي عليها.

– وبالفعل دخلت مريم الى تلك الغرفة الباردة والمخيفة حيث كانت جثة امها ممددة على تلك الطاولة وفوقها غطاء ابيض… وقفت ترتجف بشدة قبل ان تنظر الى الضابط وتهز له برأسها لكي يبعد الغطاء عن الجثة… وعندما فعل ذلك ونظرت إلى جثة امها التي تحول وجهها الى اللون الأبيض المائل الى الازرق بكت بكاء شديد واخذت تصرخ قائلة : لاااااااااااااء…دي مش ماما ، ماما لسه عايشة !

ثم انهارت على الارض وهي تبكي بحرقة شديدة.

تسارع في الاحداث…..

مرت ثلاثة ايام على موت السيدة سعاد عاشت مريم واختها مرام خلالها اسوء ايام حياتهن لان امهن قد توفيت ولم يتبقى لهن اي احد سوى بعضهن ، وبعدما انتهى العزاء لم تخلع مريم الاسود حزناً على امها ولم تعد تذهب لكي تبحث عن عمل في الشركات فقط استمرت بالعمل في المقهى واصبح كل همها جمع المال للاعتناء باختها مرام التي سائت حالة قلبها بعد موت امها حيث انها تعاني من قصوراً في القلب منذ ولادتها واي مجهود صغير قد يتعبها.

وهكذا مرت 6 اشهر لم يتغير خلالها اي شيء في حياة مريم واختها مرام ، فقط كانت الكبرى تعتني بالصغرى وتعمل بجد ، اما الهام فلم يعجبها وضع صديقتها المقربة ابداً وقلقت عليها كثيراً حيث ان مريم لم تنزع الاسود ابداً وكأنها فقدت رغبتها في الحياة ، لهذا اخذت الهام تلح عليها لكي تنسى ما حدث وان تتابع البحث عن عمل في احدى شركات التكنولوجيا ولكن لا حياة لمن تنادي .

ومن جهة اخرى وبعيداً عن مشاكل مريم واختها ……

دعونا نذهب الى منزل كبير اشبه بالقصر كان يخص عائلة من اشهر العائلات في القاهرة وهي ” عائلة السيوفي ” فكانت الحديقة الأمامية كبيرة وجميلة جداً ؛ خضراء ومزينة بالورود يتوسطها طريق اسفلتية رفيعة تمتد من البوابة الرئيسية الى باب المنزل الكبير ..اما في الداخل فكان كل شيء يدل على رفاهية المكان بداية من المدخل الواسع الى غرف المعيشة الفاخرة وغرفة المائدة الطويلة والمطبخ الراقي الذي في الطابق الاول.

اما في الطابق الثاني.. فكانت غرف النوم الخاصة بسكان المنزل ولنذهب الى غرفة نوم ” الأبن الأكبر ادهم عزام السيوفي ” حيث ان غرفته كانت كلاسيكية وفاخرة وكل قطعة اثاث موجودة فيها كانت مصنوعة من اغلى انواع الخشب وافخرها ، اما مالك الغرفة فكان يدور فيها ذهاباً وإياباً ويبدو عليه انه منزعج للغاية حيث انه كان يتحدث في الهاتف قائلاً : ازاي قدرتوا تضيعوا الصفقة دي ، انا مش قلت اني مش عايز الصفقة تطير …قلت ولا ماقلتش ؟!

المتصل : ارجوك اهدا يا ادهم… احنا مكناش عارفين ان دا هيحصل بس نعمل ايه لو المبرمج بتاع شركتنا تعب فجأة ومقدرش يكمل برمجة التطبيق ؟

ادهم : انا مليش دعوة بالكلام دا يا كمال… كل اللي بيهمني دلوقتي ان الصفقة طارت ودي كانت اهم صفقة في الشهر دا.

كمال : طيب هنعمل ايه دلوقتي ؟

فتنهد ادهم وقال : من بكرا تدي المبرمج دا تعويض نهاية الخدمة وترفده… وبعدما ترفده عايزك تجيبلي مبرمجين جدد من تحت الارض انت سامع ومش مهم يكون عندهم خبرة او لاء المهم يكونوا بيفهموا في البرمجة ومعاهم شهادة جامعية .

كمال : تحت أمرك يا كينچ … اعتبر ان دا حصل.

ادهم : كمال… مش عايز اللي حصل النهاردة يتكرر تاني.

كمال : متقلقش يا ابن عمتي.. كل حاجة هتبقى تمام ان شاء الله.

ادهم : هنشوف.. يلا سلام دلوقتي.

قال ذلك ثم اغلق الهاتف وجلس على الكرسي بتعابير وجه منزعجة وتساءل بانزعاج : هو انا لازم اعمل كل حاجة بنفسي !

في تلك اللحظة سمع صوت طرق خفيف على باب الغرفة فقال بصوته الوقار : انا مش قلت مش عايز حد يزعجني ؛ عايزين إيه ؟!

في تلك اللحظة فُتح الباب ودخلت فتاة قصيرة ذات بشرة ناعمة وشعر طويل وكانت تبدو من هيئتها انها لم تتعدى الثامنة عشر بعد ، فقالت بصوت مرتجف : ك.. كوثر هانم بعتتني علشان اقولك ان العشا جاهز يا فندم.

فتنهد ادهم ثم نهض من مكانه وقال : طيب يا وفاء..اطلعي انتي دلوقتي.

وفاء : ح.. حاضر يا بيه.

قالت ذلك ثم خرجت اما هو فأخذ نفساً عميقاً وعاد الى جموده وبروده المميت الذي يقهر الجميع وبعدها خرج من غرفته ونزل الى الأسفل حيث كان افراد عائلته مجتمعين حول مائدة العشاء ؛ كانت أمه السيدة كوثر جالسة على رأس الطاولة بينما كان شقيقه معاذ جالساً بجانب امه من الجهة اليسرى وبجانبه زوجته سلوى اما في جهة اليمين فكانت اخته رغد وكان الجميع ينتظرونه لكي ينزل فتوجه نحوهم وجلس ما بين امه واخته قائلاً : مساء الخير.

رد الجميع عليه بـِ “مساء النور” ثم بدأوا يتناولن العشاء واثناء ذلك سألته السيدة كوثر : مالك يا ادهم يا ابني ، في حاجة حصلت ؟

رد عليها قائلاً : مفيش..شوية مشاكل في الشغل.

فقال معاذ : وان شاء الله كل حاجة بقت تمام ؟

فنظر اليه وقال : متقلقش.. كلو هيبقى زي الفل ان شاء الله .

السيدة كوثر : انا مش عارفه انت ليه مسمعتش كلام ابوك الله يرحمه ورحت اسست الشركة دي.. يعني لو سمعت كلامه كنت هتبقى دكتور قد الدنيا دلوقتي زيه وزي اخوك الصغير.

فتنعد ادهم واردف : من فضلك يا ماما انا مش عايز اتكلم في الموضوع دا لان الحكاية حصلت من 7 سنين يعني خلاص مفيش فايدة نعيد ونكرر نفس الكلام .

قال ذلك والتزم الصمت وفي تلك اللحظة بالذات عاد بذاكرته إلى الماضي حين كاسس شركته بنفسه عندما كان في سن الرابعة والعشرين حيث ان والده ” عزام السيوفي ” كان طبيباً مشهوراً في البلد كلها ولم يكن يفهم بأمور البرمجة نهائياً بل كان يحلم بأن يصبح اولاده مثله وهو اختار ان يصبح مهندس تقنيات تكنولوجيا في علوم الحاسوب لذا درس ذلك التخصص في أميركا لمدة خمس سنوات منذ ان كان عمرة 19 عاماً حتى اصبح 23 عاماً وبعدها عاد الى مصر وقرر ان يفتتح شركته الخاصة ، فنجح بفعل ذلك واصبح خلال 7 سنوات رئيس اكبر شركة تجارة الإلكترونية في مصر كلها اي انه الان في سن الواحد والثلاثين .

انتشله صوت شقيقته رغد من شروده حيث قالت : معليش يا ماما.. شغلنة ادهم لايقة عليه اكتر من الطب يعني كفايه عندنا اتنين دكاتره في العيلة .

فحركت السيدة كوثر عيناها بشكلٍ دائري اما سلوى زوجة معاذ فابتسمت قائلة بمرح : تخيلوا معايا كدا يا جماعة ان ادهم دكتور….اكيد هيرفع ضغط المرضى بتوعه بدل ما يعالجهم بمعاملته الباردة دي.

قالت ذلك ثم نظرت إلى ادهم وحركت حاجباها وهي تبتسم بلطف …فضحك الجميع اما هو فرفع بصره عن طبق الطعام ببطء ثم رمقها بنظرة باردة وقال بهدوء : مش هتبطلوا تريقه بقى ؟

فكتم الجميع ضحكهم عندما قال ذلك اما السيدة كوثر فقالت : قولي يا ادهم… انت مش عايز تتجوز بقى ، اظن ان الوقت جيه علشان تستقر وتنسى اللي حصل لما كنت في اميركا.

في تلك اللحظة ضرب ادهم الطاولة بيده بكل قوة جعلت البقية يفزعون ثم هب واقفاً وقال بنبرة يملؤها الانزعاج : انا قلت مش عايز اتجوز يعني مش عايز اتنيل وكفايه تفكريني بالحكايه دي كل شويه يا ماما لأني مش عايز افتكرها تاني .

فسأله معاذ بعصبية : مالك يا ادهم ، ليه بتكلم ماما بالطريقة دي ؟

فنظر اليه وقال : انت ملكش دعوة يا معاذ… خليك في حالك احسن.

قال ذلك ثم تركهم وصعد الى غرفته والانزعاج يسيطر عليه…اما السيدة كوثر فنهضت وقالت بصوت عالٍ لكي يسمعها : والله مش هحل عنك غير اما تنساها يا ادهم… واعلى ما في خيلك اركبه !

ونهضت ابنتها رغد وامسكت بيدها قائلة : خلاص يا ماما… سيبيه براحته.

فجلست السيدة كوثر مجدداً واردفت بتذمر : لحد امتى هسيبه يعمل اللي هو عايزه ، دا زودها اوي.

معاذ : ما انتي عارفه انه مش بيحب حد يجيب سيرة الموضوع دا ابداً يا ماما… علشان كدا متعبيش نفسك يا حبيبتي .

وقالت سلوى : معاذ عنده حق يا ماما ، يعني كل مرة بتحاولي تفتحي معاه موضوع الزواج بتحصل مشكلة في البيت وهو بيكسر كل حاجة علشان كدا سيبيه براحته واكيد هيجي يوم وينسى اللي حصل.

فتنهدت السيدة كوثر وقالت : خلاص يا ولاد …يلا كملوا اكلكوا.

عند ادهم……

دخل الى غرفته ثم اغلق الباب بقوة كادت ان تكسره وسرعان ما امسك بزجاجة عطره ثم رماها ارضاً فأصبحت حطاماً وبعدها جلس وهو يشتعل غضباً فقال محدثاً نفسه : انساها … ازاي هقدر انساها وانسى اللي حصلي بسببها ؛ اه لو كانت لسه عايشة دا انا كنت هقتلها بنفسي وشربت من دمها.

تسارع في الاحداث / في صباح اليوم التالي….

ذهبت مريم الى عملها في مقهى الانترنت وما ان دخلت حتى هرعت صديقتها الهام نحوها وقالت باندفاع : جيه الفرج يا ميمي ..

نظرت اليها وسالتها : قصدك ايه ؟

فامسكت الهام يدها وقالت : تعالي…انا هوريكي حاجة.

ثم سحبتها نحو احد الكمبيوترات الموجودة في المقهى وبعدها اخذت تكتب في محرك البحث عدة كلمات حتى ظهرت لها الصفحة الرسمية لشركة ” رويال للتجارة الإلكترونية ” والتي كانت هي نفسها شركة ادهم السيوفي ، وسرعان ما ابتسمت قائلة : بصي يا ميمي… دي اشهر شركة تكنولوجيا في البلد كلها وهما طالبين مبرمجين تقنيات علشان يشتغلوا فيها … ايه رأيك نروح المقابله بكرا جايز يقبلونا.

فتنهدت مريم وقالت : ما كفايه بقى يا الهام… يعني احنا جربنا نشتغل في شركات عادية ومحدش قبل يشغلنا لان معندناش خبرة جاية دلوقتي تقوليلي انك عايزه تقدمي طلب للشغل في اكبر واشهر شركة تجارة إلكترونية في البلد كلها !

الهام : وليه لاء يعني احنا مش هنخسر حاجة لو جربنا وبعدين بصي هنا… هما قالوا ان مش مهم لو كان المبرمج عنده خبرة او لا المهم يكون بيفهم في البرمجة ومعاه شهادة جامعية.

في تلك اللحظة شعرت مريم بالفضول لمعرفة المزيد حول هذا الاعلان فقالت لصديقتها : اوعي كدا.

ثم جلست واخذت تقرأ المعلومات التي في اعلان طلب التوظيف ، وبالفعل لم يكن هناك شرط في الاعلان ينص على ان المبرمج يجب ان يكون لديه خبرة فقالت : دول اكيد بيهزروا مش كدا ؛ ازاي شركة كبيرة زي دي مش بيهمها لو كان المبرمج اللي هتوظفه عنده خبرة او لأ ؟

فابتسمت الهام واردفت بحماس : مش قلتلك الفرج جيه… دي فرصتنا انا وانتي علشان نشتغل.

فنهظت مريم وقالت : والنبي بلاش احلامك دي…انا متأكدة انهم كتبوا البند دا في الاعلان بس علشان يوهموا الناس …يعني بالعقل كدا مين هيصدق ان شركة عالمية زي دي هتقبل تشغل ناس معندهمش خبرة ؟

الهام : حتى لو كان الكلام دا حقيقي احنا مش هنخسر حاجة لو جربنا.. وبعدين احنا منعرفش ايه مخبيلنا القدر مش كدا ؟

كتفت مريم يديها ونظرت الى الهام قائلة : طيب وانا مطلوب مني ايه ؟

الهام : مطلوب منك انك تجهزي الـ CV بتاعك لما ترجعي البيت علشان تروحي معايا مقابلة الشغل بكرا الصبح… بس وحياتي عندك يا مريم بلاش تفضلي لابسه الاسود دا.

في تلك اللحظة تغيرت ملامح مريم لتصبح حزينة وقالت : ارجوكي يا الهام.. بلاش تضغطي عليا .

فامسكت الهام بيدها وقالت : ما خلاص بقى يا مريم… يعني انتي بقالك 6 شهور وانتي لابسه الاسود ورافضة تكملي حياتك… انتي فكرك ان امك هتتبسط منك وانتي بتعملي كدا ؟

ذرفت مريم الدموع وغمغمت بنبرة مقهورة : لسه مش قادرة اصدق انها ماتت ببساطة كدا يا الهام ، انا بحس ان روحها لسه في البيت معانا.

فعانقتها الهام واردفت : خلاص بقى يا حبيبتي… اللي بتعمليه دا حرام ، يعني الحزن في القلب مش في لون اللبس وكفايه بقى تعذبي نفسك وتعذبيني معاكي..وبعدين الحداد على الميت يبقى تلات ايام مش اكتر وانتي بقالك حاده عليها 6 شهور ودا حرام.

فمسحت مريم دموعها ثم قالت : طيب خلاص.. انا هقلع الاسود من بكرا لان بصراحة ماما جتني في الحلم اكتر من مرة وطلبت مني اقلعه .

الهام : شفتي… حتى هي مش عايزاكي تفضلي زعلانه لان الموت حق علينا كلنا وانتي عارفه دا كويس ومامتك الله يرحمها اخدت حقها لان دا امر ربنا ولا اعتراض على حكم الله.

مريم : ونعم بالله.

فابتسمت الهام واستطردت : ايوا كدا… عايزاكي ترجعي مريم القديمة اللي كانت بتضحك على طول وبلاش العكننه دي ماشي .

فابتسمت مريم بلطف ثم اردفت قائلة : متشكره يا الهام …انا مش هنسى وقفتك معايا ابداً .

الهام : على ايه يا بنتي.. دا اقل واجب وبعدين انتي اختي ومفيش شكر بين الاخوات .

مريم : عندك حق ، قوليلي بقى انتي عرفتي موضوع الاعلان دا ازاي ؟

الهام : كنت بدور على شغل في النت وبالصدفة دخلت الصفحة الرسمية لشركة رويال للتجارة الإلكترونية وشفت الاعلان.

مريم : يبقى احنا لازم نروح هناك قبل موعد المقابلة على الاقل بنص ساعة.

الهام : عندك حق… وكمان متنسيش احنا لازم نلبس حلو علشان المظهر ليه دور كبير في المواضيع دي لان كل الشركات المحترمة بتهتم في المظهر الخارجي للموظفين .

مريم : تمام ..يلا خلينا نبتدي شغل دلوقتي .

الهام : يلا بينا.

تسارع في الاحداث………

في المساء عادت مريم الى المنزل ، وبعد ان تناولت عشائها مع شقيقتها مرام جلست تساعدها في حل فروضها المدرسية وبعدها ذهبت مرام الى غرفتها لكي تنام اما هي فذهبت الى غرفتها ايضاً وجلست على سريرها وبدأت تكتب سيرتها الذاتية على حاسوبها المحمول ، وبعد ان انتهت ارسلتها عبر البريد الإلكتروني الى الصفحة الرسمية لشركة ادهم ثم نهضت وفتحت خزانتها واخذت تبحث بين ملابسها عن شيء يصلح لكي ترتديه في مقابلة العمل… وجدت ملابساً جميلة بين تلك الملابس السوداء فاخرجتهن ووضعتهن على الكرسي حتى لا تتأخر في الصباح وهي تبحث عن ملابس وبعدها استلقت في سريرها وخلدت الى النوم.

في صباح اليوم التالي……

استيقظت في تمام الساعة السادسة صباحاً فنهضت من سريرها وذهبت الى الحمام وبعد ان فعلت روتينها اليومي ذهبت الى غرفة اختها وإيقظتها لتجهز نفيها من اجل الذهاب الى المدرسة ، فنهظت مرام بالفعل ثم خرجت من غرفتها وهي تحمل ملابسها وذهبت الى الحمام لتستحم…اما مريم فذهبت الى المطبخ وبدأت تعد الفطور وبعد ان تناولت مرام فطورها ووضعت كتبها في الحقيبة نظرت إلى الساعة حيث كانت تشير الى السابعة صباحاً وقالت : مريم الأوتوبيس جيه… انا هروح دلوقتي.

ردت عليها مريم : خلي بالك من نفسك يا حبيبتي.

مرام : حاضر…سلام دلوقتي.

قالت ذلك ثم خرجت… اما مريم فذهبت الى غرفتها واخذت ثيابها وبعدها ذهبت الى الحمام وبقيت فيه لمدة عشر دقائق ثم خرجت وهي تنشف شعرها وتوجهت الى غرفتها ، امسكت مجفف الشعر وجففت شعرها الطويل ثم جلست امام طاولة التزين الخاصة بها ونظرت إلى نفسها مطولاً وسرعان ما بدأت تضع قليلاً من مساحيق التجميل على وجهها فاصبحت فاتنة للغاية ، وبينما كانت تفعل ذلك وردها اتصال من الهام فأجابتها : صباح الخير يا لولو .

قالت الهام : يا صباح العسل..انتي جاهزة ؟

اجابتها مريم وهي تنتعل حذائها : ايوا.. هقابلك كمان شويه.

الهام : اتفقنا… بس متتأخريش لاني مستنياكي في محطة الأوتوبيس .

مريم : طيب انا خارجه اهو.

ثم اقفلت الخط وحملت حقيبتها والقت نظرة اخيره على المنزل قبل ان تخرج لتتأكد انها لم تنسى شيئاً ثم قالت : كدا تمام.

وبعدها خرجت من البناية وتوجهت الى محطة الحافلات حيث كانت الهام تنتظرها ، و عندما رأتها الاخيرة تنهدت وسألتها بتذمر : اسود تاني يا مريم.. انتي مش قلتي انك مش هتلبسي اسود ؟

مريم : خلاص يا الهام.. اهو انا حطيت ميك آب وفردت شعري يبقى عايزه ايه اكتر من كدا ؟

الهام : طيب خلاص… هسيبك على راحتك المهم انك جيتي.

مريم : يلا بينا علشان نروح.

الهام : اتفضلي .

– ثم صعدن في الحافلة وما هي الا فترة زمنية معينة قد مرت حتى وصلن الى تلك الشركة الضخمة… شعرن بالحماس فوراً عندما دخلن اليها ورآين ذلك الكم الكبير من المتقدمين بطلبات توظيف ، فجلسن مع بقية المتقدمين ينتظرن ان يتم طلبهن… مرت ساعة على انتظارهن بينما كان معظم الاشخاص يخرجون ومعظمهم يدخلون الامر الذي جعل مريم تشعر بالضجر لذا نهضت وقالت : انا هروح اشم شوية هوا.. تيجي معايا ؟

ردت عليها الهام : لا انا هستنى جايز ينادوا عليا ومكنش هنا.

مريم : تمام…كلميني لو جيه دوري.

قالت ذلك ثم حملت حقيبتها وخرجت الى الحديقة… وهناك وقفت تستنشق الهواء قائلة : الجو حلو اوي النهاردة.

* وبقيت في الخارج لمدة عشر دقائق حتى وردها اتصال من الهام فأخبرتها انهم ذكروا اسمها لذا نهضت عن المقعد الخشبي بسرعة وركضت الى الداخل… واثناء ركضها اصطدمت بادهم السيوفي الذي كان داخلاً الى الشركة ايضاً …

رواية عن العشق والهوى.

بقلم نونه المصري.

~ الفصل الثاني ~

﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾

– نهضت مريم عن المقعد الخشبي بسرعة وركضت الى الداخل… واثناء ركضها اصطدمت بادهم السيوفي الذي كان داخلاً الى الشركة ايضاً مما جعلها تعود الى الخلف بقوة ، اما هو فلم يتزحزح من مكانه وكأنه جبل لا ينحني سوى لخالقه وكأن التي اصطدمت به ليست سوى ذبابة صغيرة لم يشعر بها حين ارتطمت بجسده العريض .

اما هي فنظرت اليه ولا تعلم لما شعرت بالرهبة عندما رآته حيث كانت الهيبة والفخامة ظاهرة عليه ويبدو من شكله انه شخصية مهمة جداً بـ بدلته السوداء الفاخرة المصنوعة من اغلى انواع الاقمشة ونظارته الشمسية الداكنة ذات الماركة العالمية وقسمات وجهه الوسيم وبطوله الوقار وشعره الاسود المرفوع وكتفيه العريضين اللذان يثبتان مدى صلابتهما وقوتهما ، فقالت باندفاع : أنا اسفه يا فندم…حضرتك كويس ؟

نظر ادهم الى صدره حيث ان بدلته انكمشت قليلاً بسبب اصطدام مريم به ، فاخذ يرتبها دون ان يعير تلك التي تتحدث معه وتعتذر اي ذرة اهتمام… فقط كان الصمت حليفه ولكن ليس لوقتاً طويل ، فبعدما رتب هندامه رفع رأسه ببطء شديد ونظر إليها بعيونه التي تشبه عيون الصقر في حدتهما من تحت نظارته الشمسية ولكن عندما رآها شعر بشيء قد تحرك بداخله ولأول مرة منذ خمس سنوات قد رجف قلبه لمجرد انه رأى هذه الفتاة الجميلة ذات الشعر البني المموج والعيون العسلية البراقة كبريق النجوم وصاحبة البشرة النضرة ذات اللون القمحوي و شفتيها المرسومتين بأحمر شفاة باهت اللون كما لو انهما قطعتي حلوة وجسدها المنحوت وطولها الذي ينتهي الى مستوى صدره حيث انه كان اطول منها بكثير .

نزع نظارته الشمسية تلقائياً وأخذ يتمعن بها بتلك العيون الثاقبة التي ترهب الجميع بسوادها الحالك مما جعلها ترمش عدة مرات قبل ان تبتلع ريقها وتسأله مجدداً : حضرتك كويس ؟

لم يجيبها فقط استمر بالتحديق بقسمات وجهها الناعم بنظرات اربكتها مما جعلها تشيح بنظرها عنه ، وسرعان ما اعاد وضع النظارة الشمسية ليخفي بها عيناه وقال بصوت يغلبه الجمود والبرود : ابقي انتبهي المره الجاية وانتي بتجري والا هتعوري نفسك .

قال ذلك ثم تركها وغادر بكل بساطة ، اما هي فتنفست الصعداء عندما غادر وقالت بصوت اشبه للهمس : اما رجال غريب..بس يطلع مين يا ترى ؟

عند ادهم…

اتجه نحو المصعد ثم ضغط الزر ووقف ينتظر …وبينما كان ينتظر نزول المصعد وضع يده على صدره وقال في سره : مالك يا ادهم ، ايه اللي حصلك بعدما قابلت البنت دي ؟

في تلك اللحظة اقتربت مريم منه حيث انها كانت تريد ان تستقل المصعد ايضاً ووقفت الى جانبه وهي تحني رأسها فأدرك انها بجانبه ولكنه لم ينظر اليها بل انزل يده عن صدره ووضعها بجيب بنطاله بكل برود… وما هي الا ثواني حتى وصل المصعد وعندما فتح بابه دلف الى داخله اولاً واصبح واقفاً مقابلاً لها فترددت من الدخول ولكنها دخلت في نهاية المطاف ، ضغطت على زر الطابق الثالث بينما ضغط هو على زر الطابق الاخير في الشركة .

واثناء صعود المصعد…..

كانت مريم واقفة امام ادهم وتعبث بهاتفها بينما كان هو واقفاً خلفها يسند ظهره على مرآة المصعد ويكتف ذراعيه فيما ينظر الى ظهرها بتركيز كبير وبكل هدوء…فقط كان يتأمل خصلات شعرها المموج كأمواج البحر بعيونه الثاقبة من تحت النظارة السوداء كما ان رائحة عطرها الساحر اخترقت انفه فسببت له الدوار ، اما هي فأخبرها حدسها بأن هذا الغريب يحدق بها ولا تعلم لما شعرت برغبة في ان تلقي نظرة خاطفة عليه…وبالفعل ادارت وجهها ببطء لتنظر اليه فوجدته على حاله حيث كان ينظر الى الأمام وهو يعقد ذراعيه فوق صدره بهدوء مميت ولكنها لم تعرف الى اين كان ينظر بسبب النظارة التي تغطي عيناه وسرعان ما توترت من النظر إليه لذا ادارت وجهها بسرعة ورفعت يدها اليُمنى ثم اعادت خصلة من شعرها ووضعتها خلف اذنها بارتباك ، وما هي الا دقيقة حتى وصل المصعد إلى الطابق الثالث فخرجت منه بسرعة دون ان تنظر خلفها .

في تلك اللحظة تنفس ادهم الصعداء ونزع نظارته الشمسية ثم مسح وجهه براحة يده وقال : يا ترى مين البنت دي ، انا مشفتهاش هنا قبل كدا.

بينما ذهبت هي الى حيث كانت الهام وقالت لها الاخيرة : يلا بسرعة يا مريم… هما قالوا ان دورك هيجي بعد البنت اللي جوا دلوقتي.

مريم : ماشي.. بس قوليلي الاول شكلي عامل ايه ؟

فابتسمت الهام قائلة : طالعة زي القمر يا روحي.

مريم : متشكره.

وبعد مرور خمس دقائق……..

خرجت الفتاة التي دخلت قبلها من الغرفة وبعدها خرجت فتاة اخرى يبدو من مظهرها انها سكرتيرة وقالت بصوت عالٍ : مريم مراد..

فنهضظت مريم قائلة : افندم.

السكرتيرة : اتفضلي لان دورك جيه.

امسكت مريم حقيبتها واردفت : اوك.

ثم نظرت إلى الهام واضافت : ادعيلي يا لولو.

الهام : ربنا يوفقك يا حبيبتي ويوفقني انا كمان.

ابتسمت مريم ثم رتبت هندامها واخذت نفساً عميقاً وبعدها طرقت الباب ودخلت إلى الغرفة حيث كانت ستجري المقابلة مع ذلك الشاب الجالس خلف مكتبه فقالت : صباح الخير يا فندم…ومتشكرة لانكوا قبلتوا تعملوا معايا المقابلة دي.

وبعد تلك الجملة اخذ الشاب عنها انطباعاً جيداً فابتسم وقال : صباح النور ؛ اتفضلي.

اقتربت قائلة : متشكرة.

ثم جلست امامه فسأل : اسمك مريم مراد عثمان ؟

مريم : ايوا يا فندم .

الشاب : انا كمال حسن المسؤول عن تعين الموظفين والمحاسبة المالية في الشركة .

مريم : اتشرفنا.

كمال : قوليلي بقى يا انسه مريم انتي ليه عايزة تشتغلي في الشركة دي ؟

اعتدلت مريم في جلستها ونظفت حلقها ثم قالت : اولاً علشان اجيب اكل عيشي طبعاً وثانياً لاني بحب البرمجة والا مكنتش درست تلات سنين في الكلية علشان ابقى مبرمجة تطبيقات ومهندسة مواقع الكترونية .

كمال : مكتوب في سيرتك الذاتيه انك عمرك ماشتغلتيش في شركة قبل كدا ممكن اعرف السبب ؟

مريم : ايوا ، انا قدمت طلب توظيف في شركات كتيره بس محدش قبل يوظفني ودا لاني ماعنديش الخبرة الكافية اللي هما بيطلبوها وهو دا السبب الوحيد اللي كانوا بيرفضوني علشانه وبس كدا .

كمال : طيب ايه اللي هيخلينا نقبلك وانتي ماعندكيش الخبرة يا انسه ؟

مريم : اولاً انتوا كتبتوا في اعلان التوظيف ان مش مهم يكون عند المبرمج خبرة وانما اهم حاجة انو بيفهم في البرمجة ومعاه شهادة جامعية ، وانا عندي الامكانيات دي وكمان تخرجت من جامعة محترمة وكنت من بين العشرة الأوائل في الكلية كلها ودا غير اني بحب شغلي وملتزمة في مواعيدي جداً واظن ان دا سبب كافي علشان تقبلوني في الوظيفة دي مش كدا ولا حضرتك عندك رأي تاني ؟ .

فابتسم كمال بعد سماع ذلك واردف : عندك ثقة في نفسك ودا كويس…ودلوقتي ممكن تكلميني عن نفسك شوية .

فابتسمت مريم قائلة : اكيد… انا عندي 21 سنه ودرست علوم الحاسوب في معهد التكنولوجيا التطبيقية وتخصصي برمجة التطبيقات والهندسة الألكترونية واشتغلت في Internet cafe لمدة تلات سنين في دوام جزئي وبسبب شغلي انا حبيت عالم البرمجة والانترنت ، وانا مش مرتبطة وعايشه مع اختي الصغيرة لوحدنا في البيت بعد ما اهلي ماتوا يعني انا اللي بصرف عليها.

امسك كمال القلم وكتب شيئاً على الورقة التي امامه وسألها : وبيتكوا بعيد قد ايه عن شركتنا ؟

مريم : مدة نص ساعة في الأوتوبيس .

كمال : طيب معاكي رخصة سواقة ؟

مريم : بصراحة مكنش عندي وقت علشان اتعلم السواقه ودا بسبب المذاكرة والشغل في “الأنترنيت كوفي” بس متقلقش لان الموضوع دا مش هيأثر على شغلي هنا لو قبلتوني يعني..

ابتسم كمال ثم وضع القلم من يده ونظر اليها قائلاً : طيب يا انسه مريم.. السكرتيرة هتتصل عليكي الساعة 18:00 علشان تقولك نتيجة المقابلة…ودلوقتي تقدري تتفضلي واتشرفت بمعرفتك .

قال ذلك ثم نهض ومد يده لكي يصافحها فصافحته قائلة : الشرف ليا انا يا استاذ كمال.. عن اذن حضرتك .

قالت ذلك ثم خرجت من المكتب وهي تشعر بشعور جيد اما كمال فابتسم قائلاً : واثقه في نفسها.. اكيد هتعجب ادهم .

عند مريم….

ذهبت وجلست بجانب صديقتها الهام التي سألتها بسرعة : ها.. طمنيني …عملتي ايه ؟

فابتسمت وقالت : الحمد لله اتصرفت على طبيعتي وكمان الراجل اللي عملي المقابلة حسيت من طريقة كلامه ان في امل علشان يقبلوني.

ابتسمت الهام بدورها وهتفت : بجد يا مريم ، طب الحمد لله.

مريم : الراجل اللي جوا باين عليه محترم اوي وابن حلال يا لولو وان شاء الله كله هيبقي تمام.

الهام : يسمع من بؤك ربنا.

وبعد مرور عشرين دقيقة اتى دور الهام لكي تجري المقابلة ، فاخذت نفساً عميقاً ثم طرقت باب مكتب كمال ودخلت قائلة : صباح الخير يا فاندم.

كمال : صباح النور… اتفضلي.

الهام : متشكرة.

قالت ذلك ثم تقدمت نحوه وانتظرت حتى يأذن لها بالجلوس ، فنظر إليها وقال : استريحي.

الهام : متشكرة يا فندم.

قالت ذلك ثم جلست مقابلاً له فقال : اسمك الهام أمين صح ؟

الهام : ايوا يا استاذ.

كمال : قوليلي بقى يا انسه الهام…انتي ليه عايزه تشتغلي في الشركة بتاعتنا ؟

فابتسمت الهام بعفوية وقالت : بصراحة الشغل في شركة ” رويال للتجارة الإلكترونية ” هو حلم كل مبرمج عربي وانا وحده من المبرمجين اللي بيحلموا انهم يشتغلوا في شركة عالمية زي دي.

كمال : هممم فهمت ، بس مكتوب في سيرتك الذاتيه ان ماعندكيش خبره في الشغل يبقى ازاي هتقدري تشتغلي عندنا ؟

الهام : اولاً انا …….

{ وتستمر الأسئلة والأجوبة كما حدث مع مريم }

تسارع في الاحداث / الساعة الرابعة عصراً ..

ذهب كمال الى الطابق الاخير من الشركة حيث كان مكتب ادهم ، طرق الباب وسرعان ما سمع صوت ابن عمته من الداخل يسمح له بالدخول فدخل ووجده جالساً امام حاسوبه المحمول… نظر ادهم اليه ثم عاود النظر إلى حاسوبه وسأله بهدوء : عملت اللي طلبته منك يا كمال ؟

اقترب كمال منه ثم جلس مقابلاً له ووضع مغلفاً من يده على الطاولة وقال : اخيراً المقابلات خلصت وانا اخترت كام واحد شفتهم مناسبين علشان يبقوا مبرمجين الشركة الجدد وجبتلك سيرهم الذاتية لان حضرتك اللي بتشغل الموظفين في النهاية مش انا.

ادهم : كويس… هبقى اشوفهم بعدين.

قال ذلك ببروووود شديييد وهو يتابع عمله على الحاسوب حتى دون ان ينظر الى كمال الذي هز رأسه بقلة حيلة ثم نهض قائلاً : يبقى انا همشي دلوقتي.

فرد ادهم عليه وهو مركز في حاسوبه : ماشي.

تنهد كمال وقال : يلا سلام .

ولكن ادهم اوقفه بقوله : متنساش اجتماع بكرا.

التفت اليه ليجده ما يزال ينظر الى حاسوبه ثم قال : متقلقش.. مش ناسي بس انت ابعد وشك عن الاب توب شويه لحسن هيبقى نظرك ضعيف وتبقى محتاج نظارة لو فضلت كدا.

رسم ادهم ابتسامة خفيفة على محياه ونظر الى كمال ثم اردف : متخفش…مش هيجرالي حاجة.

كمال : هنشوف.. يلا سلام يا كينج.

قال ذلك ثم خرج من مكتب ادهم وهو يتمتم في سره : ياااه ايه البرود دا ؛ تقول جبل تلج مش كدا !

– عند ادهم….

ترك العمل على الحاسوب ثم امسك بالمغلف الذي وضعه كمال امامه وبدأ يتصفحه وهو يقرأ المعلومات الشخصية عن المتقدمين الذي اختارهم كمال حتى وصل الى سيرة الهام الذاتيه..اعجبه الكلام الذي كتبه ابن خاله عنها وانها واثقه من نفسها وتستحق ان تحصل على فرصة للعمل في شركتهم فهي متخصصة في برمجة المواقع الإلكترونية التجارية والتسويق الإليكترونى وهذا ما كانوا يحتاجونه ؛ لذا وضع توقيعه على ملفها الشخصي دليلاً على قبولها للعمل ، وبعدها استمر في فعل ذلك مع كل ملف شخصي كان يقرأه حتى وصل الى اخر ملف والذي كان ملف مريم… نظر إلى صورتها الشخصية مطولاً ثم قال : بقى كدا… هي جت هنا علشان الوظيفة.

قال ذلك ثم قرأ ملفها واعجبته امكانياتها خصوصاً لأنها كانت من بين العشرة الأوائل في الكلية التي درست بها كما انها حاصلة على شهادة تقدير واحترام من الكلية على انجازاتها وتفوقها في امور البرمجة والتكنولوجيا ، ولكن ما لفت انتباهه اكثر هو سنها..وتساءل في نفسه كيف استطاعت فتاة في الواحد والعشرين من العمر ان تعمل وتدرس وتعتني بأختها الصغيرة في الوقت ذاته ومع ذلك تفوقت في دراستها كما انه انتبه على امراً مشتركاً بينها وبين الهام امين وهو انهما درستا في نفس الكلية وعملن في نفس المكان ونفس الوظيفة فخمن انه من الممكن ان تجمعهما صداقه قوية ، كما ان كمال وضع علامة ” P ” على ملفها باللون الأحمر وتعني perfect / مثالي وذلك دليل على انها ممتازة للعمل ، فوضع توقيعه على ملفها ثم اغلق المغلف ووضعه على الطاولة وتابع عمله على الحاسوب.

وفي الوقت ذاته في الأنترنيت كوفي … كانت الهام متوترة جداً وتدعو الله ان يتم قبولها في الشركة بينما كانت مريم هادئة للغاية فنظرت اليها وقالت : انا مستغربه منك يا ميمي… ازاي قادره تتصرفي عادي كدا وكأنك واثقه انهم هيقبلوكي ؟!

ابتسمت مريم وقالت : دي اسمها ثقة في النفس يا بنتي يعني انا اتكلمت كويس وكمان مؤهلاتي ممتازه يبقى ليه الخوف من الفشل ؟

الهام : تصدقي عندك حق ؟

مريم : وكمان ماتنسيش انهم هما اللي قالوا في اعلان التوظيف ان مش لازم يكون عند المبرمج خبرة واهم حاجة يبقى فاهم هو بيعمل ايه ومعاه شهادة جامعية ، وانا وانتي عندنا المؤهلات المطلوبة للشغلنه دي.

فابتسمت الهام قائلة : والله العظيم كلامك ريحني…ويا رب يكون عندك حق.

مريم : معرفش هيحصل ايه بس قلبي بيقولي اننا هنتقبل… على العموم احنا هنعرف النتيجة كمان ساعتين.

فقالت الهام بتململ : هيعدوا عليا كأنهم شهرين.

ضحكت مريم وردت عليها : متقليش… ان شاء الله كل حاجة هتبقى تمام.

وبعد مرور ساعة……

عادت مريم الى المنزل فوجدت شقيقتها مرام جالسة امام التلفاز تشاهد مسلسلاً كانت تتابعه ، خلعت حذائها وقالت : ثواني يا حبيبتي وهحضرلك الاكل.

مرام : متعبيش نفسك يا ميمي… انا اكلت مع صحابي في المدرسه.

مريم : بجد ، يعني مش جعانه ؟

مرام : لا مش جعانه..

مريم : طيب انا هروح استريح شويه في الاوضه ولو حسيتي بالجوع قوليلي فوراً .. اه وما تفضليش قاعدة قدام الـ tv كتير اتفقنا .

مرام : حاضر.

– ثم دخلت مريم الى غرفتها المتواضعة ، فوضعت حقيبتها جانباً ثم فتحت خزانتها واخرجت منها ملابس بيتيه مريحة وبدلت ملابسها واستلقت على سريرها لكي تستريح من ارهاق العمل ولكن سرعان ما سقطت ضحية النوم وكانت الساعة لا تزال الخامسة مساءً….بعد مدة رن هاتفها فامسكت به وهي مغمضة العينين ثم اجابت دون ان تنظر الى الشاشة وقالت بصوتها النعس : آلو…

في تلك اللحظة سمعت صوت صراخ صديقتها الهام التي قالت بنبرة سعيدة : الحقي يا ميمي…. انا نجحت وهبتدي شغل في شركة رويال من بكرا الصبح !

فنهضت مريم بسرعة وابتسمت قائلة : بجد يا لولو ؟؟

الهام : والله العظيم.

مريم : الف مبروك يا حبيبتي.

الهام : متشكرة يا روحي… قوليلي بقى انتي ايه اللي حصل معاكي ؟

فنظرت مريم الى الساعة في هاتفها وقالت : الساعة دلوقتي 17:48 هما قالوا هيتصلوا بيا الساعة 18:00 يعني كمان 12 دقيقة.

الهام : طيب انا هقفل دلوقتي بس ابقي طمنيني ماشي .

مريم : اوك… يلا سلام دلوقتي.

قالت ذلك ثم اغلقت هاتفها ونهضت من سريرها وخرجت من غرفتها فوجدت اختها جالسة تنجز فروضها المدرسية سألتها بعتب : ليه سبتيني نايمه يا مرام ، كدا مش هقدر انام في الليل.

فنظرت مرام اليها وقالت : شوفتك تعبانه قلت اسيبك تستريحي شوية .

مريم : طيب انا هروح اغسل وشي وابتدي في تحضير العشا وانتي كملي مذاكرة.

مرام : اوك.

ثم دلفت مريم إلى الحمام لتغسل وجهها وما هي الا دقيقة حتى سمعت صوت رنين هاتفها صادراً من الغرفة…. فقالت لها اختها : موبايلك بيرن يا ميمي.

فخرجت من الحمام بسرعة ثم ركضت نحو غرفتها وامسكت هاتفها واجابت قائلة : آلو.

المتصل : آلو مساء الخير.

مريم : مساء النور.

المتصل : بكلم الانسه مريم مراد ؟

مريم : ايوا حضرتك.

المتصل : انا سكرتيرة كمال بيه وبكلمك من شركة رويال للتجارة الإلكترونية.

ازدردت مريم ريقها وقالت : اتفضلي….انا سامعاكي.

السكرتيرة : الف مبروك يا انسه انتي انقبلتي في الشغل وتقدري تبتدي من بكرا الصبح.

في تلك اللحظة ابتسمت مريم ابتسامة مشرقة وسألت بغير تصديق : حضرتك بتكلمي جد ؟!

السكرتيرة : ايوا يا انسه… بكرا هيبقى اول يوم شغل ليكي في الشركة ولازم تكوني موجودة قبل الساعة 9:00 .

مريم : اوي اوي… متشكره.

السكرتيرة : العفو… تصبحي على خير.

مريم : تلاقي الخير.

قالت ذلك ثم اغلقت هاتفها وقفزت من شدة الفرحة ثم قالت : الحمد لله … اخيراً هتنحل كل مشاكلنا الماديّة….انا لازم اقول لألهام .

ثم ضغطت رقم الهام وما هي الا ثواني حتى اجابتها قائلة : ايوا يا ميمي.. طمنيني !

مريم بسعادة : جهزي نفسك يا لولو….بكرا اول يوم شغل لينا في شركة رويال للتجارة الإلكترونية.

فابتسمت الهام وقالت : دا اجمل خبر سمعته من 6 شهور …انتي كان عندك حق في كل كلمة قولتيها.

مريم : انا كنت حاسه انهم هيقبلونا والحمد لله احساسي طلع صح.

الهام : الحمد لله.

مريم : طيب يا حبيبتي انا هقفل دلوقتي وهشوفك بكرا.

الهام : ان شاء الله.. يلا تصبحي على خير.

مريم : تلاقي الخير.

في صباح اليوم التالي …..

استيقظت مريم في تمام الساعه السادسة صباحاً ، وبعد ان فعلت روتينها اليوم من تحضير الفطور لاختها مرام وترتيب البيت والاستحمام دخلت إلى غرفتها وارتدت بنطال جينز فاتح وبلوزة بيضاء بأكمام تصل الى منتصف ذراعيها ثم سرحت شعرها واسدلته على كتفيها ووضعت القليل من الميك آب على وجهها فاصبحت فاتنة ؛ بعدها حملت حقيبتها وخرجت من المنزل متوجهها الى موقف الحافلات حيث كانت صديقتها الهام تنتظرها هناك ، وما ان وصلت حتى ابتمست قائلة : صباح الخير يا لولو.

الهام : صباح العسل…ايه الحلاوة دي يا حبيبتي ؟

فابتسمت مريم واردفت : متشكرة…ها حاسه بأيه ؟

الهام : هموت من الحماس… وانتي ؟

مريم : وانا كمان ….يلا خلينا نمشي.

وبعد مدة زمنية معينة…….

وصلن الى الشركة فدخلن حيث كان جميع الموظفين الجدد واقفين ينتظرون قدوم كمال المسؤل عنهم.. وما هي الا خمس دقائق قد مضت حتى جاء كمال بطلته البهية والتي تسر الناظرين اليه فهو كان وسيماً كالعادة بوجهه البشوش وطوله المعقول وبدلته الرمادية الفاخرة فابتسم وقال : صباح الخير ، انتوا من النهاردة بقيتوا جزء من شركة رويال للتجارة الإلكترونية ودا معناه انكوا لازم تلتزموا بقوانين الشركة وتيجوا الشغل في الوقت المحدد ، وكمان انتوا مش هتبقوا موظفين دائمين لحد ما تعدوا فترة التدريب المهني واللي هي 3 شهور من دلوقتي… يعني الفترة دي هي اللي هتحدد لو كان كل واحد فيكوا هيبقى موظف دائم في الشركة ولا لأ… ودلوقتي حد عندوا اسئلة قبل ما نبتدي التعارف ؟

فرفع احد الشبان يده وقال : انا يا فندم.

نظر كمال اليه واردف : اتفضل…قول اسمك وعمرك وبعدها اطرح سؤالك.

الشاب : انا محمود ياسين وعندي 25 سنه… وسؤالي ممكن حد يترفد خلال فترة التدريب ؟

كمال : سؤالك جميل …لا اطمنوا احنا مش هنرفد حد خلال فترة التدريب بس لو حد فيكوا عمل اخطاء كبيرة زي تسريب معلومات الشركة لشركة تانيه مثلاً فاكيد هيترفد وهنرفع عليه دعوة كمان… بتمنى ان حاجة زي دي ماتحصلش ابداً .

فقالت الهام : ينفع اسأل حضرتك عن حاجة ؟

كمال : طبعاً ..اتفضلي بس قولي اسمك وعمرك الاول.

قالت : انا الهام أمين وعندي 21 سنه… واللي عايزه اقوله هو احنا نقدر ناخد اجازه في فترة التدريب ؟

كمال : بالنسبة لموضوع الاجازات ف انتوا ماتقدروش تاخدوا اي اجازة في الفترة دي الا اذا كانت اجازه مرضية …حد عنده اي اسئلة تانيه ؟

فلم يتحدث اي شخص دليلاً على لا مما جعل كمال يصفق بيديه قائلاً : ودلوقتي تعالوا ورايا علشان تتعرفوا على اقسام الشركة.

– ثم بدأت جولة التعرف على الشركة وكان كمال يشرح لهم ما هي وظيفة كل قسم ابتداءً من قسم التخطيط الاستراتيجي الى قسم المحاسبة وقسم تطوير التطبيقات وقسم التنسيق الإلكتروني وقسم التسويق الإليكترونى وقسم المعلومات والاتصالات وقسم السكرتارية حتى وصلوا إلى اخر طابق في الشركة فقال بجدية: الطابق دا انتوا مش لازم توصلوله ابداً ..اساساً مالكوش شغل هنا.

فقال احد الشبان واسمه سرحان عبد التواب : وليه بقى يا استاذ كمال ؟

كمال : لان هنا قسم الادارة ومكتب رئيس الشركة ادهم بيه وممنوع حد من الموظفين يجي هنا الا لو ادهم بيه طلب منه انه يّجي .

فقالت مريم : طيب ولو حد فينا كان عايز يطور تطبيق جديد بس محتاج موافقة ادهم بيه يبقى ازي هنوصله ؟

كمال : في الحالة دي تقدروا تطرحوا افكاركوا في اجتماعات الموظفين اللي بتنعمل كل يوم خميس قبل نهاية الأسبوع .

مريم : اوك.

كمال : ودلوقتي وبعد ما اتعرفتوا على الشركة جيه الوقت علشان تتوزعوا في الاقسام…اتفضلوا ورايا من فضلكوا.

قال ذلك ثم سار مغادراً قسم الادارة فلحق به الشباب السبعة الذين تم قبولهم للعمل في الشركة وهم :
1- مريم مراد 21 سنه.
2- الهام أمين 21 سنه.
3- سرحان عبد التواب 22 سنه.
4- ومحمود ياسين 25 سنه.
5- ياسمين عبدالله 23 سنه.
6- اسيل بدر 21 سنه.
7- سليمان شاهين 24 سنه.

– وتم تعيين محمود وسليمان في قسم المعلومات والاتصالات ، اما مريم وياسمين وسرحان فتم تعينهم في قسم برمجة التطبيقات والهندسة الألكترونية وبالنسبة لالهام واسيل فتم تعينهن في قسم التسويق الإلكتروني.

وفي تمام الساعة العاشرة صباحاً…وصل ادهم الى الشركة وفور دخوله الى مكتبه طلب من سكرتيرته ” سلمى ” ان تطلب كمال فقالت : امرك يا فندم.

ثم امسكت سماعة الهاتف واتصلت على مكتب كمال الذي كان يعمل على حاسوبه المحمول فاجابها : ايوا يا سلمى.

سلمى : ادهم بيه طلب يقابل حضرتك يا فندم .

كمال : طيب.. متشكر.

قال ذلك ثم اغلق الهاتف ونهض من مكانه ثم خرج من مكتبه وذهب الى مكتب ادهم… فطرق الباب ودخل قائلاً : صباح الخير يا كنج .

فنظر ادهم اليه بنظراته الباردة وقال : صباح النور…عملت ايه مع المتدربين الجدد ؟

جلس كمال امامه واجاب : وزعتهم على الاقسام زي ما انت عايز بعد ما عرفتهم على الشركة.. بس ايه دا دول باين عليهم انهم كويسين اوي.

فقال ادهم وهو يرفع شاشة الكمبيوتر : عارف… علشان كدا انا اخترتهم من بين العشرين واحد اللي انت جبتلي ملفاتهم .

كمال : هقولك على حاجة بس مش عايزك تتريق عليا اتفقنا .

فنظر ادهم اليه ببطء شديد وقال ببرود مميت : وانا من امتى بتريق عليك يا كمال ؟

فابتسم كمال بلطف واستطرد : اه صح انت الراجل الجليدي اللي بياخد كل الامور بجدية.

ادهم : خلصني.. عايز تقول ايه ؟

كمال : بصراحة من بين كل المتدربين اللي قبلتهم انا عجبتني بنت وحده.

فقال ادهم بعدم اهتمام : البنت اللي اسمها مريم مراد مش كدا ؟

كمال : ايوا هي.. بس ازاي عرفت اني كنت بتكلم عنها ؟

فنظر ادهم اليه مطولاً ثم قال : مش حضرتك كتبت على ملفها حرف P يعني المسألة مش محتاجه ذكاء.

أبتسم كمال بسذاجة واردف : اه صحيح.. بس تصدق البنت دي عندها ثقة كبيرة في نفسها وانا عن نفسي استريحتلها اوي وحاسس انها هتبقى احسن وحده من بين المتدربين كلهم .

ادهم : انا مليش دعوة بالكلام دا كله… وكل اللي بيهمني انها هتشتغل كويس ومش ضروري تكون احسن وحده المهم انها هتعرف هي بتشتغل ايه وتبقى ملتزمة بالقوانين زيها زي اي موظف تاني .

في تلك اللحظة زم كمال فمه وقال بتذمر : ايه البرود دا يا اخي ؛ بقولك البنت حصلت على شهادة تقدير من الجامعة وكانت من بين العشرة الأوائل حتى انها جت في المرتبه التانيه من بين عشر احسن مبرمجين في الكلية كلها.

ادهم : وفيها ايه يعني ؛ ما انا كمان احسن منها وكنت الاول على دفعتي.

فتنهد كمال بأستسلام وقال : خلاص انسى… انا همشي دلوقتي.

ادهم : اوك.

قال ذلك وهو يحدق بشاشة حاسوبه بجمود وبرود قاتل مما جعل كمال يحرك عيناه بشكلاً دائري قبل ان يتجه نحو باب المكتب ليخرج ، وما ان خرج حتى اسند ادهم ظهره على الكرسي ووضع يده على ذقنه وكأنه يفكر بأمراً ثم وضع يداه خلف عنقه واسند رأسه اليهما مغمضاً عيناه .

اما في قسم برمجة التطبيقات والهندسة الألكترونية…كانت مريم جالسة خلف طاولة مكتبها الصغيرة وهي تمسك بطاقة عملها المربوطة بخيط احمر يدل على انها متدربة وما تزال في مرحلة التهديد قبل ان تصبح موظفة رسمية ، فابتسمت بسعادة وقالت : اخيراً بقيت موظفة في شركة.

وبينما كانت تحدق ببطاقتها اقتربت منها المتدربة الاخرى ياسمين التي تكبرها بسنتين وابتسمت قائلة : ازيك ؟

فنظرت اليها مريم وبادلتها الابتسامة وردت : الحمد لله.

ياسمين : انا ياسمين وانتي ؟

مريم : مريم مراد .

صافحتها ياسمين وابتسمت قائلة : اتشرفنا..عندك كام سنه ؟

مريم : 21 وانتي ؟

ياسمين : انا اكبر منك بسنتين .

مريم : العمر كله ان شاء الله.

ياسمين : متشكرة.. ينفع نبقى اصحاب بصراحة انا معرفش حد هنا زيك بالزبط .

مريم بابتسامة : طبعاً دا شرف ليا .

ياسمين : ربنا يخليكي .

مريم : في الاستراحة هعرفك على صاحبتي الهام…هي كمان اتوظفت في الشركة دي.

ياسمين : قصدك البنت الاموره اللي كنتي قاعدة معاها الصبح ؟

مريم : ايوا.. دي صاحبتي من واحنا صغيرين.

ياسمين : حلو اوي.

تسارع في الاحداث……..

مر اسبوع على عمل مريم والهام وبقية المتدربين في شركة رويال للتجارة الإلكترونية وخلال ذلك الاسبوع اصبحوا اصدقاء ولم يقابلوا رئيس الشركة ابداً لكثرة انشغاله وعدم السماح لهم بالذهاب الى الطابق الاخير حيث يتواجد مكتبه الكبير ؛ كما انهم كانوا ينفذون المهمات مثل طباعة الاوراق وترتيب السجلات ومراجعة الحسابات ولم يسمح لهم في العمل في البرمجة لانهم كانوا جدد وبحاجة الى التدريب ، اما ادهم فكان بارداً للغاية كعادته ولم يتغير في حياته اي شيء سوى ارتفاع نسبة ارباح شركته ولكن دوام الحال من المحال .

وذات صباح….

ذهب ادهم الى الشركة كالعادة فضغط على زر المصعد ليذهب الى مكتبه ثم وقف ينتظر نزول المصعد بكل رقي وبهيئته الفاخرة ؛ في تلك الاثناء اتت مريم ووقفت تنتظر نزول المصعد بجانبه دون ان تنظر اليه حيث انها كانت تعبث بهاتفها ، فتسللت رائحة عطرها الى انفه لتثير في داخله بركان من المشاعر المضطربة وعرف فوراً من صاحبتها لان الرائحة حفرت في ذاكرته بعد أن اشتمها لمرة واحدة عندما اصطدمت به في اليوم الذي ذهبت به لكي تجري المقابله ، حيث ان تلك الدقائق المعدودة التي جمعته بها في المصعد لم تفارق تفكيره ابداً وبقى يفكر بالسبب الذي جعل قلبه يتحرك مجدداً بعد سبات دام لمدة خمس سنوات.

التفت نحوها بسرعة ليجدها واقفه بجانبه وهي ترسل رسالة نصية لصديقتها الهام التي كانت قد تأخرت عن العمل في ذلك اليوم ، وما ان رآها حتى شعر بنفس الشعور الذي انتابه عندما قابلها اول مرة ؛ اما هي فشعرت بأن احدهم كان يحدق بها لذا قررت ان ترى من هو فرفعت رأسها ببطء ولكنه كان اسرع منها حيث انه نظر امامه بكل برود وجمود وفي داخله اعصار ثائر لان رائحة عطرها الخاص سببت له وللمرة الثانية دواراً فهو لا يعلم لما اعجبته تلك الرائحة كما لو انها جرعة خمر قد اسكرته.

نظرت اليه وتذكرته على الفور فهي لم تنسى شعورها بالرهبة منه عندما اصطدمت به اثناء جريها في يوم المقابلة ، كما ان نظرة البرود التي نظر بها اليها لم تفارق تفكيرها لذا ابتلعت ريقها واخفضت بصرها عنه ولكن الشعور بالرهبة منه كان يلازمها ولم تعرف السبب … وعندما نزل المصعد فتح الباب فانتظرت حتى يدخل قبلها ولكنه اشار لها بيده لكي تدخل اولاً فقالت بصوت اشبه للهمس : متشكره.

ثم تحركت بسرعة ودخلت إلى المصعد …اما هو فأخرج نظارته الشمسية من جيبه ووضعها على عيناه وبعدها دلف ايضاً الى داخل المصعد بطوله الوقار وهيئته الراقية ، ضغط على زر اغلاق الباب ثم ضغط على زر الطابق الاخير… اما هي فضغطت على زر الطابق الرابع ووقفت في زاوية المصعد متوترة من هذا الشاب البارد الذي اسند ظهره على المرآة داخل المصعد وكان يحدق بها من خلف نظارته الشمسية التي كانت تخفي عيناه السوداوان.

فقالت في نفسها : دي المرة التانية اللي بقابل فيها الراجل دا وفي نفس المكان… بس يطلع مين يا ترى ؟

قالت ذلك ثم نظرت اليه بنظرة خاطفة لتجده مستنداً على المرآة بجانبها وهو يعبث بهاتفه المحمول فشعرت بأن هذا الرجل هو شخصية مهمة حيث ان هيئته الفاخرة كانت تدل على مدى اهميته وخمنت انه قد يكون هو رئيس الشركة الذي لم يقابله اي احد من زملائها المتدربين حتى الان.

اما هو فكان بالكاد يمنع نفسه من الجلوس على الارض بسبب رائحة عطرها التي اسكرته تماماً لانها اصبحت اقوى بسبب تواجدهما في مكان مغلق ، فوضع هاتفه في جيب سترته ثم رفع يده اليمنى وعدل ياقة قميصه مدعياً انه ليس منتبهاً عليها وفي تلك اللحظة اشاحت نظرها عنه بسرعة واصبح الصمت سيد الموقف.. ولكن سرعان ما قال بصوته الرزين وبدون ان ينظر إليها : ريحته قويه .

فنظرت اليه مريم بسرعة وقالت : أفندم !

نزع ادهم نظارته عن عيناه ثم ادار وجهه نحوها ببطء واردف بصوته الجامد : الپارفان بتاعك… ريحته قوية اوي وبسببها دماغي وجعتني.

نظرت اليه ببلاهة لمدة ثواني ثم رمشت عدة مرات امسكت بياقة قميصها فقربته من انفها لتشم رائحة عطرها وبعدها نظفت حلقها ونظرت اليه قائلة : اسفه…بس ريحة الپارفان بتاعك اقوى من ريحة الپارفان بتاعي وجايز لاننا في مكان مقفول الريحتين ضربوا في بعض علشان كدا دماغك وجعتك يعني انا مليش دعوة .

رفع ادهم احد حاجبيه بدهشة عندما تحدثت معه بتلك الطريقة ونظر اليها بنظرة باردة جداً جعلتها ترتبك ثم ادار وجهه ووضع نظارته الشمسية دون ان يعلق اي شيء ؛ ثم عاد الصمت ليخيم على المكان..وما هي الا دقيقة قد مضت حتى توقف المصعد في الطابق الرابع فنزلت منه مريم بسرعة ولم تنظر خلفها لان حدسها الأنثوي اخبرها ان هذا الرجل هو نفسه رئيس الشركة التي تعمل بها وان نظرت اليه اثناء نزولها من المصعد قد تبدو وقحة في نظره وهي لا تريد ان يحدث ذلك… لذا سارت بخطوات ثابتة مبتعدة عن مجرى نظره.

اما هو فنزع نظارته عن عيناه واغمضهما بشده واضعاً يده على عظمة جسر انفه بسبب تأثير رائحة عطر مريم التي خدرته تماماً ثم تنهد بقوه ونظر الى انعكاس صورته في مرآة المصعد وقال في سره : غريب.. دي المرة التانية اللي بحس فيها بنفس الاحساس بسبب البنت دي ، معقول تكون ريحة الپارفان بتاعها هي السبب … اه وليه لأ دي دوختني !

في قسم برمجة التطبيقات والهندسة الألكترونيه ….

توجهت مريم نحو مكتبها الصغير ثم وضعت حقيبتها جانباً وجلست امام الكومبيوتر ثم كتبت جملة قصيرة في ” Google ” وسرعان ما ظهرت امامها الصفحة الرسمية للشركة فبحثت في بها عن اسم الرئيس التنفيذي ” ادهم السيوفي ” وكان حدسها في محله حيث ظهرت امامها صورة للرجل الذي قابلته قي المصعد… وضعت يدها على فمها وقالت بصوت خافت : دا طلع هو بجد !

ثم بدأت تقرأ المعلومات الشخصية عن ادهم وقد انبهرت عندما علمت انه اسس شركته في سن الثالثة والعشرين وانه أصبح الرئيس التنفيذي لاكبر شركة تجارة إلكترونية في مصر كلها خلال 8 سنوات فقط وسرعان ما تساءلت بغير تصديق : معقول يكون الراجل البارد دا هو نفسه ادهم عزام السيوفي اللي سمعت عنه في الكلية ؟

في تلك اللحظة عادت بها الذكرة إلى وقت مضى عندما كان الاستاذ الذي يلقي عليهم المحاضرات يحدثهم عن اشهر مهندس تقنيات تكنولوجيا في علوم الحاسوب بمصر كلها والذي سافر الى اميركا واسس شركته الخاصة في سن صغيرة وكان يدعى ” ادهم عزام السيوفي ” الذي ينحدر من عائلة اشهر الاطباء في القاهرة حيث كان كل من جده ووالده اطباء مشهورين وكان من المتوقع ان يصبح هو ايضاً طبيب ولكنه اختار ان يصبح مهندس تقنيات عوضاً عن ذلك.

وبينما كانت تقرأ المعلومات الخاصة بـ ادهم.. سمعت صوت مدير القسم الذي تعمل به يقول : يلا يا جماعة..عايز من الكل يروح قاعة الاجتماعات دلوقتي لان ادهم بيه عايز يعمل اجتماع الاسبوع.

فلفت انتباهها ما قاله مدير القسم لذا نهضت وسألته : الاجتماع هيبقى دلوقتي يا استاذ سالم ؟

نظر ذلك الرجل المدعو سالم اليها والذي كان في الخمسين من عمره ثم قال : ايوا يا انسه مريم… علشان كدا عايز الكل يتصرف كويس وخصوصاً المتدربين الجدد.

فقالت ياسمين : واو… انا اتحمست جداً .

رد عليها زميلها سرحان : وانا كمان… دا هيبقى اول اجتماع رسمي نشترك فيه.

اما مريم فوضعت يدها على جبينها وقالت بصوت خافت : فينك يا الهام ، يا رب توصل قبل ما الاجتماع يبتدي.

في مكان اخر….

كانت الهام تركض متوجهها الى القسم الذي تعمل به قائلة بتذمر : الله يحرق السهر وساعة السهر ، كله منك يا ابراهيم .

{ ابراهيم ابن جيرانهم وقد ذهب هو وعائلته لخطبتها في اليوم السابق ولكنها لم توافق على الارتباط بشخص لا تكن له اي مشاعر فاحترم اهلها قرارها ولكنهم شعروا بالخجل لاخبار اهل ابراهيم بعدم موافقة ابنتهم على الزواج من ابنهم لذا احتاجوا وقتاً لتمهيد الامر لهم فسهروا لوقت متأخر}

واثناء ركضها وردتها رسالة نصية من مريم مضمونها كالتالي ” الله يخرب بيتك انتي فين ؛ ادهم بيه هيعمل اجتماع لكل الموظفين كمان خمس دقايق وحضرتك مش موجودة لغاية دلوقتي ”

في تلك اللحظة سيطر الهلع على الهام فقالت بفزع : يا نهار اسود… لازم استعجل شوية .

ثم زادت سرعة ركضها حتى وصلت الى قسم التسويق الإلكتروني الذي تعمل به فختمت بطاقتها قبل انتهاء موعد الختم بدقيقة واحدة ثم ابتسمت ووقفت تلتقت انفاسها… في تلك اللحظة اقتربت منها زميلتها اسيل وسألتها : اتأخرتي كدا ليه يا الهام ؟

فنظرت اليها وقالت : انا صحيت متأخرة النهاردة بس الحمد لله وصلت في الوقت.

اسيل : طيب يلا خلينا نروح قاعة الاجتماعات بسرعة لان في اجتماع للموظفين.

الهام : عارفه.. يلا بينا.

وعندما وصلت الهام إلى قاعة الاجتماعات وجدت ان مريم قد حجزت لها مقعداً بجانبها فجلست به وسألتها هذه الاخيرة بهمس : جرى ايه يا لولو…اتأخرتي كدا ليه ؟

ردت عليها بالهمس ذاته : دي حكاية طويلة هقولك عليها بعدين.

مريم : اوك .

وبعد مرور خمس دقائق على تجمع الموظفين في قاعة الاجتماعات دخل ادهم بطلته البهية وخلفه ابن خاله كمال حسن مما جعل التوتر يسيطر على الموظفين لعلمهم كم هو صارم هذا الادهم اما مريم فلم تبعد نظرها عنه ولاحقته بعيونها حتى رأته يجلس في مكانه دون ان يتفوه بأي كلمة ؛ اما كمال فوقف بجانبه وقال : صباح الخير… دلوقتي هنبتدي اجتماع الموظفين الاسبوعي ، وبما ان انظم لينا موظفين جدد اكيد هيبقى الاجتماع دا غير عن اللي قبله … بس خلوني اطلب من المتدربين الجدد انهم يوقفوا الاول علشان باقي الموظفين يتعرفوا عليهم.

فنهظ كل من محمود , سليمان , ياسين , مريم , اسيل , الهام وسرحان وقد سيطر عليهم التوتر لانهم قابلوا رئيس الشركة البارد كما سمعوا عنه اولاً ولان بقية الموظفين كانوا يحدقون بهم ثانياً فتابع كمال كلامه : ودلوقتي… عايز من كل واحد يقول اسمه ايه وعنده كام سنه..وخلينا نبتدي معاك يا محمود لانك اكبر واحد بينهم.

فقال محمود : حاضر يا استاذ كمال… انا محمود ياسين عندي 25 سنه وتم تعيني في قسم المعلومات.

ثم قال سليمان : انا سليمان شاهين وعندي 24 سنه واتعينت في قسم المعلومات كمان.

ياسمين : انا ياسمين عبدالله عندي 23 سنه واتعينت في قسم برمجة التطبيقات والهندسة الالكترونية.

فقال سرحان : وانا سرحان عبد التواب عندي 22 سنه واتعينت في قسم برمجة التطبيقات برضو.

الهام : انا الهام امين عندي 21 سنه واتعينت في قسم التسويق الإلكتروني.

مريم : وانا مريم مراد عندي 21 سنه واتعينت في قسم برمجة التطبيقات كمان.

اسيل : وانا اسيل بدر عندي 21 سنه كمان واتعينت في قسم التسويق الإلكتروني.

فصفق كمال بيديه لمرة واحدة واردف : كويس…ودلوقتي تقدروا تستريحوا.

فجلس الشباب بترقب اما ادهم رفع رأسه بعد ان كان يعبث بقلمه الخاص وبعدها نهض وقال بصوته البارد والذي دب الرعب في نفوس الموظفين جميعاً بمن فيهم مريم : دلوقتي بعد ما اتعرفنا على الموظفين الجدد انا عايز اعمل مسابقة صغيرة بينكوا { يقصد المتدربين } والمسابقة دي هتقوي ثقتكوا في نفسكوا وهتبقوا تعرفوا يعني ايه برمجة وتصميم موقع تجاري الكتروني في شركة رويال للتجارة الإلكترونية…والمسابقة هتبقى كدا …لازم كل واحد فيكوا انتوا السبعة يصمم موقع تجاري الكتروني خاص فيه واللي هيجيب اكبر نسبة مشتركين خلال شهر واحد في الموقع بتاعه هيبقى الرابح والشركة هتاخد دا بعين الإعتبار وهتزيد مرتبه وهيبقى الموقع بتاعه جزء من المواقع التجارية الرئيسية اللي في الشركة .

فابتسم المتدربين جميعاً بعد سماعهم ذلك الاعلان لان ادهم قدم لهم فرصة ذهبية ليثبتوا جدارتهم في العمل بهذا الشركة الشهيرة… فقال سليمان : ممكن اقول حاجة يا بيه ؟

نظر ادهم اليه وأشار له بيده ليحثه على الكلام فقال : اللي هيكسب المسابقة هيبقى موظف ثابت في الشركة ولا ايه ؟

ادهم : لأ لان القرار دا هنتخدوا بعد ما تخلصوا فترة التدريب واللي هي 3 شهور بس هناخد شغلكوا بعين الإعتبار واللي هيكون الموقع بتاعه سهل الاستخدام وهيعجب الزباين دا هيزيد النقاط في ملفاتكوا .

فرفعت الهام يدها طالبه الاذن لتتحدث فاذن لها ادهم وقالت : طيب لو كان في تعادل بين المتسابقين هنعمل ايه وقتها ؟

في تلك اللحظة اشار ادهم الى كمال ليتحدث عوضاً عنه فقال : دا نادراً ما يحصل بس لو حصل هتبقى النتيجة نفسها يعني هنزيد مرتب المبرمجين وهنظم مواقعهم للمواقع الرئيسية.

فابتسمت مريم وقالت باندفاع وكأنها نسيت نفسها : بتسموا دي مسابقة ، دي هتبقى سهلة اوي زي ما تكون لعبة عيال.

وبعد ان صرحت بذلك نظر الجميع اليها بصدمة مما جعلها تدرك ما قالته لذا وضعت يدها على فمها بسرعة اما ادهم فرفع حاجبة وقال بهدوء مميت : مريم مراد عثمان….انتي شايفه ان الموضوع دا لعبة عيال بالنسبة لك ؟

ارتبكت مريم كثيراً وقالت بتلعثم : لا…انا بس… كنت…

فقاطعها ادهم بصوت تغلب عليه الحدة والجبروت : لما انتي مش عارفه تجاوبي على سؤال صغير زي دا يبقى ازاي اتجرأتي وقلتي ان المسابقة دي هتبقى زي لعبة العيال ؟

ابتلعت مريم ريقها ونظرت اليه بتوتر شديد ثم غمغمت بنبرة مرتجفة : انا….

صاح بها ادهم بنبرة حادة : انتي ايه ، اتكلمي !

~ الفصل الثالث ~

﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾

أرتعشت مريم بشدة عندما صرخ عليها ادهم السيوفي امام جميع الموظفين وتكومت الدموع في عيونها ولكنها لم تبكي بل سيطرت على نفسها ونظرت اليه مباشرةً بنظرات ثقه ثم قالت : انا مستوايا اعلى من كدا بكتير.. يعني المسابقة اللي اقترحتها حضرتك هتبقى سهلة جداً بالنسبه لي علشان كدا قلت انها هتبقى زي لعبة العيال ومكنش قصدي اني اتريق ابداً .

عاد ادهم الى بروده المميت وكتف يداه ثم قال : بقى كدا… تمام يا انسه ، بما ان مستوى حضرتك اعلى من كدا بكتير وان المسابقة السهلة دي هتبقى زي لعبة العيال بالنسبه لك فانتي هتستبعدي من المشاركة فيها وهتفضلي تشتغلي في مراجعة البيانات والمعلومات لغاية ما الشهر المحدد للمسابقة يعدي .

في تلك اللحظة اتسعت عينا مريم عندما سمعت ذلك واحتجت قائلة : بس دا ظلم … حضرتك هتظلمني بالطريقه دي.

فقال ادهم بنبرة يملؤها التحدي : لو مش عاجبك النظام هنا تقدري تقدمي استقالتك وتروحي تشتغلي في شركة تانيه بس لازم تدفعي الشرط الجزائي الاول .

قال ذلك ثم نظر إلى باقي الموظفين واضاف بصوت عالٍ وبنبرة حاسمة : الاجتماع دا انتهى.

– نهض الموظفين بتوتر وانتظروه حتى خرج من قاعة الاجتماعات وخلفه كمال وبعدها بدأوا يخرجون واحداً تلو الاخر…اما هي فوقفت مكانها وضغطت على قبضتها بشدة ؛ اقتربت منها صديقتها الهام وسألتها بعتب : عملتي كدا ليه يا مريم ، كان لازمته ايه كتر الكلام ؟

أرادت ان تجيب عليها ولكن مدير قسمها صرخ بها قائلاً : انتي اتجننتي ولا ايه ، ازاي اتجرأت عيله صغيرة زيك متعرفش حاجة انها تتكلم مع ادهم بيه بالطريقة دي ؟

فنظرت اليه وقالت : انا مكنش قصدي اعمل كدا يا استاذ سالم بس…بس انا قلت وجهة نظري واظن ان دا حقي علشان ادافع فيه عن نفسي .

سالم : حقك في بيت ابوكي يا هانم مش في شركة الكينچ ادهم السيوفي.

تساءلت مريم بعجب : كينچ / king ، ليه بتقول عنه كينچ ؟

سألها سالم بدهشة : هو انتي متعرفيش ان الراجل دا لقبو ملك البرمجة ؟!

ثم اضاف بعصبية : وجايه تقولي وبكل وقاحة ان المسابقه اللي اقترحها لعبة عيال ، ولا شفتي نفسك لانك طلعتي الاولى على دوفعتك … بس لا يا شاطره ذكائك دا ميجيش حاجة قدام عبقرية ادهم بيه يعني اصحي من احلامك الوردية دي واجري وراه علشان يرجعك المسابقة لانك لو معملتيش كدا يبقى مش هتقدري تبرمجي اي حاجة طول ما انتي هنا .

فقالت الهام بذعر : يا نهار مش فايت… يلا يا مريم اجري بسرعة !

انتفضت مريم من مكانها قائلة : طيب …ماشي.

ثم ركضت بأسرع ما يمكن حتى تلحق بـ ادهم ولكنه كان قد صعد في المصعد بالفعل ؛ ضغطت على زر المصعد الاخرى وعندما نزل صعدت به وضغطت على زر الطابق الاخير في الشركة حيث كان مكتب الرئيس التنفيذي ، وبينما كان المصعد يصعد بها كانت متوترة للغاية اما في الجانب الاخر فكان هو يسند ظهره على المرآة داخل المصعد بجانب سكرتيرته سلمى التي كانت متوترة وكان الصمت حليفه… ولكن عينيه كانتا تظهران عكس ذلك تماماً حيث كان الشرر يتطاير منهما فهو بالرغم من برودة اعصابه الا ان تلك الصغيرة قد استفزته كثيراً بكلامها خصوصاً عندما ردت عليه امام موظفينه بكل ثقة .

وعندما وصل المصعد إلى الطابق الاخير نزل منه ادهم وتوجه نحو مكتبه وكانت السكرتير ” سلمى ” تسير خلفه بصمت إذ انها كانت تدرك مدى انزعاجه في تلك اللحظة لذا فضلت ان تغلق فمها ولا تنبس بكلمة واحدة مما قد يجعله يثور في وجهها ، وقبل ان يدخل إلى مكتبه اوقفه صوت تلك الصغيرة التي اشعلت النار في صدره عندما قالت له : ادهم بيه..من فضلك استنى .

التفت الى الخلف ونظر اليها من فوق كتفه بعيون حادة عندما اقتربت منه وهي تفرك يديها ببعضهما بتوتر ، ثم تجاهلها تماماً وتقدم بخطوتين نحو باب مكتبه فقالت مجدداً : من فضلك يا بيه انا عايزه اتكلم معاك.

ردت عليها سلمى : من فضلك ارجعي القسم بتاعك لان ممنوع اي حد من الموظفين يجي هنا .

مريم : انا بس عايزه اقول لحضرتك…..

– لم تكمل جملتها لان ادهم فتح باب مكتبه ودخل دون ان يعطيها اي فرصة للتحدث فانزعجت من تصرفه كثيراً مما جعلها تشعر بالإهانة لذلك تجاهلت منصبه واهميته وباغتت سلمى ثم لحقت به إلى داخل المكتب ، اما هذه الاخيرة فلحقت بها قائلة بعصبية : من فضلك مينفعش تعملي كدا..

اما هي فسألت الرجل بانزعاج : انت فاكر نفسك مين علشان تتجاهلني وانا بكلمك ، اوعى تفتكر اني هخاف منك علشان انت الـ Boss هنا .

في تلك اللحظة وضعت سلمى يدها على فمها بصدمة من هول الموقف اما هو فوقف مكانه دون حراك بعد تلك الجملة وهو يعطيها ظهره ولكن سرعان ما اردف قائلاً بهدوء شديد : سلمى…

اجابته بتوتر : افندم ؟

اضاف : اطلعي برا واقفلي الباب وراكي.

سلمى : ح.. حاضر .

– وبالفعل خرجت سلمى من مكتب ادهم واغلقت الباب خلفها…. اما هو فتوجه نحو كرسيه بكل هدوء وجلس عليه ثم نظر الى مريم بنظرات جاده وسألها بصوته البارد : عايزه تقولي حاجة يا شاطرة ؟

– وبسبب ردة فعله الباردة شعرت مريم بالتوتر الشديد خصوصاً عندما نظرت الى عيينه فابتلعت ريقها وقالت بتلعثم : ايوا.. انت… انت متقدرش تستبعدني من المسابقة ابداً لان انا كمان متدربة ومن حقي اشترك فيها.

اسند ادهم ظهره الى كرسيه وكتف ذراعيه وهو ينظر اليها بهدوء مميت مما جعلها تتوتر اكثر فاضافت بنبرة مهتزة : انا… انا درست تلات سنين في احسن الكليات وتعبت اوي علشان ابقى مبرمجة تطبيقات ودلوقتي بعد ما الفرصة جت لحد عندي مش هسمح لاي شخص يحرمني منها حتى لو كان الشخص دا هو حضرتك .

وبعد قولها ذاك رسم ادهم ابتسامة صغيرة على شفتيه ثم نهض من مكانه بكل هدوء مما جعلها تعود بخطواتها للوراء ؛ تحرك بخطواته نحو نافذة مكتبه العملاقة ووقف يتأمل الشارع والمباني الاخرى من خلالها ثم اخرج علبة سجائر فاخرة من جيب سترته واشعل سيجارة وبعدها سألها بصوت رزين جداً ودون ان ينظر اليها حتى : خلصتي كلامك ؟

استغربت هي من ردة فعله الجليدية وقالت بتوتر : ل… لأ لسه.

فقال وهو ينفخ الدخان من فمه : يبقى كملي.

رمشت مريم عدة مرات ولا تعلم لما شعرت بالخوف من هدوئه واخبرها حدسها ان هذا الهدوء قد يكون هو نفسه الذي يسبق العاصفة ؛ ابتلعت ريقها واردفت : انا…انا عايزه اشترك في المسابقة لان دا حقي بما اني بقيت موظفة في الشركة دي .

ألتفت ادهم نحوها ثم وضع يده اليمنى في جيب بنطاله ونظر اليها بنفس الهدوء بينما كان يسحب نفساً من سيجارته الفاخرة ثم نفث الدخان وقال بنبرة حادة يغلبها الجمود : وانا قلت انتي مستبعدة من المشاركة في المسابقة ودا قرار نهائي… ودلوقتي بعد ما خلصتي كلامك اتفضلي ارجعي على شغلك واياكي تتكلمي معايا مرة تانية بالطريقة دي لاني مش صاحبك يا انسه انتي فاهمة ؟

في تلك اللحظة شعرت مريم بالتفاهة عندما تحدث معها بتلك النبرة ولم تستطيع منع دموعها المحبوسة في حدقتيها عن التساقط ، بكت امامه بالفعل ولكن سرعان ما اشاحت بنظرها عنه واستدارت وهي تمسح دموعها ثم قررت الخروج من مكتبه… ولكنه اوقفها بقوله : استني…

توقفت في مكانها ولكنها لم تنظر اليه بل حدقت بالأرض ، اما هو فتوجه نحو طاولة مكتبه و اطفأ سيجارته في مطفأة السجائر ثم اقترب منها بخطوات ثابتة حتى اصبح واقفاً خلفها … تسللت رائحة عطرها الى انفه لتحرك بداخله بركان المشاعر المضطربة مما جعله يغمض عيناه بشدة ثم تنفس بعمق وقال : لو عايزه تبقي مبرمجة تطبيقات في شركة ” رويال ” بجد يبقى اللي حصل في الاجتماع بتاع النهارده ما يتكررش تاني انتي سامعه ؟

فنظرت اليه بعيونها الدامعه وسألته : يعني انا… انا هشترك في المسابقة ؟

ألتفت ادهم الى طاولة مكتبه ليتهرب من رؤية دموعها ثم توجه نحو كرسيه ليجلس قائلاً : انا قلت مش هتشتركي يعني مستحيل اغير رأيي ابداً ، ودا علشان اعلمك درس انك متشوفيش نفسك مرة تانية لان معاكي شهادة تقدير من الكلية وطلعتي الاولى على دوفعتك وكمان متنسيش ان في ناس اكبر منك بيفهموا في البرمجة ومعاهم شهادات من اشهر الجامعات في العالم وانتي متجيش قدامهم اي حاجة .

تحركت مريم نحوه حتى اصبحت تقف امامه ثم قالت : انا مشفتش نفسي ابداً ومستحيل اشوف نفسي على اي حد ، بس انا قلت وجهة نظري لان بجد المسابقة دي سهلة اوي بالنسبة لي واقدر اصمم موقع تجاري إلكتروني في اقل من شهر لان دا كان واحد من الامتحانات اللي عملتها في الكلية وصممت موقع لبيع اكل الحيوانات الأليفة وجاب نسبة مشاركة كبيرة.

رفع ادهم حاجبه بعد سماعه ذلك ورمقها بنظرات باردة لم تفهم مغزاها ثم اردف : حلو الواحد يبقى عنده ثقه في نفسه بس خلي بالك لان الثقة الزايدة جايز تتقلب ضدك ، ولو انتي شايفه ان المسابقة دي سهلة اوي بالنسبة لك يبقى ليه عايزة تشتركي فيها ؟

ردت عليه بسرعة : علشان دي فرصة ذهبية ولو فزت فيها اكيد الموقع بتاعي هيبقى مشهور .

ادهم : يبقى انتي عايزه تبقى مشهوره ، قولي كدا من الاول.

مريم : لا مش علشان ابقى مشهورة… انا عايزه اشترك علشان احسن من مستوايا واثبت للكل اني اقدر افوز في المسابقة دي وانا مغمضة عينيا.

ادهم : ما دام هو دا السبب اللي انتي عايزة تشتركي في المسابقة علشانه فانا مش هسمحلك تشتركي فيها ابداً لان شركتي مش مكان للأستعراضات يا انسه وانما انا وظفتك هنا علشان تشتغلي وبس مش علشان تثبتي اي حاجة…بس لو كنتي عايزه تستعرضي نفسك يبقى روحي دوري على مكان تاني وابقي قابليني لو لاقيتي حد هيوظفك بعد ما تسيبي الشركة دي.

فنظرت مريم اليه بحنق ثم سألت : طب.. طب اعمل ايه علشان تسمحلي اشترك في المسابقة ؟

ادهم : متعمليش اي حاجة لان انا اتخذت قراري النهائي وانتي هتفضلي تشتغلي في مراجعة بيانات معلومات السوق الألكترونية لغاية ما الشهر بتاع المسابقة يعدي.

احتجت قائلة : بس.. بس دا ظلم يعني فترة التدريب كلها مدة 3 شهور ولو فضلت شهر كامل اشتغل في مراجعة بيانات السوق الألكترونية فانا مش هستفيد اي حاجة من فترة التدريب وانت هتظلمني كدا.

فنهض ادهم من مكانه وضرب الطاولة بيده لانه سئم من مجادلتها مما جعلها ترتعش خوفاً وقال بنبرة حادة : وبعدين بقى…قلت لك مفيش اشتراك في المسابقة يعني مفيش اشتراك واياكي تتكلمي معايا مرة تانيه بالطريقة دي لانك هتشوفي مني حاجة مش هتعجبك ابداً.. ودلوقتي اتفضلي ارجعي شغلك ومتجيش هنا تاني غير اما انا اطلبك مفهوم .

ابتلعت مريم ريقها بتوتر وقد عادت الدموع الى عينيها فاستدارت ثم توجهت نحو الباب ومسحت دموعها قبل ان تفتحه وتخرج…اما هو فجلس مجدداً على كرسيه واغمض عيناه بشدة محاولاً اخراج صورتها وهي تبكي من رأسه فهو لا يعلم كيف ومتى ولماذا اصبحت صورتها محفورة في ذاكرته حتى ان رائحة عطرها علقت في انفه واصبحت بالنسبة له كالمخدر ، ولكن لا…ربما تكون قد اثرت عليه قليلاً ولكنه ادهم عزام السيوفي الملقب ” بجبل الجليد ” لبرودة اعصابه لن تؤثر عليه هذه الصغيرة الباكية.

هذا ما كان يخبر نفسه به اما بالنسبة لمريم فقد خرجت من مكتبه بملامح وجه حزينة اكثر من كونها منزعجة وعندما رأتها سلمى نهضت فوراً واقتربت منها قائلة بحنق : انتي ازاي اتجرأتي واتكلمتي مع البيه بالطريقة دي ، انتي اتجننتي ولا ايه ؟

فنظرت مريم اليها وقالت بتذمر : هو انا اتكلمت مع رئيس الجمهورية مثلاً ، مهو انسان عادي زينا زيه دا حتى مش محترم وميعرفش ازاي يتكلم مع الستات.

شهقت سلمى وقالت بفزع : بتقولي ايه الله يخرب بيتك ؟؟

مريم : انا بقول الحقيقة.

سلمى : لا انتي شكلك مجنونة على الاخر.. يلا يا بنت امشي من هنا بسرعة لحسن البيه هيسمعك وهتحصل كارثة في الشركة بسببك.

تمتمت مريم بأنزعاج : انا الحق عليا اللي جيت اشتغل في شركة المجانين دي بس اعمل ايه بقى ؛ مهو بختي المهبب هو اللي رماني هنا ومقدرش اقدم استقالتي دلوقتي لان الشرط الجزائي اللي وقعنا عليه بيقول مينفعش نستقيل الا بعد 6 شهور والا هدفع 100،000 جنيه .

قالت ذلك ثم غادرت وتركت سلمى واقفة تحدق بها بصدمة فتساءلت : مجنونة دي ولا ايه ؟

– في تلك اللحظة سمعت صوت تحطيم صادر من مكتب ادهم وادركت على الفور انه غاضب للغاية وقد يكون حطم حاسوبه المحمول كما يفعل كلما يغضب فأبتلعت ريقها وغمغمت : ربنا يستر بقى.

وما هي الا ثلاث دقائق قد مرت حتى اتاها اتصال منه فاجابت بسرعة : ايوا يا فندم.

قال : تعالي هنا فوراً .

سلمى : ح.. حاضر .

قالت ذلك ثم اغلقت الهاتف ونهضت من مكانها واقتربت من باب مكتبه الذي كان يقع بجانب مكتبها الصغير ثم اخذت نفساً عميقاً وبعدها طرقت الباب فسمح لها بالدخول… دخلت وقد كان تخمينها صحيح لان ادهم قد حطم حاسوبه المحمول بالفعل ولكنه حطم اشياء اخرى اضافية هذه المرة منها المرآة الكبيرة التي كانت في مكتبه ولوحة اسمه الزجاجية التي كانت على طاولة المكتب ، اما هو فنهض من مكانه وقال لها بنبرة أمر : انا هطلع دلوقتي بس لما ارجع عايز كل حاجة اتكسرت ترجع زي ما كانت.

ردت عليه سلمى بصوت مرتجف : ح.. حاضر .

– ثم خرج ادهم من مكتبه وهو يعدل ياقة قميصه وكان الانزعاج ظاهراً عليه بالرغم من برودة اعصابه.. توجه نحو المصعد وضغط على زر الطابق الأول من الشركة حيث كانت الردهة الواسعة فهو كان يريد الخروج لكي يستنشق بعض الهواء النقي عله ينسى رائحة عطر مريم التي علقت في انفه واسكرته.

اما في قسم برمجة التطبيقات والهندسة الإلكترونية فعادت مريم بوجه شاحب محبط ثم توجهت نحو مكتبها الصغير وجلست على كرسيها دون ان تقول اي شيء… أقتربت منها زميلتها ياسمين والتي كانت تكبرها بسنتين وقالت : طمنيني يا مريم.. ايه اللي حصل لما رحتي تتكلمي مع ادهم بيه ؟

رفعت مريم رأسها ببطء ونظرت الى ياسمين التي كانت قلقة بشأنها ثم تنهدت بقوة وقالت : محصلش حاجة.. هفضل اشتغل في مراجعة البيانات والمعلومات لغاية ما شهر المسابقة يعدي.

ياسمين : يعني مش هتشتركي معانا ؟

مريم : لا.. ادهم بيه استبعدني بعد الكلام اللي قلته في قاعة الاجتماعات.

فسألتها ياسمين معاتبة : طب انتي قلتي كدا ليه ، يعني كان ضروري تقولي الكلام دا ؟

وضعت مريم رأسها بين يديها وغرست اصابعها في شعرها واجابت بإحباط : وانا اعرف منين ان حاجة زي دي هتحصل ؟

فتنهدت ياسمين ثم ربتت على كتفها قائلة : طيب خلاص..متزعليش نفسك يا حبيبتي وان شاء الله كل حاجة هتبقى تمام.

تسارع في الاحداث…………….

مر اسبوعين على مريم وهي تعمل في مراجعة البيانات بينما كان زملائها المتدربين يصممون مواقعهم التجارية وكانوا متحمسين جداً للمسابقة التي لم يتبقى على انتهائها سوى اسبوع واحد… وخلال هذان الاسبوعين جمعتها الصدفة مع ادهم عدة مرات وفي اماكن مختلفة من الشركة ، ولكن اهم الاماكن كان المصعد حيث كانت تشعر بالرهبة كلما تواجدت معه هناك واحياناً كانت تُفضل استعمال سلالم الطوارئ لكي تتفادى مقابلته ولكن الأمر كان متعباً بالنسبة لها لذا خضعت للأمر الواقع وعادت تستقل المصعد .

وكلما كانت تقابله هناك كانت تحني رأسها وتقف في الزاوية دون ان تقول اي شيء بينما كان هو يَدّعي عدم الاهتمام لوجودها ولكن العكس صحيح…لان رائحة عطرها كانت تفقده عقله واصبحت كالأدمان بالنسبة له خصوصاً عندما يتواجد معها في المصعد حيث ان المكان مغلق مما جعله يصبح عصبياً جداً وكان يعود الى المنزل والانزعاج جلياً على وجهه ؛ لانه ادرك بأن هنالك شيء في هذه الفتاة يجذبه اليها غير رائحة عطرها ولاحظ افراد عائلته تغيره وانزعاجه لهذا كانوا يتفادونه خشية من غضبه المدمر .

وذات يوم…….

كانت مريم تريد مغادرة الشركة بعد ان انتهى دوامها حيث انها كانت تغادر قبل زملائها لان عملها كان مختلفاً عن عملهم الذي يتطلب الكثير من الوقت…فتوجهت نحو المصعد في تمام الساعة الخامسة مساءً وكانت تدعو الله في سرها بأن لا تقابل ادهم هناك ؛ ضغطت الزر ووقفت تنتظر نزول المصعد وما ان نزل وفُتح الباب حتى خاب املها لانه كان فيه بالفعل وكان يعبث بهاتفه بكل هدوء فابتلعت ريقها ثم دلفت الى الداخل بصمت وارادت ان تضغط زر الطابق الأول ولكنه كان مضغوط بالفعل… سحبت يدها ثم اعادت خصلة من شعرها ووضعتها خلف اذنها بتوتر شديد ، اما هو فبدأت نبضات قلبه ترقص وتتضارب بداخله حيث ان كل حركة كانت تصدر عنها كانت تسبب له الجنون… اغلق هاتفه ووضعه في جيبه ثم اغمض عيناه ومسح وجهه براحة يده محاولاً تهدئة نفسه لان الوضع بالنسبة له اصبح خطيراً فهو وبالرغم من قوة شخصيته وبرودة اعصابه الا ان هذه الفتاة كادت ان تجعله يفقد عقله بحركاتها البريئة ورائحة عطرها التي تشبه ” رائحة الفانيليا المثيرة ” والتي تُعد واحدة من أفضل الروائح التي تجذب الرجل وذلك لأنها مثيرة للشهوة حيث انها ناعمة وقوية في نفس الوقت .

– وما زاد الطين بلّة هو تعطل المصعد في تلك الاثناء فعلقا بداخله ما بين الطابق الرابع والطابق الثالث … وفي تلك اللحظة سيطر الخوف على مريم التي سألت بهلع : في ايه ؟

فنظر ادهم الى سطح المصعد وقال : الظاهر ان الاصنصير وقف واحنا علقنا هنا .

مريم : ايه !

ضغط ادهم على زر الطوارق ثم اخرج هاتفه من جيب سترته واراد ان يتصل بأحدهم ولكن لسوء الحظ لم يكن هنالك تغطية لذا رمى الهاتف على الارض بقوة مما جعل الفتاة ترتعد خوفاً عندما فعل ذلك وقال بانزعاج : ودا وقتك انت كمان !

قال ذلك ثم اعاد شعره الى الخلف ووضع يديه على خاصرته ، اما هي فاخرجت هاتفها من حقيبتها ولكن النتيجة كانت نفسها ” لا توجد تغطية ” فاقتربت من لوحة المفاتيح الخاصة بالمصعد وبدأت بالضغط على زر الطوارئ مراراً وتكراراً وهي تقول بصوت عالٍ : في حد هنا ، ساعدوناااا ….احنا علقنا !

ثم بدأت تضرب على باب المصعد لكي يسمعها احدهم وهي تكرر ما قالته ولكن لا حياة لمن تنادي فبدأت تبكي ، اما ادهم فلم يكن يتوقع ان شيئاً كهذا قد يحدث وخصوصاً في شركته المتطورة وما ازعجه اكثر هو تواجده مع هذه الباكية التي سلبته عقله برائحة عطرها حيث كان يثمل لمجرد التواجد معها لدقائق قليلة في المصعد فكيف سيتحمل فكرة انه عالقاً معها وفي نفس المكان وقد يستغرقان وقتاً حتى يخرجان ؟

وبعد ان فكر بذلك ضرب جدار المصعد بيده وبكل قوته قائلاً : اشتغل بقى !

ولكن بفعلته تلك تسبب في انقطاع التيار الكهربائي فاصبح المكان مظلماً مما جعل الرعب يتسلل الى قلب مريم التي صرخت بأعلى صوتها وتعالى صوت بكائها الامر الذي زاد من توتر ادهم لذا اخرج هاتفه الاحتياطي لينير المكان ثم نظر إليها وقال : اسكتي شويه …مفيش داعي للخوف.

ولكنها لم تمتثل لطلبه واستمرت بالبكاء كما لو انها طفلة فصرخ بها بصوت اشبه بـِ زئير الأسد : اكتمي بقى !!

سكتت رغماً عنها واخذت تشهق بخوف اما هو فاخذ تنفسه يتسارع اكثر فأكثر وبدأ صدره يعلو ويهبط من شدة التوتر واصبح كالمخمور تمامًا بسبب رائحة الفانيليا المنبعثة منها في ارجاء المكان .. وبالرغم من ذلك استطاع ان يسيطر على هدوء اعصابه والتفت نحوها ليجدها جالسة في الزاوية تضم قدميها وتبكي بصمت من شدة الخوف ؛ اقترب منها ثم انحنى قليلاً وسلط ضوء الهاتف عليها قائلاً بصوت رزين : اسمعي اللي هقولك عليه كويس…لو عايزه تخرجي من هنا يبقى تنفذي اللي هطلبه منك تمام.

رفعت رأسها ونظرت اليه بعيونها الباكية وبالرغم من الظلام الا انه استطاع ان يرى قسمات وجهها فقالت بتلعثم : ا.. ارجوك طلعني من هنا.

قال بجدية : هطلعك بس بطلي تعيطي الاول لان العياط مش هيجيب نتيجة غير انك هتوجعيلي دماغي .

فمسحت مريم دموعها بينما اضاف هو قائلاً : ودلوقتي امسكي الموبايل ودوريه ناحية باب الأصنصير وانا هاحاول افتحه تمام.

– أومأت له برأسها ثم نهضت وامسكت هاتفه وفعلت ما طلبه منها ، فخلع سترته ورماها ارضاً ثم رفع اكمام قميصه وبدأ في محاولة فتح باب المصعد ولكن دون جدوى ، لذا صب جام غضبه عليه واخذ يضربه بقدمة بكل ما يمتلك من قوة زارعاً الفزع في نفس مريم التي نزلت دموعها مجدداً فهي فكرت بلحظة خوف أنها ستعلق في ذلك المصعد إلى الابد ولن تتمكن من رؤية شقيقتها الصغرى بعد اليوم .

لذا جلست في الزاوية وهي لا تملك لا حول ولا قوة كما ان ادهم استسلم للأمر الواقع ثم جلس ايضاً بالزاوية الاخرى سانداً ظهره على جدار المصعد وامسك سترته ثم اخرج علبة سجائره الفاخرة واشعل سيجارة متجاهلاً التنبيه الموجود في المصعد والذي ينص على عدم التدخين… فشع ضوء سيجارته في الظلام الممزوج بضوء الهاتف واخذ ينفخ الدخان من فمه وكان يبدو متوتراً للغاية… اما هي فتحسست من رائحة الدخان وبدأت تسعل لذا قالت بصوت مرتجف : ارجوك…ينفع تطفي السيجارة ، انا عندي حساسية من الدخان ومقدرش اشم ريحته ابداً .

تجاهل ما قالته واخذ نفساً عميقاً من سيجارته ثم نفث الدخان وقال بصوت هادئ : مش عايز اسمعلك نفس لغاية ما نخرج من الورطة السودة دي انتي سامعة ؟

التزمت الصمت بعد قوله ذاك وحاولت منع نفسها عن السعال ولكنها لم تستطيع ؛ في الواقع لقد اشعل السيجارة حتى تخفف رائحة الدخان من تأثير رائحة عطرها التي ادمنها بالفعل كما انه اشعلها لكي تساعده على التخفيف من شدة توتره…فجلسا بصمت لمدة خمس دقائق وفجأة عاد النور مجدداً فنظرا الاثنان الى السطح ثم نهض هو اولاً ورمى سيجارته على ارضية المصعد وداس عليها ليطفأها ، اما هي فنهضت ايضاً وبدأت تضغط على زر الطوارئ قائلة بلهفة : حد سامعني ، في ناس علقانيين هنا !

وما هي الا ثواني حتى تحرك المصعد مجدداً فشعرت مريم بقلبها يهوي اما ادهم فانحنى والتقط سترته التي رماها على الارض ونفضها من الغبار ثم ارتداها مجدداً والتفت نحو المرآة ليرتب شكله ، وعندما فُتح باب المصعد في الطابق الثالث وجدوا امامهم فريق الصيانة الخاص بالشركة فتوتر الفريق عندما رأوه وسألهما احد الرجال : انتوا كويسين يا فندم ؟

خرج ادهم من المصعد قبل مريم كما لو انه بركان ثائر ، وصرخ بوجه الموظف قائلاً : انت وكل فريق الصيانه بتاعك مرفودين !

قال ذلك ثم توجه نحو مخرج الطوارئ استخدم السلالم لينزل الى الاسفل بنوبة عصبية … اما مريم فتنفست الصعداء لان تلك الفترة المرعبة قد مرت على خير استخدمت السلالم ايضاً لتنزل ولكنها نظرت إلى يدها ووجدت هاتف ادهم الاحتياطي كان ما يزال معها لذا ركضت لتلحق به وبالفعل استطاعت ان توقفه في ردهة الشركة بقولها : ادهم بيه ، استنى من مفضلك.

التفت اليها وقد عاد الى بروده المميت وبدون ان يقول اي شيء تقدمت نحوه وهي تلهث جراء ركضها على السلالم ثم قالت بصوت متقطع : انت… نسيت… الموبايل بتاعك معايا يا فندم .

قالت ذلك ثم مدت يدها لتعطيه هاتفه فتنهد ثم اشتلف الهاتف من يدها وبعدها غادر دون ان ينبس بحرف واحد .. وقفت تحدق به بغير تصديق ثم قالت : ايه الراجل الغريب دا ، لسه من شوية كان متعصب وشبه البركان اللي هينفجر في اي لحظة ودلوقتي رجع جبل التلج مرة تانيه .. اما راجل عجيب.

اما في سيارة ادهم فكان يقودها بسرعة وهو يركز على الطريق امامه ولكنه كان يفكر بمريم وبالوقت القصير الذي قضاه معها في المصعد وكيف كانت خائفة وكيف اخافها بصراخه عليها وكيف اثارته رائحة عطرها…فضرب المقود بيده وصرخ قائلاً : الله يحرقك.. اطلعي من دماغي بقى !!

قال ذلك ثم نظر إلى هاتفه الذي كان على المقعد بجانبه فانزعج ثم امسك به ورماه من النافذة وبعدها مسح وجهه براحة يده ولكن رائحة عطر مريم التي كانت عالقة في الهاتف قد انتقلت الى يده لذا إنعطف بسيارته يميناً ثم اوقفها بجانب الطريق وقرب يده من انفه قائلاً : ازي انتقلت ريحة پارفان البنت دي على ايدي ؛ انا حتى مقربتش منها ولا لمست ايدها يبقى ازاي بقت ريحة ايدي زي ريحة الپارفان بتاعها ؟

فاخذ يفكر قليلاً ثم ادرك ان الهاتف هو السبب فتنهد بقوة واخرج من جيب السيارة زجاجة عطره الفاخرة والتي كانت من اشهر الماركات ثم رش قليلاً منها على يده ليخفي اثر رائحة عطر مريم وبعدها اعادها الى مكانها في جيب السيارة ومن ثم شغل المحرك وهم بالمغادرة ، وما هي الا مدة زمنية معينة قد مرت حتى وصل الى منزل عائلته الذي كان اشبه بالقصر…. فُتحت البوابة الرئيسية بطريقة إلكترونية ليدخل الى ” الكراج ” وبعدها ترجل من سيارته حتى دون ان يلقي التحية على ذلك الرجل البدين الذي قال له : اهلاً يا ابني .

فدخل بنوبة غضبه الى المنزل اما الرجل فقال : لا حول ولا قوة إلا بالله…ربنا يهدي سرك يا ادهم يبني.

– كان ذلك الرجل هو نفسه العم محمود الذي عمل مع زوجته امينه في منزل عائلة السيوفي لمدة ثلاثين سنه حتى ان اولاده سمير ووفاء قد كبروا في ذلك المنزل ؛ وفي الداخل دلف ادهم بعصبية وصعد الى غرفته دون ان يتحدث مع اي احد من افراد اسرته اللذين كانوا جالسين في غرفة المعيشة يشربون الشاي ، فقالت امه السيدة كوثر : وبعدين مع الحالة دي ، الولد دا زودها اوي !

اما اخته رغد فقالت : نفسي اعرف ايه هو السبب اللي بيخليه يرجع البيت متعصب كدا كل يوم.

اجابتها سلوى زوجة معاذ : جايز عنده مشاكل في الشغل يا رغد.

فقال معاذ : وهو الشغل يبقى فيه مشاكل كل يوم ، اكيد في سبب تاني واحنا لازم نعرفه .

في غرفة ادهم….

دخل الغرفة ثم اغلق الباب ورمى سترته على الاريكة وبعدها رمى نفسه على السرير مغمضاً عيناه بشدة محاولاً ان يجمع شتات نفسه… ولكن ليس لوقتاً طويل فبينما كان على تلك الحال سمع احدهم يطرق باب غرفته فقال بصوت منزعج : مش عايز اشوف حد دلوقتي.

أتاه صوت شقيقه الاصغر سناً ” معاذ ” حيث قال من خلف الباب : ادهم افتح الباب.. في حاجة مهمة حصلت وانت لازم تعرفها.

فتح ادهم عيناه ثم نهض عن سريره وتوجه نحو الباب ثم فتحه بقوه قائلاً : عايز ايه يا معاذ ، انا معنديش مزاج اكلم اي حد دلوقتي علشان كدا سيبني في حالي .

فتنهد معاذ ونظر اليه قائلاً : مش انا اللي عايز يا ادهم .. دا كمال.

قال ذلك واشار إلى الهاتف بيده ثم اضاف : هو عايز يكلمك بس انت مبتردش على الموبيال بتاعك علشان كدا اتصل بيا وقال ان في مشكلة حصلت معاه في اميركا .

في تلك اللحظة تذكر ادهم ان كمال سافر إلى اميركا منذ اسبوع لكي يشرف على بعض الاعمال في فرعهم الذي هناك وقد اعتمد عليه بفعل ذلك فقال بتذمر : اهو كدا كملت .

ثم اخذ هاتف شقيقه واجاب قائلاً : ايوا يا كمال ؟

فقال كمال : انت فين يا ادهم ، بقالي ساعة بتصل عليك بس موبايلك خارج الخدمة وكمان الموبايل التاني مقفول.

تنهد ادهم وسأله : في ايه ؟

كمال : احنا في مشكلة يا ادهم… وانت لازم تيجي هنا فوراً .

ادهم : ايه اللي حصل ؟

كمال : في شركة امريكية بتقول ان فرعنا اللي هنا سرق الموقع بتاعهم ورفعوا علينا دعوة علشان كدا انت لازم تيجي بسرعة.

ادهم : طيب متقلش… انا هطلع في اول طيارة .

كمال : تمام وانا هستناك .

– ثم انهى ادهم المُكالمة مع كمال واخذ يسجل رقماً في هاتف معاذ الذي سأله بقلق : في ايه يا ادهم ؟

فاشار له بأصبعه لكي ينتظر ثم وضع الهاتف على اذنه وما هي الا ثواني حتى قال : سلمى… احجزيلي تذكرة على اول طيارة رايحه نيويورك الليلة دي.

سلمى : في حاجة حصلت يا فندم ؟

ادهم : اعملي اللي طلبته منك بدون اسئلة … ولما تحجزي التذكرة اتصلي على الموبايل دا علشان تقوليي ايه اللي حصل اه وكمان عايزك تجيبلي موبايل جديد بنفس رقم موبايلي .

سلمى : حاضر.

ثم اغلق الهاتف واعاده لاخيه فسأله الاخير : انت هتسافر يا ادهم ؟

فاجابه ادهم وهو يتجه نحو خزانته قائلاً : ايوا…ومعرفش هقعد هناك قد ايه علشان كدا انت هتبقى راجل البيت في غيابي مفهوم ؟

معاذ : متقلقش…يبقى انا هسيبك توضب شنطتك دلوقتي.

قال ذلك ثم خرج من غرفة اخية الاكبر الذي فتح حقيبة السفر وبدأ يضع ملابسه فيها قائلاً : اهي السفريه دي جت فرصة لحد عندي علشان اتخلص من شوفة البنت اللي اسمها مريم دي … جايز لو بعدت عنها شوية وقت مش هتأثر عليا تاني واكيد هرتاح بعد كدا .

تسارع في الاحداث………

سافر ادهم الى اميركا حيث كان ابن خاله كمال وبقي هناك لمدة اسبوعين يحل القضية العالقة بين فرع شركته وبين الشركة الامريكية التي ادعت انهم سرقوا احد مواقعها الالكترونية ، اما مريم فكانت على حالها حيث كانت تعمل في مراجعة بيانات السوق الاكتروني ولكنها افتقدت رب عملها الذي اختفى فجأة… فهي لم تراه منذ اخر لقاء جمعها به عندما علقت معه في المصعد لذا انتابها الفضول حول موضوع غيابه عن الشركة لمدة اسبوع كامل وهو الرئيس التنفيذي الذي لا يمكنه التغيب ابداً .

ومن جهة أخرى كان زملائها المتدربين قد انتهوا من تصميم مواقعهم حيث ان الشهر المحدد لتلك المسابقة قد انتهى بفوز “محمود ياسين” البالغ من العمر 25 عاماً حيث انه صمم موقع تجاري إلكتروني متخصص في بيع ادوات التنظيف المنزلية وكان معظم زبائن الموقع نساء وربات بيوت مصريات ، وقد انتظر مدير القسم الذي يعمل به عودة ادهم من اميركا لكي يوافق على امر انظمام الموقع الجديد الى المواقع الرئيسية في الشركة.

وبعد غياب دام لمدة اسبوعين وثلاثة أيام عاد كل من ادهم وكمال الى مصر بعد فوزهم في القضية حيث ان شركتهم قد اظهرت الادلة والبراهين التي تؤكد أن الموقع الإلكتروني خاص بهم ولم يسرقوه من اي شركة كما ان ادهم طالب تلك الشركة المدعية بتعويض عن محاولتها لتشويه سمعتهم فامتثلت المحكمة الأمريكية لطلبه وقامت بإصدار حكم على الشركة المُدعية وهو ان تدفع مبلغ بقيمة 500،000$ لشركة رويال.

وفي مطار القاهرة الدولي … كان سمير ابن العم محمود وسائق ادهم ينتظره في المطار ، وفور نزول هذا الاخير وكمال من الطائرة توجها نحو السيارة حيث قام الشاب بأخذ حقائبهما ووضعها في صندوق السيارة ثم فتح الباب الخلفي ليصعد ادهم اولاً وبعده كمال ومن ثم ركض وصعد في مكانه امام المقود قائلاً : نروح بيت كمال بيه الاول ولا ايه يا ريس ؟

اجابة ادهم وهو يفك ربطة عنقه : ودينا الشركة يا سمير.

فنظر كمال اليه وسأله بتعجب : معقول انت ؛ عايز تروح الشركة على طول كدا حتى قبل ما تستريح ؟!

فقام ادهم بفك اول زرين من قميصه ليسمح للهواء ان يدخل الى عنقه ثم قال : عندي شغل مهم لازم اعمله قبل كل حاجة.

{ يقصد التأكّد ان كانت مريم ستؤثر عليه بعد هذه الغيبة ام انه قد تجاوز الامر بالفعل }

فنظر كمال إلى ساعة يده وسأل : شغل ايه دا اللي هيخليك تروح الشركة الساعة 14:00 حتى قبل ما تغير هدومك ؟

ادهم : متشغلش نفسك انت في الموضوع دا.

كمال : بس كدا هتعب نفسك يا ادهم ، يعني جسمك مش حجر وجايز تنهار لو فضلت تشتغل طول الوقت…وبعدين مش كفاية انك مكنتش بتنام زي بقية الخلق لما كنا في نيويورك ليه عايز تعذب نفسك ؟

فنظر ادهم اليه واردف : متخفش عليا يا كمال… انا هروح الشركة لمدة ساعة وحدة وبعد كدا هرجع البيت علشان استريح .

فتنهد كمال بأستسلام وقال : والله مش عارف اقولك ايه ، على العموم انت عارف مصلحتك اكتر مني.

فتنهد ادهم ايضاً واستطرد : يلا اطلع يا سمير.

سمير : حاضر يا فندم.

ثم ذهبوا الى الشركة بالفعل فنزل ادهم من السيارة ونظر إلى كمال قائلاً : هقابلك بكرا.

كمال : اوك .

ادهم : سلام دلوقتي.

قال ذلك ثم توجه نحو ردهة الشركة اما كمال فقال لسمير : معليش هتعبك معايا.

رد سمير بسرعة : العفو يا فندم ، دا واجبي.

قال ذلك ثم شغل محرك السيارة وقادها متوجهاً الى منزل كمال… اما ادهم فاخرج نظارته الشمسية من جيب سترته ووضعها على عيناه وبعدها عَدّل سترته وتوجه الى داخل الشركة وهو يقول في نفسه : هنشوف دلوقتي لو كنتي هتأثري عليا ولا لا يا مريم هانم .

في تلك الاثناء كانت استراحة الغداء في الشركة فكانت مريم جالسة مع زملائها الشباب في الكافيتريا ولكنها كانت شاردة الذهن ، اما الهام فقالت : يا بختك يا محمود….دلوقتي مُرتبك هيزيد والموقع بتاعك هيبقى من ضمن المواقع التجارية الرئيسية في الشركة.

فضحك محمود واردف : متزعليش نفسك يا الهام اكيد انتي هتفوزي في المرة الجاية لانك جيتي في المرتبه التانيه والفرق بيني وبينك كان زبون واحد مش اكتر.

اما سليمان فقال : مش مهم مين اللي فاز يا جماعة المهم اننا خدنا فرصتنا وصممنا مواقع الكترونية تجارية في شركة رويال العالمية ودا لوحده انجاز عظيم.

اسيل : سليمان عنده حق… ولا انتي رأيك ايه يا مريم ؟

ولكن مريم لم تجيبها فنظر الجميع اليها وسألتها الهام : مريم.. مريم انتي معانا ؟

نظرت مريم اليهم قائلة : ها… قولتوا حاجة ؟

فقال سرحان : لا دي باين عليها مش معانا خالص.

الهام : مالك يا مريم ، بتفكري في ايه ؟

فتنهدت مريم وقالت : مش ملاحظين حاجة غريبة يا جماعة ؟

ياسمين : حاجة غريبة زي ايه يعني ؟

وارادت ان تتحدث ولكنها لمحت ادهم ماراً في طريقه نحو المصاعد فهبت واقفة بسرعة وقالت : هقولكوا بعدين… سلام دلوقتي.

ثم ركضت حتى تدركه اما زملائها فاستغربوا من امرها وقالت الهام : جرالها ايه دي ، هروح اشوفها.

فقالت اسيل : سبيها يا الهام… جايز انها حست نفسها منبوذة لاننا كنا بنتكلم عن المسابقة واحنا فرحانين بانجازاتنا بينما هي مقدرتش تشترك معانا لان ادهم بيه استبعدها في الاجتماع اللي حصل قبل شهر.

فتنهدت الهام وقالت : طيب هسيبها لوحدها .

عند مريم…

كانت تركض حتى وصلت الى منطقة المصاعد وكما توقعت تماماً… فكان ادهم هناك واقفاً امام باب المصعد ينتظر نزوله وهو يضع نظارته الشمسية… ولا تعلم لما شعرت بالراحة عندما رأته بعد غياب دام لمدة اسبوعين وثلاثة ايام… فاخذت نفساً عميقاً ثم توجهت نحوه بخطوات ثابتة ولكنها كانت متوترة جداً ومع ذلك وقفت بجانبه تنتظر نزول المصعد ايضاً.

في تلك اللحظة شعر ادهم بها فوراً حيث ان رائحة ذلك العطر التي عانى كثيراً حتى ينساها عادت لكي تسكره مجدداً فالتفت اليها بسرعة ونزع نظارته لينظر اليها جيداً وكأنه يريد ان يتأكد ان كانت هذه الواقفة بجانبه هي مريم مراد التي ادمن رائحة عطرها ام لا ، وعندما رأها واقفه بجانبه وهي تحني رأسها وتفرك يديها ببعضهما تعبيراً عن توترها اغمض عيناه بشدة وتنهد بقوة وقد عادت مشاعره المضطربة مجدداً كما ان نبضات قلبه بدأت تتسارع وكأن المدة التي قضاها في نيويورك لم تساعده ابداً بل على العكس تماماً حيث كانت رؤيتهُ لها هذه المرة اقوى من اي وقت والادهى من ذلك انه شعر بشوق كبير لها.

اما هي فكان حالها لا تختلف عن حاله كثيراً حيث انها ادركت بأنه ينظر اليها ولكن لا تعلم لما تزعجه رؤيتها لذا فضلت ان تصمت حتى لا توتر الجو اكثر.. وسرعان ما نزل المصعد فصعد ادهم قبلها ووضع نظارته مجدداً ، اما هي فترددت من الدخول لانها لم تستعمل المصعد ابداً منذ اخر مرة علقت فيها معه مما جعله يدرك انها خائفة من ان يتكرر ما حدث فقال بصوته الهادئ : متخفيش..اللي حصل مش هيتكرر تاني.

نظرت اليه لمدة ثواني وسرعان ما اخفضت بصرها ودخلت الى المصعد ثم ضغطت زر الطابق الرابع حيث كانت تعمل اما هو فضغط زر الطابق الاخير حيث كان مكتبه ، واثناء رحلتهما في المصعد اندلعت النيران داخل قلبه بسبب رائحة عطر الفانيليا التي كانت تضعه مريم وبالكاد منع نفسه عن احتضانها فقد عاد ليدمن على تلك الرائحة الجميلة التي عانى كثيراً ليتخلص من تأثيرها خلال المدة التي قضاها في الغربة .

– توقف المصعد في الطابق الثاني وصعد به احد الموظفين فألقى على ادهم التحية وردها له الاخير بهزة ارستقراطيه من رأسه ، ودام الصمت حتى توقف المصعد مجدداً في الطابق الرابع… نزل الموظف اولاً وارادت مريم ان تنزل ايضاً ولكن ادهم امسك بذراعها فجأة وضغط على زر اغلاق الباب بينما نظرت هي اليه بذهول .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *