الحب للجميلات2

_الفصل التاسع .

.. ! في السـر ! ..

‘ لا تظهر كأنك ملاكًا.. وانت ليس سوي شياطنًا في عالم الأنس ‘
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جاءت الساعة لـ الثانية الا ربع ظهرا، نهض واجد عن مقعده في غرفته، وتوجه الي الخارج يبحث عن زوجته، وجدها اخيرا في بهو القصر تتفحص إحدي مجلات الموضة بتركيز.. هتف وهو يجلس جوارها:-
_سلمي
همهمت بـ معني ‘ نعم ‘، فهتف بجدية وهو ينزع المجلة من بين يديها:-
_روحي لـ دادة وجيدة وخليها تعملي فنجان قهوة
قالت بضيق وهي تنظر له بأستنكار:-
_يعني انت مش قادر تناديها.. وتطلب منها؟
قال بنفاذ صبر مصطنع:-
_سلمي.. انا عندي شغل وعايز دماغي تبقي رايقة ومش ناقص صداع لو سمحتي
نهصت وهي تتأفف من زوجها وافعاله التي تضايقها احيانا، قال لها قبل ان تختفي من امام عينيه تماما:-
_خليها هي تعملها بإيديها.. الخدامة التانية دي لا بتعرف تعمل ولا تنيل
اؤمات بحسنا وبنفاذ صبر، بينما توجه هو الي الأعلي وقد ارتسمت علي شفتيه بسمة مكر مشبعة ببوادر الانتصار لـ سيـر خطته علي النهج الذي خطط له..

قالت وجيدة لسلمي بعدما طلبت منها عمل القهوة وهي تنظر لـ ساعة حائط موجودة في المطبخ:-
_حاضر، بس هروح اعطي سوزان هانم الدوا واعملها فورا
سلمي بأقتراح:-
_انتي اعمليها لانه قرب يخرج يادادة وعايز يشربها قبل ما يمشي، وانا هطلع اعطي لـ تيتا الدوا
وجيدة باردد:-
_بس ياهانم..
لم تكمل حديثها وعادت تهتف:-
_ماشي ياسلمي هانم، بس والنبي علطول تدهولها دلوقتي

اؤمأت بنعم وهي تغادر المطبخ بخطوات متوجهة الي حيث الطابق العلوي، قاصدة غرفة السيدة سوزان، ما ان خطت بقدميها لبداية الممر المشرف علي غُرف الدور، حتي ظهر زوجها واجد من جديد، احاط خصرها بذراعيه وهو يقول بنبرة دافئة:-
_قولتيلها ياقلبي..
اؤمات بنعم وهي تجيبه بينما تحاول ان تنزع يده عن خصرها:-
_اها وزمانها دلوقتي بتعملها، سيبني بقي اروح اعطي لتيتا الدوا
بدأ يمسد بيده علي طول ظهرها، ويلاعبها بحركات يديه ويلاطفها.. داعبا اياها كذلك بحديثه الرومانسي، حتي انها تناست من هي بين ذراعيه، كان يفعل ذلك وعينيه علي الساعة الكبيرة الموجودة أمامه.. وجد اخيرا ان الساعة وصلت لـ الثانية والربع ظهرًا، فأبتسم بخفوت وهو يبتعد عنها و:-
_همشي اروح الشغل بقي لـ أحسن حد يشوفنا كدا.. روحي اعطي لـ تيتا الدوا
اؤمات بحسنا وهي تبتسم بخجل، علي الرغم من تعجبها من تقلبه من حالة الشوق الي البرود فجأة..!!
لحظات.. فقط لحظات وكان اختفي من المنزل بأكمله، حيث استوطن سيارته ووقف بها بعيدا عن القصر قليلا لكنه لم يغادر كليًا، فقد ظل القصر تحت مري انظاره، لكنه لم يظل تحت مرمي القصر..
استجمعت سلمي اشتاتها، وقبل ان تتوجه نحو غرفة السيدة سوزان، جائت بالقرب منها خطوات ادهم الراكضة نحوها، تقبلته هي أيضا بالاحضان.. وبعد عشر دقائق أخري أخيرا تركته مع إحدي الخادمات وتوجهت نحو الغرفة ناوية إلا يأخرها أحدا تلك المرة..

دخلت الي الغرفة فـ وجدت ان سوزان تجلس علي فراشها متشنجة بينما تضع يدها علي قلبها، أقتربت منها بفزع من حالتها وهي تقول بهلع:-
_تيتا انتي كويسة، مالك في أية؟
أشارت لها ناحية طاولة بأحدي نواحي الغرفة، عليها اقراص الدواء، تفهمت علي ما تشير عليه فاتت سريعا لها بالدواء ومنحته اياها، هدأ تشنجها بعد عدة دقائق، تنفست بعمق أخيرًا وهي تقول:-
_معاد الدوا فات ووجيدة شكلها نسيت وانا كمان مأخدتش بالي من الساعة..
لاعبت سلمي خصلات شعرها بكسوف وحرج منها، فهي من تناست فعل ذلك الامر بسبب ما حدث منذ قليل بينها وبين زوجها..

ظنت سوزان ك حال سلمي، انها طالما تناولت الدواء فـ لا شئ سيحدث لها، لكن بعد مرور نصف ساعة أخري بدأ جسدها بالأنتفاض بطريقة هيسترية وعادت تتشنج من جديد بطريقة قوية، أرتعبت سلمي من حالتها، فأسرعت تخرج من الغرفة وهي تنادي بصوت مفزوع:-
_دادة.. يادادة، ياطنط.. حد يطلب الاسعاف بسرعة.. تيتا تعبانة اوي
اجتمع الجميع علي اصوات صراخها، دخلت وجيدة لغرفة سوزان فوجدتها علي حالتها تلك، سقط قلبها في قدميها وهي تري حالة سيدتها واعز ما تملك علي قلبها بتلك الحالة، خرجت من الغرفة ومن المبني بأكمله وتوجهت نحو أمن القصر
وجيدة وظهرت علي وجهها علامات الخوف والقلق:-
_أطلب الأسعاف بسرعة يازاهر لـ الست سوزان
اؤما لها عدة مرات بالإيجاب وهو يخرج هاتفه ويطلب الأسعاف، اغلق مع الأسعاف ثم طلب رقم أخر، جاءه صوت سليمان الذي كان موجودًا في مطار القاهرة بذلك الوقت:-
_ايوة يازاهر.. خير؟
نطق زاهر بنبرة متوترة:-
_سوزان هانم تعبت ياباشا، وطلبنا ليها الأسعاف..

لم يستمع سليمان لحديث أخر، حيث بعد تلك العبارة، ترك كل شئ، حتي الصف الذي كان يقف فيه حتي ينهي أجراءاته وبعدها يتوجه الي الطائرة، وعاد أدراجه الي موطنه من جديد.. خوفًا علي جدته التي لا يملك أحن من قلبها في تلك الحياة عليه، أغلق زاهر الهاتف وقد تنهد بأرتياح، فـ أهم أوامر سليمان له، ان يقول له أي جديد يجد في القصر، خاصة لو كان يخص السيدة سوزان..

جاءت سيارة الاسعاف ونقلت أخيرا السيدة سوزان المريضة، تحت نظرات واجد الذي ظهرت في عينيه بعد من تأنيب الضمير، الذي سرعان ما اختفي ما ان أوهم قلبه بأنها ستكون بخير، والأهم ان خطته نجحت.. وعاد سليمان، وبذلك انتهت صفقة آلالآت، فأي عقل سيكون فيه لـ يجعله ان يعتذر لهم الان؟؟! والامر سيكون خاص بـ سوزان جدته الحنونة والتي يعشقها بجنون، وشركة ك تلك التي يتعاقد معها سليمان.. لن تسمح بـ أمر ك ذلك الذي سيكون من وجه نظرهم تقليل منهم ومن شأنهم ان يمر مرور الكرام.. علي الاقل سيحتاج الي شهرين حتي يتواصل معهم من جديد ويوافقون علي تكملة الصفقة، او شهر أخر ليعقد مع شركة أِخري، وخلالها اذا وفقه الله سيكون قد قارب علي تدمير سليمان نهائيًا وامبراطورية آل سليمان معه..
. . . * . . .
خرج الطبيب من غرفة السيدة سوزان بالمشفي، فأتجهت جميع الاقدام نحوه، والانظار، بادر سليمان بالسؤال عن حالها:-
_طمني يادكتور، سوزان هانم اخبارها اية؟
نطق الطبيب المتابع لحالة السيدة سوزان منذ البداية، ومر معها بكامل مضاعفاتها بنبرة متضايقة قليلا ومحذرة:-
_احنا مش قايلين ياجماعة ان الدوا لازم يتاخد في وقته؟ وإن أي تاخير فيه تعب علي قلبها وهو مش ناقص أي إجهاد، سليمان باشا.. قلب جدتك عايش بالمسكن دا.. دا بمثابة مكمل لعمل القلب، بيساعده علي تكمله وظايفه، واي تأخير في إتمام اي وظيفة مش هيأذي غير سوزان هانم وبـس..
هتف سليمان وهو يرجع خصلات شعره التي تساقطت علي وجهه لـ الخلف بأرهاق:-
_مش هتتكرر بأذن الله، وأهتمامنا بالمواعيد هيزيد.. بس طمني دلوقتي هي كويسة؟
الطبيب وهو ينزع عن عيناه عويناته:-
_كويسة طبعا، بس هنسيبها تحت الملاحظة شوية علشان نتأكد ان مفيش مضاعفات
اؤما بتفهم وقد زفر أخيرا الصعداء، لحظات ونظر لوجيدة يسألها بعيون تضيق أثـر غضبه:-
_اية اللي حصل يادادة ونساكي معاد الدوا
اجابت بنبرة شبة باكية:-
_انا منسيتش والله دا اللي حصل…….
وراحت تسرد له ما حدث جميعه، ومع ذكر سيرة ‘ واجد ‘ في الموضوع.. تبين له كل شئ
قال بصوت محذر لها:-
_هي مش غلطتك يادادة، بس متكررهاش، معاد الدوا ميعطلكيش عنه اي حاجة مهما كانت.. لو شوفتي واجد بيموت قدامك مش طالب قهوة.. تسيبه وتروحي تعطيها الدوا.. فاهمة؟
اؤمات بالايجاب ولم ترد، فخوفها وهلعها الذي سيطر عليها بالساعات الفائتة، كان اخذ منها القدرة علي الحديث والمقاومة

سلمي التي تفهمت الان ما حدث، ما أن وصلت لـ القصر مرة أخري حتي توجهت الي حيث غرفتها هي وزوجها، حيث كما قالت الخادمة انه هناك، فتحت الباب ودخلت ك عاصفة هوجاء وهي تقول بنبرة صائحة:-
_وصلت بيك القذارة انك تعرض حياة جدتك لـ الخطر ياواجد؟ وتستغفلني وتخليني اشارك معاك كمان، بس انا اللي هبلة، ما هو فجأة عايز قهوة وفجأة وحشتيني وفجأة لازم امشي، بتأخر في معاد دوا جدتك ياواجد؟!
قال مبررا وهو يشير لها بأن تخفض صوتها:-
_انا مكنش قصدي كدا، انا كنت عارف انها هتبقي كويسة، انا بس كنت عايز امنع سليمان من السفر
قالت سلمي وهي تنظر له بعيون غير مصدقة لما فعله بعد:-
_طريقك اللي ماشي فيها، اخرته عمرها ما هتكون خير، اللي يخليك تفكر في قـ،ـتل حد من د.مك هيعرف يخليك تعمل اللي ابشع من كدا بكتير، سيطر علي شيطانك قبل ما يغرقك ونغرق كلنا معاك ياواجد

قالت عبارتها ثم خرجت، تاركة أياها ينظر لـ مكان مغادرتها بنظرات لا مشاعر بها.. وملامح لا تعابير فيها

لكنه.. لم يتأثر بحديثها قط، ولو لـ لحظة، ما كان يجول في خاطره، انه يسير في الطريق كما خطط له تماما..
. . . * . . .
دخل عابد الي غرفة جدته التي أنتقلت لها بعدما أستقرت حالتها، في صباح اليوم التالي، وجدها مستيقظة وتستند بظهرها علي الفراش، بيدها القرأن الحكيم تقرأ منه وردها اليومي بنبرة خافتة، توجه نحوها وقبل جبينها بخوف مازال يتملك من قلبه، فمنذ الامس وهو خائف بعدما علم بما حدث لها، فـ فكرة ان تغادر هي ايضا لا يتحملها.. هو يحبها، لها في قلبه مكانة غالية، اذا اختفت عن عالمه فجأة ستترك في قلبه فراغ لا يعلم كيف سيعرف أن يسيطر عليه..

أغلقت المصحف بعدما تمتمت بـ ‘ صدق الله العظيم ‘ ونظرت له ببسمة واهنة و:-
_تعرف ياعابد، اللي بيحسسني ان الخير لسة فيكم وان عمر الشر ما هيتغلب علي طبيعتكم الخَيرة.. هي المواقف دي، مبتعرفوش تظهروا شخصيتكم الحقيقة لـ الاسف يابني غير لما بتحسوا ان الفراق قرب..
نظر لها نظرات تعني عبارة ‘ لا داعي لحديثك هذا.. اصمتي افضل لي ولكِ ‘ لكنها لم تصمت، بل تابعت حديثها:-
_فُوق لنفسك وفَوق اخوك.. انت وسليمان وواجد اخوات، لازم تكونوا ايد واحدة وتحاربوا اللي يقف في وشكم، مش تحاربوا بعض وتخلوا الناس تشمت فيكم، سليمان ملهوش غيركم وانتوا ملكوش غيره
عابد بملامح جامدة:-
_سليمان عمره ما كان اخويا، سليمان لو اخويا مكنش خاني و…
دخل سليمان عند عبارته تلك، فقال بسخرية بينما يقترب من جدته، ويفعل كما فعل عابد منذ قليل ويقبل جبينها:-
_الكلام معاهم مبقاش ليه فايدة ياتيتا، مادام العين اتعمت عن شوف الحقيقة، يبقي مهما سمع مش هيتأثر
نظر له عابد بـ ضيق وكره، ثم بدون حديث غادر.. هاربا منهم، فـ أن ترك لهم مجالا لـ الحديث، سيسطرون في عقله اشياء هو لا يريدها، هو لا يريد ان ينزاح كرهه لسليمان من قلبه، يريد ان يظل يراه عدوا له، وخائن له، كي يستطيع ان يكمل تنفيذ خطة واجد علي خير، و يري دمار سليمان وكسرته اخيرا لاول مرة..

لاعب سليمان خصلات شعر جدته وهو يقول بنبرة حنونة:-
_جميلة جميلات العالم عاملة أية؟
ضحكت لـ تغزله بها وهي تردف بغرور مصطنع:-
_تمام اوي
قال بتمني.. صادق:-
_دايما يارب
ابتعد عنها عندما دخلت الممرضة وبيدها الطعام، واقترب من الممرضة واخذه منها، أصرفها قائلا:-
_أمشي انتي، هأكلها أنا
اؤمات له بحسنا وغادرت سريعا، تاركه سوزان معه التي قالت:-
_انت مش هتروح الشغل ياسليمان؟
اقترب منها ووضع الطعام علي طاولة بالقرب من الفراش، ثم أجابها:-
_لا طبعا، اروح فين وأسيبك كدا، انا قاعد علي قلبك كدا لحد ما ترجعي حصان تاني
نظرت له باستنكار من حديثه الغريب عن طريقته الصارمة المعتادة و:-
_مش ملاحظ ان كلامك متغير كدا، وبقيت بتهزر كتير؟
سليمان بتسال:-
_ودا حلو ولا وحش؟
سوزان ببسمة حب له:-
_حلو طبعا ياحبيبي، انا اللي يهمني اشوفك قدامي مبسوط، باي طريقة واي شكل
ابتسم واقترب منها، وبدأ بـ أطعامها الطعام بفمها عن طريق يديه..
. . . * . . .
أنتهت الثلاث أيام وهم تلك المهلة التي اعطاها اياها سليمان كي تفكر في أجابة علي حديثه، وها هي تنتظره اليوم علي احر من الجمر لتخبره بقرارها، الأيام الثلاث الفائتة لم تستطع النوم من كثرة التفكير في الاجابة ورد فعله عندما يستمع لها، هي كانت حاضرة منذ البداية ولكن لسانها الخجول لم يستطيع ان يقولها، حتي الأن لا تعرف ان كانت ستستطيع ان تعترف له أم لا أيضا..

تأخر الوقت وظنت انه لن يأتي، كاد ان يصيبها الاحباط والقلق بآن واحد، الاحباط خوفا من فكرة انه غير رأيه بشأن الامر، والقلق خوفا من ان يكون قد اصابه شيئا ما سيئا..

لكن قطع تلك الافكار التي تتطايرت بتفكيرها يسارا ويميمنا، الباب الذي فُتح ودخل هو منه، علي شفتيه بسمة أتسعت الي اخرها ما ان وقعت عيونه عليها، كأن كل شقاء العالم انزاح اخيرا عن كتفيه، اقتربت منه ومدت يدها لتسلم عليه..

بيسان ببسمتها الأسـرة:-
_حمدلله علي السلامة

مد كفيه نحوها وحاوط جسدها بيديه، ثم سرعان ما قربها منه دافنا اياها باحضانه، شدد من قبضته حولها عندما حاولت ان تفـر وهو يقول بصوت خافت:-
_اتعودي بعدين ان دي تكون طريقة السلام بينا
توجهت وجنتيها بنبران الخجل وهي تهمس بأسمه:-
_سليمان..
قاطعها بنبرته المتمنية:-
_مش هتسمعيني اللي عايزه؟!
ورغم انها كانت تقول منذ قليل انها ربما تخجل ان تعترف له بقرارها، الا انها الان وجدت نفسها تقول.. بينما تدفن وجهها في عضلات صدره بخجل:-
_انا بحبك..
ابعدها عنه ينظر لملامحها التي ازدادت جمالا نتيجة لأحمرار خجلها وهو يقول بسعادة بالغة:-
_مش عارف اوصفلك يابيسان قد اية قلبي طاير بأجابتك دي
نظرت لـ الارض بخجل ولم تتحدث، بينما قال هو مكملا حديثه:-
_بيسان.. تتجوزيني؟!
نظرت له بعدم تصديق.. هل بتلك السرعة سيتزوجها؟ هي حتي عندما اعترف بحبه ورغم انها رأت الصدق في عينيه، إلا أنها كانت قلقة من ان تكون مجرد شئ جديد يجربه لاول مرة في حياته وعندما يمل منه سيتركه، لكن كون انه طلب الزواج.. يبدو بالفعل انه هوي، وان حبه صادق، وانها ليست بمجرد شئ في حياته.. بل حياته بأكملها..
قطع حبل افكارها، وعلوان سقف أحلامها صوته الذي أكمل بنبرة جامدة، باردة.. غير منفعلة:-
_بس في السـر.. هنتجوز في السـر..
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

_الفصل العاشر .

.. ! مخادع ! ..

‘ ثوب الخدعة الذي رسمته لك.. كان حقا ملائما عليك ياعزيزي ‘
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_بيسان.. تتجوزيني؟!
نظرت له بعدم تصديق.. هل بتلك السرعة سيتزوجها؟ هي حتي عندما اعترف بحبه ورغم انها رأت الصدق في عينيه، إلا أنها كانت قلقة من ان تكون مجرد شئ جديد يجربه لاول مرة في حياته وعندما يمل منه سيتركه، لكن كون انه طلب الزواج.. يبدو بالفعل انه هوي، وان حبه صادق، وانها ليست بمجرد شئ في حياته.. بل حياته بأكملها..
قطع حبل افكارها، وعلوان سقف أحلامها صوته الذي أكمل بنبرة جامدة، باردة.. غير منفعلة:-
_بس في السـر.. هنتجوز في السـر..
عندما استمعت لعبارته الاخيرة أنتفضت مبتعدة عنه بجسدها وهي ترفع نظرها له لترمقه بزهول وصدمة، تَفهم حالتها فأقترب منها وهو يقول بنبرة مازالت هادئة:-
_أسمعيني وأفهميني يابيسان….
لم تترك له فرصة ليتحدث بل أرتفع صوتها تصيح به بغضب:-
_متتكلمش، ومتكملش..
أشارت بعينيها لحيث باب المحل و:-
_اطلع برة.. مش عايزة اشوف وشك تاني، اطلع برة.. اطلع برة حياتي كلها
قالت اخر عبارة بصراخ منهار، وقد بدأت تفقد السيطر علي جسدها من فرط عصبيتها، كم كان حلمًا جميلا ذلك الذي تعيش فيه، وكان عليها ان تعلم انه حلمًا، فمن هي بالنسبة له؟ من بيسان بالنسبة لـ آل سليمان، هل فكرت انه سيتزوجها امام الجميع، ويظهر بها بـ وسطه! كانت حمقاء.. غبية بلا شـك، كان عليها ان تعلم أنها مجرد شئ اعجبه لا غير، شئ أراد ان يجربه، هي بالفعل كذلك بالنسبة له، شخصية مثله كانت لتفعل كل شئ لتحصل علي ما تريد، وها هو فعل وأقنعها بأنه محب لها خلال أيام لا تُعد..
اقترب منها خطوة عندما رأي تدهور حالتها وهو يقول بخوف عليها:-
_بيسان..
أوقفته بأشارة من يدها، وهي تقول بنبرة مرتجفة حاولت ان تتحكم في ثباتها بقدر استطاعتها:-
_متقربش مني.. اياك تفكر تلمسني تاني
اؤما بلا بعدم تصديق من فكرة كونه يبتعد عنها و:-
_اسمعيني وافهميني، احنا هنتجوز علي سنة رسول الله بس…
قاطعته بحدة وهي تصيح:-
_متقولش بس.. متبررش، انا كنت لازم افهم واعرف مكانتي من الاول، مين انا علشان سليمان باشا يتجوزها ويظهر بيها قدام الناس، مين انا علشان يبصلها ويفكر انه يتجوزها قدام الكل، انت بس لقيتي حاجة جديدة عليك، فقولت تجرب.. اتمني تستكفي بالوقت اللي فات وتسيبني في حالي وتخرج برة حياتي
قال بنبرة جامدة، يخفي خلفها رعب من فكرة ابتعاده عن عالمها:-
_مش هسيبك يابيسان مهما حصل ومهما عملتي، انتي ليا من اول ما حبيتك، وبعد ما قولتي انك كمان بتحبيني فأنا مستحيل أسيبك حتي لو عملتي اية
صرخت بعنف به:-
_انت اناني.. انت اكتر واحد اناني شوفته في حياتي، انت عايز كل حاجة نفسك فيها ومش بيهمك حاجة، انت عكس الشخصية اللي رسمتها طول الوقت اللي فات، انت مخادع ياسليمان باشا توفيق، انت اكبر مخادع شوفته في حياتي

قالت اخر عبارة وهي تتهاوي بجسدها علي اقرب مقعد وجدته بالمحل، وقد بدأت دموعها بالسقوط بلا شعور منها
علي وجنتيها

نعم مخادع.. خدعها بالحب، وانه يراها شئ غالي لا يقدر بثمن، جعلها تشعر وكأنها ملكة في ذلك العالم، حديثه لها دومًا كان يـدل علي أنه معجب بها، تغزله الصريح كان خدعة منه.. كان يلعب علي وتـر الضعف لديها ك أنثي والذي لم يكن سوي مشاعرها المرهفة ليحصل علي ما يُريد.. ليحصل علي قلبها كي تبقي تحت أرادته فيما بعد..

أردف بنفي:-
_انا مخدعتكيش، انا حبيتك والله وكل كلمة كنت بقولها كنت صادق فيها، سيبيني اثبتلك دا يابيسان وافهميني ارجوكي
أشارت له بـ لا وهي تقول باصرار:-
_مهما عملت مش هسمعك، ولو سمعت مش هصدقك، روح شوف غيري تضحك عليها بطريقتك دي، شوف اي واحدة رخصية زيك..
قاطعها بغضب وهو يمسكها من ذراعها، جاعلًا أياها تنهض عن المقعد وتقابله:-
_أتكلمي عدل واحترمي نفسك يابيسان، انا لدلوقتي صابر وساكت عليكي لاني مقدر حالتك، رغم انها ملهاش فايدة لانك لو سمعتي اللي عايز اقوله تفكيرك هيتغير وهتهدي

حاولت ان تبعد ذراعها من بين يديه التي تحكم من قبضتها عليها، إلا انها لم تستطيع، تابع هو:-
_واسمعيني كويس واحفظي اللي هقوله، انا شخص هادئ جدا ومتفهم جدا، لكن مسمحش لاي حد يهيني ولو بنظرة، وقتها هتشوفي مني إللي عمرك ما شوفتيه
بيسان بسخرية:-
_انت بتتكلم وكأني هعرفك تاني اصلا؟ انت من أنهاردة بالنسبالي ولا حاجة، هنساك اول ما تخرج من هنا، اللي يشوفني بالطريقة بتاعتك دي ويتخيل اني ممكن اوافق علي طلب زي طلبك يبقي لازم أمحيه من حياتي..
صاح بها بنفاذ صبر وغضب:-
_اسمعيني بقي وبطلي كلام اهبل ويعصب بيخليني افقد أعصابي، انا مش عايز اتجوزك في السر، انا لو كان عليا اتجوزك واعرف الناس بكدا، انهاردة قبل بكرة كمان بس..
صاحت بـ آلم سيطر علي قلبها إلي حد كبير:-
_بس اية؟ لقيت ان جوازك مني هيعرك انت واسمك الكبير؟ وهيقلل منك، طبعا.. ما انت سليمان باشا.. كيف تتجوز بياعة في محل، واحدة لا تسوي في عالمكم جنية

ضغط علي ذراعيها الذي تحت كفه بقوة، حتي انها قد أفلتت من بين شفتيها ‘ آه ‘ متآلمة وهو يقول بعصبية:-
_متقوليش علي نفسك كدا، انتي غالية اوي يابيسان
قاطعته بسخرية مريرة:-
_آها ما هو باين
سليمان:-
_بيسان.. ارجوكي اسمعيني، انا خـ….
_أطلع برة
قال بعدم استيعاب لما قالته:-
_اية؟
كررت العبارة من جديدة، بأصرار:-
_اطلع برة ياسليمان
جاء ليتحدث، فقاطعته:-
_لو عندك دم وكرامة اطلع برة، يأما هطلب البوليس واقدم فيك شكوة واقول فيها انك بتزعجني وتضايقني
نظر لها بزهول وصدمة، اما هي، فاخيرا استغلت فرصة صدمته وتوهانه، وابعدت ذراعها من اسفل كفه، ظل علي حالة لـ لحظات، قبل ان يغادر بعدما رمقها بنظرة أخيرة بها كثير من الاصرار، علاما لا تعرف!
غادر لأنه سليمان بالأخير، ذلك الذي تعني له الكرامة اهم شئ، ويعني له الكبرياء كل شئ..
. . . * . . .
تحركت شيري في مقعدها بارتباك وهي تنظر الي يأمن الذي أخذ بالاقتراب منها عندما لمحها، لا تعلم ماذا عليها ان تفعل، فبعد اخر زيارة لها في منزلهم ومجيئة المفاجئ وسماعه لـ اخر عبارة نطقتها ليان.. وهروبها من الأجابة لم تراه، تُري هل استكشف انه هو حبيب القلب؟! تُري هل اخبرته ليان بذلك؟! ازداد توترها وهي تفكر انه قد يكون يعلم بذلك حقا، كيف بالله سيكون مظهرها امامه وهو يعلم بحبها له، بل عشقها له الذي تحاول وبكامل قدرتها ان تخفيه عنه، قطع حبل افكارها التي تبث فيها الخوف والارتباك وصوله لها..

لم يكن مبتسما ك عادته، بل كان واجما مما زاد من قلقها، جلس علي مقعد مقابل لـ الجالسة عليه دون ان يأخذ اذنها حتي، نظرت له بأرتباك.. قطعه حديثه:-
_مختفية يعني؟!
شيري بنبرة حاولت ان تتحكم فيها وتظهرها عادية:-
_لا موجودة، مش مختفية ولا حاجة.. انت اللي مشغول دايما بس
يأمن وهو ينظر لما حوله وثم يعاود النظر لها:-
_غريبة قاعدة لوحدك.. ياتري مستنية حد ولا اية؟
قالها وخلف سؤاله كان يحترق من ان تكون اجابتها نعم تنتظر ويكون ذلك المنتظر هو ذلك الابلة الذي يُدعي بـ حبيبها
شيري:-
_لا مش مستنية حد..
كانت اجابتها مختصرة، كل سؤال يقوله تحيب عليه باختصار، مما زاد من حنقه، فوجد نفسه يقول باندفاع:-
_مين دا اللي بتحبيه؟
قالت بأندهاش:-
_هـاا
سرعان ما استوعبت ما قاله فتلونت وجنتيها بحمرة الخجل، فالذي يسأل عنه لم يكون سوي هو، آكدت لها أجابته انه لم يعرف انه هو الحبيب، وكم تعجبت من ذلك، ليان التي لا تترك بفمها حديثًا ولا بجبعتها سـرًا، أيُعقل انها لم تخبره؟

حاولت ان تحاوره في الاجابة فقالت وهي تنظر لـ قائمة الطعام:-
_أية رايك نتغدي سوا؟ انا هطلب…
أبعد القائمة من بين يديها وهو يقول بنفاذ صبر:-
_شيري..
رفعت عيونها له، فتابع بصوت مثقل بالغضب والعصبية:-
_مين اللي بتحبيه دا؟
فهو حقا لم يعد يستطيع ان يتحمل، الليالي الفائتة كانت تمر عليه ك جمر من النار، وهو يفكر ان شيري.. صديقة شقيقته الصغيرة، و صديقة العائلة تحب أخر، من ذلك اللعين الذي أحبته ولما أحبته، ما به ليجعلها تحبه، نعم شيري من الشخصيات المدللة لكنه يعلم جيدا بتربيتها الحسنة وان خلف الدلال شخصية مسئولة تظهر بأوقات الشـدة، يعلم ايضا ان هناك نارًا اشتعلت بقلبه عندما علم بأمر ذلك الحبيب، وان نظرته لها اختلفت بين ليلة وضحاها من كونها صديقة إلي اكثر، إلي فتاة يُغار عليها، ويكاد يجن من فكرة انها تحب اخر ومن الممكن ان تكون له..

لن يسمح ان تكون لـ أحد.. مازال لا يعلم حقيقة مشاعره نحوها لكنه ايضا لن يسمح أن تكون لغيره، هذا قراره وأنتهي الامر..

لم تجيبه، فعاد يقول بنبرة محتدة:-
_مش عايز اقولك انا قد أية ماسك نفسي بالعافية علشان متهورش ياشيري..

حديثه الغاضب، كلماته التي تنبض بالغيرة، أدخلت السرور علي قلبها وهي تري تبدل حاله من يأمن الرزين الي ذلك الغاضب والمحترق بنيران الغيرة، أحبت ان تراه هكذا اكثر، يغار عليها ويجن من فكرة كون قلبها لأخر، ليشعر ولو قليلا بمثل المشاعر السيئة التي احتلتها منذ ان احبته فـ:-
_معتقدش هيفيدك يا يأمن انك تعرف عنه حاجة، كل حاجة خاصة بيه تخصني انا بس مش انت..

نهضت عن الطاولة وامسكت حقيبتها و:-
_معلش مضطرة امشي..

وتركته قبل ان يقول شيئا، تركته ك قنبلة تنتظر ضغطة واحدة فقد لتهب في وجهها هي دونًا عن الجميع، صاح بداخل نفسه وهو يرمقها تغادر من أمام عينيه:-
_ماشي ياشيري، ماشي.. وريني الباشا اللي يخصك دا هيقربلك ازاي.. إن ما خفيته عن وشك خالص وعن الدنيا كلها مبقاش انا يأمن المنشاوي
. . . * . . .
دخل إلي القصر بظهر منحي، بخطوات بطيئة ليست بقوتها المعتادة، من يراه الان، يري رجلا ضعيفا.. غير ذلك السليمان الجامح، الذي تبث نظرة فقط من عينيه فيك الكثير من الرعب، مع دخوله كان واجد خارجًا، فوقف عند بداية الممـر واخذ ينظر له بتشفي وسخرية، ظنًا منه ان حالته تلك بسبب العمل..

وصل سليمان لحيث يقف واجد، كاد يتعداه لكن صوت الاخر المستفز اوقفه:-
_اية مش لاقي حل ولا اية؟ معلش روح اتحايل لـ اليابان شوية ويمكن يوافقوا يبعتولك شحنة آلالات
نظر له سليمان بطرف عينيه و:-
_انا مبتحايلش لحد
واجد بسخرية منه:-
_أهي ثقتك دي هتختفي لما تضطر تتحايل لـ الكل علشان يصبروا عليك
أقترب سليمان منه خطوة، وهمس بجوار أذنه:-
_ثقتي مش من تراب زيك علشان تطير في الهوا، الآلات من غير ما اتحرك من مكاني حليت أمرها وفي طريقها دلوقتي لـ المينا
ظهرت الدهشة علي ملامح واجد، والصدمة.. بينما تابع الأخر بتشفي وهو يري تلك الملامح علي وجهه:-
_روح انت بقي دور علي ضميرك اللي رميته في البحر وانت بتخطط كيف تقتـ،ـل جدتك
خطي خطوة بعيدا عنه قبل ان يعاود الرجوع له مرة أُخري وهو يقول بنبرة غاضبة:-
_يكون في علمك، انا مش هسكت علي اللي عملته دا، وهرد قريب عليك.. رد هيعرفك مين هو سليمان، وانه مش هو اللي يتلعب عليه من ورا ضهره

توجه بعد تلك المواجهة الي غرفة جدته، وجدها قد نامت، اخذ مقعد وقربه من الفراش، جلس عليه ثم امسك كفها الموضوعة علي الفراش بين يديه، ووضع عليهم رأسه بتعب..
اخيرا ظهر عليه الضعف، والحزن.. ألتمعت الدموع في عينيه وهبطت اول قطرة علي يـد جدته
سليمان بصوت مختنق:-
_كلهم بيحاربوني ياتيتا، كلهم بيضربوني في ضهري، اقرب الناس ليا عايزه تخلص مني، وتشوفني مكسور إلا أنتي، متسبنيش ليهم ابدا وتمشي ارجوكي، لما عرفت انك تعبانة انا قلبي وقف.. فكرة انك تسيبني وتمشي زي جدي مقدرش اتحملها، وجودك اللي مصبرني علي اللي بيعملوه فيا، حتي هي مفهمتنيش.. فكرتني بلعب بيها، متعرفش أني فعلا حبيتها، انا عديت مرحلة الحب كمان، وأني بعمل كدا علشانها..
تنهد بقوة وتابع بصوت منهار:-
_اللي يخليه يضحي بيكي في مقابل انه يأخرني عن صفقة وأنتي جدته، هيحن قلبه عليها هي وميفكرش يأذيها؟! واجد غباءه وكرهه عاميه دلوقتي لدرجة انه ممكن يقـ،ـتلني من غير ما يتهز ليه جفن، اروح انا اسيبها في وش مدفعه كدا بكل سهولة.. هي لية مش قادرة تفهم أني خايف عليها وبس، خايف عليها بس عايزها ومقدرش ابعد عنها، قوليلي اعمل أية؟ واتصرف ازاي.. اتجوزها واسيبها في وشهم، ولا استخدم سلطة آل سليمان واخليها ملكي من وراهم..!!
. . . * . . .
بـ مقر شركات آل سليمان..

دخلت عليا الي مكتب عابد بعدما طرقت علي الباب وسمح لها بالدخول، تقدمت من موقع جلوسه وأعطته ملف، ثم قالت:-
_لو سمحت مستر عابد وصل الملف دا لـ سليمان بية
اخذ منها الملف وهو يقول بتسأل:-
_ملف اية دا؟
عليا بتوضيح:-
_صفقة الآلات بعد التعديلات..
اعتدل في جلسته وهو يردف بزهول:-
_هي متلغتش؟!
نظرت له بتعجب من رد فعله، قبل ان تتابع بعملية:-
_لا متلغتش، مستر سليمان معطيني كارت اخضر بأني أتصرف براحتي بالطريقة المناسبة في أي مواقف حَرِجة زي دي، وانا أول ما عرفت باللي حصل لسوزان هانم بعتت رسالة لـ الشركة واعتذرت منهم وبينت سبب التأخير، وبعتنا تاني يوم مندوب مكان مستر سليمان وأكد هو علي كل حاجة…
لم تكاد تتابع الحديث حتي أنتفض هو من مكانه ك القنفذ وترك المكتب، غادر المكان أجمعه وهو يصيح بداخل نفسه:-
_مبتتهدش ومبتوقعش، مفيش حاجة بتفلت منك، طول عمرك داهية وزي الشيطان في تفكيره

ولكن شيطان عن اخر يفرق ياعزيزي، هناك شياطنا تفكيره لا يأتي إلا بالموت، وأخر تفكيره لا يأتي إلا بالعمار

استلقي سيارته وساق بها بأعلي سرعته متوجها نحو منزله، وكل لحظة والأخري يضرب مقود السيارة بيده بعصبية، راح يحادث نفسه بغضب عن سليمان ويتذكر عدد المرات التي يثبت فيها سليمان نفسه، تناسي ما يحدث حوله وهو غارق بسيارته.. قبل ان يفوق اخيرا علي صوت صارخ أتي من امامه، نظر فوجد انه علي مقربة من فتاة وسيارته بالكاد ستسحقها..

ضغط علي الفرامل سريعا، فتوقفت أخيرًا السيارة قبل أن تصطدم بها، هبط من السيارة سريعا، وقبل ان يعتذر هتفت الفتاة بصراخ وهي تشيح بيدها أمام عينيه:-
_أنت أعمي، في حد عاقل يسوق بالسرعة الغبية دي، أفرض مكنتش ضغط علي الفرامل كنت موت انا….
قاطعها قبل ان تتابع حديثها:-
_أية.. اهدي شوية، مكنتش خبطة محصلتش دي
صمتت بالفعل ونظرت له بعينيها البنية، نظر لعينيها لـ لحظة قبل ان يبعد عينيه عنها بلامبالاة وهو يقول:-
_أنتي بخير اهو ومحصلكيش حاجة بدليل لسانك اللي بينقط سـم دا، تسمحيلي أمشي بقي؟!
ولم يدع لها فرصة لـ الحديث، بل عاد الي سيارته واستقلها، ثم غادر بها، تاركًا خلفه الفتاة تراقب مغادرة سيارته وهي تهمس بصوت مغتاظ:-
_واحد مستفز.. مش محترم..و….. قمر
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

_الفصل الحادي عشر .

.. ! ذكريات ! ..

‘ لدي ذكري سوداء.. ك غيري من البشر، كانت ومازالت علامة سوداء في تاريخ حياتي ‘
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تمر الليالي عليها بلا جديد، تزداد فيها احزانها ووحدتها ولا تقل سنتيمتًرا واحدًا، يزداد كرهها له تدريجيًا ويوميًا وكأنها لم تحبه يوما، جميع مشاعرها اللطيفة التي كانت تمده بها اختفت بعد حديثه بذلك اليوم المشئوم، لا تعلم حقا لما هي تهرب من كل شئ، رغم انها اقنعت ذاتها انه لا شئ، هل لانها تشعر بالكسرة؟ كسـر نفسيتها وتحطيمها وكسـر كرامتها واهدارها! حقا.. حديثه ذلك وطلبه الحقير اشعرها وكأنها من اؤلئك الفتيات اللواتي يوافقن علي أي شئ لاجل المال وفقط.. بل يعد الزواج السري لهم بالأمر العظيم..

هل هي بنظره قليلة إلي تلك الدرجة؟

تفكيرها منذ ثلاثة ايام متتالية وإلي حتي الأن لا يتوقف، يزداد منذ ان تستيقظ وحتي تنام، توقفت عن ممارسة حياتها بشكل طبيعي، حتي محلها العزيز لم تعد تزوره، وهي التي ما توقفت يومًا عن زيارته، تأتي لها ذكري مقابلته بذلك المحل فتنغص عليها حياتها، وتشعر فجأة انها لا تطيق ان تري عطورها التي شهدت علي الحديث مرة أخري..

ولكن.. إلي متي؟ ستظل حبيسه غرفتها وفقط..!

قطع حبل افكارها التي لا تنضب، صوت جرس الباب، توجهت نحوه بخطوات كسولة وفتحته، وجدت ان الطارقة ‘ ناني ‘ التي بدورها دفعتها ودخلت وهي تقول بنبرة متسائلة قلقة:-
_مختفية فين يابنتي الأيام اللي فاتت، ومبترديش علي مكالماتي لية؟
جلست علي اقرب مقعد قابلها وراحت تلعب بخصلات شعرها بأرهاق و:-
_موجودة اهو..
جلست في مقعد مجاور لـ الذي تجلس عليه و:-
_مبترديش لية؟ والمحل مقفول لية؟ ومالك كدا و…
توسعت عيونها وهي تتابع بصراخ:-
_اوعي تقولي انك رجعتي لـ القرف دا تاني يابيسان

نظرت لها بعيون ناعسة ولم ترد، بينما نهضت ناني عن مكانها بعصبية واقتربت منها، امسكت ذراعيها وراحت تهزها بعنف وقوة
ناني:-
_انتي رجعتي لـ المخدرات تاني يابيسان؟ ضعفتي ورجعتي، ياشيخة حرام عليكي نفسك.. برضوا رجعتي لـ السم دا.. برضوا يابيسان.. برضوا
بدأت تدخل ناني في حالة من الهستريا الغاضبة، لكن قطع حالتها تلك صوت بيسان الهادئ:-
_انا مأخدتش حاجة ياناني، اهدي بقي
نظرت لها بنص عين، فقالت بصدق:-
_والله ما أخدت
عادت تجلس مكانها وهي تقول:-
_اومال حالك دا من اية؟
بيسان بنبرة مريرة:-
_سليمان توفيق بيحبني
توسعت عيون ناني بزهول، خاصة عندما تابعت بيسان:-
_وعايز يتجوزني..
وكادت تصرخ بسعادة، لكن صخرة الحقيقة الباقية سقطت علي تلك السعادة و:-
_في السـر
صاحت بغضب:-
_الحقير.. حتي هو طلع و** زيهم وعامل فيها عنده مبادئ وقيم
بيسان بملامح جامدة.. ك من لا روح فيها:-
_مفيش حد بقي عنده لا اخلاق ولا قيم ياناني، احنا في زمن دلوقتي صدقيتي من احقر الازمان اللي عدت في العالم دا، كل الغلط بقي مستباح.. كل الصح بقي غلط، الناس مبقيتش بتخاف من الاعتراف بجرايمهم وغلطاتهم لا.. دول بقيوا فخورين بيها، الناس دي هي السبب في إني ابقي مدمنة في يوم من الايام، كنت بحاول اهرب من القرف اللي بشوفه بأي طريقة.. كانت غلط بس كانت بتخليني غايبة عن حقيقتهم ياناني

رمقتها ناني بحزن عليها، ربتت علي كتفيها وحاولت ان تخرجها من ذكرياتها السيئة فقالت متسائلة:-
_طيب انتي عملتي اية؟

نظرت لها وراحت تحكي لها كل ما حدث منذ معرفتها به ولحتي تلك اللحظة.. والأخري تستمع لها بكل اهتمام..

بذلك الحين.. اسفل المبني

ضغط زاهر علي زر الأجابة ووضعه علي اذنه فجاءه صوت سليمان:-
_قولي اية الجديد عندك يازاهر؟
فهو ارسله لها ليكون حارس لها منذ ذلك اليوم، فزاهر يعد ذراعه الايمن واكثر من يثق فيهم، ومعني أنها تحت انظاره.. أنها دوما ستكون بخير
زاهر وعينيه معلقة بالدور الذي به شقة بيسان:-
_منزلتش برضوا ياباشا ولا طلعت من بلكونتها حتي، بس من شوية واحدة طلعتلها، وبقالهم ساعتين اهو فوق سوا…

لم يكاد يكلم حديثه حتي رأي ناني تخرج من بواية المبني، فسارع بالقول لسليمان:-
_صحبتها نزلت اهي ياباشا، بس لوحدها
تنهد سليمان عاليا و:-
_طيب ياسليمان خلي عينك عليها برضوا، وبلغني بكل جديد
_اوامرك ياباشا

واغلق معه..

وضع الهاتف علي طاولة المكتب ونظر لسقف الغرفة بأرهاق جلي، معني انه لم يراها لمنذ ثلاث ايام لا يعرف كيف سيشرحه.. هو يشعر وكأن جزءًا منه ناقصًا ومفقودًا.. تاركًا مكانه فراغ مُوحش، لا يعلم انه احبها الي تلك الدرجة الا الان.. بعدما ذاق فراقها وان كانت تحت عينيه، ففكرة انه لا يري بسمتها الخجولة، ويستمتع بعبقها الساحر، ويستمتع بحديثها المندفع غير مقبولة أبدا في قاموس عشقه لها.. لم يعد حقا يستطيع تحمل فكرة الخصام الذي بينهم

نهض وقد قرر ان يذهب لها، ويفهمها كل شئ، وان لم تفهم، وأصرت علي موقفها.. سيستخدم أوراقه ضدها، وطريقة آل سليمان ليجعلها تحت يديه الي الأبـد..

وبعد ذلك.. وبعد ان تصبح له، سيحاول ان يصالحها بأي طريقة..

في طريق خروجه وجد عليا تكاد تدخل له، قال بنبرة متعجلة:-
_بعدين ياعليا بعدين..
قالت بنبرة معترضة:-
_اللآلآت وصلت يامستر حسان و….
قال قبل ان يغادر:-
_ابعتي عابد يشوفها وروحي معاه
ومعني ان تذهب معه انها فقط عليها ان تراقبه، وتري تصرفاته و… فقط

_طيب وحسان باشا….

لم تُكاد تكمل حديثها وكان بالفعل قد غادر
. . . * . . .
_لسة زعلانة؟

قالها واجد وهو يحتضن زوجته الجالسة علي الاريكة بغرفتهم من الخلف، حاولت ان تبعد ذراعيه عنها وهي تقول بضيق منه:-
_مش زعلانة.. مصدومة ياواجد
قال بتبرير وهو يلتف ليواجهها:-
_صدقيني كنت عارف انها هتبقي كويسة، انا بحب تيتا اوي ياسلمي ومكنش قصدي آذيها
سلمي بعيون لائمة:-
_انت لو كملت خططك هتآذينا كلنا
واجد بنفي وملامح عادت الي الجمود بعد ان كانت بدأت تلين:-
_محدش هيتأذي غيره وغير شغله
سلمي بعدما علمت ان سليمان استطاع ان يتفادي كثير من الوقائع التي خطط لها واجد بالفعل:-
_بس انا شايفة ان كل شغله ماشي تمام وبيتفادي خططك ولو وقع.. بيعرف يصلحها
استراح في جلسته و:-
_انا دخلت مع سليمان حرب نهايتها الموت ياسلمي، وانا معنديش مانع إني أستعجل موته
انتفضت عن مكانها وهي تصيح:-
_لا انت أتجننت بقي..
قاطعها:-
_وطي صوتك، هي هتبقي قرصة ودن.. جابت أجله ماشي، مجابتش يبقي هتكسره
ادمعت عيونها وقد بدأت تشعر انها تري شخصًا اخر غير زوجها الذي تعلمه، وان من امامها حقا شياطنًا لا يتواني عن القتـ،ـل وفعل الخطأ مادام سيحقق اهدافه
سلمي:-
_صدقني لو حصل لسليمان حاجة، وعرفت ان ليك ايد فيها ياواجد.. انا اول واحدة هبلغ عنك
واجد وقد نهض عن مكانه، مستعدا لـ المغادرة:-
_مش هسمحلك تعملي كدا
بسخرية اجابت:-
_اية.. هتقتـ،ـلني انا كمان؟!
نفي برأسه و:-
_مقدرش، بس همنعك تخرجي من البيت دا، ومتخفيش، انا مش هنفذ دلوقتي.. فاضل خطوة وحدة وبعدين هنفذ
بعيون مليئة بالشك.. اردفت سلمي:-
_هتعمل أية؟
غمز لها و:-
_بعدين هتعرفي، المهم فين ادهم؟
_نام بعد ما خلص تمرين السباحة بتاعه

بـ غرفة بعيدة عنهم قليلا، وقفت منال امام صورة لـ أربعة افراد، لم تكن سوي لها هي وزوجها، واخ زوجها وزوجته اي والد ووالدة سليمان، شع من عيونها الندم البالغ وهي تنظر لـ اخ زوجها وزوجته، تلمست ملامح والدة سليمان والتي في يوما ما كانت صديقة لها واردفت بنبرة مليئة بالندم والخزي من نفسها:-
_سامحوني، انتوا مشيتوا بدري اوي بسببي ياسمية، لو الطمع مكنش سيطر عليا كان زمانا حاجة تانية دلوقتي، كان زمانكم علي الاقل عايشين او حتي سميح مات وهو راضي عني
تنهدت عاليا لعلها تبلع تلك الغصة التي تعلقت في حلقها و:-
_شـري.. عيالي خدوه مني، وسليمان بقي نسخة من توفيق بقوته وجبروته وذكائه ياسمية، كل ما بشوفه بفرح.. انا بحبه، ساعات صح بتفلت مني كلمات تضايق بس اعمل اية؟ مهما أحاول أصلح من نفسي مبقدرش، احيانًا بتمني التلاتة يبقوا ايد واحدة، واحيانًا الاقي نفسي بقول لعيالي متسبوش حقكم، انا كل لحظة والتانية برأي ياسمية

_لو سليمان عرف اني كنت ولو بشكل مش مباشر السبب في موتكم.. عمره ما هيسامحني، دا ممكن يطربقها علي دماغ الكل، سليمان زي ابوه.. دايما بايع، ومبيهمهوش غير انه ميحسش نفسه ضعيف وغبي، ربنا يستر ياسمية.. ربنا يستر وبس من الايام اللي جاية
. . . * . . .
رغم كل ما يحدث ورغم ان عابد وواجد يعملا جاهدين لهدم امبراطورية سليمان، وجد عابد نفسه يعاين الآلآت بكل جدية ويتفحصها، وجد نفسه ينتقل بين الاورقة ليطمئن علي باقي العمل ويباشره ايضا، بل عدل عدة اخطاء موجودة، عليا التي تعلم كل ما يجري بين بنّي سليمان، كانت عيونها تتوسع بزهول وهي تري ذلك، عابد من يفعل ذلك؟! ليت سليمان هنا ليري ما يحدث..

هتف عابد بغضب لـ عليا:-
_عليا..
انتفضت وهي تجيب:-
_نعم يامستر عابد
عابد بجدية:-
_قولي لسليمان ياريت يجيي زيارة مفاجأة لـ المصنع دا ياعليا علشان الاهمال فيه كبير وياخد موقف

اؤمات بحسنا، وعاد هو يباشر الفحص، اخيرا بعد وقت ليس بقليل خرجا من المصنع، توجهت عليا إلي سيارتها واستقلتها ثم غادرت، لكن قبل ان يغادر عابد وجد الفتاة التي اصطدم بها من عدة ايام.. أمامه، ضيق حاجبيه بتعجب من وجودها فنادها:-
_هيي. انتي يا…
انتبهت له فتقدمت منه:-
_هو انت ياحليوة؟
عابد بتعجب:-
_حليوة!
_المرة اللي فاتت كنت رخمة معلش، بس كنت خايفة لـ تموتني
تجاهل حديثها وسأل بفضول:-
_انتي بتعملي اية هنا؟
اشارت لـ حقيبة بلاستيكة بيدها و:-
_جايبة اكل لـ بابا.. انت بتعمل اية هنا؟ بتشتغل هنا
عدم نظارته الشمسية التي علي عينيه وقال بثقة:-
_تـوء، انا صاحب المصنع وكنت جاي اشرف عليه بس
_كنت لازم اعرف برضوا، عربيتك متقولش انك شغال هنا ولا منظرك
عابد وقد أصابه الفضول لمعرفة اسمها فجأة:-
_انتي اسمك اية؟
ردت:-
_جني.. وانت؟
_عابد
مررت اسمه بأعجاب لـ الاسم و:-
_حتي الناس النضيفة اساميهم عليها القيمة برضوا

وجد نفسه يضحك بقوة علي حديثها، استاذنته وغادرت، بينما بقيت عينيه معلقة عليها وهمس بداخل نفسه متلذذا بنطقه لـ الاسم:-
_جنـي!!
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

_الفصل الثاني عشر .

.. ! شـرط ! ..

‘ فالغيرة.. هي الترادف الأعظم لـ الحب.. ‘
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لم تمر علي مغادرة ناني سوي دقائق، كانت خلالهم قد عادت الي فراشها واستلقت عليه، كادت تغلق جفونها لتحاول النوم، لعلها تعوض الساعات الفائتة التي لم تستطيع ان تنام فيها، لكن صوت الجرس الذي عاود التعالي من جديد منع عنها النوم، نهضت وهي تتأفف، وفي ظنها ان الطارق هي ناني، التي من عادتها تناسي أشيائها وقد تكون تناست شيئًا الأن بالفعل، توجهت نحو الباب وفتحته وهي تهتف:-
_كالعادة نسيتي حاجة…
قاطع حديثها رؤيتها له أمامها، سليمان كما هو دون تغيير، ملابس مهندمه.. طلة مميزة، يباشرها بنظرات بها لمعة لم تخفو بعد.. تحفزت جميع حواسها وهي تنطق بعصبية:-
_انت اية اللي جايبك هنا؟
قال ببسمة خفيفة:-
_مش هتقوليلي اتفضل!
بيسان بنفي وسخرية:-
_لا مش هقولك.. وهطردك كمان
أمسك ذراعها الذي كانت قد احاطته بالأخر أسفل صدرها ودفعها برفق لتدخل الي المنزل ودخل خلفها.. أغلق الباب خلفهم ثم نظر لها و:-
_دا انتي طلعتي بخيلة اوي بقي
بيسان بعيون قد بدأت تطلق شرارات الغضب:-
_انت هنا لية، وبأي عين أصلًا تيجي هنا، انا مش قولتلك مش عايزة أشوف وشك تاني..؟
سليمان:-
_وانا مش قولتلك مستحيل أسيبك؟!
تنهدت في محاولة منها أن تهدي أعصابها و:-
_اطلع برة

قال بعناد و.. اصرار:-
_مش هطلع قبل ما نتكلم

بروده.. هدوئه.. حديثه، كل هذا يزيد من عصبيتها، أنه بارد بينما هي تغلي من الغضب، هو يقول بأفعاله ان لا شى قد حدث، بينما هي منذ اخر لقاء حياتها أنقلبت رأسًا علي عقب
صاحت بعصبية:-
_نتكلم في اية؟ انا قولتلك مفيش كلام ما بينا
امسكها برفق من ذراعها:-
_لا في.. انا عايز أتجوزك يابيسان..
قاطعته ساخرة بمرارة:-
_في السـر
قال في محاولة منه ان يستعطفها ويفهمها وجه نظره:-
_اها في السر.. ودا بس لحد..
_ما تزهق مني وتسيبني، ويبقي يادار ما دخلك شر، اللي عايزه أخدته ومحدش حاسس بحاجة، فلما تطلق لا يطلع عليك لا سين ولا جيم وتفضل سليمان توفيق الدنجوان
نفي برأسه و:-
_لا.. مش دا قصدي، انا ميهمنيش كلام الناس..
قاطعته بعصبية وهي تنفلت من بين ذراعيه:-
_لما ميهمكش كلام الناس، اية اللي مانعك انك تتجوزني في النور؟ اية طلعت فعلا مستحقش اطلع معاك في الصورة؟
_بيسان افهميني..
رفعت اصبعها في وجهه، وقالت بتحذير:-
_لا افهمني انت واسمعني، انا مش زي غيري ياسليمان باشا، اللي ترمي نفسها تحت رجلك علشان فلوسك ونفوذك ومركزك، انا مش هرضي بطلبك دا ولا هوافق عليه وان كنت بحبك.. انا اللي يحبني يتجوزني في النور مش في الضلمة
_دا بس، لفترة.. والله لفترة وهعلنه قدام الكل، اطمن بس ان كل حاجة بخير
بنبرة رافضة.. قالت:-
_اسمي ميبقاش علي اسمك لدقيقة واحدة في السر، ولو سمحت اطلع برة

اطلق عدة انفاس عالية، لعله بهم ان يخرج ضيقه وعصبيته حتي لا تطولها، لكن حديثها لم يدع له فرصة لـ الهدوء، كلماتها كانت لا تزيد سوي من عصبيته وغضبه

فقال في محاولة اخيرة منه ليقنعها:-
_اسمعيني وافهميني لـ الاخر وبعدين اتكلمي تمام؟
بيسان بأعتراض:-
_قولتلك مش هسمع منك كلمة، روح شوف غيري اغريها بفلوسك واتجوزها في السر واشبع بيها
بلحظة واحدة، اطاح بـ أثرية كانت موجودة علي طاولة قريبة منه ونظر لها.. صارخًا فيها بعنف:-
_مش هتجوز غيرك يابيسان ولو غصب عنك، انا حاولت معكي وسكت عليكي كتير بس طالاما مافيش فايدة يبقي نستخدم طريقة سليمان بقي اللي عمالة تتكلمي عنها
رجعت الي الخلف بخوف من عصبيته، بينما تابع هو:-
_وافقي برضاكي وانا اوعدك كمان تلت شهور من دلوقتي هعملك فرح متعملش زيه في مصر كلها
اؤمات بلا عدة مرات، وساد الصمت علي المكان بعده، ظل لعدة لحظات ينظر لها بلا ملامح، حتي ظنت انه استسلم واقتنع برفضها اخيرا.. إلا انه قال فجأة بنبرة مخيفة بها من خبث الأفاعي وفحيحها ما يبث الرعب بالأوصال:-
_انا عارف انك كنتي متعاطية مخدرات ومعايا ملفات تثبت دا، ومعايا ملفات كمان تثبت انك حرامية ومطلوبة في كذا سجل
توسعت عيونها بزهول، بينما تابع بسخرية:-
_الحقيقة مكنتيش بتسرقي إلا حاجات عليها القيمة، ما هو كيفك يستحق برضوا
بيسان وقد بدأت تدخل في حالة من الهستريا:-
_انت جيبت الكلام دا منين؟ دا كدب اصلا
سليمان بسخرية:-
_كدب؟ اومال خايفة لية كدا! ان موافقتيش تتجوزيني دلوقتي يابيسان انا عندي استعداد اروح اسلم الملفات دي وافتح القضايا من تاني، هعرف بعدين اطلعك منها واقفلها برضوا.. بس ساعتها هتتجوزيني غصب عنك
بيسان بدموع قهرة:-
_وانت عايز تتجوز واحدة زيي لية؟ بعد ما عرفت بلاويها دي
سليمان:-
_انا ميهمنيش الماضي، المهم انتي أية دلوقتي، انا بس استخدمته ك وسيلة علشان تبقي ليا
صاحت بأنهيار فيه:-
_انت شيطان.. شيطان
اقترب منها وسحبها لأحضانه.. راح يمسد علي خصلات شعرها
سليمان بنبرة حنونة:-
_انا اسف، مكنتش عايز استخدم الطريقة دي معاكي، بس مفيش غيرها هتنفع معاكي، انتي عنادية وانا مبقيتش قادر استحمل بعدك اكتر من كدا، سامحيني ووافقي ارجوكي يابيسان.. ارجوكي
ابتعدت عنه وقد ارتسم الجمود علي ملامحها فجأة:-
_موافقة
توسعت عينيه بزهول وسعادة خاصة عندما تابعت:-
_وهحاول علي قد ما اقدر اخبي موضوع جوازنا، واكتر منك كمان
لكن اختفت السعادة عندما اكملت:-
_بس عندي شرط..
هتف بقلق من ذلك الشرط:-
_اية هو..؟؟!
. . . * . . .
لمحت ليان اخيها يأتي بأتجاهها بينما هي تحادث شيري علي هاتفها، فتوسعت بسمة شر علي شفتيها وهي تقول بنبرة مصدومة مصطنعة:-
_واو معقول سافر مخصوص باريس وجبلك الفستان اللي عجبك؟ بجد انا مش مصدقة اللي بتقوليه دا ياشيري
شيري من الطرف الأخر يتعجب:-
_مين دا اللي سافر؟
ليان ببسمة خفيفة:-
_شكله بيحبك اوي زي ما انتي بتحبيه
شيري بعدم فهم:-
_مين دا اللي بيحبني وانا بحبه؟ انا مبحبش غير يأمن وانتي عارفة وهو جلف ولا عمره لمح بحاجة
اقترب يأمن منها وقد ظهر علي وجهه الغاضب انه قـد أستمع لـ حديثها، فتابعت ليان وهي تغلق الهاتف:-
_بـ يرن عليكي؟ طيب انا هقفل دلوقتي واسيبكم مع بعض ياروحي.. سلميلي عليه كتير
يأمن بعصبية:-
_كنتي بتكلمي شيري؟
اؤمات بنعم بلامبالاة مصطنعة واصطنعت انها مشغولة بشئيا ما في هاتفها، سحب الهاتف منها و:-
_يبقي انتي عارفة بقي أن شيري عندها حبيب
ليان بزهول مصطنع:-
_انت كمان عارف؟
احمر وجهه وقال محذرا اياها:-
_ليان.. متعصبنيش
ليان ببراءة:-
_انا اتكلمت؟!
_مين هو دا واتزفت اتعرف عليها ازاي، وازاي انا معرفش
اعتدلت في جلستها وعادت تأخذ الهاتف منه، نهضت عن جلستها وقـد نوت الرحيل و:-
_دي اسرار مقدرش أجاوبك عليها، من الأفضل ترد عليها صاحبة الشأن بنفسها

وغادرت! تاركة اياه ينظر لطيفها بغضب منها ومن شيري ومن حبيبها ذلك اللعين..

ضحكت ليان وهي تعاود ترن علي شيري التي قالت بغباء بعدما اجابت:-
_مين اللي بيرن عليا دا ياليان؟
اتطلق ضحكات ليان العالية وراحت تقول لها ما حدث منذ قليل، فشاركتها الضحكات وهي تشعر بالسعادة تغمرها لغيرة ذلك الـ يأمن عليها.. فهو يغير.. اذن هو يحب

فالغيرة.. هي الترادف الاعظم لـ الحب..

_الـو

قالتها شيري لـ يأمن، الذي وجدته يرن عليها بعدما اغلقت مع ليان، من صوت تنفسه العالي علمت انه بالفعل يحترق، حاولت ان تخفي بسمتها وهي تقول بصوت بذلت فيه كثيرًا من الجهد ليظهر متماسكًا:-
_يأمن.. انت معايا؟
جاءها صوته الغاضب والسائل بذات الوقت:-
_كنتي بتكلمي مين؟
كادت ترد بأندفاع انها كانت تحادث ليان، لكنها تذكرت ان ليان قد اخبرتها انه الأن يعلم انها كانت تحادث من يدعو بحبيبها، فقررت المتابعة بتلك الخطة التي بدأتها ليان، وقالت بصوت حاولت ان تجعله مرتبكًا.. خجولًا:-
_كنت.. كنت
قاطعها بعصبية، وهو يلف بأرجاء غرفته بخطوات متوقدة:-
_خلاص فهمت.. فهمت، بتكلمي حبيبك دا صح؟
حمحمت وكأنها خجلة من الأجابة، بينما قال هو بجنون محب:-
_طيب يكون في علمك ياشيري بقي، حبيبك دا علي جثتي تتجوزيه
شيري بصدمة:-
_اية اللي انت بتقوله دا يايأمن؟!
وقف في مكانه وهو يقول بنبرة صارمة:-
_اللي سمعتيه، انتي مهتتجوزيش حد غيري وخلي دا في بالك.. سامعة؟
لم تكاد ترد.. ووجدته اغلق الهاتف في وجهها، ابعدت الهاتف عنها وقبلته عدة مرات، ثم بدأت تقفز في مكانها وهي تصرخ بسعادة وجنون:-
_بحبه ياناس، بحبه…
. . . * . . .
_وجيدة..

نادت سوزان التي باتت بفضل الله بصحة أفضل، خادمتها المقربة منها وهي تهبط درجات السلم بصوتها الذي قد عادت له صحته اخيرًا، جاءت سوزان مهرولة لها و:-
_نعم ياسوزان هانم؟
سوزان بنبرة آمرة:-
_اتصلي بـ سليمان واخواته وقوليلهم كلهم يتجمعوا علي العشاء أنهاردة..
وجيدة بإيجاب وقد بدأت تستعد لتغادر.. كي تهاتفهم:-
_حاضر ياهانم

نظرت سوزان لصورة كبيرة معلقة علي الجدار بمقابل السلم التي تحتوي علي جميع افراد العائلة، وقالت بينما تتنهد بقوة:-
_لازم اتصرف قبل ما يولعوا في بعض ويتهد كل اللي بنينا فيه كل السنين اللي فاتت دا ياعبد الحميد.. لازم احمي بنّي سليمان من شياطينهم اللي سيطرت عليهم دي

شركات آل سليمان، بالايام الماضية استطاعت ان تعوض كل خسارتها وتقوم بأنتاج جميع المنتجات والبضائع المطلوبة منها، وبدأت بالفعل بـ تسليم تلك المنتجات لـ الشركات المتعاقدة معها، ومن تلك الشركات كانت شركة وليد امجد السامري صاحب شركة ‘ W . A . S ‘، حيث الأن وبتلك اللحظة وصلت لهم تلك البضائع في مخزنهم الخاص..

هتف زاهر لـ رجل ما بناءًا علي تعليمات سليمان:-
_عرفت هتعمل اية؟
قال الرجل بإيجاب:-
_عايز المصلحة ميبقاش ليها ملامح
زاهر بنصف عين:-
_وبـس؟
الرجل بنفي:-
_تـوء، يلزمك اللي فيها برضوا
ربت علي كتفه وهو يقول بأعجاب:-
_كدا تعجبني، نفذ.. وهتدلع اخر دلع من الباشا..
. . . * . . .
_أية هو؟

قالها سليمان وهو يضايق حاجبيه بتعجب وقلق من هيئة شرطها الذي ستبوح به الأن، ارتسمت علي ملامح بيسان الجمود و اردفت:-
_هو مش شرط.. هما شوية طلبات في هيئة شروط
_اللي هما…؟!
بدأت تعد علي اصابعها و:-
_بما ان جوازنا هيكون في السر يبقي انا هكمل حياتي القديمة زي ما هي، محلي مش هسيبه، هقضي فيه كل الوقت اللي عايزاه.. ودا واحد، اتنين.. هعيش زي زمان بالظبط بدماغي وبراحتي، لبسي وطريقتي مش هتتغير ومش هتدخل في اي حاجة تخصني مهما كانت
رفع إحدي حاجبيه، لكنها تجاهلت رد فعله و:-
_مش هتقرب مني لحد ما اتعود عليك، وأعتقد لو انت بتحبني انا ك انا.. الطلب دا مش هيهمك اوي
سليمان بسخرية:-
_تخيلي ان اخر شرط دا اكتر واحد اقدر انفذه والباقي لا..
بيسان مقاطعة أياه:-
_تـوء، اعتقد في شرط تاني هيكون اصعب منهم كلهم ولأنك سليمان توفيق هتنفذه عندًا فيا
سليمان بفضول:-
_اية هو..
نظرت له حتي تقابلت عيناها بعينيه.. وخرج صوتها قائلا بـ بـطء وتأني:-
_تكتبلي نص ورثك بأسمي..
نظر لها بعيون متوسعة من هول صدمته بذلك الطلب
تابعت بنبرة باردة:-
_لو موافق.. معنديش مانع نروح نكتب كتابنا دلوقتي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

_الفصل الثالث عشر .

.. ! عـدو عـدوي ! ..

‘ عـدو عـدوي.. صديقي ‘
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ها هي الان كُتبت علي اسمه، كما اراد وتمني منذ البداية، كالعادة تحركت جميع الخيوط لتنفذ أوامر آل سليمان، خضعت الظروف له.. وحققت له ما يريد، نفوذه السبب؟ أصراره السبب؟ ارادة الله؟ لم يعد اي من تلك المسميات له اهتمامًا، المهم الان النتيجة وانها باتت زوجة له كما أراد، علي اسمه وتحمل كنيته، ملكًا له وتخصه، وان تكون أمرأة تخص رجلًا مثله يعني هناك مئات من القيود ستلتف حول اعناقها، من الان وصاعدًا سيبقي لـ نَفسها حسابًا!
كلماتها الحمقاء التي قالتها منذ ساعات، وانها ستكون حرة قرارات نفسها وان لا يتدخل فيها، كانت عبارة عن هرار تناساها منذ ان مضت علي عقود الزواج..

التفت لينظر لها بينما يقود بها، وجدها قد شردت في اللا شئ، وسندت رأسها علي زجاج الشباك، تأملها مطولًا، رأي فيها ملامح تدل علي بداية ذبول زهرة، كانت يافعة منذ ايام وفي طريق موتها بسببه، تنهد مطولًا وهي يقول بداخل نفسه ‘ سأعوضك بلا شك.. بيساني ‘ وهل يفعل؟
ربما يفعل..

طاحت به الذكريات لحيث قبل ساعات، عندما توسعت عيناه جراءة طلبها، لكن سرعان ما تمالك نفسه وهو يوافق علي طلبها، موافقته السريعة التي صدمتها، لدرجة ان الزهول الذي كان عنده انتقل لها، لا تعلم انه بالفعل غارق فيها.. لحد انها اذا طلبت كامل نصيبه سيعطيها اياها بكل طيب خاطر، عندما رأت تلك الموافقة، قالت بنبرة باردة بينما تركته لتدخل غرفتها لتستعد:-
_مش عايزه نصيبي دلوقتي، هخليه ك تعويض ليا علشان لو سيبتني في يوم.. يعني هتكتبه ليا في المؤخر ياسليمان

ولانه لا ينوي الطلاق.. وافق، وان كان ينوي الطلاق.. كان ايضا سيوافق

_انت رايح بيا فين؟

قالتها وقد انتبهت لـ الطريق فجأة ووجدت انه ياخذ طريق غير الذي يجب ان يسلكه الي منزلها
_لبيتنا الجديد
اعتدلت في جلستها فجأة ك مَن لدغتها أفعي سامة و:-
_بس انا مش عايزة أسيب بيتي
نطق بكلمات مضغوطة، ماكدًا علي معني كل حرف بها:-
_مراتي مش هتقعد غير في ملكي يابيسان
نظرت له بطرف عينيها وتنهدت عليًا بزفر، اغمضت عينيها لـ فنية من الزمن بأرهاق قبل ان تفتحها من جديد
بيسان بقلة حيلة:-
_بقيت رسمي من ممتلكات سليمان.. صح؟
نظر لها لـ لحظة، تقابلت فيها عيناهم سويًا وحكت الكثير، ثم عاد ينظر الي طريقة دون رد.. لكن نظرات عيناه كانت قد اجابت بدلًا عنه وكانت الاجابة ‘ نعم.. صحيح، انتي بتِ ملكا لـي ‘
بعد ثلاثة عشر دقيقة تقريبا، توقفت السيارة في منتجع سكني فخم، كان فارغا قليلا من السكان، علي ما يبدو انه جديد، صف سيارته امام فيلا صغيرة فيه وهبط من السيارة اخيرًا، هبطت هي خلفه وسارت متابعة اياه، فتح باب الفيلا الخارجي ودخلوا، سلكوا الممر الفاصل بين حديقة صغيرة ومبني البيت، وصلوا الي الباب الداخلي اخيرا، فتحه ودخلوا، فتح انوار المنزل فوجدت ان الفيلا مجهزة باحدث الاجهزة والاثاث العصري، وبذوق خاص مميز..

استراح سليمان علي مقعد موجود بـ بهو الفيلا، بينما ظلت هي واقفة، اشار لها بأن تجلس و:-
_اقعدي، عايز اتكلم معاكي شوية
جلست اخيرًا و:-
_عايز تقول اية
تجاهل نبرتها الجامدة التي تحادثه بها وزفر نفسا طويلًا قبل أن يقول:-
_انتي هتروحي محلك كل يوم زي ما انتي عايزة، من الصبح لـ المغرب..
جائت لتعترض الا انه اوقفها باشارة من يديه:-
_اعتقد ان كدا مناسب اوي، زايد انك مش هتروحي الجمعة، كل جمعة هنقضيه سوا مع بعض
صاحت باندفاع:-
_انت قولك انك هتسيبني براحتي
سليمان بنبرة هادئة:-
_انا فعلا سايبك براحتك، بل انا كدا يعتبر بخالف قوانيني علشان اراضيكي
اطلقت زفرة متضايقة، توضح بها كامل ضيقها الذي تجاهله وهو يتابع:-
_متنسيش في اي خطوة انتي بتخطيها انك مراتي وان اي غلطة هتعمليها ليها مني رد فعل معتقدش هيعجبك، وافتكري ان مش معني زواجنا في السر ان فيه اي خلل، هو بس لفترة محددة.. وبعدها هيتزاع في كل مكان
بيسان وقد بدأ صبرها ينفذ:-
_انت كدا بأوامرك دي خالفت كل الشروط اللي انا حطيتها
اؤما بالنفي و:-
_انا بعرفك بس مجرد اساسيات انتي مفروض عرفاها يابيسان
_طيب انا عايزه انام

كانت تقصد.. غادر الأن أذا سمحت

نهض عن مكانه بالفعل مستعدًا لـ المغادرة، إلا انه قال قبل ان يغادر:-
_هسيبك علشان ترتاحي، بكرة هبعت خدامة ليكي، وعلي فكرة كلامنا لسة مخلصش

قال تلك العبارة ثم انصرف من المنزل، تاركًا اياها وحيدة فيه، تنظر لـه رغمًا عنها بأعجاب وأمان تعجبت لشعورها به بين تلك الحوائط التي يملكها هو..

امام المنزل..

هتف سليمان لزاهر الذي وصل تـوًا:-
_محدش يعرف بوجودها يازاهر وعلاقتي بيها كيف شكلها.. فاهم؟
اؤما بنعم فقد كان واحدًا من الشاهدان الذين شهدوا علي عقد الزواج.. تابع سليمان:-
_عينك متفارقش البيت لحظة.. ولو حصلت أي حاجة غريية بلغني فورًا
. . . * . . .
‘ فيـلا رشـدي ‘

دخل حسان لغرفة المكتب ليقع نظره علي واجد، أبتسم بسخرية وهو يطالعه بنظرات مُقّلة، توجه نحوه وسلم عليه سلامًا باردًا يشبه سلام واجد، ثم استراح علي مقعده

حسان:-
_تشرب اية ياواجد باشا..
قال لفظ ‘ باشا ‘ ببطء مستفز، بينما نفي واجد برأسه وتظاهر بأنه لم يلاحظ سخرية حسان، ثم اخرج من حقيبته مجلد ورقي
واجد:-
_انا مش جاي اشرب حاجة ياحسان باشا
نظر له بعينان متسائلتان، فمنحه واجد المجلد و:-
_ارض السخنة واللي الكل بيحارب علشان ياخدها، ومطلوب من كل واحد يقدم ورق بأفضل مشروع ممكن يتعمل عليها يحقق ارباح لـ الدولة قبل الشركة.. دا بقي أفضل مشروع أتعمل لدلوقتي
اخذه ليقرأه وثم نظر له هاتفا:-
_شركات سليمان جروب؟!
اؤما بنعم وهو يبتسم بخبث، قبل ان يتابع:-
_المجلد دا، سليمان ملحقش يعمل غيره، يعني انت دلوقتي الوحيد المالك لافضل مشروع، لو عدلته بالافضل.. او سلمته زي ما هو.. المشروع هيبقي ليك وبس
ضيق حسان عينيه واعتدل في جلسته، حيث اقترب برأسه من رأس واجد، تعلقت عيناه المتشككة في عينا واجد الملئية بالمكر و:-
_مش شايف انك بتقدملي فرصة ذهبية اكسر فيها ابن عمك وشركتكم؟!
واجد ببساطة:-
_ودا المطلوب..
حسان:-
_والمقابل؟
واجد ببسمة رائقة:-
_مش عايز اكتر من عشرة في المية من الارباح..
طالعة بزهول، يبيع مشروع بالملايين ك حد أدني كانت سـوف تُوضع في جيوبهم لـ يأخذ عشرة بالمئة فقط من عـدو؟!

لم يفكر كثيرا، بل اؤما بنعم و:-
_انت عارف ان دي مش طريقتي، بس الحقيقة العرض مُغري، فأنا موافق وليك كمان عشرين في المية مش بس عشرة

ابتسم واجد وهو يمـد يده ليضعها بيـد الاخر، التي تلاقها الاخر وهو يحاول جاهدًا لرسم بسمة علي شفتيه، بينما بداخله يـود ولو بصق عليه، لحظات وغادر واجد

فهتف حسان وهو ينظر لأثره بقرف:-
_سليمان توفيق دا عايش مع شياطين، لا يمكن الناس دي تكون بني آدمين، وتجمعهم مع سليمان علاقة قرابة ودم.. دول ذئاب جعانة بتاكل في بعض

قطع عليه حالة عصبيته تلك طرقات علي الباب ثم دخول ‘ نـدي ‘ زوجته، راحت جميع ملامح الغضب وظهرت مكانها ملامح هادئة.. ساكنة.. محبة، اقتربت منه وعلي وجهها ارتسمت بسمتها الرقيقة المعتادة التي لا تتخلي عنها
نـدي بتسأل:-
_مين كان هنا ياحبيبي؟
اجابها وعينيه مثبتة علي المجلد الورقي:-
_عـدو عـدوي
ظهرت علامات عدم الفهم علي قسمات وجهها، فنهض عن مكانه واقترب منها، حاوط كتفها وتوجه بها نحو الخارج وهو يقول:-
_سيبك من الشغل وقوليلي انتي حلوة زيادة انهاردة ولا انا شايف كدا؟
ضحكت بخجل وهي تضع وجهها في جوف كتفه لتخفي عينيها عنه، فما زادت حركتها سوي من اتساع شفتيه وهو يرمقها بحب، تلك الفتاة.. التي تعد زوجته حاليا، هي الوحيدة الجائرة الكبري التي نجح بها بتلك الحياة، كان يملك جائزة اخري لم تكن سوي صداقته بسليمان.. لكنها تحولت من صداقة الي عداوة، فـ بالتالي لم تعـد جائزة..
. . . * . . .
الساعة الان تصل الي الثامنة ليلا، حيث تجمعت شباب آل سليمان علي طاولة الطعام مع جدتهم وفقط، بينما منال وسلمي فقد تخلفا عنه بأوامر من الجدة، كانت نظرات كل شاب منهم معلقة علي طبقه، بداخل عابد مشاعر حائرة تتراوح بين تفكيره الشارد بجني والذي كاد يجعله يجن، فقد ظن بعد موت حبيبته الخائنة انه لن يفكر في غيرها او في الحب قط.. فقد جعلته يكره الحب إلا منذ ان رأي تلك وتبدل حالة..
وغارق في ما حدث صباحا بجوف المصنع وتحركه فيه والعمل به بـ همة وتركيز وكأنه خائف عليه وعلي مصلحة العائلة، سري بداخله احساس رائع وهو يري ازدهار اعمالهم بشكل ملحوظ، وآلاف من البشر تدعو له كلما مر من جوارهم، علي ظن منهم انه إحدي مالكي المصنع والخائف عليهم.. فما علمه أن سليمان يهتم بكل عامل بوجه خاص، يوفر لكل منهم بعض الأحتياجات ويعطيه حوافز ويمنحه عطلات مفاجئة، اشياء تزيد من حبهم لـ العمل بـلا شعور، وجد نفسه فخور بذلك الصرح العملاق، ومبهور بـ طريقة سليمان في الأدارة، علم حقا بداخل نفسه انهم اذا تحالفوا سيفعلوا ما لا يأتي علي بال أحدًا، لكن هل سيجتموا معًا في يومًا ما؟

كان يفكر واجد في شئ اخر، كان سعيد لأنه سيكسر سليمان في القريب العاجل بشيئًا ك اختفاء مجلد هام كذلك، هذا بالطبع غير الصدمة التي يجهزها له الأن، والتي ستفاجئه بلا شـك..

افكار سليمان كانت غير، كان غارق في تلك التي باتت زوجته منذ ساعات، هل حقا هو لا يحلم؟ حبيبته ملكًا له وزوجة له.. ربما هي متضايقة قليلا منه الأن لكن هذا بالنسبة له أمر سهل، سيتفرغ لها كثيرا وسيفعل المستحيل ليجعلها تسامحه، وقتها بلا شك سيحيا حياة سعيدة لا توازيها أُخري..

قاطعت سوزان احبال افكارهم تلك بحديثها:-
_مبسوطين وانتوا قاعدين كدا ساكتين، محدش فيكم هاين عليه يوجه كلمة لـ التاني؟!
لم يرد عليها احد.. فقط تعلقت عيونهم بها بصمت، بينما قالت هي بنبرة حادة:-
_حالكم دا مينفعش، مش كل يوم همسك مجلة انا والأقي اخبار آل سليمان منورة الصفحة الرئيسية، وكل يوم يكتبوا عن خناقة جديدة بينكم
هتف سليمان مقاطعًا أياها:-
_انا بعرف اسكتهم ياتيتا..
سوازن:-
_انا مش عايزاك تسكتهم، انا عيزاهم يكتبوا عن تحالفكم سوا، وحبكم لبعض، مش خناقاتكم
تدخل واجد بحدة:-
_احنا لا يمكن يجمعنا الحب
نظرت له بغضب و:-
_لية بقي؟ مش من دم واحد انتوا؟
واجد:-
_والله وصية جوزك هي سبب الكرة دا
نظرت له بغضب من حديثه الغير مهذب هذا، لم تستطيع ان تكتم غضبها منه ومن تصرفاته جميعها فراحت تصيح بـه:-
_طول عمري مش بستريحلك ياواجد علشان قلبك الاسود دا، طول عمرك قليل ذوق ومليان شر، عمرك ما كنت زي عابد اخوك حتي، اللي رغم كل اللي بيحاول يظهره من سواد لسة في جواه نبتة خير وضمير صاحي، انت غير كل احفادي، جواك أسود وانت زي الشيطان في تفلكيره، انت الوحيد اللي هتكون سبب دمارنا، شرك هو اللي هيوقعنا

ظنت.. انها بحديثها قد توثر فيه، لكن لا.. لم يجدي حديثها أي نفعا، بل زاد من سخطه وغضبه وهو يهتف:-
_طالاما انا مليان شر كدا، يبقي ادوني حقي الشرعي وطلعوني من بينكم للأبد بقي
نظر له سليمان لـ لحظات، قبل ان يهتف بصوت جاد:-
_مع اول وقعة لـ الشركة، واللي هتثبت عدم كفائتي هنفتح الوصية التانية، ان كانت بتنص علي توزيع الورث بالشرع انا هعطيك نصيبك، وان منصتش، انا هقدره وهعطيه ليك من فلوسي الخاص.. وبعدها عايزك تنسي آل سليمان وللأبد.. فاهم؟

_فاهم..

قالها بجمود، بينما بقيت سوزان تحرك عيونها بينهم بحسرة، جمعتهم لتقطع النبـذ الذي بينهم، فوجدتهم قرروا بأن ينفصلوا والي الأبد، لكن ربما هذا الحل الأفضل ياسوزان.. ربما حقا هو الأفضل..

الساعة الواحدة ليلا.. قبل ان يضع سليمان رأسه علي وسادته جاءت له رسالة محتواها كان عبارة عن ‘ عبارة ‘ فقط
‘ تم ياباشا ‘ جعلت بسمته الواثقة تتسع علي شفتيه ونام بعدها قرير العين..

بمكان اخر، ارتفعت ألسنة اللهب بذلك المكان وقد بدأ يتحول تدريجيا الي كوم من الرماد، ذلك المكان الذي كان يدعو بـ مخزن شركة ‘ وليد امجد السامري ‘ الجديدة بينما هو بالحقيقة ملك لـ ‘ واجد اسعد السليماني ‘.. المالك السري لشركة ‘ W . A . S ‘ التي يمسك فقط أدارتها الصورية ذلك المدعو بوليد..

السيد اسعد والد واجد له أسمين، سميح وهو المشهور به في العائلة وبين المعارف وأسعد المكتوب بشهادة الميلاد..
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

_الفصل الرابع عشر .

.. ! فائز ! ..

‘ ستفوح رائحة فوزي بكافة الأفق ‘
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ميزان العدل.. له كفتان كل منهم يجب أن تتعادل مع الاخري، وان لم تتعادل فعلي كل منهم ان ترتفع عن الأخري مرة، كفة واجد منذ بداية الحرب كانت هي الفائزة، ضرباته كانت متتالية نعم لم تؤثر كثيرا بسليمان لكنه كان علي الاقل يضرب! الان.. ضربة واحدة من سليمان أسقطت كفة واجد أرضًا ورفعت كفته الي سحاب السماء، بات الفائز هو الأن بضربة قاضية واحدة، فهو لم يفعل شيئا بسيطًا بل كسر ودمر ما كان يجهز له واجد منذ سنين تقريبًا وبدأ بتنفيذه منذ سنة بكل همة..

الساعة الثانية ليًلا.. حيث غرق الجميع بالنوم ومنهم سليمان النائم قرير العين، قطع صمت القصر رنين هاتف واجد بغرفته، لم تيقظه الرنة الاولي ولا حتي الثانية، لكن مع تعالي الثالثة تلملمت سلمي في نومها وحركت كتف واجد بنوم هامسة:-
_واجد تليفونك بيرن كتير، رد شوف فيه اية
همهم بضيق وهو يمد يده ليتناول الهاتف الذي علي الطاولة الصغيرة التي تجاور الفراش اغلق في وجه المتصل وعاود النوم، لكن المتصل لم يصمت بل راح يتابع الرنين بأصرار وتكرار دون ملل او كلل
هتفت سلمي بتزمر:-
_ما ترد بقي ياواجد
ضغط اخيرا علي زر الاجابة ووضعه علي اذنه، فجاءه الخبر الصادم:-
_الحقنا ياباشا.. المخزن بيولع ياواجد باشا
انتفض واجد عن فراشه بفزع وهو يصرخ بعدم اسيعاب:-
_اية؟!!؟!!؟
اعتدلت سلمي في جلستها وقد اصابها القلق.. سألته برهبة:-
_في اية ياواجد؟!
ترك الفراش وتوجه نحو خزانته فورًا وهو يرد بعيون تكاد تخرج منها دمعات القهر:-
_مصيبة ياسلمي.. مصيبة

لا يعلم واجد كيف أرتدي ثيابه وأستطاع أن يتحكم في رعشة يداه وجسده الذي كان ينتفض نفضًا بسبب ما سمعه لـ التو، لكن بالنهاية ها هو قد صار جاهزًا

أخذ هاتفه وتوجه لباب غرفته ليخرج، لكن أوقفه صوت سلمي المستفهم:-
_في اية ياواجد؟ مصيبة اية دي؟
نطق بلا تفسير:-
_المخزن ولع..

راح يقطع الممر الموصل بين الغرف ببعضها البعض، بخطوات شبة راكضة قبل ان يتوقف امام باب غرفة سليمان الذي انفتح بدوره وطل منه سليمان، الذي اسند يداه علي طرفي الباب واقفًا بالمنتصف بجسده الشامخ، نظر لواجد نظرات ذات معني وهو يقول:-
_خير ياواجد.. شكلك قلقان؟ في حاجة ولا اية؟
اندفع واجد نحوه ممسكا بياقة منامة الاخر الكحلية، خرجت الكلمات من بين شفتاه المضمومتان بقهر:-
_لو طلع ليك ايد في اللي حصل، انا مش هسيبك.. سامع؟
ابعد سليمان كفا واجد عنه، وربت علي كتفه ربتتين خفيفتين مليئتين بالسخرية و:-
_متتكلمش كلام انت مش قـده ياحبيبي

ثم دخل غرفته وأغلق الباب في وجه ذاك ذو الجسد المنتصب بسبب الغضب..

في طلال الساعات الاولي لـ الفجر، حيث سيطر علي السماء لون ازرق صافٍ غير متبلد بالغيوم عكس الايام الماضية، كان واجد يقف علي مقربة من مخزنه الذي تم أطفاء النار اخيرًا التي نشبت فيه، كان قد اصبح كتلة من الرماد.. اسود اللون من داخله وخارجه، لا شئ فيه بقي فيه الروح، يحتاج فقط ليرممه وتعويض ما به ضعف ما دفعه فيه من قبل، تنهد بـ هم تنهيدة حارة.. عالية
قاطعها وقاطع خلوته رشاد الذي انشم له وهو يسأل بأستفهام وعيون ضيقة مفكرة:-
_المخزن بتاع حضرتك فعلا ياواجد باشا؟
اؤما واجد بنعم.. بشرود، تعجب رشاد وزادت حيرته، فقال:-
_بس اللي عرفته ان دا مش تبع ممتلكات آل سليمان
نطق واجد بنبرة مفسرة.. واجمة:-
_بتاعي انا بس
اؤما بتفهم وقد استعد ليغادر إلا انه نطق قبل ان يغادر:-
_تقرير الطب الشرعي هيطلع علي الساعة عشرة ياباشا، بس قبل ما يطلع احب اقولك انه باين اوي انه بفعل فاعل
قطع سيره وخطواته صوت واجد الذي أنتبه اخيرًا لرشاد وقال بنبرة كارهه:-
_وعلشان انا كمان متأكد أن اللي حصل بفعل فاعل، أحب اقدم شكوي في سليمان توفيق
توسعت عينا رشاد و:-
_ميـن؟!

استراح سليمان في مقعده امام رشاد الذي طلب حضوره، ونفذ سليمان الأمر سريعا وكأنه كان يعلم بشأن ذلك الاستدعاء والطلب، تناول رشفة من القهوة المضبوطة التي اتت له فور وصله ونظر لرشاد هاتفا:-
_ياريت يارشاد باشا تدخل في الموضوع علطول، حضرتك اكيد مقدر أشغالي
اؤما بتفهم قبل ان يبدأ الحديث بتردد:-
_هو الحقيقة، اكيد حضرتك سمعت عن المخزن اللي اتحرق واالي مفروض انه ملك لـ وليد امجد السامري لكن هو في الخقيقة..
قاطعه سليمان بنبرة باردة:-
_ملك لواجد اسعد السليماني، وانا المتهم الاول.. صح؟
نظر له مشدوها قبل ان يؤمي بنعم، اعتدل سليمان في جلسته، فتلقائيا اعتدل رشاد الأخر، اردف سليمان بنبرة هادئة:-
_رشاد باشا انا رجل اعمال كل ثانية رصيدي في البنك بيزيد بالدولار، بتعامل مع الف شخص وشخص كلهم من جنسيات مختلفة، اسمي لازم يكون لامع علشان أحافظ عليهم وعلي تعاملاتهم، هل انا ممكن أضحي بأسمي واعمل شوشرة ليه بحركة فارغة زي دي؟ ولية اعمل كدا اصلا..! ما بالأساس لو واجد عمل فرع وضمه لـ شركات آل سليمان او معملش شغلي مش هينقص.. آل سليمان لما اسمها بيتضاف علي أي شغل بيزود قيمته مش العكس، حضرتك كمان عارف ان رجل الاعمال سمعته هي تاريخه.. انا مقدرش اضحي بسمعتي وتاريخي كله علشان لحظة تهور غبية

كان مبهورًا بحديث الاخر، المقنع بدرجة كبيرة الذي هو حقيقيا مئة بالمئة من وجه نظر الأخرين، لكنه بداخله كان يعلم ان سليمان هو الفاعل بحق، كما ايضا تأكد ان واجد هو الحارق لمصنع العائلة، لكن الفرق بينهم.. ان واجد يضرب بالخفي، لكن سليمان لا يخاف، يضرب بالعلن ويقول انا الفاعل لكن هل هناك دليل؟ هناك فرق بين رجلًا له من الدهاء ما تنحني له الرؤوس ورجلًا تعميه الكراهية عن التفكير والمنطق..

الأن.. بدأت الرؤية توضح له اخيرًا، أنها حرب داخلية تنشب بينهم.. بين أفراد عائلة آل سليملن ولا يريدوا أن يتدخل أحد، انها فقط مجرد قرصات ودن يبعثها كل منهم لـ الأخر..

وقف سليمان وأغلق زر جاكيت بذلته، مد يده ليسلم عليه قبل ان يقول مودعًا:-
_استأذن انا ياباشا، وطبعا مش هقولك لو في دليل ضدي فأتصل بيا وانا هجيلك بنفسي

اؤما بنعم وقد كان يعلم انه اذا انقلب قردًا لن يجد ما يثبت علي سليمان فعلته..
. . . * . . .
دخل لغرفة مكتب عليا التي من خلالها يدخل لمكتبه هو، هتف بينما يتوجه نحو باب مكتبه:-
_عليا.. ورايا
امسكت مفكرتها وقلم وتابعته بخطوات عاجلة، جلس علي مكتبه بأرهاق واغمض عينيه لـ اللحظة بآلم، قبل ان يعاود فتحها سريعا و:-
_اول حاجة اعمليلي فنجان قهوة، تاني حاجة اكتبلي في ورقة اي طلبات ممكن البيت يحتاجها وابعتيها لزاهر وقوليله يشتريها ويوديها لـ المدام… و
قاطعته بعيوم متوسعة.. مصدومة:-
_مدام مين؟
صمتت قبل ان تتابع بصراخ:-
_هو زاهر اتجوز؟
كان يظهر عليها من الصدمة ما جعله يعتدل في جلسته ويتنهد بضيق قبل أن يشرح:-
_مش زاهر.. انا
كانت حدقتي عينيها فقط متسعتين، الأن.. هما يكادا يخرجا من مكانها من الزهول، اشار لها بتحذير بأصبعه قبل ان يهتف بشرر:-
_مش عايز أقولك هيحصل اية لو الموضوع دا طلع بـرة الاوضة دي، محدش يعرف بالجواز غيرك انتي وزاهر لو حد عرفه هقـ،ـتلك انتي وهو
هددها به لأنه يعلم ما تكنه من مشاعر لذلك الرجل، اؤمات بأيجاب عدة مرات سريعا بوجل، بينما تابع هو:-
_في بضاعة في ‘ …… ‘ دي توديها لشركة ‘ ….. ‘
قالت باعتراض:-
_لا يافندم، بضاعتهم لسة هتخرج من المصنع كمان تلت ايام
قاطعها:-
_اعملي اللي بقولك عليه ياعليا، والبضاعة البديلة اللي هتخرج كمان تلت ايام هتروح لـ ‘ ….. ‘
قاطعته بزهول رادفة:-
_ازاي؟ دي بضاعتهم كانت هتخرج بعد اسبوعين!
تنهد بضيق منها، لكنه ايضًا لن يريح فضولها لـذا قال وهو يشير لها لتخرج:-
_نفذي اللي قولت عليه ياعليا من غير كلام لـو سمحتي

اؤمات بحسنا وخرجت علي مضت، فكانت تريد ان تتحدث معه عن الكثير ومن أهم ما تريد أن تعرفه من تلك التي تزوجها وكيف، وأين هي وو وو والأف الأسئلة التي راحت تدور في رأسها..

اعطته الورقة التي دون فيها أسماء المشتريات وقالت بينما تحاول أن تتلاشي النظر لعيناه:-
_الحاجات دي تشتريها وتوديها لبيت المدام يازاهر
اؤما بتفهم وقد أستعد ليغادر ببرود كمان المعتاد، قبل ان تقاطع ذهابه بصوتها:-
_زاهر..
نظر لها بمعني نعم، لكنها لم تجد ما تقوله فتنهدت بيأس وهي تنظر ارضًا، تحبه بل تهيم به، لكنه باردًا الي حد الجليد، كانت تظن أنه ربما بارد لتأثره ببرود سيده، لكن ها هو سيده يكسر البرود ويتزوج، ومازال هو كما هو بارد.. لا مبالي..
. . . * . . .
دخلت ليان وشيري الي محل العطور الخاص بـ بيسان وعلي شفتي كلا منهم بسمة جميلة، عندما رأوه مفتوحًا اليوم، فطوال الايام الفائتة كان مغلقًا لدرجة أثارت الريب في قلوبهم من أن يكون قد أصابها شيئا..

لمحتهم فتقدمت بيسان منهم بوجه مبتسم، نجحت في رسمه جيدا واخفت خلفه جميع مرارتها من تلك الحياة، سلمت علي ليان التي اقتربت وضمتها بشوق لا تعلم متي شعرت به، لكنها حقًا افتقدت بسمة بيسان الجميلة

ليان بشوق جارف:-
_وحشتيني اوي اوي، كنتي غايبة فين كدا وسايبة محلك؟
ظهر الحزن في عيونها، لكنها حاولت ان تخفيه وهي تجلي صوتها لتقول:-
_كنت تعبانة شوية بس الحمدلله بقيت أحسن، أنتي اخبارك اية؟
ونظرت لشيري متابعة:-
_وانتي ياشيري؟
هتفت شيري بسعادة:-
_انا تمام اوي
طالعتها بتعجب ونظرت لـ ليان بأستفهام من حالة البهجة المسيطرة علي الأخري.. التي قالت بدورها ضاحكة:-
_اصلها كانت واقعة في واحد مكنش حاسس بيها واخيرًا الايام دي عرفت تلفت انتباهه وتجننه فهتموت من الفرح

عندما جائت سيرة الحب.. غص حلقها فجأة وقد شعرت انها أوشكت علي البكاء، تتمني من داخل قلبها لو أنها تستطيع ان تقول لها ‘ لا تحبي ‘ لكن فلربما يكون حظ شيري أوفر من حظها، فلربما يكون الذي تحبه رجلًا ذو مبادئ ولا تكون لديه نفوذ.. يستطيع بها أن يكسر ويحطم أي شئ في طريق وصله إلي ما يريد..

لاحظت ليان شرودها والحزن الذي بدي عليها فقالت عارضة عليها:-
_رايحين انا وشيري نتغدي برة ونشم شوية هوا، تحبي تيجي معانا؟
تطلعت لهم بتردد وتفكير، فهي تريد حقًا أن تتحدث معهم لتتعرف عليهم أكثر فهي تشعر بالراحة معهم، كما أنها لا تريد أن تبقي وحيدة فـ تفكيرها لا يتركها بحالها وهي تكاد تجن منه، لذا.. نظرت لـ ساعة الهاتف وجدت أنها وصلت لـ الرابعة عصرًا أي ما زال علي المغرب الكثير ولم يحن وقت عودتها ل المنزل بعد.. حسنا، ستذهب معهم لـ التسكع قليلا ثم ستعود، لن يحدث شيئا..

نظرت لها واؤمات بموافقة.. وهي تبتسم بأشراق طري عليها فجأة لفكرة خروجها خارج سجن الافكار الذي لا يتركها في حالها منذ ما حدث لحتي الأن..

فُتح الباب ودخل أحدهم، فقال سليمان بضيق وهو يريح رأسه لـ الخلف بتعب:-
_يووه ياعليا مش قولتلك آجلي كل حاجة لوقت تاني وسيبني لوحدي شوية
جاءه صوت رجولي..:-
_بس انا مش عليا ياسليمان.. انا حسان صاحبك
فتح سليمان عيناه واعتدل في جلسته سريعا، ينظر لحسان الذي راح يقترب منه بنظرات متسألة عن سبب مجيئه، جلس حسان علي المقعد المقابل لمقعد سليمان، نظر له مطولًا قبل ان يقول ببسمة حانية:-
_تصدق وحشتني ياصاحبي
قال بصوت حاول ان يجعله صارم.. بارد:-
_عايز اية ياحسان.. باشا
حسان بسخرية.. مريرة، فـ الماثل امامه كان في يوما ما اخًا له، لا يتردد في ان يناديه بـ ‘ ياض ‘ او يلقنه بـ سَـب ما، والأن يعامله بكل رسمية! يالسخرية القدر
قدم حسان مجلد ورقي له وهو يقول موضحا سبب زيارته:-
_عايز أرجع اللي بينا ياسليمان، دا دليل علي خيانة ولاد عمك لـ المرة التاسعة، التمن مرات الأولين كنت ببعت الورق في ظرف من غير اسم بعد ما يسرقوه ويجيبوه ليا او يودوه لـ غيري وانا أتصرف وأجيبه، لكن المرة دي مختلفة.. المرة دي قولت لازم أدافع عن حقي في حياتك ياسليمان، انا اللي أستاهل تسيبهم علشاني مش هما، انا اللي أصيل ياسليمان وفاكر العشرة والعيش والملح اللي بينا مش هما..انا اللي كل ما يحاولوا يوقعوك كنت بساعدك تقوم من غير ما تعرف، وانت علشانهم سبتني علشان غلطة واحدة بس.. رغم أنكم سمحتهم علي ألف غلطة عملوها في حقك

نظر له سليمان بهدوء، هدوء طال الي بعض الوقت قبل أن يتنهد عاليًا ويقول بتعب وأفصاح:-
_انا أتجوزت أمبارح ياحسان، أتجوزت اللي خلتني قبل ما أفكر في اي حاجة ضدهم أفتكرها هي الاول، خايف لتروح مني ياحسان، لو راحت لا هسامح نفسي ولا هسامحهم طول عمري، لو فكروا يأذوها يمكن وقتها فعلا أنسي الدم وأخلص عليهم ولو فيها نهايتي، انا بحاول أبقي متماسك وأبين ليها أنها بسمجرد واحدة حبيتها واتجوزتها علشان تبقي ملكي.. بس انا مرعوب، انا حبيتها كل الحب اللي كنت كاتمة في قلبي، كل مشاعري دلوقتي وجهتها ليها وبس، كل الخوف والقلق اللي محسيتش بيه قبل كدا دلوقتي خايفه عليها هي، انا خايف ليأذوها ياحسان

قال اخر عبارة وقد أدمعت عيناه بقوة، لا يعلم حسان ماذا يفعل، ايفرح لان صديقه وجد الحب الحقيقي، أم يحزن علي حاله؟!
ترك كل أفكاره تلك جانبا، وتوجه نحوه، ربت علي كتفه بحنان اخوي.. صادق و:-
_متقلقش، ربنا هيعوضك عن كل حزنك.. بيها ان شاء الله وهيحفظها ليك
سليمان بتمني:-
_بتمني ياحسان.. بتمني
حسان ببعض المرح:-
_مين هي دي بقي اللي قدرت علي الراهب سليمان باشا ووقعته في حبها لـ الدرجة دي
أبتسم سليمان وشرد بعيدًا فيها، كأنه انتقل الي عالم أخر لا يوجد به إلا صورتها ببسمتها الجميلة، ونطق بصوت هائم:-
_بيسان..

توسعت عينا حسان بزهول وعدم تصديق، لقد تمني لسليمان ان يقع بعشق فتاة لا مثيل لها ولقد فعل، فـ بيسان تلك يكن لها في قلبه مساحة ليست بصغيرة، فمنذ ان تعرف عليها وعلي محل عطرها المميز بعطره المميز الذي بات لا يضع ألا من سواه وهي أصبحت واحدة من المهمين في حياته..

ربت علي كتف صديقه وقد خرج من شروده و:-
_المهم.. صافي يالبن؟!
_حليب ياقشطة ياسيدي

ونهض عن مقعده ليحتضنه بشوق اخوي، واخيرا عادت المياة لمجاريها، وعاد رابط الصداقة والاخوة بينهم من جديد..

الساعة الثامنة مساءا، بأحدي الكافيهات، وجدت بيسان زاهر يأتي فجأة ويقترب منها ويهمس لها بصوت خافت:-
_بيسان هانم.. سليمان باشا بيقول لحضرتك ‘ اتأخرتي ياحبيبتي ‘

نظرت لساعتها ثم انتفضت بفزع عن مقعدها، فات الوقت بدون شعور منها، نظرت لزاهر الذي كان يبدو علي ملامحه التوتر مما أكـد لها أن سليمان غاضب وهو تؤمي بنعم بارتعاش و:-
_قايمة حالا
ليان وقد لاحظت توترها:-
_في حاجة يابيسان؟ ومين دا تعرفيه؟
بيسان:-
_لا مفيش ياليان، بس لازم أمشي علشان اتأخرت
وأسرعت بالمغادرة دون أن تتحدث، تابعت ليان رحيلها بتعجب بينما قالت شيري وعينيها معلقة علي زاهر السائر خلف بيسان:-
_الراجل دا انا حاسة أن وشه مألوف عليا اوي، ياتري مين؟ وقالها أية خلاها أتفزعت كـدا؟
ليان بحيرة وهي تهز كتفيها بجهل:-
_معرفش..
شيري بأصرار، وقد تمكن منها الفضول كالعادة:-
_بس انا هعرف، ومش هسكت لحد ما أعرف كمان بيسان اختفت فين الكام يوم اللي فاتوا دول، أصل حكاية تعبها دي مدخلتش دماغي خالص
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

_الفصل الخامس عشر .

.. ! أعتراف ! ..

‘ إلي ما لا نهاية، إلي حتي الفناء، وحتي إختفاء البشر.. سأظل أحبك.. ‘
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فتحت باب المنزل ودخلت، فتفاجئت بسليمان جالس علي أول مقعد يقابل وجهها، كان يريح رأسه علي مقدمة المقعد، يغمض عينيه بأرهاق ظاهر جليًا عليه، من مظهره هذا شعرت وكأنه غافي في نوم عميق، فأقتربت منه قليلا وبقيت علي مقربة خطوتين منه، نظرت لملامحه بشرود متأملة أياه سليمان رجل وسيم لا يستطيع احدًا ان ينكر هذا، ملامحه جذاب.. منحوتة، عند التدقق في تفاصيله ستغرق فيها بلا شك، ما يزيد من وسامته ربما شخصيته التي تفرد نفسها دوما.. شخصية مسيطرة، حكيمة، قوية، رجل ثابت الخطوات مدرك لـ ألاعيب من حوله، يعرف كيف يتصرف ومتي، لا تشغله التفاهات ولا يحب ان يخسر امام احد..حتي هي، أصر ان يكسبها مهما كان الثمن..

فاقت علي صوته الذي خرج فجأة ومازال كما هو مغمض العينين:-
_اتأخرتي..
لم تكاد تستوعب الأمر حتي وجدته قد فتح عينيه ومـد يده نحوها، لفها حول خصرها وبحركة واحدة سحبها لتبقي جالسة علي قدميه، شهقت من ما حدث بتلك الثوانٍ القليلة لكنه لم يترك لها فرصة لـ الزهول، بل اقترب بوجهه نحوها واغرق وجهه في خصلات شعرها من الخلف، اخذ يستنشقها بقوة وحب، بينما هي ترتعش بين يديه من الخجل لهذا القرب الذي بينهم..

بوسط بحره الذي غرق فيه هذا، خرج صوته المتحجرش:-
_خرجتي من غير ما تقوليلي كمان..
توترت وهي ترد بينما تحاول ان تنزع نفسها من بين يديه:-
_انا..
ثبتها في احضانه اكثر و:-
_اشـش، متتحركيش، اياكٍ تفكري تسيبني وتمشي في يوم.. فاهمة؟
لم ترد، بينما مد هو يده ولفها مرة اخري حول خصرها، وبحركة سريعة قام بشد يده حولها بقوة حتي أنها شعرت وكأن المكان يضيق حولها الي حد الاختناق..
سليمان بنبرة لطيفة، عكس أفعاله تمامًا:-
_مش بحب حد مهما كان مين يكسر كلامي يابيسان، لان وقتها هيشوف مني أفعال مش متعود أوريها لحد بحبه
بيسان بعيون دامعة من الضغط الذي هي فيه:-
_كنت مضايقة وعايزة أتكلم مع حد، وانا متأخرتش اوي هما بس ساعتين
قاطعها بحدة:-
_انا قولت ستة تكوني في البيت
قالت بتألم:-
_مش هتتكرر
رد:-
_أتمني

خفف يده أخيرًا التي كانت تخنق خصرها، فتنهدت هي براحة إلي حد ما، أشار لها لـ تنهض فـ فعلت سريعا، نهض هو أيضًا ووقف في مواجهتها
_انا مضطر امشي دلوقتي، اقفلي ابواب الفيلا كويس وبكرة بعد صلاة الجمعة هاجي اخدك ونخرج نتمشي شوية
هتفت بضيق:-
_انا مش عايزة اقعد هنا، انا عايزة ارجع بيتي ياسليمان
لم يظهر لها ان قد سمعها، حيث تجاهلها وتوجه نحو باب المنزل ليخرج منه، ضربت علي الارض بغضب وهي تهتف بكلمات غير مفهومة بعصبية بالغة، كان يسمع حديثها هذا الغير مفهوم وهو يغادر فتبسم بمرح عليها..

كم يود ان يبقي أبد الدهر معها، لكن لا يستطيع ان يفعل ذلك، علي الأقل الأن..

تعامله الغاضب هذا سيحاول ان يشفع عنه بخروجه الغد، سيحاول ان يعوضها ويريها أنه سليمان القديم المحب لها، وأنه لم يتغير كما تشعر هي، وأنه لم يستخدم نفوذه إلا ليضمن ان تكون بين يديه ليس أكثر، سيحاول ان يفهمها أيضّا أنه أضطر ليخفيها عن الجميع ليحميها.. فقط ليحميها

علم جميع سكان القصر بأمر المخزن والشركة التي كان يملكها واجد، رمقته سوزان حينها بنظرة خيبة امل كبيرة إلا أنها لم تتحدث، عابد الذي كان يعلم بكل مخطوطاته وجد أن ما يفعلاه شئ ليس بالجيد، بالحقيقة هو يشعر بأن كل ما يحدث وحدث ليس بجيد.. هو الأن في مرحلة المواجهة مع نفسه حيث يقوم بمراجعة أفعاله وياليت يخرج من تلك المرحلة بنتيجة مرضية..

بالساعة الواحدة ظهرًا، هبط سليمان درجات القصر وهو يتغني بكلمات اغنية وعلي شفتيه قد أرتسمت بسمة سعادة، لمحتها سوزان الجالسة في بهو القصر فأبتسمت وهي تراه علي تلك الحالة التي ندر ما يظهر فيها، أقترب منها وقبل وجنتيها و:-
_صباح الخير علي أحلي تيتا في الدنيا
ضمت وجهه بين كفيها وهي تردف بحب:-
_صباح الخير علي عيونك ياحبيبي، مبسوط يعني.. في حب ولا أية؟
وعلي سيرة الحب جاءت بيسان أمام عينيه، فتحولت نظرات السعادة الي نظرات الهيام الكامل وهو يقول:-
_فيه عيون حلوة ياتيتا سرقت من عيوني انا النوم من وقت ما ظهرت في حياتي
أبتسمت لهذا الأعتراف الصريح بحب حفيدها لأحداهن، ربتت علي صدره خصوصا منطقة قلبه الذي كان يدق بعنف أثر ذكر صاحبه لمالكته، أردفت بنبرة خافتة:-
_ربنا يجعل قلب صاحبة العيون من نصيبك ياسليمان
قال بتمني جارف:-
_يارب.. ياتيتا.. يارب

أعتدل في جلسته وقال قبل أن يرحل:-
_هسيبك دلوقتي بقي علشان عندي مشوار مهم
. . . * . . .
بعد ساعات من الحيرة في اختيار الزي المناسب لـ الخروجة التي ستخرجها مع من يسمي زوجها، اخيرا وقع اختيارها علي بنطال من قماش الجينز رمادي اللون وكنزة صوفية باللون الوردي الباهت، تركت شعرها الطويل مفرودًا علي طول ظهرها فكان مظهرها بريئًا لـ الغاية وساحر رغم بساطة الهيئة، قبل ان تقول انتهيت.. قامت بوضع بعضًا من مرطب الشفاه علي شفتيها مما زاد من حمراهم الطبيعي، رمقت نفسها برضي تام ثم ارتدت حذاء رياضي رمادي به نقوش وردية علي السريع وخرجت من غرفتها، ومع خروجها كان الباب يُفتح ويدخل منه هو
تقابلت عيونهم سويًا فحدثت رجفة بدون شعور في قلب الأخري وكأنها تخبرها انتي تهويه فلا تكذبي

_يـلا؟

اقتربت منه وهي تقول:-
_يـلا

كادت تتعداه وتتجه إلي باب المنزل، لكن يده التي أمسكت بذراعيها أوقفتها، تطلعت له بأستفهام، فقال بنبرة متضايقة:-
_لمي شعرك وأمسحي اللي علي شفايفك دا
قالت بأعتراض ورفض:-
_بس انا بحب شعري مفرود
ظهر وكأن صبره قد بدأ ينفز، فضعظ علي ذراعيها الماثل بين يده وهو يقول من بين أسنانه المطبوقة:-
_وانا قولت لميه يابيسان ومن أنهاردة مفيش خروج وشعرك مفرود
حسنا.. لقد تحملت كثيرًا وهذا عكس طبيعتها الشرسة، نفضت يده الماسكة بيدها ورفعت لاصبعها لتضعه في وجهه ك حركة تحذير له
بيسان بنبرة صائحة بغضب:-
_انا قولت متدخلش في حياتي صح؟ ملكش دعوة بيها خالص ومش معني إني سكت يبقي تسوق فيها بقي، انا اعمل في شعري اللي عايزاه واحط علي شفايفي اللي عايزاه انت مش من حقك تقولي اعملي ومتعمليش..
سليمان بغضب مماثل:-
_لا من حقي يابيسان، الطلبات بتاعتك التافهة دي متهمنيش لأني مش هنفذها انتي مراتي ولازم تظهري بالشكل اللي يعجبني ويرضيني فاهمة.. يااما..
قالت بتحدي:-
_يااما اية؟ هتطلقني؟! ياريت
ضحك بغضب وهو يؤمي بلا..:-
_تـوء، مش هتطلق انسي كلمة طلاق دي وأحذفيها من قاموسك، بس همنعك تخرجي
بيسان:-
_متقدرش
اقترب منها خطوة، حتي أن أنفاسه لفحت بشرتها الناعمة و:-
_تحبي أمنعك ونشوف هقدر ولا لا؟!
نظرت له بدموع أوشكت علي السقوط لطريقته التي يستخدمها تلك لـ الضغط عليها، هو يحاول أن يثبت لها دوما أنه القوي، وأنه سيفعل فيها ما يريد وكما يريد ولن تستطيع الأعتراض، رمقته لـ لحظة بوجع قبل أن تتركه وتتجه لـ الداخل
حيث قامت بلم خصلات شعرها ومسح المرطب عن شفتيها، ثم عادت له وهي ترمقه بملامح جامدة..تنهد من ما حدث قبل أن يشير لها بأن تسبقه بالخروج

_تحبي نروح فين؟

قالها بعدما أستقلا السيارة، فقالت وهي تبعد عيناها عن مرمي بصره:-
_عايزة اروح كورنيش النيل.. ممكن؟
اؤما بنعم ببسمة وبدأ بقيادة السيارة حيث الوجه التي أختارتها حبيبته!

عندما يصل الأمر الي الغيرة والتملك، تذهب كل معلوماته عن الرقة ويبقي فقط وجه غاضب ك الذي كان يتلبسه منذ دقائق هذا، ما زال الرجل الحقيقي غيرته هي التي تميزه عن الأخرون، من يغار يثبت أنه رجل، من لا يغار.. أبتعدي عنه لانه لا يدري ما معنوي تلك الكلمة التي تُدعي بالرجولة..
. . . * . . .
بمكتب القصر، كان يجلس واجد علي مقعد فيه وبيده ورقة وقلم، كان متخبط الافكار، محبط الأمال، به من الغضب ما يكفي لـ ان يجعله يقتـ،ـل سليمان بدون تردد لـ لحظة، لـ المرة المئة يحاول ان يجد طريقة لـ يكسر سليمان نهائيا لكنه لا يجد، عمله لا غبار عليه، حتي انه علم أن حسان وسليمان عادت مياءهم لمجاريها أي ورق المشروع بات لا فائدة له، لا خسارة بعمله أبدًا، هو يتحكم به بيد من حديد، ضغط علي اسنانه بغل قبل ان يتذكر نص الوصية من جديد.. حيث ان سليمان عليه ان يكون المشرف علي أحوال المنزل والعائلة والمسئول عن ثباتها والتحكم فيها، اذن أذا كان لا يستطيع أن يضربه عن طريق الشركة فليثبت أنه غير جدير بأدارة امور العائلة، سينشب بذلك القصر حرائق لا نهاية لها حيث لا ماء ستعرف كيف تطفيها مهما بلغت محاولات ذلك المدعو بسليمان بأن يفعل ذلك ويطفيها، سينشب حربًا بذلك تلقصر عما قريب.. حربًا واحدة! لا بل حروبًا..

ابتسم عندما وصل تفكيره الي هذا الحد، وأتسعت بسمته عندما دخلت سلمي زوجته عليه ورمقته بضيق و:-
_واجد انت مش ملاحظ أنك بقيت دايما مشغول؟ وبتقعد لوحدك كتير وبتخرج كتير

لقد اعطته سلمي الحل، أعطته بداية فتيلة الاشتعال، سلمي السيدة الغيورة، التي لا تحب ان يلمس احدهم ما تملكه وما تحبه، ستكون مفتاح الفرج له بتلك المرة، لن يحدث شيئًا اذا بان في عيونها كونه خائن لها.. ستقيم فقط حربًا في القصر ونارًا لا يستطيع احد ان يطفيها وهذا هو المراد..

اظهر القلق وأغلق هاتفه فورًا بتوتر مصطنع و:-
_مفيش كنت بس بكلم حد علشان الشغل، هروح أنام علشان منمتش كويس امبارح بسبب اللي حصل

وغادر سريعا من المكتب تاركًا تلك التي أبتعلت الطعم ترمقه بعيون مفكرة مليئة بالشك..

علي كورنيش النيل..

حيث وقفت بيسان تنظر الي النهر بعيون متأملة بحب له، كانت من امتع لحظات حياتها ان تنظر الي جريان ماء النيل كما تفعل الان، نظرتها لتلك المياء الزرقاء تصيبها بأسترخاء لا تعلم سببًا له، كانت هي تراقب الماء وكان هو يراقبها هي، بحنان جلي.. بحب قوي، بعيون لامعة، بلحظة خاطفة التفتت لتنظر له فرأت عيناه تلك التي تنظر لها بحب، بدون شعور منها سرحت في عينيه، وغابت فيها كما فعل هو، غابت فيها لتبحث عن الدفئ الذي رأته معه في اول مقابلاتهم والذي تشعر أنه أختفي الأن، تبحث عن سليمان الذي أحبته وليس الذي ينضم إلي آل سليمان هذا، كان غارقة في النظر إليه حد الثمالة، إلا أنه قطع غرقانها هذا.. بصوته وهي ينظر لـ شيئًا ما خلفها:-
_انا دلوقتي شايف أحلي بنت في الدنيا
كادت تلتف لتراها لكنه أحكم يداه حولها واؤمي بالنفي و:-
_دقيقة..

بـ تلـك الدقيقة اشتعلت فيها النيران، نيران الغيرة التي أثبتت لها أنها ما زالت تحبه وأنها تكذب علي نفسها وهي تحاول ان تقنعها أنها باتت لا تحبه، فهي مغرمة به علي الرغم ما فعله، بل ما فعله يبعث فيها قليلا من الشعور بالسعادة.. لأنه فعل المستحيل ليجعلها ملكه.. مازالت هناك غصة لان الأمر حدث بالسر، لكنها لديها ثقة فيه وأنه بالفعل سيذيعه ذات يوم كما قال، حينما يذيعه ربما فعلًا تسامحه من كل قلبها وتعيش معه بحب..

قاطع افمكرها صوته:-
_تقدري تلفي وتشوفيها دلوقتي

قامت بلف عيونها التي عادت نيران الغيرة تنبعث فيها من جديد بعد ان تناستها وهي تفكر فيما حدث، فتفاجئت بأنعاكس ملامحها امامها، حيث كان هناك رجلا يسير وبيده لوح من المرآة خلفها منذ دقائق ولمحة سليمان، وعندما اقترب وباتت صورتها هي فقط التي تظهر في العاكس، سمح لها بالألتفات.. توسعت عيونها وهي تري أنعاكسها بالمرآة بينما قال هو بنبرة بها من الحب ما يجعل القلب يلين:-
_انتي احلي بنت شافتها عيوني يابيسان.. انا بحبك

لم تعرف بماذا ترد.. حقا لم تعرف، ظلت صامتة كثيرا حتي خرج صوتها معترفًا هو الأخر بدون شعور:-
_وانا كمان بحبك ياسليمان..
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

بقلم زينب سمير.

رواية بني سليمان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *