حتى اقتل بسمة تمردك 5

الحلقة (21):

ركضت”داليا”مهرولة خارج محيط القصر و هي تفر كالعمياء لتختفي عن متناوله تماما ، كان الليل قد أرخي سدوله ، لكن القمر أضاء لها مواطئ قدميها علي الطريق أمامها ، و هكذا مضت تعدو مهرولة و لم تتوقف إلا مرة واحدة لكي تنزع حذائها الضيق الذي كان يعرقل خطواتها لدي ركضها علي الحصي المنتشر و المتداخل بين الرمال ..
لم تدرك مدي حماقة هروبها إلا حين هطل عليها المطر الغزير و هي وحيدة تماما بالطريق ، شعرت بشيء من الخوف يحثها علي العودة ، لكن جاء رد عقلها عنيفا آمرا إياها بمواصلة ما عزمت علي تنفذيه ، ثم فجأة أصدر هاتفهها نغمته الصاخبة معلنا عن وصول رسالة جديدة ، أخرجته من جيب كنزتها الصوفية بيد مرتعشة ، ثم فتحت الرسالة ، كان هو المرسل ، رسالته وجيزة و مقضتبة ، و منها علمت”داليا”كم هو غاضب و خطير الأن .. كانت الرسالة مقتصرة علي كلمتين”انتي فين” ..
بعد أن قرأت الرسالة فكرت مذعورة بأنه محتمل جدا وصوله إليها بأي لحظة ، شعرت أنه سيلحق بها خلال لحظات و هي ما زالت علي بعد مسافة قصيرة من القصر ، تحاملت علي نفسها و إندفعت راكضة من جديد ، كانت تزداد قوة كلما تذكرت تلك الرسالة التي وصلتها من”جومانة”منذ قليل ، و التي كانت تحتوي علي صورة لها مع”عز الدين”في وضع مخزي ، حيث كانا يتبادلان القُبل بحرارة ، ثم فجأة لم تستطع أن تري شيئا ، إذ غمرت الدموع عينيها ، فتعثرت قدمها لتنكفأ أرضا علي وجهها ، تلطخت ثيابها بالوحل كما تلطخت بشرتها أيضا ، لم تستطع الحراك ، إذ أن البرودة التي شعرت بها جراء الجو الماطر و العاصفة المهيبة جمدت الدماء بعروقها ، حيث تصلب جسدها بهلع ، أطلقت نشيجا مختنقا و أخذت تتضرع إلي الله بأن لا يتمكن”عز الدين”من العثور عليها …
و كأن أبواب السماء فُتحت توا لتلبية دعائها ، إذ أنها سمعت صوت إحدي السيارات مقبلة نحوها ، إرتعد جسدها بضعف فهي توقعت أنه وصل إليها ، كان المطر قد توقف عن الهطول ، بينما أدارات رأسها بضعف شديد ، ثم إنتظرت حتي إتضحت الرؤية ، فوجدت إمرأة في أواسط العمر منحنية عليها بإهتمام شديد ، قالت المرأة و هي تمسح الشعر المبلل عن وجه”داليا”:
-لا حول و لا قوة إلا بالله .. انتي كويسة يا حبيبتي ؟ مالك ايه اللي حصل ؟ انتي تايهة هنا و لا ايه حكايتك بالظبط ؟؟
فشلت”داليا”في إخراج كلمة واحدة من حنجرتها ، فأرخت رأسها تعبة ، فيما أمسكت بها المرأة دون تفكير و ساعدتها بجهد كبير إلي أن وقفت علي قدميها ، فسارت بها حتي وصلا إلي السيارة ، فأجلستها بالمقعد الخلفي ، ثم إستدارت و أخذت مكانها علي المقعد الأمامي خلف المقود ثم شغلت المحرك قائلة:
-ماتقلقيش .. هوديكي المستشفي.
أغمضت”داليا”عينيها بضعف ثم ألقت برأسها إلي الخلف ، توالت رعشاتها و شعرت بأن الحمي أصابتها ، أخذت تنتحب بصمت إلي أن توقفت السيارة بصورة تدريجية بعد مدة قصيرة ، عجزت عن فتح عينيها و لكنها جاهدت و فتحتهما قليلا ، فرأت لجنة أمنية من خلال زجاج السيارة الأمامي ، عادت تغمض عينيها بوهن من جديد و هي عاجزة تماما عن الحراك ، فيما سمعت حديث رجل الشرطة مشوش لم تستطع تمييز جملة واحدة …
و بعد مرور عدة دقائق قليلة جدا ،شعرت فجأة بيدين تحملانها من السيارة بلطف حازم ، فتحت عينيها بجهد لتكتشف أنه أدركها أخيرا ، مهما فعلت لن تفلح محاولاتها في الهرب منه أبدا ، شعورها بالصدمة و الخوف ألجم لسانها الثقيل ، فتأوهت بخفوت و ألقت رأسها علي صدره الصلب حيث إستنشقت عطره الرجولي الذي كان له التأثير الأكبر في تهدئة أعصابها قليلا ..
بينما وقف للحظات فسمعته يشكر الشرطي الذي أجابه بلطف:
-دي اقل حاجة ممكن اعملها يا عز الدين بيه .. حمدلله علي سلامة المدام.
سمعت”داليا”صوت”عز الدين”و هو يشكر الشرطي مرة أخري علي إهتمامه بالأمر ، و عندما سار بها بإتجاه السيارة دفنت رأسها في صدره متعبة و منهكة القوي ، اللعنة .. خاطبت نفسها .. لا تزال تشعر بالدفء داخل أحضانه ، كيف ؟ .. و لكن رغم ذلك لم تنطفئ نيران الغيرة و الغضب المتأججة بصدرها تجاهه … :
-مجنونة ! غبية.
همس في أذنها بحنق و هو يضعها في المقعد الأمامي من سيارته ، ثم أضاف مزمجرا:
-عايزاني اعمل فيكي ايه دلوقتي ؟؟
لم تجد جوابا ، بل إكتفت بالإستلقاء في مقعدها صامتة ، و طوال الطريق إلي القصر لم تكن تسمع سوي صوت تنفسه الغاضب .. و عندما حملها مرة أخري لدي وصولهم إلي القصر ، إستسلمت إليه بشعور المهزوم الضعيف الذي لا يملك حولا و لا قوة ، بينما هرعت”ياسمين”مهرولة من الداخل بإتجاه شقيقتها قائلة في وجل:
-داليا .. ايه اللي حصلك يا حبيبتي ؟ و مالك متبهدلة كده ليه ؟ ايه اللي خرجك اصلا و انتي تعبانة ؟؟
لم تستطع”داليا”الرد علي شقيقتها ، فأجاب عنها”عز الدين”في هدوء قائلا:
-ماتقلقيش يا ياسمين هتبقي كويسة.
و في غضون دقائق معدودة كانت ممدة علي الفراش عاجزة خائفة ، متوترة من عودتها إليه و قلقة من مواجهته .. وقف”عز الدين”إلي جانبها ، بينما جلست”ياسمين”قربها ثم تحسست جبهتها قائلة:
-يا خبر .. انتي حرارتك عالية اوي .. ايه اللي انتي عملتيه في نفسك ده بس ؟ يعني لو كان حصل اي حاجة للبيبي كنتي هتتبسطي ؟؟
إرتعد جسدها بقوة جراء قول شقيقتها ، فحولت نظرها إليها في صدمة متسائلة:
-بيبي !!
-ايوه يا داليا .. انتي حامل و بتصرفك ده كان ممكن تفقدي طفلك .. انا مش فاهمة ايه اللي خلاكي تعملي كده بس ! ليه سيبتي البيت فجأة ؟!
صمتت”داليا”ذاهلة ، بينما هتف”عز الدين”بصوته العميق:
-طيب انا هاسيبكوا مع بعض شوية.
حولت”ياسمين”نظرها إليه قائلة:
-تمام انا هساعدها تغير هدومها و هديها علاج مخفض لحرارة.
أومأ”عز الدين”رأسه عابسا ، ثم مضي تاركا الغرفة بأكملها بعد أن أغلق الباب من خلفه .. فتنهدت”ياسمين”بعمق ثم إلتفتت إلي شقيقتها و مسحت علي شعرها قائلة:
-ايه يا داليا .. ايه اللي حصل يا حبيبتي ؟ ليه سيبتي البيت بالطريقة دي و انتي تعبانة كده ؟؟
هزت”داليا”رأسها بضعف ثم نطقت بصعوبة قائلة:
-ياسمين .. لو سمحتي انا مش قادرة اتكلم دلوقتي خالص.
زمت”ياسمين”شفتيها بقلة حيلة ثم قالت:
-ماشي يا داليا .. براحتك .. بس واضح ان في شيء خطير حصل و هو اللي دفعك للتصرف ده .. انا مش عايزة اعرف ايه اللي حصل لكن عايزاكي انتي تعرفي ان انا جنبك دايما .. عشان كده لو حصل معاكي اي حاجة تانية بعد كده ضايقتك بالشكل ده ارجوكي ماتكرريش اللي عملتيه انهاردة تاني و تعالي اتكلمي معايا .. شاركيني يا حبيبتي انا اختك و مش هضرك اي مشكلة هنحلها احنا الاتنين .. بدل ما يبقي رأي واحد و قرار واحد يبقي رأينا احنا الاتنين و قرارنا احنا الاتنين .. علي الاقل عشان ماتقلقنيش عليكي زي ماعملتي انهاردة.
تنهدت”داليا”بثقل ثم أومأت رأسها موافقة ، فمنحتها شقيقتها إبتسامة بسيطة ، ثم نهضت و ساعدتها علي الوقوف .. أخذتها”ياسمين”إلي الحمام ثم ساعدتها علي تبديل ملابسها و هي تقول:
-انتي بقي ماشوفتيش عز الدين بتاعك ده كان عامل ازاي لما اكتشف انك مش موجودة في البيت كله .. كان فاضله شوية و يتحول علي الكل بمجرد ما كان بيتخيل ان ممكن يكون حصلك حاجة وحشة لا قدر الله.
كانت”داليا”أكثر إرهاقا من أن ترد علي مداعبة”ياسمين”التي تابعت بصدق:
-كان قلقان عليكي اوي .. ماسبش حد الا و سأله عليكي و بهدل الناس الواقفين علي البوابة بصراحة قلب الدنيا لحد ما جاتله مكالمة عنك فجري عليكي بسرعة .. صحيح انتي كنتي فين ؟؟
تجاهلت”داليا”سؤالها ، بينما صمتت”ياسمين”من أجل راحة شقيقتها ، ثم عادت بها إلي الغرفة ، و عندما إستقرت”داليا”بالفراش في هدوء تحسست”ياسمين”جبينها ثم قالت:
-لأ حرارتك انخفضت الحمدلله .. مش هتحتاجي لدوا .. احسن.
دخل”عز الدين”في تلك اللحظة قائلا:
-تقدري تتفضلي انتي دلوقتي يا ياسمين .. انا هاخد بالي منها.
ألقت”ياسمين”نظرة أخيرة علي شقيقتها ثم نهضت منسحبة في هدوء ، بينما إقترب”عز الدين”منها قائلا بوجوم:
-ازيك دلوقتي ؟؟
إزدردت ريقها في توتر قائلة:
-كويسة .. طول ما انت بعيد عني.
لم يعلق علي كلامها ، بل قال بإقتضاب:
-طب قبل ما افقد اعصابي يا ريت تقوليلي سيبتي البيت منغير اذني ليه ؟ و كنتي رايحة علي فين ؟؟
ثم جلس إلي جانبها علي طرف الفراش ، فتمتمت بإرهاق:
-مهتم اوي يعني ! بلاش نضحك علي بعض و بلاش تمثل انك قلقان عليا.
-داليا !
هتف بحدة ثم تابع:
-جاوبي علي اد السؤال .. سيبتي البيت منغير اذني ليه ؟ و كنتي رايحة علي فين ؟؟
-زي ما قلتلك قبل كده .. مابقتش طايقاك و مش عايزة اعيش معاك.
قالت محاولة إستفزازه ، فنجحت محاولتها حيث قبض علي ذراعيها بعنف قائلا بنعومة شرسة:
-ماتخلنيش اتخلي عن هدوئي و جاوبيني احسنلك.
أجابته متألمة:
-انت قاسي .. قلبك اسود و مابتحبش الا نفسك.
أغمض عينيه بقوة محاولا ضبط إنفعالاته ، بينما تابعت:
-انت عايز مني ايه تاني ؟ مش خلاص خدت اللي انت عايزه ؟ ليه بتربطني بيك اكتر ؟؟
كانت قد بدأت تتحدث دون وعي و قد إستولي عليها الإرهاق فأضافت:
-بكرهك .. انت عمرك ما احترمتني حتي .. بالعكس دايما بتوجهلي اهانات.
تنهد بثقل ثم قال:
-انا مابحبش اهينك يا داليا .. انتي اللي بضطريني بتصرفاتك.
سالت دموعها ثم هزت رأسها بمرارة قائلة:
-انت قصدت تهيني .. قصدت تذلني .. و انا كنت دايما بسكت عشان …
صمتت فجأة ، ثم أغمضت عينيها و قالت بنعاس:
-انت ليه قاعد معايا هنا ؟ روح .. روح لجومانة .. هي مناسبة ليك اكتر مني و علي الاقل انت بتحبها و مش بتكرهها زي ما بتكرهيني.
تنهد قائلا:
-انا مش بكرهك يا داليا.
فتحت عينيها و نظرت ناعسة إلي وجهه الغامض ، ثم رفعت يدها تتحسس لحيته الخفيفة ثم همست:
-بحبك.
لمست أناملها تفاحة آدم خاصته ، ثم إنزلقت إلي صدره قبل أن تسقط إلي جانبها و قد غرقت تماما في النوم …
بينما زفر بقوة و هو يصارع مشاعره المتأججة داخله ، ثم دثرها جيدا و مسح شفتيها بأصبعه هامسا:
-و انا كمان بحبك يا داليا.

*********************************************************************

-طب و بعدين ؟؟
وجهت”ريم”سؤالها إلي”عبير”و هي تخاطبها عبر الهاتف فأجابتها”عبير”:
-مافيش جديد صدقيني .. بس من وقتها بقي يعاملني كويس شوية .. فاهمة ؟!
-فاهمة فاهمة .. في تطور يا بيرو و ده معناه انه لسا بيحبك.
-لسا بيحبني ؟ تفتكري يا ريم ؟؟
-اكيد .. اومال تفسري بإيه خوفه و قلقه عليكي ؟؟
هزت”عبير”كتفيها قائلة:
-ممكن اكون صعبت عليه .. بس مافتكرش انه لسا بيحبني يا ريم .. و مافتكرش بردو انه بيكرهني لانه لو كان بيكرهني عمره ما كان قبل يتجوزني بعد ما عرف كل جاجة.
-طب ما انتي رديتي علي نفسك اهو يا بيرو .. هو بردو لو ماكنش بيحبك ماكنش قبل يتجوزك بعد ما عرف كل حاجة.
أجابتها بحيرة:
-بس هو قالي انه اتجوزني عشان يحميني من عز الدين.
-بصي يا عبير .. هو واخد موقف زيه زي اخواتك بس لانه بيحبك من زمان و انا اكتر واحدة شاهدة علي كده ببعاملك دلوقتي بلطف رغم كل اللي حصل فطبيعي و عادي لو لاقتيه جاف معاكي في معظم الاوقات .. بس الاكيد انه بيحبك اصبري شوية و الامور كلها هتبقي تمام .. ده اول واحد هيفتح دراعته و ياخدك في حضنه يا عبير و هتقولي ريم قالت.
تنهدت”عبير”مفكرة ، و بعد أن أنهت الإتصال مع صديقتها سمعت طرقا علي باب الغرفة ، فأذنت بالدخول لينفتح الباب و يظهر”خالد” … :
-صباح الخير.
حياها عابسا ، فإبتسمت ببساطة و حيته بدورها:
-صباح النور.
-عايزك دقيقتين تحت.
أومأت رأسها باسمة ، فإنسحب في هدوء ، بينما نهضت من فراشها ثم لحقت به علي الفور ..
كان يجلس فوق مقعد وثير بقاعة الجلوس الصغيرة حين رآها ، فحدق فيها لبرهة دعاها للجلوس في هدوء قائلا:
-اقعدي.
جلست قبالته و التوتر يعصف بها فتساءلت .. تري ما الأمر ؟ .. بينما مد جسده إلي الأمام ثم تنهد قائلا:
-انا هكلم عز الدين دلوقتي .. مش هقدر اخليكي تروحيله الفترة دي .. بس هحاول اخليه يكلمك.
أبتسمت بتوتر ثم أومأت رأسها تحثه علي فعل ذلك ، فأمسك بهاتفهه ثم أجري الإتصال بـ”عز الدين”بعد أن فتح مُكبر الصوت ، ليأتي صوت”عز الدين”الصارم بعد لحظات:
-ايوه يا خالد.
فنطق”خالد”و هو يرمش بشيء من الإضطراب:
-ازيك يا عز عامل ايه ؟؟
-تمام الحمدلله .. ايه خير في حاجة ؟؟
إزدرد”خالد”ريقه بتوتر قائلا:
– عـ عبير كانت عايزة تكلمك.
مرت لحظات مشحونة بالترقب من قبل”عبير”و بالتوتر من قبل”خالد”ليقطع”عز الدين”الصمت حين صاح بغضب مزمجرا:
-عبير ماتت.
ثم أغلق الخط ، فخيم الصمت علي الأجواء المتوترة ، بينما شارفت”عبير”علي البكاء ، فهبت واقفة ثم ركضت مسرعة إلي الأعلي ، و قفت هناك في منتصف الغرفة تتذكر كلام أخيها .. تمنت في تلك اللحظة أن تخر صريعة و يتحقق كلام”عز الدين”بفناءها .. حرارة تجتاحها ، تمنت لو أنها لم تطلب من”خالد”أبدا أن يصل بينها و بين أخويها ، ليتها لم تطلب ..
تجمدت بمكانها كصنم خاليا من الروح ، و لم تكترث لنداء”خالد”الذي دلف لتوه ، بينما تقدم نحوها بخطي واسعة ثم أمسك بذراعها و أدارها إليه لتواجهه ، ليتجمد و تتلاشي الكلمات علي شفتيه ، هالته دموعها و نظرة الإنكسار بعينيها ، فأعتق ذراعها لتترنح بين ذراعيه ، و تلقي رأسها علي صدره .. إضطربت أنفاسه لوهلة بينما نطفت بنبرة مرتجفة:
-عبير ماتت !!

******************************************************************
أصر”عز الدين”علي أن تلازم”داليا”الفراش حتي يصبح الجنين في مأمن من أي خطر قد يتعرض إليه ، و كم كانت دهشتها أنه مهتم لأمر طفلهما ، رغم أنها عارضت في البداية إستمرارية مكوثها بالغرفة و الفراش لكنها إستسلمت تماما في النهاية إلي رعاية شقيقتها و”فاطمة”إذ أن “عز الدين”أطلق عليهن آوامر صارمة بالعناية بها ، كانت تبتسم رغما عنها في معظم الأوقات عندما تتذكر كلام شقيقتها عنه ، فقد عرفت منها كيف جن جنونه عندما غادرت القصر دون أن يعرف طريقا لها ، كما كانت تشعر بالغضب و بالغيرة القاتلة عندما تتراءي لها صورته المخزية مع”جومانة” .. لولا أنها أصبحت تحمل طفله بأحشائها لكانت صممت بقوة علي مفارقته مهما كلف الأمر ، لكن بات الأمر صعب الأن ، صحيح أنها سعيدة لكونها حملت بطفله فهو الرجل الذي تحب ، هو حبيبها رغم كل شيء ، و لكنها حزينة أيضا لأنها تدرك تماما بأنه لن يتغير أبدا ، سيبقي هو كما هو ، ذلك الرجل القاس المتغطرس و الطاغية ..
و الذي آلمها في تلك اللحظة ، تفكيرها في أن علاقته بـ”جومانة”سوف تظل قائمة ، تدفقت الدماء في شرايينها و هي تحس بإنها طُعنت في صميم كرامتها و مشاعرها ، لقد أزعنت إلي كافة طلباته و رغباته و رغم ذلك جرحها ، في حين كانت تغفر له ، و لكن مهما كان الأمر ، سواء دفعتها الأقدار إلي هذا الطريق أو أن حظها العاثر هو الذي أوصلها إلي هنا ، فإنها تواجه رجلا غريبا في ماضيه و حاضره .. تساءلت بألم عميق .. ما دامت”جومانة”تثيره و ترضيه إلي ذلك الحد ، لماذا إذن لم يكتفي بها أو يطلبها للزواج ؟ .. تحول فجأة آلمها إلي نوع من اللوم و العتاب الداخلي الناتج عن شعورها بالخجل الذاتي ، كان عليها أن لا تصل إلي هذا الحد ، بل كان عليها أن لا تمنحه حتي و لو دقيقة واحدة من وقتها منذ أن طلبها بطريقة غير شرعية ، كان عليها أن تنسي أمره منذ ذلك الحين ، كان عليها أن تقسو علي قلبها و أن تتوقف عن حبه ، لطالما إعتبرت نفسها دائما فتاة ذات إرادة و شخصية قوية و لكنه أثبت لها العكس عندما إلتقت به ..
و لكن رغم كل شيء .. ليس هناك شيئا يمكن أن يزيل من ذهنها صورته مع”جومانة”في مشهد القبلة الساخنة … !

********************************************************************
عاد إلي المنزل باكرا ، توقع أن يجدها بالمطبخ تعد وجبة العشاء كعادتها ، و لكنه لم يجدها في أي مكان بالطابق الأسفل ، فتنهد بثقل ثم حل ربطة عنقه بضيق و صعد إلي غرفته كي يبدل ملابسه ، ثم ذهب إلي غرفتها بعد تردد ، فهو إعتاد علي رؤيتها لدي عودته من العمل في كل يوم ، طرق باب الغرفة عدة مرات و لكنها لم تجب ، فإستنتج أنها ربما تكون نائمة ، فإدار المقبض ثم دفع الباب بحذر ، و كم كانت دهشته حين رآي الغرفة خاوية .. عند ذلك دلف و جال هنا و هناك باحثا عنها ، حتي وصل إلي الحمام ، فطرق الباب و لم يحصل علي إجابة ، فحاول أن يفتحه و لكنه مغلق من الداخل .. ساوره القلق فأخذ يطرق الباب بقوة و هو يهتف بقلق متسائلا:
-عبير !!
ظل ينادي بأسمها دون فائدة فعصف القلق به ، و لم يجد سوي أن يدفع الباب بجسده حتي يُفتح ، و بالفعل دفعه عدة مرات حتي نجح الأمر ، ليقف مصدوما حين وقعت عيناه علي جسدها المنسدح أرضا و علي ذاك السيل الدامي المتدفق من شق عميق بمعصمها الأيمن ..
هرع عليها و الرعب يعصف بكافة خلايا جسده ثم جثي علي ركبتيه إلي جانبها و أمسك بذراعيها صائحا:
-عبييييير … !!

الحلقة (22):

أخذ يهزها بقوة صارخا و دموعه تسيل بحرارة:
-عبييير .. ردي عليا .. كلميني .. عبير !!
و لكن لا حياة لمن تنادي ، لقد فقدت”عبير”كل إتصالاتها بالواقع ، بينما حملها”خالد”بيدين مرتعشتين جراء هلعه و خوفه عليها ، و في غضون دقيقة كان قد وضعها بالمقعد الخلفي من سيارته ثم إستدار مسرعا و أخذ مكانه أمام المقود ..
إنطلق بالسيارة متوجها إلي أقرب مشفي بالمدينة ، قاد بسرعة جنونية ، إلتهم الطرق بسيارته التي حولها إلي آلة مجنونة مثله راحت تصدر صراخ ناتج عن إحتكاكها العنيف بالأرض ..
وصل أخيرا ، فترجل مسرعا ، و بعد أن حملها مرة أخري إتجه بها إلي الباب الرئيسي للمشفي ، إنجذبت إليه النظرات فور دخوله ، حيث نظر له بعض العاملين بالإستقبال في ذعر و هم يرونه يحمل بين ذراعيه جسد متراخٍ تسيل منه الدماء ، بينما هرعت نحوه إحدي الممرضات و قادته إلي حجرة الكشف ، خرج من الحجرة بعد أن وضع”عبير”بالفراش الطبي الصغير ، فيما تحطمت أعصابه و تسارعت نبضات قلبه بقوة ، فوقف أمام باب الحجرة الزجاجي و دموعه تنساب في بطء ، ثم أخذ يبتهل في نفسه و يتضرع إلي الله بأن تعود”عبير”كما كانت و سوف يصلح كل الأمور ، سوف يتغاضي عن آلمه و كرامته ، سوف يتدخل و يعمل جاهدا من أجل إعادة علاقتها الوثيقة بأخويها ، سوف يتناسي كل ما حدث و كل ما فعلته ، سوف يعود و يغمرها بحبه من جديد .. فقط تعود .. تعود كما كانت بسابق عهدها ، صغيرته المرحة ، فتاته العفوية ، و حبيبته الرقيقة …
بعد مرور عدة ساعات قليلة ، خرج الطبيب فأسرع”خالد”إليه متسائلا و الخوف و الهلع يعصفان به:
-طمني يا دكتور .. عبير عاملة ايه ؟ بقت كويسة صح ؟؟
إبتسم الطبيب بخفة ثم أجابه مطمئنا و هو يربت علي كتفه بلطف:
-اطمن يا استاذ هي بقت بخير دلوقتي ماتقلقش.
-بجد ؟ بجد بقت كويسة ؟؟
سأله متلهفا ، فأجابه بلطف:
-و الله بقت كويسة جدا هي اه خسرت دم كتير و كانت في خطر بس لحقناها الحمدلله .. اطمن بقي مافيش داعي للقلق.
زاغ”خالد”ببصره و أومأ رأسه ثم عاد ينظر إليه متسائلا:
-طيب انا ممكن ادخل اشوفها ؟؟
-ممكن طبعا هي فاقت دلوقتي تقدر تشوفها و تقدر تمشي معاك كمان.
زفر”خالد”بإرتياح ثم شكره ، فقال الطبيب بإبتسامة بسيطة:
-لا شكر علي واجب .. و حمدلله علي سلامتها بس ابقي خلي بالك منها بعد كده انت تقربلها ايه ؟؟
-انا ابن عمها و جوزها.
-كويس اوي حاول تقرب منها و تعرف ليه حاولت تنتحر و يبقي افضل لو استشرت طبيب نفسي.
شكره”خالد”مرة أخري لإهتمامه ، ثم دلف إليها مسرعا ،و لرؤيتها إنقبض قلبه بآلم ، كانت”عبير”في حالة يرثي لها ، إلتفت حول رسغها ضمادة بيضاء ، و أنبوبة المصل متصلة بشريان بارز في ظهر يدها ، فأخذ يقترب منها بخطوات بطيئة ، و حين جلس إلي جانبها علي حافة الفراش ، فتحت عينيها الدامعتين ثم قالت بصوت مرتعش:
-انت .. انت جبتني هنا ليه ؟ ماسبتنيش ام*وت ليه ؟ انا خلاص بقيت في نظركوا كلكوا ميتة .. لحقتني ليه ؟ حرام عليك انا كنت عايزة ام*وت .. كنت عايزة ارتاح.
وضع”خالد”يده فوق يدها يواسيها ، فأغمضت”عبير”عينيها لبرهة ثم فتحتهما من جديد و قالت:
-مش مسمحاك .. انت عابز تعذبني اكتر .. لحقتني عشان تعذب فيا اكتر.
هز”خالد”رأسه نفيا ثم أمسك يدها السليمة و قبلها برقة قائلا:
-لأ .. لأ عبير انا مالحقتكيش عشان اعذبك .. انا لحقتك عشان بحبك .. انا اكتشفت انهاردة بس اني ماقدرش اعيش منغيرك .. هنسي كل حاجة .. كل اللي حصل هنساه و هبدأ معاكي من جديد .. انتي مش ميتة في نظري ده انا اللي كنت هم*وت لو كان حصلك اي حاجة.
هزت رأسها بمرارة ثم إنتحبت قائلة:
-انت كداب .. انت بتقول كده بس عشان ماحاولش اكرر اللي عملته تاني .. انت مابقتش تحبني و عمرك ما هتقدر تنسي اللي حصل .. انت كداب.
وضع أصابعه علي فمها يمنعها من الكلام ، ثم قال:
-عبير .. انا مش عارف اكرهك .. انا بحبك و بس .. صدقيني حاولت كتير اني اكرهك بس في كل مرة كنت بفشل .. لو ماكنتش بحبك ماكنتش قبلت اتجوزك من الاول .. و عشان بحبك هحاول انسي كل حاجة زي ما قلتلك.
أغمضت عينيها بقوة و هي غير قادرة علي تصديقه ، بينما دني صوبها ثم مسح بكفه علي شعرها بحنان قائلا:
-اوعدك اني هصلح كل حاجة .. هرجع كل اللي حاجة زي ما كانت بس اوعديني انتي انك مش هتعملي كده تاني .. مش هتحاولي تنتحري تاني.
كان صوته خافتا و حانيا ، ففتحت عينيها ببطء ، ثم نظرت ناعسة إلي عينيه الصادقتين اللتين فاضتتا بالحب لها ،و تحت تآثير لمساته و قربه منها ، إستسلمت للنوم بعد أن شعرت بالإطمئنان يلفها … !

*******************************************************************

إستعدت للنوم حيث أغرقت رأسها في الوسادة ، و لكنها أجفلت فجأة حين وخزها دبوس شعر رفيع في رأسها ، فتأففت بضيق و رفعت يدها المتراخية لتنتزع سائر الدبابيس من خصلات شعرها الحريرية ، ثم تصلبت عضلاتها فجأة حين أتاها صوته العميق الذي إنبعث من فوق رأسها مباشرة:
-طبعا لازم تضايقي.
فتحت عينيها دفعة واحدة ثم حدقت به في صمت ، كان قد عاد لتوه ، لم تشعر بوجوده إلا الأن ، بينما رمقها في هدوء ثم تابع:
-ماينفعش تربطي شعرك بالطريقة دي و انتي نايمة.
قال ذلك ثم إتجه نحو منضدة الزينة الرخامية و إلتقط فرشاة من فوقها ، بينما إستوت تجلس بسرعة مستقيمة الظهر ، عابسة الوجه ، فيما إقترب منها حيث جلس علي الفراش إلي جانبها ، و بحركة غير متوقعة أمسك بكتفيها و أدارها ، فأدركت ما ينوي فعله ، فقالت بخفوت معترضة:
-ماتتعبش نفسك انا اقدر اساعد نفسي.
لكنه تجاهل كلماتها كما توقعت ، و بإرتباك رجل يتعامل مع شيء غال و رقيق يتطلب عناية فائقة ، أخذت أصابعه تجوس في شعرها الحريري و تنتزع الدبابيس الرفيعة واحدا تلو الأخر .. و بعد لحظات سمعته يغمغم قائلا:
-اكيد محدش سرحلك شعرك قبل ما تنامي من سنين.
أحست فجأة بلسعات برد و خوف شديد و هي تشعر بحركاته اللطيفة الحازمة ، و تراه يتناول الفرشاة من فوق الفراش ، رضخت له بصمت حين بدأ يسرح شعرها برقة و بطء ، أبقت رأسها محنيا و هي ترغم نفسها علي الإحتفاظ بهدوء أعصابها ، لكنها شيئا فشيئا ، بدأت تستشعر أصابعه القوية و هي تتلكأ ..
و في تلك اللحظة ، بدت غرفة النوم الفسيحة أصغر من أن تتسع لحضور ذلك الرجل الذي تنبعث منه قوة هائلة ، خافت من تصرفاته اللطيفة التي غالبا ما تتحول إلي العنف في معظم الأوقات ، فهو يستطيع بلحظة أن ينزع عنه قناع اللطف الزائف بالسهولة نفسها التي تسلخ بها الأفعي جلدها !
أحست بيديه الصلبتين علي كتفيها ، تقبضان علي جلدها البض بقوة ، و عندما أحست بأنفاسه الحارة تقترب ببطء من عنقها ، تململت من قبضته قائلة:
-انا كنت نايمة .. عايزة اكمل نومي من فضلك.
سكن للحظات ، ثم جذبها صوبه بتمهل حازم ، فقلصت عضلاتها لتقاوم قوته ، و لكن دون فائدة ، فهمست بيأس:
-سيبني انام لو سمحت.
-ششش اهدي.
همس لها بصوت خفيض ، فأغمضت عينيها و تخلت عن مقاومتها ثم أعادت رأسها إلي الوسادة ، فإنحني عليها و أردف قائلا:
-كده تقدري تنامي براحة اكتر .. تصبحي علي خير.
فتحت عينيها بصدمة ، فيما رفع نفسه عنها و نهض تاركا إياها وحيدة بالفراش ، بينما لمحت إبتسامته الخبيثة تطفو علي شفتيه ، فإستشاطت غيظا ، إنه يتلاعب بأعصابها ، يتلاعب بعواطفها ، ياله من شيطان خبيث ..
تنهدت بعمق ، ثم إستوت علي الفراش مجددا ، فنظر إليها مستغربا ثم قال و هو يفك أزار قميصه بعد أن حل ربطة عنقه:
-ايه .. مش كنتي نايمة و عايزة تكملي نومك ؟!
إحتل التهكم نبرة صوته ، و لكنها تجاهلت إسلوبه الإستفزازي و قالت بهدوء:
-كنت عايزاك في حاجة.
-خير ؟؟
سألها بإصغاء مقطبا حاجبيه ، فأجابته:
-كنت عايزة انزل اشتري حاجات للبيبي.
حملق فيها لبرهة دون كلام ، ثم أومأ رأسه متفهما و قال:
-انتي مش مضطرة تروحي في حتة قوليلي بس انتي عايزة ايه و انا هتصرف.
إحتجت قائلة:
-ماينفعش طبعا .. انا لازم اجيب كل حاجة بنفسي.
-هتنزلي ازاي و انتي حامل كده ؟ ممكن الطفل يتأثر.
أغمضت عينيها بآلم و قد شعرت بوخز كلماته ، فهو أعرب عن خالص إهتمامه بطفله دونها ، إذن سلامة الطفل عنده في المقام الأول .. :
-ياسمين هتكون معايا.
قالت بصوت مبحوح ، فهز رأسه عابسا ثم سألها:
-انتي عايزة تشتري ايه بالظبط ؟؟
إزدردت ريقها ثم أجابته:
-عايزة اشتري هدوم و سرير صغير و حاجات تانية كتير.
-سرير صغير !!
هتف بدهشة ، ثم تابع:
-ليه ؟ ده البيت مافيهوش اكتر من الاوض و اكيد هيكونله اوضة خاصة.
تنهدت بعمق ثم أومأت رأسها قائلة:
-انا عارفة ان هيكونله اوضة خاصة بس مش قبل سنتين .. ماينفعش اسيبه يفارقني ابدا حتي و هو نايم الا بعد ما يتم سنتين علي الاقل.
في تلك اللحظة إبتسم”عز الدين”رغما عنه ثم قال:
-انا شايف انك بتستعملي الصيغة المذكرة و انتي بتتكلمي عن الطفل .. عرفتي منين انه ولد ؟؟
أجفلت خجلة ، ثم أجابت:
-احساسي .. احساسي بيقولي انه ولد.
قهقه”عز الدين”بخفة قائلا:
-عموما ده شيء هيسعدني جدا .. ياريت يكون ولد.
ثم تابع بجدية:
-بس بردو ماينفعش تتحركي او تنتقلي لأي مكان برا البيت و خصوصا و انتي في الشهور الاولي ..زي ما قلتلك قوليلي انتي عايزة ايه و انا هجيب كل حاجة.
تأففت بضيق ، بينما تعالي فجأة رنين هاتفهه الصاخب فتجاهله حتي إنقطع ، فيما توقف عن نزع ملابسه بعد أن إستشف إمتعاضها الدفين ، فإقترب منها و سألها:
-ايه .. مالك ؟ في حاجة مضيقاكي ؟؟
-اد ايه انت لطيف و بتهتم بمشاعري.
قالت ساخرة ، ثم تابعت بجمود:
-مافيش حاجة.
رفع”عز الدين”حاجبيه مستغربا ، و فهم من تعابير وجهها و إحمرار و جنتيها و عينيها الجارحتين أنها غاضبة ، فسألها مرة أخري بنبرة أكثر حدة:
-في ايه ؟ مالك ؟؟
حولت نظرها إليه ، ثم إندفع الكلام من فمها بحنق:
-انا ممكن اقبل تصرفاتك ايا كانت ممكن للاسف اتحمل اي حاجة عشان ابني .. لكن مش ممكن اقبل انك تلعب بمشاعري و تخلي ناس تشاركك في كده.
قال بهدوء غاضب:
-انا مابعرفش احل الالغاز من صغري .. ياريت توضحي اكتر.
عضت علي شفتها بقوة ،و سكنت لبرهة ، ثم تناولت هاتفهها من الطاولة قرب الفراش و عبثت فيه قليلا ، ثم ناولته إياه كي يتمعن صورته المثيرة مع”جومانة”و هما يتبادلان القُبل بحرارة
تجمد وجهه لبرهة ، ثم سألها:
-جبتي منين الصورة دي ؟؟
أجابته بمرارة ساخرة:
-الخط اللي اتبعتت منه كان برايفت .. بس مش محتاجة ذكاء .. اكيد اللي بعتها حد من الشخصين اللي موجودين فيها.
عند ذلك تطلع إليها و رمقها بقسوة ، ثم ألقي بهاتفهها علي الفراش قائلا بلا إكتراث:
-عادة مابحبش اشرح و لا ابرر مواقفي .. عشان كده امشي ورا احساسك.
قال ذلك ثم إستدار و مضي بعيدا عنها ، بينما أشاحت بوجهها عنه و إستلقت في هدوء ودموعها تهبط في صمت … !

********************************************************************

عادت إلي المنزل برفقته ، طوال الطريق كانت صامتة ، لم تحدثه قط إلا عندما يوجه لها سؤالا ، بينما إتبع معها إسلوبه القدبم ، حيث تصرف معها بلطف بالغ في كل شيء يخصها ، فقد أدرك”خالد”أن”عبير”تعد كنزه الثمين و روحه الساكنة بجسده ، سامحها لأنه يحبها ، و لأنها ندمت و كادت تفقد حياتها لولاه ..
أوصلها إلي غرفتها ، و ساعدها علي الإستلقاء ، ثم دثرها جيدا و دني نحوها ليطبع قبلة علي جبهتها .. عاد ينظر إليها ، ثم سألها بلطف و هو يمسح بيده علي شعرها بحنان:
-مش عايزة اي حاجة اعملهالك قبل ما تنامي ؟؟
هزت رأسها نفيا و النعاس يحتل ملامحها الهادئة الشاحبة ، فتنهد بعمق ، و طبع قبلة عميقة علي وجنتها ، ثم أرتفع بجسده و أطفأ أنوار الحجرة لكي تنعم بنوم هادئ ، ثم خرج بعد أن أغلق الباب من خلفه في هدوء …

*******************************************************************

كان واقفا في شرفته ، يحدق في شرود بالسماء الحالكة ، بينما كان الليل هادئا ، و السماء مرصعة بالنجوم التي تلألأت علي مدي أبعاد لا نهائية …
خرج من تأمله الحالم فجأة حين إنبعث من الأسفل صوت الحصي المطحون إلي سمعه ، فصوب نظره إلي مصدر الصوت ، كان الإشعاع الخافت المنبعث من القمر يعطيه ضؤا كافيا ليري ما يحدث ، و كم كانت دهشته عندما تبين له أنها هي من خرجت للتو من البيت مهرولة ، نظر بساعة يده بسرعة فوجدها الثانية صباحا !
تساءل في نفسه .. ماذا يحدث ؟ لماذا قد تخرج من المنزل في تلك الساعة المتأخرة ؟ .. حتما هناك خطبا ما ، و لكن لا يمكنه تركها ، لن يسمح لها بالذهاب وحدها إلي أي مكان في هذا الوقت ..
و بسرعة إندفع راكضا ليلحق بها .. عندما خرج من المنزل ، وصل إلي البوابة التي أعاد الحارس غلقها للتو فسأله عابسا:
-انت .. مين اللي خرج دلوقتي ؟؟
إنتفض الحارس علي أثر صوته ، ثم إستدار إليه و أجابه:
-دي الانسة ياسمين يا عمر بيه.
صر علي أسنانه بحنق ثم قال غاضبا:
-ازاي تخليها تخرج دلوقتي ؟؟
هز الحارس رأسه بإرتباك ثم أجابه:
-و همنعها ازاي بس حضرتك ؟؟
رمقه”عمر”بعداء سافر ثم قال من بعنف من بين أسنانه:
-طيب افتح الباب .. افتح.
-حاضر حاضر.
أطاعه الحارس بأدب ، ثم فتح البوابة الضخمة علي مصراعيها ، فإندفع”عمر”إلي الخارج مهرولا و هو يبحث عن أثر”ياسمين” .. أخذ يحدق في الظلام الفارغ من حوله حتي رأي شبح ظلها يلوح من بعيد ، فإندفع راكضا بسرعة فائقة كي يدركها ..
علي الطرف الأخر ، كانت تركض بالطريق مسرعة علي أمل أن تعثر علي سيارة أجرة بذلك المكان المهجور المنقطع و المعزول عن المدينة ، شعرت بالضيق لذلك ، فعليها أن تكون بالمشفي خلال عشرون دقيقة علي الأقل ، و بالنسبة لوضعها هذا ،لن تصل إلا قبل حلول النهار علي الأقل .. وقفت إلي جانب الطرق السريع منتظرة ، تتأمل مرور سيارة أجرة ، البرد و الظلام يلفانها ، لا تعلم ماذا عساها أن تفعل ، كيف ستصل إلي المشفي الأن ؟ هل ستترك الأطباء و هم في حاجة لها ؟ هل ستترك المريض دون إسعافه ؟ .. ض*ربت الأرض بقدمها ، بينما إندفعت نحوها سيارة عادية ، بها شابان في أوائل العمر ، ظلت جامدة بمكانها ، لم تعط لهما أدني إهتمام إلا أنهما توقفا بالسيارة إلي جانب الطريق و نزلا ، أقبلا نحوها ، فبسرعة مضت بعيدا عنهم ، و لكنهم مشيا وراءها حتي أدركوها ، فأمسك أحدهم بمعصمها قائلا:
-ايه يا جميل .. مين اللي سابك لوحدك في مكان مقطوع زي ده ؟؟
بينما قال الأخر:
-اكيد واحد ماعندوش نظر .. ده انتي قمر يالهوي.
تدفقت الدماء بشرايينها بغضب ، ثم صاحت بهما بعنف و هي تدفعهم عنها بجهد:
-ابعد انت و هو احسنلكوا .. شيل ايدك يا حيوان .. سيبني.
قهقه أحدهم بقوة قائلا:
-نسيبك ازاي بس ؟ طب احنا عندنا نظر ماينفعش نسيب القمر ده لوحده النجوم تاكل وشنا.
-ابعدوا عني.
هتفت بعنف ، ثم هددت قائلة:
-ابعدوا و الا …
-و الا ايه ؟ انا عايزة اعرف ممكن تعملي ايه في حتة مقطوعة زي دي يا قطة ؟؟
و قبل أن تجيبه ، كانت هناك أيدٍ خفية أمسكت به و أطاحته بعيدا عنها هو و صديقه ، أفاقت”ياسمين”من صدمتها حين وقف”عمر”أمامها حيث خبئها خلف ظهره مواجها الشابان ، لم تصدق أنه هنا ، و كانت ممتنة حقا لوصوله المفاجئ ، بينما إندفعا نحوه الشابان و جذباه من ثيابه بعنف ، فأطلقت”ياسمين”صرخة ذعر و هي تقف بمكانها عاجزة عن فعل أي شيء ، فيما تلقي”عمر”لكمات عنيفة بوجهه و جسده ، فلم يجد سبيلا سوي الرد بالمثل مع عدم ترك مكانه ، هو لم يكن خائفا في تلك اللحظة ، بل أنه كان علي أتم الإستعداد لخسارة حياته من أجل حمايتها ، بينما فكرت”ياسمين”بذعر إحتمال وجود س*لاح أبيض معهما ، مما يعني حصول”عمر”علي إصابات مؤكدة قد تصل إلي عاهات مستديمة ، أو حتي الم*وت !!
إنتفضت بعنف و هزت رأسها بقوة ، ثم أسرعت راكضة بإتجاه القصر كي تجلب نجدة من هناك ، بينما”عمر”متماسك لأخر نفس ، فقد وقف يقاتلهم بشجاعة دون خوف ، رغم أنهما أبرحاه ض*ربا قاسيا لكونهم إثنان و هو بمفرده ، لكنه تحمل بصلابة .. و لكن سرعان ما خارت قواه و إختل توازنه ، و قبل أن يسقط أرضا و تكثر السكاكين علي رقبته ، كانت”ياسمين”قد عادت و معها ثلاثة رجال من حرس القصر ، تولوا الرجال أمر الشابان ، فيما هرعت”ياسمين”علي”عمر”تتفحص جراحه السطحية سريعا … !

الحلقة (23):

عادا إلي البيت في سرعة من دون إحداث جلبة ، و تركا للرجال الثلاث حرية التصرف مع الشابان المتسكعان ..
كان”عمر”مستند بذراعه حول كتف”ياسمين”التي قادته بمنتهي الهدوء إلي غرفته من دون أن تصدر أي صوت ينبه أحد إليهم … فتحت”ياسمين”باب الغرفة ، و أشعلت المصابيح الصغيرة ، ثم أخذت تجر خطاها بجهد حتي وصلت إلي الفراش ، فألقت بثقل”عمر”عليه ، لتنفجر من بين شفاهه صيحة آلم:
-آااااااااااه.
-هششششش اسكت لحد يسمعك.
قالت”ياسمين”في سرعة هامسة ، فأغرق”عمر”رأسه بالوسادة قائلا بآلم:
-مش قادر غصب عني .. رجلي شدا عليا شكلها اتكسرت تاني.
دنت”ياسمين”صوب قدمه تتفحصها ، ثم قالت بهدوء:
-لا ماتكسرتش تاني ماتقلقش.
ثم قطبت حاجبيها و نظرت إليه قائلة بحنق:
-و بعدين اي حاجة وحشة بتحصلك بتكون انت السبب فيها لما بتتصرف بطيش كالعادة.
-كنتي عايزاني اتصرف ازاي ؟!!
صاح بغضب ، ثم إرترتفع بجزعه ، و إرتكز علي مرفقه قائلا و هو يزأر من بين أسنانه:
-لو ماكنتش لحقتك في الوقت المناسب كنتي هتضيعي.
-انا كنت هقدر اتصرف.
قالت مستنكرة في شيء من الإرتباك ، فضغط علي شفتيه بغضب ثم صاح:
-انتي غبية.
رفعت حاجبيها ذاهلة ، فهز رأسه بعصبية قائلا:
-ايوه غبية ماتبصليش كده .. انتي فاكرة نفسك مين يعني ؟ سبع الليل ! كنتي هتقدري علي الاتنين دول لوحدك ؟ كنتي هتقدري تفلتي من الموقف ده بلسانك و بس ؟ اصل حضرتك مش شاطرة الا في الكلام بس .. و بعدين لو ماكنتيش خرجتي من البيت في وقت متأخر زي ده ماكنش حصل اللي حصل.
رمشت”ياسمين”في دهشة جراء إنفعاله ، و كلماته الحانقة ، بينما قطب حاجبيه عابسا و سألها:
-اقدر اعرف ايه اللي خرجك من البيت في الوقت ده ؟؟
صمتت قليلا تجمع أفكارها المشتتة ، ثم أجابته بهدوء:
-طلبوني في المستشفي.
إشتعل وجهه حنقا فصر علي أسنانه قائلا:
-اللي طلبك ده ايا كان انسان عديم الاخلاق و المسؤولية عشان يطلب من واحدة زيك تنزل من بيتها في انصاص الليالي وسط اماكن و مناطق ملهاش امان.
بدت الدهشة بوضوح علي وجه”ياسمين”التي كانت تظن حتي الأن أن”عمر”ما هو إلا الشخص المشاغب و المستهتر ، لم تتخيل أبدا أنه يحمل بداخله تلك الصفات الرجولية الناضجة ، إدهشها إسلوبه الحانق بحق مما جعلها تبتسم رغما عنها ، فرفع حاجبيه ذاهلا و سألها:
-معناها ايه الابتسامة دي !!
هزت رأسها نفيا ، ثم أجابته:
-و لا حاجة .. و عموما انت معاك حق انا ماكنش لازم اخرج من البيت في الوقت ده.
هدأ قليلا إلا أنه ظل ينظر إليها عابسا ، فإبتسمت بخفة قائلة:
-انا هروح اجيب من اوضتي علبة الاسعافات عشان اطهرلك جروح وشك دي .. مش هتأخر.
و ذهبت مسرعة ، ثم عادت بعد دقيقة و هي تحمل بين يديها صندوق أبيض من المعدن .. جلست علي حافة الفراش إلي جانبه ، لم يقل شيئا و هي تبلل قطعة قماش نظيفة ، و تحضر ما يلزم لتطهير و تضميد الجروح ، بل إستوي في جلسته قليلا كي تستطيع التمكن منه ، فقالت بصوت حاولت جاهدة أن يظهر و كأنه طبيعي:
-انا بقول يبقي افضل لو قلعت قميصك يا عمر .. عايزة اشوف لو كان في كدمات في جسمك.
لم يعترض ، بل وجدته يسرع في نزع قميصه ، و يكشف عن صدره القوي و كتفيه العريضتين ، كان صدره به بعض الكدمات البسيطة أوحت أشكالها بعدم وجود كسور ، كما خف النزف من جروح وجهه ، بدأت تضمد جروحه بعناية بالغة ، و لكنها كانت تشعر طوال الوقت بأنه ينظر إلي شعرها و وجهها ، ثم سمعته يقول بعد قليل:
-انتي فعلا دكتورة شاطرة .. لمستك قوية لكن في نغس الوقت رقيقة و ناعمة.
لم تتمكن”ياسمين”من إخفاء ذلك الإرتعاش الخفيف الذي حل بجسدها عندما سمعته يقول تلك الكلمات ..
إلتقت العيون فجأة ، و إشتعلت الشرارة كالنار في الهشيم .. مد يده بجهد ، و أمسك بيدها ، ثم جذبها إليه بقوة قائلا في هدوء:
-ياسمين .. انا من يوم شفتك و انا حصلي تغير جذري في حياتي كلها .. تقريبا غيرتي كل حاجة لدرجة اني ساعات مابعرفش نفسي !!
حاولت أن تأخذ كلامه علي محمل الخفة و المزاح فقالت بإبتسامة متوترة:
-من الناحية دي انا متأكدة انت ناسي اول مرة اتقابلنا ايه اللي حصل ؟؟
قطب حاجبيه ، ثم هز رأسه بعصبية مزمجرا:
-ياسمين .. مين ايمن ده ؟؟
-انت عرفت منين الاسم ده ؟؟
سألته مستغربة ، فأجابها عابسا:
-سمعتك كذا مرة و انتي بتتكلمي معاه .. مش هو ده بردو اللي طلبك في المستشفي ؟؟
أومأت رأسها ببطء قائلة:
-اه هو .. بس انت مركز في حياتي الخاصة اوي ! ليه ؟؟
-عشان بحبك.
قالها صريحة و من دون مقدمات ، فإتسعت عيناها بشدة بفعل المفاجأة ، بينما تابع في ضيق:
-انا مش عارف ليه و ليه انتي بالذات ده غير اني عمري ما كنت مخطط اني ممكن احب اصلا بس انتي غيرتيني .. غيرتيني و الله انا بقيت بفكر بطريقة مختلفة تماما عن طريقة تفكيري اللي كبرت عليها .. بعد اللي حصل لعبير المفروض اني كنت اتعقد زي اخويا و خصوصا اني عيشت اللي هو عاشه و حسيت بنفس شعوره بس انتي دايما كنتي بتيجي علي بالي كنت بفكر فيكي اد ايه انتي كويسة .. كويسة جدا.
إزدردت ريقها بتوتر ، ثم أخيرا نطقت بصعوبة فقالت:
-عمر .. ده مش حب …
قاطعها بضمة قوية ، حيث جذبها بقوة فجأة إلي صدره ، ثم لف ذراعه حولها قائلا:
-ماتقوليش كده .. اوعي تقولي كده تاني انا عارف انك مش عاطفية و انك دايما بتولي عقلك في التفكير و القرارات بس صدقيني و رحمة ابويا و الله انا بحبك بجد .. ياسمين بلاش تبقي قاسية المرة دي .. صدقيني بس انا مش بكدب عليكي و الله.
تملصت من قبضته قائلة:
-سيبني يا عمر.
-مش عايزة بردو تصدقيني.
قال ذلك ثم شدد قبضته عليها أكثر ، فإنفعلت قائلة:
-قلتلك سيبني يا عمر.
-ياسمين ماتخافيش انا عمري ما هآذيكي.
لم تجد أمامها ما تفعله سوي أن تضغط بيدها علي قدمه التي تؤلمه بكل قواها ، فأطلق صيحة آلم خافتة:
-آاااه.
ثم أرخي قبضته عنها ، فإنسلت من بين ذراعيه مسرعة .. :
-ياسمين.
هتف متألما ، فيما مشت بإتجاه باب الغرفة بخطي مضطربة ، ثم قالت قبل أن تخرج:
-هبقي افوت اشوفك الصبح قبل ما اروح المستشفي.
ثم أغلقت باب الفرفة ، و هرولت مسرعة إلي غرفتها ، دلفت و أغلقت الباب من خلفها بيدين مرتعشتين ، ثم إستندت عليه بظهرها و هي تحاول السيطرة علي إنفاسها المتلاحقة .. تساءلت في نفسها .. ماذا حدث فجأة ؟ .. هل كانت معاملة”عمر”الطيبة لها سببها أنه يكن لها بعض المشاعر ؟ هل هو حقا مغرم بها كما قال و أقسم ؟ و لكنها ليست فتاة عاطفية كما وصفها ، و لكنها أيضا لا تستطيع إنكار شعور الغبطة و السرور الذي طغي عليها في الدقائق السابقة .. ماذا سيحدث فيما بعد ؟؟ … لا تعلم … !

*******************************************************************

في الصباح التالي … ذهب إلي عمله باكرا ، عندما دلف”خالد”إليه فجأة ، كان جالسا خلف مكتبه يتصفح بعض الأوراق و الملفات الهامة ، إلا أنه رفع بصره إليه فور دخوله ، فغمرته سعادة كبيرة أعرب عنها بإبتسامة ودودة واسعة ، ثم قال:
-خالد .. تعالي .. تعالي اقعد.
منحه إبتسامة بسيطة ، ثم جلس قبالته قائلا بوجوم:
-ازيك يا عز ؟؟
إختفت إبتسامة”عز الدين”فسأله:
-ايه يا خالد .. مالك ؟ في حاجة و لا ايه ؟؟
حك”خالد”مؤخرة رأسه ، ثم صمت للحظات و أجابه:
-عبير حاولت تنتحر امبارح يا عز.
تجهم وجه”عز الدين”فجأة ، بينما تابع”خالد”في محاولة لتحريك مشاعره تجاه أخته:
-كانت بتم*وت .. لحقتها في اخر لحظة .. لما كلمتك اخر مرة .. سمعتك و انت بتقول انها ماتت .. عشان كده حاولت تنتحر.
إبتسم بسخرية ، ثم قال بصوت أجش:
-و ماسيبتهاش تم*وت ليه ؟ علي الاقل كانت هترتاح و تريحنا.
حدجه”خالد”بذهول قائلا:
-انت بتقول ايه ؟ معقول وصلت بيك القسوة للدرجة دي يا عز الدين ! دي مهما كانت اختك.
حدق”عز الدين”به طويلا ، ثم إشتعلت عيناه و كأن عود ثقاب مشتعلا ألقي علي كمية من الأوراق فهبت النار فيها ، ثم صاح غاضبا:
-انا اختي فعلا ماتت الموضوع ده منهي بالنسبة لي .. مش عايزك تحاول معايا تاني عشان كل محاولاتك هتشفل مش عايز اسمع عنها حرف انت اخترت تبقي مسؤول عنها خلاص بقي خليها عندك محدش سألك عليها.
-بس دي اختك يا عز.
لانت نبرة”خالد”كثيرا و هو يحدثه ، ثم تابع:
-صدقني عبير اتعذبت نفسيا بما فيه الكفاية و …
-خالد.
قاطعه بصرامة ، ثم تابع بلهجة حازمة لا تقبل الجدال أو النقاش:
-من فضلك .. كفاية بقي مش عايزك تجيبلي سيرتها تاني ابدا ماتضعيش وقتك و وقتي علي الفاضي.
-يعني هتفضل مقاطعها كده طول عمرك.
-ايوه.
تتهد بأسي ، ثم قال:
-ماشي يا عز الدين .. براحتك.
ثم نهض و غادر المكتب مسرعا و هو لا يري أمامه من فرط عصبيته ، حين عبر الممر الطويل المؤدي إلي حجرة مكتبه ، كان مشوش الأفكار ، لم ينتبه إلي خطاه حتي إصتدم بأحدهم ، فسقط هاتفهه أرضا إلي جانب ذلك الهاتف الشبيه لهاتفهه ، لينحني ذلك الموظف و يلتقط الهاتفان ، ثم بأخذ هاتفهه و يعيد الأخر إلي”خالد”بإبتسامة قائلا:
-اتفضل يا خالد بيه.
منحه”خالد”إبتسامة بسيطة ، ثم قال:
-متشكر يا حسام.
-العفو يافندم تحت امرك دايما.
ربت”خالد”علي كتغه بلطف ، ثم شكره مرة أخري و مضي في سبيله مبتعدا عنه ، بينما إستدار”حسام”إليه باسما ، ثم حدجه في إستهزاء ساخرا … !

*******************************************************************

كانت جالسة علي الفراش تراقبه من موضعها ، بينما إستلقي بإسترخاء مغمض العينين علي تلك الأريكة الكشمير الحمراء التي توسطت غرفة النوم ، بعد أن خلع سترته ، وفك ربطة عنقه ، و الأزرار العليا من قميصه ..
الجو هادئ و حالم ، و السلام نعمة بينهما ، كانت تكره”داليا”أن تعكر صفو الجو ، و لكنها وجدت نغسها مجبرة علي الإستسلام لواساوسها و الإسترسال في التفكير .. “عز الدين نصار”الأن و منذ مدة زوجها ، و بعد عدة أشهر قليلة سيكون أبا لطفلها ، تري هل سيتخلي عن معظم صفاته الدنيئة ؟ أم سيظل كما هو ؟ .. يستحيل عليها حتي الأن تصديق فكرة زواجهما ، ما زالت لا تصدق بأنها تزوجته ، و لكن في جميع الأحوال أن أي إمرأة غيرها كانت لتتزوجه ، حتما كانت ستعاني كثيرا حتي تطفح كأسها كما هي تعاني الأن ، فقد وقعت تحت سيطرة رجل متحجر الفؤاد عديم الرحمة ، لا يرضي بأقل من الطاعة العمياء ، رجل يشك بالهواء المحيط به ، لم تكن لتتحمله لولا أنها تحبه ، إن عذابه رائع بالنسبة لها ، حيث يعرب عنه بنوع من العنف الرقيق ، كعناق قوي يهشم عظامها ، أو قبلة غاضبة تترك أثرا بأرجاء جسدها ، لو كان الإنسان يحب و يكره في الوقت نفسه ! هذا هو شعورها تجاهه …
أفاقت من شرودها فجأة حين إستلقي بثقله علي الفراش إلي جانبها ، و قد وضع يديه خلف رأسه ، و أغمض عينيه قائلا بلا إكتراث:
-في علب هناك علي الكرسي ابقي شوفيها.
حولت نظرها إليه ، ثم سألته:
-علب ؟ فيها ايه يعني ؟؟
قال و هو لا يزال علي وضعيته:
-فيها حاجات للبيبي.
-مين جاب الحاجات دي ؟؟
سألته بفضول ، فأجابها بهدوء:
-انا .. روحي شوفيهم و لو في اي حاجة ناقصة قوليلي.
تحاملت”داليا”علي نفسها ، ثم نهضت متوجهة صوب أغراض طفلها ، أمسكت بالرزمة الكبيرة الثقيلة و هي تشعر بحماس و سرور ، وضعتها علي الطاولة الصغيرة ، و فكت الأشرطة من حولها بتأن … :
-الله !!
هتفت مبتهجة لجمال الأغراض الأنيقة غالية الثمن ، ففتح عينيه قليلا و سألها:
-عجبتك الحاجة ؟؟
أجابته بسرور بالغ:
-جدا .. الحاجات كلها تحفة.
ثم سألته بدهشة:
-بس انت جايب حاجات كتير اوي ! انت اشتريت كل اللي كان في المكان و لا ايه ؟؟
قال بتراخ:
-انا جبت الحاجات اللازمة و قلتلك لو في اي حاجة ناقصة قوليلي .. و صحيح في هدية ليكي في العلبة الحمرا دي.
-هدية ليا انا ؟!
هتفت ذاهلة ، و لكنها ما لبثت أن أمسكت بالعلبة الصغيرة ، و فكت عنها الأشرطة لتري سوار ماسي علي إطار من الذهب و البلاتين يخطف الأنظار ، سعدت كثيرا بهديته ، و لكنها رفعت رأسها و قالت بلهجة ناعمة:
-شكرا .. ماكنش في داعي تتعب نفسك.
أجابها بهدوء:
-و مافيش داعي انك تشكريني.
-لأ ازاي .. لازم اشكرك طبعا.
و مشت نحوه بدلال حتي وصلت إليه ، فإنحنت تعانقه شاكرة بعفوية ، ثم وضعت كفيها علي صدره ، و حدقت بعينيه البراقتين ، و أحست ض*ربات قلبه السريعة تحت كفها كما كانت ض*ربات قلبها تسرع بعنف ، بقيت تنظر إليه لفترة طويلة ، و أخذت نفسا عميقا قبل أن تقوم بالحركة التالية التي أدت هذه المرة إلي عناق أطول و أكثر إنفعالا … !

********************************************************************

بدأ”خالد”يعد طاولة الطعام الصغيرة التي توسطت قاعة المطبخ الكبير ، فيما كانت تجلس”عبير”تراقبه بناء علي تعليماته الصارمة .. أنتهي من إعداد وجبة العشاء بسرعة و مهارة فائقة ، ثم وضع الأطباق فوق الطاولة ، و جلس قبالة”عبير”قائلا بإبتسامة لطيفة:
-يلا بقي كلي .. دوقي اكلي انتي المرة دي انا واثق انه هيعجبك اصلي اتدربت عليه كتير.
إبتسمت”عبير”بخفة ، ثم بدأت في تناول الطعام ، كانت تأكل دون شهية ، مرضاة له فقط ، فيما كانت عيناها تراقبانه خلسة ، و قالت في نفسها .. لقد عاد”خالد” .. لقد عاد حبيبها من جديد .. لقد تخلي عن قسوته الزائفة و إستبدلها بمحبته الحقيقية ..
ظلت تحدجه باسمة ، و تمنت لو أن هذه اللحظة لا تنتهي أبدا ، و لو أن بإمكانها أن تبقي إلي جانبه إلي الأبد ، تمنت لو يحل الظلام و يطوقها بذراعيه القويتين و يحبها ، كما تحبه ، إنها تعترف بحبها له ! .. نعم إنها تحبه .. و تحبه كثيرا !
و فيما كان قلبها يغازله بصمت ، أفاقت علي صوته الهادئ:
-مابتكليش ليه يا حبيبتي ؟؟
منحته إبتسامة ناعمة ، ثم أجابت:
-شبعانة يا خالد .. خلاص مش قادرة آكل تاني.
-هو الاكل ماعجبكيش و لا ايه ؟؟
هزت رأسها نفيا ثم قالت:
-لأ حلو بس انا بجد شبعت.
قاطعهم صوت رنين الهانف ، فنظر”خالد”بالرقم ليقرأ إسم شخص لا يعرفه قط !
رفع حاجبيه في دهشة ، و لم يجب ، إنتظر حتي إنقطع الرنين ، ثم أخذ يفتش بقائمة الإتصالات ، كلها أرقام غريبة لا يعرف أصحابها البتة !!
فتش بالوسائط المتعددة ، ليقطع الشك باليقين ، إذن هذا ليس هاتفهه ، إنما هاتف”حسام” ، و في تلك اللحظة تذكر ما حدث بالشركة في الصباح ، و لكن فجأة جذبت إنتباهه صورة لـ”عبير”بصحبة”حسام” …. !!

الحلقة (24 و الأخيرة):

إتسعت عينيه في صدمة بالغة ، فراح يعبث بالهاتف في عصبية ، ليري مزيدا من صور جمعت”حسام”بـ”عبير”في شتي الأوضاع الغرامية الرومانسية ..
إنتبهت”عبير”إليه ، فقطبت حاجبيها مستغربة ، ثم مدت يدها و لكزته علي معصمه قائلة:
-خالد ! مالك ؟؟
رفع عينيه عن الهاتف و نظر إليها في حدة بالغة ، فإزدادت حيرتها و دهشتها ، ثم عادت تسأله:
-ايه يا خالد ! مالك ؟؟
نهض من موضعه فجأة ، فإنتفضت علي أثر عصبيته المفاجأة ، بينما توجه نحوها مسرعا ، ثم رفع الهاتف إلي مستوي نظرها كي تتمعن صورتها المخزية ، تسمرت عينيها علي شاشة الهاتف ، فتسارع وجيب قلبها ، و راحت تلهث في وجل ، عقلها توقف عن التفكير ، لم تسطع تدارك الأمر ، فيما أفاقت من نوبة صدمتها علي صوته المتهدج إنفعالا:
-هو ده ؟؟
إرتجف قلبها حين حولت نظرها إليه ، شاهدت مزيج هائل من الغضب و العذاب بعينيه ، فترقرقت الدموع بعينيها ، بينما عاد يسألها مزمجرا:
-هو ده يا عبير ؟ هو ده اللي سلمتيله نفسك ؟ هو ده حبيبك ؟؟
-كان.
هتفت صارخة و دموعها تنساب بغزارة دفعة واحدة علي وجنتيها ، ثم تابعت بصوت ضعيف مرتجف:
-كان يا خالد .. البني ادم ده دمرني و انا بكرهه .. كان اكبر غلطة في حياتي .. اد ايه بتمني الزمن يرجع بيا شوية و انا عمري ما كنت هعمل اي حاجة غلط من اللي عملتها.
إنتحبت بمرارة ، ثم رفعت يدها و كفكفت دموعها ، ثم عادت تنظر إليه في سرعة متسائلة و الدموع تبرق بعينيها الحمرواتين:
-بس انت جيبت الصور دي منين ؟؟
لم يجيبها ، بل تركها مندفعا صوب باب المنزل ، فهرعت خلفه صائحة:
-خالد .. خالد رايح فين ؟ اقف كلمني لو سمحت هتروح فين ؟؟
جذبته من ردائه الذي كاد أن يتمزق لشراستها و هي تصرخ به أن يعود ، بكت علها تلين قلبه بدموعها ، لكنه دفعها عنه بصرامة ، ثم خرج من البيت ، متوجها نحو سيارته .. أمسك بالهاتف و هو يحاول بجهد أن يتذكر رقم أحد الأفراد المهمين بالشركة ، ض*رب الأرقام متمهلا ، ثم ضغط زر الإتصال .. إنتظر لثوان بدت دهرا ، حتي أجاب الطرف الأخر:
-الو !
-مراد .. انا خالد .. خالد نصار.
-اهلا اهلا يا خالد بيه .. و الله ما مصدق نفسي مبسوط بمكالمتك اوي .. خير يا باشا في حاجة ؟؟
باغته”خالد”بجدية بالغة:
-عايز عنوان حسام ثابت يا مراد.
-قصدك حسام شريف ثابت بتاعنا ؟؟
-ايوه هو.
إتسم صوت”مراد”بجدية مماثلة و هو يسأل بقلق:
-خير يا خالد بيه ؟ انت عايزه في حاجة مهمة للدرجة دي ؟!
بصوت متهدج إنفعالا أجابه:
-عايزه في حاجة مهمة اوي.

*********************************************************************
كانت ممدة علي الفراش في هدوء ، بينما تركها وحيدة للتو متوجها نحو الحمام ، شدت الغطاء الأبيض علي جسدها جيدا ، فيما لاحت إبتسامة خفيفة علي شفتيها و هي تتذكر تفاصيل اللحظات الفائتة ، كان رقيقا علي غير العادة ، و كانت طيعة ، تتبع خطواته الخبيرة ، كانت تتجاوب مع خلجاته بشغف ، غمرها شعور هائل بالعطاء دون تردد ، و في ذروة مشاعرهما ، وجدت”داليا”نقطة ضعفه ، لقد تأكدت بما لا يقبل الشك ، أنه إنسان دافئ ، يتفاعل مع عواطفه و أحاسيسه كأي رجل عادي ، و ما تصرفاته القاسية و بروده و عدم إكتراثه سوي أقنعة يختفي خلفها الرجل الحقيقي بداخله ، فيما لو حاولت تحدي رغباته و إراداته ..
أحست من طريقته تلك المرة ، إنها ليست مداعبات رجل يتمتع بوقته لفترة قصيرة فقط ، بل هو أصر علي منحها كنوز الظلام و ثروات الليل الدفينة ، لأول مرة شعرت بإنه يحبها و يريدها ، لم ينقصه سوي الإعتراف ، كانت لتري كل شيء كاملا لولا أنه لا يزال متمسكا بتمرده الذي منعه عن سكب كلمات الحب بأذنيها ، و لكن لا بأس ، فقد أبدي تحولا رائعا حين بدأ يترجم أحاسيسه لأفعال لا يعرف كيف يشكلها بلسانه إلي كلمات ، أو لا يريد بمعني أوضح ..
أفاقت من غيبوبتها الحالمة عندما خرج من الحمام مبتل الخطي ، لاففا حول خصره منشفة و ممسكا بأخري في يده يجفف بها شعره ، وجهت نظرها إليه في صمت ، بينما تعالي فجأة صوت رنين هاتفهه ، فإتجه نحو الطاولة قرب الفراش و إلتقط الهاتف ، ليجد الرقم مجهول ، قطب جاجبيه مستغربا لكنه أجاب بالنهاية:
-الو !
ليصل إلي سمعه صوت يبكي صارخا:
-الحق خالد يا عز.
تعرف فورا علي صوت محدثه ، إلا أنه تجاهل كل شيء مهتما بأمر”خالد”فسأل بقلق حاد:
-ماله خالد ؟؟
قصت عليه”عبير”كل ما حدث ، فلم ينتظر أكثر و أغلق الخط معها ، إستخدم نفس طريقة”خالد”و أجري الإتصال بموظفه”مراد”و طلب منه عنوان”حسام” ، فأجاب”مراد”بإستغراب بالغ:
-هو ايه الحكاية انهاردة ؟ مالكوا بـ حسام ثابت بس ؟؟
و لكنه رضخ بالنهاية إلي طلب رب عمله ، بينما سارع”عز الدين”إلي الخزانة بعد أن أغلق الخط معه .. إرتدي ملابسه علي عجل ، فيما إنتصبت”داليا”نصف جالسة علي الفراش و سألته:
-ايه في ايه ؟ في حاجة حصلت ؟؟
لم يجيبها ، بل غادر الغرفة ثم القصر بأكمله مسرعا ، متجها إلي المكان حيث أرشده”مراد”و حيث يوجد”خالد”الأن .. كان يقود سيارته بسرعة رهيبة ، و كاد يصطدم بأكثر من سيارة بطريقه ، حتي وصل أخيرا أمام البناية الحديثة ، رأي من خلال زجاج سيارته ، إلي جانب الطريق سيارة”خالد”مصفوفة بإهمال ، فترجل من سيارته مسرعا ، ثم إندفع راكضا نحو المنزل .. صعد درجات السلم قفزا حتي وصل إلي الطابق السادس ، حيث ترامي إلي سمعه صوت نزاع حاد ، إتجه نحو شقة”حسام”لاهثا ، ليري”خالد”و”حسام”كل منهما راح يلطم الأخر و يض*ربه بكل ما أوتي من قوة ..
لم يفطن أحدا منهما إلي إقتراب الرجل الثالث الذي عمد بقوته إلي الفصل بينهما ، نظر إليه”خالد”بإستغراب بالغ و هو يلهث إعياءً ثم صاح منفعلا:
-انت ايه اللي جابك يا عز الدين ؟ امشي.
قبض”عز الدين”علي ذراعه بقوة مكبلا حركته ، بينما إنسل”حسام”من العراك الحاد مسرعا ، ثم توجه إلي غرفته ليحضر س*لاحه ، و ما لبثا أن يلحقا به حتي عاد و هو يشير لهما بالس*لاح مهددا ، واقفا يتراقبان حركاته بحذر ، إلي أن إستدار ببطء حولهما و غادر بيته راكضا ، فركضا خلفه حتي وصلا إلي الأسفل … و من دون سابق إنذار إلتفت”حسام”إليهم ، ثم صوب السل*اح بعشوائية نحوهم و أطلق إحدي الرصاصات مسرعا ..
تجمد”عز الدين”بأرضه ، كما تسمر”خالد”بمكانه عند صوت إطلاق النار ، خر”عز الدين”صريعا و سرعان ما خضبت الدماء قميصه الأبيض ، فأسرع”خالد”إليه ، بينما فر”حسام”راكضا و هو لا يري أمامه من فرط التوتر الذي عصف بكيانه ، ليلقي حتفه حين صدمته بعنف تلك السيارة علي الطريق السريع ، فسقط أرضا ، لتتلاشي أنفاسه ، و لتفارقه روحه فورا ، ، لقد نال جزاءه ، لقد نال ما يستحقه ..
فيما ركع”خالد”أرضا إلي جانب”عز الدين”الذي غاب عن وعيه بصورة سريعة ، بينما إتسعت عينا”خالد”في ذعر عندما شاهد الدماء تتدفق بغزارة من الجرح العميق بصدره … هتف بخفوت ذاهلا:
-عز الدين !!

*********************************************************************

كان جالسا نصف غافي بإسترخاء علي فراشه ، عندما دفعت باب حجرته و دلفت من دون إستئذان صائحة:
-عمر !!
إنتفض”عمر”بقوة علي أثر دخولها المفاجئ ، فإنتصب واقفا و سألها بقلق:
-ايه يا داليا في حاجة ؟؟
إقتربت منه”داليا”ببطء ، ثم أخذت تسرد عليه ما حدث بصوت مرتجف شوبه القلق ، و ما أن إنتهت حتي تفاجأ كليهما بوصول”عبير”التي دلفت إليهم في حالة يرثي لها ، و قد غطت الدموع وجهها ، أشاح”عمر”بوجهه عنها ثم حدق أمامه في اللاشيء عابسا ، بينما أمسكت”عبير”بذراع”داليا”ثم صاحت باكية:
-عز .. عز الدين و خالد عنده يا داليا .. راحوله.
هزت”داليا”رأسها متسائلة:
-راحوا عند مين يا عبير ؟ اتكلمي ؟؟
قصت عليها”عبير”كل ما حدث بإعصاب منهارة ، فلم يحتمل”عمر”أكثر ، و أخرج هاتفهه ، ثم أجري الإتصال بشقيقه ، و لكن دون جدوي ، لم يكن هناك ردا ، فإنتقل إلي”خالد” ، إنتظر للحظات ، حتي أجابه بلهجة متهدجة:
-ايوه يا عمر.
-خالد .. خالد عز الدين معاك ؟ انتوا فين ؟؟
سأله”عمر”متوجسا ، فأجابه”خالد”في هدوء مرتبك:
-انا مع عز الدين في المستشفي يا عمر.
-مستشفي ! ليه يا خالد ؟ ماله عز الدين ؟؟
هتف”عمر”مذعورا ، فأطلقت”عبير”صرخة مبحوحة ، بينما إتسعت عينا”داليا”في وجل ، و راح قلبها ينبض بعنف ، و سرعان ما تجمعت الدموع بعينيها لتهبط في ثوان غزيرة …
خلال دقائق ، كانت متوجهة إلي المشفي برفقة”عبير”و”عمر”الذي طمئنها أن زوجها لم يكن في حالة خطيرة كما أكد له”خالد” ، إلا أنها راحت تنتحب بصمت ، في حين أن الأفكار السيئة ظلت تراودها و ترعبها ، من غير المعقول أن يخطف الم*وت”عز الدين”منها و هي في بداية السعادة .. بل و هي تحمل طفله الذي لم يشهد الحياة بعد !
كان السير كثيفا طيلة الطريق ، و أكثر من مرة شعرت”داليا”برغبة عارمة لإطلاق صوتها بالصراخ ضد كل السائقين و رجال المرور لكنها لم تفعل ، فقط ظلت صامته ، حتي و صلوا أخيرا إلي المشفي ، و حالما توقف”عمر”بالسيارة حتي إندفعت”داليا”إلي الداخل ، أسرعت إلي مكتب الإستعلامات للإستفسار عن مكان وجود زوجها ، لكنها لمحت”خالد”يقف بنصف الممر الطويل أمامها ، فهرعت نحوه و هي ترتجف ذعرا ، ثم سألته:
-عز .. عز الدين .. فين عز الدين ؟؟
هدئها”خالد”قائلا:
-اهدي يا داليا .. جت سليمة و هو بخير الحمدلله.
هزت”داليا”رأسها بمرارة باكية و هي تنظر إليه غير مصدقة ، فعاد يؤكد لها صحة كلامه:
-و الله هو بقي كويس الدكتور طمني ماتقلقيش.
عند ذلك ، وصلت”عبير”يتبعها”عمر” فتساءلت في شتات مضطربة:
-اخويا .. اخويا فين ؟ حصله حاجة ؟؟
ثم إنفجرت باكية ، فأجابها”خالد”في هدوء:
-عز الدين كويس يا عبير .. ماتقلقيش.
-انا السبب .. لو جراله حاجة مش هسامح نفسي ابدا.
قالت ثم أخذت تجهش ببكاء مرير ، بينما تساءل”عمر”بدوره:
-ايه اللي حصل يا خالد ؟ مين اللي عمل فيه كده.
أجابه”خالد”بصرامة:
-اللي عمل كده خد جزاءه خلاص يا عمر.
مضت عدة دقائق ، قبل أن يطل عليهم رجل في أواسط العمر ، فهرع”خالد”عليه متسائلا:
-ها يا دكتور .. عز الدين عامل ايه دلوقتي ؟؟
تنهد الطبيب و هو يرفع النظارات عينيه قائلا:
-اعتقد انكوا لازم تشكروا ربنا سبحانه و تعالي انه انقذه .. الرصاصة كانت بعيدة عن قلبه بسنتيمترات قليلة جدا .. هو كويس دلوقتي الحمدلله لكن انا عايزه يقعد معانا هنا تحت الملاحظة يومين تلاتة بالكتير.
إندفعت”داليا”متسائلة بلهفة:
-ينفع ادخل اشوفه يا دكتور ؟؟
أومأ الطبيب رأسه تأدبا ، ثم قال:
-دقيقة واحدة مش اكتر و بعدين هننقله لغرفة خاصة.
خفق قلب”داليا”بشدة عندما شاهدت”عز الدين”مطروحا علي طاولة الجراحة ، و صدره محاطا بالضمادات الطبية ، لم تستطع أن تحبس شهقة آلم و هي تشاهد زوجها القوي الصلب ، الذي صمد أمام الحياة طيلة حياته ، الأن ضعيف بهذا الشكل ، لم تكن تتصور أن”عز الدين”الشامخ الممشوق القوام ، طريح الفراش و جريحا …
مدت يدها ، و تلمست وجهه هامسة:
-عز الدين !!

********************************************************************
عاد”عمر”برفقة”خالد”و”عبير”إلي القصر ، بعد أن تركوا”داليا”بالمشفي بعد أن فشلت كل محاولاتهم في إقناعها بالعودة إلي البيت ، لكنها أصرت بقوة أن تبقي إلي جوار زوجها ..
حالما إطمئن”خالد”علي سلامة”عبير”مع شقيقها ، تركها معه و ذهب إلي قسم الشرطة كي يدلي بأقواله كما طُلب منه عندما وصل بـ”عز الدين”إلي المشفي .. ترك”عمر شقيقته و جال بإرجاء المنزل باحثا عن أثر”ياسمين”حتي وجدها تقف بمنتصف الحديقة إلي جانب أحواض الزهور ، علي الطرف الأخر ..
كانت”ياسمين”تقف بالمكان حيث كان نسيم الليل عابقا برائحة زهر الليمون ، و الورود الجميلة علي أنواعها ، تأملت السماء الصافية و آلاف النجوم التي تسطع فيها ، ثم فجأة وصلت إلي أنفها رائحة تبغ محترق قبل وصوله هو إليها ، إستدارت مسرعة ثم سألته:
-عمر ! انت كنت فين ؟ كلكوا كنتوا فين ؟ انا رجعت مالاقتش و لا واحد في البيت ! كنتوا فين ؟ و فين داليا ؟؟
تنهد”عمر”بثقل ، و قد بدا عليه الأرهاق ، لكنه قص عليها كل ما حدث بالنهاية … :
-يا خبر !!
هتفت”ياسمين”بإنفعال صادق ، ثم عادت تسأله:
-طب هو كويس دلوقتي يا عمر ؟؟
أجابها بإبتسامة خفيفة لم تصل إلي عينيه:
-الحمدلله بقي كويس.
-الحمدلله .. طيب انا هروح اكلم داليا اطمن عليها.
و كادت تخطو بعيدا عنها ، لكنه قبض علي رسغها و أعادها لتقف في مواجهته مجددا ، فتملصت من قبضته بعصبية ، ثم سألته عابسة:
-في ايه يا عمر ؟ قلتلك هروح اكلم داليا .. سيبني.
-لأ.
هتف بصرامة ، فرمقته بدهشة بالغة ، فتابع بجمود :
-مش قبل ما نخلص كلامنا يا ياسمين.
تأففت بضيق قائلة:
-كلام ايه بس مش وقته.
-لأ ده وقته .. انتي بتتهربي مني و مش مريحاني.
-طيب انت عايز ايه دلوقتي ؟؟
-عايزك يا ياسمين .. عايز اتجوزك .. عايز اكمل باقي عمري معاكي .. عايزك تحبيني أد ما بحبك.
قال ذلك بحنان ، و قد إقترب منها أكثر ، فشاهدت بريق عينيه كالصاروخ ، ثم قالت مرتبكة:
-يا عمر العلاقات مش لعبة .. و انا مش هقدر ارتبط بيك لمجرد احساسك انك بتحبني .. في حاجات تانية اهم لازم تتوجد عشان العلاقة تدوم و تنجح.
قبض علي كتفيها بقوة ، ثم بدأ يحدثها بلهجة حنونة بثت الخيال بنفسها:
-مش هاسيبك .. مش هتوهي مني ابدا حتي لو اضطريت اني احبسك هنا في القصر.
صمتت قليلا ، ثم إبتسمت قائلة:
-عمر .. انت مشاعرك فعلا بقت رقيقة مؤخرا .. و مانكرش اني بدأت اتشدلك لكن ده مش كفاية .. و انا اصلا مش هقدر اكمل حياتي هنا في القصر .. انا ليا خطط مختلفة لمستقبلي.
-قلتلك اني مش ممكن اسيبك يا ياسمين .. مش ممكن .. و بعدين اي خطة كنتي رسماها لمستقبلك تقدري تحققيها و احنا مع بعض.
نظرت إليه و هي لا تكاد تصدق ما تسمعه ، فتابع:
-اتجوزيني بس .. انا عارف اني كنت انسان مستهتر و مش مسؤول بس زي ما قلتلك انتي غيرتيني .. و مش لازم تسيبيني بعد ما وصلت للنتيجة دي بسببك .. لو وافقتي علي جوازنا اوعدك اني هبذل كل جهدي عشان مادكيش فرصة واحدة للندم علي قرارك.
كلامه ألجم لسانها ، و إنفعلت مشاعرها بحيث أنها جعلت إستعمال عقلها أمرا مستحيلا ، فسألته:
-لازم اخد قراري دلوقتي ؟؟
-ايوه و حالا.
قالها بجدية ، و بدون أن يضحك أو حتي يبتسم ، لكنها صمتت أمام ضغوط مشاعرها ، فهز رأسه عابسا ثم قال:
-ياسمين انتي لازم تتجوزيني .. لازم تتجوزيني قبل ما تقضي علي حياتي.
رفعت حاجبيها ذاهلة لإتهامه ، فأومأ رأسه قائلا:
-اول مرة اتقابلنا حصلت بينا خناقة نتيجتها اني اتفصلت من الكلية و قعدت اتعالج فترة في البيت .. ده غير اللي حصلي علي ايد اخويا و اللي حصلي من كام يوم لما جريت وراكي في نص الليل و انقذتك من اللي كنتي فيه .. ببساطة يا ياسمين انا عندي اقتناع تام ان كل مشاكلي هتتحل بمجرد ما اتجوزك .. ها بقي قولتي ايه ؟ انتي لسا مش مصدقة اني بحبك بجد ؟ فاكراني بخدعك ؟؟
هزت رأسها قائلة:
-مصدقاك يا عمر .. لكن مش مصدقة الوضع اللي انا فيه .. ليه انا بالذات ؟؟
تنهد بعمق ، ثم أجابها:
-لانك اول واحدة حطتيني في مواجهة مع نفسي كذا مرة لحد ما نجحتي انك تغيريني .. و لانك مختلفة جدا عن غيرك .. مش بتهتمي بالألقاب و لا بالمراكز و لا بالفلوس .. و لانك محتاجة دايما لحد ينقذك .. و لو ركزتي مش هتلاقي انسب مني للمهمات اللي زي دي.
قهقهت بخفة من جملته الأخيرة ، فإبتسم بدوره ، ثم سألها بنبرة معذبة:
-ايه قرارك بقي ؟؟
توردت وجنتاها بشدة ، ثم أجفلت خجلة ، لكنها عادت تنظر إليه قائلة:
-هديك فرصة تقنعني يا عمر.
إنفرجت أساريره بإبتسامة واسعة ، فغمز بعينه مرحا و قال:
-ماتقلقيش يا سو .. هتقتنعي بسرعة يا حبيبتي.
لكزته علي كتفه بخفة معاتبة ، فيما رفع يدها إلي شفتيه ، و طبع عليها قبلتين ، ثم نظر إلي عينيها قائلا:
-بحبك.

********************************************************************

بعد مرور عدة أيام ، عاد”عز الدين”إلي منزله بعد أن تعافي تماما إلا فقط من جرح صدره الذي يتطلب عناية بالغة .. لم يحاول صد”عبير”عنه حين إرتمت بأحضانه باكية فور عودته ، و لكنه أيضا لم يحاول أن يبادلها شعورها علي الأقل الأن …
تناول الجميع العشاء تلك الليلة وسط أجواء من الفرحة الغامرة لعودة سيد المنزل سالما ، فقد سمح”عز الدين”لجميع الخدم بالقصر ان يتناولوا طعام العشاء معه و أسرته علي مائدة طعام واحدة ، لقد كان السرور يملأ الأجواء بشدة ، فـ”عمر”لم يتوقف طوال السهرة عن الكلام المرح و إطلاق النكات و كأنه يحاول التعويض عن اليومين الماضيين ، في هذه الأثناء ، كانت”داليا”تتأمل الجميع بهدوء و كأن التعب و القلق إستهلكا كل قوتها ..
لا شيء يهم الأن طالما عاد”عز الدين”إلي منزله سالما ، و ها هو علي رأس الطاولة يوزع إبتساماته في كل إتجاه .. فتساءلت في نغسها .. تراه يعلم كم كانت قلقة عليه ؟؟ ..
عندما إنسحبا أخيرا إلي غرفتهما ، ساعدت”داليا”زوجها في تبديل ملابسه ، ثم قادته إلي الفراش و مددته في هدوء ، جلست إلي جواره متسائلة:
-مش عايز مني اي حاجة تانية ؟؟
منحها إبتسامة خفيفة ، ثم أجابها بلهجة هادئة صادقة:
-عايزك ترتاحي .. انتي تعبتي معايا اوي اليومين دول.
دمعت عينيها رغما عنها ، فقالت:
-ماتقولش كده .. الحمدلله انك رجعت البيت بالسلامة.
-بتحبيني يا داليا ؟؟
تفاجأت بسؤاله ، لكنها أومأت رأسها و أجابته:
-اه .. بحبك .. بحبك اوي.
ثم رفعت يدها و مررتها علي وجهه ، و كانت أحاسيسها العميقة تنعكس في عينيها المشعتين ، فإنزلقت دمعة حارة من عينها ، ثم قالت بعد جهد:
-الحياة مستحيلة منغيرك .. سواء كنت قاسي و عنيف او لأ.
-و مش محتملة معايا بردو .. انا كده يا داليا.
-انا عارفة .. بس بحبك .. اعمل ايه !!
أحاط وجهها بيديه ، ثم قال:
-تعالي في حضني.
قالت بحذر مرتبكة:
-ممكن تتألم لسا جرحك ماخفش.
قال و هو يضمها إلي صدره بحنان و رفق:
-تعالي هنا.
ثم همس بأذنها:
-انا كمان بحبك يا داليا.
إتسعت عينيها ذهولا ، فسألته و هي لا تزال بأحضانه:
-بجد بتحبني ؟؟
-جدا .. من يوم ما وقعت عيني عليكي .. ماكنتش قادر اصدق اني حبيتك .. حاولت اتخلص من الفكرة دي بطرق كتير لكن كنت بفشل لحد ما قررت اعرض عليكي الجواز العرفي .. قلت بكده ممكن الامور تبقي اسهل عليا من ناحية هتكوني ليا زي ما كنت عايز و من الناحية التانية هبطل احبك .. بس إتفاجئت برفضك .. ساعتها ماكنتش عارف اعمل ايه .. فضلت افكر كتير لحد ما وصلت لقرار اني هدور وراكي و اعرف كل حاجة عنك عشان اجبرك تنفذي كل اللي انا عايزه .. اشتريت بيتك و استغليت انك استقلتي من الشركة .. كلفت واحد من الرجالة اللي شاغلين عندي بمراقبتك .. كان في نيتي اني اعرض عليكي الجواز العرفي تاني و كنت واثق انك مش هتقدري ترفضي المرة دي .. لكن لما وصلني خبر ان المكان اللي كنتي قاعدة فيه انتي و اختك مشبوه جريت عليكي بسرعة و انا مش فاهم ايه سبب لهفتي .. فسرتها باني مش عايز حد غيري يقربلك لحد ما وصلت و شفت صاحب المكان بيحاول يعتدي عليكي .. وقتها اتأكدت اني بحبك فعلا الشعور اللي حسيت بيه لغي تفكيري فلاقيت نفسي بعدها بعرض عليكي الجواز الرسمي .. لحد ما حاولتي تهربي مني كنت متخيل اني هقدر استغني عنك في اي وقت بس كنت غلطان .. اتعلقت بيكي اكتر و حبيتك اكتر و خصوصا لما سمعت بخبر الحمل .. فرحت جدا و عاهدت نفسي من يومها اني عمري ما هفرط فيكي ابدا .. هخليكي تحت عنيا علطول و مش هكرر اللي حصل زمان مع ابويا .. هكون اناني في حبك بحيث انك ممكن تتخنقي في وقت من حبي ليكي و غيرتي عليكي .. انا عايزك تسامحيني يا داليا .. و عايزك تتأكدي اني بحبك اكتر بكتير من حبك ليا.
إنتظرت لثوان قبل أن ترفع رأسها و تنظر بعمق في عينيه ، ثم سألته بخفوت:
-طيب و جومانة ؟؟
-جومانة ! جومانة ايه دي اللي بتسأليني عنها ؟ دي مجرد واحدة زي اي واحدة عرفتها قبل كده .. كان في بينا علاقة بس انتهت و من قبل ما اتجوزك كمان.
علقت ببطء:
-بس الخاتم اللي جت ترجعه و الصورة إللـ …
فقاطعها مسرعا:
-الصورة دي قديمة يا داليا .. و الخاتم كان هدية منها ليا .. قبلته بس رجعتوهلها تاني بعد ما اتجوزتك .. انا عارف انك اتضايقتي لكن كان عندي امل انك ممكن ماتصدقيش او تكدبيها.
أغرورقت عينيها بالدموع ، و قالت:
-ساعتها ماكنتش قادرة افكر خالص .. دايما كانت نظرتي ليك انك راجل مغامر مابتحبش الستات لكن بتحب تقضي معظم وقتك معاهم .. بس انا كنت عايزاك ليا لوحدي .. خصوصا بعد جوازنا .. ستات كتير اتلموا حواليك و منهم جومانة كنت بم*وت و انا بتخيلك مع كل واحدة شوية .. في نفس الوقت ماكنتش بتحمل معاملتك المهينة ليا.
ضمها بحنان إلي صدره و هو يقول:
-انا اسف .. بس صدقيني بعد جوازنا كنت بحاول علي ما اقدر اني اخد بالي من تصرفاتي معاكي .. بس انتي كنتي بتستفزيني ساعات و انا من النوع اللي مابيقدرش يسيطر علي اعصابه كتير.
منحته إبتسامة دافئة ، ثم همست:
-بحبك.
إبتسم بدوره قائلا:
-قربي مني اكتر و قوليها تاني .. ماسمعتش كويس.
إلتقت عيناه الذهبيتان بعينيها الخضراوين في عناق حار يحمل في طياته كل معاني الحب و الأمل و المستقبل ، فعادت تهمس قرب أذنه بصوتها الدافئ:
-بحبك .. بحبك يا عز …

تمت.

رواية حتى أقت*ل بسمة تمردك.

بقلم الكاتبه مريم غريب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *