غزل ومعتصم

الجزء الأول

صفحة روايات الكاتبة ملك إبراهيم

ابوكي مات يا غزل

صوت أم غزل كان واصل لها من بعيد، زي الوشوشة الباهتة. إيديها كانت بتترعش وهي ماسكة كف إيد أبوها، كف عمري ما حست بيه بارد كده. “بابا؟” كلمة طلعت منها بالعافية، شبه الهمس. عينيها متعلقة بملامحه اللي فجأة اتحولت لحاجة تانية، حاجة ما تعرفهاش. الدكتور هز راسه بأسف، وكلماته اتلخبطت في ودنها: “البقاء لله… جلطة مفاجئة…”

الاوضة لفت بيها، كل حاجة حواليها بقت ضباب. قلبها اتعصر، حسّت إن روحها بتتسحب منها مع نفس أبوها الأخير. أبوها… سندها، ضحكتها، سرها. أبوها اللي وعَدها إن بعد ما تتخرج من الجامعة، كل حاجة هتتصلح، والجوازة اللي على ورق هتتلغي، وترجع حياتها طبيعية. طبيعية من غير معتصم.

وفجأة، وسط اللخبطة دي كلها، ظهر ظل طويل سد نور الأوضة. ريحة البرفيوم الرجالي الغالية انتشرت في المكان. رفعت راسها المكسورة بصعوبة، لقت معتصم واقف على باب الأوضة. وشه كان زي ما هو، صارم وهادي، بس عينه كانت بتفحصها بنظرة غريبة، نظرة ما قدرتش تفهمها.

“يا غزل، أنا آسف.” صوته كان عميق وهادي، عكس العاصفة اللي جواها. قرب منها خطوة، وبص لأمها اللي كانت منهارة في الركن. “خلاص يا خالتي، البقاء لله. أنا هتصرف في كل حاجة. غزل، قومي.”

قالتها وهي بتحس بقوة غريبة بتسندها من تحت، كأنها عروسة ماريونيت. “أتصرف في إيه؟ هو… هو مات يا معتصم!” صرخت، ودموعها نزلت زي الشلال، أول مرة تعيط من وقت ما سمعت الخبر.

ميل معتصم عليها، صوته بقى أخفض شوية، بس كان فيه أمر ما يتناقشش. “أبوكي دلوقتي في ذمت ربنا، ومش فاضل غير الواجب. أنا هتولى كل إجراءات الدفن والجنازة. ومفيش داعي للقعدة في بيتكم تاني. هتيجي معايا على القصر.”

كلماته كانت قاسية، واقعية زيادة عن اللزوم. “قصر إيه؟ أنا مش هروح مكان! أنا هفضل هنا مع أمي!” قالتها بغضب وهي بتحاول تشد إيديها من إيده.

مسك معتصم إيديها بحزم أكبر. “أبوكي كان جوزي، وأنتي مراتي. وده بيتك. ومينفعش تفضلي هنا لوحدك. ولا أنتي ولا خالتك.” بص في عينيها الغرقانة بالدموع، بنظرة خلتها تسكت غصب عنها. “ده قرار مفيش فيه نقاش يا غزل.”

ومن هنا، بدأت حكايتهم من جديد، حكاية غصب عنها، بس يمكن تكون هي القدر اللي هيجمعهم بجد.

في طريقهم للقصر، كانت غزل قاعدة في العربية زي التمثال. الدموع جفت على خدودها، وسابت مكانها أثر حرقة. عينها كانت على الطريق اللي ما بتعرفوش، طريق طويل ممتد من بيتهم المتواضع، اللي كان مليان ذكريات، لـ “القصر” اللي معتصم بيتكلم عنه.

بصت له من طرف عينها. كان سايق بهدوء، ملامحه هادية زي العادة، ولا كأن الدنيا لسه مقلوبة فوق راسها. كانت بتكره الهدوء ده، بتكره بروده اللي بيخليها تحس إنها بتهاتي، إن حزنها أو غضبها مش مأثرين فيه.

“أنا مش فاهمة إيه اللي بيحصل ده يا معتصم.” قالتها بصوتها المبحوح، حاسة إنها بتكلم حيطة. “يعني إيه هتيجي معايا على القصر؟ أنا ليا بيت وأم.”

لأول مرة من ساعة ما ركبوا العربية، بص لها معتصم. نظراته كانت باردة ومباشرة. “بيت إيه يا غزل؟ بيتكم ده إيجار، وأبوكي كان شايله بالديون. وأمك… أمك دي هتتولى رعايتها أكتر ما كنت بتعملي وأنتي معاها. هترجعي لها بس وقت ما تحبي تزوريها.”

كلامه كان زي السكاكين، بيقطع آخر خيط أمل كانت ماسكة فيه. “ديون؟” همستها بصدمة. “أبويا مكنش بيقولي حاجة… ده كدب!”

“أبوكي كان رجل شهم ومحترم، ومحبش يتقل عليكي. بس دي الحقيقة.” قالها بصوت فيه نبرة تعاطف غريبة عليها. “أنتي مراتي، وليكي عندي بيت وحياة كريمة. مفيش داعي للمسكنة دي.”

“مسكنة؟!” صرخت بيه وهي بتلف وشها ناحيته. “أنت شايف اللي أنا فيه ده مسكنة؟ أبويا اللي جوزني لك وأنا عندي ستاشر سنة مات! مات وسابني لوحدي! وكل اللي بتقوله ده كلام ملوش أي لازمة!”

لف معتصم بالعربية فجأة، وركن على جانب الطريق. بصلها بعينين ضيقتين. “لوحدك؟ مش لوحدك يا غزل. أنا موجود. وأنتي مراتي. شئتي أم أبيتي، ده الواقع. أبوكي عمل الصح، وحماكي من شر الدنيا. وأنا مش هسيبك، لا قبله ولا بعده.”

كان صوته هادي، بس في نفس الوقت مكنتش بتقدر تتخيل إن فيه كمية حزم زي دي. قلبها اتنفض. عمرها ما شافت معتصم كده. هو دايماً كان الراجل اللي بيزورهم في البيت كل فين وفين، بيسلم على أبوها ويسأل عنها، بس مجرد سؤال عابر. مكنش فيه أي تواصل حقيقي بينهم. مكنش فيه أي حاجة تعرفها عنه غير إنه “جوزها اللي على ورق”.

“أنا… أنا مش عايزة أعيش في قصرك يا معتصم. أنا مش عايزة حاجة منك.” قالتها وهي بتحاول تكبت دموعها اللي رجعت تاني تهاجمها.

“ده ملوش علاقة بأنك عايزة أو مش عايزة.” قالها بهدوء رجع تاني، وشغل العربية وكمل طريقه. “البيت ده بيتك، ومكانك. وهتتعودي.”

كانت بتتوعد جواه، بتتوعد لكل كلمة قالها. “هتعود إيه؟ هتعود على إيه؟ على العيشة مع واحد مكنش يعرفني غير من ورا ستار؟ على جواز أنا مكنتش عايزاه؟”

وصلوا قدام بوابة كبيرة من الحديد الأسود. اتفتحت لوحدها، ودخلت العربية على طريق طويل محاط بحدائق واسعة ومتنسقة. القصر كان ضخم، كلاسيكي التصميم، بإضاءة خافتة بتديله هيبة غريبة في عز الضهر.

نزلت من العربية وهي حاسة إنها غريبة، غريبة في كل حتة في المكان. معتصم نزل من ناحيته، وقرب منها. “ده بيتك الجديد يا غزل.” قالها وكأنه بيعرفها على أي حاجة عادية.

بس غزل مكنتش شايفة ده بيت. كانت شايفاه سجن. سجن كبير، فخم، بس في النهاية سجن. وسجانها هو معتصم.

دخلت غزل القصر ورا معتصم، عينيها بتلف في كل حتة. السقف كان عالي بشكل مرعب، والتحف واللوحات الفنية اللي مالية الحيطان كانت بتدي إحساس إنها في متحف مش بيت. كانت حاسة إن كل خطوة بتخطيها بتعمل صوت عالي بيرن في الصمت اللي ماليه المكان.

في الصالة الرئيسية، اللي كانت أشبه بقاعة استقبال، كانت قاعدة عيلة معتصم. كلهم كانوا لابسين هدوم غالية ومترتبة، وشوشهم عليها طبقة من الجدية. أم معتصم، سيدة في أواخر الخمسينات، كانت قاعدة في النص بوقار، وباين عليها إنها هي المسؤولة عن كل شيء في البيت ده. جنبها أخته الكبيرة، اللي كانت بتبص لغزل بنظرة باردة كده، بتقيّمها من فوق لتحت. كان في كام واحد تاني، باين عليهم قرايب أو حاجة، بس ملامحهم كلها كانت نسخة من بعض في الجدية والتقشف.

“البقاء لله يا غزل.” قالت أم معتصم بصوت هادي ومترتب، مفيش فيه أي دفء. “ربنا يصبرك على فراق والدك. ده قضاء ربنا.”

غزل حست إن الكلام طالع من كتاب عزاء محفوظ، مش من إحساس حقيقي. حاولت ترد، بس صوتها خانها. اكتفت إنها تهز راسها بهدوء. أخت معتصم قامت وقربت منها، حضنتها حضن خفيف جداً، أكتر منه مجاملة. “ربنا يكون في عونك يا حبيبتي. البيت بيتك.”

“طبعاً بيتها.” قال معتصم وهو بيقرب من غزل وبيمسك كف إيديها. “غزل، دي والدتي، ودي أختي أمل. ودول…” كان لسه بيكمل تعريف، بس غزل سحبت إيديها منه بسرعة، كأن إيده لسعتها. بصت له بعند، زي ما تكون بتقوله “أنا مش لعبة في إيدك عشان تمسكني كده قدام الناس دي كلها”.

ملامح معتصم اتغيرت لحظة، كأنه اتفاجئ برد فعلها، بس بسرعة رجعت لبرودها. “تعالي يا غزل أرتاحك شوية في أوضتك.” قالها وهو بيشاور لواحدة من الخادمات إنها تاخدها.

لكن غزل رفضت، بصوت خافت بس مليان إصرار. “لا، أنا عايزة أعرف أمي عاملة إيه؟ هي هتجيلنا هنا إمتى؟”

أم معتصم رفعت حاجبها. “والدتك؟ والدتك هتفضل في بيتها يا غزل. يعني إيه هتيجي هنا؟ ده بيت معتصم.”

“بس هي أمي! وأنا مش هسيبها لوحدها!” قالتها غزل بعصبية، ونسيت هي واقفة قدام مين.

“غزل!” نده معتصم عليها بنبرة تحذير، بس هي مسمعتش.

“أنت بتقول إيه يا معتصم؟ أبويا كان شغال سواق عندكم! وامي عمرها ما هتسيب بيتها عشان خاطر حد!”

الصمت طبق على القاعة. كل العيون اتجهت لغزل بصدمة، وبعضها بضيق واضح. أمل أخت معتصم كحت بصوت واطي وقالت: “يا حبيبتي الظروف دي بتخلي الواحد مش في وعيه، ربنا يهديها.”

معتصم اتدخل بهدوء غريب، بس كان فيه تحذير في عينه لغزل. “غزل، والدتك في رعاية كاملة. وفيها ستات معاها. متقلقيش عليها. ودلوقتي، لازم ترتاحي. الحزن والتعب مأثرين عليكي.” قالها وهو بيمسك إيديها تاني بحزم بس المرة دي هي مستسلمة ليه.

سابها تمشي مع الخادمة وهي ميتة من جواها، حاسة بالإهانة والغربة في نفس الوقت. وهي طالعة السلالم، سمعت صوت أمل أخت معتصم وهي بتقول: “شكلها هتتعبك أوي يا معتصم، البنت دي عنيدة أوي. ربنا يكون في عونك.”

معتصم كان واقف باصص على السلم، باين عليه إرهاق خفيف، بس عينيه كانت بتلمع لمعة غريبة. “هتتعدل يا أمل. هى بس لسه صغيرة.”

في الأيام اللي بعد العزاء، غزل كانت بتعيش في القصر زي الضيفة الغريبة. كانت بتفطر لوحدها، وتتغدى لوحدها. مفيش حد كان بيكلمها إلا الخدامين اللي كانوا بيجيبوا لها اللي هي عايزاه. عيلة معتصم كانت بتتعامل معاها بأدب جاف، وكأنها قطعة أثاث غالية بس محدش عارف مكانها بالظبط.

معتصم كان بيحاول يكلمها كل يوم، بس هي كانت بتصده بكل عناد.

“عايز إيه؟” كانت بترد عليه وهي بتبص في أي مكان إلا عينيه.

“عايز أطمن عليكي يا غزل. وأعرف إذا كنتي عايزة أي حاجة.” كان صوته هادي ومحاولاته مستمرة.

“أنا عايزة أمي، وعايزة أرجع بيتنا، وعايزة أبويا يرجع!” كانت بترد عليه وهي بتتعمد الدلع والعند في صوتها، زي ما تكون بتدوس على جرحه.

كان بيسكت لحظة، وبعدين يقول بهدوء: “أنا عارف إنك زعلانة يا غزل. بس مفيش حاجة هتتغير. وإنتي دلوقتي مسؤولة مني.”

كانت بتكره كلمة “مسؤولة مني” دي. بتخليها تحس إنها مجرد قطعة في اللعبة بتاعته. “أنا مش صغيرة يا معتصم! أنا دخلت الجامعة! وأنت وعدتني إنك هتطلقني بعد ما اتخرج!”

كان بيبتسم ابتسامة خفيفة بتجننها. “آه… وعدت. بس الظروف اتغيرت، مش كده؟ دلوقتي مفيش ورق ولا حاجة. أنا جوزك. ودي حقيقة.”

وكانت هي بتستدير وتمشي وتسيبه يتكلم مع نفسه. حاسة إنها لو فضلت قاعدة معاه دقيقة زيادة، هتنفجر فيه.خاص بصفحات الكاتبة ملك إبراهيم.القصر بالنسبة لغزل مابقاش مجرد سجن، بقى زي متاهة كبيرة، كل ركن فيها بيفكرها بالغربة والعزلة. الأيام كانت بتعدي وهي بتحس إنها بتدبل. صحيت في يوم من النوم وقررت إنها مش هتستسلم للإحساس ده.

بدأت غزل تكسر الروتين الصارم اللي فرضاه عيلة معتصم عليها. كانت بتتعمد تتأخر على ميعاد الفطار اللي الكل بيتجمع فيه في هدوء مخيف. كانت بتخرج تتمشى في الجنينة الضخمة من غير ما تستأذن، بترد على الخدامين والستات الكبار في البيت بابتسامة واسعة، عكس البرود اللي بيواجهوها بيه. مرة، كانت واقفة في المطبخ بتكلم واحدة من الخادمات عن طريقة عمل أكلة معينة بحماس، دخلت عليها والدة معتصم.

“غزل!” نادتها والدة معتصم بصوت هادي بس كان فيه نبرة تحذير. “إيه اللي موقفك هنا يا بنتي؟ مطبخ ده مش مكانك. وبعدين صوتك عالي كده ليه؟ احنا مش متعودين على كده.”

غزل لفت وشها وبصت لها بابتسامة خبيثة. “ليه بس يا طنط؟ المطبخ ده مكان الستات. وبعدين ماحدش بيعمل أكل زي أكل ماما. كان لازم أسأل عشان أتعلم.” قالتها وهي بتتعمد توصل رسالة غير مباشرة عن شوقها لأمها وعن عدم انتمائها للمكان.

وش والدة معتصم احمر من الغضب، بس حاولت تحافظ على هدوئها. “أكل والدتك ده كان زمان. دلوقتي أنتي في بيت معتصم. ولازم تحترمي قوانينه. ممنوع الخلطة بالخدامين، وممنوع التسكع في المطبخ. مكانك أوضتك أو الجنينة الهادية.”

غزل حست إن دمها فار. “أنا مش حتة أثاث يا طنط عشان تتحكموا في مكاني! أنا إنسانة! وليا حقوق!”

“غزل!” صوت معتصم الصارم قطع كلامها. كان واقف على باب المطبخ، وشه جامد، بس عينيه كانت بتراقب الموقف باهتمام. “إيه اللي بيحصل هنا؟”

والدة معتصم استغلت الفرصة. “البنت دي عايزة تكسر كل القواعد يا معتصم. من يوم ما دخلت البيت وهي بتحاول تتصرف بتطاول. لازم تتأدب.”

معتصم بص لغزل اللي كانت بتبادله النظرة بتحدي. وبعدين بص لوالدته بهدوء. “ماما، غزل صغيرة. وممكن تكون مش متعودة على نظام البيت. بس أنا واثق إنها هتتعلم.” وبعدين بص لغزل. “غزل، اطلعي على أوضتك دلوقتي، وإحنا هنتكلم.”

غزل كانت عايزة ترفض وتكمل كلامها، بس نظرة معتصم كانت بتقول “هتعملي كده، أو هتشوفي وش تاني خالص”. استسلمت وطلعت على أوضتها وهي بتتوعد.

بالليل، دخل معتصم عليها الأوضة. كانت قاعدة على السرير بضهرها له. “أنتي بتعملي إيه يا غزل؟ بتصعبي الأمور ليه؟”

“أنا؟ أنا اللي بصعب الأمور؟ أنا اللي عايزة أعيش زي البني آدمين؟ ولا اللي عايزة تهرب من السجن ده؟”

قرب معتصم وقعد جنبها. “سجن؟ أنتي عايزة تهربي من حياتك؟ ده بيتك يا غزل. وأنتي مراتي. ولو نسيتي ده، أنا مش هنساه.”

“حياة إيه وزواج إيه؟ ما هو أنت اللي قولتلي يومها إنها مجرد ورقة!”

مسك إيديها، للمرة الأولى كان لمسته مش حازمة، كان فيها حنان غريب. “غزل، أنا مقدر اللي مريتي بيه. وفهمت إن قعدتك هنا هتكون صعبة عليكي. عشان كده أنا اخدت قرار.”

غزل بصت له بتعجب. “قرار إيه؟ هتطلقني؟” قالتها بنبرة فيها أمل خفي.

ابتسم معتصم ابتسامة خفيفة. “لا يا غزل. ده مش هيحصل. القرار هو إنك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *