جوازة نت بقلم منى لطفي ج 4

الحلقة الخامسة عشر”ج2

حمدلله على السلامة يا استاذ عمر، الحاجة هتفرح جوي لما تشوفك هي وسيف بيه..
دخل عمر وسط تهليل مهجة بقدومه، فعمر ابن بنت خال سيدتها زينب، ويعدّ كأخ لسيف، قال عمر وهو يتلفت حوله:
– الله يسلمك يا مهجة، أومال فين الناس؟..
قالت مهجة وهي تحمل حقيبة ثيابه:
– الحاجه في دارها وسيف بيه في الجنينة، أومأ عمر برأسه وقال:
– طيب أنا هروح لسيف بيه….
– اهلا ازيك يا عمر ايه المفاجأة دي؟..
سلّم عمر على سيف وجلس حيث أشار سيف قائلا بمرح:
– أعمل ايه جالي استدعاء رسمي من الحاجة زينب، وانت عارف كله الا أوامر الحاجه مقدرش أطنشها !!..
قطب سيف بحيرة وقال:
– هي الحاجه كلمتك؟، أومأ عمر بالايجاب فواصل سيف بتساؤل:
– غريبة!، ما قالتليش يعني؟، وكلمتك ليه؟….
قال عمر وهو يحرك كتفيه علامة الجهل:
– علمي علمك، كل اللي قالته تكوني عندي مسافة السكة!، واهو اقل من 3 ساعات وانا هنا، جاي سايق على 120 !!..
سمعا صوت زينب وهو يقول مرحبا:
– أهلا بولد الغالية، توّك ما جيت !، يعني لازمن كنت أكلمك علشان تاجي تشوفنا؟!..
نهض عمر للسلام عليها وأجاب:
– معلهش يا حاجه، انتو في بالي والله بس ظروف الشغل….
قالت زينب بابتسامة:
– وكيفها نيّرة؟، اتوحشتها جوي!!..
أجاب عمر بابتسامة:
– الحمدلله بخير، وحضرتك كمان وحشتيها وان شاء الله هييجوا قريب علشان كمان يطمنوا على عمي الحاج….
قالت زينب وهي تشير الى سيف:
– يشرّفوا، ودلوك ناجي للمهم، سيف يا ولدي هات وِلد خالتك والحجني !!..
تبادل عمر وسيف نظرات التساؤل ولم يجدا بّدا من اللحاق بزينب..
———————————————————-
– انتو عايزين منّي ايه؟…، صرخت شاهي في وجه رماح الذي قال بغلظة:
– واحنا هنعوز منيكي إيه؟، الكبيرة جالت جيبها يبجى جيبها، ياللا بلاش لكاعه الكبيرة مستنياكي برّه، علشان تعرفي اننا إهنه بنراعي الاصول، مارضيتش تدخل عليكي دارك !!..
شاهي بسخرية وهي تنظر الى ملابسها المزرية التي تتكون من عباءة ريفية سوداء، يتداخل بها بضع ألوان ولكن قد كلح لونها دليل على قِدَمِها، قالت بصوت كالفحيح من بين أسنانها وهي تتقدمه:
– دا على أساس انكو منزلني في اودة في فندق 5 نجوم، أي حد يشوف الاودة دي أنا متأكده انه هيقرف يقعد فيها 5 دقايق، كفاية ريحة العفونة اللي فيها ولا الفيران اللي عماله تصوّت طول الليل ولما صعبت عليكم خرجتوا الفيران بعد ما كنت هموت فيها، انما اقول ايه على الصراصير والقرف اللي موجود هنا، ياللا ياللا خلينا نشوف الكبيرة بتاعتك دي عاوزة إيه، أما أشوف هخلص من فيلم شيء من الخوف دا إمتى؟..
خرجت شاهي الى ردهة الكوخ المحتجزة به، ما إن وقع نظر سيف وعمر عليها حتى نظرا الى بعضهما البعض بحيرة وريبة وتحدث سيف بدهشة:
– ايه دا؟، انتي هنا؟، ثم نظر الى والدته متابعا:
– فيه ايه يا أمي؟، ايه اللي جابها دي هنا؟..
تحدثت زينب بصرامة :
– ماليكش صالح بجات إزاي!،.. انت دلوك ترمي عليها اليمين، واللي بعمله ديه مش علشانها، لاه… دي واحده عاصية ربها، لكن لأن مرتك بنت الاصول ما تستاهيلش تبجى ضُرّتها واحده زييها!….
تحدث عمر بعدم فهم:
– هو فيه ايه بالظبط يا حاجه؟، من ساعة حضرتك ما كلمتيني وانا مش فاهم ايه الموضوع بالظبط؟..
زينب بجدية:
– أني كلمتك علشان تاجي ، عاوزاك تُبجى شاهد على طلاق ولدي من بنت الفرطوس ديْ…، ثم وجهت كلامها الى سيف بأمر:
– ياللا يا ولدي خلّصنا، وما تخافش رماح وعوضين وصابر رجالتنا وخشمهم مش هيجول حاجه لحد واصل !!…
نظزر سيف الى شاهي وبكل ما يعتمل في صدره من حقد وكراهية صرخ:
– انتي طااااااالق، ومش بس كدا لأ… زي ما شيرتي بوست جوازنا ع الجروب، بوست الطلاق بردو هيتشيّر على نفس الجروب، علشان أبقى كدا بريت ذمتي منك، وربنا يغفر لي..
زينب وهي تنظر الى شاهي بينما موجهة كلامها الى سيف:
– خلاص يا سيف ، امشي انت وعمر يا ولدي دلوك، وأني هحصلك..
ما ان انصرف سيف وعمر حتى نظرت شاهي الى زينب وقالت بسخرية:
– فيه حاجه تانية عاوزاها مني؟، ممكن أمشي بقه؟، وشكرا على كرم الضيافة!!..
صدحت ضحكة زينب الساخرة عاليا وقالت :
– لاه، جوام زهجْتي منينا!، عموما ما تخافيش يا غندورة، هتمشي ، بس لوَّل فيه حاجه هتعمليها بعدين تمشي من غير مطرود، نظرت الى رماح وقالت:
– رمّاح…، فهم رماح وسريعا أخرج أوراق كثيرة وقلم وتقدم الى شاهي التي تقف تتفرس فيه بريبة، قالت زينب بهدوء فيما رماح يناولها القلم والأوراق:
– أمضي على الورجَات ديْ الوّلْ..
تناولت شاهي الاوراق والقلم من يد رمّاح وهى تتساءل في دهشة وحيرة:
– ورق ايه دا؟…..، لتشهق مذهولة فاغرة فاها وهي تفتح عينيها على وسعهما هاتفة بسخط:
– ايه دا؟، عاوزاني أمضي على نفسي وصولات أمانة وشيكات؟، انتي أكيد مش في وعيّك!!…
صرخت بجزع عندما جذبها رمّاح من غرّتها وقال زاجرا بغضب:
– لما تتحدتي مع الكبيرة تتحدتي بأدب….
انهمرت دموع الذل من عينيها وصرخت بألم وهي تحاول الافلات من قبضته الشديدة لخصلاتها، قالت زينب بأسف زائف:
– لاه، لاه، يا رماح مش إكده، هي برضيكي معذورة، جاهلة متعرفش اللي ممكن يحصول من ورا كلامها ديه!!…
صرخت شاهي بعنف ومقت:
– آي، سيب شعري يا جاهل يا متخلف، انتو فاكرين نفسكم مين، هي سايبة؟، أنا هوديكو في ستين داهية!!..
هزت زينب رأسها بحزن مصطنع وقالت وهى تطالعها بشفقة مزيفة:
– وأني اللي كنت هسيبك بعد ما تمضي الاوراج ديْ!، شكل الجاعده إهنه عجبتك وعاوزة تكملي باجية حياتك في الكوخ الجميل ديه !!…
هتفت شاهي بجزع:
– لا يا حاجه، الا هنا..، المكان هنا مخيف اووي…
زفرت زينب بيأس زائف:
– ما انتي مش عاوزة تهاودي وتعملي اللي بجولك عليه!، أجولك…. اختاري يا اما توجعي الاوراج دي وتطلعي على بلدكم ويا دار ما دخلك شر، يا ترفضي وتفضلي مأنسانا لغاية ما يأذن ربنا، يا إما……، وسكتت لتهتف شاهي بيأس:
– يا إما ايه يا حاجه؟؟…
سارت الحاجه الى رماح القابض على خصلات شاهي بقوة وربتت على كتفه قائلة بزهو:
– تتزوجي راجل من عندينا وتعيشي كيفك كيف المداس اللي في رجليه….صدجيني مش هتلاجي جدع زي رمّاح، ديه ولدي أنا اللي مربياهْ!…، ها… جولتي ايه يا غندورة !!..
ارتسمت ابتسامة عريضة على وجه رماح فظهرت أسنانه الصفراء بشكلها الغير مستوي، ذعرت شاهي وصرخت:
– لا … همضي همضي….
و….وقّعت بإسمها وهي في قمة الذلّ، كانت الاوراق عبارة عن 5 شيكات و 5 وصولات أمانة كل منها بقيمة 100 ألف من الجنيهات، فيصبح المجموع مليوناً من الجنيهات، كي تضمن زينب ابتعاد تلك المأفونة عن طريق ابنها تماما، قالت لها قبل ان تنصرف:
– لو جليتي عجلك الوصولات هطلعهم، وهجدمهم للنيابة بس مش مرة واحده… لاه….وصل وصل، وشيك شيك، علشان كل ما تخلصي مدة تدخلي تاني بمدة تانية، مش بذمتك زواجك برمّاح أرحم !….، ثم نظرت الى رماح آمرة:
– لما الغندورة تجهز نفسها انت عارف هتعمل ايه؟، أومأ رماح برأسه هاتفا:
– أوامرك يا كبيرة….
أومأت زينب باستحسان ورحلت وبحوزتها الأوراق التي تقبض بها على عنق شاهي، وهي تحمد الله في نفسها أنها استطاعت بفضله الخلاص من هذه الملعونة، يبقى ولدها وكيفية عودته الى زوجته !!..، ابتسمت وهي تتمتم بخبث:
– هيرجعوا لبعض ان شاء الله، مافيش حاجه تعصى عليّ، دا أني زينب والأجر على الله !!….
**************************************************
التزمت منة غرفتها معتزلة بها، كان عبدالهادي دائم السؤال عنها، وعلم أن عائلتها سيحضرون لزيارته، فصمم على أن تشاركهم طعام العشاء وإلا فهو سيصعد بنفسه إليها ليرى ما بها….، ولم تستطع منة ايزاء موقف الحاج المتشدد سوى أن تنزل عند رغبته وتشاركهم طعام العشاء خاصة وأن عمر يحل ضيف على المنزل، ولم تكن قد علمت بعد بتطورات الموقف بين سيف و…..الغندورة !!…
– نورت المكان، شوفت الدنيا نورت كيف لما جيتي يا بتّيّ؟!.
ابتسمت منة للحاج عبد الهادي الذي يجلس مترأس لمائدة العشاء بينما تجلس الى اليمين منه زينب والى اليسار سيف وبجواره منة، بينما يجلس عمر الى يمين زينب، ولم تشأ سلمى تناول الطعام معهم مفضلة تناوله بمفردها، ولم تستطع منة الاعتذار عن مشاركتهم الطعام بحجة سلمى التي تفضل تناول الطعام معها، فقد قرر الحاج وانتهى الأمر !!….، وكانت مفاجئتها كبيرة عندما وجدت أنها ستجاور سيف على المائدة، ولكن ما باليد حيلة، فيجب أن يلعبا دور الزوجين السعيدين أمام الحاج خوفا على صحته العليلة….
ابتسمت منة قائلة:
– ربنا يخليك يا عمي، تسلملي يارب…
أجاب عبدالهادي بابتسامة وهو ينظر الى سيف:
– عارفة انا لوّل ظنيتك زعلانه من ولدي، لكن دلوك توكدت أنك تعبانه صوح، وشّك كيف اللمونة إكده، خلي بالك من صحتك يا بتّي، أنت غالية عندينا جوي، ولو حد زعلك مهما كان بوكي عبد الهادي كفيل إنه يجيب لك حجك….
قالت منة بابتسامة ممتنّة:
– ربنا ما يحرمني منك أبدا يا عمِّي…
قالت زينب بابتسامة وهي تنقل نظراتها بين سيف الذي يتناول طعامه في صمت وبرود ومنة التي تتلاعب بطعامها بشوكتها:
– منة غالية عندينا كلاتنا، صوح يا سيف؟!…
انتبه سيف الى سؤال والدته فأشار بالايجاب متمتما بنعم، استمروا في تناول الطعام حتى سأل عبدالهادي منة:
– صحيح يا منة، أهلك ميتا هياجوا بالسلامة ان شاء الله؟
منة بهدوء:
– هيطلعوا بكرة الصبح ان شاء الله، انما أحمد هييجي بكرة على آخر النهار كدا بإذن الله، احمد جاي من القاهرة وحضرتك عارف القاهرة قريبة، لكن ماما وبابا جايين من اسكندرية وهي اللي بعيدة فبابا فضّل انهم ييجوا الصبح….
عبدالهادي باهتمام:
– همّا هياجوا من اسكندرية بالجطر؟…
وقف سيف عن تناول الطعام بينما ألقت منة نظرة خاطفة اليه وهي تجيب:
– لا، جايين مع نادر ابن خالتي!…
زينب باندفاع:
– كتّر ألف خيره، باين عليه جدع ابن حلال، اكيد مارضيشي والدتك وبوكي يتبهدلوا في الجطر صوح؟؟
ابتسمت منة مطأطئة برأسها وهي تجيب:
– صح يا ماما الحاجة، نادر رفض انهم ييجوا بالقطر وصمم يجيبهم بنفسه…
هز عبدالهادي رأسه باستحسان قائلا:
– والله شكله وِلِد خالتك ديه رجّال صوح….، يطخ المشوار ديه كلاته علشان خالته وزوجها يبجى بيفهم في الاصول، واللي بيفهم في الاصول أنا أشيله على راسي من فوج..
منة بابتسامة:
– تسلم يا حاج، حضرتك الواحد يشيلك فوق الراس وجوّه العين كمان…
صوت قرقعة قطعت كلامها لتنتبه الى سيف الذي ترك ملعقته بحدة لتحدث صوتا عاليا في الطبق الصيني، نظر اليهم حيث يتطلعون اليه بدهشة واجاب وهو يزيح كرسيه جانبا ليقوم:
– أنا شبعت الحمدلله، عن إذنكم …
لم يستطع سيف تمالك نفسه، إن لم ينسحب في هذه اللحظة لا يدري ما سيفعل بهذه العنيدة التي تقبع بجواره تأبى مجرد النظر اليه، وكأن من يجاورها الى المائدة هواء أو خيال!!، فأكثر ما اغاظه ابتسامتها وكلامها الرقيق الذي توجهه الى والده وتتحدث به عن ذاك الـ نادر، بينما تحرمه هو زوجها من مجرد نظرة واحده الى عينيها الفاتنتيْن، ولكنه قد وعدها أنه لن يحاول الاعتذار ثانية وأنه لن يتقدم خطوة أخرى اليها بعد ذلك، كفاه ما قام به من اعتذار بل وتوسّل، وهي متشبثة بموقفها الغبي ذلك!!..
شعر عبدالهادي بالتوتر الذي أصاب الجميع بعد قيام سيف بهذه الطريقة ليتبعه عمر بعد أن شكرهم على الطعام، حاولت زينب اضفاء المرح على الامسية، ولكن عبدالهادي قاطعها بنظرة صارة وأمرها بابلاغ سيف أنه في انتظاره لأمر ضروري بغرفته، وطلب من منة اصطحابه الى هناك….
=================================
طرق على الباب قاطع حديث سيف وعمر، سمح سيف للطارق بالدخول ليجد أنها مهجة تبلغه بطلب والده رؤيته على جناح السرعة في جناحه الخاص، فصرفها قائلا أنه سيلحق بها، ونظر الى عمر الذي حرك كتفيه علامة الجهل….
وافى سيف والده الى غرفته، بعد أن طرق الباب طرقات هادئة، أتاه صوت والده الرخيم يدعوه للدخول، دخل فشاهد والده يجلس الى مقعد مريح في الزاوية وبجانبه تجلس منة على أريكة ضخمة في جلسة بزاوية الغرفة، قال سيف:
– طلبتني يا حاج؟…
قال عبدالهادي بأمر:
– إجفل الباب وراك وتعالى أجعد أهنه….
فعل سيف مثلما طلب عبدالهادي وجلس حيث أشار له عبدالهادي بالجلوس بجوار زوجته، ولكن على الطرف البعيد من الأريكة، نظر اليه عبدالهادي بصرامة وقال فيما هو يدير رأس عصاه الأبنوسية والمطعّمة بالأحجار الكريمة:
– مالك يا سيف؟، فيه إيه يا ولديْ؟…
رمى سيف منة بنظرة سريعة قبل ان يجيب وهو يهرب بعينيه من نظرات والده الثاقبة:
– ولا حاجه يا حاج، خير مافيش حاجه…
عبدالهادي بجدية:
– لاه… فيه!، وشيْ واعر جوي كُمان !، انت ما كنتش داريان بروحك كنت عامل كيف؟!، دلوك هتجولي يا سيف انت ليه بتعامل مَرَتَكْ إكده؟..
ألقى سيف بنظرة لائمة الى منة التي شحب وجهها وأجاب ببرود:
– هي إشتاكتلك منِّي يا حاج؟..
سارعت منة بالنفي:
– ابدا….، ثم وجهت حديثها الى عبدالهادي قائلة في رجاء فهي لا تريد الدخول في نقاشات أمام الحاج وقد يفقد أحدهما أعصابه فيحدث ما لا يحمد عقباه وينكشف المستور أمامه وقلبه قد لا يحتمل الصمود هذه المرة:
– أنا إشتكيت لك يا عمي الحاج؟، يا عمي كل الحكاية انه سيف بئالو مدة طويلة بعيد عن المكتب علشان كدا أكيد كان سرحان في الشغل، ثم أشرق وجهها وكأنها وجدت الدليل لكلامها:
– وبعدين حضرتك شوفت بنفسك، عمر جِه انهرده علشان فيه شغل واقف على إمضة سيف، وطبعا منها يزور حضرتك!!..
وجه عبدالهادي سؤاله الى سيف بصرامة:
– الكلام ديِه صوح يا سيف؟…
زفر سيف بعمق بينما نظرت منة اليه حابسة أنفاسها منتظرة اجابته التي لم تتأخر وسمعته وهو يقول:
– تمام يا حاج، انا بالي مشغول بصفقة كبيرة داخلينها علشان كدا تلاقيني ساكت معظم الوقت، وعمر جِه انهرده علشان نراجع بعض بنود في العقد….، فأخرجت منة أنفاسها المحبوسة في صدرها مغمضة عينيها براحه، قبل أن تنتبه الى حديث عمّها فالتفتت مصغية اليه……
عبدالهادي بحكمة:
– برضك يا ولديْ لازمن تفصل بين شغلك ومَرَتَكْ، ذنبها إيه مرتك تنشغل عنها بالطريجة دِيْ؟…
نظرت منة الى سيف باضطراب ملاحظة أنه يحاول التحكم في غضبه بصعوبة وقد خانته عضلة فكّه المقابلة لها والتي كانت تهتز بشدة دليل على انفعاله الواضح!، قالت منة بابتسامة متوترة بعض الشيء:
– يا عمي مافيش حاجه حصلت أنا….، قاطعها عبدالهادي بهدوء:
– إسكتي أنتي يا بتّي ، أنتِ من أصل طيب وعمرك ما هتشتكي ولدي، بس هو كمان لازمن يعرف انه لو كان حبيبك عسل ما تلهطوش كلاته!!…
ابتسم سيف ابتسامة صغيرة وقال بهدوء:
– حاضريا حاج، اللي تؤمر بيه…
الحاج بأسى:
– معلهش يا ولدي، أني عارف اني السبب، من ساعة اللي حوصلي وانت مِهمِّل حالك ومالك وجاعد انت ومرتك وبناتك جاري إهنِهْ، انما أنا بجيت عال العال والحمدلله، ماطعتلشي مصالحك أكتر من إكده، لو عاوز تسافر مع نسايبك وهما مروحين سافر يا ولدي، ما تعطلشي نفسك…،
نفى سيف بشدة واستنكار:
– لا لا لا لا ، ازاي تقول كده يا حاج؟!، الشغل ماشي والحمدلله، واي حاجه بتقف عمر بيتصرف، المهم إنت، أنا مش ماشي من هنا دلوقتي خااالص ( ونظر الى منة نظرة مصممة) الّا إذا كنت انت بقه اتضايقت مننا؟…
نهره عبدالهادي وهو يرفع العصا ناحيته وكأنه سيهم بضربه بها:
– باهْ!، أنت بتجول إيه؟، اتجنيت يا سيف!…أنا الود ودّي انك ما تفارجنيش واصل، أنا اتعلجت بيكم جوي، والبيت هيبجى طعمه عفش جوي من غيركم !!….
سيف بانشراح:
– والله فكرة!، ثم نظر الى منة نظرة تحد وتابع:
– ايه رأيك أنقل شغلي ونيجي نعيش هنا؟!…
شحب وجه منة ولكنها في ذات الوقت لا تستطيع الاعتراض أمام الحاج، وكرهت سيف في هذه اللحظة فهو قد وضعها بين اختيارين أحلاهما مُر!، رسمت ابتسامة مزيّفة على وجهها وقالت:
– وإيه المانع، بس فيه مشكلة صغيرة، البنات المفروض هيدخلوا المدرسة السنة اللي جاية ان شاء الله، وعلى ما أعرف ان المدارس اللغات هنا عددها محدود جدا، واحنا فعلا قدمنالهم في مدرسة واتحدد معاد الانترفيو، انت نسيت يا سيف؟…
قال عبدالهادي مستبقا سيف:
– طبعا مصلحة البنات أهم، خلاص انتو كل أجازة تجضوها معانا إهنه، ونهاية الاسبوع كُمان!!…
بعد أن فرح سيف لاقتراح والده بمكوثهم لديْه، شعر بالأسى والغضب لإستطاعة منة التنصّل من الموافقة، لقد شعر وكأن ابوه يمد له طوق النجاة باقتراحه ذلك، نعم فمكوثهم هنا سيجعل منة تتخلى عن عنادها شيئا فشيئا، أما عودتهم الى القاهرة سيجعلها تشعر بالقوة نظرا لوجودها بجانب أهلها، وستبدأ ذات الاسطوانة المشروخة مجددا، ولكنه لن يتزحزح من هنا قيْد أنملة قبل أن يُدخل الى رأسها العنيد هذا أنه ليس من المسموح به أصلا العودة الى ذات الأمر مجدداً، وأكثر ما يغيظه أنه قد علمت من والدتهى أنه قد أنهى أمر هذه العاهرة تماما، وفعل الشيء الصحيح، وقد بدا صادقا في توبته، ومن كلام والدته أنها وان كانت لاح عليها الضيق لذكر هذا الموضوع مجددا إلّا أنها لم تستطع اخفاء ارتياحها لما فعله، بل إنه قد نشر خبر طلاقهما في ذات المجموعه التي قد نشرت فيها تلك البائسة خبر زواجهما سابقا، ولكن منة لم تفاتحه بهذا الشأن، وقد نصحته والدته أن لا يناقشها في هذا الأمر مجددا ، ويحاول نسيانه تماما، كأن لم يكن !!، ولكن موقف منة منه لا يستطيع تقبله، ولن يكون هو سيف إن لم يقضي على مقاومتها نهائيًّا والأيام بينهم!…
تنبه من شروده على نداء والده المتكرر له، نظر له بإعتذار قائلا:
– اؤمر يا حاج معلهش سرحت شوية!!…
ضحك عبدالهادي وعلّق:
– تسرح في الجومر وهو جاعد جارك؟، المهم.. جوم ياللا ….
نظر سيف بارتياب الى منة التي حركت كتفيها علامة الجهل، ثم أعاد نظره الى والده مستفهما بابتسامة صغيرة:
– أقوم؟، أقوم أعمل ايه يا حاج؟، أمشي يعني؟
ضرب والده كفّا بكف وقال:
– شوف أجوله إيه يفهمها إيه!!، جوم صالح مَرَتَكْ… ياللا حِبْ على راسها!..
امتقع وجه منة خجلا واضطرابا وسارعت بالقول:
– ما… مالوش لزوم يا حاج …. انا مش زعلانه!
الحاج بإصرار:
– هي كلمة واحده لازمن يصالحك يعني لازمن يصالحك، ولا إنتي عاوزة تكسِّري كلمتي؟…
ارتبكت منة وتلعثمت ونظرت الى سيف باستجداء والذي بادلها نظراتها بأخرى ماكرة مما جعلها تسبُّه في نفسها وقالت:
– لا أبدا يا حاج، ما عاش اللي يكسّرلك كلمة..
أشار لسيف بعصاه آمرا:
– تعالى جرّبك من مرتك شويْ، مالك جاعد بعيد عنيها ليه إكده، ياللا حِبْ على راسها!..
طوق سيف كتف منة بذراعه ونظر اليها هامسا بينما نظرت اليه بتحذير:
– معلهش عبد المأمور!…
ومال مقبلا جبينها، و…..أطال القبلة، حاولت الفكاك منه ولكن سيف كان كالمغيّب، همست بإسمه مرات عديدة، ولكنه كان تائها في رائحتها الأنثوية العذبة ، وانتقل بشفاهه الساخنة من جبينها نزولا الى صدغها ثم الى الجهة الأخرى من وجهها، ناثرا قبل صغيرة ملتهبة !، وعندما اقترب من شفاهها لفحتها رائحته الرجولية مختلطة برائحة أنفاسه العَبِقة، وقبل أن تتوه هي الأخرى في دوامة حبه الذي يجرفها، وكزته في خاصرته بقوة جعلته يتأوه بألم، وابتعد عنها ناظرا اليها بحنق ليفاجأ بوجهها وقد غدا بحمرة ثمرة الطماطم الناضجة، كما أن وشاحها قد إنزاح الى الخلف قليلا لتفلت بضعة خصلات من شعرها، انتبه لوجوده بجوارها و….أمام والده!!، طغى الاحمرار على وجهه هو الآخر خجلا من والده ، وتنحنح مبتعدا عنها قليلا بينما تعالت ضحكات والده وقال:
– جرى ايه يا وِلدْ؟، خفّ ع البنيّة!!، سكت قليلا ليتابع بحنو:
– ربنا يسعدكم يا ولديْ…
استأذنت منة في الانصراف واتجهت سريعا بخطوات متعثرة لتغادر غرفة عبدالهادي صاعدة الى غرفتها حيث ارتمت فوق الفراش بينما تضع يدها اليسرى فوق قلبها لعلها تُبطيء دقاته التي غدت كالمطرقة حتى إنها تظن أن صوتها مسموع لمن أصاخ السمع قليلا، وقد شعرت أن قلبها سيخرج من بين جنبات صدرها ليرتمي على ذاك الذي يجعله يدق بخفقات متتالية سريعة بلاااااا… رحمة!!….
*************************************************
وصل والديْ منة برفقة نادر ظهيرة اليوم التالي، رحبت بهم زينب وعبدالهادي الذي أمر مهجة بسرعة إخبار سيف ومنة بحضور والديها..
كانت منة تتجهز للنزول الى أسفل عندما طرق سيف الباب ودخل، وقف متطلعا اليها بغموض قليلا….، لم تكن قد شاهدته منذ جلوسها معه في غرفة عبدالهادي، فقد هربت الى غرفة بناتها مرة، ثم جلست برفقة سلمى أخرى، الى أن حل الظلام أخيرا فذهبت الى الغرفة حيث اصطنعت النوم ونامت، بينما مكث سيف طوال ليله وهو يتقلب على جمر من نار الشوق الى معذبته يحاول ردع نفسه عن الذهاب اليها بينما هي ترقد على بُعد خطوات منه!!..
تقدمت منة اليه مقطبة ووقفت أمامه متسائلة:
– فيه حاجه يا سيف؟…
تحدث سيف بهدوء ولكنها استشعرت نبرة الخطر في صوته:
– باباكي ومامتك جوم تحت، أشرقت أساريرها وما إن همت بالمرور أمامه للهبوط الى أسفل للترحيب بهم حتى أمسك ساعدها بيده ومال عليها ناظرا اليها بقوة هاتفا من بين أسنانه:
– نادر تحت معهم!، إبعدي عنه خالص!، منة … إنتي عارفاني … مش عاوز قلق، لمصلحته هوّ، خليكي بعيد عنه، لو لاقيته بيحوم حواليكي بأي شكل من الأشكال ما تلومنيش ساعتها!، انتي هتنزلي معايا دلوقتي وهترحبي بيه زي أي ضيف غريب…، ونظر اليها بحدة مشددا:
– سامعاني يا منة … غريييب !!…، جذبت منة ساعدها من قبضته ونظرت اليه رافعة رأسها بعنفوان وقالت:
– نادر يبقى أكتر من أخ بالنسبة لي، وهو انسان محترم جدا، عمره ما هيعمل حاجه من اللي بتقول عليها دي، وأظن عيب أوي يبقى ابن خالتي مكلف نفسه مشوار زي دا علشان بابا وماما وأنا في الآخر أقابله بالوشّ الخشب اللي عاوزني أديهوله، مهما كان هو هنا يعتبر ضيف عندي، دا بإعتبار أنه دا بيت جوزي يعني بيتي أنا كمان، عموما عن اذنك انا هنزل أسلم على بابا وماما ماينفعش أتأخر عليهم أكتر من كدا!!..
وخرجت تاركة إيّاه وهو ينظر في إثرها بغيظ وقد كوّر قبضته ضاربا بها الحائط بجواره وهو يهتف بغضب:
– ماشي يا منة، أما أشوف … أنا ولّا .. نادر بيه !!…
اندفعت منة الى أحضان والدها ما إن رأته، ربتّ والدها ضاحكا على وشاحها المغطي رأسها، شدتها أمها اليها وهي تقول بابتسامة دامعه:
– يعني أبوكي بس اللي وحشك يا منون، أمك ما وحشتكيش؟!
منة وهي تتلقى أحضان والدتها بحب مجيبة بمرح:
– إزاي دا؟، وحشتيني جدا جدا يا توفي…..
بعد ان رحّبت بوالديها نظرت الى نادر الواقف بعيد نسبيا وهزّت رأسها بالتحية له قائلة بابتسامة مرحّبة:
– حمدلله على السلامة يا نادر، معلهش تعبناك معانا….
أجاب نادر بهدوء بينما عيناه طفقتا تنهلان من تقاسيم وجهها بنهم شديد فقد إفتقدها بشدة في الأيام السابقة:
– تعبكم راحة يا بنت خالتي، وبعدين السكة مش طويلة أوي يعني، 5 ساعات تقريبا…
قالت زينب بحبور:
– بس؟!….
تمتم نادر بينه وبين نفسه:
– فداكي يا منة …
أنتبه من شروده على عينين تطالعانه بغضب وحشي، قبل أن يتجه صاحبها للترحيب بوالديْ زوجته، ثم اقترب منه بخطوات واثقة ووقف أمامه ناظرا اليه بنصف عين قبل أن يمد يده قائلا ببرود:
– أهلا يا نادر.. حمدلله على السلامة…، صافحه نادر وتمتم بالشكر….
كان نادر يرغب بالرحيل، فنظرات سيف كانت تجعله يشعر بالارتباك، كان مسلط نظراته عليه، وكان نادر يسترق النظر الى منة بين كل فينة وأخرى، وعندما يلتفت يُفاجأ بسيف وهو يطالعه بغضب شرس، فقرر الرحيل، هو لا يريد أن يكون السبب في أي أذى يلحق بها، فمن الواضح أن سيف قد وصل إلى أقصى درجات الغضب، ويخاف أن يصب جام غضبه على هذه المسكينة التي تتحدث بانطلاق وتتبادل العبارات المازحة مع والديْها ووالديْ زوجها غير منتبهة لما يدور حولها من صراع الأعين بينه وبين زوجها !!…
تنحنح نادر ثم قال موجها حديثه الى عبدالهادي:
– ألف حمدلله على سلامة حضرتك، معلهش هضطر أقوم علشان مشواري بعيد، والحمدلله انه صحتك حضرتك بئيت كويسة…..
اعترض عبدالهادي على انصرافه بشدة، حاول نادر معه مرارا فزاد عناده، كان سيف يراقب محاولات نادر للفكاك من إلحاح والده عليه بالمكوث، كان قد تنفس الصعداء وهو يسمعه يستأذن بالرحيل ليأتي والده فيزيد من عذابه وهو يرفض رحيله بهذه السرعة، تحدث عبدالعظيم:
– معلهش يا نادر استنى طيب شوية واحنا نروّح آخر النهار سوا، احمد هييجي بالليل وشكله هيبات لبكرة، وبدل ما ترجع لوحدك نرجع سوا…
قاطعهما صوت عبدالهادي مستنكرا:
– كيف دا؟… هي السكة جنب الرِّجلْ؟، عاوزين تاجوا وترجعوا في نفس اليوم؟، لاه ، انتو هتجعدوا حدانا يومين، وفرصة الباش مهندز أحمد جاي، البلد إهنه جوها جميل…
نادر بابتسامة:
– خلاص يا عمي عبدالعظيم، علشان الحاج عبدالهادي مايزعلش، خليك انت وطنط عواطف وأنا هقوم دلوقتي علشان يدوب كدا…
وضع عبدالهادي يده على كتف نادر مانعا اياه من النهوض وكان جالسا بجواره ونهره قائلا:
– رايح فين؟، أنا لمن جولت ما حدش مسافر كان جصدي الكل!
نادر بحيرة وابتسامة صغيرة بينما سيف يراقب الحوار بترقب:
– معلهش يا حاج، طيب هما هيباتوا مع بنتهم، أنا ماينفعش أبات!، ثم …. هقعد بصفتي إيه؟…
عبدالهادي بجدية:
– بصفتك ضيف مَرَتْ ولدي، يعني ضيفي، وبعدين اعمل حسابك انت ماهتباتش يوم ولّا…. تنين ..لاه !!…
نادر بارتباك:
– معلهش مش فاهم يا حاج؟..
عبد الهادي بثقة مفرطة:
– إنت ضيف، وواجب الضيافة تلات إيام، يعني إنت هتجعد معانا إهنه تلات إيام بلياليهم، بعد إكده إنت حرّ، عاوز تدنِّيكْ معانا تنورنا، عاوز تعاود تاني براحتك، لكن مش جبل التلات إيام بنص ساعه حتى !!…
لم يهتم نادر برد فعل أحد من الحاضرين سوى سيف، فنظر اليه ما إن أنهى عبدالهادي إصدار أوامره ليفاجأ بشحوب وجهه الشديد، بل وكأنه يرى ألسنة من اللهب تتطاير من رماد عينيه المشتعل فيما سيف يتمتم بينه وبين نفسه أن والده قد زاد من شقائه وليس عذابه برفضه رحيل …… نادر!!..

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *