عن العشق والهوى 3

~ الفصل السابع ~

﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾

– دخل ادهم إلى غرفة امه في المستشفى بعد ان كان يجري مكالمة هاتفية في الشرفة ثم امسك سترته التي كان يضعها على الأريكة وارتداها قائلاً : انا عندي شغل مهم دلوقتي ولازم امشي… مش عايز اوصيك في ماما يا معاذ.

فنهض معاذ من جانب زوجته وقال : متشغلش بالك اساساً هي هتخرج بكرا بأن الله.

اما السيدة كوثر فانتهت من تناول الحساء من يد ابنتها رغد وقالت : في حاجة يا ادهم ؛ انت شكلك متعصب اوي.

فاقترب ادهم منها وقبل جبينها قائلاً : متشغليش بالك بالحاجات دي يا ست الكل…انتي بس خفي بسرعة علشان ترجعي وتنوري البيت زي زمان اصله وحش اوي من غيرك.

فابتسمت السيدة كوثر واردفت : ربنا يخليك يا حبيبي.

ادهم : خلي بالك منها يا رغد.

رغد : حاضر .

ادهم : ومش عايز اسمع انها زعلت من اي واحد فيكوا لان مش هيحصل طيب لو حد زعلها انتوا سامعين !

فقالت سلوى : مخلاص يا ادهم… يعني حد يقدر يزعل القمر دا .

فضحكت السيدة كوثر قائلة : يا حبيبتي يا سلوى… وانت يا ادهم بطل تهدد خواتك لان محدش هيزعلني.

ادهم : انا مش بهددهم يا ماما وانما بنبه عليهم بس .

قال معاذ بسخرية : لا مهو واضح انك بتنبه علينا… على العموم متقلقش.

فتنحنح ادهم واستطرد : طيب انا همشي وجايز اتأخر في الرجعة النهاردة …سلام دلوقتي.

قال ذلك ثم غادر الغرفة فخرج من المشفى وتوجه نحو سيارته وهو يتحدث في الهاتف مع سكرتيرته سلمى قائلاً : عايزك تلغي كل اجتماعاتي بتاعة الاسبوع الجاي لاني مش هاجي الشركة في الفترة دي .

سلمى : بس يا فندم ما ينفعش نلغي كل الاجتماعات والا الشغل هيوقف وهنتحط في موقف محرج احنا في غنى عنه .

فتنهد ادهم وقال : طيب ماشي متلغيهمش وانا هخلي كمال ينوب عني في الموضوع دا.

سلمى : حاضر يا فندم.

– ثم اغلق ادهم الهاتف وقال محدثاً نفسه : لو الامن في المطار مسمحوش لعاصم انه يجب معلومات عن مريم لان دي تعتبر انتهاك خصوصية يبقى انا اكيد هقدر اجيب المعلومات دي لانها مراتي حسب الشرع ، والقانون بيقول انها ما ينفعش تسافر من غير موافقتي وبكدا اكيد هعرف هي راحت فين وهقدر ارجعها لحضني تاني .

وبعد ان عث في نفسه شعاع من الأمل بقوله لتلك الكلماتِ وضع نظارته الشمسية لتخفي عيناه المتلألئة كما لو انها بلورات سوداء حالكة ممزوجة بالحزن ؛ بعدها صعد في سيارته الفاخرة وانطلق بها متوجهاً الى المطار ليطالب بحقوقه المشروعة بمعرفة مكان زوجته التي هاجرت دون سابق إنذار ، وعندما وصل سُلطت الأضواء عليه كونه احد اشهر رجال الأعمال في البلاد واخذت العيون تتبعه بترقب وهو يمشي بشموخ كما لو كان اسداً عزيز النفس مرفوع الهامة بحلته السوداء الداكنة ونظارته الشمسية التي تخفي تحتها بحر من الحزن الممزوج بالحدة ، فتوجه نحو مكتب الاستقبال وقال للموظف بنبرة صوت واثقة : انا كنت بعت واحد من الرجالة اللي بيشتغلوا عندي علشان يجيبلي شوية معلومات عن وحدة ست سافرت برا مصر من تلات اسابيع بس مع الاسف ماقدرش يعرف هي راحت فين… ممكن تقولي ليه ما اديتهوش المعلومات دي يا…

قال ذلك ثم نظر إلى بطاقة الاسم المثبتة على قميص الموظف واضاف : يا تامر .

ازدرد المدعو تامر ريقه من شدة التوتر بسبب هذا الوحش الذي اخافه حتى وهو يتحدث بهدوء فقال بتلعثم : ا.. انا اسف يا فندم بس… النظام بيقول اننا مينفعش ندي اي حد معلومات عن المسافرين لان دا يعتبر انتهاك للخصوصية بس نقدر نعمل كدا في حالة وحدة بس لو كان الشخص اللي سافر برا البلد واحد من عيلة حضرتك فأكيد هقدر اساعدك.

في تلك اللحظة رسم ادهم شبح ابتسامة على زاوية شفتيه ثم رفع يده ببطء ونزع نظارته عن عيناه ونظر إلى تامر بنظرة اربكته ومن ثم قال : يبقى كدا احنا هنقدر نتفاهم… انا عايز اعرف مراتي سافرت فين وعايزك تساعدني في الموضوع دا وانا هكرمك متقلقش.

رمش تامر عدة مرات محاولاً استيعاب ما قاله ادهم لأنه يعرف كما تعرف البلد كلها ان ادهم عزام السيوفي لم يسبق له وان تزوج ابداً ولكن ها هو الان يطالب في معرفة اين ذهبت زوجته …فنظر اليه بنظرات تملؤها التساؤلات وسأله بدهشة وتوتر : هو حضرتك اتجوزت يا فندم ؟!

وضع ادهم يده اليسرى في جيب بنطاله واشار لتامر بيده اليمنى لكي يقترب منه وبالفعل اقترب قليلاً فأمسك الاول بربطة عنقه بلطف وهدوء لكن جعله يرتعب عندما قال بنبرة تهديد واضحة : لو حد تاني عرف عن الموضوع دا اعتبر ان نهايتك قربت ماشي.

أومأ تامر برأسه والعرق يتدفق من جبينه كما لو انه تعرض لإطلاق نار في خاصرته وقال بتوتر شديد : اعتبر اني مسمعتش حاجة يا فندم .

ترك ادهم ربطة عنقه وابتعد للخلف قائلاً : كويس… ودلوقتي عايزك تديني المعلومات اللي بتخص مراتي مريم مراد عثمان وعايز اعرف هي سافرت فين .

فاخذ تامر يعدل ربطة عنقه واردف : اكيد طبعاً …بس من فضلك اديني شوية وقت لغاية ما الاقي المعلومات اللي حضرتك طلبتها.

أشار ادهم له بيده ليباشر دون ان يتفوه بكلمة واحدة… وبالفعل بدأ تامر يبحث في الحاسوب الذي امامه عن اسم مريم مراد التي جعلت ادهم عزام السيوفي يتخطى الحدود ويقوم بتهديده من اجل اخفاء سر زواجه بها …وما هي الا مدة وجيزة حتى نظر اليه وقال : لاقيتها يا فندم.

فنظر ادهم اليه ثم اقترب منه وسأله بلهفة شديدة : هي فين ؟؟

تامر : نيويورك .

وبعد ان سمع ادهم ذلك ابتسم ابتسامة مشرقة كما لو انه حصل على احد كنوز الأرض النادرة وقال بنبرة صوت يغلبها الحب والعشق : نيويورك…هي في نيويورك دلوقتي !

فنظر تامر اليه بتعجب شديد واقسم في داخله ان هذا الذي امامه ليس ادهم عزام الملقب بجبل الجليد وانما عاشق ولهان يبحث عن معشوقته فقال : تمام كدا يا فندم ؟

وفي تلك اللحظة انتبه ادهم الى انفعاله فسيطر على نفسه وعاد إلى جموده المعتاد ونظر الى تامر قائلاً : تمام .

قال ذلك ثم اخرج محفظته من جيبه واخرج منها رزمة نقود لم يكلف نفسه عناء النظر اليها حتى وبعدها امسك يد الشاب ووض النقود فيها ثم شد عليها قائلاً بنفس لهجة التهديد : دي مكافأة صغيرة علشان ساعدتني بس خليك فاكر …لو فتحت بؤك وقلت لأي شخص كلمة واحدة عن الموضوع دا فاعتبر انك مش هتشم هوى مصر تاني لاني هنفيك من هنا فاهمني ؟

ابتلع تامر ريقه وقال : م… متشغلش بالك يا فندم ، اساساً انا مسمعتش من حضرتك اي حاجة.

فابتسم ادهم شبح ابتسامة وقال : كويس… يلا سلام.

ثم اعاد وضع نظارته الشمسية وغادر تاركًا خلفه تامر مرعوباً من تهديده الجدي …وعندما خرج من المطار توجه نحو سيارته ثم وقف يحدق في الفراغ قائلاً : نيويورك…هي ليها حد عايش هناك ولا ايه ؟!

قال ذلك ثم اخرج هاتفه من جيب سترته واتصل على عاصم وعندما اجابه قال : عاصم انا عرفت مريم راحت فين … هي في نيويورك ، عايزك تجيبلي معلومات عنها ولو كان عندها قرايب عايشين هناك وعايز عنوانهم النهاردة انت سامع.

فقال عاصم : حاضر يا فندم.

ثم اغلق ادهم هاتفه وصعد في سيارته الفاخرة وابتسم قائلاً : هلاقيكي يا مريم… هلاقيكي يا حبيبتي ومش هسيبك تبعدي عني مرة تانية ابداً .

اما عاصم فبدأ يبحث عن معلومات شاملة تخص مريم مراد عثمان والتي اصبحت شغله الشاغل في الفترة الأخيرة حيث ان ادهم اوكلة مهمة ايجادها مهما كلف الأمر .

في نيويورك……….

كانت الساعة قد تجاوزت الحادية عشر قبل منتصف الليل وكان جميع سكان منزل السيد عمر نيام الا هي حيث انها كانت مستلقية على ظهرها في الغرفة التي تتشاركها مع صديقة دربها الهام وكانت تفكر بعمق في موضوع اشغل بالها طوال فترة المساء بعد ان تقيئت …فوضعت يدها على بطنها بلطف وقالت في نفسها : معقول انا حامل… حامل بأبن ادهم السيوفي ، انا لازم اتأكد من الموضوع دا بسرعة والا مش هقدر استريح ابداً.

تسارع في الاحداث …….

حل الصباح فنهضت مريم من سريرها وهي تشعر بالخمول كالعادة وقد لاحظت ان وزنها ازداد قليلاً في الآونة الاخيرة كما انها كانت ترغب بالنوم اكثر واصبحت تكره معظم الروائح وكانت تصاب بالأعياء كثيراً حيث انها كانت تتقيء كل صباح منذ ثلاثة أسابيع تقريباً وذلك ازعجها كثيراً لذا حسمت امرها وقررت ان تجري فحصاً لتكتشف ان كانت حاملاً بالفعل ام انها مجرد تخمينات و تكهنات ليس لها اساساً من الصحة ؛ أرتدت ثيابها وخرجت من الغرفة قبل ان تستيقظ الهام حيث انها استيقظت مبكراً لعدم قدرتها على النوم بسبب تفكيرها بهذا الموضوع… ومن ثم مشت على رؤوس أصابع قدميها لئلا يستيقظ سكان المنزل ويشعرون بخروجها في تلك الساعة المبكرة من الصباح وما هي الا ثواني حتى نزلت من الطابق العلوي وتوجهت نحو الباب الرئيسي ثم فتحته برفق وبعدها خرجت وهي ترتدي معطفها لكي يحميها من برودة الجو.

وعندما خرجت بسلام تنهدت بقوة وقالت : لازم اروح المستشفى علشان اتأكد لو كنت حامل فعلاً ولا لأ… بس هعمل ايه لو طلعت حامل ؛ معقول ادهم هيعرف بالموضوع دا ولو دا طلع حقيقي انا ازاي هقدر اربي البيبي لوحدي ؟

وبعد تلك الحرب النفسية خرجت من فناء المنزل وتوجهت نحو الشارع ثم اوقفت سيارة أجرة وتحدثت مع السائق باللغة الإنجليزية وطلبت منه ان يوصلها إلى اقرب مستشفى وهي تدعو الله في سرها وتتمنى انها اخطأت في تخمينها ولكن ما زاد قلقها هو ان دورتها الشهرية قد تأخرت كثيراً بالإضافة إلى تصرفاتها التي تدل على انها حامل ولكن لا ضير من الدعاء لعل الله يسمع منها .

وبعد فترة قصيرة…..

وصلت إلى المستشفى فاخرجت بضع دولارات من حقيبتها واعطتها لسائق سيارة الأجرة ثم نزلت وتوجهت الى الداخل والى قسم النساء والولادة بالتحديد فسألتها موظفة الأستقبال : كيف استيع ان اساعدكِ يا انسه ؟

مريم : اريد اجارء فحص لأتأكد أن كنتُ حاملاً ام لا.

الموظفة : حسناً ، إملأي هذه الإستمارة من فضلكِ وانتظري هنا قليلاً ريث ما يتم استدعائكِ لأجراء الفحص.

مريم : حسناً شكراً لكِ.

ثم جلست وبدأت تملأ الإستمارة وبعد ان انتهت من فعل ذلك اخذت تنتظر ان يستدعيها الطبيب من اجل اجراء فحص الحمل ؛ وما هي الا عشرين دقيقة قد مضت حتى استدعتها الممرضة وقالت : تفضلي ان الطبيب في انتظارك.

فاخذت مريم نفساً عميقاً ثم دلفت الى داخل الغرفة وهي تشعر بدقات قلبها تتسارع كما لو انها في مضمار سباق مع الحياة ، وما ان دخلت حتى تنفست الصعداء عندما وجدت ان الطبيب الذي سيقوم بفحصها ما هو الا امرأه شقراء ذات عيون زرقاء ؛ ابتسمت تلقائياً وحمدت الله في سرها لان الطبيب لم يكن رجلاً حيث انها لم تسمح لاي رجل ان يلمسها طوال سنوات عمرها الواحدة والعشرين سوى ادهم الذي تزوجها بحكم الظروف وسخرية القدر وخلف في قلبها جرحاً مريراً بسبب معاملتها القاسية والعنيفة معها عندما كانت بين احضانه تتأوه وتبكي بحرقة شديدة.

مسحت دمعتها التي خانتها ونزلت بعد ان تذكرت تلك الليلة الموحشة بالنسبة لها وتقدمت من مكتب الطبيبة ثم قالت : مرحباً ايتها الطبيبة.

فابتسمت الطبيبة الشقراء وقالت : اهلاً …تفضلي بالجلوس رجاءً.

مريم : شكراً لكِ.

الطبيبة : لقد اخبرتني الممرضة ان فتاة عربية جميلة قد اتت لكي تجري فحصاً هنا ولكنها اخطأت عندما قالت عنكِ جميلة فأنتِ فائقة الجمال يا عزيزتي.

فابتسمت مريم بلطف وقالت : اشكركِ .. هذا من كرم اخلاقكِ .

الطبيبة : اخبريني اذاً هل انتي متزوجة ؟

في تلك اللحظة شعرت مريم بغصة مريرة في قلبها وتمنت ان تقول لا… ولا.. ولا… ولكن كيف تقولها وهي الحقيقة المرة فأومأت برأسها دليلاً على نعم دون ان تتفوه بأيّ حرف اخر فهمهمت الطبيبة قائلة : وهل اجريتي الفحص المنزلي ؟

مريم : لا لم افعل.

الطبيبة : حسناً… استلقي من فضلكِ على السرير حتى اتمكن من اجراء فحص الدم لكِ .

مريم : حسناً.

قالت ذلك ثم نهضت من مكانها وخلعت معطفها ووضعته على الكرسي وبعدها استلقت على السرير كما طلبت منها الطبيبة التي نهضت من مكانها ايضاً ثم اقتربت منها وقالت : ارفعي كم قميصكِ من فضلكِ .

فقامت مريم برفع كم كنزتها الصوفية حتى تتمكن الطبيبة بسحب الدم من ذراعها وما ان قامت بغرس الأبرة في ذراعها حتى شعرت بالقشعريرة تسري في جسدها ولكن سرعان ما اعتادت على الوضع… وبعدما انتهت الطبيبة من سحب كمية الدم المناسبة نظرت إليها واردفت : النتيجة ستخرج خلال فترة قصيرة لذا ارجو ان تنتظري بصبر .

مريم : حسناً شكراً لكِ.

– قالت ذلك ثم اخذت معطفها وحقيبتها وخرجت من الغرفة وهي تضع قطنة بيضاء على مكان غرس الآبرة حتى تمنع خروج قطرات الدم الصغيرة من عروقها البارز لشدة نحافتها ثم جلست في الردهة الواسعة تنتظر نتيجة تحليلها… وسرعان ما مر الوقت بسرعة حتى استدعتها الطبيبة مجدداً ثم قالت بابتسامة عريضة : تهاني لكِ فأنتِ حامل بالفعل.

– في تلك اللحظة صمت كاسح اخترق ارجاء الغرفة بعد تلك الجملة القصيرة ذات المعاني الكثيرة …فهي تجمدت في مكانها كتمثال رخامي ولولا صعود وهبوط صدرها جراء تنفسها لأقسمت الطبيبة على ان هذه الفتاة العربية قد فارقت الحياة بعد تلقيها لذلك الخبر المفرح… او المحزن بالنسبة لها… فنهضت من مكانها وعلامات القلق واضحة على وجهها ثم توجهت نحوها وسألتها : ارجو المعذرة ولكن هل انتي بخير ؟

رمشت مريم مرتين وكأنها كانت ميتة وعادت إلى الحياة مجدداً بعد ان لمستها يد الطبيبة وسرعان ما ذرفت بلورتين شفافيتين من عينيها العسلية المخضرة وقالت بصوت يكاد يختفي : هل… انا حامل حقاً ؟

أحتارت الطبيبة من امرها وقالت : اجل عزيزتي… بناء على تحليل الدم الذي اجريتيه اتضح انكِ حامل منذ اربعة أسابيع تقريباً لذا يجب ان تهتمي لصحتكِ جيداً وانا سوف أصف لكِ بعض الفيتامينات لأن التحليل اظهر انكِ تعانين من فقر دم ايضاً وهذا ليس جيداً من اجل الطفل.

فخرجت شهقة مكتومة من حنجرة مريم المجروحة وقالت بصوت مخنوق : ح.. حسناً.

وبالفعل قامت الطبيبة بوصف الدواء لها واخبرتها بأنها يجب ان تأتي إلى المستشفى مرة اخرى لأجراء الفحوصات اللازمة للإطمئنان عليها وعلى الجنين … وبعد تلك الصاعقة التي تعرضت لها خرجت من المستشفى وكأنها زومبي خالي من الروح وهي تحمل بيدها كيس بلاستيكي يحتوي على علبة فيتامينات ولم تصدق انها حامل حقاً ومن من.. من ادهم عزام السيوفي الذي سبب لها جرح كبير في المشاعر عندما عاملها بقسوة شديدة كما تعامل العاهرات .

لقد أصبحت ملكه بالفعل حتى ولو انكرت ذلك مئات المرات وانكرت زواجها السري به الا انه سيأتي يوم ويعلم العالم أجمع بأنها قضت لليلة جامحة مرعبة مع ادهم عزام السيوفي حبيبها الأزلي الذي لم تسنح لها الفرصة بأن تعيش معه الحب حيث صدمت به عندما قبلها بوحشية في مكتبه وهو يخبرها برغبته في تملكها لتصبح دميته ، ولكنها وبالرغم من جرح قلبها وحقدها عليه لانه عاشرها بشراسة كما لو كان مغتصباً الا انها ممتنة له لأنه تزوجها ولمسها شرعاً ولم يجعلها تصبح رخيصة باعت نفسها من اجل المال.

فاخذت تمشي في شوارع نيويورك بخطوات ثقيلة ودموعها لا تتوقف عن الانهمار ولا تعلم ان كانت حزينة لأنها ستضطر لمواجهة حبيبها القاسي الذي هربت منه وقررت ان تدفن حبها له في اعماق قلبها وان تنساه ام انها سعيدة لأنها حملت بأبنه… بقطعة منه تكونت داخل رحمها لتصبح روحاً طاهرة نقية لا يتعدى عمرها سوى اربعة أسابيع…. اربعة أسابيع لم تراه خلالها ولو لمرة واحدة ….اربعة اسابيع عاشتها كما لو كانت جسد يتحرك بلا روح لشدة حزنها على موت أختها مرام التي تبخرت من الدنيا كنسمة الهواء النقية ، ولكن بغض النظر عن هذه الحزن الا انها شعرت ببعض السعادة خلال الفترة التي قضتها برفقة عائلة السيد عمر حيث انهم خففوا من وحشتها وحزنها العميق ولكن ها هي تعود لذلك الحزن المستبد الذي اقسم بأنه لن يفارقها ما دامت حية ترزق .

فلم تحتمل كبت مشاعرها اكثر من ذلك لذا انفجرت باكية في الشارع امام المارة الذين اخذوا يحدقون بها وعلامات الاستفهام تعلو وجوههم ، فمنهم من ظنها مجنونة ومنهم من شعر بالأسى عليها وخصوصاً لأنها هوت جالسة على الرصيف وهي تبكي بمرارة وقهر شديد… وبقيت تبكي وتبكي وتبكي حتى جفت الأنهار في حدقتيها العسليتين فمسحت اثار الفيضان الذي سال على وجنتيها وهي تشهق ثم نهضت وحملت كيس الدواء ووضعته في حقيبتها وبعدها قررت ان تعود إلى منزل السيد عمر لترتمي بين احضان صديقتها المخلصة الهام التي تخلت عن حلمها في العمل بشركة رويال العالمية لتتبعها الى هذه البلد الغريبة لذا مشت بضع خطوات حتى توقفت بالقرب من جانب الطريق واخذت تحاول ايقاف سيارة اجرة.

ومن جهة اخرى …..

جاء ذلك الشاب المفعم بالحيوية الذي كان يقود سيارته السوداء المكشوفة متجاهلاً برودة الجو ليسمح للهواء النظيف ان يلامس بشرته الحليبية ويتغلقل داخل خصلات شعره الاسود الناعم وهو يتراقص بأصابع يديه على مقود السيارة مستمعاً لتلك الموسيقى الكلاسيكية الهادئة… فوقع نظره عليها وهي تحاول ايقاف سيارة أجرة ولا يعلم لما رفرف قلبه بعد ان رآها وما هق الا ثواني حتى انحرف بسيارته عن الطريق متجهاً نحوها ، ثم توقف بالقرب منها وضغط على البوق ليفزعها صوته فأنتفظت من مكانها والتفتت الية لتجده يبتسم لها وهو يضع نظارته الشمسية الداكنة التي زادته وسامة… في تلك اللحظة لا تعلم لما شعرت بالأرتياح لمجرد ان رأته يبتسم… نعم هي لم تقابله سوى مرة واحدة ولكنه استطاع بخفة دمه وشهامته ان يترك لديها شعوراً عذباً فابتسمت وكأنها نسيت الحزن الذي كان يأكل قلبها منذ لحظات قليلة وقالت بصوتها العذب : استاذ خالد.

فأتاها صوته الحنون يسألها : ازيك يا مريم ؟؟

أقتربت من السيارة قليلاً ثم قالت : الحمد لله ، وحضرتك ؟

خالد : كنت كويس بس دلوقتي بقيت زي الفل…طبعاً بعد ما قابلتك مرة تانيه.

مريم : متشكره.

خالد : شكلك محتاجة توصيلة ، وانا معنديش حاجة دلوقتي هقدر اوصلك.

فابتسمت وقالت : ميرسي بس مش عايزة اتعبك معايا.

خالد : ولا تعب ولا حاجة…دا اقل واجب اعمله تجاه بنت بلدي .

فاتسعت ابتسمتها ثم فتحت باب السيارة وصعدت الى جانبه دون تردد ونظرت إليه مادة يدها لتصافحه قائلة : انا مبسوطة اني شفتك مره تانيه.

فصافحها بدوره وقال : متشكر … ودلوقتي رايحه فين ؟

مريم : راجعة البيت.

خالد : اوك.

قال ذلك ثم انطلق بالسيارة مجدداً وهو ما يزال مبتسماً فالتفت اليها وسألها : ها …عجبتك العيشة في نيويورك ؟

فنظرت اليه ثم ابتسمت ايضاً وقالت : ايوا… مع اني لسه معرفش كل الاماكن فيها بس جميلة.

خالد : انا قولتلك هفسحك لما نوصل بس مع الاسف ماتقابلناش مرة تانية وانتي ما اتصلتيش بيا علشان موضوع الشغل فقولت جايز تكون نسيتني.

فشعرت مريم بالحرج من نفسها لذا تردفت بتوتر : انا اسفه يا استاذ خالد بس مكنتش عايزة اتعبك معايا اكتر من كدا يعني.

فابتسم خالد وقال : ما تخديش كلامي بجد… انا بهزر معاكي وكمان انتي عندك حق… يعني ما ينفعش وحدة بنت زيك تتصل براجل غريب عنها علشان يفسحها في بلد متعرفش فيها اي حاجة.

فأحنت مريم رأسها ولم تعلق لان كلامه كان صحيحاً بالنسبة لها فهي وجدت انه من غير اللائق أن تتصل به لكي يتنزه معها ويعرفها على معالم نيويورك وهو غريب عنها قابلته لمرة واحدة اثناء رحلتها الجوية ؛ اما هو فقال لكي يكسر حاجز صمتها : امل فين صاحبتيك التانية ، اسمها الهام برضو مش كدا ؟

رفعت مريم رأسها مجدداً وقالت : ايوا اسمها الهام… هي في بيت عمها دلوقتي ، البيت اللي حضرتك وصلتنا عليه لما جينا هنا لاول مرة .

خالد : اه فاكره كويس .

مريم : هو انا عطلتك عن حاجة يا استاذ خالد ؟

فابتسم خالد وقال : لأ ابداً ؛ انا في إجازة النهارده وقلت اتفسح شوية بما ان الجو حلو وبعدها قابلتك.

ميرم : بسم الله ما شاء الله… عربيتك تحفة اوي..باين عليها غالية مش كدا ؟

فضحك خالد وقال : مش كتير.. عجبتك ؛ لو عجبتك اعتبريها هدية.

فضحكت مريم على سخافة الموقف وقالت : لا مكنش القصد… اساساً انا معرفش اسوق وما عنديش شهادة سواقه .

خالد : خسارة…كانت هتبقى اجمل لو سقتيها انتي.

فشعرت مريم بالخجل لانه تغزل بها بطريقة غير مباشرة لذا أحنت رأسها مجدداً ولكن سرعان ما تلاشت ابتسامتها عندما نظرت إلى بطنها وعادت ملامح الحزن لتخيم على وجهها البريء وسرعان ما تجمعت الدموع في حدقتيها مجدداً وما لبثت حتى تمردت عليها دمعتها السجينة ونزلت رغماً عنها ؛ في تلك اللحظة انتبه عليها خالد وهي تحاول مسح دموعها بينما تنظر إلى الجهة الأخرى حتى لا يراها ، فغابت الابتسامة عن وجهه وحل محلها ملامح القلق فسألها بينما ينظر ثانية اليها وثانية الى الطريق امامه قائلاً : خير يا مريم…هو انا قلت حاجة تزعلك علشان كدا بتعيطي دلوقتي ؟

فهزت مريم رأسها بالنفي دون أن تنبس بكلمة واحدة…فقط كانت تنظر إلى اصابعها وهي تعبث بسلسة حقيبتها التي في حضنها بينما كانت خصلات شعرها تتطاير مع الهواء العليل ؛ فسألها خالد مجدداً : امال بتعيطي ليه دلوقتي ؟

استرجعت مريم رباطة جأشها ونظرت اليه ولم تجد خياراً آخر سوى الكذب إذ قالت : اصلي افتكرت اختي الصغيرة… هي كانت بتحب العربيات المكشوفة اوي.

فشعر خالد بالذنب لذا قال بسرعة : انا اسف… مكنش قصدي افكرك.

مريم : ولا يهمك.

ثم دام الصمت قليلاً ولكن ليس لأمد طويل حيث اراد الشاب ان يخرجها من حزنها لذا اردف بنبرة مرحة : قوليلي يا مريم هو انتي وراكي حاجة النهاردة ؟

فنظرت اليه وهزت رأسها بالنفي قائلة : لأ.. مفيش حاجة معينة.

فابتسم وقال : كويس…. يبقى انا هفسحك النهاردة زي ما وعدتك لما كنا في الطيارة ، قولتي ايه ؟

فنظرت مريم اليه مطولاً ولا تعلم لما أومأت له بالموافقة.. هل لأنها لم تريد احراجه ام لأنها كانت فعلاً تحتاج لهذه الفسحة لكي تمحي قسماً من احزانها وترميها خلف ظهرها … فابتسمت وقالت : ماشي…بس عندي شرط واحد.

خالد : وايه هو ؟

مريم : عايزاك توديني عند تمثال الحرية… اصلي هموت وشوفه من قريب.

خالد : بس كدا… حاضر يا ست مريم ، اعتبري نفسك هناك.

– وبالفعل اخذها خالد الى منطقة تمثال الحرية واستمتعت بمشاهدته من بعيد كما انه اخذها الى عدة مناطق جميلة في نيويورك وانتهى بهما المطاف واقفين على رمال شاطئ المحيط الأطلنطي ، فاخذت نسائم الهواء الباردة تلفح وجهها وهي تحدق بالأمواج المتضاربة وتبدو انها سرحت في خيالها وسافرت بأفكارها الى مكان اخر بعيد كل البعد عن نيويورك… اما خالد فكان واقفاً خلفها على بعد عدة خطوات واضعاً يديه في جيب بنطاله ويراقبها بأهتمام كبير حيث انه لم يشاء ان يعكر عليها خلوتها مع نفسها فتركها تفكر بصمت وكأنه غير موجود اساساً .

وسرعان ما حسمت امرها والتفتت اليه قائلة : لسه عايز مدققة حسابات في شركتك يا استاذ خالد ؟

فابتسم خالد شبح ابتسامة وقال : تقدري تبتدي شغلك من دلوقتي لو تحبي… وكمان مكانك في الشركة محفوظ انتي وصاحبتك .

تنهدت مريم بعمق وقالت : يبقى احنا هنبتدي شغل من بكرا…وبتمنى اننا نبقى عند حسن ظنك .

تسارع في الاحداث……….

بعد تلك النزهة الغير متوقعة برفقة خالد اعادها الى منزل السيد عمر فاوقف السيارة ونظر اليها قائلاً : هقابلك بكرا الصبح في الشركة .

فابتسمت قائلة : ان شاء الله…و دلوقتي عن اذنك.

قالت ذلك ثم نزلت من السيارة ووقفت تراقبه وهو يهم بالمغادرة وبعدها دخلت إلى فناء المنزل ثم فتحت الباب فوجدت سهيلة وكنتها جين جالستين في غرفة المعيشة برفقة الهام التي كانت قلقة للغاية فقالت : انا رجعت يا جماعة.

نهضت الهام بسرعة وقالت معاتبة : كنتي فين يا مريم ؛ انا اتصلت عليكي اكتر من عشرين مرة بس الموبايل بتاعك كان مقفول .

فابتسمت مريم ابتسامة حزينة اثارت القلق في قلب الهام وقالت : زهقت من قعدة البيت وقلت اخرج شوية علشان اتمشى.

سهيلة : طيب ليه قفلتي موبايلك ؛ قلقتينا عليكي يا بنتي.

مريم : انا متقفلتوش بس شحنه خلص.

فقالت جين بلكنتها المكسرة : حمد لله على سلامتك يا مريم… متتخيليش الهام كانت خايفة عليكي قد ايه.

مريم : مفيش داعي للخوف يا لولو… انا بس كنت عايزه اخرج من البيت شوية ودلوقتي هطلع علشان استريح… عن اذنكوا.

قالت ذلك ثم صعدت إلى الغرفة…فلحقت بها الهام وعندما دخلت سألتها : مالك يا مريم ، شكلك مش مطمني ابداً ايه اللي حصل ؟

في تلك اللحظة لم تمنع مريم نفسها عن البكاء فبكت وهي ترمي نفسها على صديقتها التي اصابها الذعر وقالت : انتي بتعيطي ؛ ليه بتعيطي يا حبيبتي ؟

فقالت مريم ببكاء مرير وهي تحكم عناق الهام : انا حامل يا الهام… حامل بأبن ادهم السيوفي.

فتحت الهام فمها بصدمة واتسعت عيناها قائلة : بتقولي ايه ؛ حامل ؟!

أومأت مريم برأسها دليلاً على نعم واردفت : انا روحت المستشفى وعملت تحليل واكتشفت اني حامل بقالي اربع اسابيع.

فتنهدت الهام بقوة واخذت تربت على ظهر صديقتها بلطف قائلة : خلاص يا حبيبتي… متزعليش نفسك ابداً بلعكس انتي لازم تبقي مبسوطة لأنك هتبقي ام بعد 8 شهور.

فابتعدت مريم عنها قليلاً وقالت : ازاي هقدر اربي ابني لوحدي يا الهام ؛ انا لو خلفت الواد دا أكيد هظلمه لانه مش هيعرف ابوه ابداً .

فأمسكت الهام بيدها واجلستها على السرير ثم قالت بنبرة صوت حنونة : اوعي تفكري انك تجهضي يا مريم لأنك لو عملتي كدا هتندمي طول عمرك… دا روح ربنا خلقها وجايز عمل كدا علشان يعوضك عن خسارة اختك وانتي لازم ترضي في اللي قسمه ربنا وصدقيني مش هتخسري اي حاجة…ولو كان على ازاي هتربيه فانتي تقدري تربيه لوحدك وتخلي بالك منه كويس زي ما كنتي بتخلي بالك من اختك مرام الله يرحمها بعد ما مامتك ماتت وسابتكوا لوحدكوا.

فنزلت دمعة متمردة من عيون مريم التي اردفت بمرارة : وادهم… لو عرف اني حامل بأبنه أكيد هياخده مني بعد ما اخلفه وانا مش هقدر استحمل ان دا يحصل.

الهام : ازاي هيعرف وانتي بعيدة عنو يا حبيبتي ، دا انتي سبتي مصر علشانه وكمان مقولتيش لحد انتي رايحة فين يعني هو مش هيعرف ابداً الا لو انتي عايزه تخليه يعرف.

فهزت مريم رأسها بالنفي قائلة : لأ مش عايزاه يعرف اي حاجة…. اساساً انا قررت اطلعه من حياتي نهائياً وهبتدي حياة جديدة هنا وهقدر اخلي بالي من ابني كويس.

فابتسمت الهام ابتسامة حزينة وقالت : بس… بس انتي لسه مراته يا مريم ، حتى لو رحتي اخر الدنيا وهربتي منه انتي هتفضلي مراته بالشرع والقانون ومن حقه يعرف انك حامل بأبنه .

فقالت مريم بنبرة صوت مجروحة يملؤها الغضب : هو ملوش اي حق عندي… اساساً انا معتبرتوش جوزي ابداً لانه….لانه ما يستهلش اعتبره كدا بعد معاملته القاسية واللي سببت جرح كبير في قلبي ، علشان كدا انا قررت انساه ومش هسيب الجوازه المزيفة دي تأثر عليا ابداً وهقدر اعيش هنا مع ابني لوحدنا.

فابتسمت الهام واستطردت : مش لوحدكوا… انا معاكوا كمان .

فعانقتها مريم وغمغمت : انتي اجدع انسانه انا عرفتها في حياتي يا الهام… وعمري ماهنسى انتي عملتي ايه علشاني.

الهام : انتي اختي يا مريم ودي اقل حاجة ممكن اعملها.

قالت ذلك ثم ابتعدت عنها واظافت : بس هتعملي ايه دلوقتي ؛ انتي هتقولي لبيت عمي انك حامل ؟

مريم : لا مش هقول… مش عايزه احملهم همي انا وابني… وكمان انا لاقيت لينا شغل وهنبتدي من بكرا لان ما ينفعش نفضل هنا من غير ما نشتغل.

الهام : شغل ، فين ؟

مريم : انتي فاكرة الراجل المصري اللي تعرفنا عليه في الطيارة ؟

فقالت الهام بلهفة : قصدك المز حبيب قلبي خالد نجم !

فضحكت مريم رغماً عنها وقالت : ايوا هو… انا قابلته النهاردة وقررت اقبل الشغل عنده وهو فرح اوي وقال انك انتي كمان تقدري تبتدي شغلك وان مكانا في شركته محفوظ.

فاتسعت ابتسامة الهام وسألتها : بجد يا مريم ؛ هو قال كدا ؟!

مريم : ايوا يا حبيبتي.

الهام : دي هتبقى اسعد ايام في حياتي كلها… باين ان ربنا هيعوضني عن كل حاجة سبتها في مصر بحاجات اجمل هنا في نيويورك .

تسارع في الاحداث…………

في مصر ……

كان جالساً في غرفة المكتب التي في منزل العائلة ذات الأضاءة الخافتة يهز قدمه اليمنى دون توقف ويبدو عليه التوتر ونفاذ الصبر ؛ عيناه كانتا تحدقان بهاتفه بأستمرار وكأنه ينتظر مكالمة هاتفية ستحدد مصير العالم ، وفجأه رن الهاتف بيده فأنتفض من مكانه مثل المجنون واجاب عليه بسرعة : ها يا عاصم…لاقيت اي معلومات عنها ؟

فقال عاصم : ايوا يا فندم ؛ انا لاقيت معلومات بس….

فصاح ادهم به بنفاذ صبر : بس ايه ؛ اتكلم !

فتنهد عاصم وقال : بس المعلومات اللي لاقيتها مش هتساعدنا علشان نلاقيها في نيويورك لان محدش يعرف هي ليه راحت هناك.

ادهم : انت فين دلوقتي ؟

عاصم : انا بقيت قريب من بيت حضرتك يا فندم .

ادهم : قدامك عشر دقايق يا عاصم علشان اشوفك مزروع قدامي انت سامع ؟

عاصم : حاضر يا فندم.

ثم اغلق ادهم هاتفه ورماه على طاولة المكتب وبعدها غرس اصابعه في شعره بعنف وكأنه يحاول ان يقطلعه من جذوره وهو يعيده للخلف ثم قال بصوت مجروح : فينك يا مريم ؛ ايه اللي وداكي نيويورك يا حبيبتي ؟

وبعد مرور عشر دقائق بالفعل….

كان عاصم واقفاً امامه ويبدو عليه التوتر وهو يراقبه بينما كان يقرأ المغلف الذي بين يديه وهو يعقد حاجبيه بشدة ويبدو من ملامح وجهه المتجهمة ان المعلومات التي كان يقرأها لم تسره ابداً ، فقال بزمجرة : ايه دا يا عاصم ؟!

ابتلع عاصم ريقة وقال : المعلومات اللي طلبتها يا فندم.. انا اسف بس دا كل اللي قدرت الاقيه عن البنت اللي اسمها مريم مراد عثمان.

فرمى ادهم المغلف بعنف على الأرض وهب ناهضاً وهو يضرب طاولة المكتب بيديه ثم صاح بزمجرة مشتعلة : دا كل اللي قدرت تلاقيه ؛ امال فين شطارتك يا استاذ …انت حتى معرفتش تلاقي بنت وحده مع اني اديتك معلومه مهمة وقلتلك انها سافرت نيويورك وجاي دلوقتي تقولي ان دا كل اللي قدرت تلاقيه ؛ ازاي هتقدر تحمي شركة فيها 500 موظف وانت مش قادر تنفذ مهمة صغيرة زي دي ؟

فاحنى عاصم رأسه قائلاً : انا اسف يا فندم بس زي ما قولتلك قبل كدا اننا مش مباحث ولو تحب انا هقدم استقالتي فوراً .

فتنهد ادهم بقوة بعد ان سيطر على انفعاله وقال : روح شوف شغلك يا عاصم …ومش عايز حد يعرف حاجة عن الموضوع دا انت فاهم ؟

عاصم : حاضر يا فندم.

قال ذلك ثم انسحب من الغرفة بسرعة… اما ادهم فجلس مجدداً على كرسيه واسند ظهره عليه واعاد رأسه إلى الوراء مغمضاً عيناه بشدة مكون شق عميق بين حاجبيه , وسرعان ما اطلق تنهيدة طويلة جعلت قسمات وجهه تسترخي ثم فتح عيناه مجدداً ونظر إلى المغلف الذي رماه على الارض بلحظة غضب وبعدها التقطه واخذ يتصفحه بأهتمام كبير فهو يحوي كل المعلومات عن حبيبة قلبه مريم منذ ان كانت صغيرة حتى اصبحت شابة جميلة… وما شد انتباهه اكثر من بين جميع هذه المعلومات هو خبر وفاة والدها وبعده امها ومن ثم اختها الامر الذي جعله يشعر بالألم يأكل قلبه لمجرد انه تذكر كيف باعته نفسها لكي تنقذ اختها.

وضع المغلف من يده واسند يديه على الطاوله بملامح حزينة ثم اخرج القلادة الفضية من جيبه وفتحها لينظر إلى صورتها بألم وشوق فهو لم يراها ابداً بعد اخر لقاء لهما في الفيلا الخاصة به ، فلم يستطيع منع دمعته الخائنة التي تسللت من عيناه لتسيل على وجنته مخلفة اثار خلفها وهي تحرق خده بسخونتها وملوحتها … بعد ان وجد شعاع الأمل عاد ليفقده مجدداً لانه لا يعلم اين تمكث معشوقته في ولاية نيويورك الكبيرة التي يبلغ تعداد سكانها أكثر من 8,100,000 نسمة …كيف سيجدها وهو لا يمتلك اي فكرة عن مكان اقامتها ؛ فبات البحث عنها بالنسبة له كمن يبحث عن آبرة في كومة قش لذا استوطنت الاحزان في قلبة وجعلته يصبح كالاسد الجريح .

– جلس لمدة ساعة يفكر ويفكر وعندما عجز عن ايجاد حل قام بفتح درج مكتبه الذي كان مغلقاً منذ خمس سنوات واخرج منه دفتر قديم غلافه كان مصنوعاً من الجلد فوضعه على الطاولة امامه ؛ نظر إليه مطولاً وكان يبدو متوتر للغاية ولكن سرعان ما فتحه واخذ يحدق بقصائد الشعر التي كتبها على اسطر هذا الدفتر عندما كان اصغر سناً مفعماً بالأمل والحياة حيث كان شاعراً رقيق المشاعر عاشقاً لكتابة القصائد المعبرة بعيداً كل البعد عما هو عليه الان ، فامسك بقلمه الذي هجره منذ اكثر من خمس سنوات وكأن الشاعر العاشق النائم في داخله قد استيقظ اخيراً بعد سبات عميق ..فتح صفحة جديدة فارغة وبدأ يكتب على سطورها قصيدته التي تعبر عن ألم الشوق لمعشوقته الحبيبة ” مريم ” التي اسرته فاصبح سجين بمحراب عينيها الجميلتين.

فكانت قصيدته كالتالي :

يا من في صوتها أسمع أعذب التغاريد ..
وفي بريق عينها أرى بهجة الحياة وفتنة المواعيد ..

قولي لي بربكِ يا مريم كيف سأحتمل اشتياقي الشديد ؟
وألون دفتر حياتي بعد رحيلكِ إلى الرغيد.. ؟

يا منْ سافـرتي وحُبَّكِ متأصل فـي قلبي الى المَـدى البعـيدْ..
و تغلغلَ حُبُّـكِ فـي المَسَامَاتِ حتى الـوَريدْ

و قــدّمتُ روحــي بينَ يديْكِ كمـا الــوَلـيدْ …
و جَعلـتُ لكِ القلــبّ قِــلادةً علــى الجِـيدْ

وبكلماتٍ جعلتْني بُركاناً ، وأنْتِ كمـا الجليد ْ!
وكُـنتُ إليكِ ايتها الجميلة كمــا تُـريـدي ، لا كـمــا انا أريـدْ

و كُــنتُ فـــي حُبِّك مريمتي كمـا العَاقـــلِ الرشـيدْ
أقِفُ هَائِماُ في مِحرَابِ عينيكِ كما المُـريدْ

فكُـنتُ إذ ْمـا رأيْتُـكِ كأنّــي فــي يــومِ عـيدْ
أدنــو إليــكِ بلهفــةٍ ملْئَــى بِعــْشق جـديـدْ

و أنقِـشُ فــي حُبِّـكِ تُحفَـةَ الحـرفِ الفريـدْ
وأقـــولُ لـكِ فـــي الشِّعـرِ أعْــذَبَ القصيدْ

و أصــدقّ مشـــاعـــرّ أتـى بنَبـضها وريــدْ
فإن غنّيتُ آهاتــي أتــى الكـونُ فـي ترديدْ

أسكـبُهُ كما المُـزنِ حُبِّـيَ و تطلُبينَ المزيـدْ
حتــى أمْسيتُ فـــي حُبِّـــكِ يـا مـريـم هائِـمـاً كَــشَريدْ..

فكيفَ لكِ أنْ تَهْجُري ولقلْبِكِ عنّي أن يميد ْ؟
وكــيفَ لـيْ يا فتْنتـي ان أوقِـفَ نَبضَـاتِ قلبـيَ عن حبكِ ، و أقْطَـعَ الـوريـدْ ؟

عوديِ يا وَردتّيِ فَأنا فّي بعدكِ أصّبحتُ حقاً جَبلٌ من الجليدْ !

☆☆☆☆☆

– وبعد ان افرغ ما في قلبه من احزان على تلك الورقة ذات اللون الباهت اغلق دفتره واعاده الى الدرج ثم نهض من مكانه ومسح دموعه المتمردة التي رافقته مع كل كلمة كتبها ثم اطفأ ضوء الغرفة الخافت وخرج منها متوجهاً الى غرفة نومه ؛ اوقفه صوت امه عن صعود السلالم حين سألته وهي جالسة برفقة اخوته في غرفة المعيشة : رايح فين يا ادهم ؟

نظر اليها وقال : هطلع انام.

رفعت السيدة كوثر حاجبها بتعجب وسألته بدهشة : عايز تنام دلوقتي ؟!

فتنهد بقوة واردف : انا تعبان يا ماما وعايز اطلع علشان استريح.

فقالت اخته رغد والتي كانت جالسة برفقة امها وشقيقها الاخر معاذ وزوجته سلوى : طيب مش عايز تتعشى معانا ؟

رد عليها : مش جعان… تصبحوا على خير.

قال ذلك ثم صعد إلى غرفته الكلاسيكية الراقية ورمى نفسه على السرير ولكنه لم يستطع النوم ابداً واخذ يفكر بحبيبة قلبه ودمعته تسيل على وجنته ، اما شقيقه معاذ فقال : انتوا مش ملاحظين يا جماعة ان ادهم اتغير اوي في اخر فترة ؟

فقالت سلوى : ايوا انا لاحظت تغيره فعلاً …حتى اني بقيت خايفه عليه اوي.

فقالت رغد : وانا كمان ملاحظه انه مابقاش زي الاول… دا حتى مابقاش يقعد معانا وكل ما يرجع من الشغل يقفل على نفسه في المكتب وما يخرجش منه غير وقت العشا بس النهاردة حتى مش عايز يتعشى !

فقالت السيدة كوثر : انا لازم ادور له على عروسة تنسيه البنت اللي اسمها ميرا دي… هو بقى كدا بسببها ومعرفش ليه مش عايز ينساها.

فقال معاذ : مظنش ان ميرا السبب في تغيره الاخير…بس لو كانت هي السبب بجد يبقى احنا لازم نخليه ينساها لانها ماتت من خمس سنين وجيه الوقت علشان يحب وحدة تانيه.

تسارع في الاحداث……………..

مر اسبوعين آخرين وكانت مريم سعيدة لحصولها على عمل برفقة صديقتها الهام في شركة خالد نجم الذي كان يعاملهن بلطف شديد وسمح لنفسه بأن يصبح صديقهن اكثر من كونه رب عملهن الوسيم والطيب … كما ان مريم قررت ان تخفي امر حملها عن عائلة السيد عمر لئلا تجعلهم يحملون همها وهم طفلها وقررت ان تبحث عن شقة صغيرة لتستقر فيها هي وصديقتها حيث انها شعرت بنفسها تشكل عبئاً عليهم ، وبالفعل بدأت تبحث عن عدة شقق سكنية قريبة من مكان عملها.

وذات يوم…..

كانت جالسة في مكتبها الذي في شركة خالد ولكنها لم تكن تعمل بل كانت تبحث عن شقة للإيجار تناسب مستواها المادي…وبينما تحدق في شاشة الكمبيوتر سمعت صوت رجل يقول : مريم… انتي عايزة تنتقلي من بيت عم الهام !

رفعت رأسها لتجد خالد واقفاً خلفها وقد عرف انها تنوي الانتقال من منزل السيد عمر.. فقالت بتلعثم : انا … بصراحة اه ، عايزه استقر لوحدي في شقة صغيرة بس كل الشقق اللي لاقيتها اجارها عالي وبعيدة عن الشركة.

خالد : طيب ليه ما قولتيليش الكلام دا ؟

مريم : انا مش عايزة اتعبك معايا.

خالد : تعب ايه يا بنتي… انتي متعرفيش ان عندنا نظام في الشركة واننا ملزمين نوفر للموظفين اماكن سكن قريبه علشان ما يلاقوش صعوبة في شغلهم ؟

مريم : قصدك ايه ؟

خالد : قصدي ان الشركة هتديكي شقة صغيرة قريبة من هنا زي بقية الموظفين وكمان مش هتحتاجي انك تدفعي الإيجار لان الشركة هتتكفل بكل المصاريف ، انتي بس هتوقعي على شرط جزائي انك ممنوع تسيبي الشغل هنا لمدة سنتين وبكدا الشقة هتبقى ملكك .

فابتسمت مريم ثم نهضت وسألته بدهشة : بجد ، هو في نظام زي دا هنا ؟

خالد : لو مش مصدقة رئيس الشركة تقدري تسألي بقية الموظفين.

فضحكت مريم بعفوية وقالت : لأ العفو انا مقصدش كدا…

فابتسم خالد وقال : تحبي تروحي علشان تشوفي شقتك الجديدة يا هانم ؟

أومأت له برأسها دليلاً على الموافقة وقالت : طبعاً.

خالد : يبقى يلا بينا.

مريم : استنى… انت كنت عايز تقولي حاجة علشان كدا جيت هنا صح.

خالد : مش مهم… هبقي اقولك بعدين .

مريم : في حاجة تانيه كمان.

خالد : ايه هي ؟

مريم : هو ينفع ان اتنين من الموظفين في الشركة يسكنوا في نفس الشقة ؟

خالد : ينفع في حالتين بس.. لما يبقوا اتنين متجوزين بيشتغلوا في نفس الشركة او صحاب ، يعني اتنين رجاله او اتنين ستات زيك وزي الهام مثلاً.

فابتسمت مريم بأشراقة وقالت : يعني الهام تقدر تعيش معايا في نفس الشقة.

خالد : طبعاً .

مريم : يبقى انا هتصل بيها علشان تيجي معانا… اصلي مقدرش اعمل حاجة من غيرها.

فابتسم خالد واردف : ماشي… وانا هستناكوا في العربيه .

مريم : تمام.

– ثم ذهب خالد بالفعل اما هي فاتصلت على الهام التي كانت تعمل في قسم اخر من الشركة فأجابتها : ايوا يا ميمي.

مريم : جهزي نفسك يا لولو علشان نروح نشوف شقتنا الجديدة.

فتنهدت الهام وقالت : يعني خلاص قررتي اننا نسيب بيت عمي ونسكن لوحدنا .

مريم : ايوا لان الشركة هتدينا شقة قريبه من هنا ومش هنحتاج ندفع الإيجار .

الهام : انتي بتتكلمي جد !

مريم : مش هينفع اشرحلك على التليفون لان الاستاذ خالد عماله يستنانا علشان نروح معاه.

فنهضت الهام وابتسمت قائلة : هو اللي هياخدنا نشوف الشقة !

مريم : ايوا… يلا اجهزي وانا هستناكي تحت.

الهام : ثواني وهكون عندك.

قالت ذلك ثم اغلقت الهاتف وعلى وجهها ابتسامة عريضة ثم حملت حقيبتها ومعطفها وركضت نحو المصاعد وما هي الا ثواني حتى وصلت الى حيث كانت مريم تنتظرها ؛ خرجن وذهبن الى حيث كان خالد ينتظرهن في سيارته امام الشركة فصعدن وقامت مريم باخبار صديقتها بما اخبرها خالد وان الشركة ملزمة ان توفر وسائل الراحة للموظفين فابتسمت وقالت : دا كرم من حضرتك يا استاذ خالد .

فابتسم خالد ونظر إليها بواسطة المرآة العاكسة في السيارة وقال : دا واجبنا.. وبعدين احنا مش في الشركة دلوقتي يعني بلاش استاذ دي وبتمنى تقولولي بس يا خالد .

فابتسمت الهام وقالت : ماشي.

وبعد مدة وصلوا ثلاثتهم الى مجمع سكني قريب من الشركة فنزلوا من السيارة ثم توجهوا الى احدى العمارات السكنية ؛ صعدوا الى الطابق الخامس حيث كانت الشقة الممنوحة من الشركة فقام خالد بفتح الباب وقال لهن : اتفضلوا.

فدخلت مريم وبعدها الهام وسرعان ما ابتسمن لشدة جمال الشقة التي اختارها خالد لهن من بين جميع الشقق الموجودة في العمارة فهي كانت واسعة ومفروشة بها غرفة للمعيشة مرتبة باجمل الاثاث وبجانبها مطبخ فسيح وايضاً غرفتين نوم وحمام وشرفة كبيرة.

فنظرت اليه الهام وقالت بسعادة : الشقة تجنن يا استاذ خالد… بجد دي تحفة.

فابتسم خالد وقال : قلنا ايه بقى… مش استاذ خالد وانما خالد.

فضحكت وقالت : ماشي يا خالد.

اما مريم اردفت قائلة : معقول الشركة تدينا الشقة دي من غير ما ندفع الإيجار ؟

خالد : زي ما قلتلك يا مريم… شركتنا ملزمة انها توفر كل وسائل الراحة للموظفين بس بشرط واحد انكوا توقعوا الشرط الجزائي اللي ينص على انكوا ممنوع تستقيلوا من الشركة لمدة سنتين.

فقالت الهام : طيب وبعد ما السنتين يعدوا الشركة هتاخد الشقة مش كدا ؟

خالد : تقدروا تجددوا العقد.. متقلقيش من الناحية دي.

مريم : يبقى اتفقنا.. الشقة مناسبة لينا اوي وكمان قريبة جداً على الشركة.

خالد : يبقى تقدروا تنتقلوا من دلوقتي واهو المفتاح.

قال ذلك ثم اعطى مريم مفتاح الشقة فاخذته قائلة : مش هينفع ننتقل دلوقتي احنا لازم نقول لعمك عمر يا الهام ونجهز نفسنا.

الهام : النهاردة هنقلهم واكيد هما هيتفهموا وضعنا.

خالد : لو احتجتوا اي مساعدة انا في الخدمة.

تسارع في الاحداث………..

انتقلت كل من مريم والهام للعيش في شقتهن الجديدة بعد ان شكرتا عائلة السيد عمر على حسن ضيافتهم لهن طوال الاسابيع السابقة فاخدت كل واحدة منهن غرفة خاصة ورتبن اغراضهن ، اما في مصر فكان ادهم قد اصبح انطوائي اكثر من قبل بعد ان اصابه اليأس في ايجاد حبيبته التي قرر ان يعيش على امل ان يجدها يوماً ما لانه لا يملك لا حول ولا قوة خارج ارض مصر فهو ليس مخابرات حتى يتمكن من ايجادها في ولاية نيويورك التي تعتبر اكبر ولاية في الولايات المتحدة الأمريكية من حيث تعدد السكان ، وبالرغم من انه اصبح انطوائي الا انه اصبح عصبي اكثر وينزعج من اتفه الاسباب وكأنه ينتظر اي شيء يحثه على الغضب ويثور البركان الملتهب في داخله ..

وهكذا مر شهرين آخرين على هذه الحالة وكان خالد قد تأكد من مشاعره تجاه مريم وانها هي الفتاة التي احبها خلال فترة قصيرة فقرر ان يتقدم لخطبتها ، لذا دعاها لتناول العشاء بينما ذهبت صديقتها الهام لزيارة بيت عمها.. وبالفعل ذهبا إلى احد اشهر المطاعم في نيويورك وبعد ان تناولا العشاء قرر ان يفتح معها الموضوع فاخذ نفساً عميقاً وقال : مريم… بصراحة انا جبتك هنا النهاردة علشان افتح معاكي موضوع مهم جداً.

فنظرت اليه وقالت : خير يا خالد..ايه هو الموضوع دا ؟

دس خالد يده في جيب سترته واخرج منها علبة مخملية تحتوي على خاتم من الماس وضعها امامها على الطاولة وقال بجدية : انا بحبك يا مريم وعايز اطلب ايدك للجواز.

في تلك اللحظة صدمت مريم بعد أن سمعت ذلك وقالت : ايه !

خالد : انا عارف اني فاجأتك اوي واننا نعرف بعض من تلات شهور تقريباً وان دي مدة قصيره ، بس صدقيني انا نيتي صافية تجاهك وحبيتك من اول مرة شفتك فيها ولو وافقتي تتجوزيني فأنا بوعدك اني هسعدك طول عمرك.

فقالت مريم بعد ان استعادت رباطة جأشها : خالد ارجوك متزعلش مني بس انا ماينفعش اتجوزك ابداً.

خالد : متتسرعيش يا مريم وفكري كويس وبعد كدا اديني جوابك.

مريم : المسألة مش محتاجة تفكير ابداً ..انا ما ينفعش اتجوزك نهائياً

شعر خالد بخيبة الآمل وقال : هو انتي شايفة اني مش مناسب ليكي ولا انتي مش عايزه تتجوزي دلوقتي ؟

فتنهدت مريم وقالت : خالد انا…بصراحة انا حامل .

~ الفصل الثامن ~

﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾

– شعر خالد وكأن احدهم القى عليه سهم قاتل اصاب قلبه عندما اخبرته مريم انها حامل فنظر اليها بصدمة وشل لسانه عن الكلام حيث لم يستطيع ان يتفوه بكلمة واحدة… فقط نظر اليها بعيون مفتوحة على وسعها اما هي فتنتدت وقالت : انا عارفه انك مصدوم دلوقتي بس قبل ما تفتكر اني بنت فاجرة هحكيلك حكايتي كلها.

وبعد تلك الجملة عاد خالد من صدمته وابتلع ريقه قائلاً بصعوبة : ا.. اتفضلي وانا هسمعك.

اخذت نفساً عميقاً واردفت : انا ما ينفعش اتجوزك يا خالد لأني متجوزه اساساً…ايوا انا اتجوزت و… والراجل اللي اتجوزته من تلات شهور تقريباً يبقى اب ابني اللي في بطني وانا سبت مصر من غير ما يطلقني… تقدر تقول اني هربت منه بس حتى لو رحت اخر الدنيا ما ينفعش اتجوز حد تاني لاني لسه على ذمته فاهمني .

في تلك اللحظة فقط رتاح قلب خالد لانها اخبرته انها حامل من زوجها وابعد عن ذهنه تلك الافكار السلبية التي تخيلها بها وقال : طيب ..طيب ممكن اعرف ليه اتجوزتيه لو مكنتيش تحبيه وهربتي منه ؟

نزلت دمعة ملتهبة من عيون مريم احرقت وجنتيها وقالت بنبرة حزينة : ومين قالك اني مش بحبه ؛ اساساً انا عمري ما حبيت راجل غيره ومش هينفع احب حد تاني بعده بس الظروف هي اللي جبرتني اهرب بعيد واسيبه بعد ما اتجوزني ليوم واحد بس.

خالد بدهشة : اتجوزك ليوم واحد بس !

فمسحت مريم دمعتها ونظرت اليه ثم اومت له برأسها وغمغمت : ايوا… انا هحكيلك على كل حاجة .

– وبالفعل بدأت تحكي لخالد قصتها مع ادهم وكيف تزوجته مقابل ان يعطيها المال لتنقذ اختها وكيف انتهى بها المطاف بالهرب من مصر… ولكنها لم تذكر اسم ادهم ابداً بل اخبرته انها تزوجت رجل اعمل ولم تخبره ما هو اسمه فنظر اليها ثم امسك بيدها وقال : انا اسف يا مريم…لو كنت اعرف انك متجوزة وبتحبي جوزك للدرجة دي مكنتش سمحت لنفسي اني احبك ابداً ولا كنت فكرتك بالحزن اللي هربتي منه …ارجوكي سامحيني.

فهزت مريم رأسها والدموع في عينيها واردفت : انت ملكش ذنب… انا الحق عليا كان لازم اقولك الحكاية دي من البداية.

سحب خالد يده وغمغم بنبرة صوت مخنوقة : انسي كل حاجة قلتها لك النهاردة ومن اللحظة دي انا… انا هبقى اخوكي الكبير وهفضل واقف جنبك وهساعدك وبالنسبة لمشاعري تجاهك هدفنها جوا قلبي ومش هبصلك غير انك اختي الصغيرة ودا وعد مني.

ابتسمت مريم ابتسامة مريرة واستطردت : انت انسان رائع يا خالد…واكيد ربنا هيبعتلك وحدة احسن مني وهتحبك وتسعدك .

فابتسم خالد بألم وقال : احسن منك…مظنش ان في انسانه احسن منك ضحت بنفسها علشان اختها بس عندي سؤال واحد… هو الراجل اللي اتجوزك ليه ما طلقكيش بعد… يعني هو قال انو هيتجوزك ليوم واحد علشان مش عايز يلمسك بالحرام يبقى ليه ما طلقكيش الصبح ؟

بعد قوله ذاك شردت مريم بتفكيرها واخذت تفكر بكلام خالد ثم نظرت اليه وقالت : لما الصبح جيه هو قالي انه عايز يخش الحمام ومش عايز يلاقيني في بيته بعد ما يخرج وبعدها انا خدت الفلوس ورحت المستشفى على طول واكتشفت ان اختي ماتت ومعرفش ازاي الايام عدت عليا وبعدها مشفتوش لغاية دلوقتي.

خالد : طيب هو ما حولش يدور عليكي او يزورك في البيت ؟

مريم : بعد ما مرام ماتت انا مخرجتش من البيت ابداً ولا رحت شفته وكمان هو ما سألش عني خالص وبعدها قررت اسيب مصر وطلبت من الهام انها ترجعله الفلوس قبل ما نسافر بيوم ومن ساعتها معرفش عنه حاجة .

خالد : طيب وهتعملي ايه دلوقتي ؛ يعني عايزة تفضلي كدا لا معلقة ولا مطلقة ومش عايزة جوزك يعرف انك حامل ؟

فقالت بشيء من العتب : لو كان امري بيهمه كان دور عليا.. انا اعرف انو يقدر يلاقيني لو عايز بس معملش كدا اما بالنسبه لأبني فانا هقدر اربيه لوحدي ومن غيره كمان.

خالد : بس كدا ما ينفعش… انا اسف على اللي هقوله بس انتي هتظلمي ابنك لما تحرميه من بباه وكمان القانون بيقول انك لازم تقولي لجوزك انك حامل لان من حقه يعرف ان هيبقى عنده ابن .

مريم : ارجوك يا خالد بلاش تضغط عليا في الموضوع دا… انا اتخذت قراري وهقدر اربي ابني لوحدي وزي ما قولتلك ان… جوزي لو كان مهتم بيا ولو حتى شوية كان دور عليا.

خالد : بس انتي سافرتي من غير ما تقولي لاي حد عن المكان اللي انتي رايحه عليه.

فابتسمت مريم ابتسامة مريره وقالت : هو لو كان معني انه يلاقيني كان يقدر يروح المطار علشان يعرف انا رحت فين بما اني مراته ومن حقه يعرف مكاني بس مع الاسف اهي عدت تلات شهور وهو مكلفش نفسه انه يدور عليا .

فتنهد خالد وقال : بصراحة مش عارف اقولك ايه…بس ولا يهمك انا هفضل جنبك على طول وزي ما قولتلك انك بقيتي اختي الصغيرة وهحميكي انتي وابنك متخافش .

فابتسم مريم وغمغمت : متشكره اوي.

– وعادت إلى الشقة بعد ان تناولت العشاء مع خالد واخبرته بكل شيء عنها فدخلت ووجدت ان الظلام يخيم على المكان لأن الهام قررت المبيت في منزل عمها عمر ؛ اشعلت الانوار ثم خلعت معطفها وجلست على الاريكة وكانت تشعر بفراغ كبير ولا تعلم ان كانت سعيدة لانها اعترفت لخالد ام حزينة لانها رفضت حبه الصادق لها… ولكن كيف تقبل به وهي تحب ادهم زوجها ؟

فهي وبغض النظر عن كل ما فعله بها لا تستطيع ان تحب احداً غيره لانه كان حبها الاول والاخير وكانت على يقين تام بأنه من المستحيل إن تحب بعده اي رجل حيث اصبح جميع الرجال في نظرها سواء الا هو حبيبها الواحد والوحيد رجل بكل ما تعنيه الكلمة ، وبينما كانت تفكر شعرت برغبة في اخذ حمام دافئ لذا توجهت نحو الحمام وملأت حوض الاستحمام بالماء الدافئ ووضعت بداخله غسول الجلد الذي برائحة الخوخ ثم خلعت ثيابها ودخلت في الماء وسرعان ما شعرت بالأسترخاء .

بقيت مستلقية داخل حوض الاستحمام لمدة نصف ساعة وهي تفكر وتفكر بأمور كثيرة اشغلت بالها… امور لا بد وان تضع لها حداً لكي تستطيع المضي قدماً في حياتها وان تركتها معلقة لن تستطيع ان تشعر بالراحة ابداً …واهم هذه الامور كانت علاقتها بـ ادهم عزام السيوفي لذا حسمت امرها ثم نهضت من حوض الاستحمام وامسكت المنشفة المعلقة بجانبها ثم لفت جسدها بها وخرجت متوجها إلى حقيبتها التي تركتها على الاريكة في غرفة المعيشة ؛ اخرجت هاتفها ونظرت إلى الساعة حيث كانت تشير إلى العاشرة وتسعة وثلاثون دقيقة ليلاً وبعدها قالت : الوقت بيختلف بين مصر وهنا ودا معناه ان هو صاحي دلوقتي وفي الشغل… يبقى لازم اتصل بيه حالاً.

اما في مصر…..

فكان جالساً في اجتماع مهم للغاية برفقة شريكة وابن خاله كمال وبعض الموظفين يناقشون صفقة كبيرة ، وبينما كان يتحدث ويبدو عليه الجدية والانضباط رن هاتفه بصوت عالٍ حيث انه نسي ان يضعه على الوضع الصامت…. عم الصمت في غرفة الاجتماعات الا من صوت رنين الهاتف الذي ازعج ادهم لانها كانت المرة الأولى التي ينسى فيها وضع هاتفه على الوضع الصامت فامسك به وهو يعقد ما بين حاجبيه دليلاً على انزعاجه وقال بصوت مسموع : Sorry ؛ ثواني وهنكمل الاجتماع.

وعندما اراد ان يغلق الهاتف تفاجأ بظهور رقم دولي يتصل به فشرد للحظة واحدة ثم هب واقفاً كما لو انه تعرض للسعة افعى وبدون تفكير اجاب بلهفة قائلاً : آلو….

– صمت تام خرق اذنه ولا يعلم لما رغب في نطق اسمها فقال بنبرة صوت تحمل الكثير والكثير من المشاعر المجروحة : مريم !

اما هي فلم تستطيع ان تمنع شهقتها الصغيرة الناتجة عن حبس دموعها فقالت بصوت مخنوق : ا..ايوا.

في تلك اللحظة شعر وكأن وَتَد ملتهب اخترق قلبه المجروح و اشعل النيران فيه فاغمض عينا بألم شديد وضغط على الهاتف بيده وسألها بصوت كاد ان يختفي : انتي فين !

أتاه صوتها الخافت وهي تشهق قائلة : نيويورك …. انا… انا عايزه اقبلك ضروري… تقدر تيجي هنا ؟

فحمل ادهم سترته دون ان يحسب حساب لاي احد من الموجودين في غرفة الاجتماعات وقال : انا هاجي على اول طيارة…بس اديني عنوانك.

في تلك اللحظة نهض الجميع فوراً وعلامات الاستفهام تعلو وجوههم وخصوصاً كمال اما هي فقالت : لما توصل انا هتصل بيك وهقولك هنتقابل فين.

ادهم : تمام.

مريم : سلام دلوقتي.

فتوقف ادهم عن السير وقال بتردد : استني…. انتي… كويسه مش كدا ؟

شعرت مريم بغصة في قلبها ولكنها استرجعت رباطة جأشها وقالت بنبرة صوت واثقة : عمري مكنتش كويسه زي النهاردة… انا هستناك.

قالت ذلك ثم انهت المكالمة وما هي الا ثانية حتى انفجرت بالبكاء المرير واخرجت كل ما في قلبها ؛ اما هو فالتفت الى الاخرين وقال بلهجة امر : كمال انا لازم اسافر نيويورك …خلي بالك من الشركة .

فاستغرب كمال وقال بدهشة : نيويورك !

ثم سأله بفضول قآتل : وهتروح هناك ليه يا ادهم ، وبعدين ازاي هتسيب الاجتماع دا ؟؟

رد عليه ادهم بنبرة جدية : السفريه دي اهم من الشركة كلها بالنسبة لي وانا لازم اروح هناك…وبالنسبة للصفقة انا واثق انك هتقدر تكسبها… سلام دلوقتي .

كمال : بس يا ادهم…..

– ولم يستطيع اكمال جملته لأن ادهم المتهور قد خرج من قاعة الاجتماعات وهو يركض نحو المصاعد كما لو كان مجنون يتحدث في الهاتف مع سكرتيرة سلمى قائلاً : سلمى عايزك تسيبي كل حاجة في ايدك دلوقتي وتحجزيلي تذكرة في اول رحلة رايحه نيويورك انتي سامعه ، ولو ما قدرتيش تلاقي تذكرة جيبيلي طيارة خاصة .

فقالت سلمى بأرتباك : ح… حاضر يا فندم.

ثم اغلق هاتفه وركض الى موقف السيارات اما سلمى فقالت بتعجب : نيويورك ؛ وهيروح يعمل ايه هناك !

بعد مرور نصف ساعة…

وصل ادهم الى المنزل وقبل ان ينزل من السيارة ورده اتصال من سكرتيرته سلمى فاجابها : ايوا يا سلمى.

فقالت : انا حجزتلك تذكرة للشخصيات المهمة يا فندم وهتكون رحلتك بعد ساعتين من دلوقتي .

ادهم : طيب يا سلمى متشكر.

قال ذلك ثم اغلق هاتفه ونزل من السيارة فنظر اليه العم محمود وهو يركض نحو الداخل حتى دون ان يلقي التحية فهز رأسه وتابع عمله ؛ اما في داخل المنزل لم يكن هناك احد سوى السيدة كوثر والشغالة امينة حيث كان البقية في اشغالهم…. معاذ ويوسف في المستشفى… رغد في الجامعة حيث كانت ماتزال طالبة حقوق آن ذاك وكذلك اولاد العم محمود اي ان المنزل كان شبه خالي من سكانه ما عدى السيدة كوثر التي كانت تشرب القهوة في غرفة المعيشة مع إمينه ويتحدثن بأمور كثيرة.

– فدخل ادهم من الباب مثل الاعصار الهائج ولم ينتبه إلى امه وامينه اللتان كانتا تحدقان به بغرابة… بل صعد إلى غرفته امام نظرهن دون ان يتفوه بكلمة واحدة مما جعل والدته تشعر بالقلق فنهضت ونهضت امينه خلفها وصعدن الى الطابق العلوي من المنزل وتوجهن الى غرفة ادهم وعندما دخلن كان هو يبحث في درج الخزانة الصغيرة التي بجابن السرير عن جواز سفره فسألته امه : ادهم في ايه يا ابني ؟

اجابه بدون ان ينظر اليها : بعدين يا ماما… انا لازم الاقي الـ Passport بتاعي دلوقتي .

السيدة كوثر : انت هتسافر يا ادهم !

فنظر إليها وقال : ايوا… عندي شغل مهم برا مصر وطيارتي بعد ساعتين من دلوقتي… علشان كدا ارجوكي يا ماما سيبيني اجهز نفسي .

فتنهدت السيدة كوثر وقالت : طيب يا حبيبي…طريق السلامة وخلي بالك من نفسك .

ادهم : ان شاء الله.

ثم نظرت السيدة كوثر الى امينه وقالت : يلا يا امينه.. خلينا ننزل.

امينه : حاضر يا ست هانم..

وما هي الا دقيقة قد مرت حتى وجد ادهم جواز سفره فوضعه في جيب سترته ثم توجه نحو خزانته واخرج منها حقيبة سفر صغيرة ؛ بدأ يضع فيها بعض الملابس ومن ثم خرج من غرفته وهو يجرها متوجهاً إلى الاسفل…. فنزل وخرج من المنزل مجدداً وصادف سمير في طريقه فاستوقفه قائلاً : سمير اجري وجهز العربيه علشان توصلني المطار.

قال ذلك ثم القى عليه مفاتيح السيارة فالتقطها سمير وقال : حاضر يا بيه.

– قال ذلك وصعد في سيارة ادهم وشغل المحرك ؛ اما هذا الاخير فوضع حقيبته في صندوق السيارة وصعد بجانبه قائلاً : يلا بينا.

بعد ساعة ونصف …

كان ادهم جالساً في المطار ينتظر موعد رحلته بفارغ الصبر وهو يهز قدمه بأستمرار دليلاً على نفاذ صبره ويحدق كل خمس دقائق في ساعة يده والتوتر كان واضحاً على وجهه… لقد سمع صوتها… اخيراً وبعد ثلاثة اشهر استطاع ان يسمع صوتها العذب وها هي الان قد اتصلت به بملئ إرادتها وطلبت ان تقابله مما جعله يشعر بالخوف قليلاً من السبب الذي جعلها تتصل به فجأة ، فاخذت التساؤلات والافكار تدور في رأسه مسببه له صداع نصفي ولكن بغض النّظر عن ذلك لقد كان سعيد… سعيد لانه سيراها اخيراً بعد كل ذلك العذاب الذي تحمله في بعدها فاخذ يفكر كيف سيتصرف عندما يقابلها ؛ هل يأخذها في حضنه ويخبرها انه يحبها ام يركع على ركبته ويطلب منها ان تسامحه لانه جرحها كثيراً ؟

وبعد تلك الحرب النفسية نهض عندما سمع نداء رحلته فتوجه نحو البوابة وهو يحمل حقيبته… وبعد الإجراءات القانونية صعد على متن الطائرة وجلس في درجة الـ VIP حيث كان مقعده ؛ بعد عدة ساعات وصل إلى نيويورك في الصباح فخرج من المطار وهو لا يعلم اين سيقابل مريم… اما هي فكانت تحاول الاتصال به مراراً لكن هاتفه كان مقفلاً لذا عرفت انه على متن الطائرة فقررت ان تتصل به في الصباح حين يصل …وبالفعل فعلت ذلك فأجابها فوراً وهو يحاول ايقاف سيارة أجرة وسألته : انت وصلت مش كدا ؟

اجابها : ايوا… اديني عنوانك علشان اقدر اوصلك.

قالت : لأ احنا هنتقابل في محطّة غراند سنتر كمان ساعة.

ادهم : طيب…هقابلك هناك.

مريم : تمام.

قالت ذلك ثم اغلقت الهاتف ونظرت إلى نفسها بالمرآة التي في غرفة نومها حيث كانت تجهز نفسها للخروج من المنزل بعد ان اخذت إجازة من العمل لكي تقابل ادهم… اخذت نفساً عميقاً ووضعت يدها على بطنها وقالت : متقلقش يا ابني… انا عارفه ان دا احسن حل لينا كلنا وبكدا انت هترتاح وانا كمان.

ثم حملت حقيبتها وارتدت معطفها وخرجت من الغرفة فصادفت الهام التي عادت من زيارة بيت عمها وسألتها : انتي رجعتي امتى يا لولو ؟

الهام : من شويه… انتي رايحه الشغل ؟

مريم : لا انا خذت إجازه النهاردة… لان عندي معاد عند الدكتورة.

الهام : تحبي اروح معاكي ؟

مريم : ملوش لازمة…يلا سلام دلوقتي.

الهام : سلام.

– ثم خرجت مريم من الشقة اما الهام فتنهدت وقالت : وانا هروح اجهز نفسي عشان انزل الشغل بقى .

قالت ذلك ثم دخلت إلى غرفتها وفي الوقت ذاته اوقفت مريم سيارة أجرة وطلبت من السائق ان يوصلها إلى محطّة غراند سنتر حيث ستقابل ادهم ؛ وبعد مرور اربعين دقيقة تقريباً اخرجت هاتفها واتصلت به فأجابها بسرعة : انتي فين ؟

قالت : انا وصلت من شوية وهتلاقيني في قاعة الانتظار اللي جنب المترو….هتعرف توصلها ؟

ادهم : ايوا.. انا جنبها دلوقتي .

مريم : انا لابسه مانطو ابيض وقاعدة في الكوفي شوب اللي هناك.

ادهم : تمام… ثواني وهكون عندك.

قال ذلك ثم اغلق هاتفه وركض نحو المقهى حيث كانت هي جالسة ، وعندما وصل توقف عن الركض حين رآها من بعيد تتلفت حولها فبدأت نبضات قلبه تتسارع وكأن احدهم حقنه بـِ الأدرينالين ؛ اخذ يمشي ببطء شديد وهو يضغط بيده على مقبض حقيبته التي كان يحملها وسرعان ما وقف خلفها وقال بصوت حنون : مريم …

اما هي فشعرت بقلبها يهوي بعد سماعه ينطق باسمها بصوته الذي حرك بركان من المشاعر بداخلها فاغمضت عيناها بشدة وابتلعت ريقها ثم نهضت والتفتت اليه ببطء شديد حتى اصبحت تنظر إليه مباشرةً … وقفا يحدقان ببعضهما البعض بصمت رهيب لمدة من الزمن وسرعان ما رمى ادهم حقيبته ارضاً واراد ان يعانقها ولكنها عادت بخطواتها الى الوراء مما جعله يتجمد في مكانه … فوقف يحدق بها بصمت وهي تحني رأسها كما ان شيئاً في داخله قد تحطم بعد تصرفها ذاك إذ انها اظهرت له عدم رغبتها في ان يلمسها ابداً ، لذا عاد خطوتين للوراء وهو يضغط على قبضته وسألها بنبرة آلم : ازيك ؟

رفعت رأسها بعد ان سيطرت على نفسها حتى لا تضعف امامه ومنعت دموعها من النزول ونظرت اليه بنظرة واثقة ثم قالت بصوت يخلو من العواطف : الحمد لله… وحضرتك ؟

اجابها بصوته المخنوق : انا… بقيت كويس دلوقتي .

فابتلعت ريقها واشاحت بنظرها عنه لثانية ثم عادت ونظرت اليه وقالت بنفس الجفاء : اتفضل خلينا نقعد .

ثم جلست اولاً اما هو ازداد آلمه لانها تعامله بجفاء وبطريقة رسمية ، فمرر اصابعه بين خصلات شعره وسار قليلاً حتى جلس على الكرسي الذي امامها بصمت فنظرت اليه وقالت : انا اسفه لاني طلبت من حضرتك انك تيجي هنا بس كان غصب عني لاني مقدرش اسيب البلد دي دلوقتي.

نظر اليها وفي داخله بركان يشتعل ولكنه سيطر على نفسه وقال بهدوء : اكيد عايزه تقولي حاجة مهمة والا مكنتيش طلبتي مني اقطع المسافة دي كلها .

فاخذت مريم تضغط بيدها على سلسلة حقيبتها التي في حضنها من شدة التوتر دون ان يراها ادهم ولكنها قالت بصوت عادي : ايوا.

ادهم : اتفضلي… انا بسمعك .

فنظرت الى عيناه اللتان لطالما عشقتهما وسرحت في سوادهما الحالك لثواني معدودة كما فعل هو المثل ثم قالت دون مقدمات : طلقني .

في تلك اللحظة اغمض ادهم عيناه بألم ظهر على ملامح وجهه وكأنه كان يتوقع ان تطلب منه ذلك… كيف لن يتوقع وقد عبرت عن نفورها منه بطريقة مباشرة حين عادت للخلف عندما اراد ان يعانقها ؟

ذلك التصرف اكد له انها لا ترغب به ابداً وانها لا تريد ان يقترب منها مجدداً فنظر اليها بعيونه التي تحولت إلى جمرات ولكنه لم يقل اي شيء بل اشاح بنظره عنها مما جعلها تشعر بالرعب من ردة فعله فقالت باصرار : انا طلبت منك تيجي هنا علشان نحل المسألة العالقة بينا … اظن ان كفايه لحد كدا والمفروض انك تتطلقني من زمان زي ما قولت بس…

فقاطعها بصوته البارد والذي يدب الرعب في النفوس عندما سألها : ليه عايزاني اطلقك يا مريم ؟

ارتبكت وقالت بتلعثم : علشان… علشان…

ادهم : علشان ايه ، اتكلمي.

فاخذت نفساً عميقاً ونظرت اليه بنظرة قوية ثم قالت بثقة ودون تفكير : علشان انا بحب واحد تاني وعايزه اتجوزه بس مش هينفع اعمل كدا لو فضلت على ذمتك … وطلبت منك تيجي هنا علشان تطلقني.

– بعد قولها ذاك شعر ادهم بقلبه قد تحطم تماماً فهي اصابته في الصميم بقولها لتلك الكلمات ولو انها قتلته او خسر كل ثروته لكان اهون عليه من سماعها تطلب منه الطلاق لكي تتزوج من غيره.. كيف سيتركها لغيره وهي التي اسرته بهواها وجعلته شبه الميت في جسد بارد طوال الفترة التي ابتعدت عنه فيها فسألها بصوت مرتجف وبعدم تصديق : عايزه تتجوزي واحد تاني ؟!

فقالت بنفس النبرة القوية : ايوا.. عايزه اتجوز الراجل اللي بحبه …علشان كدا طلقني.

ضرب ادهم الطاولة بكل قوة مما جعلها تفزع وقد استيقظ الوحش الذي في داخله فقال بنبرة اشبه بفحيح الثعابين : وحبيبك دا اللي عايزة تتجوزيه يعرف انك بعتي نفسك علشان الفلوس وسبتيني اعمل فيكي كل اللي انا عايزه ؟

– لقد شعر بالإهانة والخيانة فأراد ان ينتقم منها لذا قال لها ذلك الكلام الجارح وهو يعلم بأنها سلمته نفسها من اجل انقاذ اختها ولكن كبريائه لم يتحمل ما سمعه منها وانها تحب غيره ؛ استفزها بما قاله فادمعت عينيها بعد ان جرحها مرة اخرى بكلامه الذي نزل عليها كالسم فلم تستطيع منع نفسها عن البكاء لذا ذرفت الدموع وقالت بصوت مقهور مليئ بالإصرار : ايوا …هو يعرف عني كل حاجة زي ما انا اعرف عنه كل حاجة ، ولأننا بنحب بعض عايزين نتجوز بس في مشكلة وحده واقفه في طريق سعادتنا واللي هي حضرتك يا استاذ يا محترم.

وبعد ان ردت له الصاع صاعين بقولها لتلك الكلمات الجارحة اكثر من حد السيف والتي جعلت الغضب يأكل قلبه اظافت بعصبية : وبعدين احنا اتفقنا انك تتجوزني ليوم واحد وبعدها هتطلقني بس محصلش كدا وكمان انا رجعتلك فلوسك يعني مفضلش في حاجة ممكن تمنعك انك تطلقني وتسيبني اشوف حياتي بقى لاني زهقت من الحكاية دي وعايزه استقر هنا .

فنظر اليها بنظرة واحدة ولكنها تحوي على معاني كثيرة… منها الشعور بالألم والخيانة العظمى والحزن الشديد والغضب المدمر الذي اعمى بصيرته ، بعدها اغمض عيناه وتنفس بعمق وبعد ان استعاد رباطة جأشه نظر اليها مجدداً بعيونه الحادة بصمت طويل مما جعلها تحني رأسها بارتباك ثم قال اخيراً بنبرة هادئة : انتي طالق.

قال ذلك وانتصب واقفاً ثم حمل حقيبته عن الارض وسار بها بعيداً دون ان ينظر اليها مجدداً ًوقد سمح لدموعه التي حبسها كثيراً ان تنزل… فنزلت واحرقت وجنتيه ، اما هي فكانت ما تزال جالسة في مكانها وقد شعرت بأن روحها فارقتها بعد تلك الكلمة الصغيرة التي القاها على مسمعها ” طالق ” كلمة صغيرة مكونة من اربع حروف ولكن تأثيرها كان اقوى مما تتصور…. لقد شعرت بالفراغ فوراً بعد ان طلقها وغادر بتلك البساطة وكأنه لم يأتي اساساً… وسرعان ما نزلت دموعها مثل زخات المطر ولا تعلم لما اتاها احساس الندم الشديد لانها طلبت منه ان يطلقها بعد ان رأت في عيناه مشاعراً صادقة تجاهها وكان على استعداد بأن يغير مجرى الأمور لو سمحت له بمعانقتها… ولكن كيف تفعل ذلك وقد عزمت امرها لكي تنساه وتخرجه من حياتها الى الابد ؟

حتى بعدما كذبت عليه بقولها انها ستتزوج من غيره كانت على يقين انه لن يصدقها ابداً ولكنه خيب املها وصدق تلك الكذبة التي دمرت كل شيء… تلك الكذية التي ندمت عليها اشد الندم وتمنت لو ان لسانها شل عن الحركة قبل ان تنطق بها ؛ اما هو فكان يسير في شوارع نيويورك بخطوات ثقيلة وهو يحمل حقيبة ملابسه والدموع لا تفارق عيناه…فبعد ان وجد شعاع الأمل وقطع مسافات طويلة لكي يلتقي بها انتهى به المطاف بأن يتركها مجدداً ولكنه طلقها هذه المرة وقتل برعم الحب الذي كان من الممكن ان يمنحها ايه حتى دون ان يعرف انها حامل بأبنه وكما يقول المثل تجري الرياح بما لا تشتهي السفن وهو سفينته قد غرقت في بحر حبها وقد جرحته اكثر من ميرا نفسها عندما قالت انها تحب غيره وتريد الزواج ولكنه يقف عقبة في طريق سعادتها هي وحبيبها الوهمي .

احتقر نفسه كثيراً لدرجة جعلته يشعر بالاشمئزاز لأنه سمح لفتاة تصغره بعشر سنوات ان تفقده عقله وتأسره بمثل هذه الطريقة المخزية حيث انه نسي من يكون وكم هو شخصية مهمة وكثيرون من يرتعبون لمجرد سماع اسمه.. فنظر الى المحيط وقال بنبرة صوت يملؤها الغضب الممزوج بالألم : خلاص يا ادهم ؛ هي عايزه كدا يبقى سيبها تغور في ستين داهية ومش انت اللي تجري ورا وحده ست اختارت انها تبعد عنك علشان واحد تاني.. اساساً كان لازم تتعلم من غلطتك الأولى وتقفل قلبك ومتسبش اي حد يهزك.

ثم سالت دمعة ملتهبة على خده الأيمن عندما قال بنبرة حاسمه : هنساكي يا مريم… هنساكي وهقفل قلبي علشان مايحبش حد تاني… هنساكي يا اجمل غلطة حصلتلي.

قال ذلك ثم مسح دمعته الخائنة وقرر العودة إلى موطنه بأسرع مايمكن حتى لا يغدر به قلبه ويحرضه على العودة اليها عندها سيخسر كل ما تبقى له من كرامة… فتوجه نحو المطار دون ان يستريح او يبدل ملابسه وحجز تذكرة عودة إلى مصر…اما هي فنهضت من مكانها بعد نوبة بكاء عاصفة وقررت العودة إلى شقتها لكي تنام قليلاً وتريح جسدها الذي انهكه الحزن وبعدها ستخبر صديقتها الهام بكل ما حدث معها لعلها تخفف عنها .

– وهكذا مرت اربع سنوات وخمسة أشهر حدث خلالها كثير من الامور والتغيرات التي طرأت على ابطال هذه الحكاية .. فأصبحت مريم في سن الخامسة والعشرين كما انها اصبحت ام لطفل صغير يبلغ من العمر اربعة اعوام وكان شديد الجمال ولطيف للغاية واسمته ” ادهم ” فكان بالنسبة لها الحياة التي تعيش من اجلها والامل الذي ضاع منها وقد عاد مجدداً حيث انها كانت ترى فيه صورة ابيه ” ادهم عزام السيوفي ” الذي لم تراه منذ اخر لقاء لهما عندما طلقها وغادر بصمت فقررت ان تسمي ابنهما ادهم لكي يذكرها بحبيبها الوحيد .

وخلال هذه السنوات القليلة الماضية اصبحت ماهرة في عملها في شركة خالد نجم الذي عينها لتصبح مديرة قسم المحاسبة ووقف الى جانبها وقفة الاخ الاكبر الذي لم تلده امها حيث ساعدها هو وصديقتها الهام بالاعتناء بطفلها الذي بعث البهجة والسرور في حياتها البائسة واستطاع ببسمته العذبة ان يمحو جزء كبير من الحزن الذي استوطن في قلبها ؛ اما الهام فقد مرت عليها هذه السنوات الاربع بالتنقل ما بين نيويورك والقاهرة فهي كانت تزور عائلتها شهراً كاملاً كل سنة لكي تشبع من رؤيتهم كما ان حبها لخالد كان يكبر كل يوم في قلبها بالرغم من حزنها عندما اخبرتها مريم انه اعترف لها ولكنها استطاعت ان تتقبل الأمر بعدما علمت انه قرر ان يدفن مشاعر الحب التي يكنها لصديقتها في قلبه وذلك ما اعطاها أملاً في ان ينظر اليها ذات يوم ويعتبرها حبيبة اكثر من كونها صديقة وفيه وصادقه.

اما هو { خالد } فبلغ من العمر اثنان وثلاثون عاماً وخلال تلك السنوات استطاع وبكل جدارة ان يكبر في الوسط الاقتصادي واصبح من اكبر التجار وافتتح فرع من شركته في موطنه الأصلي ” مصر الحبيبة ” بعد ان كان كل عمله في الخارج ، كان يعتبر مريم وابنها ادهم وصديقتها الهام جزء من عائلته حيث كان يهتم بهم ويحميهم كما لو كان هو المسؤول عنهم بالإضافة إلى ان عمته سحر كانت تحبهم ايضاً وقد اخبرها قلبها ان الهام تكن لأبن اخيها مشاعراً من نوع خاص وذلك كان واضحاً وضوح الشمس في نظرها .

وفي مصر …..

– فاصبحت رغد في سن الـ 26 كما واصبحت محامية بارعة تدافع عن المظلومين ولا تصمت عن قول الحق ابداً… وخلال تلك الاربع سنوات عاشت قصة حب لطيفة مع ابن خالها كمال البالغ من العمر 33 عاماً والذي كان ينتظر حتى تتخرج لكي يتقدم لخطبتها وبالفعل طلب يدها وتزوجا بعد شهر من تخرجها .. وبالنسبة لشقيقها الثاني معاذ ذو الـ 31 ربيعاً فكانت شهرته تزداد يوماً بعد يوم حيث انه اصبح من اشهر الأطباء في البلاد كلها كما اصبحت زوجته سلوى في سن الثلاثين وكانت شهرتها لا تقل عن شهرة زوجها لانها طبيبة بارعة ايضاً ، ولكن بالرغم من شهرتهما وغنى عائلتهما الا انهما كانا غير سعيدين لانهما تزوجا منذ 6 سنوات ولم يرزقا بطفل واحد على الاقل….وذلك أوجع قلب سلوى التي كانت تلح على زوجها معاذ بأن يتزوج عليها ان شاء من اجل الحصول على طفل ولكنه كان رافضاً تماماً لتلك الفكرة لانه يحبها كثيراً وقد اوكل امرهما الى الله تعالى على امل ان يرزقهما بطفل ذات يوم .

ولهذا السبب كانت السيدة كوثر تقلق على مستقبل العائلة فهي لا تمتلك وريثاً يحافظ على اسم آل السيوفي وقد قطعت الامل من ان تزوج ابنها معاذ مجدداً لانها وجدت انه من الظلم فعل ذلك واجباره على جرح مشاعر زوجته التي كانت كالجوهرة في قصرهم ومحبه للجميع وتستحق كل خير ؛ لذا قررت ان تعكر صفو حياة شخصاً آخر بفكرة الزواج هذه من اجل الحصول على وريث وهذا الشخص هو ابنها الاكبر ” ادهم ” الذي اصبح في سن الخامسة والثلاثين ووصلت شهرته لدرجة ان اكبر التجار ورجال الأعمال كانوا يخشون اغضابه .

لقد اصبح خلال الاربع سنوات الماضية امبراطور الاقتصاد والتجارة الألكترونية بعد ان كان لقبه ملكاً في ذلك المجال وازدادت ثروته بشكل مرعب وكان الناس يحسبون له مليون حساب والجميع يتمنون ارضائه ولا احد يجرؤ على ازعاجه بسبب مزاجه المتقلب ، كان بارد لدرجة ان من ينظر اليه يشعر بالنقص والعجز وإذا صمت جللّه الوقار , وإن تكلَّم سماه و علاه البهاءُ ، وبالرغم من ذلك كان دائماً عصبي المزاج كما لو انه قنبلة نووية من الممكن ان تنفجر في اي لحظة وتدمر كل من حولها وقد اصبح هكذا بعد اخر لقاء له مع معشوقته ” مريم ” التي سببت له جرحاً عميقاً في قلبه عندما طلقها وغادر بصمت وقرر ان ينساها… ولكن كيف ينسى من كانت السبب في جنونه ؟

كيف ينسى من كانت السبب في ان يستيقظ الشاعر النائم في داخله ليخط لها اجمل القصائد ؛ كيف ينسى من أسرته بمحراب عينيها وجعلته يذوق طعم الهزيمة لأول مرة .. كيف ينسى من اصبح حبها متأصلاً في قلبه كما لو كان جزء منه والتي ضحت بنفسها من اجل انقاذ اختها ، كيف ينساها وهو يراها كل يوم في احلامه ويتألم كل يوم لانه تركها تذهب لغيره كما ادعت ؛ كيف ينساها وقد اصبح مهووس بها ورائحة عطرها الساحرة لا تفارق انفه ومخيلته لدرجة انه يأخذ حبوباً منومة كل لليلة لكي ينام ؟؟!

وبالرغم من عذاب الأشتياق والحب الذي كان يشعر به الا ان كبريائه منعه من العودة اليها مجدداً… فهي قد اختارت حياتها لذا قرر ان يعيش على ذكراها واقسم ان لا يحب بعدها وان لا يتزوج غيرها فهي حبيبته الأبدية حتى بالرغم من بعدها الا انها تسكن قلبه وبين ضلوعه ، وقلادتها الفضية كانت تحاوط عنقه طوال اربع سنوات ولم ينزعها ولو ليوم واحد لكي يذكر نفسه بأخر لقاء وكيف اصبحت غريبة عنه بعد ان نطق كلمة صغيرة كانت السبب في عذابه كل هذه السنوات.

وذات يوم….

كان يجهز نفسه في غرفة نومه لكي يذهب إلى الشركة كالعادة وكان في غاية الوسامة خصوصاً بعد ان نمى له شاربين وخسر بعض من وزنه فاصبحت هيبته الرجولية واضحة وضوح الشمس ، وبينما كان يعقد ربطة عنقه سمع قرع على باب غرفته فقال بصوته الوقور : اتفضل.

فدخلت امه الى الغرفة وهي تبتسم ابتسامة ذات مغزى وتحمل في يدها مغلفاً …وعندما رآها في المرآة تنهد وكأنه يعرف لما اتت واردف بتوسل : ارجوكي يا ماما ما تحاوليش لاني زهقت من الموضوع دا.

اقتربت السيدة كوثر منه وقالت بغنج وهي تعقد له ربطة عنقه : انت بص على الصور الاول وأكيد العروسة المرة دي هتعجبك… انا متأكدة وخصوصاً لانها من عيلة محترمة جداً.

ابعد يديها عنه بلطف وامسك سترته واخذ يرتديها قائلاً : قولت لك مليون مرة مش عايز اتجوز يا ماما … ارجوكي بلاش تلحي عليا لاني مش هغير رأيي ابداً .

قال ذلك ثم امسك هاتفه وحقيبة عمله التي تحتوي على حاسوبه المحمول ثم خرج وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة وكان من الواضح انه منزعج… اما امه فوقفت تحدق بظهره وهو ينزل السلالم وقالت محدثة نفسها : والله ما هسيبك يا ادهم غير اما اجوزك وبكرا هتشوف.

– نزل ادهم وخرج من المنزل دون ان يتناول الفطور لانه فقد شهيته بسبب ازعاج امه المستمر بشأن تزويجه فهي كانت تحضر له كل يوم صور لفتاة مختلفة ولا تعلم انه قطع على نفسه وعداً واقسم بأن لا يلمس أمرأة اخرى بعد مريم ، فخرج الى الحديقة حيث كان سائقه الخاص سمير ابن العم محمود ينتظره فقال له بنبرة جافة خاليه من التعابير : جهز العربيه يا سمير.

سمير : حاضر يا فندم.

قال ذلك ثم ركض نحو السيارة وصعد بها اما ادهم فوضع نظارته الشمسية الداكنة لتحجب نور الشمس عن عيناه وبعدها سار حتى وصل الى موقف السيارات فقام سمير بفتح باب السيارة الخلفي له ؛ صعد بالفعل ثم اخرج حاسوبه المحمول من الحقيبة وبدأ يراجع بعض الاعمال بينما كان الشاب يقود بهدوء ويستمع للأغاني الهادئة … وبينما كان يعمل على الحاسوب تسللت الى مسامعه كلمات اغنية اثرت به مما جعله يطبق الشاشة وينظر من خلال نافذة السيارة بصمت من تحت نظارته الداكنه.

وكانت الاغنية كالتالي :

نصيبي اعيش عشانك يروووح قلبي لمكانك و اشوفك من بعيد
في ناس كتير معايا كل مناهم رضااااايا و برضوا.. بعيش وحيد
حبيبي ارجع تعالا أنا دبّت من الغياب
بعدك فرحي استحااااالة ارحمني من العذااااااب
*****
قوللي بعد حبك اااااايه يا غاااالي
غير جراااااح …. و ااااآه فوق احتمالي
غبت عني ليه ؟ رحت مني ليه؟
السنين علّيا تفوت و لسّه حبي ليك بيزيد !
وعمري ما انسى معقول أنسى إااااايه ؟ ؟ ؟
*****
اللي روحي فيه حبيبي يحرم علّيا بعدك تفرح عنّيا
مهما يطووووول الزمان.. لو كان نصيبي بعدك
برضوا حتفضل لوحدك حبيبي الجاي و كان
حبيبي ارجع تعااالا أنا دبّت من الغياب
بعدك فرحي استحااالة ارحمني من العذاااب
*****

– وبعد ان سمع تلك الاغنية شعر وكأن كلماتها كُتبت من اجله هو… لكي تعبر عن اشتياقه ومعاناته بسبب بعد حبيبته عنه فنزلت دمعة متمردة من عيناه و تدحرجت على خده الايمن من تحت النظارة السوداء وهو ينظر من خلال النافذة بصمت رهيب وكأنه عبر المحيطات بتفكيره وذهب إلى مكان آخر ولكن ليس لوقت طويل فقد ايقظه صوت سمير عندما قال : احنا وصلنا الشركة يا فندم.

رفع ادهم يده ومسح اثار دمعته التي تسللت من سجنها ثم وضع حاسوبه في حقيبته ونزل من السيارة بعد ان قام سمير بفتح الباب له ؛ سار بكل شموخ حتى دخل الى ردهة الشركة حيث قام الموظفين بتحيته وبعدها توجه إلى مكتبه في الطابق الاخير فنهضت سلمى عندما رأته وقالت : صباح الخير يا فندم.

أجابها بجمود : صباح النور.

ثم دخل إلى مكتبه واغلق الباب ، اما هي فتنهدت وقالت : نفسي اشوفك بتضحك مرة وحده ، دايماً عابس ومكشر بس مز اوي يا بختها اللي هتتجوزك .

قالت اخر كلمة وهي تبتسم ببلاهة فسمعت صوت يقول لها : اوعي يسمعك يا سلمى لحسن هتروحي في ستين داهية.

انتفضت الفتاة من مكانها مثل الحمقاء والتفتت الى صاحب الصوت ويا ليتها لم تفعل فقالت بتوتر شديد : ا.. انا اسفه يا كمال بيه انا بس كنت ….

ضحك كمال واردف : خلاص ولا يهمك ، اعتبري اني مسمعتش حاجة بس خلي بالك علشان هو ميسمعش.

قال ذلك ورسم على محياه ابتسامة لطيفة ثم توجه نحو مكتب ادهم وطرق الباب مرة واحده وبعدها دخل.. اما سلمى تمنت لو ان الارض تنشق وتبتلعها لانها تفوهت بكلام تافه امام كمال الذي يعتبر اهم شخص في الشركة بعد ادهم لذا ضربت فمها وقالت بتذمر : الله يخرب بيت ام لسانك يا سلمى.. ضروري تقولي الكلام دا وانتي عارفه انك مش لوحدك في الشركة دي وان ممكن اي حد يسمعك !

وفي نفس الوقت داخل مكتب ادهم ……

كان هو واقفاً ينظر من خلال نافذة مكتبه العملاقة على الشوارع والسيارات بينما كان يدخن سيجارة بصمت مرعب… فدخل كمال وقال بصوت مرح : ايه يا عم.. انت ابتديت تدخين من الصبح كدا ؟؟

التفت إليه وقال : اهلاً يا كمال… عملت ايه في موضوع شراكتنا احنا وصاحبك الامريكي دا ؟

جلس كمال ووضع قدم فوق الاخرى قائلاً : كل حاجة جاهزه ومفضلش غير اننا نسافر علشان نوقع العقد مع خالد.

فجلس ادهم ايضاً ثم اطفأ سيجارته وسأل : انت متأكد اننا نقدر نثق في الراجل دا ؟

ابتسم كمال وقال : متقلقش ، خالد نجم دا راجل كويس وانا اعرفه من ايام الجامعة… صح هو اصغر مني بسنه وحده وعاش معظم وقته برا مصر بس تقدر تقول انه راجل عنده خبره كبيرة في مجال التجارة وكمان هو بنى شركته بنفسه زيك بالزبط لان بباه كان مهندس معماري ومكانش بيفهم في ادارة الاعمال ابداً .

فاسند ادهم ظهره الى الكرسي وكتف ذراعيه ثم قال : ما دام انت اللي بتقول كدا انا هثق فيه لاني عارف انك دايماً بتختار الصح.

كمال : متشكر وان شاء الله هبقى عند حسن ظنك فيا .

ادهم : وامتى هنسافر ؟

كمال : بعد بكرا… هنروح شركته اللي في نيويورك.

في تلك اللحظة شعر ادهم بغصة في قلبه لانه تذكر اخر تجربة له في نيويورك حين طلق مريم قبل اربعة سنوات وخمسة اشهر فعبس وجهه وقال : نيويورك !

كمال : ايوا…شركته الاساسية هناك وهو بيعقد كل الصفقات المهة في الفرع الرئيسي بتاع الشركة.

فتنهد ادهم وقال : تمام .

– مر الوقت سريعاً وجاء موعد سفرهما ومعهما مدير قسم المالية محمود ياسين البالغ من العمر 29 عاماً والذي كان زميل مريم في السابق ، فهو عمل بجد حتى ترقى من مبرمج ومصمم مواقع اليكترونية واصبح مدير قسم المالية في شركة رويال ، فذهبوا ثلاثتهم الى نيويورك من اجل اتمام الصفقة مع خالد .

وفي الجهة الاخرى لم تكن مريم تعلم من هو العميل الذي سيوقعون معه عقد شراكة الا انها كانت تعرف بأنه رجل اعمال مصري شهير كما أنها لم تكبد نفسها عناء الاستفسار عن هذا العميل المصري حيث كانت واثقة من قرارات صديقها خالد وانه لا يفعل شيئاً دون ان يتأكد من نسبة النجاح الكبيرة التي ستؤثر ايجاباً على شركته.

وعندما وصل كل من ادهم وكمال ومحمود الى نيويورك…. كانت تنتظرهم سيارة ليموزين امام المطار وكان سائقها ديمتري مساعد خالد الخاص فتكلم معهم باللغة الإنجليزية قائلاً : مرحباً بكم في نيويورك… لقد ارسلني السيد خالد لكي اصطحبكم الى الفندق.

فابتسم كمال وقال : شكراً لك.

ثم التفت إلى ادهم واستطرد : شايف… اهو خالد راجل بيفهم وبعت المساعد بتاعه علشان يوصلنا .

ادهم : وانا قلت حاجة ؟

ثم صعدوا في السيارة واخذهم ديميتري الى واحد من اشهر الفنادق الكبرى في نيويورك وكان قريب من شركة خالد ؛ اما في الشركة فكانت مريم جالسة مع الهام في الكافتيريا وقالت الاخيرة : ماما كلمتني من شويه وبعتتلك سلام.

فابتسم مريم وقالت : الله يسلمك ويسلمها…اخبارها ايه ؟

الهام : هتموت وتجوزني.

ضحكت مريم واردفت : واكيد متعرفش انك بتحبي خالد مش كدا ؟

فتنهدت الهام بضيق وغمفمت : لأ متعرفش اصلي مقلتش لحد غيرك عن الموضوع دا.

امسكت مريم بيدها قائلة : اسمعي مني يا لولو وصارحي خالد بمشاعرك… انتي بقالك اربع سنين بتحبيه وعمره ما هيلاقي وحده احسن منك.

الهام : وانا قولتلك مليون مرة اني مستحيل اعمل كدا لو هو محسش بيا الاول.. حتى لو فضلت كل عمري بتعذب كدا مش هقول له اي حاجة .

مريم : انا معاكي ان كرامتك اهم حاجة وان مش لازم انتي اللي تبتدي في اول خطوة بس جايز هو كمان بيحبك وخايف يعترفلك.

فرسمت الهام ابتسامة مريرة على وجهها واردفت بنبرة حزينة : بيحبني ؛ ايوا بيحبني على اني اخته مش اكتر من كدا.

مريم : لا انتي غلطانه يا الهام… خالد عنده اخت وحده واللي هي انا وانما انتي بيعتبرك صديقة كويسه وجدعه وجايز مشاعره اتغيرت ناحيتك وبقي بيحبك مش بس كصديقة .

الهام : وانتي تعرفي منين ؟

ابتسمت مريم واجابت : من نظرته ليكي يا عبيطة…. انا شفت في عينيه نظرة الحب لما بيبصلك وانتي مش واخده بالك ابداً.

شع شعاع الأمل في قلب الهام وابتسمت قائلة : تفتكري ان خالد بيحبني بجد يا ميمي !

مريم : والله انا رأيي انه بيحبك .

في تلك اللحظة سمعن صوت خالد يسألهن : هو مين اللي بيحب مين ؟

أرتبكت الفتيات عندما التفتن ووجدنه واقفاً خلفهن وقالت مريم بتلعثم : ا… دا واحد ساكن في نفس العمارة اللي ساكنين فيها اهل الهام وكان عايز يطلب ايدها من اهلها في مصر وامها اتصلت بيها علشان تقولها ان ابن الجيران اتقدم لها.

فقالت الهام مؤكدة : ايوا..ابن جيرانا.

عقد خالد حاجبيه وسألها بنبرة جدية : وانتي رأيك ياه يا الهام ؟

فنظرت الهام الى مريم التي ابتسمت لها ثم عادت ونظرت إلى خالد وقالت بخجل : انا قولت لماما اني مستحيل اتجوز حد ما بحبوش…وابن جرانا دا انا مابطقهوش خالص.

بعد قولها ذاك تغيرت ملامح وجه خالد ورسم ابتسامة صغيرة على زاوية شفتيه وقال : كويس..

سألته مريم : انت كنت عايز تقول لنا حاجة مش كدا يا خالد ؟

خالد : اه صحيح… انا جيت اقولك ان عندنا اجتماع بكرا مع العميل المصري يا مريم وعايزك تبقي موجودة معانا.

مريم : اوك… متشلش هم.

فابتسم واستطرد قائلاً : اسيبكوا بقى تكملوا حديثكوا عن ابن جيرانك اللي ما بطيقهوش يا الهام ، سلام .

قال ذلك ثم غادر وهو يبتسم فنهضت الهام وعانقت مريم قائلة باندفاع : كان عندك حق يا ميمي.. انا حسيت من طريقة كلامه انه بيحبني كمان.

فابتسمت مريم وقالت : مانا قولتلك.

– ثم مر اليوم بسرعة وجاء اليوم التالي فذهب خالد الى شقة مريم والهام كما يفعل كل صباح لكي يصطحبهن معه الى العمل حيث ان شقتهن كانت على نفس طريق منزله… فصعد الى البناية وطرق الباب وما هي الا دقيقية حتى فتحت له الهام وابتسمت فوراً قائلة : صباح الخير يا خالد.. اتفضل.

فدخل وقال : صباح الفل… هي مريم لسه مجهزتش ؟

تنهدت الهام وقالت : بص بنفسك.

قالت ذلك ثم اشارت الى مريم التي كانت تركض خلف ابنها الصغير في ارجاء الشقة وهي تحمل كأس الحليب وتقول : ادهم ، بقولك تعالى اشرب اللبن فوراً.

فقال الطفل بلكنة مكسرة : مش عايز.. انا ما بحبوش.

قال ذلك ثم ركض نحو خالد واختبأ خلف قدمه قائلاً : خالو.. انا مش عايز اشرب اللبن ارجوك قول لماما تبعده عني .

فضحك خالد ثم حمله قائلاً : لازم تسمع كلام ماما يا ادهم لان اللبن هيخليك تكبر بسرعة.

واقتربت مريم منهم قائلة : والله العظيم الواد دا هيجنني ، كل يوم نفس المشكلة ومش عايز يشرب اللبن ابداً .

فقالت الهام : مش جايز ما بيحبوش فعلاً .

مريم : حتى لو كان مابيحبوش هو لازم يشربه علشان يساعده في النمو زي ما قال الدكتور والا انتي نسيتي انه اتولد قبل أوانه واني بخاف عليه جداً ؟

فقال خالد مخاطب الطفل : اسمع كلام ماما يا ادهم وانا هاخدك علشان افسحك لما ترجع من الروضة يا حبيبي اوك .

فابتسم ادهم الصغير وقال : بجد يا خالو ؛ انا بحبك اوي.

قال ذلك وعانق خالد الذي يعتبره خاله كما اخبرته امه اما هي فتقدمت منهم وانزلته قائلة : مهو بسبب دلعك ودلالك الزايد ليه يا خالد بقى مقرود بالشكل دا.

فضحك خالد وقال : اعمل ايه يا مريم ؛ ابنك حتت سكره ومقدرش ازعله ابداً .

واستطردت الهام : ولو فضلتوا تتكلموا في الموضوع دا احنا هنتأخر على الشغل.

ردت عليها مريم : عندك حق… ادهم يلا تعالى اشرب اللبن بسرعة علشان نمشي.

فاضطر ادهم الصغير بأن يشرب الحليب لان خاله خالد قد وعده بأن ينزهه ان فعل ذلك ومن ثم خرجوا جميعاً من الشقة وصعدوا في السيارة ؛ توجهوا اولاً الى الروضة وبعدها ذهبوا إلى الشركة كما يفعلون كل يوم .

الساعة الثانية بعد الظهر…

حان موعد الاجتماع في شركة خالد فذهب كل من ادهم وكمال ومحمود الى هناك وكانت الهيبة تقطر منهم.. ارشدهم ديمتري الى قاعة الاجتماعات حيث كان رئيسه وبعض الموظفين ينتظرونهم الا مريم التي كانت تجهز بعض الاوراق من اجل اتمام الصفقة ..فقام كمال بتعريف ادهم على خالد وصافحه الاخير قائلاً : شرف كبير اني قابلت حضرتك اخيراً يا ادهم بيه .

فابتسم ادهم ابتسامة رسميه وقال : متشكر يا استاذ خالد.

خالد : اتفضلوا… هنبتدي الاجتماع لما تيجي مساعدتي وهي مش هتتأخر.

لم يكمل جملته حتى اتت مريم بطلتها الأنيقة وقالت : انا اسفة على التأخير يا حضرات.

في تلك اللحظة تفاجئ كل من كمال ومحمود عندما ظهرت امامهم وقال كمال بدون وعي : مريم مراد !

اما ادهم فنهض من مكانه وكان يحدق بها بغير تصديق كما فعلت هي المثل وما هي الا ثواني حتى أوقعت الاوراق من يدها وقالت بصدمة شديدة : ادهم !

~ الفصل التاسع ~

﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾

– نهض ادهم من مكانه عندما رأى مريم وكان يحدق بها بغير تصديق كما فعلت هي المثل ، وما هي إلا ثواني حتى أوقعت الاوراق من يدها وقالت بصدمة شديدة : ادهم !

اما خالد فاستغرب من الامر وقال بتساؤل : انتوا… تعرفوا بعض !

في تلك اللحظة شعر ادهم برغبة طاغية مستبدة تحرضه لكي يقترب منها ويعانقها بشدة فشوقه لها كان يفوق الخيال حيث انه تعذب لمدة اربع سنوات وخمسة اشهر بعد ان طلقها ولم يصدق انها تقف امامه حقاً… اخذ ينظر إليها بتمعن وهو مذهول من التغير الكبير الذي طرأ عليها ، لقد اصبحت اجمل عن ذي قبل كما ان مظهرها الخارجي يوحي بأنها اصبحت اكثر وعياً ونضجاً عن تلك الفتاة التي عرفها في السابق حيث كانت ترتدي ملابس انيقة اظهرتها بمظهر أمرأة قوية ومثقفة وملامح وجهها كانت تشع نوراً ويبدو انها كانت تعيش حياتها براحة كبيرة او ان امراً جيداً قد حصل لها.

اما هي فعادت بخطواتها للوراء وهي تحدق به بصدمة كبيرة وسرعان ما خرجت من قاعة الاجتماعات تحت انظار الجميع فانتفض ادهم من مكانه قائلاً : مريم…. استني !

قال ذلك ولحق بها دون أن يعير اهتماماً لأي شخص من الموجودين الامر الذي جعل الجميع يستغربون من تصرفهما وخصوصاً خالد الذي لحق بهما ايضاً كما فعل كمال ومحمود ذلك ولم يصدقا ان هذه المرأة الناجحة هي نفسها المبرمجة الصغيرة مريم مراد التي كانت تعمل معهم في السابق والتي اختفت فجأة دون سابق إنذار .

فذهبت مريم تمشي بخطوات سريعة اشبه بالركض وهي تُحدث نفسها قائلة : لأ… مش هضعف قدامه ومش هسيبه يأثر عليا من تاني…لأ يا مريم انتي مينفعش تقابليه مرة تانية والا هيكتشف سرك .

في تلك اللحظة شعرت بيد قوية تمسك بذراعها وتسحبها للوراء وعندما التفتت كان ذلك ادهم الذي سألها : رايحه فين يا مريم ؛ مش عايزه تسلمي عليا ولا ايه ؟

فنظرت إليه وحاولت التملص من قبضته خصوصاً لانه كان يمسك بها في ردهة الشركة امام جميع الموظفين فقالت بصوت اشبه للهمس : من فضلك سيب إيدي …احنا في مكان شغلي دلوقتي ومينفعش تعمل كدا .

فضغط ادهم على ذراعها بقوة اكبر وقال : ليه ، انتي خايفه جوزك يعرف عن علاقتنا ولا ايه ؟

مريم : ملكش دعوة بالموضوع دا ومن فضلك سيب إيدي بسرعة.

ادهم : مش هسيبها… وهشوف هتعملي ايه.

في تلك اللحظة شعر ادهم بيد رجولية ابعدت يده عنها وعندما التفت رأى خالد الذي سحب مريم من ذراعها وقال : انا معرفش انتوا ازاي تعرفوا بعض بس مش هسمح لأي شخص انه يلمس مريم غصب عنها لانها في حمايتي انا والكلام دا ينطبق على حضرتك انت كمان .

رسم ادهم شبح ابتسامة على زاوية شفتيه وقال بسخرية : قلت ايه !

وسرعان ما انفجر ضاحكاً كما لو كان مجنوناً مما جعل خالد ومريم وكمال ومحمود يندهشون من ردة فعلة فسيطر على نفسه ونظر الى مريم بنظرة مرعبة ثم سألها : هو دا مش كدا ؟

اما هي فقد فهمت قصده على الفور لذا ابعدت يد خالد عنها وقالت : ملكش دعوة.. واظن انك جيت هنا علشان الشغل يبقى متدخلش نفسك في اللي مالك فيه .

فصرخ بها قائلاً : مريم !!

اما كمال فقال : في ايه يا جماعة ؛ متفهمونا ايه اللي بيحصل ؟

نظرت مريم اليه وقالت : انا اسفه يا استاذ كمال بس مفيش حاجة مهمة لان الموضوع تافه ومش محتاج انك تتعب نفسك وتعرفه اصلاً .

بعد قولها ذاك تشنج وجه ادهم من شدة الغضب وبحركة واحدة امسك ذراعها وسحبها نحوه متجاهلاً الجميع وقال : احنا لازم نتكلم.

فتأوهت هي بألم اما خالد فقال بأنزعاج : انت مفتكر نفسك مين علشان تعمل كدا ؟

رمقه ادهم بنظرة مرعبة وقال بلهجة أمر : لو مش عايز تسمع خبر افلاسك بكرا في الاخبار يبقى خليك بعيد احسن .

قال ذلك ثم سحب مريم من يدها قائلاً : وانتي تعالي ورايا .

وبعدها خرجا من الشركة فحاول خالد ان يلحق بهما ولكن كمال اوقفه بقوله : لأ يا خالد ، خليك برا الموضوع احسن لان ادهم متعصب اوي دلوقتي والظاهر انه كان بيتكلم جد لما هددك من شوية ، يعني بلاش نعمل مشكله من ولا حاجة .

رد خالد بانزعاج : مش خالد نجم اللي بيتهدد يا كمال ولو كان ادهم دا ميعرفش..

– لم يكمل جملته لأنه ادرك شيئاً كان غائباً عن ذهنه فسأله كمال بقلق : انت كويس يا خالد ؟

فوضع خالد يده على جبينه وقال : ازاي مفكرتش بالموضوع دا قبل كدا ، دا هو ادهم …هي حتى سمت ابنها على اسمه يبقى اكيد هو.

عقد كمال حاجبيه وقال بتساؤل : انت بتتكلم عن ايه يا خالد ؟

فنظر خالد اليه وقال : ادهم بيه يبقى جوز مريم يا كمال… حتى انها سمت ابنها على اسمه .

في تلك اللحظة اتسعت عينا كمال وقال بفزع : بتقول ايه !

اما في الخارج…..

فكان ادهم يجر مريم خلفه وهو يضغط على ذراعها بينما كانت هي تعترض وتحاول التملص منه قائله : سيبني …انت عايز مني ايه ؟

التفت اليها والغضب يعلو وجهه وقال : الراجل اللي اسمه خالد نجم دا يبقى جوزك مش كدا ؟

مريم : قولتلك ملكش دعوة في الموضوع دا.

فامسك كتفيها وضغط عليها بقوة وصاح قائلاً : سألتك سؤال يبقى تجاوبي عليه بشكل صحيح…انتي متجوزه الراجل دا ولا لأ ؟

شعرت مريم بالخوف لانها رأته غاضب بشدة فقالت بتلعثم : ل.. لأ.. خالد مش جوزي.

ادهم : يبقى مين السافل اللي اتجوزك ؟

فعقدت حاجبيها وقالت بعصبية : ويهمك في ايه انك تعرف وبعدين انت ماسكني كدا ليه ؟

قالت ذلك ثم حاولت ان تتملص منه قائلة : سيبني بسرعة لان مش من حقك تلمسني يا ادهم.

فضغط ادهم على كتفيها وقال بتهور : ازاي مش من حقي …انتي نسيتي انك…

فقاطعته بقولها : اني طليقتك مش كدا ؟

تركها فوراً بعد سماع ذلك وكأنه كان منوماً مغناطيسياً وقد استيقظ اخيراً اما هي فأضافت : جرى ايه ، دلوقتي عقلك رجعلك واستوعبت اننا متطلقين ؟!

اغمض ادهم عيناه بشدة وتشنج وجهه فظهرت عظام فكه وهو يضغط على قبضته اما هي فسألته بحدة : ممكن اعرف انت ليه عملت المهزلة دي ؛ يعني استفدت ايه بعد كل اللي عملته دلوقتي ؟

فنظر إليها وقال : انا حر.. اعمل كل اللي انا عايزه وانتي ملكيش دعوة.

أومأت برأسها وقالت : كويس… اعمل كل اللي انت عايزه وبراحتك خالص بس خليك بعيد عني.

ثم ادارت ظهرها وارادت ان تغادر ولكن رنين هاتفها اوقفها ، فاخرجته من جيبها وعندما قرأت الاسم اجابت بسرعة باللغة الإنجليزية : اجل سونيا… ما الامر ؟

فقالت سونيا بنبرة باكية والتي كانت معلمة الاطفال في الروضة : اوه مريم … انه ابنكِ ادهم … لقد… لقد…

سيطر القلق على مريم وسألتها بقلق شديد : ما الذي حدث لأبني.. تكلمي !

في تلك اللحظة صدم ادهم عندما سمع ان لديها ابن اما سونيا فقالت : لقد كان يلعب ولكنه وقع من فوق الأرجوحة وتعرض لإصابة خطيرة في ساقه لذا نقلناه الى المستشفى التي بقرب الروضة …ومع الاسف هو بحاجة للدم بسرعة لذا يجب على افراد عائلته ان يتبرعوا له حالاً …هذا ما قاله الطبيب.

اوقعت مريم الهاتف من يدها ووضعت يديها على فمها وسرعان ما نزلت دموعها فاقترب ادهم منها ثم ربت على كتفها وسألها بقلق : في ايه يا مريم ، انتي كويسه ؟

ابعدت يده عنها وركضت بسرعة الى داخل الشركة اما هو فلحق بها وهو يناديها ..فصادفت خالد بطريقها ، وقد شعر بالقلق فوراً عندما رأها تبكي فاوقفها قائلاً : مالك يا مريم ، ليه بتعيطي ؟

فامسكت بقميصه وانفجرت بالبكاء قائلة : ابني يا خالد…ابني !

فسألها بخوف : حصله حاجة ؟

مريم ببكاء : دلوقتي سونيا اتصلت وقالت انه وقع وهو بيلعب وانهم نقلوه المستشفى .

فقال خالد بهلع : بتقولي ايه ، طيب هو.. هو كويس ؟

ازدادت مريم ببكائها وقالت : هي قالت ان حالته خطيرة وانه محتاج دم بسرعة والمصيبة انا زمرة دمي AB ومختلفة عن زمرة دمه…هنعمل ايه دلوقتي ؟

خالد : متخفيش.. اكيد الدكاترة هيلاقوا حل .

قال ذلك ثم مسح دموعها فاقترب ادهم منهما وسألها مجدداً : ايه اللي حصل يا مريم ؛ هو انتي عندك ابن ؟!

التفتت اليه وسرعان ما شع شعاع الأمل في وجهها فتشبثت بذراعه فجأة كما لو انها صمغ وقالت ببكاء وتوسل : ارجوك يا ادهم …ابني محتاج دم ومحدش هيقدر ينقذه غيرك… علشان كدا انت لازم تروح معايا المستشفى حالاً.

فنظر ادهم اليها بغرابة وسأل بشك : ا.. ازاي محدش هينقذه غيري ، وانتي عرفتي دا ازاي ؟

ازدادت بالبكاء قائلة : علشان…. علشان اكيد انت عندك نفس زمرة دمه …لانه…لانه…

قالت ذلك ثم انفجرت بالبكاء فامسك ادهم بكتفيها واخذ يهزها قائلاً بصراخ : لانه ايه… انطقي !

فقال خالد دون تردد : لان ابنها يبقى ابنك كمان وهو محتاجلك دلوقتي .

في تلك اللحظة اتى كمال ومحمود وسمعا ما قاله خالد فصدما وخصوصًا كمال الذي لم يكن يتوقع حدوث كل هذا … اما ادهم فتسمر بمكانه وكأن صاعقة رعدية قوية قد صعقته بشدة ، أتسعت عيناه وترك مريم ثم عاد للخلف بخطوتين وقال بصوت يكاد يختفي : ق… قولت …ايه !

اما كمال فقال : يا نهار اسود.

وتشبثت مريم بقميص ادهم واخذت تهزه قائلة : ارجوك مش وقت انك تنصدم دلوقتي… انت لازم تنقذه ابوس ايدك يا ادهم.

فنظر اليها بعيونه التي تجمعت بها الدموع وقال بعدم تصديق : ابني !!!

فصفعته بكل قوتها امام نظر الجميع الذين صدموا وخصوصاً محمود وقالت بصراخ : فوق بقى معندناش وقت للكلام دا دلوقتي .

في تلك اللحظة امسك خالد بكتفها وقال : ارجوكي اهدي يا مريم… وبالراحة على الراجل مش كدا ….هو دلوقتي عرف ان عنده ابن وفوق كل دا محتاج دم يعني اكيد صدمته كبيرة .

فاقترب كمال وامسك بذراع ادهم ثم قال : ادهم… انت كويس !

عاد ادهم الى وعيه وسأل : هو فين ؟

ثم امسك بكتف مريم وصرخ عليها قائلاً : انطقي !

اجابته بنبرة مرتجفة : في المستشفى اللي جنب الروضة.

فأمسك بذراعها وضغط عليها بشدة ثم نظر إلى خالد وقال : المفاتيح…اديني مفاتيح عربيتك.

خالد : مفيش داعي انك تتعب نفسك ، انا هوصل….

صاح به ادهم بزمجرة : بقولك اديني المفاتيح بسرعة !

فقال كمال : ادهم… ارجوك اهدا لان مينفعش تعمل كدا.

ادهم : ملكش دعوة يا كمال.

قال ذلك ثم نظر إلى خالد واضاف : لو مش هتديني مفاتيح عربيتك دلوقتي انا هقلب المكان دا فوق دماغك انت سامع ؟

فاخرج خالد مفاتيح سيارته من جيبه واعطاها لأدهم قائلاً : على فكره تهديداتك دي ما بتجبش معايا نتيجة… انا هديك المفاتيح علشان خاطر مريم لان ابنها الوحيد في خطر وانا مش عايز يجراله اي حاجة.

فاخذ ادهم مفاتيح السيارة منه وضغط على يد مريم التي كانت تبكي ثم قال : تعالي.

وبعدها اخذها وتوجه بها إلى موقف السيارات فوقف ينظر من حوله وسألها : اي وحده عربيته ؟

اشارت بيدها نحو سيارة سوداء وقالت وهي تبكي : اللي واقفة هناك.

فوجه جهاز التحكم عن بعد نحو السيارة واصدرت صوت يدل على انها فتحت ابوابها ثم سحبها من يدها والشرار يتطاير من عيناه وبعدها افلت يدها وصعد قائلاً : اركبي.

فصعدت بجانبه دون تردد وسرعان ما انطلق بالسيارة بأقصى سرعة ممكنة مما جعلها تتشبث بالكرسي لأنه لم يعطيها مجال لكي تضع حزام الأمان فسألها دون ان ينظر : انهي طريق ؟

فقالت : اللي على اليمين .

أنحرف بالسيارة لدرجة انها كدات ان تنقلب بهما وبعدها سألها مجدداً : ودلوقتي اروح منين ؟

مريم : افضل ماشي على طول وبعدها لف على جهة الشمال.

عودة إلى شركة خالد……

كان كمال يدور كالمجنون غير مصدق الامر فقال : ازاي حصل كل دا ؛ هو ادهم اتجوز مريم بجد وكمان عنده ابن منها طيب ليه محدش يعرف ؟

فامسك خالد بذراعه وقال : اهدا يا كمال وخلينا نلحقهم دلوقتي لان شكل ابن عمتك دا مجنون وجايز يأذي مريم في اي لحظة.

رد عليه كمال بعصبية : ادهم مش مجنون يا خالد…من فضلك متقولش عليه كدا.

فتنهد خالد وقال : طيب مش مجنون ؛ يلا خلينا نمشي .

– وبالفعل ذهب كل من كمال ومحمود برفقة خالد الى المستشفى بأحدى سيارات الشركة ، اما عند ادهم وريم… فكانا قد وصلا إلى المشفى بالفعل فنزلا من السيارة وركضت هي الى قسم الطوارئ وخلفها ادهم وعندما وصلا كانت سونيا هناك ؛ هرعت مريم نحوها وسألتها بلهفة وهي تبكي : ما الذي حدث لأبني يا سونيا واين هو الان ؟!

أجابتها سونيا الشقراء ذات العيون الزرقاء والتي كانت ترتجف : لقد… لقد ادخلوه الى العملية منذ قليل ولحسن الحظ انهم تمكنوا من ايجاد كيس دم في بنك الدم ولكن الطبيب قال ان كيساً واحداً لن يكفي.

هوت مريم على الارض بعد ان خارت قواها واخذت تبكي فكان على ادهم ان يتصرف لذا امسك بكتفيها وسألها : زمرته ايه ؟

فنظرت إليه بعيونها الباكية وقالت : A+

ادهم : زمرتي A+ ؛ هتتوافق مع زمرته.

قال ذلك ونظر إلى سونيا ثم سألها : اين استطيع التبرع بالدم ؟

اجابته : اذهب من هذا الاتجاه نحو الغرفة التي في نهاية الرواق.

فركض نحو الغرفة التي ارشدته سوينا عليها ووجدت ممرضة تحضر اكياس دم لاحد المرضى الاخرين فقال لها : ارجو المعذرة ولكن اخبروني بأنني استطيع التبرع بالدم هنا.

فنظرت اليه وسألته : ومن الشخص الذي ستتبرع له يا سيدي ؟

ادهم : انه ذلك الطفل الصغير الذي اصيب في الروضة .

الممرضة : حسناً… تفضل بالجلوس هنا من فضلك.

ادهم : حسناً.

– وبالفعل جلس وبدأت الممرضة تسحب منه الدم… اما مريم فكانت جالسة امام غرفة العمليات وهي تبكي بشدة بينما كانت سونيا جالسة بجانبها و تهدئ من روعها وفي تلك الثناء وصل كل من خالد وكمال ومعهما محمود الذي لم يكن يفقه شيئاً من كل ما حدث سوى ان ادهم تزوج من مريم وعندهما ابن ؛
ركضوا ثلاثتهم نحوها بسرعة اما هي فنهضت ورمت نفسها على خالد وهي تبكي قائلة : شفت اللي حصل يا خالد… هما دخلوه العملية.

فاخذ خالد يربت على كتفها قائلاً : شششش… خلاص متعيطيش وان شاء الله كل حاجه هتبقى تمام.

اما كمال فسألها : فين ادهم يا مريم ؟

اجابته وهي تشهق : هو راح علشان يتبرع بالدم.

في تلك اللحظة عاد ادهم وهو يضع قطنه بيضاء على ذراعه الأيمن وعندما رأى مريم تسند رأسها على كتف خالد تجمعت الشياطين حوله فرمى القطنه على الارض وتوجه نحوهم كما لو انه تسونامي هائج وبلمح البصر سحبها من يدها لتستقر بجانبه وصاح بخالد قائلاً : متلمسهاش !

تنهد خالد بنفاذ صبر وقال : اظن ان مش من حقك تعمل كدا بعد ما طلقتها.

فنظر ادهم الى مريم التي كانت بين نارين وامسك فكها وسألها بعصبية : حكيتيله على الموضوع دا كمان ؟

فابعدته عنها وصرخت وهي تبكي : كفايه ؛ انت مش شايف الحالة اللي احنا فيها دلوقتي … ابني الصغير في العمليه دلوقتي ومعرفش ايه اللي هيحصله وانت جاي تحاسبني على موضوع عدى عليه اربع سنين !

وبسبب قولها ذاك ازدادت الحيرة عند كمال ومحمود اما ادهم فصاح بها قائلاً : لو كنت اعرف انك حامل مكنتش طلقتك و مكنش دا حصل اساسا ً، بس انتي خدعتيني وكدبتي عليا لانك اكتر وحده انانية انا شفتها في حياتي ومش هسامحك لانك حرمتيني من ابني كل السنين اللي فاتت.

ازدادت مريم بالبكاء ولم تقل اي شيء اما خالد فقال : كفايه بقى ، انت مش شايف انها تعبانه دلوقتي ؟

فنظر ادهم اليه بنظرة ثاقبة وقال بصوت اشبه لفحيح الافاعي : انت بالذات ملكش دعوة… دي امور عائلية علشان كدا خليك بعيد.

فابتسم خالد بسخرية واردف : بما ان الموضع بقى عائلي يبقى انا مش هسمحلك تغلط في اختي اكتر من كدا.

استغرب ادهم وكمال من قول خالد وسأله الاخير : اختك ؟

فاحاط خالد كتف مريم بذراعه وقال بثقة : ايوا… مريم تبقى اختي الصغيرة وهكسر ايد كل واحد يأذيها.

وبعد قوله ذاك امسكه ادهم من ياقته وسأله بعصبية : هتكسر ايد مين يلاه ؛ انت مش عارف انا مين ؟

فتدخل كمال ومحمود عندما تأزم الوضع بين خالد وادهم الذي اصبح كالاسد الهائج وابعداهما عن بعضهما وصاح كمال بانزعاج : كفايه لحد كدا ، انتوا مش عيال صغيرين علشان تعملوا مشكلة من ولا حاجة.

فقال خالد : قول الكلام دا لأبن عمتك يا كمال مش ليا انا.

اما ادهم فسحب مريم من ذراعها وقال : انتي هتقفي هنا ومش عايز اسمعلك صوت.

فانتزعت يدها من قبضته وزجرته بحدة : متلمسنيش .

في تلك اللحظة خرج الطبيب من غرفة العمليّات فهرع الجميع نحوه وسألته مريم بلهفة : كيف حال ابني ايها الطبيب ؟؟

الطبيب : لحسن الحظ اننا تمكنا من ايقاف النزيف بسرعة والا لكان الأمر سيزداد سوءاً .

فتنفس الجميع الصعداء وسأله ادهم : متى نستطيع ان نراه ؟

الطبيب : هل انت والده ؟

فنظر ادهم الى مريم بنظرة يملؤها الغضب ثم اجاب : اجل… انا والده.

الطبيب : سنضعه في غرفة العناية لفترة قصيرة وبعدها سيتم نقله إلى غرفة خاصة عندها سوف تتمكنوا من رؤيته.

فقال خالد : وهل حالته مستقرة ، اقصد لا يوجد خطر على حياته الان اليس كذلك ؟

الطبيب : لحسن الحظ ان الشريان في فخذه لم يقطع لذا لا يوجد اي خطر على حياته الان ولكن يجب ان نراقبه جيداً فجسده صغير ومن المحتمل ان يدخل في صدمة ما بعد الحادثة ، والان عن اذنكم.

– ثم غادر الطبيب اما مريم فجلست على المقعد بجانب غرفة العمليات واخذت تحمد الله وهي تذرف الدموع لان الخطر قد زال عن ابنها وانحنى خالد على مستواها وامسك يدها قائلاً : خلاص يا مريم…متعيطيش ، اهو ابنك كويس والحمد لله وهيصحى قريب جداً.

ولكنها لم تتوقف عن البكاء ابداً واخذ الجميع يراقبها بصمت وخصوصاً ادهم الذي انتابته رغبة كبيرة في معانقتها ولكنه لم يفعل ذلك لان غضبه منها كان اكبر من اشتياقه لها فسألها بصوت أجش : اسمه ايه ؟

ألتفت الجميع اليه بمن فيهم مريم التي كانت تبكي فنهض خالد ثم نظر اليه واجابه بكلمة واحدة : ادهم.

نظر ادهم الى مريم وضحك كما لو كأنه فقد عقله ثم قال : يا بجاحتك والله ، وكمان مسمياه على اسمي !

فنهضت مريم وقد ضاقت ذرعًا به ثم ضربته بقوة على صدره لدرجة انه عاد للخلف من قوة دفعتها وصاحت به قائلة : امشي من هنا… انا مش عايزه اشوفك ولا عايزه اعرفك ابداً… كفايه اللي حصلي بسببك.

فأمسك بذراعها ولواه حتى اصبح خلف ظهرها و اراد خالد ان يتدخل ولكنه اوقفه بقوله : خليك مكانك.

قال ذلك ثم سحب مريم بعيداً وذهبا الى دَرّج الطوارئ وهناك افلت يدها ودفعها بقوة ثم قال : عايزاني امشي ، عايزه تحرميني من ابني مره تانيه يا مريم ؟

فجلست مريم تبكي على حافة الدرج وقالت : ارجوك كفايه لحد كدا.. انا تعبت من كل حاجة ومبقتش قادره استحمل اكتر من كدا.

قالت ذلك وانفجرت بالبكاء مجدداً فذرف ادخم دمعة وقال بنبرة حزينة : طيب وانا….ازاي قدرتي تبعديني عن ابني ؟

نظرت إليه ولم تنبس بكلمة واحدة فتابع يعاتبها : ازاي قدرتي تعملي فيا كدا يا مريم ، ليه قسيتي قلبك وبقيتي انانية وحرمتيني من ابني كل المدة دي ؟؟

قال ذلك ثم انحنى على مستواها وامسك بكتفيها واخذ يهزها قائلاً : قولي انك كدبتي وانك معملتيش كدا علشان تتجوزي… ارجوكِ يا مريم ريحي قلبي وقولي انك مخبتيش عليا حملك علشان اطلقك وتتجوزي واحد تاني.

فنظرت إليه بعيونها التي تحولت إلى اللون الأحمر من كثرة البكاء وقالت بصوت يكاد يختفي : انا… انا متجوزتش يا ادهم….انا مش متجوزه.

قالت ذلك ثم اغمضت عيناها وبكت اما هو فترك كتفيها ونهض وهو مصدوم وسألها : يعني ايه ؛ انتي كدبتي عليا علشان اطلقك ؟!

أومأت له برأسها دون ان تقول اي شيء فصرخ بها قائلاً : ليه … ليه عملتي كدا ودمرتي كل حاجة ؟

فقالت بصوتها المبحوح : انا عملت كل حاجة علشان ابني… مكنتش عايزاه يتربى بين اب وام اتجوزوا بسبب الفلوس.

فنزلت دموع ادهم مثل زخات المطر وقال بغضب : ومين قلك اني اتجوزتك علشان الفلوس ، دا انا عملت كدا عشان…

قال ذلك ولم يكمل جملته اما هي فنهضت وقالت : انا عملت كل حاجة علشان ابني ومكنتش عايزه اسبب لحضرتك المشاكل واخليك تحمل همنا ، وقررت اطلع من حياتك واعيش لوحدي انا وابني من غير ما نحملك مسؤوليتنا.

فامسك ادهم ذراعيها مجدداً وضغط عليهما بكل قوة وصرخ بها قائلاً : ومين سمحلك تتخذي قرارات مهمة زي دي لوحدك ؛ مين اداكي الحق علشان تحرميني من ابني انطقي ؟!

تألمت مريم من قبضته فقالت : سيبني يا ادهم…انت بتوجعني.

ادهم : وجعتك … امال اللي انتي عملتي فيا دا مش بيوجع ؛ ازاي قدرتي تخدعيني بالسهولة دي وانا علشان بحب….

قال ذلك والتزم صمت وهو ينظر اليها ثم دفعها بعيداً عنه واضاف بنبرة انكسار : مش هسامحك يا مريم…دلوقتي هوريكي ايه هو المعنى الحقيقي لغضب ادهم عزام السيوفي وهخليكي تندمي لانك حرمتيني من ابني .

قال ذلك ثم غادر بخطوات سريعة فلحقت به وهي تركض قائلة : هتعمل ايه ؛ اوعى تفكر اني هسمحلك تبعدني عن ابني.

فالتفت اليها وقال : هنشوف يا مريم.

فتسمرت في مكانها بينما تابع هو طريقه نحو غرفة العناية المركزة والغضب الشديد اعمى بصيرته فنظر اليه كل من كمال وخالد ومحمود ومعهما سونيا التي لم تفهم شيئاً مما حدث ولكي يكتمل العرض اتت الهام راكضة فتوجهت نحو خالد دون ان تنتبه لاي شخص آخر وسألته ببكاء : ايه اللي حصل لادهم يا خالد ؛ انا سمعت انه تعور اوي هو كويس ؟

امسك خالد يدها وقال : اهدي يا الهام… هو بقى كويس دلوقتي.

الهم : مريم… فين مريم !

قالت ذلك ثم التفتت حولها وعندما وجدت البقية يحدقون بها اتسعت عيناها بصدمة شديدة وخصوصاً عندما رأت ادهم فوضعت يدها على فمها اما هو فقال : اهي الحكاية وضحت بقى… انتي كمان هنا يبقى اكيد كنتي تعرفي كل حاجة وفضلتي ساكته !

فقالت الهام بتلعثم : انا… مكنتش..

فقاطعها ادهم بقوله : مش عايز اسمع صوتك دلوقتي وهحاسبك بعدين.

نظر اليه خالد وقال : مش شايف انك زودتها اوي…الهام دخلها ايه في الموضوع ؟

فاراد ادهم ان يرد عليه ولكنه صمت عندما سمع مريم تقول : خلاص يا خالد…متعبش نفسك .

التفت الجميع اليها اما الهام فركضت نحوها وعانقتها قائلة : انتي كويسه يا حبيبتي ؟

أجابتها مريم بصوت مبحوح وقد جفت الدموع في عيونها : متقليش يا الهام… كل حاجة هتبقى تمام.

ابتعدت الهام عنها قليلاً وسألتها بهمس : ايه اللي جاب ادهم السيوفي هنا يا مريم ؟

مريم : دي حكاية طويلة.

فاقترب خالد منهما ثم قال : تعالوا…خلونا نقعد …اكيد انتي تعبانه يا مريم ولازم تستريحي.

قال ذلك ثم امسك ذراعها وقادها حتى جلست على المقعد اما محمود فاراد ان يلطف الجو المتكهرب لذا قال بتوتر : وانا هروح اشتري حاجة ساقعه … حد عايز اجيبله معايا.

فقال كمال : جيب عصير لمريم …شكلها تعبانه ولازم تشرب حاجة.

محمود : حاضر.

وفي تلك اللحظة نظر ادهم إلى خالد وقال : تعالى ورايا… احنا لازم نتكلم.

قال ذلك وغادر فتنهد خالد ثم اراد ان يلحق به ولكن مريم امسكت ذراعه وهزت رأسها قائلة : مترحش يا خالد.

فابتسم لها وقال : متقلقيش… هرجع على طول.

قال ذلك ثم نظر إلى كمال والهام واضاف : خلو بالكوا منها.

وبعدها لحق بادهم الى الخارج فوجده واقفاً ويعطيه ظهره وبيده سيجارة كان يدخنها دون توقف فقال : انا بسمعك.

نفث ادهم الدخان من فمه وسأله بهدوء مميت : ايه هي علاقتك بمراتي ؟

ابتسم خالد باستهزاء ورد عليه : مبقتش مراتك… انت طلقتها من زمان.

فالتفت ادهم اليه ورمقه بنظرة مرعبة ولكن قال بهدوء : سألتك سؤال ولو مش عايز تشوف سنانك بيرقصوا قدامك دلوقتي يبقى تجاوب عليه بسرعة.

أتسعت ابتسامة السخرية على وجه خالد واردف : ممكن اعرف انت مفتكر نفسك مين علشان تهددني كل شوية بالطريقة الرجعية دي ؟

فاجابه ادهم وهو ينفث الدخان من فمه : اظن انك عارف انا مين وعارف اني مبهزرش ابداً علشان كدا جاوب على سؤالي بسرعة.

فتنهد خالد وقال : انا هجاوب على سؤالك مش لاني خايف من تهديدك ابداً وانما علشان انا انسان متحضر ومقدر الموقف اللي انت فيه وانك بتمر بحالة نفسية صعبة دلوقتي .

ادهم : متكترش كلام وقول ايه هي علاقتك بمراتي.

خالد : انا وهي زي الاخوات بالزبط…واحنا نعرف بعض بقالنا تقريباً خمس سنين وقابلتها هي والهام هنا في نيويورك وبقينا صحاب اوي وهما الاتنين بيشتغلوا في شركتي.

ادهم : وانت عايزني اصدق الكلام دا ؟

خالد : انت حر لو كنت عايز تصدق او لأ بس انا قولتلك كل اللي عندي.

ادهم : وهي قالتلك عن حكاتي معاها ؟

خالد : طبعاً… هي ما بتخبيش عليا اي حاجة حتى ابنها بيعتبرني خاله ولو مش مصدق تقدر تتأكد من الكلام دا بنفسك .

فرمى ادهم السيجارة من يده ثم دعس عليها بحذايه وقال : انت كداب.

قطب خالد حاجبيه وغمغم : مش هرد عليك لان مستوايا اعلى من كدا.

فانزعج ادهم من كلامه المستفز و انقض عليه ممسكاً بياقته وقال بصوت اشبه للهمس يبعث الرعب بالنفوس : متعصبنيش يا خالد نجم لاني ممكن احرقك دلوقتي ومش هعمل حساب لا لحكومة ولا لاي حد تاني .

في تلك اللحظة شعر خالد بالتوتر فقد ادرك اخيراً من هو امبراطور التجارة ادهم السيوفي الملقب بجبل الجليد وانه استفزه كثيراً لذا اراد ان يهدئ من روع هذا الاسد الهائج الذي انقض عليه في جزء من الثانية فقال : من فضلك سيبني لان اللي بتعمله دا مابيلقش ابداً براجل اعمال محترم .

فشعر ادهم بالرضا لانه استطاع ان يؤثر على هذا المتمرد فتركه وعاد للخلف قائلاً : ودلوقتي هتحكيلي على كل حاجة حصلت مع مريم خلال الاربع سنين اللي فاتوا وبكدا هتبقى صفحتك بيضه عندي.

عدل خالد ياقة قميصك ونظف حلقه قائلاً : هقولك كل حاجة بس بشرط واحد.

رفع ادهم حاجبه وسأله : وايه هو ؟

خالد : مش عايزك تجرح مشاعر مريم مرة تانية لانها مش ناقصه ابداً .

ادهم : انا اللي هقرر لو كنت هجرح مشاعرها ولا لأ .. ودلوقتي اتكلم.

– وبالفعل قام خالد بأخبار ادهم كيف تعرف على مريم والهام وكيف اصبحوا اصدقاء ولكنه لم يخبره عن الجزء المتعلق بحبه القديم لمريم وانه كان يرغب بالزواج منها لانه ادرك ان فعل ذلك فسوف يقتله ادهم لا محالة وخصوصاً لانه كان من الواضح عليه انه شديد الغيرة على طليقته .. كما واخبره ان ابنه ادهم الصغير قد ولد قبل اوانه وان مريم تعتبره كل شيء بالنسبة لها وانه حياتها التي تعيش من اجلها وكم تحبه وتخاف عليه من نسمة الهواء وعندما انتهى اضاف : ودلوقتي بقيت تعرف كل حاجة وازاي عاشت مريم كل السنين اللي فاتت من غيرك.

فقال ادهم وهو يكتف ذراعيه : انا هصدقك… بس لو اكتشفت انك خبيت عليا حاجة كدا ولا كدا فانت بقيت تعرف مين هو ادهم عزام السيوفي وممكن يعمل فيك ايه .

فتنهد خالد وقال : قلتلك ان تهديداتك مش هتنفع معايا فالاحسن انك توفرهم لحد تاني .

رسم ادهم ابتسامة خبيثة على زاوية شفتيه وقال : هنشوف.

ثم ادار ظهره وعاد إلى حيث كان البقية فتنفس خالد الصعداء وكأن حجر كبير قد ازيح عن صدره ثم لحق به الى حيث كانت مريم والبقية جالسين امام غرفة العناية المركزة.

تسارع في الاحداث……..

مر الوقت وكأنه دهور على مريم التي لم تجف لها دمعة وهي تنظر إلى ابنها الصغير النائم في غرفة العناية ، بينما كان خالد والهام جالسان بجانب بعضهما ويبدو عليهما التعب اما كمال ومحمود فقد عادا إلى الفندق لان ادهم طلب منهما ذلك ولم يستطيعا المجادلة معه ، وبالنسبة له فكان واقفاً في الزاوية يحدق بها بنظرات لم يستطع اي احد ان يفسر معناها وقد كان عابساً ويعقد حاجبيه بغضب واضح وفي الوقت ذاته كان وجهه حزين جداً ويبدو عليه التعب والإرهاق ، ولكن بغض النّظر عن كل هذا الا ان جزء من قلبه كان يشعر بسعادة لا توصف لانه اكتشف ان محبوته لم تخنه ولم تتزوج من غيره ابداً وما زاد فرحته هو اكتشاف وجود ابنه الذي انجبته هي واسمته بأسمه ايضاً.

فاراد ان يخفف عنها لان حبه لها تفوق على غضبه منها لذا اقترب منها قليلاً ووقف خلفها ثم قال بصوت اشبه للهمس : متخفيش…الدكتور قال ان مابقاش في خطر على حياته وهيصحى بعد ساعتين.

اغمضت مريم عيناها ونزلت دمعتها ولم تعلق بأي شيء ولكن قشعريرة سارت في جسدها عندما شعرت بيده الدافئة تحط على كتفها بلطف وخصوصاً عندما سألها بهمس : لسه كتفك بيوجعك بسببي ؟

استعادت رباطة جأشها ورفعت يدها ثم مسحت دموعها والتفتت اليه وقالت بقوة مصطنعة : من فضلك متلمسنيش ابداً ويا ريت تفضل بعيد عني وانا هبقى كويسه .

فعادت تعابير الغضب تعلو وجه ادهم لانها كانت مصرة على ان تبني جدار محصن يفصل بينهما ولا تريد ان تعطي علاقتهما اي فرصة… ابعد يده عن كتفها و الشرر يتطاير من عيناه ثم قال بانزعاج واضح : الحق مش عليكي .

قال ذلك ثم ادار ظهره وغادر مبتعداً عنها فنهض كل من خالد والهام وتقدما منها وقالت الاخيرة : ليه مصرة انك تعذبي نفسك يا مريم ؛ انتي بتحبيه وبتموتي فيه واضح انو بيحبك كمان يبقى ليه عايزه تبعديه عنك ؟

مريم : مش بيحبني يا الهام وانما عايز يحمل مسؤوليتي انا وابنه… بس مش هسيب اي حد يفرقني عن ابني حتى لو كان الشخص دا هو ادهم عزام السيوفي ذات نفسه.

فقال خالد : عايزه نصيحتي يا مريم بلاش تعملي عداوة مع الراجل دا لان باين عليه مش سهل ابداً وجايز لو كبرتي دماغك هيحرمك من ابنك فعلاً .

ردت مريم عليه بصراخ : ادهم ابني انا ومحدش هيقدر يحرمني منه …انا اللي حملت فيه سبع شهور وتعذبت لما خلفته مش هو.

فامسكت الهام بيدها وقالت : طيب خلاص يا حبيبتي… متعبيش نفسك والا حتنهاري دلوقتي .

خالد : الهام عندها حق… انا هروح اجيبلك حاجة تاكليها لانك ما كلتيش حاجة من الصبح.

قال ذلك ثم غادر وترك الفتيات لوحدهن… اما ادهم فكان واقفاً في الخارج يدخن السجائر بصمت مرعب بينما كان هواء الصيف العليل يلفح وجهه ، وكان يفكر بعمق وسرعان ما رمى سيجارته وعاد إلى الداخل ثم جلس بصمت على بعد اربعة امتار من مريم التي كانت جالسة وتسند رأسها على كتف الهام .

تسارع في الاحداث……

حل الليل وتم نقل ادهم الصغير الى غرفة خاصة وتجمع حوله كل من امه وابوه بينما غادر كل من خالد والهام لانهما ادركا ان مريم لا تحتاجهما خصوصاً لان حبيبها ادهم كان معها ؛ اما هو فابتسم بحنان بعد رؤيته لطفله الصغير الذي كان نائماً بعمق كما لو انه ملاك فاقترب منه ببطء ثم جلس بجانبه على السرير وقد نسي نفسه ونسي جبروته وقوته عندما سمح لدموعه بالنزول وهو يمسك باليد الصغيرة والتي ذكرته بيده عندما كان صغيراً فهو يشبهه بكل شيء… حتى طريقة نومه كانت نفسها .

قام بتقبيل يد ابنه وهو يغمض عيناه ودموعه لا تتوقف ثم اقترب من وجهه وقبله على جبينه وابتسم عندما تحرك الطفل فمسح على شعره وقال بصوت حنون : دا صغير اوي.

اجابته مريم التي كانت واقفه بقربه : انا خلفته قبل اوانه علشان كدا حجمه صغير.

فنظر إليها وقال : انا عايز ارجعه مصر…جيه الوقت علشان يعرف اصله و بلده الحقيقية.

فقالت مريم بقلق : عايز تاخدو مني ، انت… انت متقدرش تعمل كدا.

نهض ادهم من جانب ابنه ووقف امامها ثم قال : اظن ان دا حقي ، ابني لازم يتربى في بيت ابوه وفي بلده مش بين الاجانب.

مريم : مش هسمحلك تبعده عني يا ادهم.

ادهم : متقدريش تعملي اي حاجة لاني اتخذت قراري ومش هغيره ابداً.

فاخذت مريم تبكي وامسكت ذراعه قائلة : حرام عليك ، ازاي هتقدر تبعد طفل صغير عن امه !

فنظر ادهم الى يدها التي تحاوط ذراعه ثم نظر إلى وجهها واجابها بعصبية : زي ما انتي قدرتي تبعديه عني انا هقدر ابعده عنك ومش هسمحلك تشوفيه مره تانية ابداً .

في تلك اللحظة امسكت مريم بياقته وقالت بنبرة قوية : هقتلك يا ادهم ؛ والله العظيم هقتلك لو جربت تعمل كدا.

فابتسم ادهم شبح ابتسامة وقال : لا والله… طيب انا عندي حل هيرضي الطرفين.

سألته وهي ما تزال تمسك بياقة قميصه : ايه هو ؟

فرفع ادهم يديه ثم امسك كلتا يديها اللتان كانتا تمسكان بياقته وقال وهو ينظر في عينيها : لو عايزه ابنك يفضل في حضنك يبقى لازم تتجوزيني من تاني.

أتسعت عيناها المحمرتين وقالت : ايه !

رد عليها : اللي سمعتيه يا مريم.

رواية عن العشق والهوى.

بقلم نونا المصري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *