نعيمي وجحيمها بقلم امل نصر جزء 10
❈-❈-❈
تأنقت بهذا الشكل الذي يرضيه، رغم عدم شعورها بالراحة لذلك، فتدخله المبالغ فيه في كل صغيرة وكبيرة تخصها، أصبح يرهقها بالفعل، تستغرب كيف يجد دائمًا الوقت لذلك؟ رغم حجم المسؤلية الكبيرة والملقاة على عاتقه بعمله مع جاسر الريان، في الطبيعي كانت ستسميه أو كما يبدو في العادي أنه اهتمام، ولكن في الحقيقة هي تشعر به وكأنه حصار .
– استني دقيقة يا كاميليا.
تفوه بها يوقفها فور خروجهما من المصعد الكهربائي في هذه البناية الحديثة الفاخرة وقبل أن يصلا لباب الشقة المقصودة، تطلعت إليه بتساؤل لتجد هذه النظرة الغامضة وهو يلتهم ملامحها قبل تهبط عيناه للأسفل على ما ترتديه بتأني بطئ جعل القشعريرة تسري بجســ دها ، فارتعشت غريزيًا تنبهه بقولها:
– في إيه يا كارم؟ وإيه لا لزوم النظرات دي؟
ارتفعت عينيه إليها بابتسامة واسعة يغمرها الزهو بدون رد وجذبها فجأة بكفه من خصرها يسير بها الخطوات المتبقية، غير مبالي باعتراضها الذي بدا مرتسمًا على ملامح وجهها بوضوح، حتى توقفا أمام الشقة المقصودة وفتحت لاستقبالها إحدى السيدات مرحبة بهما:
– كارم باشا، اخيرًا شوفناك يا عم؟ دي رنيم هتفرح قوي لما تعرف انك جيت.
– ولسة كمان لما تشوف الهدايا اللي جايبنها هتفرح بزيادة
قالها ردًا على تحيتها ثم استطرد بالكلمات المنمقة ليعرفها على خطيبته، ويتابع بعد ذلك رد فعل المرأة التي هللت تبارك له بمبالغة شعرت بها كاميليا عن جمال عروسه وفتنتها، فاستجابت لها بابتسامة مغتصبة تهنئ وتتمنى للصغيرة بالعام السعيد، قبل أن يلجا الاثنان معها لداخل المنزل، الذي كان مزدحمًا بالعديد من الأفراد رجالًا ونساءًا من العائلة والأصحاب القريبين للفتاة الصغيرة صاحبة الحفل، وكانت المقابلة الأولى مع والد الصغيرة:
– كارم وصل بنفسه النهاردة عندنا يا نجيب وجايب خطيبته كمان معاه.
قالتها المرأة تنبه زوجها الذي كان مشغولًا بالحديث مع أحد الأفراد، فاستدار إليهما يرحب بعناق رجولي لكارم قبل أن يتجه لكاميليا ويصافحها، والتي كانت تبادله الترحاب بصدمة تعلو ملامحها، فالرجل الأب كان يبدوا في عقده السادس وزوجته بالكاد تتخطى عقدها الثالث، وهذا الإحتفال بميلاد ابنتهما الصغيرة وقد دخلت بعامها السادس.
بعد الانتهاء والترحيب بمعظم الموجودين بالحفل وتهنئة الصغيرة بتقديم الهدايا لها والتقاط الصور معها ومع والديها وباقي الأطفال.
وفور ان انفردت به قليلًا، سألته هامسة على الفور بفضول:
– كارم هو قريبك دا صاحب الحفلة عنده كام سنة بالظبط؟
على حاحبيه بابتسامة اظهرت فهمه لمغزى سؤالها فقال يجيبها:
– عنده تلاتة وستين ومراته اتنين وتلاتين سنة .
تدلى فكها وتوسعت عينيها بذهول بتأكيد ما خمنته بنفسها منذ دقائق، لتردد خلفه :
– تلاتين وستين يا نهار أبيض! يعني الفرق ما بينهم يزيد عن الضعف، ودي اتجوزته وهي عندها كام سنة؟
تابع اندهاشها بابتسامة متسلية ليجيبها :
– اتجوزها يجي من عشر سنين، يعني تقريبًا كان عندها اتنين وعشرين سنة، بس السؤال بقى، انتِ إيه اللي مضايقك؟ مدام صاحبة الشأن نفسها مبسوطة وكان الجواز باختيارها؟ مش احسن ما تتجوز موظف كحيان، مرتبه ينتهي على اول الشهر في سداد الديون اللي عليه.
قالها ببساطة أظهرت قناعة ما يتفوه به، لتشعر هي باهتزاز الأرض من تحتها او يكون الاهتزاز برأسها هي نفسها، لا تدري ولكن ما بدا من وقع كلماته عليها، جعله يدرك سريعًا هفوته ليردف لها مصححًا:
– انا قصدي ان دي حرية شخصية في تحديد كل إنسان لاختياراته في الحياة، ومدام الست مبسوطة في جوازها يا كاميليا، يبقى دا المهم .
أومأت برأسها بوجه جامد زامة شفتيها التي عجزت عن الرد ، فقال بلطف بعد طبعه قبلة كبيرة على ظهر كفها:
– انا هروح اجيبلك عصير فريش يروق أعصابك، مش هتأخر عليكِ
ذهب من أمامها وظلت هي تنظر في أثره بشرود عما أردف به من كلمات، كيف غفلت عن هذا الجزء بشخصيته؟ النظرة الفوقية والتي لا ترى سوى من يشبهها، وما دون ذلك لا يستحق الإلتفاف حتى، تنهدت بقوة تمسح بأنامل أصابعها على جبهتها لتخفف من هذا الصداع الذي ألم برأسها على الفور، قبل أن تنتبه على هذه الأعين التي تحدجها بنظرات غريبة تقارب الكراهية!
– اتفضلي يا قلبي .
انتفضت تستدير إليه وقد أتى لها بكوب كبير من العصير، فتناولته باضطراب لترتشف منه على الفور، وعادت بعينيها مرة أخرى للمرأة ، لتفاجأ بقول كارم وقد انتبه للجهة التي تنظر إليه:
– إيه دا ندا ؟
غمغمت بالأسم مندهشة لتجده يسحبها من خصرها ويقربها من المرأة الجميلة والتي تبدوا وكأنها تماثلها في العمر، ليصافحها مرحبًا:
– أخبارك إيه يا ندى؟ عاش من شافك.
استجابت تبادله التحية على مضض شعرت به كاميليا، وردت بكلمات مقصودة :
– الحمد لله يا كارم، انا كويسة قوي.
تابع انفعالها مبتسمًا بعدم اكتراث يقول:
– يارب دايمًا كدة، اتعرفتي على كاميليا خطيبتي بقى؟
القت المرأة بنظرة خاطفة نحو كاميليا التي تسمرت محلها صامتة لترد بأغرب تهنئة تسمعها كاميليا
– الف مبروك جميلة وحلوة، أكيد ما جمع الا ما وفق .
استفزها الرد كاميليا واستفزتها الإبتسامة الباردة منه فهمت لترد على الإثنان ، ولكن ندى سبقت باعتذراها:
– معلش هسيبكم بقى وامشي، اصل جوزي حبيبي مستنيني.
قالتها لتذهب على الفور دون انتظار ردهم، والتف رأس كارم بابتسامة عريضة للرجل الذي كان واقفًا بالقرب منهم ، ونظرات الكره بعينيه لا تقل عن زوجته، لينصرفا الإثنان تاركي الحفل حتى قبل إطفاء الشموع والاحتفال، فانتبهت كاميليا على هذا العرج الواضح في خطواته، التفت لتعود لأجواء الحفل لتفاجأ بهذه الإبتسامة الغريبة على وجه كارم وعينيه التي لم يرفعها عن تتبع الرجل والمرأة حتى الخروج.