قطة في وادي الذئاب

الفصل الأول:

((حياتى من بعدك خواء ، حياتى من بعدك كالسمك بلا ماء ، حياتى من بعدك لم تعرف سوى العذاب ، ذهبت و ذهب معك كل جميل ، ذهبت و تركتنى اغرق ببحر الرثاء))

_ واه يا زينة! ، بتبكى ليه دلوك؟
قالها و هو ينحنى حتى صار مقابلا لها بسبب قصر قامتها ، بينما لم تجبه هى و إنما أخذت شهقاتها فى الازدياد و العبرات المنهمرة مغرقة صفحة وجهها الحنطية بشرته ، مسد على وجنتها و هو يمسح دموعها برقة قائلا بدفء:
_ ماتبكيش يا زينة ، و الله استحمل اى حاجة إلا بكاكى
نطقت من بين بكائها بتذمر طفولى:
_ يبجى ما تسافرش و تسيبنى يا فارس
رفرفت اهدابه للحظات و قد شعر بأن الدموع التى تذرفها هذه الطفلة بمثابة خناجر تمزق قلبه و تدميه دون رحمة ، و هى ابنة عمه الصغيرة التى كان متمسكا بها منذ يوم ولادتها ، حملها بين ذراعيه لتصبح ابنته بعد وفاق والدتها حتى اتفق الوالدان فيما بعد بتزويجهما ، و هو ما جعل سعادته تحلق فى الأفق بعد سماع هذا الخبر ، فسيكون لها دوما خير عون و منبع الحماية و الأمان ، و هى كذلك الأمر تشبثت به كطوق النجاة ، رأت العالم من فوق كتفيه فقط ، اتخذته كدعامة تواجه بها من حولها ببسالة اكتسبتها منه على الرغم من عمرها الذى لم يتجاوز الثامنة!!
و لكنه للمرة الأولى يشعر بعرقلة أمام إسكات بكائها كما فى السابق ، فتحدث بابتسامة مصطنعة تخفى ألمه لفراق طفلته:
_ لا ما هاسيبكش واصل يا زينة ، انى بس هسافر عشان اتعلم و راجعلك و مش هسيبك تانى واصل
_ و تسافر ليه بجى؟! ، ما تخليك اهنه
داعب جديلتها السمراء المنسدلة على كتفها بانسيابية و هو يقول شارحا بشكل مبسط نسبة إلى عقلها:
_ عشان طلعت شاطر ، راحت البلد اللى جنب مصر بعتت لى و جالت انى لازم أذاكر عنديهم ، أنجح هناك و أرجع لك علطول ، و بعدين لو ذاكرتى انتى كمان هاخدك و تكملى هناك
عادت تسأله بقلق:
_ و يا ترى هتنسانى و انت هناك؟
هز رأسه نافيا و هو يقول بتأكيد:
_ لا يا بت ، انساكى ازاى؟ ، هفضل دايما فاكرك و ما هنساكيش واصل ، و بعدين انى جايبلك مفاجأة
سرعان ما نسيت صوتها الباكى و هى تقول بلهفة:
_ مفاجأة اى؟
أخرج من الحقيبة البلاستيكية بحوزته صورة فوتوغرافية عرضها بكلتا يديه أمامها ثم يقول و هو يستشف ردة فعلها بحبور:
_ اى رأيك؟
اتسعت حدقتاها و تهللت أساريرها و هى تقول بسعادة:
_ الله! ، دى الصورة اللى اتصورتها انا و انت فى العيد!
اماء برأسه قائلا بحب:
_ إيوة ، النهاردة جبتها من المصوراتى
أمسكتها من بين يديه و قربتها إلى عينيها و هى تحدق بكل تفصيلة فيها و ابتسامة بريئة تزين ثغرها ، حتى أمسكها فارس من بين يديها ثم قسمها إلى شطرين مفرقا بين كليهما حتى صار بشطر منفصل عنها ، لتصرخ زينة قائلة بدهشة و صوت دامع:
_ ليه عملت اكده؟!
ربت على ساعدها مفسرا:
_ اهدى اهدى ، هفهمك ليه
ثم ناولها الشطر الذى يحمل صورته و احتفظ بالشطر الذى يحمل صورتها فى جيب قميصه ، و أكمل بجدية:
_ عايزك كل يوم ، تبصى على صورتى و تحكيلى كل اللى مزعلك ، و انى كمان هعمل اكده فى الغربة ، لحد ما اجى بالسلامة و اتجوزك و الصج صورتنا تانى
بطبيعتها الطفولية عادت ابتسامتها إلى شدقها مجددا بعدما كانت توشك على البكاء ، يا لبراءة الأطفال و مشاعرهم الناعمة التى لم تعرف للمكر دربا أو تشوبها شائبة التظاهر و الاصطناع ، بل كما يقال “ما فى القلب على اللسان”

أزاحت بأنملها الصغير عبرة خرجت من عينها و هى متسطحة على بطنها ترمق شطر صورته بألم بعدما توالت إليها ذكرى اليوم الأخير للقائهما قبل الفراق ، و الذى اتضح فيما بعد انه فراق لمدى الحياة ، لتصيبها لوعة الاشتياق الكاوية و تحرقها نيران الرثاء من الداخل ، بينما تكون الابنة المطيعة الصامدة من الخارج ، تحدثت من بين نحيبها الصامت قائلة بمرارة:
_ اتوحشتك جوى جوى يا فارس
_ زينة ، زينة ، يا زينة
نادت بالأخيرة بصوت أعلى قليلا لتجفل زينة ثم تضع شطر الصورة تحت وسادتها و تنهض ملتفتة إلى زوجة أخيها قائلة بفزع:
_ فى اى يا نجاة؟ ، هتجيبيلى جلطة يا شيخة!
اقتربت نجاة و أخذت تزيح الستائر الى الجوانب و تفتح النوافذ كى تعطى بعض الهواء النقى تأشيرة الدخول ، و هى تقول باستنكار:
_ انتى اللى فى اى؟! ، عمالة انادى عليكى من الصبح و انتى….
تلعثمت الكلمات بلسانها ما أن لحظت طرفا من ظهر الصورة الفوتوغرافية أسفل الوسادة ذات اللون الزهرى لتقترب و الشك وجد طريقه الى عقلها بينما يدب الخوف بأوصال زينة التى قالت بقلق:
_ اى فى اى؟
لم تجبها و إنما سحبت الصورة سريعا قبل ان تردعها يد زينة ، لتصك صدرها ما ان تتأكد بما يوجد بحوزة هذه الصورة و هى تقول بغضب مختلط بالتوجس:
_ واه يا منيلة على عينك! ، لسة معاكى الصورة؟! ، مش جلتى هتخلصى منها؟!
امسكتها زينة من بين أنامل نجاة ثم وضعتها بمكانها أسفل وسادتها مجددا و هى تقول بقلة حيلة:
_ مش جادرة يا نجاة ، صدجينى مش جادرة
أمسكت نجاة بساعدى زينة ثم جعلتها تجلس و جلست بجانبها ثم بدأت فى الحديث منتقية كلمات المعاتبة بعناية لئلا تنهار زينة كما فى السابق ، فقالت بحكمة:
_ يا حبيبتى افهمى ، الميت مالوش غير الدعا بالرحمة ، لكن اكده انتى بتعذبى نفسك ، و اخوكى ممكن يجطع خبرك لو لجى الصورة دى معاكى ، فكرى فينا مش ف نفسك يا زينة
عضت على شفتها السفلى بتعب مضنى لتقول بصوت دامع متحشرج:
_ فارس مات جدامكوا كلكوا ، لكن لسة عايش جوايا ، ماجدرش انساه و ماجدرش ارمى صورته كمان ، حتى بعد ما شفتوا الجثة و جلتوا انه مات ، الا انه لسة عايش ف جلبى ، انا بشوف صورته و هو بيشوف صورتى
همت ان تثنيها و لكن سبقتها زينة عندما امسكت كفها بين كلتا راحتيها و سلطت عيناها بخاصتيها قائلة برجاء:
_ ابوس يدك يا نجاة ، ماتجوليش لاخوى ان معايا صورة لفارس ، مش عايزة الحاجة الوحيدة اللى فضلت من ريحته تضيع منى
تنهدت نجاة لتجيبها بايماءة من رأسها و قد بدت على وجهها معالم الشفقة و الحسرة لأجل صغيرتها التى تذوقت العذاب باكرا و قلبها أصبح عجوزا فى سن السادسة عشر!
حاولت نجاة تغيير مجرى الحديث قائلة بابتسامة اغت,صب,تها:
_ يالا بجى غيرى هدومك و انزلى افطرى ، عشان اخوكى هيجيب نتيجتك النهاردة و ان شاء الله ناجحة
بادلتها الابتسامة المجاملة متمتمة:
_ ان شاء الله

بعد انقضاء ساعتين من الوقت ، كانت زينة تقف مع نجاة بالمطبخ تشاركان بطهو الطعام المسبك مع اللحم ، سكون تام يعم المكان لا يسمع منه سوى صوت غليان ما بالأوعية ، أخذت زينة تقطع البصل استعدادا لإلقائه فى الزيت و لكن يقطعها عن الاسترسال صوت أخيها _حسنى_ من نهاية الباحة مناديا باسمها بنبرة مرتفعة حتى تسمعها
_ زينة ، يا زينة
_ امسكى البصل يا نجاة ، شكل النتيجة جات
قالتها و هى تخرج من المطبخ بخطوات متحمسة حتى وصلت إلى مدخل منزلها الكبير حيث يقف أخوها الذى كانت تعلو ابتسامة الفخر شدقه ، اقتربت منه زينة حتى صارت أمامه مباشرة و قلبها بات يعمل كمضخات من قوة خفقاته المتسارعة ، أزاح قلقها بقوله بحب:
_ مبروك يا جلب اخوكى ، نجحتى ب 85% يا جمر
ارتمت بين احضانه ما ان وصلت إلى مسمعها كلماته المبشرة ، تقول بسعادة:
_ الله يبارك فيك ياخوى ، الحمد لله رفعت راسكم و جبت فوج ال80
ابعدها عنه و هو يمسك بساعديها بين راحتيه قائلا بابتسامة راضية:
_ لا و من غير اى درس خصوصى زى بنات اليومين دول ، جدعة يا زينة

منذ ألقيت هذه المفاجأة الغير متوقعة على مسمعه قبل ساعة أصبح فى حالة لا يمكن السيطرة عليها ، غضب عارم أصاب صدره حتى يكاد يحرق الأخضر و اليابس ، الدماء محتقنة فى وجهه ، يكز على أسنانه بغيظ منذ جاء و قد تيقن إفلاسه الأكيد بعدما أصبح فى معضلة اوقعه فيها والده المتوفى بنفسه ، قام بصب كمية أخرى من النبيذ الموضوع بزجاجة ذات ماركة عالمية فى كأسه ثم تجرعها فى شربة واحدة ، معتقدا انه يحصل على مزيد من الصبر مع كل كأس من المذهبة للعقل هذه و كأنه يود أن يغيب بعالم اللاوعي بعد تلقيه الصاعقة الكبرى ، و تذكره لكلمات والده التى كان يرددها دائما:
_ لازم تتجوز بنت صعيدية هوارية زيك يا أشرف ، أنت ما عشتش فى الصعيد بس لسة عرقنا الناشف ف دمك ، لازم تشارك حياتك مع حورية منهم ، و اوعى تفكر فى بنت من بنات القاهرة اللى بتتدلع معاهم فى الكباريهات و القرف ده
لم يأبه لكلماته التى كان يكررها على مسمعه يوما و إنما كان يضر,ب بها عرض الحائط دوما ، فهو ليس ممن يعتقد بهذه العادات البالية ، بل إنه كثيرا ما يتخذها محلا للسخرية! ، و بعد سلسلة من اللهو و الغرق بثراء والده و تبذير أمواله الطائلة بالسكر و الفجور يجد نفسه معرضا للإفلاس بلحظة واحدة حيث أتت وصية والده الراحل قبل شهرين بأنه لابد أن يتزوج صعيدية هوارية من بلدته _قنا_ بشرط ان لا يسبق لها الزواج قبلا ، عله يجد صلاح الحال مع هذه الشريكة الجديدة!

_ خلاص زينة مالهاش تعليم تانى
نطق بها قاسم _والد زينة_ بنبرة جافة تحمل الإصرار فى طياتها ، ثم قرب السيجارة من فمه ليجذب منها نفسا عميقا بينما يعقد حسنى بين حاجبيه فى دهشة و هو يقول بتساؤل:
_ ليه بس يابوى؟
أبعد السيجارة عن فمه ثم سعل مرتين بخفة قبل ان يتشدق بنبرة حازمة لا تخلو من الخوف:
_ ما ينفعش تتحرك برة البيت تانى و انت عارف الطار اللى بيننا و بين الشهاوى ، ربنا يعلم كنت خايف عليها ازاى
ثم تشدق باقتضاب:
_ و بعدين كفاية عليها لحد أكده ، خلاص بجى عندها ستاشر (16) سنة ، ده اللى ف سنها معاهم عيال دلوكت
هم بالرد و لكن طرقات الباب أوقفته ليلتفت كلاهما نحو الباب قبل ان يقول قاسم آمرا:
_ ادخل
لم يكن الطارق سوى نجاة التى دلفت و بيدها صينية بها بضعة أطباق من حلوى الأرز ، تقدمت حتى صارت مقابلة لقاسم ثم انحنت بجذعها العلوى قائلة بابتسامة منتشية:
_ كل الرز بلبن ده يا عمى ، حلاوة نجاح زينة
حدجها قاسم بنظرات حارقة ناهرة و هو يأخذ الطبق من الصينية دون كلام حيث ناب عنه فى الحديث حسنى الذى زمجر بحدة:
_ ماتجيبيش سيرة النجاح دى على لسانك تانى يا نجاة
التفتت نحو زوجها و علامات الدهشة جلية على وجهها ، ثم عادت تنظر إلى عمها لتجده ينظر إلى الفراغ واجما دون الإدلاء بتعليق ، لتعود ببصرها نحو حسنى قائلة بتعجب:
_ ليه يا حسنى؟
صرخ بها ناهرا:
_ بتكترى حديت ليه؟ ، جلنا ما تجيبيش سيرة يبجى ما تجيبيش سيرة ، ده اى الحريم الجمايس دى؟!
أغمضت عينيها بتعب و قد علقت غصة بحلقها بعد زجرها أمام الوجود كعادته التى يتلذذ بها ، و كأن مقياس الرجولة عنده يتحدد بمقدار رفع صوته أمام زوجه و نهرها كل دقيقة و كأنها لوحة يعرض بها مقدار حزمه و رجولته! ، التقطت شهيقا عميقا ثم تركت الصينية على المنضدة و استدارت لتذهب بينما اوقفها صوت قاسم الذى قال موجها حديثه إلى حسنى مستنكرا:
_ و انت مش راضى تجولها ليه؟ ، أمال مين اللى هيفهم زينة غيرها؟
قطبت حاجبيها بدهشة ، لتتناسى دموعها المكبلة بمحجريها و هى تستدير قائلة بتساؤل تملؤه الريبة:
_ افهم زينة إيه؟!

_ لااااااا
أطلقت حروفها مع صرخة قوية نابعة من أعماقها و هى تجهش بالبكاء مرتمية بين ذراعى نجاة التى تشد من احتضانها تؤاذرها فى محنتها ، حيث تم تدمير حلم الصغيرة قبل البدء بأولى خطواته ، و قد كان هو آخر ما تبقى من أشلاء أحلامها المحطمة بعد انتقال معشوقها إلى الرحمن ، كان تعليمها هو آخر أمل بقى لها فى هذه الحياة الرتيبة ، و قام والدها باحراقه أمام عينيها غير آبه انه يتخذ من روحها وقودا لإحراقه! ، و كأنها كلما لمحت بصيصا من نار ينور دربها وجدت سريعا من يطفئه!
مسدت نجاة على خصلات زينة بحنان و هى تقول بمواساة:
_ معلهش يا زينة ، ماجاتش عالتعليم ، اكده ولا اكده كنتى هتسيبيه
نطقت زينة من بين شهقاتها و أنفاسها اللاهثة بحسرة:
_ كنت خلصت الثانوية عالأجل! ، ليه جطعنى منها اكده؟
ابعدتها نجاة عنها ثم احتضنت وجهها بين راحتيها المرتعشتين قائلة:
_ يا حبيبتى الواحدة مننا مالهاش غير بيتها و جوزها ، و انتى خلاص آن الأوان عشان تلاجى ابن الحلال اللى يصونك
انفجرت تصرخ بسخط:
_ اوووووه مش عايزة اتجوز ولا عايزة حاجة من الدنيا دى واصل ، كل اللى كنت بعمله انى اذاكر زى ما فارس وصانى عشان ياخدنى معاه فى البلد اللى راحها و اذاكر هناك زييه ، و لما فارس مات جلت اذاكر و اسمع الكلام يمكن احجج اللى كان نفسه فيه ، بس لأ لأ عمرى ماتمنيت حاجة و حصلت أبدا ، ليه كدة بس؟!
قبضت نجاة على ساعد زينة و هى تقول ناهرة بحزن:
_ بس يا زينة حرام تجولى اكده ، ابوكى خايف عليكى من الطار يا بتى ، ممكن يجصدوكى ف مرة و يجتلوكى ولا يعملوا فيكى حاجة عفشة لقدر الله
_ الطار خلص من سنين…
قاطعتها تقول بحزم:
_ بس بدأوا يتعركوا تانى بسبب فدادين الأراضى يا زينة ، ده سلسال دم ما كفاهوش شباب زى الورد راحو فيه بلاش ، و اللى وجف الطار طلعوه برة البلد ، اسمعى الكلام يا بت مشارى ، انتى وحيدة ابوكى الصغيرة لو جرالك حاجة ممكن يموت فيها

_ وضع كوب الشاى على حافة المنضدة أمامه ثم التفت إلى والده متسائلا بقلق:
_ طب و هنعملوا اى و عيلة الشهاوى بدؤوا النكش من تانى يابوى؟
أطلق قاسم تنهيدة طويلة و هو بالفعل يجهل الحل لهذه المشكلة التى تحتاج إشعال الفتيل فقط حتى تعتلى إراقة الدماء المنصة مجددا ، و لكن ما يشغل عقله و تفكيره أكثر هى زينة ، ابنته الصغيرة التى تركتها والدتها أمانة بيده ، عليه ان يجد أسرع طريق لانتزاعها من هذه الشباك القذرة قبل ان تختطفها من بين يديه ، وقف قاسم عن الأريكة الخشبية مستندا على عصاه الجامدة و هو يقول بعزم:
_ زينة لو فضلت اهنه هيستجصدوها حتى لو جوزتها ، هيعرفوا يستغلوها عشان يكسروا شوكتى ، لازم تبعد عن المكان ده واصل

 

 

الفصل الثانى:

أخذت ترفع الأطباق عن المائدة القصيرة المستديرة بعد أن انتهوا من تناول فطورهم ، تنقل الأطباق مثنى مثنى إلى المطبخ ، ما ان همت لتأخذ الطبق الذى يوجد برأس المائدة استوقفتها يد قاسم الممسكة بيدها ، حيث يجذبها بخفة لتعتدل بجذعها العلوى و تقف و هى ترفع رأسها و هى تنظر إليه حيث يكبرها فى القامة بالطبع ، و علامات الاستفهام بادية على ملامحها ، بينما يمسد على وجنة ابنته قائلا بحنو:
_ لساكى زعلانة من اللى حصل امبارح يا زينة؟
أغمضت عينيها بتعب بعدما لاحت إلى عقلها ذكرى قرار أمس الحاسم ، لتزفر بهدوء ثم تلتفت إلى والدها قائلة بابتسامة خافتة _او بالأحرى مجاملة_:
_ ماجدرش ازعل من حاجة انت جلتها ف مصلحتى يابوى
اماء برأسه قائلا بتأييد:
_ هى فعلا ف مصلحتك يا بتى ، هتفهمى بعدين
اومات برأسها فى هدوء ليمسك برأسها ثم يلثم مقدمة جبهتها بقبلة حانية ، بينما تقف نجاة عند باب المطبخ تتابع هذا الموقف العاطفى و هى تكبح عبراتها بصعوبة عن الخروج ، و قد استشعرت الحنان الجارف بين الوالد و ابنته ، هذا الحنان الذى كانت تنعم به فى كنف المرحوم والدها الذى لم ينقصها شربة من كأسه ، حتى باغته شبح الموت متخذا من الثأر وسيلة لاختطافه ليزج بها فى سجن حسنى الذى يذيقها من العذاب ألوانا و كأنه يستمتع بهذه اللحظات التى يستمع فيها الى نواحها الصامت ، يكبلها بأصفاد المهانة دوما حتى باتت عنده عادة ، و ما زاد الطين بلة هو انها لم تنجب منذ تزوجها قبل سنوات ، فكأنه وجد وعاء جديدا يصب فيه سبابه اللاذع من لسانه السليط على الرغم من كونه لم يعرضها على طبيب من الأساس و إنما اتخذها كأرض بور لا تنبت صالح او طالح
تشعر بأن قلبها ينزف دما و هى ترى جرعات الحنان التى يغدق بها الأب على ابنته أمامها ، تقول فى نفسها بمرارة:
_ لما الأب اكده ، أمال الواد مش واخد منه لييه؟ و لا هما بيتعاملوا اكده مع بناتهم بس؟! ، ربنا يرحمك يابوى ، مت و سيبتنى مع راجل ما يعرفش لا رحمة ولا شفجة!!

_ أشرف ، أشرف ، يا أشرف
أخذت تضر,به على وجهه بخفة بينما تنادى باسمه و هى ترفع مستوى نبرتها فى كل مرة عن سابقتها كى تصل إلى أذنه و يعود إلى مرحلة الوعى مجددا ، و لكنه على ما يبدو قد أغشى عليه تماما بعد كم الخمور الذى تناوله أمس ، و بعد عدد غير قليل من المحاولات بدأ يبعد جفنيه عن بعضهما بانزعاج و قد تنبهت حواسه أخيرا الى إشعارات زلزلت خلاياه العصبية ، أخذ ينفض جسده عن لمساتها قائلا بانزعاج:
_ سيبينى بقى يا هيدى
_ اسيبك ازاى بس؟
قالتها باستنكار ، ثم وقفت عن الأريكة و اتجهت الى إبريق الماء الموضوع على المائدة الكبيرة حيث تأخذه ثم تأتى به إليه لتسكبه كاملا على جسده ، هب واقفا و هو يحرك يديه فى الهواء بعشوائية و كأنه يطلب النجاة من الغرق ، مع صدر يعلو و يهبط باضطراب ، مسح على وجهه بسرعة ليفتح عينيه و قد وضحت الرؤية قليلا ، نظر نحو هيدى التى تستند على ظهر الكرسى بغضب ثم اقترب منها مزمجرا بحدة:
_ اى يا هيدى اللى عملتيه ده؟ ، كنتى هتموتينى
اعتدلت فى وقفتها و هى تقول بتبرم:
_ أمال عايزنى اعمل اى يعنى؟ ، مش راضى تصحى خالص قلقتنى عليك
ثم أشارت بسبابتها نحو كم الزجاجات الفارغة الموضوع على المنضدة و الأرض قائلة بدهشة:
_ و بعدين اى كل الشامبانيا اللى شربتها دى؟ ، أنت مجنون؟؟
ضم قبضته بقوة حتى ابيضت مفاصله ليصفع بها المزهرية التى لا حول لها و لا قوة لتقع أرضا متهشمة ، شهقت هيدى بفزع بينما صرخ أشرف يقول بألم:
_ اعمل اى يعنى؟ ، أبويا حط سكينة حادة على رقبتى بتدبحنى بالبطئ ، لازم اتجوز واحدة من الصعيد عشان اعرف اخد ميراثى و انا بحبك انتى يا هيدى ، ماقدرش ابعد عنك
ثم استرسل يقول بمرارة:
_ انا بموت ، بمووووت ، ليه بابا عمل فيا كدة؟!
احتوته بين أحضانها فى حنان و قد ركزت حدقتاها الحادتان الملتمعتان بفكرة خبيثة فى اتجاه واحد تهدئه قائلة بثبات:
_ ما تقلقش يا أشرف ، كل حاجة ليها حل ، كل حاجة ليها حل

بينما كانت نجاة تضع ارغفة الخبز النيئة داخل الموقد باغتتها زينة بسؤالها قائلة:
_ اى حكاية الطار اللى بيننا و بين عيلة الشهاوى دى يا نجاة؟
رفعت نجاة أحد حاجبيها متعحبة و هى تقول:
_ عايزة تعرفى ليه؟
تحدثت زينة بمشاغبة:
_ و ماعرفش ليه؟ ، بعدين ابوى علطول خايف عليا منهم ، يبجى أكيد فى حاجة كبيرة
أنهت نجاة رص الارغفة فى صفوف منتظمة باحترافية اكتسبتها من التعود ، لتقف عن الكرسى القصير المقابل للموقد ثم تذهب نحو زينة و هى تزفر بضيق قائلة:
_ دى كانت عيطة كبيرة جوى بيننا من زمان ، سببها أرض لينا و أرض ليهم لاصجين ف بعض ، جه واحد منهم خدها حلوانة ف سلوانة و حرت ف كام جيراط من أرضنا و ده خلى ولد عم ابوى _ربنا يرحمه_ يتخانج معاه و وصلت لدمه ، و بدأت حكاية الطار واحد منهم و واحد مننا
ثم نطقت بصوت مختنق و قد اغرورقت عبراتها:
_ لحد ما راح فيها ابوى كمان
ربتت زينة على ساعدها مؤاذرة لها و معالم الشفقة باتت بادية على وجهها بينما أطلقت نجاة تنهيدة طويلة قبل أن تكمل بشفقة:
_ لحد ما جه الدور على واحد منهم و جال يوجف الطار راح سلم كفنه و دبح عليه عجل كبير ، و وجف الدم وجتها من ييجى تمن (8) سنين ، لكن أهله ما سابوهوش و اتهموه انه جبان و ناجص رجولة خاف من الموت جام سلم كفنه و مرغ راسهم فى الطين ، و مرته ام عياله الصغار طلبت الطلاج و خدت حضانة العيال ، و اتطرد من البلد خالص و من ساعتها ماحدش يعرفله طريج ، بعد اكده عيلة الشهاوى أعلنت انه انتحر
_ و ليه ما يكونش هما اللى جتلوه بنفسهم؟
سألتها باستنكار ، لتكمل نجاة و هى ترفع منكبيها إلى الأعلى إشارة الى عدم الفهم:
_ و الله ممكن ، سهل جوى عنديهم يجضوا على شاب زى الورد و مرته تنساه بالجفا ده! ، يالا الله يرحمها
قالت الأخيرة بلامبالاة لتعود زينة فى سؤالها قائلة بدهشة:
_ واه! ، ماتت؟!
اومات نجاة برأسها إيجابا و هى تقول:
_ إيوة ، من سنتين جالها اللهم احفظنا سرطان نهش جتتها و ماتت و عيالها فضلوا مع جدهم _حلمى الشهاوى_
ثم تحركت نحو ألموقد و هى تهمس بحزن:
_ يمكن ده كان حج الراجل اللى مات بسببها بعد ما كان مخليها مش ناجصة حاجة
_ انتى تعرفيه؟
جلست على الكرسى القصير ثم هزت رأسها نفيا و هى تقول:
_ لا ماعرفهوش بس سمعت انه كان زين جوى ، ف حنيته مافيش اتنين
_ كان اسمه ايه؟
فركت نجاة رأسها محاولة البحث عن الإجابة فى الذاكرة:
_ اسمه… ، اسمه…
ثم لوحت بسبابتها سريعا و قد وجدت ضالتها هاتفة:
_ إيوة ، إيوة ، سليم الشهاوى

_ ازيك يا أشرف يا ولدى عامل اى؟
اجفل ما ان سمع هذا الصوت الذكورى التابع لطرقة خفيفة على باب المكتب ، ليقف عن جلسته قائلا بترحاب:
_ اهلا يا عم ناصر ، اتفضل
اقترب بخطوات ثابتة اكتسبت رزانتها من التقدم فى العمر ، حيث تبادل السلام مع أشرف بالأيدي ثم جلس و هو يقول بحزن مختلط بالألم:
_ البجية لله يا ولدى ، و الله لحد دلوك ما جادر اصدج ان فهمى مات
أجابه أشرف باقتضاب:
_ ربما يرحمه و يجعل جزاؤه الجنة يا رب
ثم أردف يقول بهدوء لا يخلو من اللهفة:
_ ها جبت الدليل؟
أخرج من جيب حلته الكحلية دفترا اسود اللون يستخدمه ناصر كدليل للهاتف ، أخذ يقلب بين طيات صفحاته و هو يقول:
_ ايوة و معايا فيه أرقام كل اصحاب المرحوم
_ و تعرف بناتهم بقى
حدجه ناصر بنظرة ريبة ليسرع أشرف فى الإيضاح قائلا:
_ اصلى بدور على عروسة و قلت اخد بنصيحة ابويا و اتجوز حلوة هوارية من بلدنا
سرعان ما انفرجت اساريره و قد اطمأنت دقات قلبه قليلا و هو يقول بحبور:
_ خير ما فعلت يا ولدى ، عموما معاى أرقام ناس كتير ، فى محمد الراوى راجل ملو هدومه معاه تلات بنات اتنين متجوزين و واحدة مطلجة ، لسة صغيرة بالعمر
لوى أشرف فمه استهزاء و هو يهمهم فى نفسه بسخرية:
_ شكلك هتطول على ما تجيب اللى انا عايزه
_ عتقول حاجة؟!
أفاق سريعا و هو يقول نافيا ببراءة:
_ لا لا ، بس يا عمى انت عارف ان لسة ماتجوزتش قبل كدة ، ياريت تشوف لى واحدة تانى
أماء ناصر برأسه قائلا:
_ معاك حج ، ثوانى اشوف لك واحد تانى
أخذ يقلب الصفحات تحت مرأى أشرف الذى تملكه الفضول و القلق فى آن واحد ، حيث يخاف ان تكون المختارة غير جميلة _كما هى فكرته عن الفتيات هناك_ ، خرج من شروده ما ان سمع صوت ناصر المرتفعة نبرته و هو يقول:
_ أيوة لجيتها اهه

حل المساء و انتهى أفراد منزل مشارى من تناول العشاء ، حيث فرغت نجاة و ابنتها المتبناة _زينة_ من غسل الأطباق و ترتيب الامور قبل ان تدلف زينة ثم تبدأ بحل خصلاتها عن بعضهن كى تسرى المشط عليهن لتسريحهن ، طرقت نجاة الباب المفتوح طرقة خفيفة و هى تقول:
_ عايزة حاجة يا زينة
اجابتها زينة دون أن تلتفت إليها بنبرة عادية:
_ لا شكرا يا نجاة
قبل ان تخرج نجاة انتبهت الى طريقة الجدائل التى تصنعها زينة ، لتتجاوز الباب متسائلة بتعجب:
_ مش ناوية تغيرى الضفاير دى بجى يا زينة؟ ، كبرتى و الله عليها!
حركت رأسها الى الجهتين نفيا و هى تقول بإصرار:
_ لا ، هعملها علطول ، كان فارس الله يرحمه بيحبهم جوى
ثم تمتمت فى نفسها بحسرة:
_ لو كان لسة عايش ، كان زمانه اتفرج على ضفايرى بعد ما طولوا دلوكت و عجبوه أكتر
تنهدت نجاة بخفوت لتقترب من زينة ثم تربت على منكبها ، و قبل لن تنبس ببنت شفة قاطعها صوت مناداة حسنى المرتفع مناديا بشكل أقرب إلى الهدر:
_ نجاة ، يا نجاااة
انتفضت فى وقفتها لتبتعد عن زينة سريعا و قد وجدت انه الوقت غير المناسب لمواساتها ، قالت قبل ان تتخطى الباب:
_ تصبحى على خير يا زينة
ثم خرجت مسرعة لتترك زينة التى وجدت طريقها إلى البكاء على الأطلال من جديد ، فكان الحبيب قديما يبكى أمام منزل حبيبته المهجور ، يواسي نفسه بالحديث مع هذا المنزل ، بعدما هجرتهما معا ، و هو ما يسمى ببكاء الأطلال ، كذلك الامر بالنسبة لزينة ، و لكن بدلا من النحيب امام منزل فارس ، فهى تتحدث دوما مع قلبها الخاوى ، و قد أصبح كلاهما يشكى إلى الآخر حجم بلائه بعد ذهاب فقيدهما العزيز

اقتربت منه بخطوات خليعة مترنحة و هى تحمل كأسين من النبيذ و ابتسامة انتصار تعلو شدقها قائلة بإعجاب:
_ برافو عليك يا حبيبى ، كدة خلاص فاضل على الفلوس تكة
أمسك الكأس من بين اناملها قائلا بتعب:
_ اه و الله ، تعبت اوى مع ناصر ده لحد ما جبت رقم الراجل
_ إلا هو اسم البنت اى صحيح؟
قالتها مستفهمة ليجيب بعدم اكتراث:
_ و الله مش فاكر ، اسم غريب بيبدأ بالزين تقريبا
تجرع كأسه بشربة واحدة ، ثم أعطاها إياه لتهم بالابتعاد و لكنه تشبث بخصرها قائلا:
_ تعالى بقى ، عشان هتوحشينى الفترة اللى هاخدها هناك
تركت الكأسين على المنضدة ثم استسلمت لجذبه حتى أجلسها على رجليه ، اراحت ظهرها على صدره بينما يقول هو بافتتان:
_ بحبك يا هيدى
رنات جرس متتالية يطلقها صاحبها باندفاع غاضب أوقفت لحظتهما الحميمية لتقف هيدى سريعا ثم تلتفت إلى أشرف الذى ينظر نحو الباب مندهشا ثم تقول بتساؤل:
_ إنت مستنى حد؟!
_ خالص
قالها بعدم فهم حتى فتحت الخادمة الباب لتجد يافعة عشرينية تقف متجهمة الوجه غاضبة ، لتسأل:
_ انتى مين؟
اجابتها بدفع الباب بقوة ارتدت على أثرها الخادمة الى الوراء ، ثم أخذت تتقدم نحو الصالون بخطوات مسرعة أقرب الى العدو بينما تهرع خلفها الخادمة منادية:
_ يا هانم استنى
لم تجبها و إنما أسرعت حتى وصلت إلى حيث يجلس أشرف و هيدى اللذان رمقاها بنظرات ساخطة ، بادرت هيدى بسؤالها بغضب:
_ إنتى بتعملى اى هنا؟
أجابت سؤالها بنظرة ازدراء قبل ان تنظر إلى أشرف قائلة بتساؤل:
_ الكلام اللى حصل مع اونكل ناصر ده صحيح يا أشرف؟ ، أنت ناوى تتجوز بنت صعيدية؟
_ و انتى مالك انتى؟
كان هذا صوت هيدى المتبرمة معالمها ، لتنظر نحوها الفتاة مزمجرة بحدة:
_ كلمة كمان ، و هتسمعى رد ما يعجبكيش ، ده حوار بينى و بين أخويا ، مالك بيه؟
وقف أشرف ثم قال بتهكم:
_ لا هتتكلم براحتها ، و اللى مالهاش حق تتدخل فى الموضوع ده انتى
مطت شفتيها مستهجنة و هى تزجره بانفعال:
_ طبعا عادى عندك تنصر واحدة _استغفر الله العظيم_ على أختك اللى عايزة تعقلك
تحدث مستهجنا بصرامة:
_ يا سلاااام! ، و أختى دى اللى ما بتفتكرنيش من السنة للسنة ، عايزة تعقلنى دلوقتى؟! ، العبى غيرها ، انتى اصلا من الأم بس ، يعنى ما تعتبريش نفسك أختى أصلا
تجاهلت كلماته اللاذعة بقولها بجدية:
_ بلاش تعمل حاجة فى البنت المسكينة دى يا أشرف ، أرجوك خليك كريم معاها ، دى بنت ناس و متربية
عادت هيدى تهتف بقتامة:
_ مالكيش دعوة يا ماما إنتى باللى هيحصل معاها ، كانت اختك؟!
حدجتها بنظرات نارية قبل ان تصيح بشراسة:
_ والله كنت عايزة اقول انها واحدة زيك ، لكن انتى للأسف مش واحدة ، انتى حثالة المجتمع يا دبانة بتلف على كل زبالة شوية
لم تحرك ساكنا و إنما اعتلت ابتسامة خبيثة إلى ثغرها حيث وصلت إلى مبتغاها و هو أن يسرع أشرف إلى أخته قابضا على ساعدها بقوة آلمتها ثم يجرها نحو الباب كالبهيمة بينما تصرخ و هى تثنيه قائلة:
_ يا أشرف ماتعملش كدة أرجوك ، يا أشرف أنا عايزة مصلحتك ، ترضى حد يعمل ف أختك كدة؟!
و كأنه بات أصما بالكامل ، لم يحرك صوتها به ساكنا ليلقيها خارج البوابة لتقع أرضا فتتأوه و قد اصطدمت مفاصلها بألم بينما يقول أشرف من بين أسنانه ناهرا:
_ آه أرضاها ، و ياريت تنسى أن ليكى أخ بالشغل الرخيص اللى انتى فيه ده لأنك مش هتطولى منى لا حق ولا باطل
ثم أغلق الباب بعنف تاركا إياها تكفكف دموعها بألم بعد نهره لها كالعادة و نصر هذه العاهرة عليها ، أخذت تهمس بالدعاء إلى الله كى ينجى هذه الفتاة من مكر هذا الفاسد الضال

أخذ قاسم يرتشف من كوب الشاى الخاص به و برأسه سيل من الأفكار المسترسلة و المشكلات المتناهية التى لم يجد لها حلا حتى الآن! ، إلى أن انقطع خط أفكاره بواسطة رنة منبعثة من هاتفه ذا الأزرار ، ليخرجه من جيب جلبابه ثظ يطالع الرقم فيه فيجده رقما غريبا غير محفوظ بجهازه ، لذا ضغط على زر الاجابة قائلا:
_ سلام عليكم….
تهللت أساريره سريعا و هو يقول بحبور:
_ اهلا اهلا يا ناصر كيفك يا واد عمى ، عامل ايه؟….انى الحمد لله بخير….كيفك و كيف العيال….
عقد حاجبيه للحظات ثم سرعان ما عادت اساريره إلى التهلل مجددا و قد وصل جزء كبير من مبتغاه و هو جالس محله دون التحرك قيد أنملة ، قال مرحبا بتهذيب:
_ يا مرحب ، جوله ياجى ف اى وجت….ماعنديش مشكلة ان زينة تروح البندر يا ناصر….
تنهد و قد فتحت أسئلة ناصر طريقا إلى العديد من الإجابات المنشودة التى اختصرها بقوله بهدوء:
_ لما تاجى بالسلامة هجولك ليه….فى حفظ الله

 

الفصل الثالث:

((طفلة نسيت عمرها بقرار يسلب براءتها ، فهل تقف بمرمى المواجهة؟ ، ام تكتفى بالنظر إلى براءتها المسلوبة مكتوفة الايدى؟!))

_ جومى يا زينة شوفى البطاطس استوت ولا لا
قالتها نجاة و هى منهمكة بتحضير إحدى الطبخات على الموقد ، بينما تركت زينة السلطة التى كانت تقطعها و هى تقول إيجابا:
_ حاضر يا نجاة
ثم اتجهت إلى فرن الموقد لتطمئن على صينية البطاطس الفخارية ، و ما ان انتهت حتى أغلقت باب الفرن ثم التفتت إلى نجاة قائلة باستفهام:
_ ناس مين اللى جايين النهاردة و عاملين لهم كل الوكل ده؟!
أدارت نجاة رأسها نصف دورة باتجاه زينة و هى تقول:
_ حسنى بيجول انهم ناس كبرات جوى ، جايين من مصر على اهنه ، منهم عم ناصر اللى راح مصر من زمان و اتجوز و خلف من هناك
قطبت زينة حاجبيها و هى تقول بتعجب:
_ و ده اى اللى فكره بابويا دلوك؟
رفعت كتفيها الى الاعلى اشارة إلى عدم العلم قائلة بعبوس:
_ و الله سألت حسنى و مارضيش يجولى ، انتى عارفاه ما يطلعش الكلام إلا بطلوع الروح
_ ربنا يهديه عليكى يا نجاة ، عارفة أخويا شديد و الله
رفعت يديها أمامها قائلة بتضرع:
_ ياااارب

نظر أشرف نحو الطعام و معدته تكاد تنقلب رأسا على عقب ، حيث لا يطيق رائحة البصل الموجود بالطعام و التى ازكمت أنفه ، ابتسم مجاملة و هو ينظر إليهم بينما يقتطع لقيمة صغيرة من هذا الخبز كبير الحجم ثم غمسه ببعض البامية فى حين يقول ناصر متلذذا:
_ الله ، بجالى كتير جوى ما دوجتش الوكل الصعيدى ده ، تسلم اليد اللى عملته
علت ابتسامة فخر و حبور على شفتى كل من قاسم و حسنى بينما لكز ناصر ذراع أشرف الذى كان يكتم أنفاسه بتقزز ، لينتبه الأخير ثم يومئ برأسه بسرعة و هو يقول موافقا:
_ اه فعلا الأكل تحفة
كانت نبرته باردة بحيث تبين بسهولة مجاملتها ليغير ناصر اتجاه الحديث قائلا:
_ نخش بجى فى الموضوع
قال قاسم و هو يرمق أشرف بنظرة ثاقبة:
_ ناصر جالى ان هو اللى رشح بتى ليك ، بس عايز اسأل الأول ، أنت عايز تتجوز من الصعيد و انت عايش فى البندر لييه؟
ابتلع أشرف مضغة الطعام التى كانت بين أسنانه متبعها بقوله متصنعا:
_ انا عايش فى البندر بس صعيدى يا عمى و أبويا غرس فيا عاداتنا و تقاليدنا و شفت بنات القاهرة أشكال و الوان ، لكن ما كانوش هيوصلوا أبدا لجمال و أصالة البنت الصعيدية ، علشان كدة كنت مصمم اتجوز بنت صعيدية من قبيلتنا ، و بنت حضرتك اكتر واحدة مناسبة خصوصا من كلام بابا عليك
أماء قاسم برأسه قبل ان يقول مبتسما:
_ فهمى كان صاحبى و حبيبى الروح بالروح
ثم أردف و هو يلوح بسبابته نحو أشرف بإعجاب:
_ و الجواب باين من عنوانه اهه
تشدق ناصر متسائلا:
_ يبجى اى رأيك ياخوى؟
أجابه قاسم بجدية:
_ كتب الكتاب و الدخلة هيبجوا الخميس الجاى ، و ضيافتهم هتبجى اهنه لحد ما يسافر بيها أشرف
التمعت عينا أشرف بخبث ليردف متحمسا:
_ عظيم يا عمى ، و انا موافق ، ورونا العروسة بقى
تطاير الشرر من عينى حسنى و هو يكز على أسنانه بغضب بينما يقول قاسم بدهشة:
_ كيف تجول ابوك معلمك عاداتنا ، و انت بتسأل عالعروسة؟
ضيق أشرف حدقتا عيناه و لم يفهم بعد مقصده ليكمل ناصر:
_ ما ينفعش تشوف العروسة إلا يوم الدخلة وجت ما ينجفل عليكم باب واحد
لوى شفتيه سخرية قائلا فى نفسه بغضب:
_ حتى خلقة اللى هتجوزها مش هعرف اشوفها؟ ، ده اى القرف ده؟
نفض الأفكار المتهكمة عن رأسه و هو يقول سريعا:
_ اه طبعا بابا قالى ، بس فى ناس بتتصرف كدة و فى ناس لأ
بادر حسنى يقول بحدة:
_ إحنا بجى من الناس اللى بتتصرف اكده ، فى اعتراض؟
هز رأسه نافيا و قد أرعبته نبرة حسنى حيث يقول بسرعة:
_ لا طبعا ، مافيش خالص

قضوا امسيتهم بعد تناول الغداء و الشاى حتى استأذن أشرف للذهاب متعللا بأنه قدم بالأمس و يريد أن يستريح بينما بقى ناصر الذى تجاذب أطراف الحديث المختلفة مع قاسم و حسنى حتى ربت على ساعد صديقه و هو يقول بحزن و شفقة:
_ يااااه ياخوى ، يعنى انت هتسيب بتك تسافر عشان خايف من عيال الشهاوى؟
اماء حسنى مجيبا بالنيابة عن والده:
_ إيوة يا عمى ، شباب العيلة دى مش رجالة اصلا ، و كان اكبر دليل على اكده سليم اللى خاف من الموت و وضع كفنه تحت رجلينا و نزل من مجام عيلته
قال ناصر بحزن:
_ و انى اللى ظنيت انك عايز تبعد بتك عنك عشان الفلوس ولا حاجة ، استغفر الله العظيم
تحدث قاسم بسرعة:
_ و الله فراجها عنى عامل كأنى هملت روحى ، ربنا يصبرنى ، بس سلامتها أهم من كل حاجة
قال ذلك و بحسبانه انه قد أنقذ ابنته من الوقوع بمستنقع الهلاك الخاص بالشهاوى ، و لكنه لا يعرف انه يسلم قطته الصغيرة إلى ذئب بشرى سينهش براءتها بكل بساطة
بعد مضى الوقت استأذن ناصر أيضا و عاد إلى منزله حيث توجد بقية عائلته القاطنين بالصعيد تاركا قاسم الذى يجلس على الكرسى مستندا على عصاه و حسنى الذى عاد إلى الغرفة الكبيرة مجددا بعدما أغلق الباب خلف ناصر ، حيث يعود بالتحدث مع والده بشأن موضوع الزواج السريع هذا

كانت زينة فى طريقها إلى جوال الدقيق الموضوع بجانب باب الغرفة كى تحمله استعدادا لخبزهم فى الصباح كما تود نجاة ، أمسكت بالطرف العلوى للجوال البلاستيكى ، و قبل ان تحمله وصل الى مسمعها بدون قصد صوت حسنى الذى قال باستنكار:
_ لكن أنت متأكد من أشرف ده اللى ناوى تخليه جوز بتك يابوى؟ ، أنى شايف انه راجل توتو من اللى بيلبسوا البدل و البناطيل!
جحظت عيناها و انفرجت شفتاها عن آخرها بعدما باغتتها كلمات أخيها المفاجئة ، لتضع اذنها عند الباب محاولة التأكد بنفى ما سمعت توا حيث يكمل قاسم بحزم:
_ ما تجولش على خطيب أختك اكده يا حسنى ، ده راجل و ملو هدومه و ده لبسهم هناك ، انى واثج فيه و إلا ماكنتش سلمته بتى
يا لفاجعة قلبها! ، إذا فما سمعت لم يكن خطأ! ، بل قد تيقنت من نصل السكين الحاد الذى وضعه والدها و اخاها على رقبتها كى يذبحاها و يذبحا عشقها الدفين لفقيدها العزيز ، تركت طرف الجوال ثم ركضت بأقصى سرعتها إلى الأعلى حيث توجد غرفتها ، متجاهلة نداءات نجاة المتسائلة عن سبب هروعها بهذا الشكل و العبرات باتت مغرقة وجنتيها ، دلفت غرفتها ثم التقطت شطر الصورة الموضوع تحت وسادتها ثم احتضنه و الألم بات متوسدا بنياط قلبها ، أخذت تجهش فى البكاء بقهر بينما تأتى نجاة و هى تسرع مربتة على منكب زينة قائلة بقلق:
_ مالك يا زينة ، بتبكى ليه بس؟
لما لم تجد اجابة منها بل ازدادت شهقاتها أكثر ، عادت تسألها و قد دب الخوف بأوصالها:
_ حسنى جالك حاجة؟ ، طب عمى زعلك؟
تحدثت زينة من بين أنفاسها اللاهثة قائلة بانفعال:
_ أبوي ابوى ناوى يجوزنى من واحد عايش فى البندر ، ابوى ناوى يدفننى بالحيا و يدبح طفولتى خلاص ، ابوى ناوى يجوزنى من غير ما يشاورنى حتى!
تأكدت شكوك نجاة توا و قد أصابتها الريبة منذ يوم أمس حينما تعالى حسنى عن الإجابة على أسئلتها عن هؤلاء الضيوف ، و لم يعطها حقا او باطل بشأنهم ، تنهدت بحسرة على حال هذه الصغيرة التى ستضاف قريبا إلى عداد الأطفال المسلوبين براءتهم! ، أخذت تربت على ساعد زينة و هى تقول مواسية:
_ ما تزعليش يا زينة ابوكى عايز مصلحتك ، انتى خلاص كبرتى يا حبيبتى و لازم تبجى أم
هزت زينة رأسها نفيا و هى تقول بقتامة:
_ لا ، لا ابوى و اخوى عايزين يمشوا حياتى كيف ما هما عايزين ، حرام عليهم و الله
لفت انتباه نجاة الصورة التى تحتضنها زينة حتى كادت تدفنها بصدرها ، لتجذبها ثم تنظر نحو زينة بعتاب قائلة بنبرة ذات مغزى:
_ يبجى الزعل مش عشان هيجوزك بدرى ولا حاجة! ، انتى زعلانة عشان هتنسى فارس
لم تبد رد فعل لتتأكد إجابات الأسئلة التى أطلقتها نجاة ، لتترك الصورة جانبا ثم تقول:
_ يا زينة يا حبيبتى ، ما ينفعش تعيشى حياتك و انتى بتبكى على حياة فارس ، فارس كان حبيبك و انتى صغيرة يا زينة يعنى اصلا مالحجتيش تشوفى الوحش اللى فيه عشان تجولى بتحبيه!
هزت زينة رأسها الى كلا الجهتين نفيا و هى تقول:
_ لأ حبيته و حبيته جوى كمان ، و ماجدرش استغنى عنه ولا عن صورته واصل
تحدثت نجاة بحزم:
_ بس هو خلاص مات يا زينة ، لو وجفتى حياتك على اكده ربك هيغضب عليكى عشان فرطتى ف نفسك بسبب راجل الله يرحمه
ثم فتئت تنصحها بحنو:
_ يا حبيبتى ادعيله علطول ، ربنا يرحمه و يغفر له و يجعل مثواه الجنة ، لكن ما تموتيش نفسك فى البكا عليه اكده ، المفروض تخلصى من الصورة و ترحمى نفسك شوية ، ربنا منزل الرحمة على جلبك عشان يرتاح و انتى مش عايزاه يرتاح؟!
ظلت على حالها تنظر أرضا و الدموع منسابة على وجهها بلا توقف بينما تقف نجاة ثم تقول خاتمة حديثها:
_ انى هسيبك تفكرى ، بس اعرفى دايما يا زينة ، أن ماحدش بياخد غير نصيبه ، و هو نصيبه وجف لما مات هناك ، لكن انتى لسة جدامك المستجبل طويل ، ابوكى و اخوكى اتصرفوا صوح ، جه وجت سترك عشان تتجوزى و يبجى ليكى عيلة ، أدى لنفسك فرصة يا زينة ، و وافجى على عريس البندر و عيشى الدنيا يا بتى
لفظت بكلمتها الاخيرة و هى تتجه إلى باب الغرفة حيث تخرج متجهة الى قضاء مهمتها الأخيرة بدلا عن زينة التى التقطت الصورة مجددا تمسكها و قد وقعت دموعها على وجه فارس لتقول بحزن و حسرة:
_ بجى هو ده نصيبك اللى خدته من الدنيا يا عمرى؟! ، مت على يدهم بعد ما كنت بطل من غير رحمة حتى! ، يعنى خلاص؟ ، اتكتب عليا ابجى مرت غيرك خلاص؟!
أغمضت عينيها بألم و قد توالى إلى ذاكرتها مشهد إخبارها بموت فارس فى العام الأول من ذهابه للدراسة بكلية الهندسة هناك ، بعدما تلقى منحة للدراسة بألمانيا حينما تبين تفوقه الدراسى ، و أثناء ذهاب عدد من الطلاب بالحافلة فى معسكر كبير للدراسة عمليا ، باغتهم أحد الركاب بالوقوف مخرجا سلاحه و موجهه إليهم كى يخرجوا كل ما بحوزتهم من أموال ، ثم اتجه بعد ذلك لاختطاف زميلة منهم و الخروج بها من الحافلة حيث يريد الاحتفاظ بها بعدما أعجبه حسنها ، و هنا وقف فارس يدافع عنها ببسالة حيث استطاع افلاتها من بين براثنه ثم الدخول معه فى مشاجرة شديدة كان آخرها ان حاول هذا القاتل ان يوجه فوهة السلاح على فارس ، و لكن كان فارس يزيده قوة حيث أدار السلاح ناحية شبيه الرجل هذا و بضغطة مفاجئة اخترقت رصاصة من المسدس بمنتصف الصدر فأرداه قتيلا! ، و ما كان الأدهى من ذلك هو كون هذا القتيل أخا لأحد أكبر زعيم من زعماء المافيا ، فقام بتدبير حادث لسيارة كان يقودها فارس بعد أسبوع مباشرة ليموت الآخر شهيدا لشهامته و رجولته!
قبلت زينة وجه فارس بالصورة و هى تقول بصوت متحشرج من أثر الدموع:
_ ربنا يرحمك يا حبيبى يا بطلى يا ولد جلبى

فى الصباح ، كانت زينة تجلس مقابلة إلى والدها الذى يلقى على مسمعها خبر تزويجها من أشرف الذى كانت تعلمه مسبقا ، كانت تنظر أرضا و وجهها خاليا من اى تعبيرات ، و قد أرجع والدها ذلك إلى الخجل الذى قد يصيب أيا من تكون بمكانها و لم يشعر بمعاناة قلبها آن ذاك ، بينما كانت تجلس نجاة و قلبها أصبح يعمل كمضخات حيث تخشى و بشدة ان يكون رد زينة هو الرفض و يصبح موقف والدها العداء من جانبه
و بصدمة الجمت نجاة الجالسة بجانبها تخشى رفضها ، حدث ما لم يكن فى الحسبان حيث أجابت زينة بصوت جليدى:
_ موافجة يابوى
انفرجت اساريره سعادة بعدما أستمع إلى موافقة ابنته ليقف عن مجلسه بوقار ثم يتجه إليها أخذا إياها بعناق ابوى و هو يقول بحب:
_ مبروك يا حبيبتى ، عارف انك هتزعلى عشان هتسيبينا بس و الله ده عشان مصلحتك
_ عارفة يابوى
قالتها زينة بنبرة فرحة مصطنعة و قلب يعتصر ألما ، نجحت نجاة باكتشافها ، ابتعد قاسم عن ابنته ثم التفت إلى نجاة آمرا:
_ زغرطى لعروستنا الحلوة يا نجاة
انصاعت إلى أمره ثم أطلقت زغرودة عالية اخترقت الجدران ليسمعها القريب و البعيد ، بعدما أراد قاسم ان يعلن عن زواج ابنته الصغيرة
و بعد خروج قاسم من الدار التفتت نجاة نحو زينة و علامات التساؤل جلية على وجهها لتجيب زينة على تساؤلها دون انتظار سماعه قائلة بهدوء:
_ كان معاكى حج يا نجاة ، مش هفضل دافنة نفسى انى ، لازم أعيش
ثم أردفت بألم:
_ و احب و اتحب من جديد ، خلاص وافجت على راجل البندر
ابتسمت نجاة بحب ثم أخذت زينة بين ذراعيها فى حضن أمومى افتقدته زينة منذ صغرها ، قالت نجاة بتأييد:
_ شاطرة يا زينة ، ربنا يوفجك و يسعدك و تشوفى فى البندر اللى عمرك ما شوفتيه اهنه

 

الفصل الرابع:

((مع الزواج تتخذ الأنثى عن والدها أمانا بديلا يتمثل فى كنف زوجها ، فهل يستحق هذه المكانة ام تجد نفسها هوت ببئر الأخطار؟!))

كان أشرف يجلس على الطاولة و هو يتصفح على هاتفه و يراسل هيدى على الجانب الآخر عن طريق أحد التطبيقات حيث كتبت له:
_ اى الأخبار عندك؟
_ خلاص الفرح بعد بكرة ، هسافر تانى يوم علطول
_ و اشمعنا تانى يوم؟ ، ما تيجى من يوم الفرح على القاهرة علطول
ضغطت بها و علامات التبرم و النزق بادية على وجهها بينما يكتب هو:
_ ماعرفش والله ، لسة هحاول اشوف الموضوع ده
و حينما كان ينتظر ردها فوجئ بدخول ناصر للغرفة و هو يلقى التحية بوقار ، ليغلق الهاتف ثم يرمق ناصر بابتسامة و هو يجيب السلام باختصار ، اقترب ناصر حتى جلس على الأريكة بجانبه ثم ربت على فخذه قائلا بود:
_ مبروك يا ولدى ، و الله و بجيت عريس!
بادله بابتسامة مجاملة و هو يقول:
_ الله يبارك فيك يا عمى
ثم حمحم مردفا بتهذيب:
_ كنت عايز استأذن يا عمى ، اخد زينة يوم الفرح ، لأن هناك فى شغل متلتل عايز اللى ينجزه
أدار ناصر رأسه نصف دورة نحو أشرف و قد سلط كل تركيزه عليه ، حيث يتحدث بتعجب:
_ و فرج إيه اول يوم من تانى يوم يا ولدى؟ ، أهو حتى تكون ارتاحت انت و عروستك من يوم الزفة ، و تانى يوم من النجمة تاخدها و تروحوا
اماء برأسه بهدوء يحمل الحنق بثناياه و قد استشعر الغباء الحقيقى بسؤاله ، بينما اكمل ناصر بحكمة:
_ جاسم ما هيكونش عنده مشكله ف مرواحكم يوم الزفة ، بس كلام الناس كتير يا ولدى
ضيق حدقتيه بعدم فهم و قد سلط بصره مطولا على ناصر الذى استرسل يقول:
_ لو سافرتوا جبل ما الدخلة تتم ، هيكتر الكلام العفش حولين زينة ، و هى بت مرباية و مافيهاش حاجة ، عشان أكده جاسم جال يتجى شر الشبهة
جحظت عيناه و انفغر فاهه بعدما استمع إلى كلمات ناصر و التى بات مغزاها واضح اجدا حيث قال فى نفسه بقلق و استنكار:
_ يبقى عشان كدة متمسكين بالزفة؟ ، يا نهار أزرق هقول اى انا لهيدى دلوقتى؟ ، يعنى كدة انا لابس لابس!
ثم أغمض عينيه بنفاذ صبر و قد عرف جيدا ما سيحصل بعد يومين من عادة ظنها مدفونة و ردمها مرور الزمن ، و لكن على العكس تماما ، سيضطر الآن إلى المساس بها بعدما ظن أنه سيتخلص منها قريبا دون ان يقرب شعرة بها!

انتهى كل شئ بمجرد نطقه لكلمة (قبلت زواجها) ، و التى ستعد بمثابة قبر الذى ستدفن فيه إلى أجل غير معلوم بعد تخطيطه مع المدعوة هيدى للإيقاع بها فى شرك الخداع ، بعد الحصول على المراد من ورائها
صدحت الزغاريد بالمكان بعد إعلان انتهاء كتب الكتاب لتضع زينة يدها على قلبها الذى بات وجيبه يعلو و يهبط بعنف و كأنه غير موافق على ما سيحدث مستقبلا ، و لكنها أرجعت ذلك إلى الخوف خاصة بعدما عرفت بما سيتم بعد بضع ساعات و هى التى لم تكن على علم بذلك مسبقا! ، و ما يزيد الطين بلة هو كون الرجال جميعا فى الانتظار بالأسفل! ، تقليد أحمق مهين ينتهك حق العروس فى الاحتفاظ بخصوصيتها و عرضها أمام الملأ!
دلفت نجاة إلى الغرفة لتجد زينة التى وصل توترها إلى منتهاه باديا بوضوح و هى تعض على شفتها السفلى بالإضافة إلى أناملها التى تفركهم ببعض باضطراب ، اقتربت منها نجاة و ابتسامة السعادة على ثغرها متسعة حتى لامست أذنيها ، أمسكت بساعدى زينة التى رمقتها بابتسامة خافتة ثم أخذتها بين ذراعيها فى حضن امومى قائلة بسعادة منتفخة الاوداج:
_ أشرف عجد عليكى خلاص ، مبروك يا حبيبتى
قالت زينة ممتنة برقة:
_ شكرا يا نجاة
ابعدتها نجاة و قد استشعرت نبرة الخوف بحبالها الصوتية حيث تقول متسائلة بنبرة ثاقبة:
_ ماله صوتك يا زينة؟ ، فى حاجة ولا اى؟
ازدردت زينة ريقها ببطء و هى تجهل ما تقول بموقف كهذا بينما تفهمها نجاة من مجرد قراءة التعبيرات على معالمها حيث تقرص وجنتها بخفة و هى تقول مطمئنة إياها بحب:
_ ما تجلجيش يا زينة ، الموضوع بسيط جوى ، بس انتى خليكى هادية و هتبجى تمام
_ ازاى ما خافش و فى عيارين نار هيبجوا مستنيين تحت ، و يا أما يتطلجوا فى الهوا يا إما عليى؟
ربتت على وجنتها بباطن كفها مكملة بهدوء:
_ مافيش حاجة هتحصل واصل ، و انتى خليكى هادية و الموضوع هيعدى بسرعة ، ماتخافيش
اماءت زينة برأسها ثم سرعان ما استطردت تغير مجرى الحديث و كأنها تذكرت توا:
_ نجاة
_ نعم يا جلب نجاة
تحركت زينة عن مكانها متجهة إلى السرير الذى أخرجت شطر صورة فارس من أسفل وسادته ، نظرت نحوها نجاة مطولا محاولة اكتشاف ما تود فعله حيث اقتربت منها ثم مدت بالصورة إليها هامسة:
_ كنت جلتلك جبل سابج انى هنسى فارس و أفكر فى أشرف جوزى ، بس زى ما بعدته عن راسى ما عرفتش أخلص من صورته
ثم أمسكت بيد نجاة و وضعت الصورة بها قائلة برجاء:
_ خبى الصورة معاكى يا نجاة ، و بلاش ترميها عشان دى آخر حاجة من ريحة المرحوم ، هتعملى اكده ولا لا؟!
أمسكت نجاة بالصورة ثم رمقت زينة بحنو و هى تقول موافقة:
_ هشيلها معايا ، ما تعوليش هم يا حبيبتى
عادت زينة تحتضنها و هى تتمتم بنبرة ممتنة:
_ تسلمى يا نجاة

و ها قد حان موعد الزفة حيث ينتظر أشرف عند نهاية السلم بينما يأتى قاسم و بيده ابنته المختبئة خلف وشاحها الأبيض كى لا تكون بمتناول الأنظار ، اقتربا منه حتى وصلا الدرجة الأخيرة من درجات السلم حيث يسلم قاسم ابنته لأشرف و هو يتمتم بابتهال:
_ ربنا يوفجكم و يكرمكم بالذرية الصالحة
بادله أشرف الابتسامة ثم تأبط بذراع زينة التى لم ير طرفا منها حتى الآن ، فقط كل ما يعلمه فتاة قصيرة نحيلة بعض الشئ ترتجف يدها الممسكة بذراعه بينما تخفض رأسها خجلا كعادة اقرانها من الصغيرات ، ظل يمشى بها متجها الى الغرفة التى ستشهد ليلتهما الأولى ، و هى تنصاع لاتجاهاته كالشاة المتجهة إلى المدبح مع الجزار!
دلفا إلى الغرفة لتقترب زينة من السرير و تجلس عليها و هى تضع يدها على قلبها الذى تضاعفت دقاته برعونة ، تشعر بأنه يكاد يختلج من مكانه من شدة الارتباك ، أغلق أشرف الباب و هو يزفر بضيق و قد بقيت مهمته الأصعب فى هذه الجولة ، حيث يستدير ببطء ليجدها على حالها دون ان ترفع وشاحها حتى! ، مسح وجهه و جبينه بنفاذ صبر ثم أخذ فى الاقتراب منها و قد بدأ يرسم تعبيرات الحب و الحنان بملامحه باحترافية شديدة ، ما أن وقف أمامها حتى أمسك بساعديها لتسرى رجفة بأطرافها استشعرها بلمساته ، و لكنه لم يرجع عما يجب القيام به حيث رفع الوشاح عن وجهها ببطء ليطالع وجهها الذى يراه للمرة الاولى ، عينين سوداوتين كعيون البقر بهيئتها ، شفتان مكتنزتان رغم صغر حجمهما ، وجنتان مخمليتان تزيدان وجهها الحنطية بشرته جمالا فوق جمال ، و بنظرة رجل طبيعى لا ينفى كونه افتتن بها منذ رآها حيث تصنم مكانه و هو يطالع هيئتها الهادئة مع نظراتها البريئة الخائفة ، لما وجدت نظراته الثاقبة باتت مسلطة عليها بالكامل اخفضت رأسها أرضا ليمسك بذقنها ثم يرفعه قليلا حتى تتلاقى عيناهما مجددا ، و هنا دار ببال زينة كونه سيهدئ من روعها قليلا خاصة و هو يعرف عمرها الحقيقى! ، و لكن على عكس التنبؤات تجاوز بضعة خطوات و قد وجد انه لا جدوى من الانتظار و رصاصات النار تنتظر على أحر من الجمر ، خطف شفتيها بقبلة عنيفة باغتتها على حين غرة كما امتدت يداه حول خصرها مقربا إياها منه حتى صارت ملاصقة له ، اتسعت عيناها ذهولا و قد ازداد ارتياعها اضعافا لتحاول التملص من براثنه الحديدية او حتى شفتيه الصارمتين التى تألمت على اثرهما شفتيها ، ثم تدريجيا تحولت محاولتها إلى مقاومة ليبدى رد فعله على الجانب الآخر و الذى كان على هيئة ان يوقعها على السرير ثم ينقض عليها كذئب جائع اصطاد فريسته و لا يستطيع الصبر قبل التهامها! ، فلقد نسى هيدى و نسى أمر خطته الدنيئة و انهدمت حصونه أمام لمحة منها ، حتى فقدت حواسه القدرة على العمل تماما مع لحظة اتحادهما و ختم صك ملكيته عليها شرعا و عرفا
و بعد انتظار دام لفترة ليست بالقصيرة حتى دب الذعر بأوصال قاسم و نجاة و بالطبع حسنى الذى اصبح يرتقب نظرات الرجال الملتهمة حوله ، أخذت نجاة تناجى ربها فى خفوت و قد صور لها التشاؤم بأن هذه الليلة لن تمر مرور الكرام
اجفلت ما ان سمعت صوت صرير نافذة الغرفة يفتح بواسطة أشرف الذى ألقى إليهم ما كانوا بانتظاره منذ زمن ، لتبادر طلقات النيران فى الصدوح مع التهليل و صرخات الفرح التى انتشرت بالأجواء ، غير مكترثة إلى العبرات المنهمرة على وجه هذه القاصرة التى لا تستطيع إطلاق أنين الألم حتى! ، فقط شعرت باسدال الغطاء عليها من قبل أشرف ، لتغمض عينيها بقوة و هى غير قادرة على الاستدارة و النظر بعينيه بعدما فعل! ، تشعر بجرم الإهانة التى تعرضت لها! ، حيث و لأجل تقليد قديم لم يكلف نفسه لتهدئتها او التحدث معها ، و إنما بادر بالتنفيذ قبل ان يجد اقتحاما لحرمته! ، تعلم أنه كان مجبورا و لكن ما ذنبها هى؟!
بينما استلقى أشرف على الجانب الاخر من الفراش و هو ينظر الى الجهة الأخرى و الحنق صار باديا على وجهه حيث وجد كونه اصبح مخدرا بالكامل أمامها ، فلم يقم بوظيفة املته عليه خطة ، و إنما قام بذلك متلذذا و قد شعر بكونه شخصا آخر!

اراح ظهره على الوسادة بتعب و قد مر بيوم حافل بالأعمال الشاقة اليوم فضلا عن الفزع الذى اعتراه حتى وصل عرقه إلى منتهاه ، بينما جلست نجاة بجانبه ترمقه بغضب و هى تقول محتجة:
_ ليه ما سمحتليش ادخل اطمن على زينة؟
زم شفتيه بسخط و هو يقول متهكما:
_ باين عليكى اتهفيتى ف مخك يا مرة ، يعنى عايزة الراجل بعد ما دخل تكتمى على نفسه و تشوفى زينة؟! ، ما هى لو جرالها حاجة هيجول يا حزينة ، ولا انتى بتفولى عالبت؟!
هتفت بسرعة:
_ الشر برة و بعيد ، بس كان جصدى اطمن عليها دى لسة صغيرة و يمكن ما تستحملش!
نظر نحوها قائلا باستنكار:
_ مانتى اتجوزتى أصغر منها ، ما جاتش واحدة ليه تدخلك؟!
همت لتجيبه و لكنها قاطعها بالتجاهل التام حيث استدار إلى الجهة الأخرى قائلا بلهجة آمرة:
_ جفلى سيرة عالموضوع

تململت فى فراشها ببطء و هى تسحب أنفاسها بصعوبة بعدما صار بليلة الرعب هذه ، بينما خرج أشرف من المرحاض و هو يجفف شعر رأسه الذى تتساقط قطرات المياه منه بعدما خرج من المرحاض مغتسلا! ، اقترب منها و هو يتأمل ملامحها الحزينة و التى تتأوه كل منها بألم مضنى ، ما أن فتحت عيناها و عادت مراكز الانتباه خاصتها إلى العمل حتى وجدته يطالعها بتركيز لتفتح عينيها عن اخرهما بفزع و هى تعتدل ببطء بينما يهدئها قائلا بلهفة:
_ اهدى اهدى يا زينة ، ماتخافيش ارجوكى
توقفت إثر كلماته الحانية و هى تزفر بتعب ليبتدئ الكلام قائلا بلهجة مترددة:
_ سامحينى يا زينة على اللى حصل امبارح
رفعت بصرها إليه قاطبة حاجبيها بتساؤل بينما يكمل هو مبررا:
_ و الله انا اتصرفت بالسرعه دى بعد ما شوفتك عشان الناس اللى كانوا مستنيين تحت ، لكن صدقينى لو كان الموضوع ده ف مصر كنت اتصرفت معاكى بالطريقة اللى تستحقيها ، سامحينى
الحلف بالله هو من أشد ما يكون حيث يهتز مع الحلف به كذبا السبع سماوات و هو ما جعل زينة تصدق مبرراته حينما تقدمها لفظ الجلالة العظيم!
رمقته بنظرة راضية و هى تقول بهدوء:
_ خلاص مش مشكلة
و لكى يؤكد صدق مشاعره و كونه رقيقا بالفعل عكس ما رأت بالأمس ، طبع على رأسها قبلة حانية مضيفا البهارات الأخيرة التى ستضفى إلى وصفته مذاقا لذيذا ، و هو ما ظهر أثره حينما رمقته بنظرة دافئة و قد استشعرت بمعاملته الأولى الحنان الذى وجدته مع والدها بل و سيكون أكثر أيضا!

بعد مرور ثلاث ساعات ، كانت زينة تقف أمام السيارة استعدادا للرحيل ، بينما يقف خلفها أفراد أسرتها الصغيرة ، حيث أخذت تعانق كلا منهم و الألم يعتصر قلبها حتى أدماه ، تحتضنهم و قد عاد قلبها إلى الانقباض مرة أخرى ، خاصة بعدما ابتعدت عن ظل والدها الذى ألقى إلى مسمعها كلمات دعائه كى تكون دائما فى أمان ، دقت نواقيس الخطر بقلبها مع ركوبها السيارة و لكنها أرجعت ذلك إلى ألمها على فراقهم لا شيئ آخر ، حيث سيكون ملجأها الآن بعد والدها الرحيم ، ركبت السيارة و انطلق بها أشرف باتجاه القاهرة كالريح بينما تشعر هى بالغم و الألم قد اعتليا صدرها مع الاتجاه إلى هذا المكان الغريب ، غفت على مقعدها لبضع ساعات بينما بقى أشرف الذى كان يسترق إليها النظرات كل حين و آخر ، و كأنه يقسم أنه ما رأى جمالا بريئا بهذا الشكل أبدا! ، فكيف كان سيقاومها ليلة أمس؟!
فتحت عينيها ما ان داعبت أشعة الشمس رموشها الطويلة و قد باتوا فى مرحلة الظهيرة لتعتدل فى جلستها ثم تفرك رأسها بألم بينما يقول أشرف مبتسما:
_ صباح الخير
اجابته و هى تعدل مفصل رقبتها يمينا و يسارا:
_ صباح النور
ثم اردفت متسائلة:
_ هو باجى كد ايه على ما نوصل؟
اجابها ببساطة:
_ أقل من ساعة و نبقى هناك
اومات برأسها ثم عادت تشرد بالطريق حتى تجاوزت السيارة الصحراء و باتت تتنقل بين شوارع القاهرة ، لينغغر فاه زينة و تحدق فى ما حولها بتركيز و قد بدت ابتسامة سرور على وجهها حيث ستقضى بقية حياتها بمكان رائع كهذا ، تصميمات رائعة للمطاعم و المحلات و السيارات ذات العلامات الجيدة تملأ المكان إلى جانب الملابس المختلفة التى يرتدونها ، و ما أبرز ذهولها أكثر هو أن النساء يخرجن فى هذا المكان بكل سهولة على خلاف الباب المغلق عليها بإحكام فى منزلها الصعيدى ، شعرت بأن بهجتها وصلت عنان السماء بعدما تيقنت من كونها ستعيش فى مكان كهذا ، بينما لحظ أشرف انغماسهما مع الأشكال و الألوان حولها فوجد أن من الأفضل عدم مقاطعتها و هى ترى هذه الأشياء كرؤية المعالم الأثرية لا كونها أشياء عادية توجد بكل مكان
ما ان وصلت السيارة أمام فيلا فهمى محمد حتى قال أشرف:
_ خلاص وصلنا
التفتت نحوه دون كلام ثم فتحت باب السيارة و خرجت و كل ضلع بها يؤلمها بعد هذه الجلسة الاعتيادية التى استمرت لساعات متواصلة ، و لكنها سرعان ما نسيت آلامها و ماهيتها ما ان لحظت المكان حولها من جنائن خضراء و حمام سباحة كبير رأته فقط فى الأفلام إلى جانب المنزل الشاهق الاتساع الذى ما ان دلفته حتى ارتسمت معالم الانبهار بوجهها بينما يقول أشرف بحبور:
_ عجبك البيت؟
_ جوى جوى
قالتها و هى تحدق بالمصابيح الصفراء المعلقة بسقف الصالون بينما يقول أشرف:
_ أهو ده بقى هيبقى بيتك من هنا و رايح
أدارت بصرها نحوه ثم اردفت اخيرا بأولى كلماتها قائلة بود:
_ جصدك بيتنا
بادلها الابتسامة بحب و هو يمسك بيدها قائلا:
_ يالا على أوضة النوم تلاقيكى تعبانة
امتثلت لأمره و اتجها معا نحو غرفة النوم الخاصة بأشرف ، ما ان دلفت حتى صعقت من صدمة المفاجأة حيث لم تر يوما جناحا كهذا أبدا! ، بتصميمه الراقى و الأثاث المتميز المنتقى بعناية مع وجود تلفاز كبير و فراش يتسع لخمسة أشخاص ، كل هذا جعلها تشعر حقا بأنها فى جنة على الأرض حيث لم تر يوما مثل هذا ، أخرجها أشرف عن شرودها قائلا ببعض التوتر:
_ بصى ، خدى شاور و نامى ، و انا هروح اعمل حاجات فى الشركة و جاى ، اى حاجة تطلبيها الخدم تحت
_ طب استريح شوية!
_ معلش بقى الشغل مايستناش ، يالا باى
قالها و هو يتجه نحو الباب حيث يخرج مغلقا إياه خلفه تاركا إياها و هى تنظر إلى ما حولها بإعجاب حتى استغرقت نصف ساعة لتزيح بصرها عن الأثاث حولها و هى تتجه نحو حقيبتها مخرجة ملابس منها ، ثم تتجه نحو المرحاض الملحق بالغرفة و الذى جعلها تتوقف أيضا لتحاول فهم ما ترى حولها من جديد ، و كأنها التحقت بكوكب غير الكوكب الذى عاشت فيه!

_ بتقول عملت ايه؟
قالتها بعصبية و الانفعال بات باديا على قسماتها بينما اكمل أشرف بوجوم:
_ اللى حصل بقى ، هما كانوا مصرين أفضل يوم الدخلة عشان كدة ، و لو مكانش حصل كان زمانى انا اللى خدت الرصاصتين
تحدثت بعتاب و العبوس قد اكتسى وجهها:
_ انت عمرك ما قربت لواحدة من ساعة ما ارتبطنا ، و دلوقتى جاى تلمس دى؟!
قالتها باستنكار يعلوه التقزز و هى تشير بسبابتها نحو الفراغ بكبرياء ليقف أشرف عن مجلسه ثم يقول بغضب:
_ اعمل اى يعنى؟ ، ابعدين دى اللى بتتكلمى عنها تبقى مراتى ، يعنى بلاش تزوديها يا هيدى و إلا مش هحكيلك اى حاجة بعد كدة
شعرت بأن الخطر بات منها قريبا ، لتزفر زفرة طويلة خافتة ثم تقترب منه و تحاوط عنقه بكلتا يديها ثم تخطف قبلة سريعة من فمه قائلة بهمس:
_ الحق عليا انى بغير عليك يعنى؟
تحدث أشرف بقتامة:
_ للصبر حدود يا هيدى
عادت تلاصق جبهته بجبهتها قائلة بحب:
_ خلاص يا قلبى ما تزعلش منى
_ خلاص
ثم أبعد يديها عنه و اتجه إلى السرير حيث يتسطح عليه و هو يقول:
_ انا هنام شوية لأن المشوار تاعبنى ، صحينى كمان ساعتين
ودت و بشدة لو تجد شيئا بيدها حتى تقذفه به حيث تقول فى نفسها بحنق:
_ يعنى انت جاى هنا تنام؟ ، صبرنى يارب

 

الفصل الخامس:

((ماذا يقول و هو حائر بين إغراء المصلحة و بين ضعفه أمام ما تملك من صفاء؟!))

داعبت أشعة الشمس رموشها السوداء الطويلة لتضع ظاهر يدها على عينيها حاجبة ضوءها المزعج ، و لكن أبت الشمس الابتعاد و كأنها تستحثها على النهوض بنشاط و ترك الكسل لأهل الكسل ، نهضت ببطءظ و هى تضع يدها على فمها المتثائب ، ثم فركت عينيها و بدأت تزيح خصيلات شعرها المنسابة على وجهها إلى الخلف ، ثم وقفت عن السرير و هى تتمطأ كى تترك الفرصة لعضلاتها المنقبضة فى الارتخاء ، التفتت الى الهاتف الموضوع على الكومود بحانب السرير _و الذى اشتراه أخوها قبل الزفاف بيومين كى تكلمهم بين فترة و أخرى_ ، اقتربت منه و ضغطت على أحد أزراره لتضئ شاشته فتتسع حدقتاها دهشة بعدما طالعت الساعة عليه لتقول بتعجب:
_ يابووووى! ، انا نمت كل ده؟!
ثم اتجهت الى مكان حقائبها اللواتى أتت بهن إلى القاهرة ، ففوجئت بكون الحقائب فارغة! لتفرك رأسها قائلة بتعجب:
_ هى الهدوم فين؟ انى حطيتهم اهنه بس الشنط فاضية!
بينما تحاول التذكر بكونها نقلت مكانهم الى آخر قاطعتها طرقات الباب الهادئة لتذهب نحو الباب ثم تفتحه ، و تطالع وجه الطارق فإذ به فتاة عشرينية ترتدى ملابس رسمية خاصة بالخدم بينما تقول و بصرها مثبت على الأرض بجدية:
_ صباح الخير يا مدام زينة ، انا نقلت هدوم حضرتك و حطيتها فى الدرفة اليمين من الدولاب ، و الفطار جاهز فى الوقت اللى تحبيه ، تحبى احضر لك الحمام الأول؟
_ اى ده؟ ، هو أشرف عنده خدم كمان؟!
قالتها فى نفسها باستغراب و هى تحاول ان تستوعب كم المعلومات التى تحدثت عنها هذه الفتاة للتو! ، أغمضت عينيها ثم تحدثت بارتباك:
_ اه جصدى لا ، انى هحضر حمامى ، و الفطار يستنى لحد ما أشرف ياجى
حمحمت الفتاة ثم قالت بتهذيب:
_ أستاذ أشرف ممكن مايجيش دلوقتى
قطبت زينة حاجبيها ثم قالت بتعجب:
_ كيف ده؟
مطت شفتيها بسخرية و قد تأكدت شكوكها بكون هذه الصغيرة لا تعلم بخطط أشرف و ذهابه و إيابه لتردف بثبات لا يخلو من ذبذبات التردد:
_ هو هو علطول بي بيشتغل ، عشان كدة ممكن يقعد يومين و تلاتة فى الشركة
اماءت زينة برأسها بعدم اقتناع لتردف بهدوء:
_ طب بصى حضرى الفطار بعد مانزل ، و انى هخلص حمامى و جاية علطول
اماءت الأخرى بدورها ثم انصاعت لامرها و اتجهت الى الدرج بينما اتجهت زينة إلى حيث يوجد الدولاب بآخر الغرفة ثم تحاول جذب باب الضلفة اليمنى نحوها و لكن لا تنفتح! ، رفعت أحد حاجبيها بعدم فهم ثم حاولت مجددا و لكن لم تجد نتيجة ، و بينما تعيد الكرة الثالثة وجدت الباب ينجذب إلى اليسار لا الأمام ، لتكمل دفعه ناحية اليسار و قد فهمت ماهية عمله قائلة فى نفسها بإعجاب:
_ حلو جوى شغل ولد الأكابر ده!
ثم تحدثت و هى ترمق مساحة الضلفة و اتساعها الشاهق بذهول قائلة بثقة:
_ فعلا ولد أكابر!
ثم أخرجت بيجامة حريرية منه و أخذتها متجهة نحو المرحاض الملحق بالغرفة ، و الذى لا أحتاج إلى وصف تعبيرات الدهشة التى باتت جلية على وجه زينة بعد ما رأت فيه و كأنها بفيلم سينمائي لا واقع تلمسه!

بعد مرور ساعة كانت زينة تجلس عند السفرة و هى تتناول طعام الإفطار الذى كانت يتمثل فى أصناف من الجبن و نوع من البيض الذى لم تسمع به قبلا _بيض العيون كما قيل لها_ و مربى و ما إلى ذلك ، و لكنها لم تتمتع بوجبة هنيئة على الرغم من تعدد أصناف الطعام أمامها حيث كان كرسى أشرف خاليا! ، لذا أمسكت بهاتفها و ضغطت عدة أزرار به ثم وضعته على أذنها و انتظرت قليلا حتى أتاها الرد من الطرف الآخر و الذى يبدو ناعسا صوته:
_ ألو
هتفت زينة بلهفة:
_ إيوة يا أشرف إنت فين؟
هب الثانى عن الفراش واقفا و كأنه صعق بسلك كهربائى ، ليتحدث ببعض التوتر و قد عرف لمن الصوت:
_ أ أيوة يا زينة
ثم أخذ ينظر حوله بعدم تركيز قائلا:
_ أنا بس فى الشغل ، بخلص كام حاجة و و لقيت الوقت ا اتأخر قلت ابات أحسن
تقلصت معالم زينة و قد استشعرت التعب بنبرته حيث و من الواضح انه عمل كثيرا الليلة الماضية لتقول بود:
_ تعالى علطول بجى ، و ارتاح و اجعد معاى ، مش المفروض أننا عرسان؟!
اماء برأسه قائلا بارتباك:
_ أ آه طبعا
أغلق معها الهاتف ثم التفت نحو باب الغرفة مناديا:
_ هيدى يا هيدى
أسرعت نحو الغرفة لتجد أشرف الذى كان يرتدى حزام بنطاله مهندما ملابسه لتقول بدهشة:
_ هتخرج بدرى كدة؟ ، طب ما تفطر الأول!
نظر نحوها بحدة قائلا:
_ انتى سيبتينى نايم لحد دلوقتى؟!
مطت شفتيها بطفولية و هى تقول:
_ اعمل اى طيب ، حاولت اصحيك من ساعتين و مارضيتش!
ثم اقتربت منه و اخذت تداعب لحيته الخفيفة بأناملها قائلة بخلاعة:
_ و اللى حصل امبارح كمان مكانش قليل ، ولا اى؟
رمقها بابتسامة ثابتة قبل ان يقبل أنامل يدها قائلا:
_ همشى انا دلوقتى
حدقت به و هو يخرج قائلة:
_ باى

بعد مرور ساعة أخرى كان أشرف يضغط مكابح السيارة حتى توقفت أمام الباب الداخلى للفيلا ، ثم نزل من السيارة و دلف متجاوزا الباب ليجد زينة التى تجلس بالصالون و هى تداعب جديلتيها بوجوم ، زم شفتيه بضيق و قد خالجه شعور الشك من جانبها بعد ابتعاده منذ اليوم الثانى من الزفاف بهذه الطريقة ، ازدرد ريقه ببطء ثم اقترب منها حتى لمحته لتقف عن الكرسى بلهفة بينما يقول هو بابتسامة واثقة:
_ صباح الخير
قبل ان تسرع إليه و تزيح الستار الموارى اشتياقها للجلوس معه ، ابتعدت و هى تقول بزجر:
_ بجى فى عريس من اول أسبوع فرح يخرج الشغل؟!
أمسك بساعدها ثم جذبها ليجلسا سويا على نفس الأريكة و لكنها ملتفة بكامل جسدها إلى الناحية الأخرى ، بينما يزيد أشرف فى الاقتراب منها حتى صار ملاصقا لها بينما تفسح هى تاركة مسافة بينهما ، أمسك بطرف جديلتها الناعمة و هو يقول معتذرا:
_ معلش يا زينة و الله من ساعة ما رجعت و الشغل متلتل كان لازم أخلص اللى فاضل معايا ، ماتزعليش بقى
بينما يتحدث هو صارت بمكان آخر بمجرد خروج أنفاسه المعبقة برائحة الكحول الكريهة التى أزكمت أنفها لتستدير و هى ترمقه بشك بينما يقول هو متسائلا:
_ بتبصيلى كدة ليه؟
وضعت يدها على أنفها محاولة صد هذه الرائحة المقززة حيث تقول بضيق:
_ ليه ريحة بوجك اكده؟ ، أنت شارب إيه؟
أطبق شفتيه على بعضهما البعض و قد شعر بأنه يكاد يكشف أمر سكره يوميا حيث يقف و يبتعد بضعة سنتيمترات و هو يقول على مضض:
_ لا لا ما شربتش ح حاجة ، بس يمكن عشان جيت علطول من غير ماغسل سنانى
اماءت برأسها إيجابا بينما ازدادت دقات قلبها منذرة إياها بأن لا تصدق ما يقال ، و لكنها لم تأبه لذلك و لم تفهم مغزى هذه الخفقات المتسارعة ، و أرجعته إلى عامل التوتر بعد التواجد فى هذا المكان الجديد ، بينما شعر هو بنواقيس الخطر البادى فى صمتها ليمسك بيدها ثم يقول بحفاوة:
_ طب اى رأيك اعوضك عن بياتى برة البيت؟
رفعت بصرها إليه بتساؤل دون كلام بينما يجيبها قائلا:
_ روحى البسى و يالا هنروح رحلة
_ رحلة اى؟!
سألته بحماس متناسية ظنونها ليقترب منها قائلا بمرح:
_ مفاجأة ، روحى جهزى نفسك عشان نخرج علطول
قالت و هى تبتعد عنه بطاعة:
_ حاضر

بمدينة الملاهى الكبيرة ، تعالت صرخات الراكبين فى الألعاب المختلفة ما بين خوف و حماس ، و لكنها تتفق على دافع واحد و هو المرح ، و كان هذا المكان أحد الأشياء التى تراها زينة للمرة الأولى ، فكانت تنظر حولها بانبهار و بسمتها المتسعة تزين شدقها بينما يقترب أشرف من اذنها هامسا:
_ تحبى تجربى؟
التفتت إليه ثم زمت شفتيها قائلة بحزن:
_ أنى بخاف
نظر بعينيها قائلا بتشجيع:
_ ما تخافيش ، كلها حاجات سهلة ، و بعدين شاورى على اللعبة اللى تحسيها أمان و انا معاكى
نظرت حولها و هى تفكر مليا بما ستختار قبل ان تسير نحو لعبة السيارات قائلة باستئذان:
_ ممكن اركب دى؟
جذبها من يدها متجها إلى ما أشارت و هو يقول بحبور:
_ اكييييد
فكانت هى اللعبة الوحيدة التى استطاعت زينة ان تتكيف معها ، كسلحفاة جربت التكيف مع البر بعدما كان البحر بيئتها! ، الى جانب كونها تناولت أطعمة تجربها للمرة الأولى فى حياتها مثل غزل البنات و الفشار ، حتى انقضى اليوم سريعا ليعودا إلى المنزل منهمكين حيث لا تنتظر زينة تناول طعام الغداء حتى! ، بل غلبها سلطان النوم و هى بالسيارة فى طريق العودة!

و مرت الأيام و معها الحال كما هو عليه و لكن ببعض التغييرات حيث بات أشرف يذهب إلى الشركة و يعود دون تعديل الوجهة يمينا او يسارا حيث لا يريد أن تغمر الشكوك بعقل زينة فيكون قد خسر الكثير! ، إلى جانب انه عاد يكتفى بكؤوس النبيذ فى الصباح الباكر حتى تزول الرائحة إلى حين عودته فى منتصف الليل حيث يجدها كعادتها نائمة على الأريكة و هى تنتظره! ، و هو ما يريد عندما يتجنب دوما لقياها كى لا يضعف امام جمالها الطبيعى و براءة عينيها التى لم يلحظها بامرأة غيرها أبدا ، و فى أحد الأيام كان يعمل على إمضاء بعض الملفات الخاصة بالشركة حتى قاطعه صوت دقات الباب ليجفل عما يفعل ثم ينظر نحو الباب قائلا:
_ ادخل
فتح الباب بهدوء و خلفه ناصر الذى دلف بخطى وقورة ثابتة و بيده ملف شفاف ، وقف أشرف عن مجلسه ثم قال بابتسامة مرحبة:
_ اهلا اهلا يا عمو ناصر ، اتفضل
اقترب منه ناصر حتى عانقه و قد اشتاق المكوث معه بعد فترة غياب قضاها مع أهله فى قنا ، و بعد ألفاظ السلام ابتعد عنه ثم جلس على الكرسى المقابل لأشرف الذى قال:
_ عاملين اى الأهل فى الصعيد؟
أردف ناصر بحبور:
_ الحمد لله يا ولدى
ثم أردف متسائلا:
_ كيف زينة معاك؟
_ زى الفل
قالها باصطناع و هو الذى لم ير منها فلا و لا ياسمين! ، بينما يقول ناصر بابتهال:
_ طب الحمد لله
ثم رفع الملف الذى بيده و وضعه على سطح المكتب أمام أشرف قائلا ببهجة:
_ الجسيمة طلعت يا ولدى ، مبروك
فتح عينيه عن آخرهما حيث انتقل بصره إلى الملف المستند على المكتب ، يرمقه بعدم تصديق ، حيث يمسك به و يخرج القسيمة منه محاولا التأكد مما فيها ثم يقول دون ان يزح بصره عنها:
_ متشكر اوى اوى يا عمو ناصر
_ العفو يا ولدىط

_ ازيك يا نجاة ، عاملة اى يا حبيبتى؟
قالتها زينة و هى تضع الهاتف على اذنها بلهفة و اساريرها منفرجة
بسعادة حقيقية بينما تجيبها نجاة بسرور:
_ الحمد لله يا جمر ، انتى عاملة اى؟
_ الحمد لله
_ و أشرف عامل اى معاكى؟ ، و اى رأيك فى الجواز؟
قالتها بنبرة خبيثة جهلت زينة مقصدها حيث تردف بخفوت:
_ أهو ماشى الحال
عادت تسألها نجاة مستفهمة:
_ أمال فين أشرف عشان انادى حسنى يكلمه؟
مطت زينة شفتيها و هى تقول بحزن:
_ لسة مارجعش
تقلصت ملامح نجاة و هى تقول بتعجب:
_ واه! ، داحنا وصلنا العشا! ، أمال بيرجع ميتا ده؟!
اجابتها زينة قائلة بنبرة واجمة تحمل بثناياها غضبا داخليا:
_ كل يوم ياجى نص الليل أكون نمت انى ، و يخرج بعد ما نفطر علطول ، و الله ما بعرف اجعد معاه ساعة على بعضها!
عاد الحزن يجد طريقا إلى معالمها حيث تنهدت بخيبة أمل على صغيرتها البادى الحزن فى نبرة صوتها ، لتحاول التطرق إلى أحد الحلول قائلة:
_ بصى يا زينة ، كل حاجة و ليها حل صدجينى ، بس عرفينى الأول ، انتو جضيتوا وجت مع بعض؟
فتئت زينة تتكلم ببراءة:
_ أيوة خرجنا ياجى مرتين أكده ، مرة للملاهى و التانية لمطعم
أغمضت نجاة عينيها بنفاذ صبر بعدما فشلت طريقة الإيحاء فى الحصول على إجابات من هذه الفتاة ، استطردت تقول باستهجان:
_ طب بلاش السؤال ده! ، لبستى حاجة من الشنطة الحمرا اللى عبتهالك؟
هزت زينة رأسها نفيا و هى تقول بسرعة:
_ لا ، دى حاجات تكسف و الله!
زفرت نجاة بضيق و هى تقول فى نفسها بتعب:
_ و الله أجلى هياجى على يدك يا بت مشارى
ثم عادت تقول بنبرة هادئة شارحة:
_ طب بصى يا زينة ، الراجل يا حبيبتى بيحب أما يشوف مرته لابسة من الجصير و المفتوح عشان تملى عينه ، و يعشجها و ما يبصش لغيرها
احمرت وجنتا زينة خجلا لتقول من بين حرجها بعدم فهم:
_ و هيفرج ايه ده عن ده؟ ، ما ياخدنى زى مانى احسن!
قبضت على طرف جلبابها و هى تهدئ نفسها كى لا تنفجر بابنتها غضبا حيث تقول محفزة:
_ طب جربى يا زينة و مش هتخسرى صدجينى ، و ان ما غيرش معاده من نص الليل للمغرب ما يبجاش اسمى نجاة
اماءت زينة برأسها و هى تقول بخوف من خوض هذه التجربة:
_ حاضر يا نجاة ، ربنا يسهل

 

الفصل السادس:

((قوبلت حسنتها بالسيئة و لا تزال تتمتع بنفس صافية لا تشوبها شائبة))

وقف أمام خزانته المفتوحة أبوابها و هو يدندن أحد الألحان بتناغم ، بينما تخرج زينة من المرحاض و هى تبحث عن مصدر الصوت السعيد لتجد أشرف على هذا الحال من السرور و الانتشاء ، اقتربت منه مع بسمة مرتسمة على شفتيها قائلة برقة:
_ باين الغزالة رايجة جوى!
استدار نحوها و هو يرمقها بنظرة لم تفهم فحواها بعد ، أهى سعيدة ام ممتنة ام حائرة؟! ، اقترب منها ثم أمسك بساعديها بين راحتيه و أخذ يدور بها قائلا بسعادة:
_ انا فرحااان ، فرحااان اوى النهاردة ، ماقدرش اقولك سعيد اد اى
تحدثت زينة بابتسامة واسعة علت محياها و هى تقول بنبرة صافية:
_ يارب دايما فرحان ، بس اى السبب يعنى؟
بم يجيبها؟! لقد نال مراده اليوم حينما تم تحويل كامل ثروة أبيه إلى حسابه المصرفى بعد تطبيق الوصية و عرض القسيمة مع بيانات زينة التى تفيد بكونها صعيدية ابنة أحد أصدقاء والده القدامى ، نفض الأفكار المتصارعة برأسه قائلا برفق:
_ سعيد علشان انتى معايا يا زينة ، ربنا يخليكى ليا يارب
اخفضت بصرها و قد اعتلت حمرة الخجل وجنتيها بينما يقرب أشرف فمه من اذنها هامسا:
_ جهزى نفسك ، عازمك على العشا النهاردة
ابتعدت عنه و هى ترمقه بعينين مشتعلتين حماسا لتقول بحفاوة:
_ حاضر

خرج الاثنان بسيارة أشرف الفارهة متجهين إلى مطعم فندق من فئة الخمس نجوم ، حيث يقضيا وقتا ممتعها تغلفه البهجة الكامنة فى أحاديثهم المرحة ، و على الجانب الآخر توجد هيدى التى أصبح يضخ فؤادها خفقات من القلق و الغضب بعد ابتعاد أشرف لمدة عشرة أيام دون اتصال هاتفى يبرد نيران الغيرة المضرمة بقلبها حتى! ، أخذت تعد الدقائق حتى باتت ساعات على أمل أن يخالف تنبؤها و يفاجئها بقدومه و معه شيئا من معداته الرومانسية كعلبة شوكولا أو باقة ورود ، و لكن مر الوقت دون جديد لتنتفخ أوداجها غضبا و تقف عن مجلسها و هى تتحرك نحو القيام بأى شئ ينقذها من ورطتها التى تسببت فيها هذه الصغيرة

كان أشرف يتجاذب أطراف الحديث المفعم بروح الدعابة مع زينة التى اتضح انها تملك حسا فكاهيا عالى المستوى عكس ما بدا عليها منذ بداية زواجهما و الذى اتضح أنه كان بدافع الخوف و الخجل! ، و بينما كان يسترسل فى سرد أحد المواضيع قاطعته نغمة هاتفه التى صدحت فجاة معلنة وصول اتصال هاتفى ، توقف عن حديثه ثم أخرج الهاتف من جيبه ليطالع اسم المتصل فتبهت ابتسامته حتى وصل وجهه الى درجة الامتقاع ليغلق الخط ، ثم يضع الهاتف بجيبه مجددا ، و لكنه ما لبث أن استقر بداخل جيبه حتى صدح مجددا و قد أصرت هيدى على الحصول على جواب ، ليخرج الهاتف من جيبه ثم يغلق الخط مجددا مغلقا معه الهاتف بأكمله ، رفعت زينة أحد حاجبيها قائلة باستفهام:
_ ليه بتجفل؟ ، ما ترد يمكن يكون حاجة مهمة!
التفت إليها ثم نطق ببعض من التوتر:
_ لا الشغل مش راضى يخلص أبدا ، و انا هنا جاى انبسط معاكى مش اتكلم فى الشغل
عادت الابتسامة تشق طريقها إلى أفواههم بينما غليت الدماء بعروق هيدى التى كانت تكز على أسنانها قائلة بغيظ و وعيد:
_ بقى انا تنفضلى بالشكل ده؟! ، ماشى يا أشرف

فى اليوم التالى ، أنهت زينة اغتسالها لتخرج من المرحاض و الماء يقطر من شعرها الأسود على الأرض ، حينما وقفت أمام التسريحة التفتت إلى هاتفها الموضوع على سطحها ، لتضغط عليه كى تطالع الساعة عليه و التى كانت قد اقتربت من العاشرة ، جلست على السرير ثم أخذت تمشط شعرها و علامات الحيرة باتت جلية على وجهها حيث تقول فى نفسها بخيبة أمل:
_ ليه التأخير ده كل ليلة يا أشرف! ، كتير بحسك بعيد عنى مع انك جريب ، بحس ان ضحكتك فى حاجة جواها ، بحس انك بتتكلم معايا و عجلك ف مكان تانى ، اعمل اى بس يفرحك و يخليك جريب منى يا جوزى ياللى عايزة اكسب رضاك!
فرقت بين شعرها إلى شطرين ثم عقصت كلا منهما و بدأت فى تضفير كل شطر كما اعتادت ، و لكنها توقفت عما كانت تنوى فعله و تركت خصلاتها أحرار ، ثم نظرت باتجاه المرآة تطالع هيئتها دون الجدائل حتى تقول بتعجب:
_ هو ليه كلهم ما بيحبوش الضفاير اكده؟! ، مع ان شكلها مليح جوى!
ثم حكت جبهتها و هى تنظر للأعلى و كأنها تستدعى الأفكار كى تتواتر عليها ، حتى التمعت عيناها بفكرة جديدة فتقول بسرعة:
_ يظهر ان الغلط مش ف الضفاير بس!

بينما كانت تجلس أمام التلفاز الذى يعرض فيلما كوميديا ، كان ذهنها شاردا بعالم آخر بعدما تبينت لها إمكانية ان تسرق زينة ما يخصها ، و هى التى اعتادت التملك منذ الصغر! ، و لكن فى هذه الدائرة لا يمكن التصرف فيها بالقوة بقدر ما يجب التصرف بحكمة ، تبحث عن خطة محكمة و لكن غضبها العارم يفقدها التركيز تماما
أجفلت ما أن سمعت صوت دقات الباب لتقف عن الأريكة بتكاسل و هى تقول بانزعاج:
_ حاضر جاية
ثم قالت فى نفسها بضيق:
_ تلاقى صاحب العمارة بيطالب بالنور و الماية ، استنى لما تاخد دستة تهزئ محترمة عشان تحرم ترن عليا دلوقتى
فتحت الباب و هى تزمجر بغضب:
_ ده انت إنسان قليل….
انقطع استرسال الكلمات بلسانها السليط ما أن تبينت الطارق و الذى لم يكن سوى أشرف الذى كان يقف و بيده حقيبته السمراء ، زفرت هيدى أنفاسا حارة تكاد تحرق الأخضر و اليابس ما ان لمحته ، لتترك الباب مفتوحا ثم تعود إلى الصالون مجددا ، بينما دلف أشرف و أغلق الباب خلفه و أتى الصالون ليجدها جالسة على الأريكة مكفهرة الوجه تحدق فيه بنظرات عاصفة ، اقترب منها ثم قال برقة:
_ مساء الخير
تشدقت بنبرة مستهجنة:
_ ما لسة بدرى يا أستاذ! ، معقولة خلص شهر العسل بسرعة كدة؟!
جلس أشرف بجانبها قائلا بهدوء:
_ ليه الأسلوب ده يا هيدى؟!
هبت عن الأريكة واقفة و هى تهتف بزجر:
_ أمال عايزين اقول اى يعنى؟! ، بقالك 15 يوم لا حس و لا خبر ، كانت حجتك بالقعدة معاها علشان تاخد القسيمة و الفلوس ، و الحمد لله كله تم ، يبقى عايز اى تانى بقعدتك معاها دى؟
تحدث أشرف بجمود:
_ شغل يا هيدى
استدارت إليه لتواجههه بعينيها الناريتين حيث تهدر باستنكار:
_ نعم! ، شغل! ، شغل اى ده اللى عايزه بعد ما خدت الميراث؟ ، و من امتا الشغل بيبعدك عنى؟ ، و من امتا ما بتردش على اتصالاتى؟ ، و من امتا بتيجى من غير الورد؟ ، ولا السنيورة الجديدة نستك انا مين؟
وقف أشرف ثم قال بنبرة جليدية و قد اثارت نبرتها حنقه داخليا:
_ اقعدى و افهمك ، زينة دى انا شايفها عيلة صغيرة بضفاير يستحيل تنسينى حاجة و خصوصا انتى
لم تستمع او تستجب و انما ظلت على موقفها حيث تشيح وجهها الى الناحية الأخرى مردفة بتهكم:
_ أضحك بالكلمتين اللى هتقولهم دول على واحدة تانية ، انا لأ
فاض به الكيل بعد هجومها عليه بهذه الطريقة ليحمل حقيبته ثم يتجه الى الباب و قبل ان يخرج أردف بجفاء:
_ تصبحى على خير

كان يقود سيارته و هو فى أتم غضبه حيث يقبض على المقود بقوة تكاد تهشمه ، يفتح عينيه بمشقة ليطالع الطريق ، فلقد أوصلته إلى حالة أن لا يستطيع السيطرة على انفعاله حتى! ، إلى أن فوجئ بقدوم إحدى السيارات بهرولة ليتوقف فجأة حتى ارتد إلى الأمام ثم عاد بظهره على الكرسى حامدا الله على عدم الاصطدام بهذه السيارة
فتح الباب الداخلى للقصر ليجد نثرات السكون تعم الأجواء ، فلقد باتت الساعة الواحدة صباحا الآن و طبيعى ان يكون الجميع نيام ، صعد الدرج و هو يفك رابطة عنقه باختناق و كأن الأكسجين نفذ من الهواء بالكامل ، فتح باب الغرفة بإرهاق ليتسع جفناه المتهدلان عن آخرهما من هول رأى! ، حيث وقفت زينة عند السرير ما ان دلف ليظهر فستانها ذا الخامة الحريرية و طوله الذى يبتعد عن الركبة بشبرين إلى جانب كونه يبرز كلا ذراعيها دون أكمام مع عظام رقبتها و ترقوتها العارية ، فكان مفصلا مفاتنها و مبديا إياها على نحو جعله يفرك عينيه بسرعة محاولا التأكد من كونه لا يحلم ، فتح عينيه ببطء ليتأكد من صدق ما يرى ، حيث تقف زينة بهذا الفستان الفاتن و شعرها الحريرى الطويل منسدل على كلا منكبيها لأول مرة ، حيث دوما تظهر أمامه بالجدائل! ، ما ان لحظت عيناه المسلطتان عليها حتى هربت بخاصتيها مثبتة إياهما أرضا و هى تعض على شفتها السفلى بحرج بينما توردت وجنتاها خجلا من نظراته الملتهمة ، فلقد نسى غضبه و حنقه من هيدى بعد رؤيته لزينة بهذا الشكل ليقترب منها ثم يضع يديه خلف خصرها مقتربا منها حتى صارت المسافة بينهما لا تتعدى بضعة إنشات ، ظلت مطرقة برأسها و قد تضاعف خجلها بعد اقترابه و تبين عيناه المثبتتان عليها بإعجاب ، أمسك بذقنها ثم رفع رأسها إليه حتى تلاقت عيناهما حيث يقول بافتتان:
_ اى القمر ده؟
_ عجبتك؟
تمتمت بها بصوت يكاد يسمع و قد أسرت عيناه خاصتيها و انغمستا فى حديث طويل المدى قبل ان يتحول إلى ألفاظ مسموعة من قبل أشرف الذى يقول بانتشاء:
_ جدااااا
نطق بها ثم لم يطق الانتظار أكثر حينما أمسك بيمناه رأسها مقربا إياها منه حتى انغمسا فى قبلة طويلة تعبر عن قليل من افتتانه بها و الذى تضاعف لهيب شوقه ما ان ظهرت أمامه بهذه الهيئة ، بينما تمتد يسراه لتزيح حمالة الفستان عن منكبها و تداعب أنامله بشرة عنقها بطريقة اذابتها بكأس هواه لتتناسى خوفها و خجلها و تتذكر فقط انها مع زوجها و حضنها الدافئ

دلفت إلى داخل غرفة السكرتارية دون استئذان لتقف السكرتيرة عن كرسيها بسرعة و قد اعتراها الفزع بعد رؤية معالم التجهم البادية على وجه المقتحمة غرفتها ، حيث قالت بتلعثم:
_ آنسة هيدى! ، اى اللى دخلك كدة بدون استئذان؟
تجاهلت هيدى سؤالها بسؤال آخر تنطق به بغضب مكتوم:
_ أشرف جوة؟
اماءت برأسها و هى تقول إيجابا:
_ أيوة استاذ أشرف جوة عنده اجتماع مهم و قال ماحدش…
انقطعت عن الإكمال بعدما اندفعت هيدى نحو باب غرفة أشرف لتقتحمها دون استئذان هى الأخرى ، متجاهلة نداءات السكرتيرة التى كانت تهرول نحوها تحاول ردعها دون جدوى ، هب أشرف عن كرسيه واقفا و كذلك الرجل الذى كان يجلس أمامه بملابسه المتألفة من سترة حمراء و سروال جينز _مما يؤكد و بقوة كونه لا يصلح عميلا يعقد معه اجتماعا هاما كما ذكر سالفا_ ، تفحصت هيدى هيئته من رأسه حتى أخمص قدميه بازدراء ثم تشدقت بسخرية:
_ هو ده بقى الاجتماع المهم اللى ماينفعش حد يقطعه
تحدثت السكرتيرة و هى تنظر إلى أشرف بخوف:
_ و و الله حاولت امنعها يا فندم بس هى مارضيتش
رمقها أشرف بنظرات نارية و قد طحن أسنانه غضبا ، و لكنه تحكم بنفسه للحظات موجها الأوامر إلى السكرتيرة قائلا:
_ طب اطلعى برة يا سما
ثم التفت إلى الرجل قائلا بلهجة آمرة:
_ و اتفضل انت دلوقتى و هبقى أعرفك التفاصيل وقت التنفيذ
أماء برأسه طاعة و هو يقول بلهجة شعبية ذات نبرة خشنة إثر تناول المخدرات:
_ أوامرك يا باشا
ثم خرج هو الآخر تاركا اياهما على انفراد حيث ازدردت هيدى ريقها بعدما لحظت نظراته المحرقة فور دخولها ، إضافة إلى انه يحدق فيها و هو يكز على أسنانه حتى ظهرت نواجزه ، اخذ يقترب منها بخطوات ثابتة بينما ترجع هى إلى الخلف ضعفها حتى توقفت اثر اصطدام ظهرها بالباب لتتوقف مكانها و السكون يعم الأجواء لا يقطعه سوى صوت أنفاسها اللاهثة و قد أيقنت لتوها مقدار الجرم الذى اقترفته منذ مقابلتهما الساخطة قبل أسبوع و الآن اقتحامها لمكتبه بطريقة تجعله يكاد يفتك بها
بينما توقفت هى بسبب الباب استمر هو بالاقتراب منها حتى صار مقابلا لها يزفر بغضب حتى لفحت أنفاسه الحارة وجهها ، فتجمدت الدماء بعروقها إثر الارتياع الذى انتابها ، ثم سرعان ما اجفلت حينما وجدته يمسك بجيدها بين قبضته هادرا:
_ عايز اعرف دلوقتى ، اى اللى انتى بتعمليه ده؟ ، جرالك اى عايز افهم؟
أغمضت عينيها بذعر بينما وجيب قلبها يعلو و يهبط باضطراب ، و لكن قبل ان يكمل فى زجرها استجمعت شجاعتها و هى تقول بصوت موشك على البكاء:
_ انت مابقيتش تحبنى زى الأول ، أنت خلاص بقيت بتحب السنيورة و سيبتنى انا اخبط راسى فى الحيط!
ترك رقبتها ثم وضع كلتا يديه على خصره و هو يمط بشفتيه قائلا باستهجان:
_ لا و الله؟!
فتحت عينيها لتنظر إليه و قد استطاعت السيطرة على وجيب قلبها المرتعب ، لتجيب نبرته الساخرة قائلة بتأكيد:
_ ايوة دى حقيقة ، مابقيتش فاضيلى و شغلك خد وقتك ، علطول بتتفسح معاها ، استلمت وصيتك و بقيت ف حضنها و نسيت هيدى و حبها!
ضر,ب وجنتها بخفة و هو يقول مستنكرا:
_ جاية تقولى انى حبيت زينة و اترميت ف حضنها يا هبلة؟!
أمسكت برأسه بين راحتيها ثم قربته من رأسها حتى التمس جبينيهما و قد ثبتت عيناه بخاصتيها قائلة بتصميم:
_ طب عينى ف عينك و قولى لو فعلا ماضعفتش قصادها كدة؟!
رفرفت أهدابه للحظات قبل أن يبعد كفيها عنه و يشيح بنظره الى الجانب الآخر لتومئ هيدى بقهر و قد حصلت على إجابتها المريرة ، رفعت حزام حقيبتها و اسندته على كتفها و اتجهت إلى الباب حيث أمسكت بالمقبض و قبل ان تديره بادر أشرف بإمساك يدها الملتفة اناملها حول المقبض رادعا إياها عن التحرك ، عبست بين حاجبيها بدهشة لتنظر إلى أشرف الذى صرخ بها ناهرا:
_ انتى اتجننتى يا هيدى؟! ، خلاص وصل بيكى الشك فيا للدرجة دى؟! ، امال هو الاسم بتحبينى و خلاص؟
أغمضت عينيها بنفاذ صبر من طريقته الغبية التى تتلخص فى رفع صوته دليلا على ضعف موقفه ، لذا قابلت عاصفته بهدوء صوتها ممتقعا:
_ انا حبيتك و لسة بحبك بس اللى عملته يدل على انك بتحب زينة ، خصوصا وجودك معاها كل ده بعد ما خدت القسيمة ، و بعد خناقنا اسبوع كامل ماتتصلش عليا حتى! ، فخلاص بقى أمشى بكرامتى أحسن
تحدث أشرف بصوت عال أقرب إلى الصراخ يزيل صماغ الأكاذيب عن اذنها:
_ بس انا لسة بحبك يا هيدى ، انا بعمل كل ده عشان حبنا و عشان نفضل دايما مع بعض
جحظت عيناها و انفغر فمها صدمة مما يقول هذا لترهف السمع له حيث يشير نحو الخارج مكملا بنبرة حادة:
_ عارفة اللى كان عندى من شوية و اتتريقتى على اجتماعى معاه يبقى مين؟
رمقته بفضول تنتظر الإجابة بينما يسترسل هو:
_ ده كان الراجل اللى هينفذ خطتنا عشان أخلص من زينة للآخر بقى!
ثم حدق بها يقول بثبات:
_ بس غيرت حاجة بسيطة فى الخطة عشان أبوها و اخوها ممكن يدبحونى فيها ، عشان كدة كان التكتيك فى الموضوع ده لازم
تشدقت بنبرة متبرمة:
_ و بالنسبة لضعفك قدامها علطول…
قاطعها يقول بعتاب:
_ فى نفس اليوم اللى اتخانقتى معايا فيه لاقيتها استخدمت أسلوب إغراء لأول مرة أشوفه منها ، و طبيعى لأى راجل ف مكانى يضعف ، مش شرط حب يعنى يا أبلة ، و كل الفترة دى عشان تغيير الخطة يبقى ماشى تمام و مافيش حاجة توقفنا
ثم أمسك بطرف اذنها مقربا رأسها منه حيث يهمس على مقربة منها قائلا:
_ مافيش لا قبلك ولا بعدك تاخد المكان اللى ف قلبى يا بنت قلبى
ابتعدت عنه ثم نظرت بوجهه مطولا تستشف صدق كلامه و الذى بدا واضحا من معالمه الثابتة غير المتقلصة ، لتقترب منه ثم تحتضنه بين ذراعيها هاتفة بسعادة:
_ بحبك ياااا أشرف

 

الفصل السابع:

دلف بداخل غرفته ثم أغلق الباب خلفه ، ثم أسند يسراه بخصره بتعب مع توتر بدا و هو يفرك جبهته بيمناه محاولا تجاوز التفكير بالخطوة القادمة ، إلى أن باغتته رنات الهاتف المزعجة ليسرع نحو الكومود ثم يطالع الاسم المضئ على الهاتف دون الإمساك به لترتسم ابتسامة جانبيه بثغره و عيناه تشعان مكرا ، التقط الهاتف ثم سحب زر الإجابة و وضعه على أذنه قائلا ببرود:
_ ألو
أتاه صوت الطرف الآخر هادرا بغضب:
_ اى اللى بعتهولى ده يا ولد المركوب؟
لم يتأثر او تبدُ أقل معالم الدهشة على وجهه و إنما كان يتوقع جيدا هذه الطريقة الفظة بعد ما أرسل إلى حسنى عبر الإنترنت ليتصل به الثانى ثائر الغضب ، فقابله متشدقا بنبرة سمجة:
_ و الله اللى شفته يا أستاذ حسنى ، كنتوا فرحانين اوى ببنتكم و انها أشرف من الشرف! ، تعالوا شوفوا عملت اى و انا مسافر و خانتنى و طعنت ف شرفى ازاى؟
نظر حسنى نحو والده و هو يطحن أسنانه من الغضب بينما يحثه الثاني على الإكمال و قلبه يكاد يخرج من مكانه بعد الصورة التى أُرسلت الى حساب حسنى و التى بها ابنته بقميص للنوم بين احضان رجل آخر جعلته يشعر بأن كل ما شيّده طوال عمره من السمعة و الاحترام داخل القبيلة و القرية كلها ينهدم بلحظة واحدة بسبب ابنته التى لا يعرف كيف يعطيها وصفا يليق بها حتى الآن!
قال حسنى بزجر:
_ أنى عارف اختى زين ، أكيد انت اللى مركب الصورة بالبرامج العفشة بتاعت النت دى
تحدث أشرف بخبث:
_ و الله انا ماليش فى حوارات التركيب دى ، و بعدين روح شوفها مع متخصص و لو تركيب يبقى ليك الكلام
ضم قبضته بعنف حتى ابيضت مفاصله و غلت الدماء بعروقه و قد شعر بأنه فى برزخ بين نارين ، لا يعرف كيف يتصرف؟! ، هل يظهر صورة أخته بهذا المنظر أمام خبير و يُمرغ سمعتهم بالتراب؟ ، أم يضع العقدة بالمنشار و يق,تلها دون الحاجة إلى أن يفتضح أمرها أكثر من ذلك؟ ، نفض الأفكار عن رأسه _مؤقتا_ و هو يقول متسائلا:
_ و فين هى دلوك؟
أجابه بصلابة و تهكم:
_ طلقتها و رميتها فى الشارع ، دى واحدة حقيرة ما تستاهلش تبقى ف بيتى ولا تحت عصمتى ، سلام
ثم أغلق الهاتف سريعا دون انتظار إجابة تاركا الرعب ينهش صدورهم ، لا يعرفون كيف هو السبيل إلى إيجاد حل سريع لهذه المشكلة التى قد تودى بحياتهم و ليس سمعتهم فقط!!
بينما على الطرف الآخر عادت الابتسامة الماكرة تعلو ثغره مجددا بعدما توالت إليه ذكرى ما حدث قبل ساعتين حينما دلف إلى الغرفة ليجد زينة تقف أمام المرآة و هى ترتدى فستانا أزرق بخامة الدانتيل فى أطرافه الأربعة و خامة الستان تغطى البقية ، إلى جانب لمسات المكياج التى وضعتها بقدر ما علمتها نجاة ، تحرك أسنان المشط على شعرها المنسدل على ظهرها بانسيابية ، اقترب منها و هو يحدجها بنظرات ملتهمة لا يستطيع إزاحة بصره عنها ، حتى صار خلفها تماما ليحاوط خصرها ثم يطبع قبلة صغيرة على عنقها قائلا بإعجاب:
_ هو كل مرة هتحلوى اكتر من الأول ولا اى؟
أغمضت عينيها بنشوة ما ان شعرت بأنفاسه الدافئة التى تلفح عنقها فاضحة أمر لهفته _الغير مرغوب فيها حاليا_ حيث هو حائر بين تنفيذ خطة عاتية و صغيرة _فاتنة رغم جسدها النحيل_ يضعف لمجرد رؤيتها دائما ، ظل على حاله مستمتعا باحتضانها و هو يراها عبر المرآة بينما هى تنظر إليه بابتسامة غنج حتى قطع شرودهما طرقات الباب الخافتة ليبتعد عنها سريعا و كأنه أفاق توا بينما ابتعدت زينة باتجاه الدولاب كى لا يلمح من بالباب طرفا منها و هى بهذا الشكل ، سار أشرف الى الباب و أدار المقبض ثم أدار المقبض جذبه ناحيته ليجد الخادمة تقف و هى ممسكة بصينية على سطحها كوبين من العصير ، اشرأب أشرف بعنقه مقتربا منها برأسه و هو يهمس:
_ عملتى اللى قلت لك عليه؟
اماءت برأسها قائلة بخفوت:
_ أيوة يا بيه
ثم احنت رأسها نحو اليسار قليلا و هى تقول بحذر:
_ الكوباية اللى عالشمال
_ و كل الخدامين مشيوا؟
_ أيوة مابقاش غيرى انا
أمسك بالصينية من بين يديها ثم قال آمرا:
_ كويس امشى انتى كمان و مش عايز ألمح حد فى الفيلا ، و حسابك بكرة على داير المليم هتاخديه
قالت بطاعة:
_ حاضر يا بيه
ثم انصرفت من أمامه سريعا بينما يعود أشرف إلى الداخل مجددا ليجد زينة التى تقترب منه و هى تقول بحدة:
_ انت كنت واجف معاها كتير ليه؟
وضع الصينية على الكومود دون الرد عليها ليزداد حنقها أكثر حيث تزيد فى اقترابها منه ثم تقول بغضب:
_ انى مش بكلمك؟ ، رد عليا
أمسك بالكوبين ثم مد أحدهما إليها قائلا ببرود:
_ اشربى العصير يا زينة
هتفت فى سخط:
_ مش هشرب حاجة
استدارت نصف دورة إلى الجهة الأخرى بينما يقرب أشرف شفتيه من أذنها قائلا بعبث:
_ للدرجة دى بتغيرى عليا؟ ، دانا بس كنت بقولها تخلى كل الخدامين يروحوا النهاردة عشان يبقى المكان فاضى و ناخد راحتنا بقى!
حركت عينيها إلى الأعلى بانتباه و قد تبين مراده من دقائق كلامه معها ، حيث التفّت مجددا لتقابله بعينين عاشقتين بينما يقرب هو الكوب من فمها بطريقة شاعرية قائلا بخبث:
_ اشربى العصير يالا عشان اللى هيحصل بعد شوية محتاج مجهود
قال كلمته الأخيرة متبعا إياها بغمزة جعلت وجنتى زينة تكتسيان بحمرة الخجل ، لترتشف من الكوب و هو لايزال بين أنامله ، و لأن به مذاقا مميزا هذه المرة تجرعته كاملا بشربة واحدة ، حيث يلتقط أشرف الكأس من بين أناملها ثم يعيده إلى الكومود بينما تقترب منه زينة ثم تحاوط عنقه بيديها ، فتستند عليه قليلا و قد شعرت بأن جسدها قد ارتخى فجأة ، ضمها إليه أكثر مساعدا إياها كى تقف ، ولم تأبه إلى ذلك الضعف الذى اعتراها فجأة و إنما قربت شفتيها من خاصتيه أكثر كى تنال قبلتها الأولى بهذه الليلة ، و لكن ما أن لامست شفتيه حتى انهارت تماما و غاب عقلها عن الوعى و التقت جفونها معا لتقع بين ذراعى أشرف الذى ابتسم و هو يقول منتصرا:
_ الحمد لله ، اول حاجة خلصت كدة
ثم وضع يمناه خلف ظهرها و يسراه أسفل ركبتيها يحملها و يمشى قليلا حتى يصل الى السرير ثم يضعها على سطحه ، اعتدل بجذعه العلوى ثم وضع أحد يديه على خصره بينما يمسك بهاتفه ثم يضغط على بعض ازراره و يضعه على أذنه منتظرا إجابة الطرف الآخر ، لمحها من طرف عينه ليتنهد بتعب ثم يقول و قد اعتلى الوجوم ملامحه:
_ عارف ان ده فيه أذى كبير ليكى يا زينة ، و عارف ان معاملتك ليا ماتستاهلش اللى هيحصل ده ، بس اعذرينى انا بحب هيدى و ف نفس الوقت مش قادر أخلص منك و ابوكى و اخوكى ممكن يق,تلونى فيها ، اعمل اى طيب؟
قبل ان يترك لضميره فرصة الإجابة سبقته إجابة الطرف الآخر:
_ أيوة يا أشرف
أشاح وجهه الى الناحية الأخرى قبل ان يضعف أمامها و يعطل المراكب السائرة ، حيث يتحدث بصلابة:
_ كل حاجة جاهزة ، هاتى محمد و تعالى يا هيدى

بعد أقل من ساعة كان ثلاثتهم يقفون بالغرفة حيث تنام زينة ، بعدما سوَّل الشيطان إلى أشرف ان يترك زوجته بهذه الملابس دون ساتر ينقذها من عينى هذا الحيوان المسير بغرائزه حيث يرمق زينة بنظراته الشهوانية ، يود لو يفتك بها كحيوان مفترس اصطاد غزاله جارا إياه إلى عرينه ، قال محمد فى قرارة نفسه بافتتان:
_ أشرف ده أغبى واحد شفته ف حياتى ، معقول الجمال ده كله يبقى بتاعك و تفرط فيه؟! ، يالا برضه محظوظ عالاقل دوقت ، انما بعد اللى هيحصل النهاردة ده هتبقى بتاعتى انا و بس
و بالفعل تحرك ما ان حصل على الأوامر ليأخذ جسدها النحيل بين براثنه القذرة حتى يلتقط الصورة شبيه الرجل الذى أوحت إليه ظنونه بأنه سيملك الدنيا بما فيها بمجرد التخلص من هذه العاجزة ، و لكنه نسى أن الله مطَّلع على أعمال العباد و ما من مظلمة إلا تُرد لصاحبها ، إن لم يكن فى الأرض فحتما فوق السبع سماوات

قطع استرسال أفكاره دخول هيدى و هى تقول:
_ يالا يا أشرف عشان انقلها ، لأن البنج أثره قرب يروح
_ مشى محمد؟
_ آه مشى
وقف عن السرير ثم قال موافقا:
_ طب تمام يالا

أخرج سلاحه من جوف الدولاب الخاص بملابسه ثم وضعه داخل جيبه و اتجه بخطوات متسارعة الى الخارج حيث تعطله عن السير نجاة التى تقف عند الباب و دموعها مغرقة صفحة وجهها ، تطالعه بعين والدة مكلومة على صغيرتها ، ترجوه ان يتوقف دون كلام ، اشاح بصره عنها ثم هم ليتحرك و هو يقول بنبرة جافة:
_ اوعى من طريجى يا نجاة
جثت على ركبتيها ثم أمسكت بيده و أخذت تقبلها قائلة برجاء:
_ أحب على يدك ، ماتجتلهاش يا حسنى ، دى أختك اللى مالكش غيرها
شعر بالضيق الشديد من ركوعها ذليلة بهذه الطريقة لينفض يده عنها مزمجرا بغضب:
_ جلتلك حلى عن وشى الساعة دى يا نجاة ، عفاريت الدنيا بتتنطط جدامى دلوك
عادت تقف مجددا ثم وضعت كلتا يديها على صدره تحاول اثناءه عما يعزم فعله و هى تقول بتوتر:
_ طب شوفها عند مصوراتى الأول و بعدين أحكم ، و الله زينة أصفى من اللبن الحليب ، و باين أشرف ده هو اللى سافل و بيلفج لها التهمة ، و الله ما كنت مرتاحة للراجل ده من الأول
حدجها بنظرات نارية تكاد تحرقها ليهب فى وجهها كالعاصفة متحدثا بنبرة مستهجنة ساخطة:
_ إذا كنت انى بذاتى مكسوف اشوف الصورة جوم اكشف جسم اختى على الغريب و راسنا برضه تتمرغ فى العار؟!
تشدقت نجاة باستنكار:
_ لا يبجى تجتلها حتى لو ظلم احسن
دفعها عن طريقه بعنف قائلا بصرامة:
_ اوعى بجى
كادت أن تقع بسبب دفعته القوية و لكنها تماسكت سريعا عندما تلمست بالباب متخذة إياه دعامة ، ما ان استعادت توازنها حتى سارعت إليه قبل ان يخطو بداية الدرج ممسكة ساعده بكلتا يديها و هى تقول مصممة:
_ لا مش هتروح تجتل أختك يا حسنى
وهنا وصل غضبه إلى ذروته حتى انفجر فيها بغضب حيث يعتصر ساعدها بقبضته بينما ينهال عليها بيده المنبسطة بسيل من الصفعات التى صمت الجدران من شدة صداها كما ادمت الدماء من فمها بغزارة ، يصرخ فيها بشراسة:
_ جلت لك ما تتدخليش ، جلت بعدى عنى
و حينما شعرت بضياع الوعى تدريجيا حتى لم تعد تستطيع قدماها ان تحملاها اكثر من ذلك و وقعت أرضا متكومة على نفسها ، لم يكتف هو بذلك و إنما ودعها قبل ذهابه بركلة من قدمه أصابت بطنها مباشرة لتطلق صرخة مدوية ارتجت لها أركان البيت بأكمله و لكن لم تبدِ تأثيرها على حسنى الذى أعمت نيران الغضب والقسوة قلبه ليكمل سيره عازما على حماية شرفه بأسرع ما يمكن بينما بقيت هى متكومة على نفسها تشد من احتضان بطنها و قد تفاقم الألم أضعافا حتى لحقها قاسم الذى هرول يصعد اليها حتى أمسك بساعديها جاذبا إياها إلى الأعلى قليلا و هو يقول بخوف:
_ نجاة! ، مالك يا بتى؟
لم تنطق سوى بكلمات مترددة تضج بالألم:
_ مش جادرة يا عمى ، و الله هموووووت الحجنيييييى

بين مرحلة الوعى و اللاوعي يسكن صراع كبير ، حيث يجادل العقل للاستيقاظ بينما يجهض محاولاته المخدر الذى سرى بالدم مجمدا الخلايا عن العمل ، تجاهد بقوة لفتح جفونها و محو الظلام ، و لكنها استيقظت لتجد ظلاما آخر جعل الشك يساورها بكونها لم تفتح عينيها بعد ، حركت كلتا يديها ببطء بسبب الأثر الطفيف الذى خلفه المخدر ثم فركت عينيها كى تعطى الرؤية مجالا للظهور ، فتحت عينيها مجددا لتجد الظلام الدامس لا يزال يرافقها ، الى جانب انتباهها أخيرا إلى كون جسدها يهتز مع السيارة التى _على ما يبدو_ مستلقية بها ، نهضت بجذعها العلوى و هى تضع يدها رأسها متأوهة ، ثم سرعان ما تلفتت حولها بفزع ثم نظرت إلى المقعدين الاماميين صارخة بذعر:
_ انتو ميييين؟
توقفت السيارة بغتة لترتد بجسدها إلى الأمام ثم تعود مجددا و علامات الارتياع باتت ظاهرة على وجهها ، حتى خرج أحدهم من مقعد السائق لم تتبين ملامحه إثر الظلام المخيم بهذا المكان الشاسع ، ما ان فتح باب السيارة لتدقق النظر بمعالمه حتى ارتاحت معالمها و هى تقول بنبرة مستنجدة:
_ أشرف اى اللى جايبنى اهنه؟ ، خدنى ف مكان تانى انى خايفة
لم يجبها سوى بجذبها من يدها بقوة جعلتها تخرج بجسدها من السيارة إلى أحضان الرمال القابعة بالأرض حيث توقفت السيارة بطريق صحراوى! ، رفعت رأسها عن الرمال حتى بقيت آثارها على صفحة وجنتها ، ثم التفت بوجهها إلى أشرف الذى كان يرمقها بنظرات شيطانية ، لتقول بأنفاس لاهثة إثر ذهولها من هول ما تم الآن ، فتشدقت ببهوت:
_ ليه عملت اكده يا أشرف؟ ، فى اى؟
لم يتحدث مجددا و إنما خرجت من المقعد المجاور للسيارة فتاة عشرينية ترتدى ملابس ملاصقة لجسدها حتى لا يُعلم ما تستر بالضبط ، تحدق فى زينة بنظرات خبيثة اخافتها حيث تقول بتوتر:
_ م مين انتى؟
أطلقت هيدى ضحكة سمجة صاخبة ثم التفتت الى زينة ما ان انتهت و هى تقول:
_ انا اللى هخلص على احلامك كلها يا سكر
ثم اقتربت من أشرف حتى استندت بمرفقها على كتفه قائلة بغرور:
_ أنا اللى هاخد منك كل حاجة كان نفسك فيها ، انا حبيبة أشرف
جحظت عينا زينة و قد شعرت بأنها حطَّت بعالم آخر و عقلها بات مغيبا تماما ، لم تعد تسمع ما قيل بعد ذلك من كلماتها الصلدة و إنما سمحت فقط لدموعها بالخروج من محابسهن ، إلى أن استعادت وعيها سريعا ما ان سمعت صوت اشرف بعد طول صمت منتظرة ان يريحها و يخبرها بأن كل ما يحدث مجرد كذبة أو مزحة
و لكن على العكس تماما ، اقترب منها قليلا ثم هتف بقسوة:
_ اه يا زينة كلامها صح ، هى اللى حبيبتى ، مستغربة كدة ليه؟
علت شهقاتها حتى وصلت إلى الآذان و قلبها بات ينزف دما ، و دموع القهر تنساب من مقلتيها بغزارة ، بينما يكمل أشرف معترفا بافعاله الشنيعة بكل وقاحة:
_ فى الحقيقة يا قمر ، أبويا كتب وصيته قبل ما يموت إنى هورث كل الفلوس لو حصل و اتجوزت صعيدية هوارية ماحدش لمسها قبل كدة ، يعنى لا متطلقة ولا أرملة
ثم لوح بسبابته نحوها قائلا بتهكم:
_ و طلعتى انتى الفقرية اللى هتتجوزينى ، بعد كدة خدت معاكي فترة جواز عشان الخطة تبقى ماشية تمام ، و جبت واحد صورتك معاه بقميص النوم اللى كنتى لابساهولى أنا ، عشان يبان انه ليه هو ، و بعد كدة بعتّ الصورة لاخوكى ، تحبى تشوفيها؟
صاحت بأقصى ما عندها من قوة بسخط:
_ آه يا واطى يا سافل يا حيوان ، بجى تعمل أكده ف مرتك يا شنب عالفاضى..
لم يعطها فرصة أخرى للإكمال حيث أمسك بشعرها بين قبضته لتتأوه ألما بينما يهتف بشيطانية:
_ اخرسى يا بت انتى ، و اعرفى دلوقتى ان اخوكى ف اى وقت هيوصل و هيدور عليكى ف كل حتة و لو عتر فيكى ، قولى على نفسك يا رحمن يا رحيم
ثم اعتدل بنصفه العلوى مجددا ثم بصق أمامها بتقزز قبل ان يقول و هو يحدق فيها بازدراء:
_ انتى طالق يا….. مدام
ثم ركب السيارة و تلته هيدى التى ارتسمت على شدقها ابتسامة ماكرة حيث تلتفت إلى أشرف قائلة بإعجاب:
_ برافو عليك
أدار المحرك ثم تحرك عائدا أدراجه إلى القاهرة ، تاركا زينة التى أخذت تجهش فى البكاء بغزارة حتى كادت تجف الدموع بين الجفون ، أخذت تطلق صرخات عالية تعبر عن قليل مما يجيش بصدرها ، تضم يديها أمام وجهها و هى تدمع بقهر ، تشعر بأن الصدمة شلَّت جوارحها كافة ، تتمنى و بشدة ان تنشق الارض و تبتلعها خيرا من وقوع هذه الكلمة على مسمعها حتى صمَّتها ، تتمنى لو كانت بكابوس ينتهى بعد قليل ، نيران الظلم و الخداع مضرمة بصدرها بينما يخرج دخانها مع زفراتها الساخنة ، لا تصدق ان هذا الذى سلمته روحها قبل جسدها يفعل بها ذلك ، أعطته مفاتحها بكل سرور ليسرق ما يشاء ثم يذهب تاركا إياها بالعراء ، دون حبة نخوة او ذرة حنان تركها دون ان يلتفت حتى إلى الوراء! ، دون لمسة رجولة التقط لها صورة مع أجنبى عنها دون ان تتحرك له شعرة او تردعه غيرة! ، نطق بالطلاق بكل ما للبرود من معنى حيث لم يتراجع أو يشعر بالندم او يفكر للحظات! ، فكان بالضبط كذئب دون رحمة فتك بفريسته على حين غرة! ، توقفت عن ذرفها للدموع ما ان لاحت إلى ذاكرتها جملته الحمقاء مهددا:
_ اعرفى دلوقتى ان اخوكى ف اى وقت هيوصل و هيدور عليكى ف كل حتة و لو عتر فيكى ، قولى على نفسك يا رحمن يا رحيم
ثم تلفتت نحوها يمنة و يسرة و قد وجدت نفسها بأحراش الصحراء الصارمة حيث لا تسمع همسا او ترى انسيا ، فقط صمت مطبق يقطعه شهقاتها الصاخبة ، و التى وجدت مع استمراريتها إيقاظا لأعتى حيوانات الصحارى ، كما و فى نفس الوقت لديها اخاها الذى دوما كان الظهر و السند و مصدر الحماية و الأمان يود أن يقت,لها ما أن يراها تخلصا من العار الذى سيقبع على أنفاس العائلة كلها ، شعرت بأنها مقيدة لا تعرف ما تفعل او كيف تفعل ، فقط كل ما أتى أمامها هو الهروب و التشبث بآخر قشة للأمل بهذه الحياة ، علها تستطيع النجاة!
أخذت فى السير بالطريق الذى غادرت السيارة باتجاهه ، أقدامها الحافية تنغرس بالرمال الباردة ، كما ينخر الهواء المجمد باوصالها حتى تخشبت أطرافها ، تمشى بإعياء لا تعرف سببه أهو المخدر أم البرد أم الصدمة؟ ، و لكنها تجاهد للبقاء على قيد الحياة حتى و ان كانت ستهرب من الحيوانات إلى سلاح أخيها!
و لأن السيارة لم تكن ابتعدت كثيرا عن الطريق السريع ، استطاعت زينة بعد مرور ساعة فقط ان تبلغ الأسفلت الساخن ملمسه بسبب احتكاك عجلات السيارات الذاهبة و العائدة به ، أمسكت برأسها و عينيها تجاهدان للبقاء مفتوحتان و لكن الأمر أصعب مما تتخيل ، و ما يزيد الطين بلة هو قدوم سيارة تهرع باقصى سرعتها بنفس الاتجاه و باللحظة الأخيرة يضغط صاحبها المكابح سريعا حتى تصدر صوت احتكاك قوى ، و لكن مخلفة صدمة كانت من نصيب جسدها الهذيل لتقع أرضا مكملة غشاوتها بسلام

 

بقلم إسراء عبد القادر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *