عرف صعيدي 6
الفصل الحادي والعشرون
( ولو بعد حين )
______________________________________
_ كادت أن تقتلع عينيها من مكانهما فور نطقه بتلك السخافة حتماً يمازحها، رمشت بعينيها عدة مرات تحاول هضم طلبه وعندما لم يستوعبه عقلها هتفت بعدم تصديق مصحوب بالدهشة:-
اتخبلت في مخك إياك، جواز ايه اللي هنتجوزوا من ورا أهلنا يا ضيف؟ شايفني رخـ,ـيصة للدرجة ديي جدامك عشان أوافج على طلبك ديه؟
_ أوصد ضيف عينيه ومال برأسه يميناً ويساراً مطقطقاً عنقه يحاول التحلي بالصبر قد المستطاع فأعصابه تالفة ولا يتحمل أي مناهدة في الأمر، عاد لينظر إليها محاولاً توضيح حُسن نواياه:-
أني رايدك مرتي وديه مش هيوحصل غير بالطريجة ديي، نحطهم كلاتهم جدام الأمر الواقع
_ حركت رأسها مستنكرة تلك الترهات، رفعت بصرها عليه بندم شديد لمجيئها إليه وعزمت على المغادرة لكنها ألقت آخر كلماتها معاتبة:-
أني اللي غلطانة إني جيت لك من أساسه فكرتني سهلة وهوافج على كل طلباتك الرخيصة
_ أولاته ظهرها لكنه لحق بها قبل أن تخطوا خطوة أخرى، أجبرها على الالتفاف إليه ثم سحب يده حين شعر بفداحة تصرفه من خلف نظراتها على يديه، سحب نفساً وهو يحاول إقناعها بشتى الطرق:-
أني مهجدرش اعمل غير أكده يا صفاء، أختي ممكن تتإذي لو اتجوزتك في العلن!.
_ تجهمت تعابير صفاء وهي تهز رأسها بتهكم فالأمر بدى أخرق بالنسبة لها، سألته مباشرةً حين فشلت في إيجاد سبباً لتدخل شقيقته في علاقتهم:-
واختك إيه اللي دخلها في اللي بينا مفهماش؟
_ الكلمات باتت أكثر صعوبة الأن، كيف سيخبرها بمرافقته لصباح؟، سحب نفساً وبنبرة أكثر هدوءً لكي لا يجرح مشاعرها قال:-
صباح أخت طاهر جوز مروة أختي…
_ لم يعد يستطيع مواصلة ما بدأه للتو فالأمر كان أصعب مما تصور، انتظرت صفاء بقية حديثه لكنه لم يفعل فاضطرت هي إلى سؤاله بحيرة من أمره:-
مالها صباح؟
_ لم يستطع متابعة حديثه وعينيه مواجهة عينيها، استدار بجسده وإلتقط قطعة خشبية ذو سِن حاد كانت تتوسط أوراق الشجر الذي يملئ المكان من حولهم، وقف أمام الشجرة موليها ظهره وبدأ ينحت في جزع الشجرة وهو يكمل بقية حديثه الناقص:-
كنت مرافجها..
_ شعر بغصة في حلقه لكنه أجبر لسانه على المواصلة:-
كان تسلية بس جت على دماغي في الآخر، مسكاني من يدي اللي بتوجعني، عملت تمثلية قذرة كيفها لحد ما جوزت أخوها لمروة عشان تكسرني بيها، تلوعي دراعي عشان اتجوزها كيف ما رسمت في خيالها وجت ما كنت بتنيل معاها.
_ أزفر أنفاسه براحة حتي انتهى من رويه لقصته المثيرة للإشمئزاز فتفاجئ بسؤال صفاء الذي ألجم لسانه وشُل عقله:-
كنت مرافجها وأنت تعرفني؟
_ خفق قلبه رعباً فلم يتوقع سؤالها ذاك، التفت إليها ورأى الخذلان يتجلي في عينيها منتظرة إجابته التي تحدد مصير علاقتهم، صمت حل بينهم لثوانٍ فاستشفت صفاء من عدم جرأته على إجابتها أن حدسها قد أصاب، شعرت بوخزة قوية في صدرها ولم تتمالك عبراتها التي سقطت رغماً عنها مرددة بتهكم:-
كنت مرافجنا اتنيناتنا!
_ إلتوى ثغرها للجانب مُشكلة إبتسامة على محياها تحولت إلى ضحكات ساخرة وتابعت مضيفة:-
ليك حج تطلب مني طلب كيف طلبك، ما أني الرخيصة اللي جبلت ترافجك وأنت اصلاً مرافج غيري، يا تري على أكده أني الأولى ولا هي مين اللي جاية على التانية؟
_ علم بأن الأمر لن يمرق على خير، فهناك الكثير من التبريرات والمعاتبة المصحوبة بالإيلام سيواجهها بعد، حاول تبرير وضعه أمامها فخرجت نبرته متلعثمة:-
متشبهيش علاقتي بيكي كيف علاقتي بيها، ديي كانت تسلية مش أكتر ملهاش مُسمي غير أكده حتى هي اللي كانت بتركض ورايا، عيبي الوحيد إني مصدتهاش، الجلالة خدتني مخابرش كنت بفكر في إيه وجتها بس اللي رايدك تعرفيه إني عمري ما حبيت غيرك، كلمة بحبك مخرجتش غير ليكي، جلبي مدجش إلا ما شاف عيونك، صدجيني يا صفاء أني…
_ قاطعته صفاء لاعنة سذاجتها التي استطاع من خلفها خدعاها بسهولة:-
أنت إيه يا ضيف؟ انت إيه ؟ أنت لعبت بيا كيف ما لعبت بيها تمام والمصيبة أنك لعبت بينا في وجت واحد، أنت استغفلتني يا ضيف، أكدت لي إني رخيصة ولا رخص التراب! أنت اندل واحد شوفته في حياتي، ياريتك تشوف أني شيفاك كيف دلوك هتتمنى الأرض تنشج وتبلعك، منك لله يا ضيف على كسرة جلبي اللي حاسة بيها ديي، وعلى كسرة نفسي وخاطري اللي هعيش بيهم طول عمري، بس أني اللي غبية أني اللي مسمعتش عجلي من لاول لما جالي يابت مفيش علاقات محرمة بتكمل وأني عاندت نفسي وصدجتك من خبلي.
_ انفجرت باكية حين تشتت عقلها وازدادت أفكارها اضطراباً وسوءاً وتخبطت بينهم، كالضائعة في صحراء جرداء لا تعلم يمينها من يسارها، أي طريق تسلك؟ أي وجهه سيكون سبيلها إلى بر الأمان، لا تدري فقط تشعر بالضياع دون غيره.
_ أمسك ضيف بذراعيها يحثها على التوقف وأردف بنبرة مختنقة متوسلاً إياها:-
والله غلطة مكنتش مش محسوبة
_ صرخت فيه صفاء هدراً:-
بعد يدك عني
_ أزاح يده من عليها متابعاً بكلماته التي يتمنى أن يؤثر بها عليها:-
أني ملعبتش بيكي يا صفاء، كان جدامك وأني بتجدم لعمك، يعني لو مش راجل صوح كيف ماشيفاني دلوك هتهرب منك وآخر حاجة هفكروا فيها الجواز بس أني من يوم ما عرفتك وأني مش بسعى لحاجة غير أكده، تعرفي إني اشتريت بيت من سبوع أكده وكنت ناوي أفاجئك بيه يوم ما اتجدم لك بس كل حاجة جت عكس اللي رتبت له، أني غلطت وبدفع تمن غلطتي ومستعد لأي حاجة إلا إني أخسرك وتبعدي عني، أني مكنتش ناوي أحكيلك عن صباح لأني مشيفهاش من أساسه بس هي شارطة عليا أني أطلب يدها لإما تإذي أختي، وأذتها فعلاً عشان توريني إنها مش بتاعت حديت لاه دي طلعت شيطان، عشان أكده فكرت في الجواز منك بالطريجة ديي
_ مال عليها وتابع بنبرة ولهانة:-
سامحيني على الغلطة اللي محسبتش عواقبها يا صفاء بس إوعاكي تهمليني
_ وضعت صفاء كلتى يديها أمام وجهها متمنية الإستيقاظ من ذلك الكابوس اللعين مردفة بتمنى:-
أكيد أني بحلم أكيد ديي مش حجيجة
_ أنتبه ضيف على رنين هاتفه وتفاجئ بتلك العقربة هي من تهاتفه، كاد أن يغلق عليها لكنه تريث حين راودته فكرة ما ربما تحسن من موقفه أمام صفاء، وضع سبابته أمام فمه يحثها على التوقف:-
ششش اسمعي
_ أجاب على المكالمة ودعس على زر مكبر الصوت فأتاه صوتها الذي يبغض سماعه:-
نسيت أجولك يا ضيف وأنت جاي تتجدم لي متنساش تجيب شكولاتة معاك عشان بحبها جوي
_ أغمض عينيه يكظم غضبه الذي يود الانفجار بها، سحب نفساً وبجمودٍ قاسِ أردف:-
أنتِ مصدجة إني جاي، ربنا يعينك على مخك الضِلم اللي مبيفهمش ديه
_ هنا صاحت به صباح منفعلة:-
أنت اللي مبتفهمش في الحديت أختك تحت يدي يعني روحك معايا يا ضيف، متختبرش صبري أني صبري له نهاية ونهايته مع نهاية ساعات النهار وسبج وجولتلك الليلة تكون في دارنا مع بوك تطلب يدي، اتجي شري يا ضيف عشان شري وحش جوي
_ أنهت صباح المكالمة فحاول ضيف أن يستشف أي شعور يطمئنه من وراء نظرات صفاء الجامدة لكنه فشل في فهم تعابيرها، أعاد وضع هاتفه في جيبه وهتف بقلة حيلة:-
سمعتي بودانك، عرفتي ليه طلبت منك نتجوز من غير ما حد يعرف!
_ مسحت صفاء عبراتها تحت نظرات ضيف المتوجسة خيفة من هدوئها المريب، فلم تكن كذلك قبل قليل، أهو نجح بتصرفه في توطيد علاقتهم ثانيةً أم ذلك هدوء الذي يسبق العاصفة؟
_ خرجت صفاء عن صمتها وأردفت بقسوة شديدة في لهجتها:-
الحل في كل ديه هو فراجنا، من لاول علاقتنا كانت غلط كبير وآن الأوان نصلحوه، من دلوك طُرجنا مختلفة يا ضيف ربنا يسعدك في حياتك الجاية.
_ أنهت جملتها وأولاته ظهرها لكنه أسرع بالوقوف أمامها يأبى قلبه فراقهم، كيف حكمت على علاقتهم بالفراق بتلك السهولة وكأن الذي بينهم بات بهاءاً منثورا، تشكل التهكم على تقاسيمه وحدثها بإزدراء:-
فراج إيه اللي بتجوليه عليه؟ بالسهولة ديي هتتخلي عني؟
_ أخفضت صفاء رأسها فلم تتحلى بالشجاعة في مواجهة عينيه وهي تودعه بكلماتها الأكثر نضجاً:- كل الطرج ليها نهاية وديي نهاية طريجنا يا ضيف
_ مرت بجواره دون إضافة المزيد وتركته واقفاً مذهولاً من حكمها الذي أتخذته بمفردها في علاقتهم، التفت ليتابع طيفها الذي يختفي من أمامه تدريجياً إلى أن بات خيالها سرابا
_ هل هذه نهاية المطاف؟ لكنه انتهى باكراً للغاية قبل حتى أن يحظي بلذة بدايته، يصغي ضيف لصدى أنفاسه المتهدجة ناهيك عن نبضاته التي شعر لوهلة باختراقهم لجسده من فرط قوتها.
_ حرك قدميه بصعوبة وعاد إلى منزله يجر أذيال خيبته خلفه، وقف قبالة والده الجالس على الأريكة يرتشف فنجان قهوته وأخرج ما يحتم عليه الواقع قوله:-
رايد أخطب صباح يا أبوي..
______________________________________
_ أنهت مروة طعام الغداء الذي أصرت على تناوله في تجمع عائلي، تبعها طاهر ليقوم بمساعدتها إن كانت بحاجة إلى ذلك فهو على دراية بألم ساقيها اليسرى التي لا تتحمل الضغط عليها.
_ غسل يديه بعدما انتهت هي من غسيل يديها ثم انضمت إليهم صباح بوجه بشوش يعكس ما تبطنه داخلها، لمحت مروة تلك الأرجوحة التي رأتها في الأمس من الشرفة وشعرت بإنجذاب قوي يدفعها إلى التوجه إليها.
_ دلفت للخارج ومن ثم سارت نحوها ولم تتردد في الجلوس أعلاها، أعادت لها الكثير من ذكريات الطفولة الجميلة، مشاعر بريئة قد اجتاحتها حينها، كم تمنت أن يدفعها أحدهم بقوة لتشعر بتحررها وعدم تقيديها كما في السابق.
_ لمحتها صباح من نافذة المطبخ وشعرت بالحقد يعصف بخلاياها حين رأتها تهرول إليها وعزمت بأن تخرب رونقها المزاجي، حمحمت ثم التفتت إلى حيث يقف طاهر الذي يطهي قهوته على نار هادئة وأردفت بخبث:-
مرتك بتتمرجح على مرجيحة حبيبة الجلب!
_ طالعها طاهر بملامح جامدة لم تستطع فهم ما يدور في عقله لكنها اكتفت بإخباره حتماً سينزعج من فعلتها و يرفض جلوسها عليها وحينها سينفطر قلب مروة حزناً وهذا تماماً ما سيعيد لصباح صفو رونقها.
_ كان قد أنتهى طاهر من طهي القهوة وسكبها في فنجانه الخاص وتوجه مباشرةً إلى الخارج بينما راقبت صباح تحركاته بفروغ صبر، وصل طاهر إلى مروة وسألها بنبرته المعهودة وهو يرتشف من القهوة قدراً:-
عجبتك؟
_ أجابته متلهفة:-
جوي
_ بهدوءاً أردف:-
أني اللي عاملها، تحبي أمرجحك؟
_ لمعت عيني مروة بوميض مختلف وردت عليه بحماس شديد:-
ياريت
_ ارتشف طاهر آخر ما تبقي من قهوته واقترب منها بخطى متريثة، وقف خلفها وحاوط الحبال المربوطة في فروع الشجرة بيديه وقام بدفعها بحذر فلم يشعر بخوفها فزاد من قوة دفعة فأطلقت مروة ضحكة عالية شاعرة بالسعادة تتغلغل إلى أعماق قلبها وهي تحلق كالطائر في السماء.
_ دقت طبول السعادة قلب طاهر حين شعر بأنه نجح في إدخال السرور على قلبها، فضميره لا يكف عن التأنيب حيالها ويشعر بظلمه لها وأنه جعلها ضحية زيجة ناتجة عن هروبه من ورد وحبها.
_ على جانب آخر، تشاهدهم كمن يقف على نيران متقدة تتآكلها الغيرة وهي تصغي لضحكات مروة فهذا مالم تتوقع حدوثه قط، لقد أرادت تعكير صفوهم ولكن في النهاية هي من تعكر صفوها، لكن لن تمرق الأمر قبل وضع بصمة داهية تعكر سعادتهم.
_ هرولت بخطاها إلى الخارج بوجه محتقن تغلي في عروقه الدماء، شكلت بسمة زائفة على محياها وهي تقترب منهم، انتظرت قليلاً لكي تجيد أداء الدور على أكمل وجه ثم هتفت بتلقائية مزيفة:-
زين أنك صلحتها لورد يا طاهر أديها مروة استنفعت بيها طلعت بتحبها كيف ورد تمام
_ تجهمت تعابير طاهر حين وقع على مسامعه سخافة حديث صباح ورمقها بنظرات مشتعلة فالمسألة لا تحتمل سيرة ورد مطلقاً فهي مشحونة من حروف إسمها بمفردها وجائت هي بكل سهولة أضافت وقوداً على النار فازداد لهيبها.
_ صدمت مروة من حديث صباح، ازدردت ريقها بصعوبة وسألتها بتوجس من سماع إجابتها:-
ديي مرجيحة ورد؟
_ لبست صباح ثوب التلقائية العابثة مجيبة إياها بتصنع مع إيماءة خفيفة من رأسها للتأكيد:-
إيوة طاهر اللي عملها زمان وأحنا بنتة صغيرين وكانت اتجطعت وهو بردك اللي صليحها السبوع اللي فات لما كانت ورد إهنه
_ بهدوءاً تام نهضت مروة من عليها محاولة إيجاد مبرراً للهرب من أمامهم، شعرت حينها بألم طفيف في بطنها فانتهزت الفرصة وقالت وهي ممسكة ببطنها:-
عن إذنكم بطني مو…..تتني من الوجع محتاجة أرتاح
_ انصرفت من أمامهم في أقل من الثانيتين فأسرع طاهر بنهر صباح مغتاظاً من حماقتها التي افتعلتها:-
حمار بيتحدت!! كيف تجوليلها أنها بتاعت ورد وأني اللي عاملها ليها؟
_ حركت رأسها حين لم تأتي بتفسير واضح لتذمره مردده ببرود:-
وديي فيها ايه عاد؟ ورد بت عمك وأكيد ليك ذكريات ياما معاها فين المشكلة؟ أنت بس اللي حساس شويتين لأنك ممعتبرهاش بت عمك وبس لكن مروة مخابراش.
_ أنهت جملتها وعادت إلى المنزل بينما وقف طاهر يجمع شتات وجدانه متمتماً داخله:-
ديه لو مغلطتش جدامها جبل أكده بإسمها واكيد شاكة في حاجة لاه ده أكيد متوكدة!!
_ أوصد جفنيه بعصبية بالغة ثم عاد إلى المنزل يحاول استشفاف أي شعور تعيشه من خلف تقاسيمها، أدار مقبض باب غرفته وولج للداخل بعدما طرق عليه معلناً عن مجيئه، نظراته لم تُرفع من عليها، لاحظ تعقيدات وجهها التي ترسمها من آن لآخر وكأن هناك ما يؤلمها فعلياً وليست مبرراً للهرب كما أعتقد.
_ جلس أمامها ولم يتردد في سؤالها مهتماً لأمرها:-
كانك بتتوجعي من حاجة صوح؟
_ أماءت له بتأكيد ثم تشنجنت تعابيرها مرة أخرى وهي تردف بتعب:-
بطني بتتجطع..
_ انخلع قلب طاهر حين رأى آلامها الظاهر، نهض من جلسته مردداً بتوجس بالغ:-
جومي نروحوا المستوصف نطمنوا عليكي
_ تذكرت مروة ميعاداً ما، سحبت هاتفها من جانبها وطالعت تاريخ اليوم الذي أوضح لها حقيقة تقلصات بطنها، أعادت وضع الهاتف مكانه ورفعت بصرها على طاهر بحياء قد اجتاحها فكيف ستخبره بهذا؟
_ عضت على شفتيها السفلى بإرتباك حرِج واضطرت إلى إخباره بميعادها من كل شهر حين رأت إصراره على الذهاب إلى المشفى، أخفضت رأسها بخجل شديد فالأمر بات مخجلاً للغاية كما تلونت وجنتيها بالحُمرة نتيجة لنظراته التي لم ترفع بعد من عليها.
_ انتبهت مروة على سؤاله الحنون:-
وديي بتاخدي لها حاجة تخفف من وجعك ولا بتعملي معاها ايه؟
_ ردت عليه وهي منسكة الرأس فحيائها قد منعها من النظر إليه:-
بشرب جرفة ولو الوجع مخفش بملي ميه دافية في إزازة وأحطها على بطني بتهدي التشنجات ديي هبابه.
_ أخذ طاهر شهيقاً وأزفره بتهمل ثم دلف للخارج دون أن تعلم هي وجهته، هبط إلى المطبخ وبدأ في تحضير مشروب قرفة لها وعلى نار أخرى وضع إناء به بعض المياه ووقف ينتظر الإنتهاء من كليهما.
_ انضمت إليه ثريا وسألته بفضول أنثوي لعلها تساعده في شيئ ما إن كان بحاجة إليها:-
بتعمل ايه يا ولدي أساعدك في حاجة؟
_ اومأ لها طاهر بالرفض موضحاً:-
لاه ياما تسلمي، بعمل جرفة ومية دافية لمروة بطنها بتوجعها هبابة
_ استشفت ثريا ما وراء الأمر حين أخبرها بتحضيره للقرفة، إلتوى ثغرها ببسمة عريضة وربتت على ظهره بحب واضح:-
ربنا يجعلك حنين يا ولدي طول العمر
_ تنهدت بصوت مسموع وتابعت ما لم تكمله:-
اوعاكي يا ولدي تقسى على مرتك واصل ولا تمد يدك عليها وافتكر إن معاملتك مع مرتك هتتردلك في اختك، عزز منيها لأنها بت ناس وبنتة الناس يتعاملوا زين مش ناخدهم نبهدلهم معانا.
_ بادلها طاهر بابتسامة عذبة وهتف بنبرته الرخيمة وهو يسكب مشروب القرفه في كوب عميق:-
أكيد ياما متجلجيش
_ قام طاهر بملئ المياه في زجاجة صغيرة وقبل أن يغادر أوقفته والدته نادمة على ما فعلته به طيلة الأعوام الماضية:-
ياريتني ما وجفت في طريج سعادتك يا ولدي وجفلت كل الطرج جدامك إنك تاخد ورد بت عمك أني خابرة زين كيف بتح…
_ قاطعها طاهر مستاءً من ذكر إسمها المتكرر في أوقات ليست في محلها:-
ورد ماضي وراح لحاله ياما وإذا سمحتي بلاش سيرتها تاجي تاني إهنه عشان مروة متزعلش، مروة طيبة وربنا رضاني بيها معايزش يوحصل مشكلة من ورا سيرة ورد ديي
_ أماءت له بقبول لطلبه ودعت له بقلب سليم:-
ربنا يسعدك يا ولدي ويرزجك الذرية الصالحة
_ آمن طاهر على دعائها ثم استأذنها وعاد إلى غرفته، تفاجئت مروة بحمله لزجاجه المياه وبيده الأخرى كوباً، لم يكن هناك داعي للتخمين فرائحة القرفة النفاذة قد تسللت إلى داخل أنفها.
_ جلس بجوارها وناولها الزجاجة ثم وضع كوب القرفة أعلى الكومود مردداً:-
حطي المية على بطنك على لما الجرفة تبرد هبابة
_ دقت أسارير السعادة قلبها من فرط حنيته، تقوس ثغرها بإبتسامة ممتنة وأردفت شاكرة إياه:-
متشكرة جوي يا طاهر
_ عقد ما بين حاجبيه بغرابة وهتف متسائلاً بفضول ذكوري:-
بتتشكريني على ايه؟
_ عللت مروة سبب امتنانها:-
أنك اهتميت وجبت لي اللي يهون وجعي
_ حاول أن يزيل التكلف من بينهم بقوله:-
مفيهش حاجة أي راجل هيعمل أكده مع مرته
_ اماءت له نافية ما قاله موضحة حقيقة اعتقاده:-
لاه مش كل راجل حنين كيف حنيتك ديي على مرته، حنيتك حلوة جوي أني حبيتها
_ تفاجئ طاهر بتصريحها الذي لا يعلم أهذا بمثابة تصريح لشخصه أم فقط لصفته، لن ينكر أن في كلتى الحالتين ليس مزعوجاً لكن هناك شيئاً ما دخله يريد تصريح واضح منها على حبها له، هو في أشد الحاجة إلى ذلك.
_ ابتلع ريقه وهو يتخبط بين أفكاره التي تحثه على سؤالها وبين رفضه، فضوله قد تغلب عليه وسألها بإرتباك خجل:-
بتحبي حنيتي بس؟
_ سؤاله سبب لها الهياج في نبضاتها، هربت من نظره الذي ينتظر إجابتها وأخفضت بصرها في حياء، فركت أصابعها بتوتر بائن وهي تجمع شتات نفسها الذي تفرق، رفع طاهر وجهها بأنامله ليقابل عينيها مصراً على سماع إجابة واضحة منها.
_ عضت على شفتيها وبصعوبة بالغة قابلتها في إخراج الكلمات أخيراً أردفت بنبرة خافتة:-
وبحبك أنت كماني
_ ظهرت شبح إبتسامة على ثغر طاهر وشعر أنه يود أن يكافئ تلك الشفاه التي صرحت بحبها له، لم يتردد في التودد إليها حيث انحنى على شفتيها وانهال عليهم بقبلة رقيقة فوجئت بها مروة.
_ كانت تلك قُبلتهم الأولى، لم تحظي بها يوم زفافهم، كان أكثر نعومة ورقة سببت لها قشعريرة
قوية في ثائر بدنها، حاولت مسايرته رغم افتقارها إلى إتقان دورها، طالت قُبلته وكأنه يروي ظمأه، أخيراً ابتعد عنها حين شعر بالإكتفاء القليل وسألها باهتمام:-
بطنك عاملة إيه دلوك؟
_ أجابته بعكس ما تشعر به مختصرة فلا تريد إحزان قلبه الحنون:-
أحسن
_ لم تكون كذلك فلقد إزداد تشنج بطنها عن ذي قبل بسبب تصرفه المفاجئ، صغى كليهما إلى ندائات حمدان المتكررة على طاهر الذي توجه للخارج ملبياً ندائه بينما مروة خفق قلبها كأنها تعيش اللحظة ذاتها من جديد، أخرجتها تقلصات رحِمها من ذكراها الجميلة فالتقطت كوب القرفة وارتشفت منه القليل على أملاٍ أن يهدئ من ألامها.
______________________________________
_ عاد إلى السرايا بعد يوم شاق قضاه في عمله، أمرت السيدة نادرة بتحضير الغداء فور مجيئه، صعد هو إلى الأعلى يبدل ثيابه، استقبلته ورد بوجه عابس يعكس ما ورائه من مصيبة قد حدثت.
_ قطب جبينه بغرابة ولم يتردد في سؤالها قائلاً:-
مالك يا ورد حوصل حاجة؟
_ انفجرت به ورد بإنفعال:-
صاحبك ديه عديم الرجولة والنخوة بيتوعد مع بنتة الخلج ويلعب بيهم في وجت واحد أخدهم دوريات حضرته!
_ امتعض مصطفى لنبرتها التي تحادثه بها وبنفس انفعالها حدثها:-
وطي حسك وأنتِ بتتحدتي معايا وتجصدي مين بالحديت ديه؟
_ أصدرت ورد قهقه ساخرة مجيبة إياه بمضضٍ:-
كانك مخابرش مين؟ إحنا بس نجولوا عديم النخوة تتفهم على طول أنه ضيف
_ استشف مصطفى الأمر لكنه مزعوج من نبرتها المرتفعة التي تهاجمه بها ناهيك عن سبابها لصديقه، لم يرضى تصرفاتها الغبية التي بدت عليها ونهرها بعصبية شديدة:-
جولت لك وطي حسك، وحاسبي على حديتك عنيه، ثم تعالي إهنه أنتِ مالك بيه عاد؟
_ اتسعت مقلتيها تلقائياً مبدية ذهولها من سؤاله الساذج وأوضحت له سبب تدخلها في الأمر:-
أني مالي؟ صفاء اللي لعب بيها ديي تبجي صحبتي وزعلها يهمني، والتانية اللي اتسلى بيها بردك تبجي بت عمي يبجي أدخل ولا لاه؟
_ بعصبية فاقت الحدود دوى صوته في الغرفة:-
لاه متدخليش، بت عمك ديي أقذر من إنك تخلطي نفسك بيها، بتجولي بت عمي بعجرفة جوي وهي شمال مشيها بطال هتركض ورا الرجالة!
_ صعقت ورد لما يخبرها به، أبت تصديقه فمهما كان بينهن لن تصدق عنها افترائه الجرئ ونهرته معنفة:-
متجولش على بت عمي أكده واصل، صاحبك هو اللي خسيس و…
_ قطع مصطفى كلماتها بوضعه راحة يده على فمها محذرها:-
صدجيني يا ورد لو خشمك ديه كمل حديته لهزعلك بالجامد
_ سحب يده وهو يطالعها بنظرات مشتعلة وأضاف متابعاً بنبرة أهدى لكنها حازمة:-
وبعد أكده وجت ما أدخل من الباب ديه ملجيش بوزك الأبرم ديه لأيتها سبب، وتاني مرة حِسك ميعلاش عليا اللهم بلغت اللهم فاشهد
_ أولاها ظهره وأخذ جلباب أخر يبدل فيها عن التي باتت متسخة عليه، دخل للمرحاض وتنعم بإستحمام بارد لعله يهدئ من أعصابه المشدودة.
_ خرج في حالة مهندمة غير التي كان عليها، وضع من قنينة عطره الخاص الذي انتشر في الأرجاء سريعاً، تعمد عدم النظر إليها فهو غاضب وبشدة منها، لقد قام بتدليلها بكثرة ولم يحسب أنه يخطئ في حق نفسه بفعله ذلك.
_ طُرق الباب من قِبل أحدهم فتوجه مصطفى نحوه بقامة منتصبة ووجه متجهم، فتح الباب فإذا بها صفية أخبرته بانتهائها من تحضير الغداء، انصرفت فور علمها بنزوله خلفها، وقف مصطفى مولي ورد ظهره وحدثها دون أن يتلفت:-
جومي عشان نتغدى
_ عارضته ورد فأي طعام سيُهضم بعد مشادتهم أمام بعضهم والأحر أنه يحادثها وكأنه لا يوجد ثمة سوء تفاهم بينهم:-
مليش نفس للوكل
_ كز هو على أسنانه ثم ألقى بحديثه في الوسط بنبرة صارمة:-
أني نازل ألاجيكي ورايا طوالي ومتخلنيش أعيد حديتي مرتين
_ انسحب للخارج وأغلق الباب خلفه، هبط الأدراج بملل كبير، فلم يهبطه بمفرده منذ أن توطدت العلاقة بينه وبين ورد، أزفر أنفاسه بضجر بائن حين تذكر أسلوبها الفظ معه.
_ كان أول الجالسين على المائدة، انضمت إليه والدته متسائلة عن ورد باهتمام فلم يسبق له الجلوس بمفرده من دونها:-
فينها ورد منزلتش معاك ليه؟
_ أجابها وعينيه مثبتة على الطابق العلوي لعله يلمح طيفها:-
نازلة ورايا أهي ياما
_ حضر خليل هو الآخر وسأله عنها فأجابه بالحديث نفسه مثلما أجاب به على سؤال والدته، كان يهز قدميه بعصبية ناهيك عن الصوت الذي يصدره بأصابعه التي تنسدل على الطاولة واحدة تلو الأخر،
_ لاحظ كليهما توتر حالة مصطفى وإلتزما الصمت حتى لا يسببوا له الضيق إذا لاحظ انتباههم لحالته المتوترة، هذا يكفي إلى ذاك الحد انتفض مصطفى من مقعده وكاد أن يهم بالصعود إليها لكنه تريث حين رآها تهبط أدراج السُلم، عاد لمقعده من جديد بينما ألقت عليهم ورد التحية فأجابها خليل ونادرة في نفسٍ واحد، شاركتهن الطاولة التي لم يتناولن عليها سوى الطعام فقط دون حديث.
______________________________________
_ جهزت السيدة سنية حقيبتها وجميع مستلزمات سفرها، وتممت على المنزل جيداً قبل أن تغادر، ركبت عربة ‘التوكتوك’ التي أوصلتها إلى سرايا العمدة، ترجلت منها وحملت حقيبتها بيدها وتوجهت إلى الداخل.
_ قرعت رنين الجرس وانتظرت أمامه لحين استقبالها أحدهم، فتحت لها هويدا مرحبة بها بحفاوة:-
أهلا يا أم ورد اتفضلي
_ بادلتها سنية إبتسامة رقيقة ثم خطت بقدمها إلى الداخل، كانوا قد انتهوا لتوهم من تناولهم للطعام، قطبت ورد جبينها حين رأت والدتها ومعها حقيبة سفرها، هرولت إليها في قلق وسألتها مستفسرة:-
اهلا يا أما ايه الشنط ديي أنتِ مسافرة ولا ايه؟
_ أقبلت عليهم السيدة نادرة برفقة مصطفى وقالت:-
همليها تاخد نفسها لاول يا ورد
_ رحب بها خليل هاتفاً:-
كيف أحوالك يا أم ورد إن شالله تكوني بخير
_ أجابته ممتنة:-
بخير الحمد لله يا عمدة
_ رحبت بها السيدة نادرة وكذلك مصطفى ثم وجهت سنية بصرها على ورد التي لا تطيق الإنتظار لمعرفة سبب حملها لتلك الحقيبة:-
رايدة اتحدت وياكي يا ورد
_ أماءت لها بقبول واصطحبتها إلى الأعلى حيث غرفتها، جلسن على الأريكة وبدأت سنية في حديثها متلعثمة لا تدري من أين تبدأ تحديداً:-
أني معاودة لدار خالك النهاردة
_ عقدت حاجبيها بغرابة فهي على علم بمكوثها لآخر ايام الأسبوع فما الذي جد؟، أسرعت في سؤالها بحيرة:-
مش جولتي هتجعدي إهنه لآخر السبوع!
_ شهيقاً وزفيراً فعلت سنية لا تود إخبارها بما حدث لكنها مضطرة فلن ينطلي على ورد أي مبررات ستعلل بهم سبب ذهابها، فغرت فاها وبخذي واضح أردفت:-
حمدان الكلب اتهجم عليا لولا مرته اللي انقذتني من تحت يده
_ لم تريد ورد تصديق تفكيرها العقيم وحاولت التأكد أولاً:-
اتهجم عليكي كيف يعني، مد يده عليكي؟
_ أخفضت السيدة سنية رأسها وبخجل مصحوب بالتقزز عقبت:-
لاه، اتهجم عليا يا ورد افهمي..
_ أصدرت ورد شهقة قوية كتمتها بوضعها ليدها على فمها، جحظت عينيها بصدمة جلية انعكست على تعابيرها، بعد ثوانٍ عادت إلى صوابها وسألتها بخوف:-
أنتِ زينة طالك أذى منيه؟
_ حركت سنية رأسها نافية أسئلة ورد التي انتفضت من مقعدها متوعدة لذاك الدنئ أشر الوعيد:-
والله لأجطعه نثاير النجس ديه وأعرفه أن الله حج
_ أسرعت سنية في إيقافها عما تنوي فعله:-
لاه يا ورد لاه ديه بالذات مليكش صالح بيه واصل، لا ترمي له السلام ولا حتى تعاديه، ديه عقابه عند ربنا يابتي هو مُطلع وجادر يخسف بيه الأرض
_ أبت ورد الرضوخ لإستسلام والدتها فلن تتراجع قبل أن تلقنه درساً يظل بقية حياته يتذكر قساوته:-
أني لازم اخليه يركع تحت رجلك ويطلب السماح!
_ منعتها سنية من التهور صارخة بخوف:-
ديه جتال جُتلة بعدي عن طريجه
_ لحظة سكون عمت اختلطت فيها مشاعرهم المذهولة والنادمة، لم تكن تنوي السيدة سنية في البوح عن قت،ـ,ـل حمدان لهلال، عادت إلى مقعدها وأخفضت رأسها واضعة كلتى يديها أعلى رأسها خافية معالم وجهها تماماً عن ورد.
_ وقفت ورد تردد تلقيب والدتها لحمدان بالقا…..تل، فمن قتـ,ـله إذاً؟ دنت منها وبتوتر ألقت بسؤالها:-
حمدان جتل مين ياما؟
_ رفعت السيدة سنية رأسها محاولة نفي ما قالته:-
حمدان مجتلش حد يا ورد ديه من غيظي يابتي جولت أكده
_ جست ورد على ركبيتها أمام والدتها ولم تكترث لما تحاول نفيه وهتفت بحدة:-
جولي ياما مين اللي اتجتل
_ هربت سنية بنظرها بعيداً عنها ولم تدلي بالحقيقة، لا تريد أن يصيب حدسها تلك المرة، تريدها أن تنفي ظنونها التي سيطرت على تفكيرها بالكامل، شهيقاً وزفيراً فعلت ورد وهي تكاد تسمع صدى نبضاتها الذي يعلوا كلما ترسخت الحقيقة في عقلها.
”مفيش حد اتجتل غيره، هلال!، حمدان جتل هلال ياما؟”
_ شعرت سنية بثقل تريدهم من قِبل ورد، لم تفعل سوى اللطم على رأسها حين تذكرت حادثة هلال بصورة واضحة لطالما طردت تلك الذكرى اللعينة من عقلها كلما حاول شيطان أفكارها التلاعب بها من خلالها.
_ نهضت ورد من جلستها وألقت جسدها بإهمال على الأريكة بجوار والدتها في حالة صدمة مصحوبة بعدم التصديق لحدسها الذي أصاب تلك المرة وكأن عقلها شُل، هزت والدتها بعنف مرددة بقوة:-
جولي لاه ياما مش هو اللي عمل أكده، استحلفتك بالله تردي عليا تجولي الحجيجة
_ ظلت سنية تضر…ب رأسها من خلف المصيبة التي حلت عليها وهتفت نادبة:-
منك لله يا حمدان، الدنيا خربت من تحت راسك ربنا ينتجم منك.
_ توقف عقل ورد عن التفكير، أدركت حجم الكارثة التي تسببت فيها بغشوميتها، هي السبب في قـ,ـتل هلال! هي المتسببة في إحزان عائلة كاملة على فراق فلذة كبدهم، هي من حرمت أم من رؤية صغيرها يعيش ريعان شبابه، المتسببة في كل شيئ حدث لتلك العائلة بحكمها الغبي الذي حكمت به علي هلال يوم زفافهم!!
_ حتماً ستُعاقب أشد العِقاب ما إن علم مصطفى بتلك الكار….ثة التي أشعلت هي فتيلها، لكن لا يهم إن عُقبت فهي تستحق ذلك، ولها مثل ما فعلت ولو بعد حين.
_ خرجت عن صمتها وهي تردد:-
يوحصل اللي يوحصل أني اللي جنيت على روحي
_ طالعتها السيدة سنية بطرف عينيها فلم تستشف ما ترمي إليه ورد وسألتها بتوجس:-
يعني إيه اللي بتجوليه ديه؟
_ انتفضت ورد من مقعدها حاسمة أمرها على عدم الصمت، فضميرها لا يسمح لها بالتكتم على الأمر يكفي ما تسببت فيه حتى وإن كلف الأمر طلاقه منها، فورد الأن في حالة لا يرثي لها من خلف فعلتها الدنيئة ولن تهدأ قبل أن تعاقب نفسها علي ما اقترفته في حق الجميع.
_ أسرعت سنية خلف ورد ناحية الباب ووقفت بينها وبينه مُشكلة حاجز وهي تحاول منعها بشتى الطرق:-
اعجلي يا ورد وبلاها غشومية هتخربي على نفسك يا ضنايا
_ جهشت ورد باكية بمرارة حارقة، لا تستطيع استيعاب أنها تسببت في فعل كبيرة من الكبائر الذي نهانا الله عن فعلها، حاولت تجميع الكلمات على لسانها وردت عليه بنبرة غير مفهومة:-
بعدي ياما مصطفى لازمن يعرِف
_ تدرك السيدة سنية حجم الألم الذي تعيشه إبنتها من خلف ما أخبرتها به فحتماً تُحمل ذلك الإثم لذاتها، لكنها لن تسمح لها بهدم عُشها الذي تبدلت أحواله لتوه وصرخت فيها هدراً:-
هتجوليله ايه هتجوليله عمي جتل خوك!! ديي فيها طلاجك وخراب ديارك يا ورد!
_ هدأن كلتاهن حين استمعن إلى إرتطام شيئ ما دوى في الخارج، اتسعت حدقتيهن بصدمة سيطرت على خلاياهم، حركت ورد قدميها إلى الأمام، تنحت والدتها للجانب سامحة بها بالمرور، وقفت ورد تلتقط أنفاسها ثم أدارت مقبض الباب بتهمل وكانت المفاجئة….
عُرف_صعيدي
الفصل الثاني والعشرون
( غير قابل للمواجهة )
______________________________________
_ وقفت على آخر درجات السُلم تطالعه بزروقتيها الذي انطفئ وميضهم اللامع، يخلوا جوفها من المشاعر، باتت باردة جامدة لا تقدر على فعل شيء سوى مطالعته دون حديث…
_ وبعد وقت مضى لا تعلم كم تحديداً حركت قدميها إلى الأمام متوجهة نحوه حاسمة أمرها، لاحظها مصطفى الذي لمح طيفها من على بعد فتحرك هو نحوها حين أشارت إليه بالمجئ..
”في حاچة”
_ هتف متسائلاً بينما أطالت هي النظر إليه، ماذا لو عرف بالحقيقة ماذا سيفعل حينذاك؟
هل سيسامحها؟ أم سيثور عليها، لكن السؤال الأهم هنا بعد ثورته هل ستخمد نيرانه بعدها أم ستنال جزءاً من ثأره؟!
_ بالتأكيد لن يمرق الأمر على خير، فقوة لهجته وحدة ملامحه المُصرة على أخذ الثأر خير إجابة لما سيطولها إن أخبرته
_ تعجب الآخر من صمتها وحملقتها به دون داعٍ، بصوته الأجش جذب انتباها إليه:-
في ايه؟ ناديتي لي ليه؟
_ بهدوء تام مصحوب بالبرود في نبرتها قالت:-
أني رايدة أروح مع أمي عند خالي..
_ ضيق مصطفى عينيه عليه بدهشة، مرت دقيقة واحدة فقط عليها دون أن يجيبها بشئ لكنها سببت لها الذعر من نظراته المبهمة، فغر فاهة مردداً بملامح جامدة ونبرة متجهمة:-
وديه لإيه يعني؟
_ ابتلعت ريقها في محاولة منها على مواصلة الحوار معه دون توقف رغم ذلك خرجت نبرتها مرتجفة بعض الشيء:-
خطوبة أسما ب…
_ قاطعها مصطفى بصرامة:-
ديي لسه عليها أيام!
_ لم تستطيع مواجهة عينيه لمدة أطول، أخفضت بصرها مُصرة على ذهابها:-
معلاش أني رايدة أكون وياها من بدري يمكن تحتاجني في حاجة
_ طلب ورد للذهاب أثناء مشادتهم سوياً كان بمثابة تخليها عنه وهذا ما اعتقده مصطفى، أخذ نفساً عميق فعليه أن يتأني في تفكيره أولاً قبل أن يجيبها برداً على طلبها، طالعها لوقت ثم أردف بتريث:-
المشكلة اللي بينا تتحل وإحنا مع بعض مش بمشيك يا ورد!
_ قطبت ورد جبينها لتفكيره الذي وصل إلى هناك وأنكرت اعتقاده:-
أني مريداش أروح وياها عشان خناجتنا أني حابة أكون جار بت خالي في فرحتها مش أكتر..
_ لا يصدق مصطفى إصرارها على الذهاب فعلاً ولم يقتنع بما قالته فهو يربط بين المشادة الكلامية التي اختلقت بينهم وبين ذهابها من السرايا، ضغط على أسنانه بعصبية فإن أرادت تركه فليكن لها ذلك.
_ تجهمت تقاسيمه كما احتدت نبرته وظهرت غليظة صارمة:-
على راحتك يا بنت المنشاوي، طلاما ديه هيريحك
_ تعجبت ورد من منادته للقب عائلتها فلم يسبق وأن نداها به من قبل، ما هذا الآن؟ أهو غاضب أم راضٍ على ذهابها، ربما لن يفرق في تلك اللحظة الأهم أنها ستغادر فهي غير قابلة للمواجهة بعد
_ كاد أن يوليها ظهره لكنه تراجع ليسألها:-
وعلى أكده رايدة تمشوا ميتي الليلة ولا بكرة؟
_ أسرعت ورد بالإجابة على سؤاله متهلفة:-
الليلة
_ إلتوى ثغره بتهكم ناهياً الحوار بسخريته:-
تبجي يدوب تلحجي تجهزي حاجتك
_ أولاها ظهره فور انتهائه من جملته فاستشفت هي ثمة أمر في لهجته، صوبت بصرها على طيفه الذي يبتعد عنها رويداً رويداً إلى أن اختفي خلف باب السرايا.
_ تدرك بأنها سببت لقلبه الحزن بتخليها عنه لطالما لم يرضي هو بياتها في منزل آخر غير غرفته وهي جائت بكل سهولة تخلت عن غرفته وعن حضنه خير أنيس لها وفضلت الذهاب عن مواجهته!
_ تجزم بأنها لن تنجح في الصمود أمام عينيه دون أن تدلي بالحقيقة، لن تستطيع النوم معه على وسادة واحدة وهي تخفي عنه شيئاً عظيم كالذي علمته من دقائق
_ حتى العبرات لا تساعدها على شعور بالراحة تأبى النزول وكأن العبرات قد جفت جميعها، استدارت نحو السُلم وصعدت فصادفت نزول صفية، طالعتها بأعين لامعتين فربتت الآخرى على ذراعها دون أن تردف شيئاً وتابعت نزولها إلى الأسفل بينما أكملت ورد صعودها للأعلى لكي تبدأ في تحضير مستلزماتها التي ستحتاجها فترة مكوثها عند خالها.
_ تعجبت والدتها من وضعها لأشياء مبالغة وآخرى زهيدة لو كانت في مكانها لما لتفكر لحظة في أخذهم، تابعت سنية بإنتباه جمعها لأشيائها وأردفت متسائلة باهتمام بعد أن حمحمت:-
واخدة كل الحاجات ديي على فين يا ورد دول كلتهما يومين وهتعاودي تاني
_ توقفت ورد عن جمع البقية ورفعت بصرها على والدتها هاتفة بجمودٍ قاسِ:-
شكلها مفيهاش عودة ياما
_ دنت منها السيدة سنية عاقدة حاجبيها بغرابة من جملتها المريبة مرددة بتوجس شديد:-
واه ليه بتجولي أكده يا ورد؟
_ واصلت ورد تجميع النواقص مجيبة إياها والرفض لما يدور داخلها مسيطر على مشاعرها:-
مخابراش، بس كان فيه حاجة جواتي بتجولي أكده
_ رددت السيدة سنية مستاءة من لسانها الذي يقدر البلاء قبل وقوعه:-
بكفياكي حديت ماسخ يا ورد هتعاودي لدارك بس بعد ما تريحي أعصابك في اليومين دولهما ومتجدريش البلا جبل وجوعه تاني، اتفائلي بالخير يابتي تلاجيه في خطوتك
_ إلتوى ثغر ورد للجانب بتهكم، بربها أي خير سيأتي من خلف ما تسببت به، لقد ساهمت في قـ,ـتل نفس بكل أنانية دون أن تنظر لعواقب الأمور، أي خير تتحدث عنه إن علم مصطفى بأنها العامل الرئيسي في مقـ,ـتل أخيه الذي عزم على أخذ ثأئره ممن حاول قـ,ـتله! حتماً سيأخذه منها قبل أن يرف له جفن..
_ ظلت أفكارها تتأرجح ما بين الذهاب والإياب، مشاعر عدة تجتاحها لكن الشعور الاقوى من بينهم هو الخوف مما هي مقبلة عليه..
______________________________________
_ عاد طاهر إلى غرفته بعد أن علم بمراد والده، نظر إلى حيث تركد مروة مردفاً:-
جومي جهزي حالك أهلك جاين يطلبوا يد صباح لضيف
_ قطبت مروة جبينها بغرابة من كلماته التي تصغي إليها لمرتها الأولى وهتفت بعدم استيعاب:-
ضيف أخوي هيتجدم لصباح اختك!
_ شعر طاهر بالحيرة من ترديدها لحديثه وكأن هناك ثمة في الأمر يجهله، تجمدت تعابيره وهو يسألها بتجهم:-
فيها حاجة ديي؟
_ أسرعت هي بالنفي معللة سبب غرابتها للأمر:-
لاه بس يعني أمي كانت بتتحدت معايا على المحمول الصبح ومجابتش سيرة فمستوعبتش وأنت بتجول
_ تفهم طاهر موقفها وانتبه كليهما على رنين هاتف مروة التي تبسمت ما إن رأت اسم والدتها ينير الشاشة وأجابتها متلهفة:-
كنا لسه في سيرتك ياما
_ ابتعدت عنه مروة لكي تكون على راحتها في الحديث مع والدتها، لاحظ طاهر تصرفها فدلف للخارج تاركاً لها بعض المساحة.
_ في الغرفة المجاورة، تقف صباح تتمايل بجسدها أمام المرآة، هي من انتصرت في النهاية، بفضل ذكائها الداهي أوقعت بشباك ضيف المغلوب على أمره
_ أولت صورتها المنعكسة ظهرها وتوجهت إلى خزانتها وهي تتغتج يميناً ويساراً بفرحة عارمة، أخذت تجذب جميع ثيابها وتلقي بهم أعلى الفراش، وقفت أمامهم واضعة يديها في منتصف خِصرها تريد التأني في تنقية أفضلهم فاليوم ليس يوماً عادية بل سيقرأ الحضور الفاتحة مباركين علاقتها بضيف
_ لا تصدق إلى الأن اليوم أسعد أيام حياتها بل هو بكل حياتها، أخذت تزفر أنفاسها بسعادة ثم بدأت تستعد لتجيهز نفسها لإطلالة تليق بكونها عروس!!
______________________________________
_ أنتهت ورد مما تفعله مع غروب الشمس، طالعت الغرفة بحزن واضح وكأنها لن تحظى بدخولها ثانيةً، أفكارها تزداد سوءاً كلما أدركت هول المصيبة الذي تسببت فيها..
_ سحبت حقيبتها ومن ثم نادت على والدتها التي تقف في الشرفة تلتقط أنفاسها بدلاً من ضغط جدران الغرفة عليها:-
أني خلصت ياما
_ جائت السيدة سنية وعينيها يشع منهما الندم الشديد بسبب زلة لسانها التي أوقعت بإبنتها في تأنيب ضمير وإيلام لا ينتهي، لم يكن لديها ما تقوله لها فمهما أردفت الأن سيكون هباءاً ففضلت الصمت في تلك الأثناء حتى تستجمع ورد شتات وجدانها ثم يتحدثان معاً..
_ ولجن إلى الخارج ومن ثم هبطن درجات السُلم معاً، تفاجئ خليل بحقيبة ورد التي تجرها خلفها، والأحر أن مصطفطى جالس بجواره ولم يتحرك خطوة نحوها..
_ عقد حاجبيه بغرابة وألقى بسؤاله في الوسط بصوته الأجش:-
واه واخدة شنطتك وعلي فين يا ورد ؟
_ ازدردت الأخرى ريقها وحاولت جاهدة أن تجمع كلمات تجيبه به فعقلها متوقف ولا ينتج أي أفكار سوى رسم مواقف لمصطفى وهو ينال منها بعدم رأفة.
_ تدخلت السيدة سنية حين لاحظت الحالة التي تسيطر على إبنتها وصعوبة حديثها:-
بت أخوي ماهر خطوبتها الجِمعة الجاية وهنروحوا ويا بعضنا وتبجي ورد تعاود وجت ما الخطوبة تخلص
_ لم يقتنع خليل بتلك التراهات فمازال هناك العديد من الأيام كيف ستقضيها بعيداً عن منزلها؟، وجه بصره تلقائياً على مصطفى الساكن على غير عادته وحاول أن يخترق سكونه بحديثه:-
ما تجول حاجة يا مصطفى ساكت ليه؟
_ بجمودٍ في نبرته أجاب والده:-
هي رايده تهمل السرايا معنديش جول بعد اكده
_ استشف خليل عدم رضاء مصطفى برحيلها وعلى ما يبدوا لا يود إحزانها، لكنه لن يرضى إحزان ولده أيضاً، حمحم لـ يلين من حشرجته هاتفاً بأمر:-
يبجي تخليكم لبكرة ياجماعة السفر في الليل مهواش أمان
_ كان يحاول كسب المزيد من الوقت في صالح مصطفى ربما ينجح في تغير موقف زوجته من المغادرة على الرغم من تعجبه لحالة مصطفى الهادئة وأسلوبه يعكس ما يخفيه داخله فهو لم يرضخ يوماً لشئ لا يقتنع به إذاً لما الأن؟
_ ردت عليه السيدة سنية محاولة الفرار من البلدة ومافيها من أعباء تكثر كلما عاودت إليها مرة أخرى:-
اعذرنا يا عمدة بس الجطر هيفوتنا
_ اتسعت حدقتي خليل بذهول كما لم يكن مصطفى أقل منه ذهولاً فأي قطار تتحدث عنه؟ حرك رأسه مستنكراً ما يحدث وما يزيد الطين بلة أنه لا يقدر على مواجهتها ورفض تلك السخافات التي تقوم بها فهي اختارت وقت غير مناسب بالمرة لذهابها وهذا ما أخذه مصطفى بعين الإعتبار..
_ حمحم خليل أبِه خروجهم من السرايا اليوم، فالرفض يتجلى في أعين ولده وعليه أن يفعل ما يمكنه فعله لكي يعطيه فرصة التحدث معها وإخبارها بعدم رغبته في ذهابها.
_ نادى صفية بنبرة مرتفعة:-
صفية
_ جائته بخطى سريعة فأمرها بصرامة:-
جهزي أوضة الضيوف لأم ورد
_ وجه بصره عليهم متابعاً حديثه الأمر قبل أن تقاطعه إحداهن باعتراض:-
تقضوا الليلة إهنه وبكرة إن شاء الله مصطفى يوصلكم بالعربية بلاها حكاية الجطرات ديي مبطمنلهاش
_ أغلق جميع السُبل أمامهم بحديثه الذي لن تتجرأ إحداهن اعتراضه، أخرجت ورد تنهيدة مرهقة فهي تود الفرار من هنا غير مستعدة لمواجهة أعين مصطفى تريد المضي بعيداً مهما كلف الأمر، لم يكن أمامها سوي الرضوخ فهو حكم ولابد من تنفيذه
_ تركت حقيبتها مكانها ففي النهاية هما ليسوا سوى عدة ساعات ستقضيها وتغادر، لم يعجب خليل بتصرف ورد وقبل أن تصعد للأعلى أمر ولده بنبرة تميل إلى الحدة:-
مرتك باينها مجدراش تطلع بالشنطة شيلها أنت عنيها
_ أزفرت ورد أنفاسها بضجر فخليل يضغط عليها دون أن يعي ما يفعله بها، تابعت صعودها إلى الأعلى برفقة والدتها بينما توجه مصطفى إلى تلك الحقيبة اللعينة وحملها ثم صعد عائداً إلى غرفته، لم يتوقع عدم وجود ورد فيها بالتأكيد لازالت برفقة والدتها، شعر مصطفى بغرابة تصرفاتها فلما كل هذا؟ فالمشادة لم تكن عظيمة كما تتصرف هي نتيجة لها، عزم بأن يحادثها ويراضيها فهو لن يقدر على بعدها عنه تلك الأيام، جلس على طرف الفراش يطالع ساعة الحائط بفروغ صبر في انتظار عودتها..
______________________________________
_ اجتمعت العائلتين في منزل حمدان أبو ”العروس”، تبادلا الترحيب فيما بينهم بحفاوة شديدة فاليوم مناسبة خاصة فريدة من نوعها.
_ يجلس ضيف برفقة والده وزوج شقيقته وعلى الجانب الآخر يجلس حمدان وإلى جواره ولده طاهر، يتسامران في الحديث غير آبين لشرود ضيف وعدم انتباهه لما يتناولونه في الوسط
_ في المجلس النسوي، تجلس ثريا مرحبة بأميمة فالجلسة قد تكررت لكن الأدوار اختلفت، حضرت صباح حاملة لصنية المشروبات والحلوى، وضعتها أعلى الطاولة ثم رحبت بالحضور وسعادتها تتحدث عن نفسها..
_ لم تتحلى بالحياء كالفتيات في موقفها ذاك، بل كانت تشاركهم أطراف الحديث ومن آن لآخر تفتح هي بعض المواضيع المثيرة لكي تجذب انتباههم إليها ..
_ في الخارج وبعد أحاديث عدة قد تسامروا فيها بدأ الحاج حنفي في إدلاء ما جائوا لأجله بعد أن حمحم قائلاً:-
جاتني يا حمدان جبل سبوع وأيام تطلب يد بتي لابنك ويشاء الجدر الجاعدة تتعاد تاني بس المرة ديي أكون أني ابو العريس
_ فغر حمدان فاهه مشكلاً ابتسامة عريضة لتظهر أسنانه الصفراء المثيرة للاشمئزاز، لم يتردد في إبداء موافقته بتهلف:-
هنلاجي زي ضيف فين يا حاج حنفي
_ بادله الآخر ابتسامة وسأله للتأكيد:-
يعني افهم من أكده أنك موافج يا أبو طاهر؟
_ أسرع حمدان في الرد عليه بتلقائية عابثة:-
ونجروا الفاتحة كماني
_ رفع جميع الحاضرين أيديهم يباركون العلاقة بقراءة سورة الفاتحة بعدما أعطوا خبراً للنساء ليفعلن ذلك معهم
”ولا الضالين أمين”
_ أنتهى حمدان من الفاتحة ثم عاد ببصره إلى أن ضيف قائلاً:-
مبروك يا عريس
_ أنتبه الجميع لحالة ضيف المريبة حينما لم يجيب على مباركة حماه، حمحم إبراهيم ولكزه في ذراعه لكي يلفت انتباهه، أنتبه ضيف لفعلته ورمقه في حالة توهان شديدة فعلل الآخر سبب لكزه له:-
حماك بيباركلك
_ أشار ابراهيم بأهدابه حيث يجلس حمدان فوجه ضيف بصره نحوه وبنبرة متلعثمة هتف:-
الله يبارك فيك
_ تعجب طاهر من أمر ضيف فحالته تشبهه كثيراً يوم تقدمه لطلب يد مروة، أهو مجبوراً على زيجته من أخته هو الأخر أم يعطي للموصوع اكبر من حجمه؟
_ ارتفع صوت حنفي في الأرجاء موجهاً كلماته إلى زوجته قائلاً:-
جدمي الدهب يا أم ضيف
_ أجابته من الداخل بقولها:-
تمام
_ نهضت أميمة بعدما سحبت علبة صغيرة واقتربت من صباح التي تتلهف لرؤية ما يوجد بها، تبسمت أميمة بحرج ثم فتحت العلبة فبرق لمعان الخاتم في عيني صباح، لوهلة لم تريد التخمين أنه ألماس قبل أن تأكد لها أميمة ذلك
_ حمحمت أميمة وساعدتها في إرتدائه متممة حديثها بـ:-
ديه ألماظ ميجايش إلا للغالين
_ رباه! لقد أكدت لها أميمة حدسها، دقت أساريها بسعادة مفرطة لا تسعها، لم ترفع بصرها من على الخاتم غير مصدقة أنها ترتدي ألماس حقاً كما في الافلام تماماً، كم ودت أن تضعه في وجه ابنة عمها بعجرفة فعلي الرغم من زيجتها من ولدي العمدة إلا أنها لم تحظى بنصف ثمن ذاك الخاتم.
_ أخرجت تنيهدة حارة وهي تتخيل وجه ضيف المحتقن وهي تبارك له لعلاقتهم التي بدأت للتو، انتبهت على صوت والدتها وهي تقول:-
الغالين ميجدموش غير الغالي كيفهم يا أميمة، تسلمي أنتِ وولدك
_ أجابتها أميمة بدون تكلف:-
متجوليش أكده يا ثريا صباح ديي كيف بسمة ومروة
_ تولت صباح الرد عليها مازحة:-
كيفهم ايه عاد يا خالتي اني أكده مجوزش لولدك
_ انفجرت أميمة ضاحكة كما شاركنها الأخريات وتفوهت من بين قهقهتها:-
شوف البت لاه ناصحة يا صباح، خلاص ولا تزعلي غلاوتك من غلاوتهم
_ بسعادة واضحة ردت عليها:-
اذا كان أكده يبجي ماشي
_ تابعن الحديث فيما بينما في الخارج سأل حمدان بحماسة ظاهرة في نبرته:-
وكتب الكتاب هيكون ميتى أن شاء الله كيف ما عملنا في طاهر ولا…
_ قاطعه ضيف ناهياً سخافته التي يريد الوصول إليها:-
لاه
_ توجهت الأنظار اليه متعجبين من رفضه، فحاول هو إيجاد مبرراً لرفضه الذي خرج عفوياً:-
أني حابب يكون لي دار لحالي مش مع أبوي وأمي وديي محتاجة وجت ياما
_ قام حنفي بالرد على حديثه هاتفاً بنبرة غلظة:-
الدار وموجودة وانت بنفسك اللي شاريه، ولو على كد التجهيزات فيه ملحوجة تخلص في شهر ويمكن أجل كمان
_ لا يهم شهر من عام الأهم أنه أجل ميعاد زيجته من تعيسة الحظ صباح، تبادل حنفي مع حمدان أطراف الحديث عن التجهيزات وما عليهم من مستلزمات سيحتاج إليها المنزل
_ أبي ضيف وبشدة أن تسكن إمرأة فيه غير فتاته، ترفض أذنيه سماع المزيد من الترهات التي يتحدثون فيها، حاول إشغال عقله بشتى الطرق حتى لا يفقد صوابه ويهدم المكان من حوله بكل ما أوتي من قوة وحينذاك لن يقع الإيلام إلا عليه.
______________________________________
_ خرج مصطفى من شرفة غرفته ناهياً حواره مع ضيف الذي أخبره عن زيارته لمنزل صباح وطلب يدها رسمياً:-
أنت مش بتكسب وجت يا ضيف أنت بتلعب بالبت تاني
_ انفجر ضيف وأخرج مافي جوفه بعصبية شديدة:-
جولي أنت رايدني اعملوا ايه، بجولك بت الرفدي ديي بتإذي أختي، رايدني أجف اتفرج عليها لما الأذي يكون كابير في مرة!!، محدش حاسس بيا أنا جلبي عيتمزع بسبب التانية اللي مجدرش اتجوزها وهي كل دنيتي!، ومجدرش أهرب من بت حمدان لاجل أختي وأنت جاي تلومني كاني مش بشر عشان اللي بيحصولي ديه!!
_ لمح مصطفى طيف ولوج ورد بعد ساعاتٍ قضتها برفقة والدتها، كز أسنانه بعصبية وهو يطالعها، عاد إلي صديقه قائلاً:-
أهدى لاول يا ضيف عشان نعرفوا نتحدتوا، هكلمك بعدين
_ أنهى معه المكالمة وعينيها مازالت مثبتة عليها بغيظ وبصرامة باغتة أردف:-
كنتي بيتي الليلة ديي مع أمك!
_ ابتلعت ورد ريقها ولم تقدر على مواجهته أكثر من خمس ثوانٍ وسريعاً ما أخفضت رأسها ولن تعقب على ما قاله، حاول مصطفى لبس ثوب الصبر الذي لا يشبهه فهو يريد تصليح ما بينهم ليس تعقيدها
_ أخذ شهيقاً عميق وتوجه نحوها بخطى متريثة حتى وقف مقبالها، رفع ذقنها بسابته ثم حرك يديه بحركات دائرية ناعمة على وجنتها فسبب لبدنها القشعريرة واضطرت ورد إلى التمايل برأسها على يده الموضوعة على وجهها حين لم تتحمل لمساته عليها..
_ شعر مصطفى بانهيار ثوب الجمود التي تتلبسه منذ مشادتهم سوياً في الصباح وأدرك أنه حان الوقت لمصالحتها، كانت الأخرى تهرب بعينيها بعيداً عنه فأجبرها على النظر إليه بقوله:-
متشليش عيونك عني يا ورد
_ عادت ببصرها عليه فواصل هو ما يريد إرسالة لها هامساً أمام شفتيها:-
رايدة تهملي مصطفى لحاله؟
_ تجمعت العبرات في عينيها مهددة بالتساقط لكنها تحلت بالتماسك قدر المستطاع حتى لا تدلي أمامه بالحقيقة التي تخفيها عنه، أمسك مصطفى بخصلات شعرها في قبضته وأعادهم للخلف دون أن يتركهم ثم انحنى على أذنها وواصل حديثه بنبرة خافتة:-
محوصلش اللي يخليكي تسيبي السرايا كلاتها يا ورد، متهمليش السرايا وخليكي جاري وأني بنفسي هوديكي دار خالك يوم الخطوبة من بدري
_ لم يشعر منها بأي رفض فتبسم لنجاحه في اقناعها بالمكوث وعدم الرحيل، مال عليها أكثر ليضع أولى قبلاته على عنقها فشعر بقبضتها التي حاوطت ذراعه وشدت عليه تماماً كاليوم الذي أحضر لها مشبك وحاول التقرب منها لكنها شدت بقبضتها على ذراعه مثلما فعلت الأن معلنة عدم استعدادها!!
_ لم يتحملها مصطفى تلك المرة على نفسه، فيكفي إلي ذلك الحد، أرخى من قبضته على شعرها فانسدلت خصلاته كالشلال على ظهرها، تراجع للخلف ولازال يطالعها بنظرات مشتعلة، جمودها أصابه بالجنون لما تفعلي ذلك بربك أيتها الفتاة؟
_ لَقِف هاتفه سريعاً وقام بالاتصال على صديقه هاتفاً فور أجاب ضيف:-
جابلني عند الاسطبل جوام
_ مر بجوارها دون أن يلتفت لها، فهو يعتقد أنها قد نالت نصيباً مضاعفاً من الدلع، إذا ليجني ثمره تصرفاته التي لم يحسب لها، جهشت ورد في البكاء ما إن اختفى مصطفى خلف باب الغرفة، لم تعد تتحمل ذلك الذنب على عاتقها مدة أطول، تريد إخباره وليحدث ما يحدث لكن تلبسها لثوب الجمود وتصرفاتها الباردة لن تجدي نفعاً سوى تمزيق قلبها حزناً على ما تفعله به.
”اااه”
_ اخرجتها من جوفها بحرارة عبراتها التي تشعر بهم على مقلتيها، يعلوا ويهبط صدرها من فرط قوة بكائها التي هدأت تدريجياً إلى أن باتت أنفاسها ثقيلة للغاية ولم تعد أخذ أنفاسها بصورة طبيعية كما في السابق..
_ تكورت في نفسها أعلى الفراش دافنة رأسها بين قدميها محاوطة إياها بذراعيها من الأعلى، تصدر منها شهقة قوية كلما فشلت في إخفائها كغيرها متمنية بأن يسترد الله أمانته وتحلق روحها في السماء فهي والله لن تستطيع صبراً علي الأيام القادمة.
______________________________________
_ يتوسطون كليهما الطوالة ينفث ضيف دخان أرجيلته التي أحضرها خصيصاً ربما ينجح في إخراج همه مع خروج تلك الأدخنة من جوفه
_ أشاح مصطفى بيده الأدخنة المتطايرة التي سببت له ضيق في صدره، حمحم مصطفى وحادثة بضجر:-
بكفياك دخان يا ضيف خنجتني
_ ألقى ضيف بأرجيلته بعيداً وصاح عالياً بحنق:-
أدي الزفتة اللي مضيجاك أهي
_ أعدل مصطفى من جلسته ليكون أقرب إلى صديقه وسأله بإهتمام:-
ناوي على ايه؟
_ لم يعد يعلم ماذا يريد فلقد فقد زمام الأمور، وبنبرة تميل إلى قلة الحيلة قال كلماته بتجهم:-
مخابرش يا مصطفى برج من نفوخي هيطير، ممستوعبش إن بت كيف صباح ديي تلوي دراعي، دراعي أني ضيف الحمايدي!!
_ تشكل التهكم على تقاسيم مصطفى وردد مستاءً فهو من ساعدها على التجرأ عليه وفعل ما يحلوا لها:-
ممنوش العتاب دلوك خلاص اتلطيت في الجوازة، فكر بجا في الدهانات والستاير والسجاد والذي منيه
_ كان يعلم ضيف أن مصطفى قاصد استفزازه ويريد إخراجه عن شعوره لكنه لا يعلم أنه بالفعل خارج عن شعوره ويود إحراق الأرض بمن عليها من فرط غضبه وقلة حيلته
_ انتفض من مكانه موجهاً حديثه إلى مصطفى بأمر:-
محدش هيخطي الشجة ديي غير واحدة بس ودلوك، جوم معايا
_ قطب مصطفى جبينه بعدم استعياب لكلماته وسأله مستفسراً:-
ايه اللي هيحوصل دلوك واجي معاك على فين؟
_ دنى منه ضيف ومد له يده مجيباً إياه:-
جوم وأنت تعرِف
_ أمسك مصطفى في يد ضيف الموجهة له ونهض بمساعدته وسار سوياً إلى الخارج ومن ثم ركب كلاً منهما سيارته، أسبق ضيف أولاً لكي يتابعه مصطفى الذي لا يعلم إلى أين وجهتهم لكنه سيفعل اي شيء من أجل صديقه وراحته..
______________________________________
_ ولج خليل لغرفته باحثاً عن زوجته فلم يراها منذ وقتٍ بعيد، كانت ممددة ساقيها على الفراش منهمرة بين أفكارها فلم تلاحظ دخوله كأنها في عالم آخر..
_ اقترب خليل من الفراش بعدما خلع عبائته ومن ثم جلبابه ومكثت بجوارها وإلى الأن لم تشعر بوجوده في الغرفة
”أباه كل ديه ومحساش بيا”
_ هتف بهم بنبرة مرتفعة حتى يجذب انتباها إليه، حركت السيدة نادرة رأسها لليسار قليلاً فتفاجئت بوجوده وسألته بحيرة:-
أنت إهنه من ميتى؟
_ أجابها خليل وهو يلتقط جهاز المكيف الذي قام بتشغيله:-
بجالي ياما ولا أنتِ إهنه خالص وكمان جاعدة في الحر ديه كيف مش عادتك يعني
_ أخرجت تنهيدة حارة من جوفها واختصرت الحديث معه:-
مفيهش يا خليل عجلي مخربت شوية ورايدة أنعس
_ حرك رأسه بتفهم وأردفت وهو يوليها ظهره:-
إذا كان على كد النوم يبجي بسيطة، تصبحي على خير
_ لم تجيبه نادرة فرفع رأسه ونظر إليه ليراها منهمرة بين أفكارها غير أبية لما يدور حولها، وقع في حيرة من أمرها فحتماً هناك ثمة شيء يشغل عقلها لا يعلمه هو، تنهد ثم عاد لوضعه فبالتأكيد إن كان هناك أمراً عليه معرفته لكانت أخبرته به.
______________________________________
_ وضعت مفتاح من بين عدة مفاتيح مربطة معاً في الباب لكي تهم بالدخول لكنه لا يريد الفتح، حاولت مراراً معه والنتيجة ذاتها لا ينفتح، دفعت الباب بعصبية بالغة فساقيها بالكاد تحملها
_ فُتحت لها إبنتها الباب متعجبة من حالة والدتها التي هي عليها وسألتها بحيرة:-
مالك يا أما بتتخانجي ويا الباب ليه؟
_ أجابها بتجهم وهي تهم للداخل:-
مبتخانجش ولا حاجة همليني لحالي يا صفاء كفاية اللي أني فيه
_ بالتأكيد لن تتراجع قبل معرفة سبب حالتها المبهمة ربما تجد لها حلاً، سارت خلفها غير آبية لكلمات صفية التي تحثها على الإبتعاد عنها في تلك الأثناء:-
مش هسيبك جبل ما تجولي في ايه، حد ضايجك؟
_ نفخت صفية بصوت عالٍ وصاحت بها شزراً:-
بكفياكي أسئلة وتنطيط ورايا أني ممتحملاش أسمع ولا أتحدت في حاجة روحي أوضتك ونامي
_ فشلت صفاء في معرفة ماوراء عصبية والدتها، عادت بأدراجها إلى غرفتها داعية الله بأن يعدل صفوها، بعد برهة انتبهت لقرع الباب، عقدت ما بين حاجبيها متعجبة من تلك الزيارة المتأخرة من الليل فمن سيزورهم الأن؟
_ انتفضت من مكانها وأسرعت إلى الخارج مهرولة غير مطمئنة بالمرة، فتحت الباب بعد أن لَقِفت حجاب رأسها وأخفت به شعرها، اتسعت حدقتيها بصدمة حين رأته يقف أمامها ورددت حروف إسمه بذهول:-
ضيف!
______________________________________
صباحاً،
استيقظت باكراً وارتدت ثيابها التي ستغادر بها ثم جلست على الأريكة المقابلة للفراش في انتظار استيقاظه.
_ بعد دقائق معدودة بدأ يستعيد وعيه من خلف رنين المنبه المزعج، أعدل من جلسته وقام بغلقه ورؤياه مازالت مشوشة، لمح طيفها يجلس أمامه ففرك عينيه حتى يتأكد منها
_ تشكلت إبتسامة مستاءة من وضعها الحاسم لمغادرتها وكأن الذي عاشاه في الأمس كان هباءاً منثورا، نهض من فراشه مردفاً بنبرة متحشرجة:-
لساتك مُصرة على السفر؟
_ نهضت هي الأخرى ودنت منه ثم قالت بنبرة رقيقة:-
هنعيدوه تاني يا مصطفى!!
_ أخرج زفيراً عميق وردد بعدم رضاء:-
مهجدرش أبعد عن العيون الزرج ديي كاتير
_ أجبرت نفسها على رسم إبتسامة لم تتعدى شفاها فضميرها لا يتركها وشأنها منذ معرفتها بحقيقة قتـ,ـل هلال وهتفت متوسلة:-
متصعيبش الموضوع يا مصطفى دول كلاتهم يومين ومعاودة
_ رققت من نبرتها وأضافت:-
عشان كمان تتوحشني
_ انحنى مصطفى على شفتيها وطبع قُبـ,ـلة حارة عليهم ثم ابتعد مردداً:-
ربنا يصبرك يا مصطفى على اليومين دول
_ بادلته ضحكة عفوية ثم حثته على الإستعجال من أمره بقولها:-
يلا بجا روح إلبس خلجاتك عشان نمشوا
_ لَقِف مصطفى ثيابه التي تناثرت في أرضية الغرفة ليلقيها في صندق الثياب المتسخة، حظى بإستحمام سريع ثم دلف للخارج محاوط خصره بالمنشفة وتابع سيره إلى فراشه التي وضعت ورد أعلاه ثيابه الجديدة.
_ كانت تتابعه بإهتمام واضح حتى شردت بذاكرتها إلى ليلة أمس حين سبقته هي داخل الغرفة ووقفت في منتصفها تخلع ثيابها، شعرت باقترابه منها فرجف جسدها فجاءة، أجبرها على النظر إليه وواصل هو خلعه لثيابها مردداً بنبرة خافتة:-
أنت بتعملي أكده معايا ليه يا ورد، مكانتش مشكلة صغيرة حوصلت لكل ديه
_ صوب بصره على زرقاوتيها وبهُيام تابع متسائلاً:-
يهون عليكي مصطفى واللي بتعمليه فيه ديه؟
_ تأثرت من سؤاله وخفق قلبها حزناً لنبرته التي يتملكها الشجن، لامت نفسها على معاملته الجامدة التي بادرت بها ودوماً ما تصده بها، لكنه أهون من أن تعامله بحُسنة وتنافقه..
_ تعترف بأنها لم تعد تستطيع تلبس ثوب البرود بعد نبرته التي حدثها بها، تبخر جمودها المصطنع وتمنت أن تتودد إليه لكي تعتذر عما بدر منها ولربما تشبع منه فهي غير متأكدة من عودتها إلى هنا مرة أخرى
_ أوصدت عينيها لتجمع شجاعتها في فعل ما تريده ثم أردفت بخجل واضح:-
اللي هتشوفه مني ديه ياريت متتعجبش منيه ولا تسأل عن سببه واصل، سيبني على راحتي اطلع اللي في جوفي يمكن ارتاح وجتها
_ رحب مصطفى لما تنوي على فعله دون علم له بحقيقة ماهو مقبل عليه، جمعت ورد قواها فهي لم يسبق وأن بادرت هي في فعل ذلك لكنها ستفعلها من أجل كليهما
_ اقتربت منه واحتضنت وجهه بكلتى يديها فتفاجئ مصطفى بقُبلتها التي خارت قواه إثرها، طالت ورد في قُبلتها كما تفننت فيها كما لو أنها ماهرة في ذلك، لم يصمد مصطفى لأكثر وحملها بين ذراعيه ووضعها أعلى الأريكة، تفاجئ بعبراتها تتساقط وكأنها في سباق من فرط سرعتها
_ تعجب من حالتها المبهمة وسألها مستفسراً والقلق قد سيطر على خلاياه بالكامل:-
واه بتبكي ليه يا ورد حوصل ايه؟
_ أجابته هي بحدة:-
جولتلك متسألش
_ تأفف مصطفى من عنادها فكيف سيمنع نفسه من سؤالها وهو يراها على حالة مريبة، حاول التحلي بالهدوء لكي يطمئنها منه ربما حينذاك تخبره بحقيقتة أمرها.
_ تشبثت في عنقه تحثه على متابعة ما توقف عنده، لكن كيف وهي مازالت تبكي، كيف يستطيع مواصلة ما تريده وعبراتها تتساقط، ألا ترأف بقلبه الذي يعتصر ألماً علي تلك الدموع المنهمرة!!
_ في النهاية واصل مصطفى ما توقف عنده حين رأى إصرارها متعمداً المعاملة معها برفق لعله ينجح في تبخر حزنها، كانت عبراتها تكثر كلما شعرت بأنها المرة الأخيرة لها معه، كلما حاولت السيطرة عليهم يعودون في التساقط مجدداً فهي والله لن تتحمل فراقه عنها!
_ طبع مصطفى قُبلة على جبينها وهمس لها وهو يملس على وجنتها بنعومة:-
بكفياكي بكا يا ورد
_ تنهدت هي وعقلها يتخبط بين إخباره بالحقيقة وبين إخفائها كما هي مخبئة؟!، لا تعلم أيهما الأصلح لكنها تود الإفصاح حتى وإن كلف الأمر مالا تتحمله هي يكفي بأنها ستتحلى براحة البال
_ طالعته لبرهة حاسمه أمورها وبنبرة تريد الخلاص هتفت:-
……………
عُرف صعيدي
الفصل الثالث والعشرون
( لم يستطيع عليه صبراً )
______________________________________
_ انتبهت على صوته الذي قطع عليها حبال أفكارها بقوله:-
اديلي ساعة بنادي عليكي، غيرتي رأيك إياك!
_ انتفضت من مكانها نافية ظنه:-
لاه يلا بينا
_ اقترب منها مصطفى وتناول يدها بين عقدة ذراعيه وبيده الأخرى حمل حقيبة سفرها، حمدت ورد ربها سراً بأنها تراجعت عن ما نوت الإفصاح عنه واختلقت مساراً آخر لحوارهما غير الذي كانت تسير عليه.
_ هموا إلى الخارج فتقابلا مع السيدة سنية في الممر المشترك بين الغرف، أسرع مصطفى نحوها وحمل عنها حقيبتها قائلاً:-
عنك يا أم ورد
_ أجابته ممتنة:-
تسلم يا درش
_ التفت مصطفى حيث تقف ورد وغمز إليها بعينيه هاتفاً بمشاكسة:-
هستناكي تحت
_ أماءت له بينما انصرف هو من أمامهم، اقتربت منها والدتها وعينيها لم تُرفع من على مصطفى بغرابة من أمره وسألتها بحيرة:-
كن مصطفى مروء النهاردة!
_ أخرجت وردة تنهيدة مهمومة وبنبرة مرهقة ردت عليها:-
مصطفى ميستاهلش الحزن ياما مجدرتش أتبارد وياه رغم أن جوفي مفيهش غير خوف
_ تأففت لتلك الظروف التي قلبت حياتها رأساً على عقب بين ليلة وضحاها، ربتت والدتها على ظهرها بحنو مصحوب بالشفقة على حالتها وقالت مواسية إياها:-
ربنا كابير وجادر يجبر بخاطرك يا حبيبتي
_ بنفاذ صبر أردفت بتوسل:-
يارب هون بجا
_ تابعن سيرهن إلى الطابق الأول، بينما على الجانب الآخر لم يرضي خليل ذهاب ورد فلقد ظن بإعطاء مصطفى فرصة معها سينجح في إقناعها بالبقاء وعدم الرحيل لكن ما يهون عليه وجه مصطفى البشوش الذي يؤكد عدم رفضه للفكرة فذلك يكفيه..
_ قابلهم بإبتسامة وألقى التحية عليهم:-
صباح الخير يا جماعة
_ أجابنه في نفسٍ واحد:-
صباح النور
_ نادى خليل بنبرة جهورية أثارت فضول الواقفين:-
عسران
_ أعادت ورد وشاحها على وجهها ومن ثم حضر عسران ملبي نداء سيده:-
نعم يا عمدة؟
_ حادثه خليل بأمر:-
حضر الحاجة اللي اتفجنا عليها وخلي الرجالة يحملوها في عربية مصطفى
_ أماء له بطاعة ثم هم لتنفيذ ما أمر به خليل، هبطت السيدة نادرة بعجالة لكي تلحق بورد قبل أن تغادر مرددة:-
زين إني اللي لحجتك جبل ما تمشي
_ اقتربت منها معانقة إياها بحميمية لم تسبق وفعتلها وبصوت خافت همست لها:-
اوعاكي تنسي الوعد يا ورد!
_ اهتزت ورد بقوة إثر تذكرها لذلك الوعد التي كادت أن تخونه، ابتلعت ريقها وطالعتها دون حديث لكنها اكتفت بإيماءات من أهدابها لتطمئنها.
_ حضرت صفية هي الأخرى لتودع ورد بحرارة:-
توصلي بالسلامة يا حبيبتي
_ دنت منها وهمست بقرب أذنيها:-
ويعينك على اللي عتتحمليه
_ اكتفت ورد برمقها ممتنة لدعائها ثم انصرفت صفية إلى حيث جائت، ودعت السيدة نادرة سنية ثم انحسب الجميع إلى الخارج فتفاجئت ورد ووالدتها بهذا الكم الهائل من صناديق الفاكهة وآخرى مليئة بالخضراوات، يوجد مالذ وطاب من جميع الأنواع التي تشتهيها النفس، التفت سنية إلى خليل متسائلة بخجل شديد مسيطر على نبرتها:-
لإيه ديه كلاته يا عمدة؟
_ أجابها بتلقائية دون تكلف:-
ديي زيارة بسيطة مش من جيمة أستاذ ماهر
_ تلونت وجنتيها بالحُمرة وأردفت شاكرة فضله:-
مكنش له لزوم كل ديه كاتير جوي ربنا يزيدك من فضله
_ بصوته الأجش قال:-
ولا كاتير ولا حاجة إحنا أهل
_ أعادت سنية شكره مراراً بينما هتفت ورد عالياً:-
بس كل ديه مهتكفيهش عربية مصطفى وحديها
_ تدخل مصطفى مجيباً إياها مستاءً:-
ديي رنج روفر يا ورد مش ١٢٨
_ فغرت ورد فاها ببلاهة فلا علم لها بأنواع السيارات وإلتزمت الصمت لحين إنتهاء الرجال من وضع الصناديق في السيارة ثم ودعت خليل ونادرة قبل أن تهم بالمغادرة..
_ استقل الجميع في مقاعدهم ثم تحرك بهم مصطفى مبتعداً عن السرايا بعدما قال بصوت مسموع:-
بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوه الا بالله
_ حمحم بخشونة وأمر ورد بلطف:-
اربطي حزامك يا ورد إحنا هنطلعوا على طريج سفر والسرعة هتبجي عالية
_ أماءت له بقبول وحاولت ربط حزام الأمان كما أمرها لكنها فشلت في جذبه فكان ثقيلاً للغاية، وجهت بصرها على مصطفى وأخبرته بعدم استطاعتها في جذبه:-
مجدراش أشده تجيل جوي
_ لم يتفاجئ مصطفى بما قالته لأنه علي علم بمتانة الحزام ويصعب عليها شده بقوتها الهزيلة، دعس على مكبح السيارة فتوقفت تلقائياً ثم اقترب منها وقام بجذب حزام الأمان من جوارها وحاوطها به
_ تفاجئ الجميع لذلك الصوت الدخيل:-
بتعمل ايه يا ابن الجبلاوي في نص الطريج أكده ملكش دار تلمك
_ عاد مصطفى إلى وضعه وطالعه بنظرات مشتعلة مجيباً إياه بحنق:-
شكلي أني اللي هلمك في نص الشارع يا ضيف
_ قهقه الآخر عالياً فمزاجه يسمح له بمشاكسة مصطفى دون خوف من ردة فعله فهو على أتم الاستعداد لمواجهة يده الغليظة ناهيك عن كلماته الفظة فسيتقبلها بصدر رحب..
_ لكزه مصطفى في ذراعه بقوة وغمز إليه لثقته التي يحادثه بها:-
معلوم خيلان علينا، من حجك تدلع مين كدك
_ ازدادت ضحكات ضيف ثم حرك يديه اليمني على صدره بحركات دائريه وبلهجة متعالية صاح:-
على جولك محدش كدي ياوِلد العمدة
_ أستند ضيف بمرفقيه على نافذة السيارة وأضاف:-
يلا اتوكل أنت عشان تعاود جبل ما الليل يليل
_ أزاح مصطفى يدي الآخر من على سيارته وقام بالرد عليه وهو يبتعد عنه:-
هعاود لك ونوجبوا معاك يا…
_ چحظت عيني ضيف بصدمة وأرسل إليه إشارات تحثه على عدم متابعة ما يريد تفوهه فليس بحين يسمح له بمنداته باللقب الذي يدور في مخيلة مصطفي الأن
_ تعالت ضحكات مصطفى على منظر ضيف ثم اعتدل في جلسته وتابع طريقه بسرعة متوسطة لحين الخروج من البلدة ثم سيزيد من سرعته..
______________________________________
_ توجه مباشرة إلى منزل حبيبته لطالما افتقدها منذ البارحة، طرق بابها ووقف أمامه يعد الثوانِ لكي تطل هي بطلتها البهية التي يعشقها
_ فتحت له وتفاجئت بوقوفه، اتسعت مقلتيها بذهول ثم مالت برأسها للجانب متفحصة المكان من خلفه جيداً، عادت لتنظر إليه عندما تأكدت من خلو المكان وعاتبته بحدة:-
جاي تعمل ايه يا ضيف أمي مهياش إهنه
_ قلب عينيه مستاءً وبلهجة ثابتة قال:-
خابر وعشان أكده جيت وجلبي مطمن
_ عبست بوجهها فلم تحب نبرته الوقحة التي حدثها بها وحاولت إقناعه في الذهاب:-
طب يلا مش أطمنت روح شوف حالك بعيد عن إهنه
_ بإصرار ورغبة ظاهران في عينيه هتف:-
أشوف حالي بعيد! مش لما أشوف حالي معاكي لاول
_ دفعها للداخل وهو يتمتم بنبرة حارة:-
اتوحشتك جوي يابت
_ حاولت الفرار منه لكنه فرد قوته عليها مقيداً إياها بكلتي ذراعيه هامساً بنبرة خافتة:-
تعالي داني مصدجت تجومي تهروبي مني ..
_ وضع يده علي فمها يمنعها من التحدث ثم ركل الباب بقدمه فأنغلق دون مجهود منه ثم غاص في موجات حبه معها دون خوف أو تردد..
______________________________________
_ بعد مسافة طالت لما يقرب الساعة أوقف مصطفى سيارته على إحدى استراحات الطريق، التفت إلى ورد التي طالعته باستغراب فأوضح لها:-
هنزل أجيب فطار رايدين حاجة معينة؟
_ حركت رأسها نافية:-
لاه
_ بينما قالت والدتها ممتمنة:-
تسلم يا حبيبي
_ ترجل مصطفى من السيارة وتوجه مباشرةً إلى الإستراحة، قام بشراء مالذ وطاب للفطور وأيضاً نقانق تسليهم لحين وصولهم، عاد إليهم بعد مدة ليست بطويلة، ناول كلتاهن طعامهن ثم شرع ثلاثتهم في تناوله دون حديث.
_ كان الأسرع من بينهن في إنهاء طعامه، التفت إليهن وسألهن باستفسار:-
لو اتحركت بالعربية تضايجوا؟
_ نفت السيدة سنية أي مضايقة قد تقابلها في ذلك بقولها:-
لاه يا حبيبي اتوكل علي الله
_ بادلها إبتسامة عذبة ثم تحرك بالسيارة متابعاً طريقه بسرعة متوسطة ازدادت مع مرور الوقت، شعرت ورد بالغثيان يجتاحها بسبب طعامها الذي لم يُهضم بعد
_ حاولت الصمود قدر المستطاع إلى أن فقدت سيطرتها على التماسك، أوصدت عينيها لعل دروان رأسها يخمد قليلاً، مدت يدها وبحثت عن ذراع مصطفى التي تشبثت به ما أن شعرت به في ديها وشدت عليه بتعب
_ مال مصطفى رأسه عليها متعجباً من أمرها فأسرعت هي قائلة:-
وجف وجف
_ وضعت يدها علي فمها ثم ترجلت من السيارة سريعاً ما أن صفها مصطفى جانباً، ترجلا كليهما خلفها بقلبٍ مرتعب ووقفوا خلفها متابعين لها، تقيأت ورد ما تناولته بصعوبة، حاول مصطفى التخفيف من عليها بشد قبضته على رأسها إلي أن شعرت هي ببعض الراحة
_ أعتدلت في وقفتها تلتقط أنفاسها التي ضاعت منها، في تلك اللحظة قد أحضرت لها السيدة سنية زجاجة مياه لكي تغسل فمها وكلتي يديها وبتوجس واضح سألتها:-
بجيتي أحسن؟
_ أماءت مؤكدة لها ثم وضحت سبب حالتها المفاجئة:-
من وجت ما دوجت الوكل وأني مش مظبوطة كانه طابج على نفسي بس الحمدلله بجيت زينة
_ تنهد مصطفى براحة ثم قال:-
سلامتك يا وردتي
_ بادلته إبتسامة رقيقة مرددة بإمتنان:-
الله يسلمك
_ أعادت وضع وشاحها على وجهها وعادت معهم إلى السيارة ثم تحرك بهم مصطفى بعدما تأكد من أنها بحالة تسمح له بالتحرك، ساد الصمت بينهم طيلة الطريق لم يردف منهم أي أحاديث فالمشاعر كانت أكثر سيطرة عليهم، فمنهم من يخشى فراق الحبيب والآخر يخشى الليل الذي سيقضيه بمفرده والأخرى تتخبط بين الندم والحزن لزلة لسانها التي قلبت كيان إبنتها بالكامل.
______________________________________
_ دفعته بعيداً عنها وصاحت به منفعلة:-
جولت لك بعد عني، إلزم حدودك يا ضيف
_ طالعها مستاءً من هروبها منه المستمر وهتف بحنق:-
أباي عليكي هتوك تهروبي مني أكده لميتي أني ما صدجت يا صفاء
_ إمتعضت صفاء من سؤاله وهاجمته معاتبة:-
جولتلك أمي مهياش إهنه وجعدتك جاري لوحدينا متنفعش وانت مصُر بردك
_ تجهمت تعابيره ثم أولاها ظهره وجلس على أقرب أريكة قادته قدماه إليها وبفتورٍ قال:-
أني جولت الحل اللي يريحنا وأمك موافجتش يبجي أني ذنبي ايه عاد؟
_ تأففت صفاء بضيق فالأمور تزداد تعقيداً، أخذت شهيقاً عميق وتوجهت إليه، جلست بالقرب منه متمتمة بقلة حيلة:-
لأنه مهواش حل يا ضيف، أنت خابر اللي ممكن يوحصل لو وافجت على اللي رايد تعمله! أني ممكن اتفضح في البلد كلاتها لو حد بس جالي عني كلمة بطالة
_ برزت عروق عنق ضيف من فرط غضبه الذي يكظمه لكنه لم يستطع منع نبرته الحادة التي تحدث بها:-
اجطع لسان أي حد يتحدت عنيكي أكده ولا أكده لساتك مخابراش أني ممكن أعمل ايه عشانك
_ كست الحُمرة وجه صفاء، أخفضت رأسها وبحياء شديد علقت على حديثه وهي تفرك أصابعها:-
معلوم عرفت بلي عملته امبارح ديه
_ لم تصدق أذنيه ما صغت إليه لتوها وهلل بسعادة دقت طبول قلبه:-
إيوة بجا حني على الغلبان اللي طالع عينه عشان تبجي ملكه
_ اتسع ثغرها ببسمة خجولة فلم يقاومها ضيف فكل جوارجه تطالب بالتودد إليها ربما يشعر بالكفاية من حاجته إليها، لم يصمد طويلاً واقترب منها فأشارت إليه محذرة إياه بسبابتها:-
رايح فين؟
_ بنبرة ولهانة أجابها وهو يتابع اقترابه منها:-
رايح أرتوي
_ سمح لنفسه بلمس شفاها بأريحية لم يعهدها من قبل بينما لم تنجح هي تلك المرة في إبعاده عنها فلقد تمكن منها حتى شعرو بإرتخاء عضلاتها المشدودة واستكانت بين ذراعيه.
_ بعد برهة أبتعد عنها فلم تتجرأ هي على رفع عينيها عليه وظلت منكسة الرأس لبعض الوقت، إلتوى ثغر ضيف للجانب مشكلاً إبتسامة عريضة لحيائها الذي يعجبه كثيراً، حمحم بخشونة وأردف:-
اومال لو مكنتش…
_ قاطعته صفاء بقولها الذي يحثه علي التوقف ولازالت لا تستطيع النظر في عينيه:-
بكفياك أكده يا ضيف يلا هم وروح شوف أشغالك
_ لم يريد ضيف أن يطيل في الأمر يكفيه ما حدث اليوم وبالتأكيد سيحدث الكثير في الغد، سحب نفساً وارتشف من زجاجة المياه التي أمامه ونهض ليهم بالمغادرة:-
ماشي يا صفصف فاصل ونواصل
_ توجه نحو الباب ودلف للخارج فأسرعت هي بغلق الباب قبل أن يعود إليها مرة أخرى، تشكلت ابتسامة خجولة على محياها مرددة آخر ما قاله في عقلها، رفعت يدها على فمها وتلمسته بحياء مفرط فلقد حظى بقُبلة فريدة من نوعها اليوم، حركت رأسها تطرد أفكارها التي تسبب لها الهياج في نبضاتها وحاولت إشغال نفسها بالمذاكرة لعلها تنسي ما حدث قبل قليل..
______________________________________
_ لا يعلمون كم من الوقت مضى، لكن الأهم الأن أنهم قد وصلوا إلى وجهتهم، سار مصطفى في ذلك الطريق الراقي الذي يتوسط البنايات الحديثة المرتفعة
_ راقت إليه المنطقة كثيراً فهي عكس ما إعتاد رؤيته في بلدتهم، صف سيارته أسفل بناية خالها حين أشارت إليه السيدة سنية عليطى المنزل المقصود
_ ترجلت ورد برفقة والدتها بينما أعدل مصطفى من صفه للسياره بعناية ثم ترجل هو الآخر، توجه للأمام وسحب الحقائب من الباب الخلفي، نادت السيدة سنية على حارس البناية أمره إياه بلطافة:-
لو سمحت يا عم جناوي طلع ويانا الشنط ديي
_ اماء لها بإحترام مردداً بطاعة:-
أنتِ تؤمري يا أخت الغالي
_ شكرته على لطفه ثم رفض الحارس أن يحمل مصطفى لأي حقيبة كانت، حمل جميعهم بهمة وقام بتوصيلهم إلى الطابق المقصود بالمصعد الكهربي، وضع الحقائب أرضاً ثم سألهم مستفسراً:-
تؤمروا بأيتها خدمة تانية؟
_ أسرع مصطفى في إخباره فيما نسوه في السيارة:-
معلش يا عم جناوي فيه حاجات في العربية نسيتها تعالوا نطلعوها مع بعض
_ رفض الحارس أن يهبط مصطفى مُصراً على حمله لجميع الصناديق بمفرده، بعد مدة عاد إليهم ووضع آخر صندوق معه أرضاً، شكرته سنية بينما دس مصطفى يده في جيبه وأخرج من الأموال قدراً وقام بإعطائه له مردفاً:-
تعبناك إمعانا يا بلدينا تسلم
_ شكره الحارس ممتناً ثم انصرف سريعاً من أمامهم، قرعت السيدة سنية جرس الشقة فجائتها الإجابة بعد ثوانٍ قليلة من قِبل زوجة شقيقها، استقبلتهم بحفاوة شديدة مهللة بلهجة مصرية:-
البيت نور بيكم، ماهر لسه نازل الشغل من مفيش
_ أجابها في نفسٍ واحد:-
منور بأهله، يعاود بالسلامة
_ جئن الفتيات مرحبين بالجميع وبالأحر ورد التي نالت ترحيب حار فهن قد اشتقن إليها كثيراً وكذلك هي، قطع مصطفى أحاديثهن الجانبية بقوله:-
ما تاجي يا ورد ناخدوا لفة أهنه جبل ما أعاود أني
_ على الرغم من تعبها من طول المسافة إلا أنها وافقت برحب فهي لا تعلم ستحظى بتلك اللحظات بعد ذلك أم ستكون الأخيرة!
_ كاد مصطفى أن يغادر إلا أنه تراجع ونظر إليها بحيرة وألقى بأفكاره في الوسط بصوت عالٍ:-
بس أني مخابرش أيتها أماكن إهنه هنعاودوا كيف؟
_ تدخلت عائشة محاولة حل الأمر حيث مدت يدها إلى مصطفى الذي تعجب من تصرفها المبهم وقالت بعفوية:-
هات موبايلك
_ مرر مصطفى أنظاره بينها وبين ورد وبهدوء ناولها هاتفه دون علماً بما ستفعله به ، مرت دقائق قصيرة لم يعرف الواقفين ماذا تفعل، ها قد انتهت مما تفعله ثم أعادت الهاتف إلى مصطفى وشرحت له ما فعلته للتو:-
بص أنا حددت لك موقعنا على GPS، هتلاقي عندك كل الأماكن التجارية اللي حوالينا واللي على بعد مسافة قريبة مننا موجود إسمها والطريق اللي ممكن توصله منها وفي نفس تقدر ترجع بسهولة
_ رفعت عائشة عينها على مصطفى وتابعت بمشاكسة:-
ولا داعي للتصفيق
_ بجمودٍ شديد في ملامحه قابلها مصطفى فهو لم يعتاد الحديث مع الفتيات بتلك الأريحية التي تحادثه هي بها، انتظرت عائشة ردة فعله أو ربما شكرها على ما فعلته لكنه لم يعقب فأثار خجلها واضطرت إلى الإنسحاب في صمت..
_ نظر مصطفى إلى حيث تقف ورد قائلاً:-
مش يلا عشان نلحج نعادوا بدري
_ أماءت له بقبول ثم استأذنت من الجميع وهما بالمغادرة معه، عادت عائشة إلى الخارج ما إن تأكدت من ذهابهما وهتفت بوجه محتقن:-
ده حتى مقاليش شكراً!
_ قهقهن الأخريات عليها وحاولت سنية توضيح الأمر لها:-
معلاش يا عيشة بس الرجالة حدانا مبيتعاملوش مع الحريم إلا أهاليهم أو تكون حُرمته فيمكن هو استغرب حديتك وياه مش اكتر
_ ضر….بت الأرض بقدميها متذمرة فالخجل لم يختفي أثره بعد، اولتهم ظهرها وعادت إلى غرفتها متمتمة بنبرة خافتة:-
وقح..
______________________________________
_ استغلت مروة قيلولة طاهر الذي يأخذها بعد وجبة الغداء ودلفت للخارج تحظي بجلسة أنثوية برفقة صباح
_ طرقت بابها ثم ولجت للداخل حين سمحت لها بالدخول، تفاجئت مروة بجلوسها أعلى الفراش تطالع خاتم خطبتها ولا ترفع عينها من عليه قط كأنها لا تصدق حقاً أنها ترتدي ألماساً
_ أثارت ضحكات مروة عليها وأردفت مازحة:-
كانك ممصدجاش أنك لابسة ألماظ يا صباح
_ صعقت صباح مما وقع على أذنيها، احتقن وجهها بغضب وأعادت يدها إلى جوارها وهدرت بها شزراً:-
لاه وأنتِ الصادجة ممصدجاش إن خطيبي اللي هداني بيه مش أمه!
_ شعرت مروة بأن هناك تلقيحات وقحة تعود إليها، اجتاحها شعور كبير من الخذي ولم تقدر على الوقوف معها في الغرفة نفسها، أخذت شهيقاً وأزفرته على مهل ثم استأذنت منها بحرج:-
أكيد طاهر فاج هروح أطل عليه
_ أنهت جملتها ثم أسرعت إلى الخارج بينما قلبت صباح عينيها بتزمجر وهتفت ساخرة:-
لاه اجعدي هبابة يا مروة
_ عادت مروة إلى غرفتها تجر قدميها بثقل، جلست على أقرب أريكة قادتها قدميها إليها وجلست أعلاها بإهمال وحديث صباح يتردد صداه في عقلها متذكرة أيضاً لحظة تقديم السيدة ثريا لطاقم الحُلي الذي خلعته حينها، فمن المفترض والذوق إن كانت ستهديه به كما أخبرتها وكأن الأمر مرتب كانت تضعه في علبه خاصة به ولا تخلعه أمامهم وبتصرفها النبيل تكون قد أحسنت صنعاً وأنقذت ولدها من موقفه المخجل الذي كاد أن يقع فيه
_ جمعت حقيقة الأمور ثم عزمت على فعل الصواب، توجهت إلى خزانتها مباشرةً وتناولت علبة الحُلي ثم هرولة إلى الخارج قاصدة غرفة السيدة ثريا على أمل أن تكون هناك
_ سمحت لها ثريا بالدخول وهتفت ما أن رأت طيفها يظهر أمامها:-
يا أهلا بالعروسة الجمر
_ بادلتها مروة ابتسامة رقيقة مرددة بحياء:-
تسلمي
_ أخفضت بصرها بحياء مصحوب بالتردد فيما تنوي فعله لكنها لن ترضى أخذ ما يخص غيرها وامتلاكه له فهي في النهاية لا تحتاج إليهن فلديها الكثير غيره قد أهداها والدها بهم منذ الصغر
_ حمحمت بحرج ثم ناولتها العلبة هاتفة:-
رايدة ارجع لك حاجة تخصك مهياش من حجي!
______________________________________
_ وصلا كليهما إلى أقرب مول تجاري قد رآه مصطفى على GPS، لمح بعينه إحدى محلات الثياب النسوية فوجه حديثه إلى ورد بحماس:-
ما تاجي نجبولك طجم جاديد على خطوبة بت خالك
_ سعدت ورد بذلك الإقتراح كما وافقته أيضاً لكن بشرط:-
وأنت كمان تجيب طجم بس جميص وبنطلون
_ عبس مصطفى بوجهه فهذا يستحيل فعله واعترض شرطها بلطف:-
لاه سيبك مني أني الجلابية مريحاني
_ تجهمت تعابير ورد بتزمجر وهتفت بضيق:-
تلبسه يوم الخطوبة مش شايف الخلج شكلها جميل كيف
_ طالعها مصطفى مستاءً من آخر ما أردفت متسائلاً بتهكم:-
وأني يعني شكلي اللي عفش!
_ أسرعت ورد نافية ما قاله بتلهف فهي لم تقصد ما استشفه:-
لاه والله مجصدش جصدي أن شكلهم جميل كيف اللي بيبلسوا جلابيب تمام مهياش حاجة عشفة كيف ما بتجول
_ بهدوءٍ تمم على حديثه:-
ربنا يسهل يا ورد خلينا نشوفلك حاجة لاول
_ ترددت ورد في طلبها لبرهة ثم جمعت شجاعتها وألقتها على مسامعه:-
كنت رايدة اشتري نقاب كيف الحريم اللي ماشين دول بدل ما أني ببجي حاسة اني هتكفي على خلجتي بسبب الوشاح ديه
_ لو كانت هتفت بسبابه كان أهون عليه من أن تطلب ذلك، توقف مصطفى عن السير والتفت يمينه حيث تقف هي وبإزدراء أجابها:-
وعيونك تبان للخلج واللي ما يشتري يتفرج!!
_ تراجت ورد للخلف قليلاً فلقد ارتابت نبرته الصارمة فاستشف هو خوفها وعمل على تهدئة روعه فالحين ليس مناسباً لخلق أي نقاش، أخذ شهيقاً عميق ثم نظر حوله بإمتعاض لاشكالهن الملفتة وصاح عالياً:-
وديه اسمه نقاب، ديه اسمه بواجي جماش، ديي دقنها باينة من جصره ويدها اول ما تترفع لفوج تبان طوالي، متبصيش للعالم ديي يا ورد
_ التفت مصطفى ونظر خلفه فرأى أحد الرجال يقف أمامه بصحبة زوجته وولده الصغير، عاد لينظر إلى ورد وتابع حديثه ساخراً:-
رايداني ابجي كيف الطرطور اللي ورايا ديه؟
_ تفاجئ مصطفى بيد الرجل الموضوعة على كتفه وهو يتسائل بحدة:-
حضرتك بتقول حاجة؟
_ وقع قلب ورد رعباً خشية أن يحدث مشادة بينهم ودعت الله داخلها أن يمر الأمر بسلام بينما استدار إليه مصطفى مشكلاً إبتسامة على محياه ثم انحنى على الصغير الذي برفقة الرجل وملس على قبعته متصنع الحب:-
بجول حلو الطرطور ديه ربنا يباركلك فيه ويكبر
_ سأله الاخر ساخراً:-
الولد ولا الطرطور
_ طالعه مصطفى مستاءً من سؤاله الساذج وبثقة قال:-
معلوم الواد الطرطور هيكبر كيف
_ رسم على محياه بسمة سمجة وودعه بنبرة تريد الفرار:-
بعد إذنك يا أستاذ
_ أولاه مصطفى ظهره وعاد إلى ورد التي أمسك بيدها وانصرف كليهما بخطى سرعة مبتعدين عن المكان، لم تتوقف ورد عن الضحك وسؤال الرجل يتردد في عقلها، رمقها مصطفى بغيظ وهتف من بين أسنانه:-
عجبك الطرطور؟
_ أجابته من بين قهقهتها:-
جوي جوي
_ حرك مصطفى رأسه مستنكراً ما حدث قبل ثوانِ وأردف مازحاً:-
طب يلا همي جدامي عشان نمشوا من المكان ديه
_ اصطحبها إلى أحد المحلات وقام بشراء ثياب جديدة لها وكذلك أصرت عليه ليشتري ثياب كلاسيكية مناسبة لحفل الخطوبة ثم عادا إلى السيارة ومن ثم عاد بها إلى المنزل.
_ رحب بهم خال ورد بحفاوة شديدة وأصر على مصطفى أن يتناول معهم وجبة الغداء لكنه رفض معللاً رفضه:-
يدوبك ألحج أعاود خلاص الليل داخل علينا أهاه
_ رفض ماهر بشتي الطرق أن يرضخ لطلبه وبإصرار شديد هتف:-
والله لو قولت ايه مش هسيبك قبل ما تتغدى ولا يعني أنت فاكر إنكم أهل الكرم بس ولا ايه يا سي مصطفى
_ شعر مصطفى بالحرج ووافق تحت ضغط منه، اصطحبه ماهر إلى شرفة إحدى الغرف التي أعددتها إبنته الصغرى لتكون مجلساً يتجمعان فيه كل يوم خميس من آخر الأسبوع، انبهر مصطفى بإعداد المكان على الرغم من صغر مساحة الشرفة إلا أنها أُعدت بعناية، تناولوا أطراف الحديث في مجالات مختلفة إلى أن أحضرن الأخريات وجبة الغداء ثم أخبروهم بإنتهائهن من التحضير.
_ جلس الجميع حول المائدة وشرع في تناول الطعام حتى انتهوا منه وكان أول من استأذن منهم كان مصطفى فالوقت يتأخر ولا يحب السفر في ظلام الليل الحالك.
_ تلقى مصطفى توديعاً حاراً مع بعض الدعوات، انصرف الجميع تاركين له بعض المساحة مع وردته التي ترقرقت العبرات في عينيها حزناً على افتراقهم.
_ حمحم مصطفى وبنبرته الرخيمة حاول تأنيب ضميرها لكي تعود معه:-
هيهون عليكي تسيبي مصطفى يعاود وحديه؟
_ لم تستطيع الصموم أمام كلمات وجهشت باكية، لم يتحمل مصطفى بكائها وحاول المزاح معها:-
غلطانين أنهم سموكي ورد كان حجهم يسموكي عيوطة
_ تحولت بكاء ورد إلى ضحكات عفوية سعد الآخر بها، جذبها برفق إلى صدره وشد على خصرها بقوة قائلاً:-
هتوحشك اليومين دول هما
”وأني كمان جوي”
_ هتفت بهم ثم عادت إلى بكائها ثانيةً، تراجعت للخلف مودعة إياه بحرارة:-
يلا امشي عشان تلحج توصل جبل ما الليل يهل وخلي بالك علي نفسك
_ أماء لها بقبول ثم انحنى عليها طبع قُبلة حارة تليق بوداعه ثم أولاها ظهره لكنها أوقفته بقولها:-
ابجي طمني عليك
_ اكتفي بإيماءة خفيفة من رأسه وتابع نزوله حتى استقل في سيارته ومنها تحرك مبتعداً عن المكان عائداً إلى بلدته.
______________________________________
_ عاد إلى غرفته بحيرة من أمر تصرف زوجته، وقف مقابلها وطالعها لوقت طال قاطعته هي بسؤالها الفضولي:-
بتطلع فيا أكده ليه؟
_ أخرج أنفاسه بثقل ثم توجه نحوها بخطى متمهلة، جلس بجوارها على الأريكة وأجابها بسؤال آخر:-
ليه عملتي أكده، رجعتي الدهب لامي ليه؟
_ الأن استشفت الأمر، أخذت شهيقاً وبهدوء أردفت بنفس عزيزة:-
لأنه مش حجي، ديه حجها وكان لازمن يعاودلها
_ قطب جبينه بغرابة فلم يفهم ما وراء حديثها، نعم هو على دراية تامة بالأمر لكنها تجهله هي، فرك ذقنه بعصبية وهتف بحنق:-
حج ايه؟ تجصدي ايه بالحديت ديه؟
_ أعتدلت مروة في جلستها ورمقته لبرهة قبل أن تردف بإزدراء:-
يعني أني مش هبلة يا طاهر عشان مفهمش إن الدهب ديه أعطتهولي تلم بيه الموضوع، أصل يعني أجل حاجة تتعمل لو كان في نيتها صوح تعطهولي تجيبه في علبته مش تاجي تجلعه جدامي!!
_ تفاجئ طاهر بردها الذي ألجم لسانه، أخفض رأسه في حياء فاستشفت هي خذيه منها وأسرعت في إخباره بأن الأمر لا يهمها، جذبت علبة الحُلي العادي إليها ثم عادت إليه هاتفة بعدم اكتراث:-
أني ممحتجاش دهب يا طاهر أني عندي كاتير الحمدلله مش دول اللي هيزودني يعني
_ رفع ببصره عليها وحدثها بجفاف في نبرته:-
بس ديي كانت شبكتك مكنتيش تفرطي فيها!!
_ إهنه مهواش مكانها، أكيد مش هلبسها وأني عارفة انها مش من حجي والشبكة اللي بتجول عنيها ديي مفرجاش معايا أني منجصنيش أيتها حاجة يا طاهر لو على الدهب فعندي ياما ولو على الراجل فعندي أنت بالدنيا كلاتها
_ فاجئته هي بتصريحها الأخير، ولم يكن عليه سوى جذبها من ذراعها وضمها إلى حضنه بهدوء تام حاسماً أمره على تعويضها بأروع الحُلي لطالما كان عليه إهدائه لها في وقته المناسب.
_ خرجوا من لحظتهم على صراخ ثريا مستغيثة بولدها، كز طاهر أسنانه بغضب فحتماً والده خلف ذلك الصراخ، نهض من مقعده وأمر مروة حين رآها تشير خلفه بحدة:-
خليكي إهنه
_ دفع الباب خلفه بقوة وترجل سريعاً وكما اعتقد تماماً، لم يتردد في اللحاق بوالدته من بين يديه الغليظة وهدر به شزراً:-
جولتلك يدك الملعونة ديي متتمدش على أمي تاني وأنت مفهمتش بالحديت يبجي اتحمل بجا
_ صعد بوالدته إلى أحدى الغرف الخالية وسألها بفضول:-
مسك في خناجك ليه المرة ديي؟
_ أصدرت ثريا بعض الشهقات من بين بكائها وحاولت السيطرة عليه لكي تجيب طاهر على سؤاله، وبعد مدة ليست بطويلة أجابته بنبرة متلعثمة:-
مضيع كل ماله على الشرب والجرف اللي بدأ يشربه الأيام ديي ولما جولتله حاسب على مالك عشان عيالك جام مسك في خناجي كيف ما شوفت أكده
_ حك طاهر مؤخرة رأسه بعصبية، صاح عالياً بتذمر مصحوب بالإحتقار:-
سبيه يضيعهم معايزنش حاجة منيه، من النهاردة أني اللي متكفل بيكم ويحرم ماله يدخل جوفي بعد النهاردة
_ دخلت صباح الغرفة وتوجهت نحو والدتها مباشرةً متسائلة بلامبالاة:-
ايه اللي حوصل ياما؟
_ قصت عليها ثريا ما حدث بينما أولاهم طاهر ظهره وانسحب للخارج بخطى غير مستقيمة، وقف أمام النافذة التي تترأس المرر ثم سحب بيده حجراً تالف من الحائط لا يلاحظه أحد، التفت يتفحص الأماكن من خلفه أولاً ثم دس يده للداخل وأخرجها محملة بسـ,ـلاح والده!!
______________________________________
_ وبعد ساعات قضاها في الطريق وصل أخيراً إلى وجهته، صف سيارته أمام السرايا ثم هاتف وردته ليخبرها بوصوله كما حثته مراراً طيلة مدة عودته.
_ أنهى معها المكالمة سريعاً فالتعب إنهال منه وتملك من بدنه بسبب ذهابه وإيابه دون أخذ قسطاً من الراحة، توسط فراشه وحاول أن يغفوا لكن النوم لا يعرف سبيل الوصول إلى مصطفى، فوردته ليست بين ذراعيه تستند برأسها على صدره، فكيف سيأتيه النوم بدونها؟
_ حاول مراراً وفي النهاية تبوء محاولاته بالفشل الذريع، تأفف مصطفى بضجر واضح فهو يريد التنعم ببعض النوم لكي يقلل من تعب بدنه المرهق
_ فشل في المرة التي لا يعلم عددها، نهض من مكانه فشعر بنفوره من الغرفة وحبيبته ليست فيها، خرج من الغرفة ومن ثم خارج السرايا بأكملها، كانت قد أشرقت الشمس وطلع النهار فتوجه إلى طوالة الخيل عله يعود إلى سلامه النفسي هناك.
_ وقف أمام مُهرة يطالع عقدة خصلاتها التي إلى الأن لا يريد تحرير قيدهم فهما من صنع يدي ورد ويجدر به الحفاظ عليهم، لم يستطيع صبراً وهاتفها ليمتع أذنيه بنبرتها التي يعشق سماعها، تفاجئ مصطفى بردها السريع فهو قد هاتفها للتو على ما يبدوا أن هناك آخر لم يحظى بنوم تلك الليلة
_ بتعجب سألها:-
كانك جاعدة على الزرار
_ أجابته بنبرة خافتة لكي لا تتسبب في إيقاظ الأخريات:-
معارفاش أنام وكنت هطلبك بس جولت أنك نايم
_ أخرج تنهيدة متعبة قائلاً:-
أني بردك معارفش أنام جيت الاسطبل يمكن أحس براحة هبابة
”عنديك مُهرة تهون عليك، أنت بجا خدت حضنك وياك وأنت ماشي اعملوا ايه أني دلوك ؟”
_ هتفت بهم ورد بحزن فعاتبها مصطفى بلطف فهي من أصرت على الرحيل، لم يكن هناك داعي لإطالة الحديث في الأمر فرحيلها قد تم بالفعل
_ أنهى المكالمة بعد مدة وعاد إلى السرايا لعله ينجح تلك المرة في أخذ قيلولة والنتيجة ذاتها
، تأفف بضيق ثم نهض ليعود إلى عمله فكان هذا ملجئه الوحيد كذلك ورد أنشغلت مع بنات خالها ربما يقـ,ـتلع مصطفى وافتقادها إليه من عقلها.
______________________________________
_ بعد حلول فجر اليوم مع فشلها الذريع في النعاس نهضت من جانب والدتها وولجت لشرفة الغرفة بعدما حاوطت كتفيها بسترة خفيفة، استندت بمرفقيها على حافة السور وطالت المكان من حولها بسلام داخلي فليس هناك أعين متطفلة قد تضايقها.
_ من يرى ازدحام شوارع المنطقة وضجتها نهاراً لن يصدق ذلك الهدوء التي تلمسه وتشعر به، تنهدت بصوت مسموع فقلبها يتأرجح ما بين الهموم والافتقاد لرفيق روحها وحبيب فؤادها
_ انحنت برأسها على السور وهي تطالع ضوء الشمس التي على وشك الشروق ودندنت بنبرة خافتة من فرط شوقها إليه:-
أني كل ما جول التوبه يا بوي
ترميني المجادير يا عين
اتوحشت عيونه الزرج يا بوي
ومدوبني الحنين يا عين
متغرب والليالي يا بوي
مش سايباني فى حالي يا عين
والرمش اللى مجرحني يا بوي
ضيعني وأنا كان مالي يا عين
يا رموش جتاله وجارحه يا بوي
وعيون نيمانة وسارحة ياعين
أديكي عمري بحاله يا بوي
واديني انتي الفرحة ياعين
الجلب الأخضراني يا بوي
دبلت فيه الأماني يا عين
ولا قادر طول غيبتكوا يا بوي
أنا ما اجول التوبة يا بوي
ترميني المجادير يا عين
اتوحشت عيونه الزرج يا بوي
ومدوبني الحنين يا عين
_ مع إنتهاء كلمات الأغنية تفاجئت بتلك السيارة التي تصف أسفل البناية التي تمكث هي فيها، أعتدلت في وقفتها تتأكد من حدسها، شهقت بسعادة غمرت قلبها حين رأته يترجل من سيارته، لم تتوقف لحظة بعد وهرولت مسرعة إلى الخارج لكي تستقبله استقبالاً حار تخبره بمدى اشتياقها إليه..
_ هبطت الأدراج فتقابلت معه في منتصف السُلم، لم يلمح مصطفى طيفها بعد ففوجئ بذلك العناق الذي اخترق صدره من قوته، أمسك الحائط بيده حتى يوازن بدنه الذي اختل بسبب عناقها المفاجئ ثم حاوط خصرها بيده حين استطاع الوقوف على قدميه بتوازن
_ دفن رأسه في عنقها يشم رائحتها الذكية الفريدة من نوعها التي بدت غريبة تلك المرة فلم يحظى بها من قبل
_ قطع ذلك الصمت صوتها المبحوح:-
لو تعرف اتوحشتك كد إيه
_ شد على ظهرها بقوة مردداً بنبرة متيمة:-
النوم مجافيني وأنتِ مش في حضني
_ أنزلها مصطفى بهدوء ولوهلة استشف وقوفها دون وشاحها، اتسعت حدقتيه بذهول وطال المكان من حوله بتفحص ثم أعاد النظر إليها معاتبها بلطف:-
كيف تنزل على حالتك ديي حد يشوفك
_ نظرت ورد إلى حالتها التي لم تحسب لها، عضت على شفتيها بحرج وعللت تناسيها للأمر:-
لما شوفت طلتك مجدرتش أفكر في أيتها حاجة غير إني أحضنك
_ أخرج مصطفى تنهيدة حارة من جوفه ثم قال وعينيه يتأجج فيهما الإيلام لعدم انتباهها لما فعلته وأردف:-
طيب يلا جدامي يا هانم
_ تشكلت ابتسامة رقيقة على محياها ثم سبقته إلى الأعلى كما تبعها هو، أوصدت ورد الباب بحذر لكي لا تتسبب في إيقاظ من في المنزل، أشارت إليه إلى باب الصالون مرددة:-
ديي الأوضة الوحيدة اللي معيدخلهاش حد تعالي ندخلوا فيها
_ لم يكتفي مصطفى بإغلاق الباب وقام بتوصيده جيدا ثم نظر إليها متلهفاً لها فتفاجئ بعبراتها التي تنسدل بغزارة، قطب جبينه بغرابة من أمرهم وسألها باهتمام:-
وااه بتبكي ليه؟
_ بهدوءٍ توجهت إليه حتى استكانت بين أضلعه مستندة برأسها على صدره معللة سبب بكائها:-
مطرحي عاودلي من تاني
_ رفعت بصرها عليه وواصلت من بين بكائها بنبرة بالكاد يفهمها مصطفى:-
كنت حاسة إني ضايعة، متبعدش عني تاني واصل
_ طالعها مصطفى مستاءً وعينيه يشع منهما العتاب فهي من أصرت على الرحيل، استشفت ورد ما يرمي إليه فهتفت نادمة:-
مكنتش أعرف إني هحتاس أكده من غيرك
_ صاح مصطفي عالياً بنبرة متعبة:-
ياااه لو تعرفي أني نفسي في ايه دلوك؟
_ أسرعت هي في سؤاله بفضول مصحوب بالاهتمام:-
نفسك في ايه؟
_ أغمض عينيه وهو يسحب بعض الهواء مجيباً إياها بصوته الأجش:-
نفسي أنام مرفش ليا جفن وأنتِ غايبة عني
_ ابتعدت عنه ورد ونظرت إلى حيث يقفان ثم عادت ببصرها إليه، رفعت كتفيها بقلة حيلة وأردفت:-
كيف ما أنت شايف أكده مفيهش مكان نناموا فيه وهنضطر نناموا على الأرض الليلة
_ أعادها مصطفى برفق الي صدره مردداً بعدم اكتراث لموضع نومهم:-
مش مهم هناموا فين كفاية أنه في حضنك
_ لم تمنع ورد ابتسامتها التي رُسِمت عفوياً على ثغرها الوردي، وقفت على أصابع قدميها لكي تكون في نفس مستوي قامته وطبعت قُبلة ناعمة للغاية على طرف شفاه ثم انسحبت من بين ذراعيها موضحة:-
هجيب حاجة افرشها على الأرض وهعاود طوالي
_ انصرفت سريعاً وقد عادت في سرعة لم يتصورها مصطفى، ساعدها في وضع ما جلبته أرضاً ثم استقل أعلاه مشيراً إليها بالمجئ إلى حضنه فلبت طلبه بصدر رحب
_ استكانت أعلى صدره وأوصدت عينيها لتنعم ببعض الطمأنينة التي افتقدتها في بعدها عنه كذلك هو لم يطيل كثيراً وقد ترك العنان للنعاس يتملك منه فبدنه منهمك للغاية وبحاجة شديدة إلى الراحة وياحبذا راحته بقرب مهجة فؤاده..
______________________________________
_ في الصباح الباكر، استيقظت سنية قلقة على ضوء الشمس الذي تسلل داخل الغرفة عمودياً على فراشها، تعجبت من أمر الباب المفتوح فهي من أغلقته بنفسها ليلة أمس قبل أن تنام
_ مالت برأسها للجانب قاصدة النظر إلى ورد فتفاجئت بعدم وجودها حتماً هي من فتحته، نهضت من فراشها ثم توجهت إلى الشرفة فلم تجدها
_ عقدت حاجبيها بغرابة وقد تملك القلق منها، أعادت غلق الباب وهمت بالخروج باحثة عنها، قابلت أسماء ابنة شقيقها واقفة في منتصف الردهة فسألتها بقلق:-
مشوفتيش ورد يا أسماء ملجتهاش جاري
_ قطبت أسماء جبينها فهي لم تراها منذ استيقاظها، نظرت يميناً ويساراً وقالت:-
لا والله يا عمتو مشوفتهاش أنا حتى صاحية من بدري عشان ألحق الجامعة ومتخيلتش بيها أصلا، يمكن في البلكونة شوفتيها؟
_ احتدت ملامح سنية بخوف عارم وأجابتها بتوجس:-
شوفتها يابتي ملجتش حد فيها
_ لاحظت أسماء أن باب الصالون مغلق على غير العادة، توجهت نحوه وحاولت فتحه لكنه موصد من الداخل، تنهدت براحة والتفتت إلى حيث تقف عمتها وطمأنتها:-
ورد جوا يا عمتو متقلقيش
_ أخرجت الأخرى تنهيدة مهمومة واقتربت من إبنة أخيها متمتمة بنفاذ صبر:-
مخابراش البت ديي هتفرحوا ميتى ديي يا حبة جلبي تطلع من حفرة تقع في ضحضيرة مبتلحجش تفوج من المصيبة تلبس في مصيبة تانية
_ أشفقت أسماء على حالتها المذرية، دنت منها وربتت على كتفها بحنو وهتفت محاولة مآزرتها:-
بكرة الآيام تتعدل معاها يا عمتو وبصراحة أنا شايفة إنكم خايفين على الفاضي طلاما جوزها بيحبها يعني هيقدر يسامح هي يعني كانت عملت ايه دي كانت متعمشة أنه يجيب لها حقها مش أكتر
_ حركت السيدة سنية رأسها مستنكرة حديث اسماء الساذج، حاولت إظهار هول المصيبة الواقعة فيها إبنتها معلقة:-
حب ايه بس يابتي والحب هيشفع لها لما يعرِف إن أخوه اتجتل على يد عمها!
_ تفاجئن كلتاهن بفتح الباب وظهوره من خلفه بأعين چاحظتين قد تحول لونهما إلى الإحمرار القاتم يتطاير منهما الغضب الشديد، وبهدوء يسبق عاصفة غضبه سألهم للتأكيد:-
حمدان جتل هلال!!
عُرف_صعيدي
الفصل الرابع والعشرون
( الأخذ بالثأر )
______________________________________
_ سكون مريب حل لثوانٍ كانت بمثابة أعوام بالنسبة للجميع، لم يقدر أحدهم على التحدث من هول المفاجأة، فلقد تفاجئن بوجود مصطفى ناهيك عن سؤاله الذي ألجم عقولهن قبل ألسنتهن.
_ خرجت سنية من صدمتها حين ألقى بسؤاله هاتفاً بحنق:-
بتك كانت عارفة ومدارية عني؟
_ بالتأكيد لن تجيبه، فكلماتها في تلك الأثناء لن تكون إلا وقوداً سيزيد من اشتغال نيران غضبه، استدار مصطفى بيده موليهم ظهره وعاد إلى فتاته النائمة، انحنى عليها جاذباً إياها من ذراعها بهجومية مجبراً إياها على الوقوف وهو يردد بنبرة غير قابلة للنقاش:-
جومي..
_ رجف جسد ورد بذعر وتشوشت رؤيتها لبرهة بسبب نهوضها المفاجئ الذي لم تحسب له ناهيك عن نبضات قلبها التي تتسارع كسيارات السباق، مررت أنظارها بين الجميع فلم تستوعب بعد ما يحدث
_ انتبهت على صوته الغاضب حين صاح:-
كنتي تعرِفي إن حمدان هو اللي جتل أخوي!!
_ صعقت ورد من سؤاله، لوهلة شعرت بأنها واقعة بين كابوساً مرعب تريد الاستيقاظ منه، تأكدت أنه واقع مرير حين هزها مصطفى بكل ما أوتي من قوة مكرراً سؤاله:-
ردي عليا كنتي تعرِفي؟؟
_ طالعته والخوف مرسوم على تقاسيمها فسودتاه مع لهجته تزيدها رعباً، كم تمنت أن تنشق الأرض وتبتلعها في تلك اللحظة، لا تريد مواجهته التي ستكون نهاية حتمية لعلاقتهم!
”انطجي وردي عليا”
_ خرجت من شردوها على صوته الذي يحثها على إجابته، طالعته لوقت ثم بهدوء تام أجابته ولسانها يرتجف خوفاً:-
عرفت بس..
_ لم يعطيها فرصة إبداء أية تبريرات لن تجدي نفعاً معه، دفعها بغضبه الجامح فسقطت أرضاً مصدرة شهقة قوية إثر تفاجئها بتصرفه، هرول مصطفى إلى الخارج دون أن يلتفت بينما تبعته السيدة سنية متوسلة إياه:-
اهدى يا مصطفى، اعجل يا ولدي ورد ملهاش ذنب عاد
_ هيهات لكلماتها التي لا يصغي إليها، فأي كلمات ستهون ألم فراقه علر أخيه والأدهى أن من أعلن بها حبيبته قبل أن تكون زوجة له لها علم بقاتل صغيره ولم تشي عليه، توقف عقل مصطفى تماماً حين ربط الأحداث كاملة لتظهر الصورة بوضوح أمامه، ورد من تسببت في قـ,ـتل أخيه!!
_ تجمع من في المنزل إثر صراخ سنية لعلها تنجح في إخماد بركان غضبه، حضر شقيقها متسائلاً في قلق:-
ايه يا سنية؟
_ سقطت السيدة سنية بإهمال على الأرض تندب بتحسر على ما تسببت فيه دون وعي منها:-
أني السبب، أني السبب مني لله
_ جلس شقيقها بجوارها وربت على ذراعها في حالة ذعر مسيطرة عليه، وجه بصره إلى إبنته الكبري وسألها حين فشل في فهم ما يجري من شقيقته:-
عمتك مالها يا..
_ صمت ماهر حين وقع بصره على ورد الجالسة على الأرض في وضع مريب حينها استشف أن هناك كارثة وهتف متسائلاً:-
حصل ايه يا أسماء انطقي!
_ أخبرته أسماء ولازالت أسفل تأثير رهبة الموقف:-
مصطفى عرف إن عم ورد اللي قتـ,ـل أخوه!
_ صعق ماهر من سماعه لما أخبرته به أسماء كذلك لم تكن زوجته أقل منه صدمة وأصدرت شهقة قوية إثر صدمتها، تحركت أسماء للأمام حتي وصلت إلى ورد وجلست بجوارها متسائلة في إهتمام:-
أنتِ كويسة يا ورد؟
_ كان سؤال أسماء بمثابة منبه أخرجها من حالة ذهولها التي إلى الأن لم يستوعبها عقلها بعد، طالعت أسماء وكأنها رأتها للتو، خفق قلبها رعباً حين خُيل لها أخذ مصطفى لثأره من عمها حتماً سينال عقابه بقية حياته بين جدران السجن إن لم يُحكم عليه بالاعدام!!
_ لا والله لن تتحمل، انتفضت من مكانها مذعورة ومشهد إعدامه لا يريد الاقتـ,ـلاع من عقلها، هرولت إلى الخارج ومن ثم إلى الغرفة التي تقيم بها وقامت بتبديل ثيابها سريعاً، حاولت أسماء فهم ما تقوم به بسؤاله:-
رايحة على فين بس يا ورد؟
_ أجابتها وهي تتابع ارتداء وشاحها:-
هعاود البلد يمكن ألحجه!!
_ تدخلت زوجة خالها بقولها:-
معاد القطر مش دلوقتي خالص لسه بدري عليه
_ توقفت ورد عما تفعله ووزعت انظارها بين الواقفين وعقلها متوقف تماماً عن إنتاج أي حلول في تلك اللحظة المروعة، حاولت عائشة حل الأمر مردفة:-
ثواني يا ورد هطلب عربية سفر من شركة اتعاملنا معاها قبل كده وإحنا جاين عندكم
_ وافقتها أسماء على اقتراحها المناسب مرددة:-
أيوة صح فكرة حلوة
_ حركت ورد رأسها بقبول ورددت بلهجة سريعة غير مفهومة:-
إيوة اطلبي بسرعة الله يرضي عنك
_ ساعد ماهر السيدة سنية على الوقوف فتابعت هي سيرها حيث الغرفة التي تقيم بها، وقامت بتبديل ثيابها هي الأخرى حتى ترافق ورد في سفرها بالتأكيد لن تتركها بمفردها وكذلك انضم إليهم ماهر فهو عائلهم الوحيد الأن
_ مر ما يقرب خمس وأربعين دقيقة عليهم وكأنها خمس وأربعين عاماً فالوقت يسير على نهج بطئ للغاية، لم تكف ورد عن مهاتفة مصطفى متأملة إجابته عليها لعلها تنجح على إخماد غضبه لكن هيهات له فلا يرى في تلك الأثناء سوى أخذه بالثأر فقط
_ نفخت ورد بنفاذ صبر حين أخبرتها عائشة بوصول السيارة، ركضت مهرولة إلى الأسفل كما تبعتها والدتها وخالها، استقلوا ثلاثتهم في السيارة ثم ارتفعت نبرة ورد التي تحث السائق على التحرك سريعاً:-
اطلع لو سمحت بسرعة عايزين نوصلوا البلد في في أسرع وجت
_ أماء لها بقبول ثم تحرك بهم بسرعة فائقة كما أرادت ورد التي لم تتوقف عن الدعاء داخلها بأن تستطيع اللحاق بمصطفى قبل أن يحدث مالا يحمد عقباه..
______________________________________
_ قطع مسافة العودة في مدة قصيرة، وصل إلى السرايا ولم يرفع يده من على صافرة السيارة حتى فتح له الحارس في ذعر من أمره المريب..
_ صف مصطفى سيارته في منتصف الطريق بإهمال، ترجل منها بخطى مهرولة غير مستقيمة أثارت فضول الجميع حوله، طرق على الباب بعنف شديد حتى فتحت له صفية متوجسة خيفة في نفسها من أمر تلك الطرقات الغير حضارية
_ تقدم للأمام ما أن فُتح الباب ولم يلتفت خلفه، تابع تقدمه إلى الأعلى أثناء خروج السيدة نادرة من غرفتها، لاحظت حالته المذرية التي خفق قلبها رعباً إثرها، هرولت خلفه في ذعر من أمره، ولجت لغرفته متسائلة بتوجس شديد:-
في ايه يا مصطفى؟
_ شهقت بصدمة حين رأته يسحب سلا…حه من خزانته وأعادت تكرار سؤالها بخوف عارم قد اجتاحها:-
في ايه يا مصطفى وبتاخد ..سلا..حةليه يا ولدي رد عليا
_ لم يعيرها مصطفى اهتمام وهرول للخارج وما كان يتردد أمام رؤياه سوى القصاص لدماء أخيه الذي ارتوت بها الأرض، تبعته وهي تصرخ عالياً:-
رد عليا يا مصطفى رايح فين وهتعمل ايه بالسلا…..ح؟
_ بلهجة غا..ضبة غير سامحه للنقاش أجابها مختصراً:-
هاخد تار هلال ياما
_ صعقت نادرة مما وقع على مسامعها ولم تستطع الصمت حيث علقت بسؤالها:-
لاه يا ولدي ملكش صالح بحمدان عاد!
_ توقفت قدمي مصطفى تلقائياً بعدما صغى إلى كلماتها، بهدوءٍ يسبق عاصفة غضبه استدار بجسده وطالها لبرهة قبل أن يردف:-
أنتِ كنتي تعرفي إنه حمدان وداريتي عني؟
_ اقتربت بخطاها منه حتى وقفت أمامه مجيبة إياه بدافع العاطفة الأمومية والخوف:-
خوفت يا ولدي، خوفت عليك مفضليش غيرك من بعد خوك، مهجدرش أتحمل فراج تاني صدجني مهجدرش أشوف ابني بيرمي نفسيه للمو….ت وأجف اتفرج من بعيد، أني ماصدجت حياتك ينصلح حالها ورضيت بمرتك وعشجتها أجوم أجولك مين اللي جتل خوك وكل ديه يبجي بح!!
_ إلتوى ثغر مصطفي بتهكم مردداً بجمودٍ قاسِ:-
أنتوا جدرتوا تعملوا فيا أكده كيف؟ كيف جدرتي تبصي في عيوني التنين وأنتِ شيفاني بدور كل يوم علة أمل إني اوصله!!، والتانية اللي كانت بتنام على صدري كل ليلة وتطلع مدارية عني بس معلوم هتجولي كيف وهي السبب، هي اللي رمت أخوي فريسة لعمها ينهش فيه، أني مصدوم فيكم!
_ أولاها ظهرها فأسرعت باللحاق به بمسكها لذراعه وصاحت عالياً مبررة تصرف ورد:-
أني اللي جولتلها متجولكش حاجة، أني اللي خدت وعد منيها من خوفي عليك، لو حد عليه اللوم يبجي أنى يا ولدي مش هي أني اللي أصريت عليها أني السبب هي ملهاش ذنب، مضيعش شبابك عشان واحد ميستاهلش يا مصطفى عشان خاطر أمك اسمع حديتها
_ حرر مصطفى ذراعه من بين قبضتها بقوة وهتف من بين أسنانه المتلاحمة بغضب يفوق الوصف:-
خوي اتجتل وأني اللي هجيب له حجه أني اللي هاخد بتاره ولا أنتِ ولا هي تجدروا تمنعوا اللي ناويه لحمدان
_ دني منها وعروق عنقه تكاد تخترق بدنه من فرط برزوها وتابع هتافه ناهياً الحوار:-
ديه هلال ياما هلال!!
_ أولاها ظهره وتابع هرولته إلى الخارج بينما تبعته هي إلى الخارج بخطى متعرقلة وهي تصيح عالياً:-
لاه يا مصطفى اسمع حديت أمك يا ولدي
_ صرخت في عسران الذي حضر إثر صراخها:-
إلحجه يا عسران هيجتل حمدان
_ قطب جبينه بغرابة وسألها بعدم استعياب:-
أباه، حمدان! ليه عمل ايه؟
_ أجابته بمرارة في حديثها:-
عرف أنه هو اللي جتل هلال، أحب علة يدك إلحجه ووعاك تهمله واصل
_ تجهمت تعابير عسران وفارت دمائه بغضب شديد، فها قد علم بهوية قاتل هلال لطالما طال البحث عنه، أعدل من وضعية سلا؟حه على كتفه ثم التفت إلى حيث يقف رجاله وبنبرة جهورية أمرهم:-
هم بينا يا ولِد منك ليه ناخدوا بتار هلال!
_ صعقت نادرة مما سمعته لتوها، فهي استنجدت به ليكون عوناً لها وحماية لولدها من شر نفسه والآن هو من يصرح بأخذه لثأر صغيرها، حركت رأسها في استنكار تام وهدرت به شزراً:-
بجولك احمي ولدي وامنعه من اللي ناوي عليه تجوم تجولهم هناخدو بالتار!!
_ بهلجة غير سامحه للنقاش أردف بصرامة:-
ديه تارنا كلاتنا ولازمن نخدوه
_ أولاها ظهره ثم هم بالمغادرة في إحدى السيارات ومن ثم تبعاه رجاله في سيارات عدة قاصدين منزل حمدان..
_ لم تقدر ساقي نادرة علي حملها وخارت قواها ما ان اختفوا من أمامها، همت صفية بالإسراع نحوها مساعدة إياها على صلب قامتها التي انحنت مرددة:-
تعالي ندخلوا جوا يا ست نادرة
_ أبت نادرة الدخول قبل أن يأتيها خبر ما تخشى سماعه أو ربما يعدلها الله دون تدخل ولدها في الأمر ووقوعه في التهلكة، رافقتها صفية ولم تتوقف عن ترديد الكلمات الطيبة على أملاٍ أن تهدي من روعها.
______________________________________
_ اقتحم الغرفة بصورة غير لائقة، بحث في جميع أرجائها عن مراده ولم يصل في النهاية إليه، فتح الخزانة وألقى ما بها من ثياب ومستلزمات أخرى أرضاً ربما يلقى ما يبحث عنه، خلع جميع الأدراج الموجودة في الغرفة والنتيجة ذاتها دون جدوى
_ رفع بصره على تلك الجامدة التي تتوسط الفراش ولا تشعر بوجوده، اقترب منها متسائلاً بنبرة محتقنة:-
فين الحبوب اللي كانت في الحمام؟
_ طالعته بلا مبالاة وبفتورٍ قالت:-
مخابراش
_ تجهمت تقاسيمه فلم يقنعه ردها، انحنى عليها جاذباً إياها من ذارعها مجبرها على الوقوف أمامه، وبإنفعال واضح هتف:-
لا خابرة انطجي يا ثريا وجولي فينها الحبوب
_ حررت ذراعها بقوة معنفة إياه ببغض في لهجتها:-
بجولك مخابراش الجرف اللي بتتعطاه ديه فين ؟
_ صفعها بعنف دوت قوته على وجهها، دفعته ثريا بشجاعة تحلت بها حينها ولم تخشاه تلك المرة بل صلبت قامتها وأردفت بإزدراء:-
يا أخي داني بكرهك كره العمى، داني أطيج العمى ولا أطيجكش، جرفت منيك ومن عمايلك السودة
_ أزفرت بعض العبرات بمرارة ووصلت عتابها متسائلة:-
عملت لك ايه عشان تعاملني بالجسوة ديي، خلجات وأحسنهم كنت بلبسلك، اهتمام ومفيش واحدة في عمري بتعمل اللي أني بعمله ديه ولا كاني بت ١٦، ليه يا حمدان ليه؟
_ أجابها بعدم رأفة لمشاعرها:-
مبحبكش ولا عمري حبيتك، جلبي مبيسكنوش غير واحدة وبس عنيا التنين مبتشوفش غيرها لكن أنتِ ولا عمري شوفتك ست من أساسه، مهما عملتي عمرك ما جدرتي تملي عيني
_ قاطعته بقولها:-
لان عينك فارغة يا حمدان وتحب الرمرمة
_ رمقته بنظرات احتقارية، شعرت بالنفور المختلط بالتقزز منه، لم يتحمل حمدان كلماتها المهينة وانقض عليها كمن أنقص على فريسته ولن يتراجع قبل اقـ,ـتلاع روحها في يديه ..
_ لم تصرخ ثريا مستعينة بطاهر تلك المرة وكأن مقاومتها قد انهارت وحلقت في الهواء، تحملت وتحملت دون أن يصدر منها أنين حتى شعر حمدان بالتعب فتوقف من تلقاء نفسه وانسحب إلى الخارج دون أن يلتفت إليها
_ لم ترفع ثريا بصرها عن الباب الذي اختفى خلفه حمدان، كزت على أسنانها حاسمة أمرها بفعل ما يحثها شيطان أفكارها على فعله، شهيقاً وزفيراً فعلت ثريا ثم توجهت إليطى الأمام ودلفت للخارج بخطى متمهلة، وقفت أمام النافذة التي تتوسط الممر لوقت قبل أن ينضم إليها طاهر متعجباً من وقوفها بمفردها:-
صباح الخير ياما واجفة عندك بتهملي إيه؟
_ حركت رأسها للخلف وطالعته بملامح جامدة، اقتربت منه وسمحت ليدها في التسلل إلى وجهه ومسلت عليه بنعومة شديدة وقد ارتخى جمود ملامحها ولانت، تقوس ثغرها بإبتسامة لم يستطع طاهر فهم ما خلفها فبدت مريبة بعض الشيء ناهيك عن تصرفها التي تفعله لمرتها الأولى
_ خرج عن صمته بسؤالها في قلق قد سيطر على مشاعره:-
مالك ياما فيكي حاجة غريبة؟!
_ ابتلعت ريقها وردت عليه بنبرة خافتة حنونة:-
مفيهش يا حبيبي، رايدة أوصيك وصية يا طاهر اوعدني أنك تنفذها
_ لا يعلم لما تسلل الخوف إلى داخله كما خفق قلبه بصورة مضطربة وكأنها تودعه، حاول فهم ما ترمي إليه بنبرة قلقة:-
وصية ايه عاد ياما في إيه وبتتحدتي أكده ليه؟
_ أخفضت يدها من على وجهها وربتت على ذراعه متابعة حديثها المسترسل:-
اسمعني لاول يا طاهر، خلي بالك من اختك واوعاك تزعيلها حابي عليها يا ولدي هي عجلها كيف البُلغة بس ديه ميمنعش أنها أختك وواجب عليك حمايتها
_ كان يطالعها وداخله غير مطمئن بالمرة، رمش بأهدابه عدة مرات متتالية وأعاد سؤالها بتوجس شديد:-
ياما أنتِ بتخوفيني بحديتك ديه، ريحي جلبي وجولي لزمته ايه؟
_ أزفرت الأخرى أنفاسها بتمهل مُشكلة بسمة على محياها وحاولت طمأنته:-
مش لازم يكون في حاجة عشان أوصيك على اختك، حبوا بعض يا ولدي أنتوا اللي باجين لبعض من بعدنا
_ شدت على ذراعه بقوة وواصلت مضيفة:-
واوعاك يا طاهر تبص وراك، عيش حياتك مع مرتك واملوا الدار عيال كاتير هما اللي هيكونوا عزوتك يا حبيبي
_ أخرجت تنيهدة حارة ثم أعادت يدها إلى جوارها وأجبرت شفاها على رسم ابتسامة زائفة حتى لا تخيفه ناهية الحوار:-
كنت رايدة افضفض معاك شوية يا طاهر، يلا روح يا ولدي لمرتك ربنا يخليكم لبعض
_ غادرها طاهر حين فشل في فهم حالتها المريبة بينما عادت ثريا إلى النافذة ومدت يدها على الحجر الذي سبق ورأت طاهر يدس خلفه سلا….ح والده واحتضنته بيدها وهي تطالع الخارج بذهن لا يتردد فيه سوى شيء واحد فقط…
______________________________________
_ وصلا مصطفى إلى منزل حمدان، سحب سلا……حه من أمامه وترجل من السيارة دون أن يغلق بابها، ركل باب الحديقة الصغير بقدمه حتى خلعه من مكانه، تابع سيره للداخل ثم وقف في منتصف الحديقة ورفع ذراعه للأعلى وضغط على زناد مسدسه فدوى صوت الرصاص في الهواء وبنبرة مشحو….نة من الغضب صاح عالياً:-
أخرجي لي يا حمدان، مصطفى الجبلاوي جاي ياخد بتار خوه منيك!!
_ هنا كانت الصاعقة التي انسدلت على مسامع من في المنزل ألجمت ألسنتهم، تجمعوا في ردهة المنزل إلا من ثريا التي لم تحضر، كاد أن يخرج له طاهر لكن والده منعه بدافع الخوف:-
لاه خليك أنت إهنه هو مشايفش جدامه ممكن يصيبك عيار
_ توجه حمدان إلى شرفة المنزل ورمق خارجه بخوف عارم فانتبه على صوت مصطفى الساخر:-
هتجف تبص عليا من ورا الشبابيك كيف الحريم
_ أعاد مصطفى إطلاق الرصاص في الهواء مردداً:-
لو مخرجتش دلوك هطربج الدار بلي فيها ومهسميش على أيتها حد
_ لم يتحمل طاهر كلمات مصطفى وهرول إلى الخارج فدوت صراخات مروة وصباح عالياً متوجسين خيفة عليه حيث قلن:-
لاه يا طاهر بلاها خروج
إوعاك تخرج يا طاهر
_ لم يكترث لهم وظهر أمام مصطفى بقامة منتصبة فسخر منه الآخر بحنق:-
خايف يخرج لي فبعتك انت!!
_ دنى منه طاهر إلى أن ألتصق في سلا؟؟؟؟؟؟حه المصوب عليه وبلا مبالاة همس:-
أنت فاكر إنك هتخوفنا بسلا.حك ديه؟
_ كز مصطفى على أسنانه وبهدوء حذر هتف:-
غور من جدامي إما أخليكم تحصلوا بعض!!
_ تفاجئ طاهر بدفعه للجانب فالتف ليري من الفاعل فإذا به والده يقول وعينيه يتأجج بهما الندم المصحوب بالشجن:-
خليك باعيد يا طاهر ديه تاره ولازمن ياخده
_ وجه حمدان بصره علي مصطفي وببرود تصنع ثوبه أردف :-
أني جدامك اهاه خد تارك مني
_ هتفت صباح صارخة من خلفه:-
لاه يا أبوي لاه
_ رمقه مصطفى بنظرات احتقارية مشتعلة وهو يتذكر حالة أخيه حينذاك، ازدرد ريقه بصعوبة وهدر به شزراً:-
عملت أكده ليه، هلال عملك ايه عشان تجتله، كنت متفج مع بت أخوك انكم تجتلوه عشان تخرجوا من وراه بشوية فلوس ولا كان ايه اللي نواياكم وانتوا بتجتلوه!!
_ تدخل طاهر مدافعاً عن ورد بشهامة:-
ورد ملهاش دخل باللي بتجوله ديه، ورد أشرف وانقى منيكم اتنيناتكم، محدش عارف جيمتها والكل بياجي عليها من أول عمها لحد جوزها!!
_ لكمه مصطفي بكل قوته حين لم يتحمل حديثه على ورد، فمن يكون حتى ينطق بحروف إسمها بتلك الأريحية والأدهى دافعه عنها!!، وقع طاهر أرضاً إثر قوة لكمة مصطفى، كاد أن يهم بالوقوف ليرد له الصفعة بأضعاف لكنه فؤجي برجال السرايا التي حاصرت المكان من حولهم ناهيك عن الرجال التي منعت وقوفه والوصول إلى مصطفى مرة أخرى ..
_ شعر مصطفى بسيطرته على الوضع عند وصول رجاله الداعمين له، حان الأن فرض جبروته والقصاص لاخيه من ذلك الحقير، أمسكه مصطفى من تلابيب جلبابه هاتفاً آخر ما يدور في جوفه :-
هلال لما انجتل الخلج دعت له بالرحمة لكن أنت لما تتجتل بيجولوا الله يلـ,ـعنه مطرح ما راح وديه بالظبط اللي رايده أنك تتعذ؟ب دِنِيا وآخره
_ بهدوء تام وجه سلا…..حه على قلب حمدان ولازال ممسكاً بتلابيبه حتى دوي في المكان صوت تلك الرصا؟؟؟صة التي اختر.قت جسد حمدان وسالت دما؟ئه بغزارة…
______________________________________
_ الصدمة دون غيرها حلت على وجوهم، ثوانٍ قليلة مرت والجميع في حالة صمت مريبة يستوعبون فيها هول الموقف، طالعتها نادرة لوقت والذهول مسيطر على نبرتها التي علقت بها متسائلة:-
حمدان اللي جتل ولدي!!
_ ازدردت ورد ريقها رعباً مما هي مقبلة عليه، توجهت إليها نادرة فأسرعت صفية التي كانت برفقتها في اللحاق بها قبل أن ما تتصرف بتهور:-
اهدي ياست نادرة
_ دفعتها نادرة بعيداً عنها وتابعت سيرها إلى أن وقفت مقابل ورد ورددت متسائلة:-
ليه يعمل أكده، ولدي كان آذاه في ايه عشان يجتله!
_ نكست ورد رأسها فهي المتسبب الأساسي في قتـ,ـل هلال، ترقرقت العبرات في عينيها وأجابتها بندم مختلط بالحزن الذي تبدد داخل قلبها:-
عشانه مفتر.ي، آكل ور.ثي ولما هلال طالبه بيه..
_ توقفت عن الحديث فلا تتحلى بالشجاعة لكي تواصل جمتلها، أخفضت نادرة بصرها وعقلها مشو…..ش تماماً إثر صدمتها فيما علمت به مؤ..خراً، ابتلعت ريقها مراراً حين جف حلقها وتسائلت بنبرة جامدة:-
مصطفى يعرِف بالحديت ديه؟
_ تدخلت سنية مجيبة إياها لكي تحسن من وضع إبنتها:-
محدش عنديه علم بحاجة يا ست نادرة، أني لسه مبلغة ورد دلوك هي مكنتش تعرِف أيتها حاجة
_ أعادت نادرة النظر إلى ورد وبنبرة فاجئت الجميع أردفت:-
ومحدش هيعرِف حاجة ومصطفى بالذات مينفعش ياخد خبر ياللي علمتيه ديه!!
_ ذهلت ورد من أمر نادرة الحاسم، لكنها لم ترضي أمرها فهذا سيكون غشاً، حركت رأسها رافضة بشدة:-
بس ديه يبجي إسمه غش، هنام جاره كيف وأني مخبية عنيه حاجة؟
_ أوصدت نادرة الباب خلفها بهدوء وأعادت النظر إلى ورد متوسلة إياها بنبرة لحوحة:-
أحب على يدك يا ورد أني مفضليش غيره، ومرايدهوش يحصل أخوه، مصطفى رأسه كيف الحجر ولا هعاود جبل ما ياخد تار أخوه بيده، وأني ربنا يعلم ان جلبي اكتفى حزن ومهتحملش فراج غالي تاني، هطب ساكتة وراهم يا ورد أني ناري لسه مهدتش من ورا اللي راح تجومي تشعليلها أكتر بجولك لمصطفى!!
_ أمسكت نادرة يد ورد وأردفت بتوسل شديد متابعة لحديثها:-
لو بتحبي مصطفى صوح اوعاه يعرِف حاجة، حِسه بيناتنا بالدنيا كلاتها يا ورد معايزاش أيتها حاجة بعديها
_ أولاتهم ظهرها وتوجهت نحو الأريكة التي اعتلتها بإهمال وعقلها يأبي الرضوخ لما تحثها على فعله فهذا سيكون نفاق ولن تقدر على مواجهة مصطفى بعد، إذاً فعليها المغادرة…
_ أعادتها صافرات الإسعاف وسيارات الشرطة إلى أرض الواقع، خفق قلبها رعباً حين انتبهت على الإزدحام والضجة المحدثة من بداية الطريق ونهايتها عند منزل عمها..
_ التفت حيث والدتها التي تفاجئت بها تطالعها والخوف مرسوم على تقاسيمها ناهيك عن وضعها لراحة يدها على يسار صدرها لعلها تهدئ من روع نبضاتها المتسارعة، أما كان هذا شعور والدتها فكيف تصف هي شعورها في تلك اللحظة!
_ توقف السائق بعيداً عن ذاك الحشد الكبير الذي يقطن أمامه مردداً وهو يطالع ماهر الجالس بجواره:-
أخري لهنا يا فندم حضرتك شايف الناس قدمنا كتيرة ازاي مش هقدر أتخطاهم إلا إذا كان في طريق تاني ممكن حضرتك تدلني عليه
_ أماء له ماهر برفض كما علق على حديثه ممتناً:-
لا تمام اوي كده، شكراً يابني
_ أخرج من جيبه بعض الأموال وناولها له بينما ترجلن الأخريات من السيارة، تفاجئت ورد بثقل حركة قدميها فلم تستطع تحريكهم بسهولة كما كانت، استندت بيدها علي السيارة لبرهة لتستجمع قوتها التي خارت تماماً ثم حركت قدميها بكل ما أوتيت من قوة وتابعت سيرها للأمام وقلبها يعتصر خوفاً
_ تبعتها والدتها وخالها التي كان يحاول مساعدتهم بإبعاد الواقفين من أمامهم وتهيئة سبيل مريح يسيرون فيه، وبعد مدة نجحوا في تخطي ذاك الحشد الهائل لكنهم توقفوا تلقائياً بسبب حواجز الموضوعة من قِبل الشرطة لتمنع أي دخيل من اجتياز الحد المسموح
_ أصدرت ورد شهقة قوية منعت خروجها براحة يدها التي وضعتها على فمها حين رأت عمها غارق في دمائه والأحر مشهد مصطفى الذي يمسكان به إثنين من رجال الشرطة مقيدين حركته، في تلك الأثناء قد وصل خليل إلى مكان الحادثة وترجل من سيارته، فارت دمائه بغضب حين رأى تقيد الشرطة لولده ومنعه من التحرك
_ اجتاز الحد المسموح فلم يقدر أحدهم على منعه، ارتفعت نبرته الغاضبة في الوسط وهو يأمر العساكر:-
بعد يدك عن ولدي منك ليه
_ تدخل نفادي في الأمر بقوله:-
لازمن ناخده معانا على المركز يا عمدة
_ نهره خليل بنبرة غير قابلة للنقاش:-
معلوم هيروح لكن مش متكلبش كيف ما أنت عامل فيه أكده، أنا ولدي هيروح في عربية مخصوص مش في البوكس حجك!
_ أماء له بقبول والتفت برأسه أمراً رجاله:-
سيبوه
_ حرك بصره إلى الجهة المعاكسة أمراً رجاله عالياً:-
هاتوها وتعالوا
_ صعقت ورد حين رأت ثريا تظهر من جانب رجال الشرطة في حالة لا يرثى لها، تضحك ببلاهة وكأنها فقدت صوابها، لمحتها ثريا من على بعد فهللت في سعادة بالغة وكأنها انتصرت في أحد المعارك:-
أني جتلت حمدان يا ورد خلصت الدنيا منيه، خلصت نفسي وخلصتك من جرفه
_ التفتت ثريا إلى حيث يقف الجميع وهتفت بأعلى حنجرة لديها:-
أني جتلت حمدان يا خلج، أني جتلت الشيطان
_ انهارت قوتها تماماً عند قولها آخر جملة، ارتخى جسدها بين أيدي رجال الشرطة فتفاجئوا بفقدانها للوعي، غيروا مسار وجهتهم وتحركوا بها نحو سيارة الإسعاف لكي يفعلوا اللازم معها.
_ لازال طاهر يجلس أرضاً لا يقدر على الحركة، فقط يتابع الأحداث في صمت مريب غير مستعد للتعليق فعقله قد ذهب مع الريح، بينما لم تكف صباح عن الصراخ فلقد أصابها الذعر حين رأت والدتها تهرول إلى الخارج حاملة لسلا.ح والدها وبدون تفكير ضغطت على زناده اللعين الذي أودى بحياة والدها أمام مرأي عينيها .
_ تحاول مروة التخفيف من عليها لكن كيف وهي أيضاً مصابة بالذعر منذ تلك الحادثة الفجعة فكيف عنها وهما والديها التي فقدتهم في آن واحد!!
_ تحركت سيارات الشرطة برفقة سيارتي الإسعاف ومن خلفهم سيارات رجال خليل الذي يستقل داخل إحداهما مع ولده الذي لازمه الصمت..
_ بعد مدة بدأ الجميع في الإنسحاب حتى بات المكان خالياً إلا من ورد ووالدتها وخالها، يقفون في حالة ذهول قد تملكت منهم بعد رؤية ما يشاهدونه أمامهم فقط في الأفلام، خرجت ورد عن صمتها بترديدها الخافت:-
مصطفى .. مصطفى
_ أشفق ماهر على حالتها التي كانت عليها منذ رؤيتها للحادث، اقترب منها وضمها بحنو محاولاً تهوين الأمور:-
الحمد لله يا ورد أن مصطفى بعيد عن الموضوع كله، احمدي ربنا يا حبيبتي
_ بدأ صدرها في الصعود والهبوط بصورة مضطربة، وبقوة هاشة هذيلة أطلقت العنان لعبراتها في السقوط لكن بصعوبة بالغة قابلتها، انضمت إليهم سنية وملست على رأسها بآسى:-
هوني على نفسك يا ورد مصطفى بخير الحمدلله وديه اللي رايدينه
_ تراجعت ورد للخلف قليلاً وقالت:-
رايدة أطمن عليه
_ أماءت لها والدتها بقبول فهي تريد تنفيذ كل مطالبها ربما تنجح في التخفيف من عليها، أشار ماهر لإحدي سيارات الأجرة التي مرت من أمامهم بعد مدة وأمر سائقها للتوجه إلى قسم الشرطة..
______________________________________
_ في قسم الشرطة، ولج خليل بقامته المنتصبة مكتب رئيس المباحث وبنبرة صارمة حادة أردف:-
ولدي بيعمل ايه إهنه يا حضرة؟
_ أجابه رئيس المباحث بعملية:-
ولدك متهم في شروع جتل يا عمدة!
_ إلتوى ثغر خليل بتهكم ونهره بإنفعال:-
اذا كان الجاتل نفسيه معاكم يبجي شروع في جتل ايه بتتحدت عنيه؟
_ بنفاذ صبر أجابه الآخر:-
يا عمدة إحنا جالنا بلاغ أن مصطفى رافع السلا.ح على حمدان ولازمن نجومو بشغلنا والخلج اللي كانت واجفة…
_ قاطعه خليل ببرود:-
لو جبت كل اللي كان واجف هيجولولك إن مرته هي اللي جتلته وصدجني مش في مصلحتك إن ولدي يجعد أهنه اكتر من أكده
_ فؤجئ بحديث خليل ولم يتحمل تهديده، انتفض من مقعده ضارباً مكتبه بغضب جامح وصاح به:-
أنت بتهددني يا عمدة وفي مكتبي كمان!!
_ أنتبه إلى اقتحام أحدهم مكتبه فور إنهائه لجملته، تجهمت تعابيره متوعداً لذاك الدخيل إلا أنه تفاجئ بأحد الضباط ذات الرتبة العالية الذي أمره بلهجة مختلفة قوية:-
مصطفى يخرج حالاً وقطع المحضر اللي قدامك ده مش عايزين شوشرة يا عماد، أمر واجب التنفيذ يا بيه
_ رفع عماد إحدي ذراعه للأعلى بجوار رأسه بطاعة:-
أمرك يا فندم
_ استدار الضابط إلى العمدة معتذراً له:-
إحنا آسفين يا عمدة تقدر تاخد ابنك وتمشي
_ شكره خليل ممتناً لـ لطفه:-
متشكرين يا إسماعيل بيه نردهالك أن شاءالله
_ نظر خليل إلى مصطفى وتعجب من شروده الواقع فيه منذ تلك الحادثة، حمحم بخشونة ليجذب انتباهه قائلاً:-
هم بينا يا مصطفى ورانا عزا ناخدوه
_ نهض مصطفى جامد الملامح لا يتفوه بحرف، تابع سيره خلف والده الى أن خرج كليهما من المركز، صاح رجال خليل مهللين بسعادة حين رأوهم، أشار خليل إلى عسران الذي لبى ندائه في ثوانٍ:-
أمرك يا عمدة
_ أمره خليل بشموخٍ:-
انصبوا عزا يليج بمجام الغالي
_ أماء له عسران بطاعة ثم انصرف لكي ينهي سريعاً ما أمره به خليل الذي تابع سيره عائداً إلى سيارته برفقة مصطفى
_ تفاجئوا بقدوم ورد برفقة عائلتها، وقفت أمام مصطفى ولم تعلم للحديث سبيل، باتت الكلمات أكثر صعوبة الأن وخصيصاً أنه لا يود مواجه عينيها، تريد معانقته ليعود إليها أمانها وسكينتها من جديد ..
_ تبخرت أمانيها حين أمر أحد رجاله بنبرته القوية:-
وصلوها لدار أبوها!!
_ سار بجوارها وعاد إلى سيارته التي استقل بها ثم انضم إليه خليل الذي عزم على محادثته في أمر ورد في النهاية الذنب الأعظم كان لعمها الذي اقتص منه اليوم ..
_ تحرك بهم السائق مبتعداً عن المكان، بينما لم ترفع ورد بصرها من على السيارة التي اختفى داخلها مصطفى بعد تشهيره علناً بإفتراق طرقهم بعد تلك اللحظة..
_ تعسرت قدمها فلم تعد تستطيع حملها لأكثر، أسرعت السيدة سنية باللحاق بها بمساعدة شقيقها الذي قال بحكمة:-
أنا رأيي أن ده رد فعل طبيعي يا ورد، مصطفى عقله مشتت في الوقت ده وغضبه لسه متبخرش يعني إديله مساحته يهدي ويرتب أموره وهتلاقيه بنفسه جاي لك يرجعك
_ وافقته سنية الرأي هاتفة:-
خالك عنديه حج يا ورد، مصطفى محتاچ يهدى لاول، اللي حوصل مش سهل عليه يا حبيبتي
_ لم تعلق ورد على ما قالاه، فإذا كان الحل لاستعادته رونقه البعد عنها فماذا ستفعل هي والحل لسكينة قلبها في وجودها بين ذراعيه بقرب قلبه!!
_ حثتها والدتها على السير إلى السيارة التي أمر مصطفى بعودتهم فيها، استقل ثلاثتهم بها ثم تحرك السائق إلى حيث منزل عائلة ورد كما جائته الأوامر…
عُرف صعيدي
الفصل الخامس والعشرين
( قهر الرجال )
______________________________________
_ استلم جثمان أبيه وتوجه به إلى المسجد حتى يصلي عليه صلاة الجنازة ومن ثم إلى مثواه الأخير، وقف خلف إمام المسجد برفقة صديقه محمود في إنتظار مجئ أهل البلدة لكي يشرع الإمام في بدء الصلاة
_ أذاع الشيخ عن وفاة حمدان للمرة التي لا يعلم كم يحثهم على المجئ لكن دون جدوى، مهما مر من الوقت قدراً لا يتغير شيء، استدار الشيخ وطالع طاهر بخذي شديد لا يدري بأي وجه سيردف كلماته لكنه مضطر، حمحم قبل أن يقول بحرج:-
هنعمل ايه يا طاهر إحنا استنينا كاتير وإكرام الميت دفنه يا ولدي
_ حرك طاهر رأسه للخلف يطالع المسجد الخاوي من الأناس، ابتلع ريقه وأعاد النظر إلى الإمام قائلاً بهدوء مميت:-
صلي يا شيخ
_ نكس الشيخ رأسه في خجل شديد منه ثم أولاه ظهره ليقف مكانه وبدأ في الصلاة، لم يكن هناك من الرجال سوى ثلاثتهم ومن النساء سوى صباح ومروة.
_ انتهى الإمام من الصلاة والدعاء له ثم توجه إليه طاهر برفقة محمود وحملوه معاً ثم وضعوا التابوت داخل سيارة تكريم المو….تى، ابتعد عنهم محمود لكي يحضر سيارته سريعاً، استقل أربعتهم فيها ثم تحرك بهم محمود خلف السيارة الأخرى إلى المقابر..
_ لم يصدر أي أصوات سوى بكاء صباح الذي لم يتوقف قط، شهقاتها قوية متألمة على الفجعة التي حضرتها، انقلبت حياتها رأساً على عقب في أقل من الدقيقة
_ لم تبتعد عنها مروة لحظة بل كانت حريصة على وجودها الدائم معها ربما تنجح في لملمة جراحها لكن هيهات لجروحها التي لن تلتأم بسهولة بعد تلك الحادثة المروعة، كما حاولت مواساة طاهر لكنه كان جامداً لا يتحدث ينهي ما عليه فعله في صمت مريب تخشاه هي لكن ما عليها سوى الصبر في النهاية ستجمعهم غرفة واحدة وحينها ستعلم ما أن سيخلع ثوب الجمود ذاك أم سيظل عليه طويلاً ..
_ كان يتابع صباح بشفقة من مرآة سيارته، يشعر بالضيق من أجل حالتها المذرية التي لا يملك لها سوى الدعاء بأن يربت الله على قلبها بالصبر والسلوان هي وشقيقها، التفت محمود برأسه وطالع طاهر بآسى هو الآخر، ربت على قدمه بيده دون تعقيب فأي كلمات ستهون عليه المصيبة التي حلت على رأسه..
_ تابع قيادته حتى وصل إلى المقابر الخاصة بعائلة المنشاوي، ترجل سريعاً برفقة طاهر وحملوا التابوت إلى الداخل ومن ثم تنحي جانباً حتى يعطي مساحة لذويه في توديعه ..
_ صرخت صباح وهي ترى جثمان والدها يختفي خلف باب القبر، اقترب منها طاهر فتنحت مروة جانباً ربما ينجح هو في احتواء حزنها، أحاطها طاهر بذراعيه ووصية والدته تتردد في عقله ..
_ بصعوبة بالغة نجح طاهر في إقناع صباح على المغاردة، رافقتها مروة إلى غرفتها بينما استلقى طاهر أعلى الأريكة بإهمال ممتناً لصديقه الذي لم يتركه كغيره:-
شكراً يا محمود على وجوفك إمعانا
_ طالعه محمود مستاءً منه:-
بتشكرني على ايه يا طاهر ده أنت أخويا يواد ولو الدنيا كلاتها كانت ضدك اجف جارك في وشها
_ حاوط طاهر عنقه برحة يده مردفاً بضيق واضح:-
حاسس أني في كابوس مخابرش هفوج منيه ميتي
_ أوصد عينيه لبرهة في تعب شديد لاحظه صديقه ولم يحب أن يطيل معه وحثه على أخذ قسطاً من الراحة حتى يعود لرشده:-
شكلك تعبان جوي جوم ارتاح لك هبابة عشان تجدر تصلب طولك أختك محتجاك جنبها في المصيبة ديي
_ تأفف طاهر بصوت مسموع فهم الآخر مستاذناً منه:-
أني موجود يا صاحبي في أي وجت هسيبك دلوك عشان تريح جسمك وعجلك شوية
_ انسحب محمود للخارج لكنه لم يغادر بل فضل المكوث أمام المنزل لعل صديقه يحتاج إلى شيء ما فيكون أقرب في الوصول إليه
_ في الداخل، نهض طاهر بصعوبة قابلها في سيره، اتكأ على جدران المنزل حتى وصل إلى غرفته، انتبهت مروة على صوت اغلاق باب غرفتهم وودت لو تذهب إليه لكن كيف ستترك صباح في تلك الحالة؟
_ انتبهت على صوتها الذي أخرجها من شرودها:-
همليني لحالي هبابة يا مروة أني رايدة أنام
_ كذبت صباح في حديثها لكي تحظى بوقت تعيش فيه حدادها بمفردها بينما استغلت مروة الفرصة وأسرعت إلى الخارج لكي تأزر طاهر في محنته، طرقت على الباب ثم ولجت للداخل بهدوء ..
_ كان يجلس على الأريكة يطالع السقف في سكون مريب، اقتربت بخطاها منه خشية ردة فعله لكن عليها المحاولة لعله بحاجة إليها
_ جلست إلى جواره وبتوجس نطقت إسمه:-
طاهر..
_ تفاجئت به يميل إلى كتفها فلامست هي ضعفه في تلك الأثناء ولم تندم على مجيئها إليه، مالت على رأسه بحنو دون أن تردف فيكفي أن تكون بقربه دون حديث وإن كان على أحدهم التحدث فسيكون هو وليس هي!
_ انحنى طاهر قليلاً ودفن رأسه في حضنها ، انتبهت مروة إلى شهقاته القوية التي هزتها بقوة، لم تتمالك دموعها وجهشت باكية مشاركة إياه حزنه كما ربتت على راسه بحنو وحب صادق
”ااااه”
خرجت من جوفه بنبرة متألمة فتبعها بكاء مرير يتردد صوته داخلها، شدت مروة على رأسه ثم انحنت عليه وطبعت قُبلة على خصلاته مرددة:-
ربنا يصبر جلبك يا حبيبي
_ ظل طاهر على وضعه لا يريد الإبتعاد ولا يستطع السيطرة على عبراته حتى يفرغ جميعها، ظلت مروة تأزره ببعض الكلمات الداعمة حتى تساعده على استعادة صوابه عاجلاً..
______________________________________
_ يقفان بشموخٍ يأخذون عزاء غاليهم الصغير، فاليوم تحققت العدالة وعوقب من قتـ,ـله حتى وإن لم يحظوا بشرف قتـ,ـله فيكفي أنه قُـ,ـتل ولا يهم بيد من!
_كان حجم سرُادِق العزاء على مساحة مهولة له أكثر من مدخل ومخرج ناهيك عن الأنوار التي تعم المكان بأكمله كذلك حرصوا على حضور مشايخ ذات قامة وقيمة لترتيل القرآن طيلة أيام العزاء..
_ الحضور من جميع الطبقات، لم يصغي أحداً في البلدة عن عزاء هلال إلا وجاء ليقوم بواجبه، المكان ممتلئ بالانُاس منهم فريق من الضباط ذات الرواتب المختلفة، وعلى جانب آخر زملاء العمدة من كبار البلدة وأعيانها، والآخرين الأهالي التي تركوا ما خلفهم فقط من أجل العمدة وأبنائه ..
_ يصافح هذا وذاك ولا يدري هويتهم فهو لا ينظر في أعينهم من الأساس، باتت ورد شاغله الأساسي، ماذا سيفعل معها؟ حتماً لم يقدر على الفراق وفي الوقت ذاته لن يقدر على المواجهة!!
_ كيف يستيطع المواصلة وكأن شيئاً لم يكن، كيف بإستطاعته إلقاء الحقيقة خلف ظهره دون أن يتلفت، هل سيصمد أمام زرقاوتيها دون أن يلقي اللوم عليها في كل وقت وحين؟
_ لا علم له الأن، عليه فقط مسايرة تلك الأيام الثقيلة حتى تنتهي وينفرد بنفسه ربما حينذاك يصل إلى حل قاطع لأفكار عقله اللعينة..
______________________________________
_ مرت الليلة الأولى من العزاء ولم يترك ضيف مصطفى مطلقاً فكان في رفقته طوال الوقت، كذلك صفاء التي علمت بالفاجعة التي قلبت حياة ورد وظلت إلى جوارها فهذا واجبها ويحتم عليها فعله
_ في صباح اليوم التالي، طرقت السيدة سنية باب غرفة ورد التي لم تظهر منذ مدة لتطمئن عليها ، شكلت بسمة على محياها حين رأتها تستند بذقنها على حافة الشرفة وكأنها في إنتظار شيء ما..
_ حمحمت لتجذب انتباهها قبل أن تردف:-
صباح الخير يا ورد
_ أعدلت ورد وقفتها وقالت وعينيها مثبتة خارج النافذة:-
رايدة أروح لصباح مبطلتش بكا من امبارح
_ تعجبت سنية فتفكيرها بعيد كل البعد عن حالها، استدارت ورد بجسدها ورمقت والدتها مضيفة:-
الليل كلاته مفيهش غير صوت بكاها، هي محتاجة اللي يجف جارها
_ اقتربت منها والدتها وربتت على ذراعها بحنو أمومي:-
ربنا يجبر بخاطرك ياورد كيف ما بتجبري بخاطر الناس
_ سحبت نفساً وتابعت:-
تعالي نفطروا لاول وبعدها روحيلها
_ حركت ورد رأسها في رفض موضحة:-
أني راحة دلوك
_ كانت تتهرب من الطعام كعادتها إن كان قلبها حزين، لم تدع الفرصة لوالدتها في الإعتراض وهرولت للخارج دون أن تلتفت بعدما التقطت وشاحها من أعلى الحاملة الواقفة خلف الباب ..
”صباح الخير يا ورد”
ألقى ماهر التحية عليها فأجابته وهي تغلق الباب:-
صباح النور يا خال
_ تابعت توصيد الباب ومن ثم اتجهت إلى منزل عمها، تعجب ماهر من هرولتها وبفضول سأل شقيقته:-
مالها ورد بتجري كده ليه؟
_ جلست سنية أعلى الأريكة، أخرجت تنهيدة مهمومة وبنبرة حزينة مكلومة أردفت:-
طبعها الهرب وجت ما تبجاش زينة
_ طالعها ماهر بشفقة وجلس بجانبها متمنياً لها السعادة:-
ربنا يبدل أحوالها يارب
_ تردد كثيراً قبل أن يلقي بسؤاله الذي يدور في عقله بحرج بائن:-
احم، أنتوا ناوين على ايه يا سنية هترجعوا معايا؟
_ انتبهت الأخرى لما قاله وبقلة حيلة ردت عليه:-
مخابراش يا ماهر يا أخوي، بس هنمشوا كيف وورد بالحالة ديي ومن غير إذن جوزها، متهيقليش ينفع واصل
_ كان يريد إخبارها بذهابه لكي يداوم عمله فغير مسموح له بالغياب كلما أراد، انشغل بين أفكاره وانتقاء كلماته ليخبرها بالأمر دون حرج، لاحظت سنية شروده واستشفت ما خلفه فأسرعت بحديثها:-
عاود أنت يا أخوي شوف مصالحك إني هفضل إهنه ويا ورد لما نشوف اخرتها ايه
_ رمقها ماهر بنظرات ممتنة لكونها تفهمت الوضع وبحرج ظاهر في لهجته قال:-
غصب عني يا سنية والله أنتِ عارفة شغل الحكومة مفيهوش إجازة وقت ما أحب
_ ربتت الآخري علي قدمه مرددة:-
عارفة يا حبيبي ربنا يعينك ..
_ في الخارج، وقفت ورد تطالع الدماء التي تملئ الأرضية، شعرت برجفة قوية اجتاحتها إثر تذكرها للحادثة البشعة، لم تطيل النظر إلى المكان وتابعت سيرها إلى المنزل، طرقت بابه وانتظرت استقبالها من قِبل أحدهم..
_ استقبلتها مروة التي تفاجئت بحضورها، لا تعلم أي شعور تملكها في تلك اللحظة لكن حتماً لم تحب رؤيتها، فهي من سرقت لذة يومها الأول مع زوجها وكسرت مصدقية كلماته الحنونة بنطقه لإسمها بإستمرار، وعلى الرغم من الضيق الذي تملكها حينها إلا أنها استقبلتها باحترام مرحبة بها:-
اتفضلي يا ورد
_ ولجت ورد إلى المنزل وهي ترمق المكان لطالما لم تدخلها منذ زمن بعيد، أزفرت أنفاسها بحرارة والتفتت إلى حيث مروة ورددت بنبرة خافتة:-
رايدة اطلع لصباح
_ اكتفت مروة بإيماءة قبول من رأسها فتحركت ورد صاعدة للطابق العلوي أثناء خروج طاهر من غرفته فتقابلا على السُلم، خفق قلب مروة متوجسة خيفة من ذلك اللقاء، وقفت تتابع نظرات طاهر وتغيراته أمامها بإهتمام شديد ..
_ تفاجئ طاهر بوجود ورد أمامه و للمرة الأولى لم يخفق قلبه لها، هو فقط تفاجئ بها أمامه ليس إلا، حمحمت ورد قبل أن تردف بشفقة:-
جلبي عندك يا طاهر ربنا يصبركم، كنت جاية أطمن على صباح وأشوفها لو محتاجة حاجة
_ بفتور قال:-
فيكي الخير يا ورد
_ مر بجوارها دون إضافة المزيد وهبط إلى الأسفل تحت نظرات مروة عليه، على الرغم من أن تصرفه كان أقل ما يقال عنه عادياً إلا أن شعور الغيرة قد تملك منها وسيطر على خلاياها ولم تستطع التحدث معه بسهولة ..
_ طرقت ورد باب غرفة صباح وولجت بخطاها للغرفة فلا داعي للانتظار فبكائها واضح للغاية لها
”مريداش اشوف حد هملوني لحالي”
_ هتفت بهم صباح من أسفل الوسادة التي تعتلي رأسها فأسرعت ورد بتعريف هويتها:-
ديي أني ورد يا صباح
_ سكون حل لثانية، أزاحت صباح الوسادة من عليها لتظهر عينيها المتورمة، أشفقت ورد كثيراً على حالتها المذرية، اقتربت منها وهي تردد بحزن:-
جلبي عندك يا صباح
_ كادت أن تجلس مقابلها إلا أن صباح فاجئتها بكلماتها:-
جاية تشمتي فيا؟
_ اتسعت مقلتي ورد مذهولة من سؤالها المريب، فأي شماتة ستكون في المو…..ت!، حاولت تبرير سبب زيارتها:-
شماتة! أني هشمت فيكي لإيه؟ أني جاية أجف جارك أشوفك لو محتاجة حاجة
_ أعتدلت صباح في جلستها وتابعت هجومها بنبرة غير سوية:-
ولا جاية تشوفي الحال اللي وصلنا له، جاية تشوفي صباح وهي منكسرة ومجهورة، جاية تتشفي فيا!!
_ كانت كلماتها تسبب الصدمة لورد كلما أضافت شيء آخر، رفعت ورد يدها وأشارت على ذاتها بدون استعياب:-
أني يا صباح! للدرجة دي شيفاني جليلة الأصل؟
_ نهضت صباح من مقعدها وهتفت ببغض واضح:-
لاه شيفاكي أصيلة وديه اللي مكرهني فيكي، أني بكرهك من كل جلبي، كل واحد عنديه عقبة سودة في حياته وأنتِ العقبة ديي يا ورد
_ الذهول دون غيره كان سيد الموقف، كانت تصغي ورد لما تقوله غير قادرة على الرد، تابعت الأخرى بلهجة محتقنة معنفة ورد:-
من صغرنا وأني بكرهك، كنتي واكلة عقول الكل، ورد ورد ورد، مفيهش غير ورد اللي اسمها بيتنطج طول الوجت في وداني، ورد جميلة ورد بيضة ورد عيونها مكحلة ورد عيونها زرج، ورد ذكية ورد شاطرة، اعملي كيف ورد ، اتنصحي زييها، الكل بيحب ورد وصباح لاه كاني مش موجودة من أساسه
_ حركت ورد رأسها في ذهول تام رافضة تراهاتها السخيفة:-
أني كنت صغيرة وجتها أني كنت طفلة!!
_ صاحت صباح بعصبية بالغة وهي تجيب عليها بأسباب عدة:-
حياتك كلها وردية أمك وابوكي كان شغلتهم يلعبوكي ويحضنوكي ويبوسوكي، صوت ضحككم كان بيخرك طبلة ودني من علو حسكم وأني أبوي كل ما يشوفني يسبني ويبعد عني وأمي كل اللي يهمها المال وطول الوجت عتتخانج عليه وتعايره إنها اغني منيه، وامك في الوجت نفسيه تكون جاعدة تحت رجلين عمي تغسلهاله، كنا بنعملوا فرح لما أبوي ينادي أمي من غير سب ولا شتيمة وأنتِ أبوكي مكنش بينطج إسمها غير وهو زعلان منيها!!
_ رفضت ورد سماع المزيد من سخافتها التي تفاجئت بها:-
لاه دأنتِ حالتك حالة يا صباح
_ أولاتها ظهرها وأسرعت للخارج لكن الأخرى لحقت بها وأجبرتها على الوقوف بمسكها لذراعها مضيفة بحقد:-
أنتِ أحسن مني في ايه؟ ليه حياتك أحسن من حياتي، ليه مجدراش أحس بالكمال جدامك!! ليه الكل بيحبك ويتمنوا رضاكي، خطابك كاتير وهما ميعرفوش شكلك من أساسه، اتجوزتي ابن العمدة ولما مات خوه خدك!!
_ حضر طاهر ومروة إثر صوت صباح المرتفع، وزع طاهر أنظاره بينهم في حيرة من أمرهم وألقى بسؤاله قائلاً:-
في ايه عاد؟
_ تولت ورد الرد عليه بنفاذ صبر:-
أختك اتجنت في مخها يا طاهر!!
_ طالعت صباح شقيقها قبل أن تواصل ما لم ينتهي لديها:-
حتى طاهر من وإحنا صغيرين بيهتم فيكي أنتِ ، لما فكر يعمل المرجيحة عملها لبت عمه مش لاخته، كنتي شاغلة تفكيره طول الوجت حتى لما كبر سكنتي جلبه!
_ أمسكتها صباح من كلتى ذراعيها وهزتها بكل ما أوتيت من قوة متسائلة بحسرة على حالها:-
بتعملي ليهم ايه؟
_ تدخل طاهر الذي صعق من رميها للحديث في الوسط دون اكتراث لمشاعر أحد بوضعه راحة يده على فمها والغضب يتطاير من عينيه فنعكس على نبرته التي تحثها على التوقف:-
اكتمي واجفلي خشمك ديه، يلا عاودي على اوضتك
_ دفعت صباح بيده بعيداً عن فمها ولم تتوقف قط فلن تتراجع قبل أن تنهي مافي جوفها لعلها تشعر بالراحة:-
ردي يا ورد وجولي بتعملي ايه يمكن اتعلم منك وتبجي حاجة تتغفر لك، جولي سرجتي عجول الرجالة كيف وهما مشافوكيش، دول بيتجوزوا عشان ينسوكي وبرده مبيعرفوش!!
_ لم يستطع طاهر تحمل المزيد، دفعها بكل قوته إلى أن أعادها إلى غرفتها ثم أوصد الباب قبل أن تهم بالخروج مرة أخرى، نكس رأسه بخزي شديد فلا يتحلى بالشجاعة لمواجهتن بعد إظهار حقيقة ما يخفيه عنهن
_ أنسحبت مروة في هدوء إلى غرفتها فلقد أصابت صباح حدسها واكدت لها ظنونها فلا داعِ لوقوفها عزول بين الحبيبان، بينما التفت طاهر حين صغي لإغلاق باب غرفته وتأكد من ذهاب إحداهن فالأمر سيكون هين قليلاً لمواجهة ورد بمفردها ..
_ طالعته ورد لبرهة ثم خرجت عن صمتها بنبرة محتقنة:-
أنتوا كلاتكم مرضى ولازمن تتعالجوا!!
_ أولاته ظهره وهرولت إلى الأسفل ومن ثم عادت إلى منزلها في حالة لا يرثى لها، أوصد طاهر عينيه وفرك مؤخرة رأسه بعصبية بالغة، أعاد فتح عينيه التي صوبت مباشرةً على باب غرفته، شهيقاً وزفيراً فعل قبل أن يتوجه إليها لكي يصلح ما أفسدته صباح ..
______________________________________
_ تنفست الصعداء ما أن أغلقت الباب، تفاجئت بأعينهم تطالعها بغرابة من أمرها، حمحمت واعترضت أي سؤال قد تقابله منهما بصعودها إلى غرفتها
_ توقفت حين وجهت لها والدتها الحديث:-
خالك هيروح يعمل الواجب ويعزي العمدة جبل ما يمشي
_ استدارت إليهم حين راودتها فكرة ما، ابتلعت ريقها وحسمت على تنفيذها:-
هاجي معاك..
_ اعترضت سنية بدافع الخوف:-
بلاها مرواحك يا ورد معايزنش حد يضايجك بالحديت
_ هبطت الأدراج التي صعدتها واقتربت منهما، توقفت ثم علقت على ما قالته بثقة:-
محدش هيجدر يضايجني ومصطفى موجود
_ فوجئت سنية بردها وحاولت منعها مراراً:-
مش بعيد مصطفى نفسيه هو اللي يضايجك يا ورد اسمعي حديتي وبلاها مرواح للسرايا دلوك سبيه يهدي لاول يابتي
_ حركت رأسها رافضة الرضوخ لحديثها موضحة:-
أني متجبلة مضايجته
_ رفعت بصرها حيث يقف خالها وأضافت:-
هم بينا يا خال
_ لم يكن في مقدرته الرفض فهو فقط يفعل ما يجلب لهم الراحة، تنهد قبل أن يردف:-
يلا بينا..
_ طالعته سنية بنظرات تحثه على التراجع ومنعها من الذهاب فلا تريد أن ينكسر قلبها من خلف مصطفى وغيره، أشار لها ماهر بأهدابه يطمئنها فحتماً لن يرضى أن يمسها حزن في وجوده ..
_ اتجه كليهما إلى الخارج برفقة بعضهما البعض ثم توجهوا إلى سرايا العمدة حيث سرُادِق العزاء الذي يأتيهم صوت ترتيل القرآن من على مسافة بعيدة ..
_ تسللت ورد إلى باب المطبخ بمساعدة صفاء التي علمت بحضورها بينما استأذنها ماهر في تأدية واجبه لأن تنتهي مما تريد فعله، استطاعت ورد الوصول إلى غرفتها بسهولة لعدم وجود أي أناس في السرايا فالجميع في سرُادِق العزاء سواء كان رجال أم نساء
_ هاتفت صفاء ضيف لكي تخبره بحضور ورد فقابلها هو بسؤاله:-
يعني أعمل ايه أني دلوك؟
_ ابتعدت صفاء عن ورد قليلاً لكي تكون على راحتها معه:-
شوف لك أي حجة تخليه يعاود بيها أوضته يا ضيف أنت هتغلب يعني!
_ تأفف مستاءً وأنهى مكالمته معها وعقله مشتت لا تأتيه فكرةٍ يعيد بها مصطفى إلى غرفته، علقت في ذهنه أحد الأفكار فأسرع في تنفيذها، التقط فنجان قهوة من أحد العاملين الذي يقوم بضيافة الحضور، ارتشف القليل وسار نحو مصطفى متصنعاً عدم معرفته لأحد الحضور ليصل إلى مبتغاه:-
ألا بجولك مين الراجل اللي جاعد جار الحاج أبوي وبيتودد معاه ديه؟
_ أخبره مصطفى بهويته في اللحظة نفسها الذي مال ضيف بيده الممسكة بالفنجان لتتساقط القهوة على جلباب مصطفى بسهولة ..
_ هتف ضيف بندم زائف حين وقع بصره على جلباب مصطفى المتسخ:-
أني آسف يدي نملت فجاءة
_ ألقى مصطفى بصره على جلبابه بضجر وبجمودٍ قال:-
محوصلش حاجة، هصعد ابدلها واعاود
_ ظهرت إبتسامة لم تتعدى شفاه ضيف لتسديده هدفاً رائعاً، أخرج هاتفه من جيبه وأخبر صفاء بقدوم مصطفى فهرولت هي سريعاً عائدة إلى المطبخ بعدما أعطت البشري لورد التي انتظرت عودته بفروغ صبر ..
_ أدار مصطفى مقبض الباب وولج للغرفة بملامح جامدة من وقت علمه بحقائق الأمور، تفاجئ بوردته تتوسط الغرفة وزرقاوتيها يطالعنه بإفتقاد وشوق ظاهران ..
_ خفق قلبه فور رؤيته لها، لانت ملامحه فشوقه تغلب على غضبه، لكن سرعان ما تجهمت مرة أخرى وصاح متسائلاً:-
ايه اللي جابك إهنه؟
_ أسرعت ورد بالإقتراب منه محاولة استعطافه وتبرير موقفها:-
صدجني أني كنت هجولك بس ست نادرة ضغطت عليا، وخوفتني عليك كان غصب عني، حتى مجدرتش أواجهك بعديها وسافرت لاني معرفتش أداري عنك ولا أنام على المخدة نفسها معاك وأني حاسة إني غشاك!!
_ توقفت عن الحديث في انتظار رده عليها، طالعها مصطفى لوقت وبجمودٍ أجابه:-
ديه مينفيش حجيجة إنك السبب في مو…ت أخوي وأني كل ما هشوفك هفتكر هلال وهو غرجان في دمه!!
_ لم تتحمل ورد فهي تحادثه وبكائها على حافة السقوط، أجهشت باكية بمرارة وهتفت بتلعثم:-
مكنش جصدي، مكنتش أعرف أنه هيوصل بيه الحال لإنه يتجتل، أني اتعشمت فيه يرجع لي حجي ولما حوصل اللي حوصل شيلت ذنبه كاني السبب، مكنتش خابرة إني السبب من أساسه بس والله ماكنت خابرة إن ديه اللي هيوحصل، أني جولت حمدان هيخاف منيه عشان بوه العمدة وهيرجع لي حجي من غير خساير!!
_ سقطت ورد بإهمال وظلت تندب بتحسر:-
مكنتش خابرة إن ديه اللي هيجري، مكنتش خابرة!!
_ فوجئت ورد بمروره من جانبها دون أن يكترث لحالتها التي كانت عليها، من أين جاء بذاك الجحود، لم يكن كذلك من قبل فما رأت منه سوى معاملته الحسنة الحنونة، لم يتركها حزينة إلا وأصلح الأمور بينهم في اللحظة ذاتها فمن يكون هذا إذاً، حتما ليس مصطفى التي تعهده إنه النسخة السيئة منه.
_ ولج مصطفى إلى المرحاض هارباً من دموعها التي مزقت قلبه أشلاء، أستند برأسه على الباب في محاولة جاهدة بأن يصمد حتى تذهب هي وبالفعل بعد دقائق معدودة صغى إلى غلق الباب، أدار مقبض الباب ليتأكد من مغادرتها
_ إنهارت قواه حين رأي الغرفة خاوية، لم يتحمل لأكثر وخار ثوب الجمود الذي يرتديه، أخرج ”اااه” موجوعة من أعماق قلبه، شعر بحرارة شيء غريب قد سقط على وجنته، عاد إلى المرحاض وطالع صورته في المرأة فتأكد من كونه يبكي!!
_ مصطفى يبكي!!، لم يكف عن البكاء الذي يقطعه شهقات قوية يتردد صداها في المكان، يعلوا صدره ويهبط بصورة مضطربة، كانت مرته الأولى لأن يسمح لقوته في الإنهـ,ـيار بهذا الشكل!!
_ رفع ذراعه وبغضب لم يعد يستطيع السيطرة عليه ضر….ب المرآة براحة يده حتى تناثر حطامها في أنحاء متفرقة، أخفض بصره على أصابعه التي تسيل من بينهم الد….ماء وبعد مدة فتح صنبور المياه ليغسل يديه جيداً ثم قام بتعقيمها وتضميدها بلفافة قطنية
_ بدل جلبابه المتسخ وجلس على طرف الفراش يطالع المكان الذي ترك فيه وردته تبكي فيه بمفردها، لعن موقفه الذي قيده ومنعه من معانقتها في تلك اللحظة لقد وعدها بأنها لن تبكي في وجوده وهو الآن من يتسبب في ذلك، لكنه لم يخرج من صدمته بعد فكيف سيحتويها وقلبه منكسر لا يقدر على إلتئام جروحه ومدواتها!!
_ فرت دمعة أخرى من عينيه رغماً عنه كلما فشـ,ـل في اقـ,ـتلاع صوت بكائها من عقله، يشعر بضعفه وقلة حيلته، سحب نفساً وهو يردد بخفوت:-
”اللهم إني اعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال”
_ تابع مطالعته للفراغ الماثل أمامه لعله يستعيد جزء من صفوه الذي ذهب ولم يعد إليه منذ علمه بحقيقة الأمر اللعين..
______________________________________
_ وصلت إلى الخارج بخطى متمهلة ثقـ,ـيلة، لم تنعم صفاء بمحادثتها فكان خالها في انتظارها وحتماً لن يتسامران أمامه ففضلت الصمت لحين الالتقاء معها بمفردهن
_ ظهر ضيف فور اختفاء طيف ورد وخالها ، تقدم نحوها بخطى ثابتة، وقف أمامها وعينيه متبسمة بإشراقة طاغية، رفع ضيف بصره على القمر عالياً مردداً بلطف:-
أللاه إيه اللخبطة ديي بجا؟
_ عقدت الأخرى حاجبيها متسائلة في غرابة منه:-
لخبطة ايه عاد؟
_ انحنى عليها وبتلقائية عابثة أجابها هامساً:-
جمرين في ليلة واحدة كاتير جوي
_ كست الحُمرة وجنتي صفاء وأخفضت بصرها في حياء مشكلة إبتسامة عذبة على ثغرها، حمحمت وأردفت وهي تفرك أصابع يدها من فرط الإرتباك:-
طب جول أنت رايد ايه وامشي جبل ما أمي تاجي وتشوف وجفتنا تجوم تطخنا عيارين!
_ قهقه ضيف وهتف مازحاً:-
يلا اهو تبجي أرواحنا ويا بعضها بتحلج في السما بدل ما أني مش طايلك على الأرض
_ بادلته صفاء ضحكة على ما أردفه بينما شعر ضيف بإنهيار ثباته لطالما تحلى بيه منذ وقوفه أمامها، وضع راحة يده على صدرها دافعاً إياها للداخل، يطالعها بشوق عازب يتمنى تسديد هدفاً يهدئ من لوعة عشقه إن سمح له المكان
_ لحقت به قبل أن يطيل في الأمر فليس بالوقت ولا المكان المناسب لفعل ما استشفته من نظراته:-
بعد عني يا ضيف إحنا في سرايا العمدة يعني تبجي فضيحة ما بعدها فضيحة إن حد شافنا
_ لم يكترث لتحذيرها التي تخيفه به، في حركة سريعة منه حملها وأجلسها على طاولة المطبخ الرخامية ووقف أمامها وهو يطالعها بعذوبة:-
أمك السبب في حالنا ديه، ولو على الفضيحة يا أهلا بيها حتى نخلصوا بجا
_ حركت رأسها مستنكرة أجوبته الجاهزة على كل شئ تردفه:-
كن عندك استعداد لكل داهية بحاول أحذرك منيها!
_ انحنى بقرب شفاها وهو يقول:-
هو أنتِ مخابراش؟
_ أماءت له بنفي مجيبة إياه بعفوية:-
لاه مخابراش
_ حادثها بقوة هذيلة من خلف وضعهم المريب والمحبب إليه:-
أني بحب الدواهي جوي
_ حسناً لم يستطع الصمود وسمح لنفسه بتذوق شفتيها الصغيرة، لم يطيل الأمر وابتعد عنها قبل أن ينفضح أمرهم فأمرته صفاء بحياء يكسوا وجهها:-
أخرج بجا جبل ما أمي تاجي
_ وافقها على ما تريده وانسحب إلى الخارج بينما ظلت صفاء ماكثة مكانها تعض علي شفاها السفلى بخجل مفرط، انتبهت على سؤالها الصارم:-
ايه اللي مجعدك فوج أكده يابت يا صفاء
_ تفاجئت بها صفاء وحاولت إيجاد مبرر واضح لجلوسها أعلى الطاولة:-
هااا.. كنت زهجانة جولت أجعد إهنه
_ رُسم التهكم على تعابير صفية فإجابتها خرقاء ولا يصدقها عقل بشري، حركت رأسها في استنكار لتصرفاتها المريبة هاتفة بتهكم:-
ليه مرجيحة هي
_ قفزت صفاء من عليها محاولة الهرب منها:-
هروح أشوف لو الحريم محتاجين حاجة ياما عن إذنك
_ في أقل من الثانية كانت اختفت من أمامها هاربة من أسئلتها التي ليس لديها أجوبة عليها، انشغل عقلها بحياتها الوردية مع ضيف فمتي ستحظى بها؟
______________________________________
_ عاد إلى غرفته بعدما فشل في محاولة ترتيب أفكاره وانتقاء كلماته التي سيصلح بها التوتر الذي حدث بينه وبين مروة، أوصد الباب ونظر إلى الأريكة التي تتوسطها
_ مسحت مروة عبراتها سريعاً ما أن ولج طاهر للغرفة، أعتدلت في جلستها وكأن شيء لم يكن، ما زاد من ضيق طاهر أنها شكلت بسمة على محياها لكي لا تزيد من همه وهي الحزينة من بينهم!
_. أخرج تنهيدة مهمومة وتوجه نحوها ثم جلس مقابلها وبعد تردد طال لوقت أخيراً بدأ حديثه:-
مروة اللي سمعته ديه..
_ قاطعته مروة بوقوفها هاربة منه ومما سيحادثها فيه فحتماً ستجهش باكية إن سايرته في الحديث وليس بوقت انهيارها الأن:-
مفيهش حاجة يا طاهر، صباح معذورة
_ لحق بها قبل أن تتخطاه ووقف مقابلها، رفع وجهها بسبابته وأجبرها على مواجهة عينيه فرأي دموعها التي تلمع وتتلألأ في عينيها، سحب نفساً محاولاً تنقية كلماته لكي لا يجرح مشاعرها:-
أني فعلا حبيتها..
_ بربك لماذا!! لن تقدر على مواصلة حديثه الذي سيؤلم قلبها، قاطعته للمرة الثانية بقولها:-
يا طاهر ديه مش وجت تبرير أنت في ظروف متتحسدش عليها، أخرج من محنتك لاول والحديت بيناتنا كاتير هروح فين يعني أني جدامك أهاه، سيبك مني أني المهم انتي دلوك
_ رفض طاهر الاقتناع بعدم مراضتها فهذا سيكون إثم عليه وظلم لها وتابع حديثه مضيفاً:-
الظروف كانت ضدي ومتوفجتش معاها، نصيبنا مش واحد، وديه اللي أني فهمته بعدين…
_ لم تتحمل مروة سماع المزيد وصاحت به بنبرة موجوعة:-
أني ذنبي ايه يا طاهر؟ ليه تكرهني في ليلة أي بت بتحلم بيها!!، اللي حوصل يوم الفرح ديه مكنش هيوحصل للحظة اللي واجفين فيها ديي لو مكنتش شوفتني ورد، أنت لمست ورد يا طاهر مش مروة!! كان جلبي بيتمزع كل ما تناديني بإسمها، مكنش ينفع تبدلها بغيرها يا طاهر أنت ظلمتني جبل ما تظلم نفسيك..
_ أوصد عينيه لبرهة فكل ما قالته صحيح وعليى علم به، لكنه يريد أن يرضيها لا يرضي لقلبها الحزن، مسح بأنامله عبراتها التي سقطت كالشلال وأردف:-
عارف إني غلطت وظلمتك بس يشهد ربنا إنك من يوم ما دخلتي الدار ديي وأنى متعاملتش معاكي غير بكل حسنة ورحمة و..
_ قاطعته بتحليلها لآخر ما قاله:-
ديه لاني كنت صعبانة عليك، أنت جلبك طيب وحنين ومبتحبش تشوف حد حزين جدامك فمعاملتك ديي طبيعية!
_ أغلقت جميع السُبل أمام طاهر بوضعها لأحجار ضخمة هائلة للوصول إلى طريقة ما لمراضتها، أزفر طاهر أنفاسه باختناق شديد قد عصف به حينها فأسرعت مروة في المعاتبة المصحوبة بالإعتذار:-
أني جولتلك بلاها حديت دلوك أنت اللي أصريت، اني آسفة يا طاهر اعتبرني مجولتش حاجة
_ بهدوءٍ تام لم تتوقعه مروة ألقى بجسده داخل حضنها الصغير مستند برأسه على كتفها، شعرت مروة بقوته الهذيله التي عانقها بها وكأنه يستمد منها قوةً لكي يواصل بها يومه
_ انتبهت لنبرته المتحشرجة بسبب البكاء الذي يحاول منعه:-
رايد أبدأ من جديد، رايد أبني حياتي معاكي انتِ، أول مرة جلبي ميدجش جصادها وأحس إنها كيفها كيف صباح يمكن حسيت بنفور منيها محستوش مع حد جبل أكده
_ تراجع للخلف ليطالع عيني مروة وأضاف متابعاً:-
أني أول مرة أظهر ضعفي لمخلوج، أول مرة أحس إني محتاج مساعده، أول مرة أرمي نفسي على كتف حد وأبكي والحد ديه أنتِ، أني محتاجك تساعديني نبدأ مع بعض من جديد ..
_ لم يكن في مقدورها الرفض فالأمل الذي يتشبث فيه يرغمها على القبول، ناهيك عن حبه الذي سكن قلبها وبالتأكيد لن ترفض توطيد علاقتهم حتى تقوى ولو كان سيعاد كل شيء من أول وجديد ..
_ أماءت له بقبول فعاد طاهر إلى حضنها مصدراً تنهيدة حارة تردد صداها داخل صدر مروة من قوتها، ربتت بذراعيها علي ظهره مرددة:-
كل حاجة هتعدي، الأيام هتتعدل وهنفتكروا الأيام ديي ونحمد ربنا إنها عدت
_ شد طاهر من قبضته على خصرها تاركاً نفسه يعيش لحظة ضعفه دون خوف أو خجل فهي زوجته حبيبته، بئر أسراره من سيكمل معها بقية حياته وعليها أن تري جميع أحواله لطالما لم يعيشه مع أحد غيرها …
______________________________________
_ انتهى اليوم الثاني من العزاء، عاد الجميع إلى دياره يستعدون لليوم الأخير، لم يتغير شيء فيهم بل كان هناك شيء مشترك بينهم وهو الحزن والقهر الذي تبددا داخل قلوبهم
_ لم يعرف مصطفى طريقاً للنوم في غياب وردته كذلك لم يرف لها جفن لعدم زيارتها الراحة والاسترخاء التي تكتسبهم من نبضات قلبه أسفل أذنيها ..
_ بزغ النهار ببطئ على الجميع، عزمت صباح على الذهاب إلى ضيف الذي لا يجيب على مكالمتها كذلك لم يقف بجوارها كما يحتم عليه دوره في العلاقة، ودت إفراغ شحنة غضبها به لعلها تشعر بالقليل من الراحة
_ كسرت مقبض الباب الذي لم يقوم طاهر بفتحه إلى الأن وتسللت إلى الخارج بحذر لكي لا توقظ الآخرين حتيى خرجت من المنزل وتوجهت إلى إحدى الطرقات التي يصل آخره إلى منزل ضيف..
_ في تلك الأثناء، خرج ضيف من منزله لكي يذهب إلى صغيرته كعادته صباحاً من كل يوم حتى يمتع نظريه برؤيتها كذلك ليحظى بقُبلة ثمينة تهدئ نيران قلبه المشتعل ..
_ رأته صباح على بعد منها ولم تلحق به، أسرعت خطاها خلفه فهي لن تتراجع عما نوت على فعله، صعقت حين رأته يقف أمام منزل صفية خادمة السرايا يتلفت حوله ليتفحص المكان، وقفت خلف إحدى البنايات لكي لا يراها وترى ماذا يفعل هناك ولما ذاك التوتر البادي عليه
_ چحظت عينيها حين رأت صفاء من فتحت له وفي ثواني كان قد اختفى خلف الباب الذي ركله بقدمه، شعرت بوخزة في قلبها وهي ترسم عدة مواقف جريئة بينهما، لكن ما الذي أوصل بضيف إلى صفاء ومنذ متى؟
_ احتدت تقاسيمها وأقسمت بألا تترك الأمر دون أن تكشف قذارتهم ويكونوا حديث للبلدة في الأيام القادمة، هرولت إلى المنزل متوعدة إليهم بأشر الوعيد، طرقت بكل ما أوتيت من قوة على الباب هاتفة بعصبية بالغة:-
افتح يا ضيف كل حاجة انكشفت يا جليل الأصل والرباية ..

