عقد زواج 2
الحلقه الحادى عشر
ً جلس يوسف على مكتبه يراجع المزيد من العقود، فلقد أنهك كثيرا مؤخرا بعد أن
زاد العمل عليه وهذا هو الشيء الوحيد الذي يصبره على افتقاده لريهام التي تعيش
معه ولكنها ليست له، وما أن تذكرها حتى أخرج دفتر صغير ليفتحه ليرى الوردة
البيضاء التي جفت تماماً، ابتسم وهو ينظر لها متمتماً:
انت الحاجة الوحيدة اللي بحس أنك منها.
أغلق الدفتر ليعيده مكانه، ليسترخي على كرسيه لبعض الوقت…
ها قد مر شهران على زواجهما، ومع ذلك لا يمكنه أن يقول أن ريهام تغيرت
مشاعرها ناحيته.. لا زالت تعامله بنفس الطريقة، مما يسرب له اليأس أحياناً في
لن تشعر به أبدا.. لذا يفكر في أن يخبرها بحبه.. ولكن سرعان ما يتراجع ً أنها
ويشعر بالخوف.. الخوف من الرفض.. وهذا يجعله يتذكر رامي.. الذي ما زال
إلى الان يخشى الاعتراف بحبه لنهى، وهو يتفهمه تماماً.. ما أقسى أن تسمع كلمة لا ممن تحب.. فتفضل أن تعيش في وهمك على ألا تصدم بواقع الرفض.
ـ أنت مش هتروح؟.. الوقت اتأخر!.
التفت لزميله أحمد قائلًا:
ـ آه.. هروح.. شوية وهقوم.
ـ طب أنا ماشي عايز مني حاجة؟.
شكره وودعه، وبالفعل لم يبق طويلًا ليغادر هو الاخر..
وصل لشقته منهك القوى، الحظ أن التلفاز يعمل.. فاقترب من غرفة المعيشة
ليجد ريهام مستغرقة في النوم على الاريكة وقد تدلى من يديها جهاز التحكم عن بعد..
ابتسم لمرآها واقترب ليجلس أمامها على المنضدة.. رآها كأميرته النائمة التي
تنتظر أميرها ليوقظها، مد أنامله ليلمس شعرها لكنه توقف قبل أن يفعل.. كم
يتمنى أن يلمسها.. كم يتمنى أن يضمها إليه.. هل ستسمح له بحملها ووضعها
في الفراش؟
أراد فعلا أن يفعل ذلك لكنه لم يستطع.. ضم أصابع يده وضغط على قبضته
ليقول هامساً:
“الموضوع بيكون صعب قوي لما تكوني قدامي… ياه لو تعرفي بحبك أد إيه!!…
معقولة ما حسيتيش بيا من ساعة ما اتجوزنا؟!… أعمل إيه علشان تحسي بيا؟…
لو سمحت لي أضمك ولو مرة واحدة لصدري كنت أكيد هتعرفي أنا بحبك أد إيه
… لو تعرفي أنا بتعذب إزاي ببعدك عني رغم وجودك قدامي”.
فوجيء بدمعة تفر من عينيه، رفع أنامله ليمسحها محدقاً بها:
“معقولة يا يوسف!!… لدرجة دي… أنت كمان هتعيط؟!!”
شعر بعينيها ترجف، فقام مسرعاً لكنه اصطدم بالاريكة فهبت من نومها قائلة:
ـ في إيه؟… يوسف!.. في إيه؟
لم يستطع النظر إليها، كان يعلم أن بريق الدمع ما زال يمأل مقلتيه فقال:
كنت عايز أصاحيك … خوشي نامي في أوضتك أحسن… أنا تعبان وهدخل
أنام.. تصبحي على خير.
أسرع لغرفته بينما تحدق به ريهام بدهشة ولسان حالها يقول..
“هو ماله؟!”
ما أن أغلق باب غرفته حتى ألقى بنفسه على فراشه:
“ايه اللي بيجرى لي ده؟!.. ليه حاسس أن قلبي بيوجعني كده؟!.. ليه مش قادر
أخليها تحبني؟… ليه؟!”
اعتدل قاعدا : ً وفرك أرسه بقوة قائلًا
“أنا تعبت.. محتاج هدنة.. لازم أبعد عنها شوية.. بس ازاي؟… ايه السبب اللي
هيخليني أبعد؟.. بس يمكن لما أبعد أوحشها.. وتحس أني مهم في حياتها..
يمكن.. يمكن”.
**********
جلس يوسف يرتشف من قهوته، بينما تعد ريهام الافطار وما أن انتهت حتى
جلست قائلة:
ـ هو أنت كان مالك امبارح؟… في حاجة كانت مضيقاك؟.
رسم على شفتيه ابتسامة هادئة:
لا أبدا… بس كنت مرهق شوية… ومش شايف قدامي.. فما اتكلمتش كتير… ً ـ
معلش.
لا عادي… أنا بس قلقت عليك.
تعلق بصره بها مرددا:ً
قلقت عليا!!
شعرت باللهفة في صوته فنظرت لطبقها قائلة:
ـ آه.. يعني… ما كنتش متعودة أشوفك كده.. بس أنت بخير الحمد لله؟.
أومأ برأسه وهو ينظر بعيدا .. ً، ليعاود شرب قهوته
غادرت ريهام لعملها ولم يرحها ردود فعل يوسف.. تشعر بأن هناك شيء تغير..
لكنها لا تستطع معرفة السبب… أين ابتسامته المشرقة التي يمنحها إياها طول
الوقت؟..
فمنذ الصباح وهو يتجنب النظر لها، حتى وهي تغادر لم يودعها كما يفعل
دائماً… هناك شيء ما يحدث ليوسف… ولكن للاسف لا يمكنها معرفته.
*******
بينما يجلس يوسف يتابع عمله رن هاتفه ليرى اسم رامي فأجاب:
أهًلا رامي… إزيك؟! ـ
ـ أنا هقول لنهى النهاردة.
صمت يوسف فلم يتوقع هذا الرد، فقال رامي:
ـ أنت ساكت ليه؟.. أنت مش كنت بتشجعني إني أقولها!.
ـ أيوة.. برافو عليك.. قولها.
ـ أقولها ازاي؟!
ـ زي الناس يا رامي.. وما تديلهاش فرصة تخمن اللي هتقوله.. لان ممكن مخها
يروح في حتة تانية.. قولها على طول كده.. وسيبها بقى تفكر.
صمت ارمي قليلًا ثم قال:
ـ ماشي… يلا سلام.
– سلام.
أغلق يوسف الهاتف لينظر له قليلًا قائلًا:
ـ يا رب حظك يكون أحسن من حظي.
************
خرجت نهى من عملها بالمدرسة في وقتها المعتاد وقد خف زحام الطلبة كثيرا
وبينما تتحرك مع زميلتها، رأت رامي على الناحية الاخرى من الشارع يستند على
سيارته ملوحاً .. لها
أصابتها الدهشة لرؤيته فهي المرة الاولى التي يأتي لمكان عملها، فاعتذرت
لزميلتها وأسرعت نحوه قائلة في قلق:
ـ رامي!.. خير في حاجة؟.. ريهام كويسة؟.
ابتسم قائلًا:
ـ كل الناس كويسة.. ما تتخضيش كده.. أنا بس كنت معدي من هنا والقيت
الطلبة خارجين… قلت أكيد أنت كمان مروحة.. فحبيت أعمل فيكي خدمة إنسانية
وارحمك من المواصلات وأوصلك.. ممكن؟.
ظلت تنظر له بشك، حيث لم تقتنع بأي كلمة من كلامه فقالت:
ـ في إيه يا رامي؟!
صمت وهو ينظر لها فقالت:
ـ أنت عايز تقولي حاجة؟.
أومأ برأسه قائلًا:
أيوة. عايز أتكلم معاك شوية. .
ـ خير؟.
ـ مش هينفع واحنا واقفين كده.. تعالي نقعد نشرب حاجة في أي مكان ونتكلم.
فكرت للحظات ثم قالت:
ـ ماشي.. بس ما تتعودش على كده… أنا هاجي معاك علشان خاطر ريهام..
وعلشان أنا عارفاك كويس.
ابتسم قائلًا:
ـ شاكرين يا فندم.. اتفضلي.
جلست تحدق بكوب العصير الذي أمامها والذي لم تجد الوقت لترشف منه رشفة
واحدة.. فما قاله رامي صدمها بكل تأكيد…
..”ً
ً.. ومتأكد من مشاعري دي جدا
“نهى.. أنا بحبك.. بحبك جدا
كلمات لا تعلم كيف تمكن رامي من قولها؟.. من أين أتى بتلك الجرأة؟!… هل
أصابه الجنون أم ماذا؟!… يحبها!!… كيف؟.. كيف؟!… لا يعلم أنها تكبره
بخمس سنوات؟.. لا يعلم أنها دخلت بيتهم على أنها صديقة أخته الكبرى،
وتعاملت معه بنفس المبدأ؟… والان يريدها أن تنظر له كحبيب؟!..
هزت رأسها وكأنها تنفض الفكرة من رأسها..
أتاها صوت رامي القلق:
ـ نهى… أنت ما بتتكلميش ليه؟!
عقدت حاجبيها وحاولت رسم الغضب على ملامحها وهي تقول:
ـ أتكلم أقول إيه؟!.. إيه اللي أنت بتقوله ده؟… اللي أنت بتقوله ده ما ينفعش.
ـ ليه؟!
ـ ليه؟.. ليه!!… يعني أنت مش عارف؟!.. كفاية سبب واحد واضح وصريح.
عقد ذراعيه أمام صدره قائلا في تحد:
ـ أنا مش شايف أي أسباب.. الالاسباب ساعات بتكون من اختراعنا علشان نرفض
الحاجة..
ً
وبنقدر نغيرها أحيانا لما نعوز نوافق على نفس الحاجة.
هزت رأسها قائلة:
ـ رامي.. خليك منطقي… كل اللي حوالينا مش هيقتنعوا باللي أنت بتقوله ده
أصلًا.
اتكأ رامي بذراعيه على المنضدة قائلًا:
ـ أنا ما يهمنيش اللي حوالينا…أنا ما يهمنيش غيرك.
نفس الرجفة التي أصابتها وهو يعترف بحبها، أصابتها بسماعها كلماته تلك.. لا
يمكنها أن تنكر أنه كان يواتيها إحساس أحيانا بأن رامي يعاملها معاملة خاصة،
ويوليها اهتمامه دائماً، لكنها فسرت ذلك بكونه يحبها كأخته ريهام.. لكن أن يفعل
ذلك لانه يحبها كأنثى.. لم تستطع تخيل ذلك رغم وروده على عقلها أحياناً.
ـ أنا عارف أن قصدك على فارق السن.. تحبي أثبت لك أنها حاجة مش واضحة
أصلًا.
نظرت له بتساؤل فأشار للنادل ليقترب منهما فسأله رامي:
ـ لو سمحت.. ممكن تخمن أنا أكبر من الانسة بأد إيه؟
اتسعت عينا نهى وأشاحت بوجهها بعيدا وقد أصابها الخجل والنادل ينظر لها
مبتسماً ثم التفت لرامي قائلًا:
ـ مش كتير حضرتك.. يعني من وجهة نظري… هو ممكن..بـ 5 أو 6 سنين.
اتسعت ابتسامة ارمي قائلًا:
متشكر جدا.ً ـ
استأذن النادل ليغادرهما فنظرت له نهى بغضب:
الحلقه الثانى عشر
استأذن النادل ليغادرهما فنظرت له نهى بغضب:
ـ إيه الجنان ده؟!
هز كتفيه:
..ـ عادي ما أنتو دايماً .. بتقولوا عني مجنون إيه الجديد؟.. بس شوفت قال إيه؟..
أنا أكبر بخمس ست سنين… الحمدلله إن ربنا خلق ملامحي أكبر من سني..
ومالمحك أصغر من سنك.. ده ما يحسسكيش بحاجة… احنا اتخلقنا لبعض.
لم تتمالك نهى نفسها فأطلقت ضحكة سريعة فقال:
ثم انت
وشك طفولي جدا
رفعت إحدى حاجبيها قائلة:
ـ طفولي!!
مال للامام قائلًا:
ـ أيوة… وبحبه قوي.
تنحنحت قائلة بلهجه تحذيرية:
ـ رامي!!
عاد للوارء قائلًا:
ـ خالص بلاش… أنا قصدي يعني أن ما حدش هيقول أبدا أنك أكبر مني.
ـ على أساس أن عيلتك ما تعرفنيش.. رامي.. اللي بتقوله ده جنان.. والحمد لله
أني مش مجنونة زيك.. وكفاية كده بقى أنا لازم أمشي.. وكأني ما سمعتش
حاجة.
وقبل أن تتحرك أوقفها قائلًا:
ـ نهى.. اسمعيني.. أنا كل اللي بطلبه منك فرصة.. فرصة تشوفيني فيها أني حد
تاني غير أخو ريهام الصغير.. عايزك تشوفيني أنا.. رامي.
قالها بجدية واضحة، نظرت له وشعرت بصدقه فاكتفت بقول:
ـ طيب.. ممكن أروح.
نظر لها قليلًا ثم قال:
ـ حاضر.. هوصلك.
كانت تتمنى أن ترفض لكنها لم تستطع مع النظرة التي حملتها عيناه، وقبل أن
يتحركا رن هاتفها لتجيب:
ايوة يا ماما.. أنت كويسة يا حبيبتي؟… ألف سلامة عليكى .. حاضر
مش هنسى.. مسافة السكة.
عقد رامي حاجبيه:
ـ خير؟.. هي طنط تعبانة؟… أنا كده هكره نفسي!!
ابتسمت قائلة:
لا ابدا… دوا الصداع اللي كتبو ا لها الدكتور خلص… بتقولي أجيبوا معايا ً ـ
علشان مصدعة شوية.
ـ طيب يلا بينا علشان ما تتأخريش عليها.
لم يتبادلا الكلام خلا الطريق، أراد رامي أن يتركها تفكر في كلامه فحسب، و هذا
ما كانت تفعله فعلًا.. كانت لا زالت غير مصدقة أن الكلمة التي تحلم بها أي
بنت تسمعها من رامي.. رامي!!… هذا الفتى الشقي… الذي طلاما كاد لها
ولاخته المقالب منذ أن تعرفت عليه، وعلى ذكر المقالب خطر لها إحداها….
“ـ ريهام.. هدية بسيطة بمناسبة عيد ميلادك
ـ من امتى يا رامي؟… أول مرة تجبلي هدية!!.
ـ حبيت أستجدع شوية.. افتحيها.
ـ برفان.. ده اسمه غريب قوي!.
ـ جربيه ده هيعجبك قوي.
رشت منه على كفها وما أن وصل ألنفها رائحته حتى عقدت حاجبيها وامتعضت
نفسها حتى نهى التي كانت بقربها تراجعت قائلة:
ـ إيه الريحة الفظيعة دي!… ياربي.
صرخت ريهام:
ـ أنت بتهرج!… أوقف هنا.
فر رامي من أمامها وقد تعالت ضحكاته عليها وهي تعدو خلفه:
ـ أنا هقتلك يا رامي.. هقتلك!!.
ـ ايه يا والد في ايه؟!
قالتها سامية لترد ريهام:
ـ انا هقتل ابنك ده.. أنت يا بني أنت.. أنا عندي محاضرة، الريحة دي بتروح
ازاي؟.
قال وهو يغادر هارباً:
غسيليها بالبن.. سالاااااااااااااام.”
لاحظ رامي ابتسامة نهى التي اتسعت شيئاً فشيء حتى تحولت لضحكة مكتومة،
عقد حاجبيه فلم يكن يعرف سبب ضحكها!..
هل تضحك عليه؟.. هل تعتقد أن كلامه سخيف لهذه الدرجة؟
لاحظت نظرات رامي لها عبر المرآة الامامية للسيارة فتالشت ابتسامتها تدريجياً
فعاد رامي يتطلع للطريق متمنياً أن تكون ابتسامتها تلك لشعورها بالسعادة.. أما
نهى فعادت تتطلع له في المرآة.. رامي شاب مقبول الشكل.. ربما لايحمل
الوسامة التى تدفعك لتأمله كثرا لكنه شخص لا يمكنك أن تمل من الجلوس معه
ابدا واذا تحدث ستحب أن تسمع حديثه ً.. ذو روح مرحة للغاية.. و هو فعًلا يبد
أكبر من سنه.. حتى أن البعض كان يعتقد أنه أخو ريهام الاكبر وليس العكس…
ربما بسبب حاجبيه كثيفي الشعر.. أو ملامحه الكبير ة بعض الشيء التي تجعله
يبدو في أوائل الثلاثين رغم أنه لم يتعد منتصف العشرينات بعد.. ولكن.. هل هذا
سبب كافي لتقبل ما يقول؟… بالامس فقط كانت تراه رامي الفتى المشاكس.. هل
عليها الان أن تنظر له كرجل بالغ يحمل مشاعر الحب لها؟..
لا تعتقد أن الامر سهل…
فوجئت به ينظر لها مجددا لتلتقي عيناهما فالتفتت بعيدا وقد سرت قشعريرة فى
جسدها.. ولم تصدق أن هذا يحدث لها.. وبسبب من؟.. رامي!!
ترجلت من السيارة فور وصولهما وقبل توديعه وجدته يهبط هو الاخر قائلًا:
ـ في مشكلة لو طلعت أسلم على والدتك؟. أصلي من ساعة المستشفى ما
شوفتهاش.
صمتت نهى لبرهة قبل أن تقول:
لا أبدا مافيش مشكلة… اتفضل. ً
دعته للدخول فتوسط غرفة المعيشة واقفاً فقالت نهى:
ـ هـ ادي لماما الدوا بتاعها.. و أقولها أنك عايز تشوفها.. اتفضل استريح.
مرت لحظات قليلة قطعتها صرخة مروعة من نهى.. دفعت رامي للقفز من مكانه
مسرع
الغرفة أمها ولم يتوان في فتح الباب لمعرفة ما يحدث، ليفاجئ بنهى
تحتضن رأس أمها وهي تنتحب بشدة مرددة في هيسترية:
أمي.. أمي.. الاااا.. ما تسبينيش..أبوس إيدك خديني معاك .. أمي…
اتسعت عينا رامي بشدة وألجمته المفاجأة، وقد سقط قلبه بين قدميه.. وبقى هكذا
للحظات حتى استعاد تركيزه فأراد الاقتراب من نهى لتهدئتها، لكنها صرخت في
وجهه أن يبتعد عنها، وتشبثت بأمها أكثر..
أسرع رامي خارج الغر فة وهو يتنفس بسرعة… لم يتصور أنه في هذا الموقف
والان.. الان بالذات..
أمسك هاتفه ليطلب ريهام التي كانت في استراحة في الكافيتريا الخاصة بمكان
عملها وما أن اجابت هاتفها حتى سمعت صوت أخيها الفزع:
ـ ريهام.. ريهام.. إلحقيني!.
هبت واقفة وقد أصابها القلق الشديد:
ـ ايه يا رامي في ايه صوتك عامل كده ليه؟.
ـ أم نهى ماتت.
للحظة فقدت ريهام الشعور بكل ما حولها وكأنها في عالم صامت وفارغ من كل
شيء وتمنت لو أن أذنيها خدعتاها فقالت:
ـ أنت قلت إيه؟!
ريهام ارجوك تعالي.. أنا في بيت نهى… وحالتها صعبة قوي.. شكلها جالها ـ انهيار عصبي.. تعالي.
أغلق هاتفه لتتسمر ريهام مكانها لثواني قبل أن تحاول قذف الهاتف في حقيبتها
وتسرع مبتعدة وبدًال من سقوط الهاتف داخل الحقيبة سقط أرضاً وقد تركته
صاحبته وفرت مسرعة.
***********
الحلقه الثالثه عشر
دخل يوسف شقته في ميعاده المعتاد، وانتبه سريعا للهدو ء التام للمكان، واندهش
لذلك فلقد كانت ريهام تصل قبله دوماً إلا إذا حدث شيء لتخبره بتأخرها وهذا ما
لم يحدث اليوم بدل ملابسه ودخل المطبخ ليأكل شيئاً .. سريعا حتى تعود ريهام
ولكن الوقت يمر ولم تظهر مما أصابه بالقلق فحاول الاتصال بهاتفها ليفاجئ
بأنه مغلق، فزاد القلق داخله… وسرعان ما تهافتت الخواطر الشيطانية على
رأسه…
هي الاتحترمك أصًلا.. ولا تعتبرك زوجاً.. هذا زواج صوري أم نسيت؟.. عليك
أن تعلمها أن تحترم العقد الذي بينكما مادام هو صحيح أمام الاخرين، وكيف
تجرؤ على تركك هكذا؟.. كيف ستكون صورتك أمام اهليكما إذا اتصلت بهم بحثاً
عن زوجتك؟!!.. التي من المفروض أنها تخبرك بمكانها طوال الوقت..
لكن.. سرعان ما تغلب قلبه على هذه الافكار وقرر أنه يجب أن يقلق عليها..
ماذا لو أصابها مكروه وهو جالس هنا يؤنبها ويلومها؟
هب واقفاً ليحيك الغرفة ذهاباً واياباً ثم قرر االتصال ببيت عمه لترد عليه سامية
وتحيه:
هًلا يوسف اخبارك ايه انت وريهام؟.. مش باينين ليه؟! ـ أ
عقد حاجبيه فلقد أجابته سامية قبل أن يسأل، هي لا تعرف شيء عن ريهام فلم
يشأ إثارة قلقها فقال:
ـ الحمد لله احنا بخير.. أنا بس قلت اطمن عليكم.. و أكيد هنجلكم قريب… وهبقى
اخلي ريهام تكلمك.
طلبت منه أن يأتيا لزيارتهم في نهاية الاسبوع ، فأجابها بنعم وأنهى الاتصال
معها، أراد أن ينهي المكالمة سريعاً قبل أن تطلب محادثة ريهام، وعاد لحركته
التي أصبحت سبيله الوحيد حتى إنه لا يعرف عدد المرات التي دار بها في الغرفة
وأفكاره تنقله من احتمال سيء إلى احتمال أسوأ.. ومن ضرر إلى ضرر.. حتى
كاد أن يصاب بالجنون رفع أرسه للساعة ليجد أنها قاربت على العاشرة مساءا ً فهز
رأسه بعصبية ثم تذكر رامي فأسرع بالاتصال به لكنه جز على أسنانه عندما وجد
أن هاتفه هو الاخر مغلق.. فألقى هاتفه على األريكة قائلا في عصبية واضحة
وهو يمرر أصابعه بسرعة في شعره:
ـ أنا هفضل قاعد كده.. رايح جاي وخلاص!.
قرر أن يرتدي ثيابه مرة أخرى رغم جهله إلى أين سيذهب؟، وقبل أن يدلف لغرفته
سمع باب الشقة يشرع، فالتفت بكل جوارحه ليرى ريهام تدخل وهي تغلق الباب
خلفها ببطء شديد، لم يستطع أن يرى ملامحها فلقد كانت الاضاءة خافتة فقال
وهو في مكانه بلهجة غاضبة وقد ارتاح لعلمه أنها بخير:
كنت فين يا هانم؟!
رفعت رأسها إليه لترى الغضب يكسو ملامح وجهه ونظراته تهاجمها بشراسة لم
يكن لديها القوة لتجيب عليه، فأرادت التحرك للضوء لعل حالتها تجيبه ولكنه لم
يمهلها فقال:
ـ أنا عارف إن احنا مش متجوزين بجد.. بس ده مش معناه إنك ما تحترمنيش
بالطريقة دي.. ولا عاجبك أني اتصل بالناس واسألهم المدام فين.. مش قادرة
تتصلي بيا وتقوليلي أنت فين.. وممكن أفهم تليفونك مقفول ليه؟..
انت مش بتردي
عليا ليه؟!
ظلت ريهام مكانها للحظات وعندما قررت رفع قدمها لاخذ خطوة واحدة خارت
قواها كلها لتهوى أمام يوسف الذي ما أن شعر أنها تفقد توازنها حتى قفز نحوها
في خطوتين فقط ليلتقطها بين ذراعيه قبل أن ترتطم بالارض وهو يناديها بهلع:
ـ ريهام.. ريهام.
لم تكن مالمحها اتضحت بعد فحملها بين ذراعيه وعيناه متعلقة بها بقلق شديد وما
أن دخل بها دائرة الضوء حتى اتسعت عيناه بشدة وهو يرى وجهها الذي فقد
نضارته و ازد شحوباً وعيناها التي مازالت الدموع تناسب منها، أسرع بها لغرفتها
ليضعها على فراشها برقة متناهية وان تمنى الا يفعل
و أرادها بين ذراعيه فترة
أطول، فألاول مرة تكون قريبة منه لهذه الدرجة.. لاول مرة يمكنه استنشاق عبيرها
بعمق.. ولاول مرة سيلمس خدها.. حيث أخذ يربت على خدها بلطف..
مبتسماً لملمس خدها الناعم ثم عقد حاجبيه هامساً لنفسه:
“إيه اللي انت بتهببه ده!.. فوقها علشان تفهم في إيه؟”
عاد يربت على خدها منادياً:
ـ ريهام.. ريهام مالك؟!
لم تجبه مطلقاً فأحضر زجاجة عطر وساعدها على استنشاقها، وأخيرا تحركا
جفناها للحظة قبل أن تفارق بينهما بصعوبة شديدة ليصدم بعينيها الحمراوين وهي
تنظر له ليقول:
ـ ريهام.. أنت كويسة..هو في إيه؟؟.انت عاملة كده ليه؟!
ظلت تنظر له لتقرا على مالمحه شيئاً آخر تماماً عما كان منذ قليل.. رأت الكثير
من القلق والحرص عليها وليس الغضب والضيق الشديد الذي ملا ملامح وجهه
وهو يصرخ في وجهها، أخذت نفس عميق لتقول:
ـ أم نهى ماتت.
فغر يوسف فاه هامساً:
ـ لا حول ولا قوة إلا بالله.
فأردفت ريهام بوهن:
ـ جريت عليها لما عرفت الخبر… حالتها كانت صعبة لدرجة إننا وديناها
مستشفى.. حاولت أوصلك لكن تليفوني ضاع مني ما عرفش امتى وازاي…
فضلت معاها في المستشفى.. ورامي وواحد من الجيران اتولوا موضوع الدفن
والجنازة.. في المستشفى قالو ا لي أني ممكن أروح لانها هتنام للصبح.. علشان
كده رجعت لاني تعبت قوي هناك.. وعلشان أقولك اللي حصل.
صمتت والدموع تترقق من عينيها حتى أصبح صوت نحيبها مسموع وهي تتذكر
كيف كانت نهى تدفع الجميع عنها حتى هي…
مرددة كلمة واحدة
“أمي.. أمي”.
شعر يوسف بالاسى من أجلها… أراد أن يمسح دموعها.. أراد أن يحتضن رأسها
في صدره ويواسيها بكلمات حبه لكنه اكتفى بأن ربت على كفها فلم يتوقع أن
تسمح له بأكثر من ذلك وقال:
ربنا يصبرها.. أنت شكلك ما كلتيش حاجة من الصبح علشان كده وقعت.. هقوم
أجيبلك حاجة تاكليها.
هزت رأسها لتقول من بين دموعها:
ـ ماليش نفس… أنا محتاجة أنام شوية وأروح لنهى الصبح بدري.
عقد حاجبيه قائلًا:
ـ لو عايزة توقفي جنب صاحبتك وتساعديها لازم تساعدي نفسك الاول.. ولو ما كلتيش أنا مش هخرجك من هنا.
تأملته للحظة قبل أن تهز أرسها بالايجاب، فقام مسرعاً ليحضر الطعام، تبعته
ريهام بناظريها حتى اختفى، لا تعرف ما هذا الشعور الذي يعتريها ويلح عليها..
شعور بالرغبة في البكاء على صدره… في أن يحتويها بين ذراعيه ويربت عليها..
مما يجعلها تتسائل.. إن كان يحبها حقاً..لم لا ينتهز أي فرصه
ليكون قريب منها
أكثر… هل لو ضمها الان هل يتصور أنها ستدفعه بعيدا عنها؟!… كم تشعر أن ً
يوسف أصبح مهماً بالنسبة لها.. كم ترغب في أن يعاملها كزوجة حقيقية.
عاد لها يوسف بالطعام واللبن الدافيء.. وأصر على أن تتناوله أمامه..
حاولت الابتسام لما يفعله معها.. وتصاعد هذا النداء داخلها.. أنت تحبينه.. ما
تشعرين به الان يؤكد ذلك..
حاولت أن تفصل أفكارها عنها وهي تتناول الطعام…
قال يوسف بصوت خفيض:
ـ آسف إني صرخت في وشك… أنا القلق كان هيقتلني.
توقفت عن تناول الطعام ورفعت رأسها إليه لتقول:
ـ ولا يهمك.. أنا اللي آسفة إني قلقتك… ما كنش قصدي… بس ما كنتش قادرة
أبعد عن نهى ثانية واحدة حالتها كانت صعبة جدا.ً ..
ابتسم لها في حنو:
ـ المهم أنك بخير… وان شاء الله نهى كمان تبقى بخير.
تركها لتعاود الاكل ثم وكأنه تذكر شيء:
ـ علشان كده رامي كمان تليفونه مقفول.. هو عرف منين؟.
رامي هو اللي قالي.. فكرتني…أنا لحد دلوقت مش عارفة هو كان في بيت
نهى بيعمل إيه؟!
عقد يوسف حاجبيه ثم أطلق شهقة سريعة، وقد تذكر مكالمة رامي فتمتم:
ـ يا نهار… قلتلها يا رامي ولا ما لحقتش!.
ـ في إيه؟!
سألته ريهام فأشار لها بلا شيء.. وطالبها بإنهاء الطعام.
في اليوم التالي أخذها للمشفى، كانت نهى مستلقية وغارقة في النوم العميق فكلما
أستيقظت بدأت الصراخ والنحيب مما يضطر الطبيب إلى أعطائها جرعه مهدئة
لتعاود النوم..
جلست ريهام إلى جانبها تضم كفها بين يديها، متمتمة بالدعاء لرفيقتها.. بينما
جلس يوسف إلى جانب رامي في الخارج، رامي الذى ارتسم الحزن على وجهه
وصار كملمح ثابت له، كاد الالم أن يمزق قلبه وهو يتذكر صراخ نهى، ففي نفس
الوقت الذي بثها حبه فقدت أعز مخلوقة إلى قلبها، يالها من ذكرى سيئة لن
تفارقها ابدا.. كانت تستمع له بينما أمها تحتضر… كانت تبتسم بجانبه بينما أمها ً
تفارق الحياة.. ستكرهه بكل تأكيد.. لقد تصور أنه سيقترب منها خطوة.. فإذا به
يبعد عنها أميال… لا يعرف ماذا يمكن أن يفعل؟!.. فالوقت لم يعد مناسباً أبدا
لما أراد.. لكنه في نفس الوقت لا يمكنه أن يتركها تتألم وحدها.. كان يعلم أن هذا
اليوم قادم.. فمرض أمها قديم.. وكم تمنى أن يكون معها برغبتها حينها.. لكنه
مازال بعيداً…. وعليه أن يبقى بعيدا من هو بالنسبة لها كي يشاركها مشاعرها؟..
لكنه لن يستسلم.. يجب أن تعرف أنها ليست وحيدة وأنه سيبقى معها..
يجب أن تعرف كم تعني له، وأنه لن يرتاح حتى يعيد البسمة إلى وجهها.
خرج من أفكاره على تربيت يوسف على كتفه:
ـ رامي.. أنت كويس؟.
التفت له بعينين تبرقان بالدموع قائلا:
ـ شوفت حد محظوظ قدي!.
ـ أنت قلتلها ولا ما لحقتش؟.
ـ قلتلها… وطلبت أسلم على والدتها.. وحصل اللي حصل…
ـ كويس أنك لحقت تقولها.. لو كانت سمعت الكلام ده منك بعد وفاة والدتها يمكن
كانت هتعتقد أنها شفقة منك ولا حاجة.
ـ لا مش كويس.. زمانها بتكرهني.
رفع يوسف إحدى حاجبيه:
ـ نعم!.. ليه يا بني بتقول كده؟
ـ حبي ليها كان تمنه حياة أمها!.
نظر له يوسف بدهشة:
ـ إيه يا بني الكلام الغريب ده!… هي ماتت وهي بتقولها جوازك من رامي على
جثتي!.. دي أعمار يا رامي… أعمار.. ما فيش حاجة بتقدمها ولا بتأخرها…
اسمعني يا رامي.. نهى
دلوقت محتاجة لك أكتر من أي وقت تاني… ما
تسيبهاش… حتى لو مش هتقولها ولا كلمة.. المهم تشوفك جنبها دايماً… هيفرق
معاها صدقني.
صمت رامي ولم يعلق.. الكلام سهل.. هكذا يحدث نفسه.. لكن كيف سيكون
التنفيذ.. إنه حتى الان يخشى أن يدخل ليراها.. كم هو خائف من نظرة بغض أو
كراهية قد توجهها له… هناك شعور داخله.. أنه إما أن فرصته معاها ضاعت
للابد… أو أن هناك أمل في أن يملا قلبها الحزين بحبه.. ويجعله مصدر
سعادتها من جديد.
تركه يوسف ليدخل إلى ريهام التي كانت تحتضن كف نهى، التفتت له فجلس
على المقعد مشيرا لها فاقتربت منه لتجلس على المقعد المجاور له فسألها: ً
ـ أخبارها إيه؟!
هزت رأسها في أسى:
ـ زي ما هي… ما بتهداش إلا بالحقن.
ـ ربنا معاها.
ـ آمين.. مش عارفة لما تقوم بالسلامة هتروح فين؟.. أنا مش عايزاها ترجع شقتها
لوحدها… ده ممكن يجرى لها حاجة وهي لوحدها.. الحزن هيقتلها.
صمت يوسف قليلًا ثم قال:
ـ قولي لها تقعد معاك في شقتنا.
قالت سعيدة:
فعلًا.. دي فكر ة ممتازة. ـ
ثم تسرب لها الاحباط لتكمل:
ـ بس نهى مش هتوافق… هتكسف منك.
لا عادي.. أنا مش هكون متواجد معاكم.
عقدت حاجبيها قائلة:
ـ أومال هتروح فين؟؟.. بيت عمي.
لا.. هسافر.. كنت هقولك الكلام ده امبارح بس الظروف ما سمحتش.. أنا لازم
أسافر خلال اليومين الجايين أمريكا.. لازم أروح الشركة الام علشان شوية شغل..
ويمكن أفضل هناك أسبوعين أو أكتر.. خلي نهى معاك طول الفترة دي، ده هيساعدها كتير أكيد.. ورامي يبقى يشوف
طلباتكم.. إيه رأيك؟!
ظلت تحدق به قليلًت ثم قالت:
ـ آه.. فكرة كويسة.
لم تقلها بشكل حماسي، وكيف تفعل وقد شعرت بالضيق فور أن علمت أنه
سيبتعد عنها لمدة شعرت وكأنها الدهر.. فمنذ أن تزوجا وهما معاً؛ تراه يومياً..
تتحدث إليه ويتحدث إليها… هل عليها الان أن تستيقظ في الصباح دون رؤية
ابتسامته التي أصبحت تعشقها بكل تأكيد… دون أن تشعر باهتمامه بها الذي
يزيد حيرتها في كونه يحبها أم لا؟!
مالك؟!
سألها يوسف فخرجت من شرودها لتقول:
ـ ما فيش.. وهتسافر امتى؟!
ـ بعد يومين.. لسه ما حجزتش.. بس هيكون بعد يومين… يلا أنا هسيبك
دلوقت ورايا شوية شغل لو احتاجت أي حاجة ..كلمني.. صحيح ما عرفتيش
تليفونك راح فين؟
اكتفت بهز أرسها نفياً فقال:
– مش مشكلة.. تحبي أجيبلك معايا من أمريكا واحد أحدث موديل؟.
ابتسمت بهدوء لكلماته فرد لها الابتسامة وودعها مغادرا.ً
تابعته حتى أغلق الباب خلفه.. ليغلف الحزن قلبها..ولكن لم؟..
لم تشعر بهذا
ً الحزن؟.. هل يضايقها لهذه الدرجة أن يتركها يوسف ويغادر بعيدا؟.. هل تعلقت
به لهذه الدرجة؟!.. ولم لا ؟.. من تلك المرأة التي تعيش مع رجل كيوسف في بيت
واحد ولا تفتقده!.. بل ولا تحبه.. شعرت أن كل خاطرة
تمر عليها تشعرها بصدق
ما تشعر به فعلًا…
نظرت لصديقتها النائمة وتذكرت كلماتها لها عن حب يوسف لها فاتسعت
ابتسامتها ولاول مرة تشعر بضربات قلبها تزداد بقوة حتى وضعت كفها عليه
مرددة:
ـ في إيه يا ريهام؟.. معقولة أنت كمان تكوني..
دق الباب ليدخل رامي وخلفه والديهما لزيارة نهى، فتركت ريهام أفكارها جانباً
وقامت لاستقبالهما.
الحلقه الرابعه عشر
مر اليومان وتحسنت حالة نهى كثيرا، لم تكن ريهام تفارقها طوال الوقت إلا مع
حلول الظلام، جلست ريهام جانبها على الفراش قائلة:
خلاص يا نهى.. زي ما اتفقنا.. بكره الصبح همر علي أنا ورامي وتيجي معايا
البيت، طيارة يوسف هتطلع بدري… هنوصله أنا ورامي وبعدين نجيليك.
هزت نهى رأسها في صمت ولا زال الحزن يملا قسمات وجهها، دلف رامي للغرفة
قائلًا:
ـ اتفضلي يا ستي تليفونك أهو.
شكرا يا رامي.. تصدقي يا نهى.. أتاريني رميت تليفوني في المركز وما اخدتش ً ـ
بالي خالص… الحمد لله أنه رجع.
دخلت الممرضة تحمل وجبة عشاء خفيفة لتأخذها منها ريهام لتطعم نهى التي
قالت:
ـ خالص يا ريهام هاكل لوحدي.
ـ يا ستي ما تسيبيني أكلك أنا.. حد يالقي دلع وما يدلعش.
لكن نهى أصرت على تناول الطعام وحدها، فتركتها ريهام بينما جلس رامي
يراقبها، شعر أنها فقدت الكثير من وزنها.. ووجهها صار أكثر شحوباً.. وعيناها
فقدتا بريقهما الطفولي الذي طالما آسر قلبه.
لاحت منها التفاته له فمنحها ابتسامة حانية مع نظرة مليئة بالحب، لكنها سرعان
ما عادت تنظر لطعامها فاندثرت ابتسامته سريعا وشعر بالالم يملا قلبه.. هذا ما
تفعله طوال الوقت؛ تجنب النظر إليه.. وهو لا يفهم ماذا تقصد بذلك.. هل تريد
أخباره أنه أصبح شخص غير مرغوب فيه..هل حدث ما يخشاه فعلًا وأصبحت
تكره ولا تريد رؤيته؟!
انتهت نهى من طعامها فحملته ريهام عنها قائلة:
هرجع لك حااااالا
فور أن خرجت وقف رامي واقترب من نهى قائلًا:
نهى..انت كويسة دلوقت.
اكتفت نهى بإيماءة من أرسها فاقترب أكثر قائلًا:
ـ نهى.. أنا آسف.. بجد آسف.. نهى.. أنا عايز أكون جنبك طول الوقت.. عايز
أنا اللي أساعدك وأخلي بالي منك.. نفسي يبقى لي الحق ده…
قطع كلماته دموعها التي فرت من مقلتيها، فأسرع قائلًا:
خالص يا نهى.. ماتعيطيش أرجوك… خالص أنا آسف.. دموعك دي غالية ـ
عندي قوي.. كفاية أرجو ك.. كفاية.
لكنها لم تستطع الاستجابة لطلبه بل زادت دموعها أكثر، حتى أن بكاءها صار
مصحوباً بصوت، فعاد للخلف قائلًا:
خلاص أنا ماشي.. هخرج أهو.. كفاية عياط.
واقترب من الباب لكنه فتح فجأة لتدخل ريهام وما أن رأت نهى حتى قالت:
ـ في ايه؟!.. بتعيطي ليه
ثم نظرت لرامي الذي كان ينوي الفرار من المكان قائلة:
ـ أنت قلتلها إيه يا بني أنت؟!
هز رامي رأسه دون أن يقول شيئاً وان بدا الارتباك على وجهه، فغضبت ريهام
قائلة:
ـ تالقيك هزرت معاها من هزارك البايخ… أنت إيه.. مش هتكبر بقى.. ياله ورينا
عرض كتافك.
شعر بالحرج والضيق الشديد من طريقة حديث ريهام معه.. خاصة أن هذا أمام
نهى، وهذا لن يساعده إطلاقاً، بدا الغضب على ملامحه لكنه التفت ليغادر
مسرعاً، بينما اقتربت ريهام من نهى لتهدئتها فقالت لها من بين دموعها:
ـ رامي ما عملش حاجة… وبلاش تزعقي له كده.. ده كبر يا ريهام.
قالت ريهام في سخرية:
ـ كبر!… ولا باين…سيبك منه.. أنا مش عايزة أشوف دموعك دي تاني… اتفقنا
على إيه.
مسحت نهى دموعها وقد تعلقت عيناها بالباب الذي خرج منه رامي.
***********
عادت ريهام للمنزل ورغم شعورها بالارهاق الشديد أصرت أن تعد عشاء مميز
ليوسف، نظرا لسفره غداً، جلس يوسف على المائدة مبتسماً وقال
ـ إيه ده كله… إيه ده كله…
ضحكت على كلماته قائلة:
ـ حبيت أعملك حاجة مميزة تفتكر ني بيها لحد أما ترجع
نظر لها نظرة مطولة أشعرتها بالحرج فبدأت تضع الطعام في طبقه، بينما يتأملها
مبتسماً.. هناك شيء جديد في ريهام.. أم إنه يحلم..اهتمامها به ازد كثيرا منذ أن
أخبرها بسفره،
ماذا سيحدث عندما يسافر بالفعل؟.. هل سيتحقق حلمه؟.. ويجدها تلقي بنفسها
بين ذراعيه عندما يعود.. لتخبره أنها افتقدته كثيرا، وأنها لا يمكنها أن تفارقه بعد
الان… هل سيسمع منها كلمة أحبك الذي حلم بها طوال الوقت؟… فهذا هو
السبب الوحيد لسفره هذا..
أصر على أن يذهب ليقوم بأعمال كان ممكن أن يقوم بها غيره.. لكنه أراد سبب
مقنع للابتعاد..
على أمل أن يعود ليجد ريهام حبيبته قد أصبح حبيبها هو الاخر.
ـ مش هتاكل؟
انتبه لنفسه وهو لا يزال ينظر لها فقال:
ـ أكيد.. حد ممكن يسيب وجبة زي دي..
بس تعبت نفسك قوي.. أنت
أصلًا
تعبانة مع نهى.
ـ هانت.. بكره هتكون معايا هنا.. ومش هيكون في تعب.. ثم انا ما تعبتش وانا
بعمل الاكل.
شرع في تناول الطعام والذي بدا له لذيذاً بالفعل، شعر يوسف بأن ريهام تحاول أن
تفتح شفاها لتقول شيئاً لكنها سرعان ما تتردد وتصمت، فقال وهو ينظر لها:
ـ مالك.. عايزة تقولي حاجة؟!
ـ ها..
قالتها بارتباك واضح ثم هزت رأسها:
لا… قصدي آه… يعني أنت هتتأخر؟.
ابتسم لحالها الجديد تماماً : له ثم قال
ـ زي ما قلتلك.. اسبوعبن أو أكتر… تحبي أتأخر؟.
أسرعت قائلة:
لا طبعاً.. قصدي… تتأخر ليه ما دام شغلك خلص ارجع على طول. ـ
ـ حاضر.. هرجع على طول.
ثم عاد ينظر لطبقه فعضت ريهام على أسنانها.. فجأة أصبحت الصراحة التي لم تتميز بها دوماً صعبة إلى هذا الحد؟.. لا لم تستطيع قول ما تريد ؟.. شعرت
بالغضب من نفسها ولسانها الذي لم يطاوعها فيما تريد البوح به… لكنها قررت أن
تحاول مجددا في الصباح.. ربما ستتشجع أكثر عندما تجده ذاهب.
أنهى طعامه فأكدت عليه ريهام أن يوقظها إن لم تستيقظ.. فقد تغفو لانها
استيقظت باكرا جدا وتشعر بالتعب وحاجتها للنوم.. فتخشى أن يتركها ويسافر..
فأخبرها أنه سيفعل، وافترقا كلًا لغرفة نومه ولكن يوسف أغلق بابه قبلها فوقفت
أمام بابها هامسة:
“كان نفسي أقولك كلام كتير.. بس ما قدرتش… بكره هقولك أهم كلام.. قبل ما
تسافر… لازم أقولهو لك…لازم”.
تسلل يوسف ببطء شديد ليضع حقيبته أمام باب الشقة، ثم عاد بنفس الهدوء ليفتح
باب غرفة ريهام وابتسم عندما وجدها تغط في نوم عميق، هو يعلم بمدى تعبها لذا
أشفق عليها من ايقاظها، كما إنه يكره لحظات الوداع.. فكيف بوداعها هي.. ظل
يتأملها لبرهة وكأنه يخشى أن ينسى ملمح واحد من ملامحها..
كم سيفتقدها؟.. وكم سيؤلمه ألا تفتقده؟.. كم سيؤلمه أن يشعر أن وجوده
كعدمه.. لكن هناك شعور داخله أن الامر لن يكن كذلك.. ريهام تغيرت… لم تعد
تتعامل معه بنفس الطريقة.. يشعر أن اليومين الماضيين كان يرى في عينيها ما
لم يعتد على رؤيته.. لهفة؟.. حب؟.. لا يعلم!!…
كم يتمنى أن يكون هذا صحيح؟… يخشى أن يكون وهم.. وهم أراد أن يعيش فيه
ولو للحظات… أراد أن يتذوق إحساس من يري الحب في عين محبوبه… حتى
وان كان غير واثق.. فلقد شعر بسعادة.. لا يمكنه وصفها.. فكيف إذا تأكد من
هذا الامر…
أحيانا يتصور أنه ربما سيصاب بالجنون من فرط السعادة.. كم
سيعد الايام حتى يعود.. ليتحقق حلمه وأمله الوحيد..
زفر بحرار ة ثم أغلق الباب خلفه بحذر متمتاً:
ـ أديني همشي.. ولما أرجع.. هعرف إن كنت فعلًا عايش في وهم.. ولا لأ…
وساعتها هيكون كفاية قوي كده.
***************
خرج من المبني ليستقبله ارمي قائلًا:
ـ برضو سيبتها نايمة!.
ـ معلش هي تعبت اليومين اللي فاتوا.. و أنا اسبوعين وراجع.. هو أنا مهاجر!..
يلا بينا.
دخلا للسيارة بينما يقول رامي:
ـ وهي أختى دي ايه!.. نايمة في بحر!!… ما حسيتش بيك و أنت بتقوم من
جنبها.
ـ ياسيدي.. تعبانة.. تعبانة.
ـ والله أنت اللي طيب.. أنا لو كنت واحدة.. ما كنتش خاليت أي نون نسوة تقرب
منك.
ضحك يوسف وهو ينظر لرامي وملامحه الكبيرة قائلًا:
ـ الحمد لله أنك راجل… الحمد لله
شاركه رامي الضحك، وانطلقا.
************
لا تعرف لم شعرت فجأة بالفزع لتقفز من فراشها، وتسرع خارج غرفتها منادية:
ـ يوسف.. يوسف.
لكنها وجدت غرفته فارغة ومرتبة ولا وجود له أو لحقيبته، شعرت بغصة في حلقها
وبألم شديد في قلبها وكأن روحها تخرج من جسدها.
رفعت رأسها تنظر للساعة التي أخبرتها بأن طائرة يوسف ستقلع بعد لحظات،
جلست على فراشه وهي تعتصر ملاءة السرير بيديها مرددة:
ـ ليه يا يوسف؟.. ليه؟
ووجدت نفسها تبكي… وانهمرت الدموع على وجنتيها… هي تشعر بالغضب
الشديد والحزن أيضاً.. كيف أمكنه فعل ذلك بها؟..لم تركها ؟.. ألم تخبره أن
يوقظها؟..لم حرمها من أن تقول له ما أ اردت قوله.
. ألا يهمه أن يصافحها حتى
قبل سفره؟.. أين اهتمامه وحنانه الذي أراها إيه دوماً؟…
أغلقت عينيها لتنهمر الدموع أكثر.. وعضت على شفتيها.. إنها نادمة… نادمة
بالفعل.. تمنت لو أخبرته بالامس.. بدلا من انتظار الصباح، تمنت لو واتتها
الشجاعة الكافية لتقول ما تريد قوله.. قامت لتذهب إلى النافذة و قد استندت
بجبهتها وكفها على زجاجها وهي لازالت تبكي قائلة:
“كده يا يوسف!… أنت عارف أنا كنت هقولك إيه؟!.. كنت عايزة أقولك أنك
هتوحشني قوي… و أني.. و أني كنت هاجي معاك لولا نهى.. لاني.. لاني عرفت
إن مجرد بعدك عني احساس لا يطاق.. ايوة يا يوسف.. كنت هقولك أني عايزة
عقدنا يبقى نهائي.. و أني لا يمكن هلاقي حد زيك.. مهما عشت في الدنيا دي…
كنت هقولك.. أني بحبك يا يوسف.. بحبك”.
ارتفع رنين هاتفها أسرعت لغرفتها لترى اسم رامي فأجابت:
ـ ايوه.. يا رامي.. أنتو ا ازاي تروحوا من غيري؟.
ـ اعمل ايه!.. يوسف اللي قال أنك تعبانة.. ومش عايز يزعجك.
ـ يعني إيه مش عايز يزعجني!.. كان لازم يصحيني.. كان لازم.
شعر رامي ببكائها في صوتها فقال بقلق:
انت بتعيطي يا ريهام؟… في ايه يا بنتي؟… هو هيسافر سنة!.. أسبوعين
وراجع لك.
ـ أنت مش فاهم حاجة.
صاحت به وسط دموعها، مما دفعه للقول:
ـ في ايه يا ريهام!… هو يوسف مش راجع.
ـ لا قدر الله أنت كمان… هيرجع إن شاء الله
اومال عاملة مناحة ليه… ياربي عليكى .. هو هيكلمك أول ما يوصل.. وبيقولك
معلش سامحيه انه ما صاحكيش… خالص بقى… أنا في الطريق أهو.. استعدي
علشان نروح نجيب نهى.
**********
الحلقه الخامسه عشر
جلست بجانب أخيها في السيارة دون كلام.. لازالت تشعر بالغضب من يوسف..
هو يعتقد أنه ذهب دون أن يوقظها رحمة بها… لكنها تشعر أنه فعل أمرا في
غاية القسوة… هي لن تراه لاسبوعين أو أكثر… كان يجب أن يسمعها قبل أن
يغادر… لن تغفر له… نعم… لن تغفر له… هل عليها الان أن تتنتظر حتى
يعود لتخبره بحقيقة مشاعرها؟… لا تريد أن تخبره دون أن ترى ملامح وجهه وردة
فعله.. التي ستؤكد حبه الذي لا يبوح به أبدا… كم كانت تضع الاحتمالات لردة
فعله؟.. سيضحك.. سيضمها إلى صدره في الحال.. سيحملها بين ذراعيه…
ولكنه ذهب.. وعليها الانتظار.. وكم سيكون متعب هذا لانتظار؟.
ـ ريهام.
أخرجها صوت رامي من أفكارها، فانتبهت إلى أنه أوقف السيارة، فقالت:
ـ احنا وصلنا.
ـ لا.. عايز أكلمك في موضوع مهم.
التفتت لاخيها لترى جانب من الجدية الذي لم تعتد عليها فقالت:
ـ خير!!
قال وهو يتجنب النظر لها:
ـ ريهام.. أنا كبرت.. فياريت بلاش تعامليني كعيل قدام نهى.
حدقت به للحظات ثم هزت رأسها قائلة:
ـ نعم يا خويا.. هو ده الموضوع المهم!.. ثم اشمعنا يعني قدام نهى؟… هي يعني
ما تعرفناش.. ومعاملتي ليك كانت قدامها طول الوقت.. ثم أصلًا.. من امتى
بعاملك على أنك عيل؟.
ـ لما تصرخي في وشي قدامها وتقولي أني مش بكبر.. ده معناه إيه؟.. أنا كبرت
يا ريهام.. خدي بالك من النقطة دي.
ضربت كف بكف قائلة:
ـ أما حاجه غريبة.. يوم ما بزعقلك بيكون في سبب.. هو أنا بزعقلك على الفاضي
والمليان!.
ـ بغض النظر… قدام نهى لا.
حدقت به والدهشة تغلفها:
ـ انت إيه حكايتك… قدام نهى لا.. قدام نهى لا.. هو في إيه؟!
صمت قليلًا ثم أخذ نفساً عميقاً قبل أن يقول:
ـ أنا بحب نهى وعايز أتجوزها.
ظلت على حالها للحظات وان ارتسمت بعض معالم البالهة على وجهها قبل أن
تسقط في نوبة من الضحك مما رسم الضيق على وجه رامي وهو يحدق بها، توقع
الكثير من ردود الفعل لكن لم يخطر على باله ما يراه الان أبدا.. ً
فعقد حاجبيه قائلًا بعصبية:
انت بتضحكي على إيه؟!
نظرت إليه وقد اغرورقت عيناها بالدموع من كثرة الضحك لتقول:
ـ أنا ما كنش ليا نفس أضحك خالص.. بس أنت ما لكش حل… هم يضحك وهم
يبكي صحيح.
ـ أنا ما بهزرش.
قالها بجدية شديدة جعلتها تتوقف عن الضحك وهي تنظر له فقال:
أنا فعلًا . ـ بحب نهى وعايز أتجوزها
أشارت ريهام لرأسها وهي تقول:
ـ أنت جرى لك حاجة في مخك.
اعتدل في كرسيه قائلًا:
ـ هو اللي بيحب.. بيجرى له حاجة في مخه.
ضمت ريهام شفتيها وبدأت تشعر بالغضب منه فقالت:
ـ حب ايه يا بني أنت!… هي نهى هتعيل.
التفت صارخاً في وجهها:
ـ أنا مش عيل.
عادت للوراء وهي تنظر له بذهول:
ـ أنت بتصرخ في وشي!… أنت ازاي تسمح لنفسك تكلمني بالطريقة دي.
زي ما أنت سمح لنفسك تهينيني وتهيني مشاعري…
حدقت به للحظات ثم اعتدلت قائلة:
ـ بقولك ايه قفل على الموضوع ده.. وخلينا نمشي علشان ما نتأخرش على نهى.
وهذا ما فعله رامي دون أضافت كلمة واحدة.
*************
دخلت ريهام لنهى لتجدها قد ارتدت كامل ثيابها… فحيتها وحملت حقيبتها
الصغيرة لتقول:
ـ يلا بينا.
بدا لنهى أن ريهام حزينة فقالت:
ـ يوسف مشي؟.
أومأت ريهام برأسها فأردفت نهى:
ـ وعلشان كده زعلانة؟.
نظرت لها ريهام للحظات ثم قالت:
ـ يعني… هحكي لك في البيت يلا بينا.
خرجا ليذهبا للاستقبال ليلتقيا برامي الذي أنهى إذن الخروج و دفع الحساب، أخذ
الحقيبة من ريهام دون أن يقول شيء وخرج فحدقت به نهى قليلًا ثم قالت:
ـ في إيه؟… هو كمان زعلان علشان يوسف مشي!.
صمتت ريهام ولم تعلق، مما أشعر نهى بالقلق، هناك شيء ما يجري… وجل ما
تخشاه أن يكون ذلك بسببها هي.
وصلا بالفعل لشقة ريهام فاكتفى رامي بحمل الحقيبة لباب الشقة ثم أسرع مغادا
ومودعا نهى بكلمات قليلة، مما أصابها بمزيد من الدهشة والقلق، لكنها تخشى أن
تسأل.
أرشدتها ريهام للغرفة الرئيسية، لتضع حقيبتها بها، فاعترضت نهى.. وأصرت
على النوم في الغرفة الفرعية، فهي ترى أن تلك الغرفة خاصة بها ويوسف فقط،
لكن ريهام قالت:
ـ لا يا ابنتي.. بالعكس… الاوضة التانية هي اللي بتاعت يوسف.. دي أوضتي
أنا.. و أنا عايزاك تنامي معايا.. فيها حاجة دي!. حدقت بها نهى وفي عينيها الكثير من التساؤلات لكنها اكتفت بواحد:
ـ هو أنن ويوسف متخانقين؟… ليه بينام في أوضة تانية؟.
فركت ريهام جبهتها لتقول
عديها النهاردة يا نهى.. بكره هحكي لك كل حاجة..أنا محتاجة أتكلم معاك ـ
. بس دلوقت أنت تعبانة.. ريحي النهاردة ونامي… ونقضي اليوم في أي حاجة.
وبكره نتكلم في الموضوع ده.
لكن فضول نهى لن ينتظر للغد، قد يصيبها شيء في عقلها من كثرة التفكير
فقالت بعند:
ـ أنا شبعت نوم.. بقى لي 3 أيام نايمة.. عايزة أصحى شوية.. أنا هاخد دوش
ونقعد في الاوضة.. لو مصرة على موضوع النوم.. وتحكي لي كل حاجة.
وكأن ريهام كانت في انتظار عناد رفيقتها، هي بالفعل لا تريد الانتظار للغد..
تريد أن تخرج كل ما في قلبها بما يتعلق بيوسف.. صحيح أن اتفاقهما سري…
لكنه سيتغير.. هي ستغيره.. ولهذا هي بحاجة لمساعدة صديقتها الوحيدة… لا
مفر من اخبارها… كما أن انخراط نهى معها سيساعدها على التغلب على أحزانها
بشكل أسرع.. وكأنها تعطي لنفسها سبب آخر لنقض عهدها مع يوسف و افشاء
سرهما.
ضمت ريهام ركبتيها إلى صدرها لتحيطهما بذراعيها وقد أراحت ذقنها على ركبتيها
في انتظار رد فعل نهى لما سمعت، وبالفعل لم يطل صمتها فلقد استوعبت ما
سمعت أو هكذا ظنت لتقول:
معقولة!… يعني أنت ويوسف لحد دلوقت عايشين مع بعض زي الاخوات؟…
أنا مش مصدقة… ولا باين عليكم… أو أنا اللي ما بشوفش… أو أنتو بقى اللي
ممثلين شاطرين.. شاطرين قوي.حرام عليك يا ريهام
التفتت لها قائلة بدهشة:
ـ حرام عليا!… ده كان اتفاق هو اللي قاله.. هتجيبي الذنب عليا ليه؟.
ـ مش قصدي… أنا قصدي إنك عذبتيه قوي.. أنا لسه عند رأيي يوسف بيحبك..
تخيلي شعوره إيه وهو عايش معاك طول المدة دي و أنت بعيدة عنه بالطريقة
دي؟!!.
طب ما يقول… بنكون لوحدنا وقت طويل جدا… هيتكلم امتى يعني؟!
نظرت لها نهى قليلًا ثم قالت:
ما تنسيش إن أنت اللي صديتيه.. وقول له في وشه ما بحبكش… كنت عايزاه
يعمل إيه؟.. يحرج نفسه ويقع تحت رجليك ويقولك أبوس ايديك حبيبني أنا …
بحبك!.
صمتت ريهام وشعرت لاول مرة ببشاعة حوارها الاول مع يوسف عندما عرضوا
عليها أمر الزواج… نعم.. كانت صريحة لدرجة الاهانة.. خاصة إذا كان يحبها
كما تقول نهى، بالفعل كانت قاسية في كلماتها… هي التي أجبرته على الابتعاد
عنها، ترى هل لو كانت صمتت، كان سيخبرها أنه يحبها وأنه يريد أن يتزوجها
بالفعل وليس فقط لرغبة أهلهم؟.
زفرت لتقول:
طب أعمل إيه أنا دلوقت ؟… أنا متأكدة من مشاعري جداً… وكنت هقوله يا
نهى.. كنت هقوله.. بس هو مشي.. مشي من غير ما يسمع مني حاجة.
هزت نهى كتفيها:
ـ ما هو سمع قبل كده.. سمع ايه المسكين يعني… سمع الرعد في ودانه.
زمت ريهام شفتيها:
ـ بقى كده!… أنا كلامي رعد.. بس المرة دي كنت هقوله أني بحبه… أو حتى
أنه هيوحشني… أي حاجة تحسسه أن مشاعري اتغيرت.. يمكن ساعتها كان
هيتشجع وهو كمان يقولي حقيقة مشاعره.
ـ لا يا بنتي… خلاص… الكورة في ملعبك من أول يوم… زي ما لسانك زلف
بكل اللي في قلبك في وشه، لازم برضو يزلف دلوقت باللي في قلبك.. من غير
كسوف ولا تراجع…
أنا بفكر في كده فعلًا.. بس ازاي؟. ـ
حكت نهى أرسا قليلًا ثم قالت:
ـ سيبي الموضوع ده في دماغي.. أدوره تدويره كده.. وأقولك تعملي إيه؟!
التفتت لها ريهام والقت بنفسها عليها لتضمها لصدرها بقوة فقالت نهى:
ـ ايه يا بنتي… أنا مش يوسف… فوقي.
ضحكت ريهام من قلبها ونظرت لصديقة عمرها قائلة:
دلوقت بس أقدر أقول إن نهى رجعت.
سرعان ما تجهم وجه نهى، وكأنها تلوم نفسها… هل بالفعل نسيت أمها والان
تمزح وتضحك مع رفيقتها!
وما أن شعرت ريهام بذلك حتى ضمتها سريعا إليها لتقول:
ـ لا.. لا.. لا.. نهى ولا رجعت ولا حاجة.. بيتهيألي.. بيتهيألي.. بصي أنا هقوم
أعمل الغدا… و لا احنا هنقعد من غير غدا النهاردة.. يلا ورايا على المطبخ…
مش بتقولي أنك تعبت من النوم… طب قومي يا ختي… قووومي.
قاومت نهى رغبتها في البكاء، ونظرت لصديقتها بامتنان، هي تعلم جيدا إنها تفعل
كل هذا كي تساعدها على تخطي هذه المرحلة، وهذا ما تريده أمها لها أيضاً…
فهي لم تنس
دعاءها لها أبدا….
“يا رب يا نهى… ما تبطليش فرح أبدا.. حتى لو أنا مش جنبك.. يا رب..
تفضلي فرحانة على طول”
مر اليوم الاول بالشكل الذي أرادته ريهام، فكلما شرددت نهى أو بدا عليها الحزن،
تكلمت ريهام في أي شيء… كان هدفها ألا تترك عقلها وحده ولو للحظات، حتى
أنها تشعر أنها تكلمت في هذا اليوم بكمية كلام لم تتكلمها في أسبوع..
حل الظلام وبدأ القلق يظهر على ريهام فلقد تأخر يوسف في الاتصال، هي
ممسكة بهاتفها منذ ساعات ولم يدق إلى الان ، وفجأة رن هاتفها في يدها
فانتفضت حتى أنها أفزعت نهى التي حدقت بها بدهشة لتسمعاها تجيب بلهفة:
ـ السلام عليكم… يوسف!.. وصلت؟.. حمد لله على السلامة.. أنا بخير ونهى
معايا وبتسلم عليك.. لا على فكر ة أنا مش مسامحاك.. تعويض؟..
امممممممممممم… طيب.. تكلمني كل يوم.. ده التعويض الوحيد…
أطلقت ضحكة سعيدة وهي تقول:
ـ ماشي.. أنت أكيد تعبان من السفر.. هستنى مكالمتك بكرة.. يوسف.. ما
تتأخرش عليا في الاتصال.. مع السلامة.
أغلقت الهاتف وهي تتنفس الصعداء، ثم التفتت لنهى التي كانت تنظر لها وقد
رفعت إحدى حاجبيها فقالت:
ـ مالك.. بتبصيلي كده ليه؟!
ـ متهيألي إنك لما نادهتي اسمه في الاخر كنت عايزة تقولي حاجة تانية غير..
“ما تتأخرش عليا في الاتصال”.
ابتسمت ريهام وهي تعض على شفتيها، فكلام صديقتها صحيح مائة بالمائة..
فلكم أرادت أن تخبره أنها تفتقده منذ الان.. أنها أدر كت أن قربه منها يعني لها كل
شيء.. نعم.. هي تحبه.. لم يعد من الممكن إنكار هذا.. أبدا
**************
الحلقه السادسه عشر
مر الاسبوع الاول على ما يرام، نهى استعادت الكثير من نضارتها وبدأت تتقبل
العودة للحياة، خاصة وقد قررت الاكتفاء بهذه الاجازة الطويلة والعودة للعمل، لكن
أكثر ما كان يؤرقها هو رامي، الذي كان يأتي لزيارتها وأخته يومياً تقريباً.. وقد
الحظت اختالف في تعامله مع أخته..مما سرب القلق إليها، لقد أخبر
ريهام…ريهام تعرف… كان هذا شيء محرج لها تماماً.. فلقد كانت تنظر لها
ريهام نظرات غير مفهومة كلما تحدث لها رامي أو مزح معها، ولكن الذي كان
يؤرقها فعلًا هو هذا الشعور الذي ينمو داخلها.. شعور بالسعادة والغبطة.. خاصة
كلما رأت رامي ورأت في عينيه الحب والاهتمام، هي إلى الان لا تصدق أنه ترك
كل من رأى وعرف من فتيات وأحبها هي..
أحيانا تشعر أنها فكرة جنونية من
أفكاره وحسب.. ولكن.. هذا الذي تراه في عينيه مستحيل أن يكون وهم.. والذي
يخيفها حقاً لم يحدث أن اهتم أحد بها هكذا من قبل.. ولكن هل هي بالجنون أنه
الكافي لتقبل مثل تلك العلاقة؟.. كيف تتزوج بمن هو أصغر منها بخمس
سنوات؟.. من سيقبل أصلًا من عائلته؟…حتى ريهام صديقتها لن تقبل… هي
تشعر بذلك.. فكيف بوالديه والناس؟!!.
****************
خرجت نهى من عملها لترى سيارة رامي على بعد مناسب من المدرسة لكنها
استطاعت تميزها بسهولة..
مطت شفتيها وهزت رأسها وسارت في الاتجاه المعاكس، وتمنت لو لا يتبعها..
لكنها تعلم أنه سيفعل حتماً وبالفعل وجدت من يعدو خلفها حتى أصبح قريب منها
ووقف لاهثاً:
ـ عايزة… تقولي إنك ما شوفتينيش
زفرت في ضيق ثم التفتت له قائلة:
ـ لا شوفتك بس إيه المطلوب مني يعني؟!
عقد حاجبيه قائلًا:
ـ نهى.. أنت بتعامليني كده ليه؟!
أوًلا أنا بعاملك عادي.. ثانياً.. مش المفروض أنك تجيلي الشغل هنا.. أنا
خالص بقيت عايشة لوحدي… وأكثر حاجة تهمني دلوقت سمعتي.
نظر لها وقد تسرب الغضب له:
ـ وأنا بقى اللي هضر سمعتك؟!.
مطت شفتيها قائلة:
ـ مش كل حد هيشوفك و أنت واقف لي قدام المدرسة هيعرف أنت مين.. وايه
صلتنا ببعض.
صمت لانه يعلم صحة كلامها فنظرت له للحظات ثم قالت:
ـ أنت قلت لريهام؟.
تفاجئ من سؤالها لكنه مط شفتيه دون أن يجب فقالت:
ـ أنت ازاي تقولها حاجة زي كده؟.. مش عارف الموقف المحرج اللي أنت بتحطني
فيه؟!.
رفع كفه لها مدافعاً:.
ما قلتلهاش أنك تعرفي.. هي افتكرت أن هي أول واحدة افاتحها في الموضوع
ده.. و أنت ما عندكيش أي علم.
شعرت براحة كبيرة لذلك، فهذا أفضل بكل تأكيد، هزت رأسها قائلة:
ـ أحسن برضو.. ولو أني أقدر أخمن رد فعلها.
تذكر رامي ضحكها الهستيري عندما أخبرها فتمتم:
ـ ما ظنش.
ـ افندم؟!.
ما علينا… نهى.. أنا عايز أتكلم معاك … ما بعرفش أكلمك عند ريهام.
رسمت الجدية على ملامحها قائلة:
ـ ما فيش داعي يا رامي.. ما فيش داعي… عن إذنك.
أرادت الالتفات فقال:
ـ هجيلك كل يوم لحد ما ترضي تكلميني.
أثار غضبها بكل تأكيد فالتفتت لتقول بعنف:
ـ قلتلك ما تعملش الحركة دي… وكفاية لعب عيال.
لا يمكن لنهى أن تفسر التعبير الذي ارتسم على وجهه مع كلماتها الاخيرة، لكنها
شعرت برغبة لحوحة في الفرار من أمامه، وهذا ما فعلت ابتعدت وبسرعة محدثة
نفسها
“آسفة رامي.. آسفة… أنا بقصر علينا طريق طويل من العذاب.”
لا يعلم رامي كم مر عليه وهو ما زال مكانه لم يتحرك، فالشعور الذي ملا جنبات
روحه لا يمكن وصفه… شعر وكأن نهى قد وجهت له صفعة قوية.. ليست كأي
صفعة قد تؤلم خده، وانما صفعة وجهت بكل قسوة.. لروحه.. وقلبه.. وحبه.
تحرك ببطء شديد عائدا لسيارته وانطلق بها لا يعرف إلى أين فقط ظل يدور بها
بلا هدف، كان يسأل نفسه كيف أمكنها أن تقول له ذلك؟… هل تريد أن تخبره
أنها لا تستطيع رؤيته إلا كصغير؟… صغير تافه لا يمكنه التحكم في تصرفاته
.كالاطفال؟… شخص غير جدير بالثقة؟.. لكن هذا لم يكن قصده أبدا إنما أراد
أن يشعرها بمدى حبه لها.. وتمسكه بها.
****************
كانت نهى تقلب في طبقها دون أن تأكل منه شيء مما دفع ريهام للقول:
مالك يا بنتي؟.. ما أنت
كنت نازلة فايقة… إيه رجوعك الشغل ضايقك؟.
لم تجبها لانها كانت شاردة تماماً فقالت ريهام وهي تلوح بيديها أمام وجهها:
ـ هااااااي… أنتي فين؟!
انتبهت لها نهى قائلة:
ـ بتقولي حاجة؟.
لا دا أن في عالم تاني… مالك؟!
هزت رأسها لتقول:
أبدا ما فيش… أنا كويسة.. يوسف كلمك؟. ً ـ
علمت ريهام أنها تريد تغير دفة الحوار فلم تمانع قائلة:
أيوة طبعاً.. كلمني. ـ
ضحكت نهى لتقول:
ـ ومالك بتقوليها بدلع كده!.
ضحكت ريهام قائلة:
ـ بس يا بنت… ياااه.. لسه فاضل اسبوع.
قالت نهى مبتسمة:
ـ هااانت.. فات اسبوع.. وفاضل اسبوع.
مالت على صديقتها قليلًا قائلة:
أنا دورت الموضوع في دماغي وعندي دلوقت خطة محكمة لاستقبالك ليوسف.
صفقت ريهام قائلة:
ـ يا سلام عليك يا باشا… سمعيني.
لا مش مكانها.. بليل والدنيا ضلمة.. هبقى أقولك.
عادت ريهام للوراء مازحة:
أنا كنت طالبة مشهد رومانسي أنت قلبت على فيلم رعب ولا إيه!.
ضحك الاثنتان ملئ افواهما وعادتا لتناول الطعام.
************
الحلقه السابعه عشر
هل من الممكن أن تكون قست على رامي؟.. هذا ما تفكر فيه منذ أن تركته،
كيف أمكنها أن تقول له هذة الكلمة؟ً. وهي تعلم جيدا تأثيرها عليه… سيظن الان
أنها تراه طفلًا لا أكثر.. والامر ليس كذلك.. لقد شعرت به.. لقد أثر فيها.. بل
ونال من مشاعرها.. لذا قررت الفرار.. لا تجد حل آخر.. يجب أن تبعده عنها
قبل أن يزداد الوضع سوءا.. تخشى أن تصل لمرحلة لا يمكنها فيها التحكم ً
بقلبها… لن تكو ن مجنونة مثله.. ما يريده لا يجوز.. لن يجدي.. هذا ما سيقوله
الجميع.. وأولهم صديقتها الوحيدة وأخته.. وهي لن تلومهم البتة.. نعم لكل قاعدة
شواذ.. ولكن من يضمن نجاحها مع رامي؟… لا تصدق أنها في هذة الورطة!…
ً من بين رجال العالم يحبها رامي!…
أحيانا تشعر أنها في مسرحية هزلية وسرعان
ما سينتهي كل شيء ويسدل الستار لتعلم أن لا شيء حقيقي في كل ما يحدث..
كم تخشى الا ييأس رامي ويظل يطاردها.. سيفعل.. هي واثقة أنه سيفعل.. إنه
عنيد.. ومجنون.
ابتسمت عند وصولها لهذة النقطة مرددة
“مجنون رسمي”
ـ اتفضلي يا ستي كوبايتين نسكافيه انما إيه؟!.. يعدلو ا لنا دماغنا علشان أنت
تشرحي كويس و أنا افهم كويس.
ضحكت نهى قائلة:
ـ هو فيلم يا بنتي؟… مش صعبة للدرجة دي.
لوحت ريهام بكفيها قائلة:
بيتهيألك… دي تجربتي الاولى
ـ طيب يا اختي… هقولك تعملي ايه؟!
ركزت ريهام بكل حواسها في ما تقوله نهى، متخيلة رد فعل يوسف على ما سيراه
منها.. اتسعت ابتسامتها وهي تضع أكثر من احتمال لرد فعله.. بل وكانت
وجنتاها تتورد خجلا فعلًا لما قد يحدث منه، انتهت نهى قائلة:
فهمت كويس.
أومأت ريهام ب أرسها إيجاباً، ثم تململت قائلة:
ـ بس ده هيكون جاي من السفر وتعبان.. أحسن موده ما يكونش مناسب… ما
أخليها تاني يوم أحسن.
ـ يا واد يا فهيم.. إنما ايه الثقافة العالية دي..اللي يسمعك يقول اتجوزت قبل كده.
ً ـ يا سلام… لا ابدا أنت بس عارفه أني بحب الرومانسية… واللي أنت
هتعمليه ده
قريته قبل كده.. مش اختراع من تأليفي يعني.. بس اتأكدي أن ما فيش حد هيجي
في الوقت ده.. احسن كل حاجة تبوظ.
ـ أكيد رامي هو اللي هيجيبه من المطار.
ـ كويس.. قولي له ينزله ويتكل على الله ما يطلعش.
تجهم وجهها للحظات ثم قالت:
لا ما اعتقدش أنه هيطلع.
ثم حدقت بصديقتها محدثه نفسها
“هتعملي ايه لما تعرفي أن رامي بيحبك يا نهى؟.. يا ترى هتضحكي ز يي… ولا
ً رد فعلك هيكون أفضل…
أنا تقريبا زودتها شوية…”
انت روح ت فين؟
هزت أرسها قليلًا قبل أن تقول:
ـ تصدقي أنا قريب بس خدت بالي إن رامي أخويا كبر.
تجمدت الدماء في عروق نهى للحظة، وشعرت وكأن قلبها سقط عند قدميها، أسوأ
كوابيسها سيتحقق… هل ستحدثها ريهام؟!.. لا.. لا تريدها أن تفعل.
أردفت ريهام وهي تحدق بنهى:
نهى.. أنت شايفة رامي ازاي؟.
ارتشفت نهى من كوبها باحثة عن أي يشيء يرطب حلقها الذي جف فجأة لتقول:
ـ نعم!… إيه السؤال الغريب ده؟.
وقفت ريهام تحمل كوبها قائلة:
ـ ما تخديش في بالك.
تنفست الصعداء ببعد ريهام عنها، زفرت في حرارة وهي تضع يدها على قلبها
الذي كاد أن يتوقف، لا يمكنها مجابهة ريهام في هذا الامر.. تشعر بالخجل
الشديد منه، تخشى أن تكشفها صديقتها بسهولة وتقرأ مشاعرها التي لم يعد في
مقدرتها التحكم بها.
***************
مرت أيام أخرى غاب رامي فيها عن زيارتهما تماماً، وكل منهما يفسر الامر
حسب هواه، نهى تشعر أنه يتجنب الاقتراب منها، وكأنه ينفذ ما طلبته منه، ورغم
أن هذا صحيح فهي أرادت أن يبتعد عنها، لكنها لا يمكنها أن تمنع نفسها من
التفكير فيه والاشتياق له ولحديثه المرح ونظرات الحب التي فجأة أصبحت
تستوعبها كلما نظر لها..
أما ريهام فظنها أنه مازال غاضباً منها، وتسائلت هل يعتقد أنها ستتحدث مع
نهى من أجله؟.. مجنون إن فكر في ذلك.. أم إنه غاضب فقط منها بسبب
حديثهما الاخير الذي من حينها وهو يتحدث معها قليلًا جداً وكأنه ينتظر منها
اعتذار ما ولكن ليس هذا فقط ما كان يشغلها.. فلقد غاب يوسف أيضاً، عن
الاتصال بها، لم تسمع صوته ليومين وها هو الثالث.. رغم أنه في آخر اتصال لم
يقل أبداً إنه لن يتصل بها أو شيء من هذا القبيل وانما أكد لها أنه أنهى كثير
مما عليه فعله.. وسيعود في غضون أيام قليلة…
شاركت نهى قلقها فحاولت طمئنتها بأنه ربما يكون مشغول فحسب.. أو طرأ جديد
في العمل، لم ترتح لهذا خاصة أنها كلما حاولت الاتصال هي به من الرقم الذي
يحدثها منه لا يكتمل الاتصال ولا تعرف السبب.. هل الهاتف مغلق أم هناك
مشكلة في شبكة الاتصالات فقط؟… في النهاية أتصلت برامي وطلبت منه
المرور عليهما بعد العمل.. وجدتها فرصة كي تعتذر له ولو اعتذار ضمني بانها
ً جرح مشاعره وفي نفس الوقت ربما يكون لديه سبب أكثر اقناعاً
لم تقصد أبدا
لغياب يوسف المفاجيء.
*********
ـ اهدي يا ريهام… أكيد مشغول ولا حاجة.. أو يمكن الجو… مش قالك أن الجليد
بينزل كيير اليومين اللي فاتوا.. يمكن أثروا على شبكة الاتصالات ولا حاجة.
قالها رامي بعدما شعر بقلق أخته الشديد فقالت ريهام:
ـ يمكن… يمكن.. بس أنا قلبي مش مطمن.. مش عارفة ليه؟!
التفت رامي لنهى، التي استطاعت صديقتها أن تنقل لها قلقها بشكل كبير، فهزت
كتفيها بلا قدرة على قول شيء فقال:
ـ أنا جعان على فكرة وما كلتش… ممكن حد يأكلني.
ابتسمت نهى قائلة:
– خالص.. خليك مع ريهام أنا هحضرلك حاجة تاكلها.
اقترب رامي من ريهام ليربت على كتفها ناظرا لعينيها وهو يقول:
ـ ريهام.. ما تخافيش… يوسف بخير… إن شاء الله تلاقيه قدامك في أي وقت…
ما تخافيش.
دوما كان يؤثر فيها عندما تشعر أنه يلعب دور الاخ الاكبر، فتمتمت:
ـ أنا آسفة رامي… ما كانش المفروض أهين مشاعرك بالطريقة دي… أنا بس
اتفاجأت.
مط ارمي شفتيه قائلًا:
ـ ولا يهمك… الظاهر أني المفروض أصرف نظر عن الموضوع.
حدقت به للحظة فلم تتوقع استسلام سريع منه، فأردف:
ريهام.. أنت قلبك وجعك.
ـ نعم؟!.
ـ على بعد يوسف يعني وقلقك عليه.. بيوجعك قوي.. متعب الاحساس ده صح؟..
أنا برضو عندي قلب وخايف من إحساس الوجع .. أنا بجد بحبها.. بس مش
عارف أعمل إيه؟!
أرادت أن تجيبه لولا أن علا رنين هاتفها فنظرت له سريعاً لتجد رقم خارجي قفز
قلبها فرحا لتجيب:
ـ يوسف.. أنت كنت فين؟…
ابتسم رامي وهو يراقبها لكن سرعان ما اختفت ابتسامته عندما تغيرت ملامح ريهام
وهي تقول:
ـ آسفة… أمال حضرتك مين؟!
عقد رامي حاجبيه واقفاً وتمنى لو سمع ما يقال لريهام الذي امتقع وجهها بشدة
حتى صار يحاكي الموتى وهبت واقفة على قدميها في نفس اللحظة التي دخلت
فيها نهى لترى ريهام وهي تقريباً تكاد تفقد وعيها وتعود لتسقط بجسدها على
الاريكة التي كانت تجلس عليها منذ لحظات وقد سقط الهاتف من يديها مرددة:
ـ مستحيل.. مستحيل!.
أسرعت لها قائلة:
ـ مالك يا ريهام؟!
ألتقط ارمي الهاتف قائلًا:
ـ الو.. مين معايا؟.. أنت قلتلها إيه؟!
تعلقت عينا نهى به في انتظار الاجابه لتجده يغلق الهاتف هو الاخر مرددا
كلمات أخته:
ـ مستحيل.. مش ممكن.
صاحت به:
ـ في ايه يا رامي؟!
نظر لها بعينين زائغتين مرددا
ـ يوسف.. يوسف..
شعر وكأن لسانه يعجز عن النطق فصرخت نهى وهي ترى صديقتها وكأنها في
عالم آخر والدموع تنساب من عينيها:
ـ ماله يوسف يا رامي؟.. ما تنطق.
حدق رامي بنهى وما زال الذهول مصاحب وجهه ليقول والكلمات تحارب لتخرج
من بين شفتيه:
ـ يوسف.. متهم.. في جريمة قتل.
شعرت نهى وكأن الصمم أصابها أو شيء من هذا القبيل فقالت:
ـ أنت بتقول إيه؟!.. يوسف متهم.. في إيه؟!
ألقى رامي بنفسه على الاريكة دون النطق بشيء لتدخل معهما نهى في حالة من
الالوعي.
*********************
الحلقه الثامنه عشر
قبل ذلك بيومين………
جلس يوسف يتناول إفطاره في مطعم الفندق الذي نزل به، كانت البسمة تعلو
شفتيه وهو يتذكر مكالمة ريهام أمس.. لا يعلم إن كان شعوره حقيقي أم لا.. ريهام
على ما يبدو شعرت به أخيرا. أنها تفتقده بكل تأكيد.. لا تنهي مكالماتها إلا بعد ً
أن تؤكد عليه ألا ينسى مكالمته لها في اليوم التالي.. وكذلك على ضرورة إنهائه
عمله ليعود لها سريعاً..
أصبح يسمع ضحكتها بحرية كما كان يتمنى دوماً.. ضحكة صافية من قلبها بلا
تلكف ولا خجل… هو لم يعد غر يب عنها بعد الان… يبدو أن خطوة السفر تلك
جاءت في وقتها.. ما زال يشعر برقة صوتها والنبرة التي لم يعتد عليها منها قط..
ولم يسمعها إلا منذ أن وصل هنا.. نبرة تحمل الحب والشوق.. يبدو أن هذا هو
الوقت المناسب..
هي فتاة.. لن تعترف بحبها هكذا.. يجب أن تكون الخطوة الاولى منه.. نعم..
سيفعل ما نصح رامي به.. سيخبرها فور رؤيتها.. سيضمها لصدر ه بلاخجل…
سيجعلها تسمع دقات قلبه التي تنطق باسمها بلهفة… سيهمس في أذنها أنه
يحبها.. يحبها ولا يمكنه العيش بدونها.. ومهما كانت النتيجة.. فلن يندم يوماً على
ً أنه أحبها.. سيظل يحمل هذا الشعور داخله
كل لحظة قضاها قربها.. لن يندم أبدا
طوال حياته…
عاد للتفكير بكالمها فزادت ابتسامته ولاحت منه التفاته لتلتقي عيناه بامرأة تجلس
في الطاولة المقابلة له وتبتسم له نفس ابتسامته، سرعان ما أخفى ابتسامته لينظر
لساعته ويرتشف آخر ما تبقى من قهوته، وقبل أن ينهض اقترب منه النادل ليضع
أمامه قالب
من الكريم كراميل على شكل قلب!.. فحدق يوسف بالقالب لثوان ثم نظر للنادل
قائلًا:
عفوا… أنا لم أطلب هذا
أشار النادل للسيدة التي كانت تبتسم له قائلًا بطريقة خبيثة:
ـ السيدة تقدمه لك… كتحلية!.
عقد حاجبيه وهو ينظر لها لتلوح له بأصابعها بإغراء وتبتسم، فزفر في ضيق
ووقف قائلًا:
ـ أعده لها.. أنا لا أعرفها.. وليس لدي وقت لهذه المهاترات.
حمل معطفه وانطلق مبتعدا وقف نادل يحدق بالطبق للحظات ثم حمله عائدا ً لها
فابتسمت قائلة:
لا عليك.شكرا لك.. منذ متى وهو في الفندق؟ ً ـ .
ـ أكثر من اسبوع سيدتي.
دست يدها في جيبها لتخرج بضع عشرات من الدولارات وتضعها في يده قائلة:
ـ جيد… أريد أن أعرف رقم غرفته.. هل يمكنك مساعدتي؟!
ابتسم النادل لها قائلًا:
ـ بالتأكيد سيدتي.
اتسعت ابتسامتها وهي تداعب شعرها ناظر ة حيث كان يجلس يوسف.
**
كان يوما مرهقا ليوسف وكل ما كان يتمناه حماما
ساخنا يدفيء جسده من برودة
الجو وخاصة و أن الثلوج هطلت بكثرة اليوم حتى غطت الارض كلها، وما أن
وصل لغرفته حتى طلب العشاء ودخل لينال حمامه الساخن، انهى حمامه ليخرج
وقد ارتدى روب الحمام… وقف امام المرآة يجفف شعره بالمنشفة فطرق الباب
ليأتيه صوت عامل خدمة الغرف:
ـ العشاء سيدي.
ذهب ليفتح له الباب وعاد للداخل كي يفسح للعامل ليدخل عربة الطعام للداخل ثم
غادر وقد أغلق الباب، وقف أما مرآته ليصفف شعره وأراد أن يتجه لعشائه فإذا به
يسمع:
ـ هل تقبل أن أتناول العشاء معك؟
انتفض مكانه وهو يلتفت ناحية الصوت ليجدها مستندة على باب غرفته المغلق
مبتسمة في دالا مرتدية معطف نسائي من الجلد.. اتسعت عيناه وقد ميز بسهولة
أنها نفس السيدة التي رآها على الافطار..
عقد حاجبيه وبدا الغضب على ملامحه:
من سمح لك بالدخول إلى هنا؟.. هذا العامل سيدفع الثمن غالياً.
أرادت االقتراب منه فارتد للوراء قائلًا:
اخرجي من هنا حاالا… أنا لا أقبل الضيافات الاجبارية
تأملته قليلًا قائلة:
لم لا تهدأ.. أنا لا أعض!.
منحها نظرة اشمئززا قائلًا بحدة:
ـ اخرجي من هنا … أتفهمين الانجليزية؟!
ثنت ساقها اليمنى لتستقر بقدمها على الباب.. فبرزت ساقها بالكامل من فتحة
المعطف وبدا ليوسف أنها لا ترتدي شيئاً تحت هذا المعطف، مما زاد توتره وأزاح
بصره بعيدا : ً عنها قائلًا
لا داعي لهذه المحاولات الرخيصة.. أنا لست هذا النو ع من الرجال.. وأنا لا
أفهم.. لم انت هنا
أريدك!!
اتسعت عيناه وهو ينظر لها قائلًا:
ـ لم أرى وقاحة كتلك من قبل.. أخرجي من هنا حاالًا..
والا ألقيت بك خارجاً؟!
ابتعدت عن الباب وسارت نحوه وقد أمسكت ياقتي معطفها لترفعه عن جسدها
وتلقي به أرضاً وكما توقع يوسف أصبحت عارية تماماً!..
تجمد الدم في عروقة وزاد توتره وشعر وكأن الادرنالين قد وصل لذروته فأدار
ظهره لها فلا يراها مطلقاً وأخذ يردد:
يخرب بيتك.. يخرب بيتك.. أنت طلعتيلي من أنهي داهية!.
ـ ماذا تقول أنا لا أفهم لغتك؟.. كم يعجبني الشرقيون.. لم ادارت ظهرك؟.. ألا
تريد أن ترى ما لدي؟
حاول أن يتمالك أعصابه… فهو لم يتعرض لهذا الموقف قط، فقال وهو على
حاله:
ـ إذا لم تخرجي الان سأتصل بالامن وستفضحين نفسك.. من الافضل أن
تخرجي.
لم يسمع منها شيئاً لكنه انتفض عندما شعر بذراعيها يحاولان احاطة خصره فأسرع
ناحية الهاتف وأمسك بالسماعة قائلًا:
ـ أنا أعني ما أقول.. سأتصل بالامن.
قالت في خالعة:
ماذا بك؟!.لم لا تنظر لي أولا !.. سأمنحك ليلة لن تنساها. ـ . ؟
عض على شفتيه قائلًا:
لا ترهقي نفسك.. أنت لست من نوعي المفضل
حدقت بظهره للحظات ثم عقدت ذراعها أمامها قائلة:
ـ كيف تعرف قبل أن تجرب!.. ثم ما هو نوعك المفضل؟!
النوع الذي لن تعرفيه أبدا… النوع الذي لا يكون كالبضاعة الرخيصة أو رزمة ً ـ
القمامة التي يتهافت عليها الذباب من كل صوب.. والتي لا تلقي بنفسها على
الرجال.
شعرت بالحنق من كلماته وضايقها حقاً .. أن يصفها بالقمامة فقالت بعصبية
وكأنها ترد الاهانة:
ـ من تظن نفسك؟.. أنت مريض بالتأكيد.. لم يرفضني أحد من قبل.
ابتسم في سخرية لم تتمكن من رؤيتها وان بدت في صوته
لا بأس.. لكل شيء مرة أولى.. يمكنك اعتباري الرجل الاول الذي يرفضك.
صاحت بعصبية:
أنت مريض..أنت لست رجلًا. ـ
أمسك بملاءة سريره.. والتفت ليلقيها عليها لتستر جسدها العاري قائلًا:
جيد..اترك هذا المريض.. واخرجي من هنا.. قبل أن ألقي بك ككيس قمامة.
عاد يوليها ظهره رغم أن جسدها قد غطى تماماً بالملاءة لكنه أ ارد أن يشعرها
بمزيد من الرفض، منحته نظرة مليئة بالحقد والبغض.. ثم مالت لتحمل معطفها
فقد استوعبت أنها أمام نوع آخر من الرجال..
أمسكت الملاءة لتنزعها عن جسدها بعنف ولكن بدًال من ذلك التفت الملاءة حول
قدميها وبدت كالمعقودة فقالت بضيق:
تباً لك.. ولملاءتك السخيفة!..لم التفت بي هكذا؟ ـ
تحركت بعصبية أكثر كي تخرج من الملاءة ولكنها فقدت توازنها وترنحت في
الهواء لتهوى على الارض ولكن قبل وصو لها لألرض ارتطم رأسها بعنف بحافة
السرير الحادة لتتأوه في ألم و تستقر على الارض بلا حراك.
التفت يوسف مع صوت ارتطامها ولم يتمكن من رؤيتها حيث حجب السرير
جسدها تماماً، فمط شفتيه قائلًا:
لا داعي لذلك.. لن أغير رأيي.
لم تأته إجابة، فتحرك بحذر ليراها، ليشهق في فزع عندما فوجئ بجسدها ساكن
بلا حركة وعينيها مفتوحاتين وقد فقدتا بريق الحياة بينما هناك بقعة من الدماء
تزداد بسرعة أسفل رأسها.
سقط على ركبتيه وشعر وكأن كل شيء يهوي من حوله فأخذ يردد:
أنت ..انت يا امرأة.. ماذا حدث؟.لا تموتي هنا… لا تموتي هنا.
لم يتلق أي إجابة.. كان عقله يرفض أن يصدق، أنها أصبحت جثة هامدة.. هكذا
في لحظة، لقد كانت تحدثه من لحظات!..
أخذ يهز رأسه بعدم تصديق هناك جثة امرأة عارية في غرفته!.. إمرأة لا يعرفها..
كيف سيفسر ذلك؟!
دفن وجهه بين كفيه مرددا:ً
يا ربي.. يا ربي…أعمل إيه؟..أنت سايبة الدنيا كلها وجاية تموتي عندي..
أستغفر الله العظيم.. أستغفر الله.. ساعدني يا رب.
ً ليقف على قدميه من جديد واتجه للهاتف ببطء وكأنه يسير إلى
بذل مجهودا
حتفه، ليمسك بسماعة الهاتف قائلًا:
ـ المعذرة… أرسل لي الامن.
***************
الحلقه التاسعه عشر
وصلت ريهام و رامي معاً للولايات المتحدة، حيث كان في استقبالهما المحامي الذي
اتصل بهما ونقل لهما الخبر السيء، لا تعرف ريهام إن كان أهلهم اقتنعوا بقصة
المفاجأة التي حضرها لهما يوسف للمجيء للولايات المتحدة لقضاء عدة أيام معه
قبل أن يعودوا معاً، فلقد استغربوا ذهاب رامي أيضاً… كذلك كان عمهما قلق
بسبب انقطاع اتصالات يوسف التي أخبروه أنها بسبب الاحولا الجوية ليس إلا
و أنه أرسل لهما عن طريق السفارة الامريكية في القاهرة، و أنه بخير وكل شيء
على ما يرام، هكذا كانت رغبة يوسف.. لم يرد أن يعلم أبوه أو جدته بالامر فهو
لا يعرف تأثير الصدمة عليهما..
ولقد بذلت ريهام الكثير من الجهد كي لا تفضحها مالمح وجهها الحزينة والقلقة
على يوسف بشدة.
لم تصدق ريهام ما تسمع من المحامي عن الجريمة التي أتهم بها يوسف!..
كيف تجري الامور بهذه الطريقة؟.. هي تصدق قصته بكل تأكيد.. لقد عاشت
معه.. وتعلم أنه من الرجال القادرين على التحكم بمشاعره ورغباته.. هو لم يقترب
منها وهي حلالا له.. فكيف سيقترب من امرأة لا تحل له؟..
لكن الشرطة لا تصدقه.. وتقول عنه أنه يدعي فقط، خاصة وأن عامل خدمة
. الغرف نفى تماماً . أن يكون ساعد تلك المراه في الدخول لغرفته دون علمه
التحقيقات ما زالت مستمرة ويأمل المحامي في أن تظهر كل الادلة التي تؤيد
كلام يوسف.. ولكن كيف سيمكنه إثبات أنها سقطت وحدها و أنه ليس السبب
بذلك..
هذا مستحيل.. هل يمكن للطب الشرعي والبحث الجنائي فعلا إثبات ذلك؟..
هذا ما يأمله المحامي بشدة.
أصرت ريهام على رؤية يوسف بأسرع وقت ، فأوصلهما المحامي للفندق على أن
يأخذها إليه غدا حيث أن الوقت متأخر الان على الزيارات بقسم الشرطة الذي ما ً
ازل يوسف محتجزا . ً به منذ الحادث
استقرت ريهام في فراشها وشعرت أنها أطول ليلة تمر بها في حياتها وأصعبها
على الاطالق، هل يمكن أن تفقد يوسف بتلك الطريقة المؤلمة؟ هل سينجو يوسف
من تلك التهمة ويعود معها أم…؟..
لا يمكنها حتى الفكير في أي احتمال آخر.. نعم سيعود معها.. لن تتركه هنا
أبدا.. ستفعل كل ما يمكنها فعله كي تستعيده.. ً
ليس هذا ما خططت له نهى معها، كان من المفترض أن تنتظره في المنزل تخبره
دون كلام عن مدى رغبتها في أن تكون معه.. وبين ذراعيه…
كيف آلت الامور إلى هذه المرحلة السيئة؟… هي لم تخبره بعد كم تحبه وكم
تفتقده؟!!.
سمعت طرقات على الباب فغادرت الفراش قائلة:
ـ من بالباب؟!
ـ أنا رامي.
فتحت له ليظهر التأثر على وجهه لرؤية دموعها على وجنتيها فقال:
ـ إن شاء الله خير يا ريهام…
اتجهت للنافذة لتنظر منها فقال رامي:
ـ أنا عارف أن كلامي ده ممكن ما يريحكيش قوي.. بس أنا حاسس أن المحامي
ده صغير في السن.. تفتكري هيقدر يساعد يوسف فعالً؟.
صمتت للحظات قائلة:
ـ الاستاذ نضال صديق يوسف زي ما قال.. وأكيد يوسف واثق فيه..وا الا ما كنش
اعتمد عليه.
ـ عندك حق.. ربنا يستر.. إن شاء الله يخرج من الازمة دي ويرجع معانا.
أغلقت عينيها ليردد قلبها بقوة:
ـ آمييييين.
في صباح اليوم التالي.. انطلق المحامي بها ومعهما رامي لزيارة يوسف، لكن
رامي ظل في السيارة، بينما ترجل المحامي وتبعته ريهام للداخل..
كانت أعصابها مضطربة للغاية.. كيف سيكون حاله؟!.. أنه هنا منذ 5 أيام على
الاقل.. بالتأكيد لن يكون بخير..
دخلت مع المحامي ألى الغرفة الخاصة بالزيارات وجلس أمامها قائلًا:
ـ هأل راح يحضر يوسف.. بدي أقولك شغله.
ـ خير
ـ يوسف كتير محبط ومصدوم.. يعني.. ممكن يخبص بالحكي معك.. بدي ما
تزعلي منه.. هو كتير تعبان.فهمتي علي!
عقدت حاجبيها كعلامة لعدم الفهم فأردف نضال:
ـ آخر مرة حكى معي.. حكى عنك.. كلامه كان غريب كتير.. ما فهمته… بعتقد
انت راح تفهميه.
وصل الحارس ليفتح الباب فوقف نضال قائلًا:
ـ راح استنى بره.
أومأت برأسها ووقفت..
ظهر يوسف وكما توقعت كان مختلفاً؛ حزين.. محبط.. بدت عيناه تائهة، فقدت
أي بريق كانت تحمله دوماً، كانت هيئته غير مهندمة إطلاقاً.. ولحيته قد نبتب
واحتضن السواد عيناه، لم تحتمل البقاء بعيداً عنه أرادت وبشدة أن تضمه لصدرها
وما أن تحركت حتى أوقفها الحارس قائلًا:
ـ المعذرة.. اجلسي.. ممنوع الاقتراب من المتهم.
تحركت للعودة مجبرة لكن جسدها تجمد عندما سمعت يوسف يردد بسخرية مريرة:
ـ فاكرك هتلمسيني… ما يعرفش اللي فيها!.
دفعه الحارس للجلوس على كرسيه بينما ظلت ريهام على حالها حتى قال
الحارس:
ـ من فضلك اجلسي… أو ننهي الزيارة.
جلست مكانها والالم يسري في روحها وقد تعلق بصرها بيوسف الذي لم ينظر لها
فقد خفض بصره، كانت شفتاها ترتعشان وهي تقول:
ـ يوسف.. أنت كويس؟.
عادت له ابتسامته الساخرة قائلًا:
ـ تفتكري!!
تألمت لما هو فيه، يبدو أن كلام المحامي صحيح.. فهي لا ترى أمامها إلا كتلة
من الاحباط واليأس، أرادت مساعدته بأي طريقة فقالت:
ـ يوسف… إن شاء الله الحقيقة هتظهر.. أنا متفائلة، ما تقلقش.. هنرجع.. أكيد
هنرجع سوا.. أنت عيشت في البلد دي كتير.. و أكيد تحرياتهم هتأكد نزاهة
أخالقك.. وصدقك.. وان شاء الله العامل يقول الحقيقة.. ويصدقوا كل كلمة قلتها.
صمتت وهي ترى يوسف على حاله وكأنه لا يسمعها قاومت رغبة شديدة للبكاء،
لم ترد أن تشعره بخوفها هي الاخرى وقبل أن تقل شيئاً آخر انفرجت شفتاه
فصمتت لتسمح له بالكلام.. أطبقها مرة أخرى فخفضت بصرها للارض وشعرت
باليأس من أن يقو ل شيئاً حتى تسرب إلى أذنهيا أخير صوته الحزين قائلًا:
فعًلا.. عيشت في البلد دي كتيييييير.. عمري ما دخلت قسم.. ولا تعرضت ـ
لاهانة.. عرفت ازاي احترم نفسي وأخلي اللي حواليا يحترموني.. ومشيت.. مشيت
بصفحة بيضا.. وخالص.. قلت مش هسافر تاني.. هستقر في بلدي.. ما كنتش
هاجي هنا تاني.. ما كنش في سبب إني آجي.
رفعت رأسها له و قد أصابتها الدهشة من جملته الاخيرة لكنها لم تقاطعه فأردف:
ـ اخترعت سبب بس علشان أبعد!.
ثم نظر لها قائلًا بغضب:
ـ علشان أبعد عنك.. يمكن تحسي بيا!..يمكن أفرق معاك
اتسعت عيناها وهي تضع يدها على قلبها الذي ينبض بعنف ليكمل بنفس
الغضب:
انتى السبب… انتى السبب في أني هنا… ماكنتش هسافر لو كنت
لم يكمل
، فوضعت ريهام أصابعها على فمها والدموع بدأت أخيرا بالتحرر من
مقلتيها فأردف والحزن القاتل يلف كلماته:
ـ ـنا ضعت.. ضعت.
انفجرت ريهام بالبكاء وهي تسمع إتهام أقسى من أي إتهام قد تسمعه في حياتها،
كانت كلماته كسياط تدمي روحها وقلبها قالت من بين دموعها:
ـ أنا.. أنا ما اعرفش.. أنا..
: لم تجد ما تجب به، لمحت الدموع في عينيه هو الاخر فهز أرسه قائلًا
لا. مش أنت السبب.. ما حدش السبب.. ده قدري… قدري.
عاد يتطلع للاشيء.. ورغم الالم البالغ الذي شعرت به ريهام لكلامه والذي
صدمها بكل تأكيد إلا أنها قالت من بين دموعها الغزيرة:
ـ قدرك هيكون كويس.. أنا متأكدة.. أنت تستحق اسم يوسف يا يوسف.. لانك
اتصرفت زيه.. رفضت المعصية والخطيئة.. واللي يبقى عنده خلق الانبياء.. لا
يمكن يضيع.. لا يمكن.
صمت للحظات قائلًا:
ـ يا رب.
قال كلمته الاخيرة وهب واقفاً : ليتجه ناحية الحارس
ـ يكفي هذا.. انتهت الزيارة أعدني لسجني.
فتح الحارس الباب ليخرج يوسف لكن ريهام أسرعت لتمسك بذراع يوسف لكن
الحارس جذبه بعيدا قائلًا:
ـ قلت ممنوع اللمس.
التفت لها يوسف فقالت وما زالت تبكي بحرقة:
ـ أنا آسفة.
نظر لها للحظات ثم أدار وجهه مبتعدا : ً وهو يقول
ـ و أنا كمان.. آسف.
عادت لتلقي بنفسها على الكرسي وقد انهارت من البكاء، لا تصدق أنها سمعت
هذا من يوسف.. هي السبب.. هي السبب فيما هو فيه الان.. سافر فقط من أجل
أن تشعر به،
هو في هذه الورطة بسبب عماها وغبائها.. ليتها صدقت نهى من البداية… ليتها
قالت له مشاعرها فور أن شعرت به، ليتها ما سمحت له بالسفر…
وقف نضال عندما وجد يوسف خارجاً فأوقفه قائلًا:
ـ موعد الزيارة لسه ما خلص.
نظر له قائلًا بلا مبالاة:
ـ مش هتفرق.
عقد حاجبيه ثم اتجه إلى الغرفة ليجد ريهام تبكي بحرقة، اقترب منها بهدوء قائلًا:
ـ خبرتك إنه محبط كتير.. ما تخلي كلامه يأثر فيكي بهي الطريقة.. خلينا نمشي.
وقفت لتسير معه وقد لفتت نظر الجميع ببكاءها المتواصل والذي لم يهدأ إطلاقاً
وكانت من ضمن العيون التي تراقبها امرأة أمريكية اقتربت من أحد الشرطيين
قائلة:
ـ من هذه؟!
رد وهو يعود لعمله:
ـ زوجة العربي.
عادت تنظر لريهام حتى خرجت من المكان فاقترب منها آخر قائلًا:
لم تظنيها تبكي هكذا؟. هل اعترف لها بجريمته؟!
التفتت له قائلة:
ـ من يدري جون.. من يدري؟!.. هل راجعت عامل خدمة العرف؟!
ـ نعم.. لم يغير كلامه أيتها المحققة.
هزت رأسها بتفهم.
*********
خرج رامي من السيارة عندما أرى أخته فأسرع ناحيتها قائلًا بقلق:
ـ في إيه؟.. بتعيطي كده ليه؟!
لم تجبه فقط فتحت باب السيارة لتستقر في المقعد الخلفي حدق بها رامي بغير فهم
ثم قال لنضال:
ـ هي مالها؟!
هز كتفيه قائلًا:
ـ ما بعرف.. أكيد ما حبت تشوف جوزها بهيك موقف.
انطلقوا بالسيارة، ولم يفهم رامي سر بكاء أخته المستمر بهذه الطريقة، شعر أن
الامر يفوق فقط حزنها على ما رأت يوسف عليه، هل قال لها يوسف شيء؟..
هل قال لها أحد أنه لن ينجو مما هو فيه؟
لكنه فضل الصمت على سؤالها، فحالتها تقول أنها لن تجيب على أي تساؤل
يطرح عليها الان.
ترجلا من السيارة أمام الفندق وريهام على حالها فأمسك رامي يدها ليدخال فقالت:
ـ لا.. مش عايزة أدخل مكان مقفول.. عايزة أفضل بره.. حاسة أني مخنوقة.
اندهش رامي أكثر لحالها لكنه شعر بالاسى من أجلها فقال:
ـ بس يا ريهام الدنيا تلج.. أنا حاسس أني باصص للوحة بيضا.. مافيش حاجه
تانية باينة.
هزت أرسها رفضا لما يقول فتلفت حوله حتى أمكنه رؤية مقعد عريض في حديقة
الفندق فقال:
ـ طب تعالي.. اقعدي هنا.. أنا هجبلك قهوة سخنة.. تساعدك تستحملي الجو ده.
تركها عند المقعد وابتعد، لكن ريهام لم تشعر بالبرودة التي يحكي عنها، فلقد كان
داخلها براكين ثائرة ونيران مشتعلة كانت كفيلة بإخفاء البرد عنها… كم يؤلمها ما
سمعت من يوسف.. وعلما كان أسفه؟!.. هل يعني أنه آسف أنه أحبها؟.. أو أنه
عرض عليها الز واج؟… هل هو آسف أنها كانت جزء من حياته؟…
زاد بكاؤها بشدة عندما وصلت لهذه النقطة، لقد كرهها بكل تأكيد.. لكنها أبدا لم
تكن تقصد أياً من ذلك.. نعم في البداية لم تحبه.. لكنها تعشقه الان.. بينما هو
نادم على أنه أحبها يوماً.. و في الوقت الذي قررت فيه أن يكونا معاً.. يضيع منها
بهذه الطريقة.. هل سينفعها الندم الان؟!.. هل سينفعها أن تقول له أنها
تحبه…وستظل تحبه الى الابد.. وما الفارق الذي قد يصنعه كلامها أو حتى
صدق مشاعرها.. لقد قالها صريحة… لقد ضاع بسببها.. لقد ضاع مستقبله..
حياته.. أحلامه.. وكل هذا من أجل فقط أن تشعر به..
الالم يزاد اشتعالا داخلها… الالم الذي تتمنى لو يرجع الزمن للوراء إلصلاح ما
فات.. األالم الذي يجعلك تردد دوما.. لو.. لو.. لو.. لكنها دوماً لا تنفع
بقيت ريهام على مقعدها والدموع تنساب من عينيها، حتى رأت كوب القهوة أمامها
في يد رامي الذي قال:
خدي يا ريهام…وأرجوك اهدي شوية مش كده. ـ
لم يكن عندها الرغبة لتناول أي شيء فأدارت أرسها بعيدا، جلس بجانبها وهو ً
يرتشف من كوبه ممسكاً بكوبها في يده الاخرى وقال:
. مش مقتنع إن كل العياط ده علشان بس شوفت يوسف في الحاله دي.ومش
هقولك إيه اللي حصل وبتعيطي كده ليه.. بس ممكن افهم العياط ده هيفيد يوسف
بإيه؟… احنا جايين هنا علشان نقعد نعيط عليه.. ولا علشان نعمل المستحيل
ونساعده ونرجع كلنا سوا.. ريهام لو سمحت لازم تتماسكي شوية.. ولازم نفكر
هنساعد يوسف إزاي.. مش ده أولى من عياطك ده.
بدأ الهدوء يتسرب لها تدريجياً وهي تفكر في كلام رامي، ووجدته صحيح مائة
بالمائة.. إذا كانت هي السبب في توريطه بهذا الشكل حتى وان كان عن غير
عمد، فهي مسؤولة الان عن إنقاذه وبأي شكل.
نظرت له وهي تمسح الدموع من عينيها لتقول:
ـ تفتكر إحنا هنقدر نساعده؟!!
رفع لها كوب القهوة فأخذته منه وهي تحثه على الكلام فقال:
ـ هنحاول.. أحسن ما نفضل قاعدين كده.
ـ ازاي؟
كان عقلها غير قادر على التفكير في أي شيء وتمنت لو أن أخاها أفكاره مرتبه
أفضل منها فاستمعت له وهو يقول:
ـ عامل الغرف لازم يقول الحقيقة.. لازم نلاقي طريقة نقنعه فيها بأنه يقول اللي
حصل.. ده هيكون أول دليل لصحة كلام يوسف.
: أومأت براسها إيجابا تصديقاً على كلامه فأضاف ً
هو أكيد خايف يفقد وظيفته لو قال الحقيقة لو و فرنا له وظيفة تانيه مثلًا.. او
لو أقناعنا الشرطة أنهم ما يعلنوش حقيقة اعترافه علشان ما يخسرش شغله.. ما
دام ده هيساعد في اظهار براءة انسان.. ممكن… ممكن ساعتها يعترف.
صمت للحظات قبل أن يضيف:
ـ احنا لازم نقعد مع نضال أكتر.. علشان نفهم تفاصيل التحقيق ونفكر معاه
ونعرض عليه أفكارنا.. يمكن نقدر نساعده.
أمسكت ريهام بكفه وضغطت عليه فنظر لها ليجدها تمنحه نظرة امتنان قائلة:
رامي رامي..أنا فعلًا .. . عايزة يوسف يرجع معانا أنت عندك حق.. العياط مش ـ
هيجيب نتيجة.. لازم نساعده.. لازم.
ربت على كفها قائلًا:
أيوة كده.. ريهام أختي العاقلة ظهرت أهيه..برافو عليك … ممكن أطلب طلب.
أومأت رأسه فقال:
ـ ممكن ندخل جوه أحسن أنا مت من البرد.
**********
الحلقه العشرون
اجتمع ثلاثتهم ريهام ورامي ونضال على مائدة بمطعم الفندق بناء على طلب رامي
للحديث في تفاصيل قضية يوسف، وكان رامي يقول:
ـ يعني حضرتك مش عايز القضية تروح المحكمة؟.
إي طبعاً. ـ
قالت ريهام:
ـ هي لو اتحولت للمحكمة براءته هتكون مستحيلة؟.
ـ الا. مو مستحيلة.. بس راح تكون صعبة… لان المحاكمة معناها محلفين..
وأراء مختلفة.. ورأي عام ممكن يأثر على القضية.. وأنا بدي نتفادى كل هاي
الشغلات.. وأنا بعتقد إنا راح نقدر ننفي التهم بحجة عدم كفاية الادلة.. وانتفاء
سبب الجريمة.
سألته ريهام باهتمام:
ـ إزاي!!
ـ أول شي.. لازم نقنع عامل الغرف يحكي الحقيقة.
قال رامي:
ـ أنا كنت لسه بقول كده لريهام.. تفتكر ممكن نعمل كده ازاي؟.. نعرض عليه
فلوس مثلًا..أو نوفره شغالنة تانية؟.
ـ أنا فكرت بهاي الفكرة.. لكن خفت يستخدموها ضدنا.. ويعتبروها رشوة.. علشان
هيك.. أنا بدي نقنع الشرطة لابقاء شهادته غير معلنة.. منشان ما يخسر شغله..
ووقتها بيخبرهم باللي صار
.. والتحقيقات إلى الان بتثبت إن يوسف ما شاف هاي
المرة من قبل.. ما بيعرفها.. وواضح أن سمعتها كتير سيئة.. ومتعودة على ها
الشي.. الرجال اللي بيعجبها بتحاول توصله بكافة الطرق.. ويوسف كان واحد
منهم.. لكن لحظه العثر… كان الاخير كمان..المهم أنها نقطة لصالحنا.. و آخر
شي متأمل عليه.. تقرير البحث الجنائي والطب الشرعي اللي راح يثبت ولو بشكل
غير قاطع أن يوسف ما تعارك معاها ولا دفعها للسقوط.. وها الشي بيبين لما
يكتبوا تقرير تخيلي للصار وقت الحادث.
صمت ليتركهما يستوعبا كل ما قاله ثم تكلمت ريهام قائلة:
ـ هو مين اللي بيحقق في القضية؟!
لم يفهم نضال سبب السؤال لكنه أجابها قائلًا:
ـ محققة كتير شاطر ة وسمعتها حلوة.. وما بتحب تلفق قضايا.
شعرت بالتفاؤل لكلامه فقالت:
ـ ممكن أقابلها؟.. عايزة أتكلم معاها.
قال رامي مندهشاً:
ـ تتكلمي معاها!.. في إيه؟!.. تفتكري يعني أول لما تقولي لها جوزي بريء..
هتسيبه!.
ـ لحظة رامي… شو بدك منها؟.
تنفست بعمق قائلة:
ـ عارفة أن هي يمكن ما تصدقش كلامي.. لكن ده مش هيمنعني أني أكلمها
وأعرفها مين هو يوسف.
ابتسم نضال للاصرار الذي بدا في صوتها فقال:
ـ ما في مشكلة.. بحدد موعد معها.
ـ مش عايزة أكلمها في القسم.. ياريت بره.
ـ ماشي.. متل ما بدك.
أشار نضال بيده متذكرا أمرا
ـ صحيح.. نسيت أخبركم شغله يمكن تساعدنا… المدعي العام اللي راح يمسك
هاي القضية لما تروح المحكمة خسر القضية اللي قبلها.. منشان هيك.. إذا شك
للحظة في الادلة وانه ..ممكن يخسر هاي كمان
راح يرفض تحويلها للمحاكمة..
وراح تحفظ القضية.
ابتسم رامي لنضال قائلًا:
ـ واضح أنك عارف شغلك كويس… رغم صغر سنك.
ابتسم نضال قائلًا:
ـ كنت شاكك فيني؟.
لا أبدا.. أنا بس.. ً ـ
ـ بعرف.. بعرف… من حقك تقلق على ابن عمك.. ولكن صدقيني… يوسف متل
أخي.. مو رفيقي بس.
لاحت شبح ابتسامة على شفاه ريهام سرعان ما زالت.. لم يحن وقت الابتسام
بعد.. لقد أقسمت ألا تذوق طعم الراحة إلا بخروج يوسف من سجنه، وستفعل
المستحيل لتحقيق ذلك.
**************
جلست ريهام أمام نافذة غرفتها تتابع هطول الثلوج، وصوت يوسف الحزين أصداؤه
تعلو داخلها لم تتمكن أبداً من إسكاته.. ولا إسكات هذا الالم الذي يملا جنبات
روحها، خاصة أنها قررت ألا تذهب لزيارة يوسف مرة أخرى.. لن تراه إلا وهو
خارج هذا السجن.. وستفعل ما بوسعها حتى تحقق ذلك.. هذا هو الاعتذار الوحيد
الذي يمكنها ان تقدمه له.. وربما لنفسها المجروحة رغم أنها تجهل تماماً ماذا
سيحدث بعد أن يخرج يوسف؟..
هل ستتمكن من البوح بمشاعرها؟!.. هل سيقبل أن يسمع منها؟.. هل ما قاله
مجرد احباط وحزن و قاله دون قصد؟.. وبعد أن يخرج سيستعيد حبه لها ورغبته
في البقاء معها.. لا تتصور أن يقول لها قبل حتى أن تنطق بحرف..
“خلينا نفترق”…
يا الهي.. هل يمكن أن يقول تلك الكلمة فعلًا؟!
هزت رأسها لتنفض الفكر ة عنها حتى وصل أذنها صوت رامي:
يا ريهام… أنت مش بتردي ليه؟ ـ
التفتت له قائلة:
ـ رامي!… في إيه؟
ـ بكلمك ما بترديش عليا.
ـ معلش ما اخدتش بالي… في حاجة؟..
ـ مش هنكلمهم في مصر؟… لو احنا كمان قطعنا هيقلقوا جامد.. ومش بعيد
يسألوا عنا عن طريق السفارة.. ومش هنخلص.
هزت رأسها قائلة:
ـ معاك حق… احنا نكلم بابا وماما.. ونقولهم أن يوسف مشغول أو أي حاجة…
و أننا كويسين…أو أقولك أنت كلمهم وقلهم أننا كويسين وبنتفسح شوية و أنت قاعد
في الفندق.. متهيألي كده يقتنعوا أكتر… و أننا هنكلمهم في أقرب فرصة.. وهما
يبقوا يطمنوا عمي.. ولو أنه هيفضل قلقان لحد أما يسمع صوت يوسف.
فعلًا.. نضال قالك هتقابلي المحققة امتى؟ ـ
ـ أديني مستنية.
ارتفع رنين هاتف الغرفة ليجيب رامي ثم التفت لريهام التي كانت تتابعه قائلًا:
ـ نضال تحت والمحققة معاه.
و قفت مسرعة لتضبط حجابها على رأسها قائلة:
ـ كويس.
وقبل أن تخرج قال رامي:
انا مش عارف أنت هتقوليلها إيه؟!… المهم تركزي كويس.. احنا عايزين نطلعه
مش ندبسه أكتر.
عقدت حاجبيها لتمنحه نظرة غاضبه فرفع كفيه قائلًا:
مش قصدي.. خلاص..ربنا معاك ـ
ظلت على نظرتها له للحظات ثم غادرت لتغلق الباب خلفها، زفر رامي في حرارة
متمتماً:
ـ يا رب.. يا رب… نرجع كلنا سوا.
**********
كاد الخوف والارتباك أن يصيباها بشيء ما.. كانت تخطو ناحية المحققة ونضال
بخطوات بذلت مجهودا كي تظهرها ثابته وواثقة، هكذا يحب الغربيين رؤية ً
الاخرين.. والا شكوا بهم في لحظة
كما أخبرها يوسف من قبل
اقتربت منهما أكثر لتلقي التحية على نضال الذي قدمها للمحققة قائلًا:
ـ المحققة فيكتور.. جاكلين فيكتور.. السيدة يوسف.. ريهام يوسف.
مدت ريهام يدها لتصافحها مانحة إياها ابتسامة ودودة ردتها المحققة مع بعض
الحذر، انصرف نضال كي يعطيهما الفرصة للتحدث بحرية، جلستا كلتاهما تنظر
للاخرى حتى قالت جاكلين:
ـ أخبرني المحامي أنك ترغبين بالحديث معي.
نعم.. هذا صحيح.. لكن بداية أريد أن أخبرك أنه أشاد كثيرا ـ بمهاراتك المهنية
وحبك للعدالة وتحقيقها.
لم تتلق رد منها فقط نظرة خاوية من أي شيء، ابتلعت ريهام ريقها بصعوبة
وذكرت نفسها بسبب هذا الحديث، إنه من أجل يوسف.. عليها أن تنجح في
إقناعها بصدقه.. لا تعرف كيف.. فقط ستكلمها عنه.. داعية من الله أن يلقي كل
كلمة ستقولها في قلبها بصدق دون أي شك.
في الحقيقة.. أنا أريد أن أحدثك عن زوجي…أريدك أن تعرفينه.
مطت شفتيها قائلة:
ـ أعرفه!!
نعم…ربما حينها ستعرفين أنه ليس بقاتل أبدا.ً ـ
هزت رأسها قائلة:
ـ ليس كل من يقتل محترف… ألم تسمعي بالقتل الخطأ؟!..
معك حق… ولكن الامر لا يقتصر على القتل الخطأ في اتهامكم له… زوجي لا يخون أبدا.ً
انفلتت منها ضحكة ساخرة وهي تقول:
من حقك ألا تصدقي أنه خانك.. الزوجة دوماً آخر من يعلم.. أو أنها تحب أن
تكون آخر من يعلم.
لا تعلم ريهام هذا الشعور الذي وصلها من كلماتها الاخيرة، هل تعرضت للخيانة
الزوجية مثلًا؟.. تغاضت عن الامر لتقول:
ـ أنا لا أقصد خيانتي أنا.. وستفهمين قصدي أكثر إذا سمعتيني.. ولكن أرجو أن
تعديني ألا يتعدى حورانا هذا آذاننا… لا أريد لاحد أن يعرف به مطلقاً.. وأنا أثق
بكك .. فهل تعديني؟!
هزت كتفيها بلا مبالاة:
فليكن…لك ذلك
صمتت ريهام للحظة ثم أخذت نفساً عميقاً قائلة:
ـ أنتم هنا لديكم خلفية ما عن زواج الشرقيات أو العربيات عامة…لا أعرف كيف
ستستقبلين كلامي!.. لكني سأقوله.. زواجي بيوسف لم يكن عادياً أبدا . في
الحقيقة أنا لم أكن أكن له أي مشاعر حب.. ولكن إلاصرار أهلينا على تزويجنا..
تم الزواج… ولكن يوسف.. احترم رغبتي بشدة.. لانني رفضت الزواج بهذه
فوعدني أنه لن يجبرني على شيء مطلقاً .. على أمل أن الطريقة.. في هذا الزواج
تربطني به العاطفة… واذا لم يحدث ذلك سيجعلني حرة
… ونفذ وعده… عشت
معه في بيت واحد لم يقترب مني قط.. لم يلمسني بأي طريقة قد تزعجني.. ولهذا
أحببته… لقد رأيت فيه الرجل الذي أحب أن أعيش معه.. رجل أحبني ومع ذلك
منع نفسه مني.. رغم صعوبة هذا بالتأكيد عليه.. فأنا زوجته وله أن يحصل مني
على ما يريد.. حتى لو رغماً عني.. ولن يعاتبه أحد.. لكنه لم يفعلها قط.. فهل
تعتقدين أن رجل أمسك حاله عن علاقة شرعية، يمكن أن يدخل بسهولة في
علاقة غير شرعية؟… أنا واثقة أنه لا يعرف هذه المرأة.. وتحرياتكم ستثبت هذا
بسهولة.. وحتى لو لم يساعدكم هذا في معرفة الحقيقة فعلى الاقل هو لم يكذب
كما تقولون.. وهو عندما رفضها لم يفعل هذا من أجلي.. أو كرهاً لخيانتي كما
تعتقدين..
وانما رفضها كرها لخيانة ربه ودينه.. أعتقد أنك ستفهميني.. فالصليب
الذي على صدرك يعلمني أنك تؤمنين بوجود إله لهذا الكون.. يرانا ويسمعنا
وسيحاسبنا على أخطائنا.. زوجي يعلم دوماً أن الله يراه طوال الوقت ومستحيل أن
يفعل ما لا يرضيه أو يخونه بهذه الطريقة..لا أريد أن أقول أن زوجي مالك..
وانه لا يخطيء
.. كلنا نخطيء.. لكن هناك فروق في هذه الاخطاء.. أو
مستويات إن أردنا تصنيفها.. وزوجي لن ينجرف لمثل هذا الخطأ أبداً.. هذا ما
أردت أن أخبرك به.
ظلت جاكلين تحدق بها للحظات وكأنها تستوعب كل كلامها ثم قالت:
حسناً.. لو افترضنا أن كلامك صحيح.. ما الذي يمنع أنه وهو يبعدها عنه دفعها ـ
بقوة أسقطتها أرضاً وقتلت.. فرجالكم لا يمانعون ضرب النساء.
ابتسمت ريهام بهدوء وثقة قائلة:
ـ هذه نظرة تحبون أن تنظروها للمجتماعات العربية متناسيين أن أكثر نسبة عنف
ضد الزوجات تحدث في بالدكم المتحضرة.
النظرة التي بدت في عيناي جاكلين جعلت ريهام ندمت على جملتها الاخيرة، فلقد
لمحت الغضب والحنق في نظرتها لكنها سرعان ما اختفت لتقول:
ـ ربما.
قالت ريهام وكأنها تهرب من تلك النقطة:
ـ كما ان العنف طبع.. وزوجي عاش بينكم سنوات طويلة.. لم يرفع يده فيها على
أحد قط.. بل اشتهر بين زملائه بالهدوء والقدرة على التحكم في أعصابه، هو لن
يدفعها.. بل سيتصرف بعقالنية كما روى لكم.. ويهددها بطلب الامن فحسب..
وكان سيطلب الامن فعلًا … إذا لم تستمع لتهديده وتخرج ولكن قدر الله أن تكون
نهايتها في تلك اللحظة..
نظرت ريهام في عيناي جاكلين قائلة برجاء خالص:
ـ سيدتي.أنا لا أطلب منك .. أن تخوني عملك.. فقط قومي به.. كما تحبين أن
تفعلي.. وأنا واثقة أن الحقيقة ستظهر لكم حتماً.
وقفت جاكلين وتبعتها ريهام فمدت يدها تصافحها قائلة:
حسناً.. سأضع كلامك في اعتباري.. ولكني في كل الاحوال سأقوم بعملي على ـ
أكمل وجه.
ابتسمت ريهام وقد شعرت بأن كلامها قد لاقى قبوًلا لديها فقالت:
شكرا لك… وأنا لا أطلب غير ذلك.
**********
رواية عقد زواج أبتدائي.
بقلم سارة سيف الدين.
