امرأة لا تصلح للهدنة بقلم مايا خالد هي الوحيدة التي تجرأت على ارتداء الأحمر في حفلٍ صُمِّم لق,تل الألوان، حفل سلام هشّ بين عائلتها وخصومٍ لم يعرفوا يومًا معنى السلام. دخلت القاعة بخطوات واثقة، تعرف جيدًا أن فستانها ليس مجرد قماش، بل إعلان حر.ب ناعم، رسالة مقصودة تقول إن الد,م ما زال حاضرًا مهما ارتدوا الأقنعة. العين تلاحقها، والهمس يتكاثر، لكن لم يكن أيٌّ من ذلك يعنيها، حتى تغيّر الهواء من حولها فجأة، وكأن القاعة كلها ابتلعت أنفاسها حين ظهر هو. مايا خالد ڤيكتور كراوس. اقترب منها بثقة قا,تلة، لم يلتفت لأي وجه، لم يحسب لأي سل,اح خفي حسابًا، كأنه يعرف أن أحدًا لن يجرؤ على إيقافه. وقف أمامها، قريبًا بما يكفي لتشعر ببرودة حضوره، ثم انحنى ببطء، أمسك يدها، وقبّل.ها قب.لة قصيرة لكنها مشحونة، وهمس بصوت منخفض اخترق سمعها وحدها: — «فستان أحمر… في حفل سلام؟ جرأة لا تليق.» رفعت عينيها نحوه، نظرة ثابتة لا تعرف الخوف، وقالت بهدوء مستفز: — «السلام لا يحتاج ألوانًا باهتة… يحتاج من يجرؤ على تذكيركم بالحقيقة.» ابتسم، ابتسامة جانبية خطيرة، وكأن كلماتها لم تغضبه بل أيقظت شيئًا كان نائمًا داخله، ثم أردف بصوت أكثر قربًا: — «إلا من آل ريما… حتمًا.» في تلك اللحظة، فهمت أنها لم تستفزه فقط، بل لفتت انتباه رجل لا يرى النساء إلا كضعفٍ مؤقت، واكتشفت هي أن خصم العائلة قد يكون أخطر من مجرد عدو… قد يكون هوسًا، أو بداية حر,ب لا تنتهي إلا بسقوط قلبٍ قبل سقوط الدم. بدأت الموسيقى بطيئة، ناعمة على غير عادة حفلات السلام، كأنها اختيرت عمدًا لتخفي تحتها توتر البنادق. مدّ ڤيكتور كراوس يده دون أن ينطق، لم يطلب الإذن، ولم ينتظر موافقة، كان يعرف أن الرفض في تلك اللحظة سيكون إعلان حر.ب علني. نظرت إلى يده لثانية واحدة فقط، ثم وضعت كفها في كفه، فاشتعل الهمس حولهما، وتحركا إلى منتصف القاعة، حيث لا مجال للاختباء ولا للنجاة. كانت خطواته ثابتة، مسيطرة، يقود الرقصة كما يقود المعارك، بينما كانت هي تتبعه بمرونة حذرة، لا تنكسر ولا تستسلم، فقط تراقب. اقترب أكثر مما تفرضه الرقصة، صوته لامس أذنها وهو يبتسم: — «الليلة دي مليانة عيون… وكل عين مستعدة تضغط الزناد عشان غلطة صغيرة.» ردّت دون أن تنظر إليه: — «وأنا طول عمري بعرف أرقص وسط الرصاص.» ضحك ضحكة منخفضة، قصيرة، ثم شدّها نحوه خطوة إضافية، كأنها جزء من الإيقاع، لكن قبضته كانت رسالة أوضح من أي كلمة. — «أخوكِ ناوي يكسّر الاتفاق… رجالتي مسكوا الخيط.» توقف نفسها للحظة، لكنها لم تتوقف عن الحركة. — «ولو كنت ناوي تخلص عليه، مكنتش جيت ترقص.» مال برأسه قليلًا، أنفاسه قريبة: — «ذكية… بس مش كفاية. أنا مش جاي أق’تله، أنا جاي أشتري صمته.» سارت الموسيقى إلى ذروتها، ومعها وصل التهديد إلى أقصاه. — «لو الهدنة وقعت، أول دم هيسيل… من آل ريما. وأنا أكره الفوضى.» رفعت رأسها أخيرًا، التقت عيناهما، نظرة لا تخلو من تحدٍّ ولا من شيء أخطر. — «والثمن؟» توقفا لحظة واحدة فقط، كأن القاعة بأكملها تجمّدت. — «أنتِ.» قالها ببساطة قاتلة. «تكوني الضمانة. توقيعك، حضورك في كل لقاء… ولو حد خان، أنا هبقى أول واحد أعرف.» ابتسمت ابتسامة خفيفة، موجعة. — «يعني رهينة مغلّفة برقصة.» — «لا.» صحّح وهو يعيدها للدوران. «شريكة صفقة… بس لو خرجتِ عن الخط، الصفقة تتحول لجنازة.» انتهت الموسيقى، وصفّق الحضور، وهم لا يعرفون أن ما شاهدوه لم يكن رقصة، بل اتفاقًا مكتوبًا بالدم، وأن الفستان الأحمر لم يكن للفت الأنظار، بل ليوقّع بداية علاقة لا تعرف السلام… علاقة بين امرأة لا تخاف، ورجل لا يترك شيئًا يخرج من قبضته سالمًا، لا صفقة، ولا عدو… ولا قلب. لم تنتهِ الرقصة بانتهاء الموسيقى، انتهت فقط أمام العيون، أما بينهما فكانت قد بدأت للتو. منذ تلك الليلة صار وجود ڤيكتور كراوس جزءًا ثابتًا من يومها، لا يظهر فجأة ولا يختفي، بل يحضر دائمًا في اللحظة التي تظن فيها أنها وحدها، صوته يصل قبل خطواته، ونظرته تسبق كلماته. لم يلمسها مرة أخرى، لم يطلب قربًا، ولم يفرض سيطرته كما يفعل مع الجميع، كان أخطر في هدوئه، يراقبها وكأنه يدرسها، كأنها معركة طويلة لا يريد كسبها بسرعة. كانت تعلم أنها ليست رهينة كما حاول إقناع الجميع، بل قطعة مركزية في توازن هشّ، وأن سقوطها يعني انهيار ما تبقى من السلام. في كل لقاء، كان يختبرها دون أسئلة مباشرة، يتركها تختار، ثم يحاسبها على اختيارها بصمت. وحين كانت تصيب، يكتفي بنظرة إعجاب خفيّة، وحين تخطئ، يقرّبها منه قليلًا، ليس ليؤذيها، بل ليُشعرها أن الخطأ هنا يُدفع ثمنه قربًا لا فِكاك منه. مايا خالد كانت تكرهه لأنها لا تستطيع تجاهله، وتخافه لأنها تشعر بالأمان في وجوده، وتلعنه لأنها بدأت ترى العالم بعينيه، ببروده، بحساباته الدقيقة، وبقناعته القاسية أن النجاة لا تأتي إلا لمن يسبق الآخرين بخطوة دم. أما هو، فكان يعرف اللحظة التي تجاوزت فيها الصفقة حدودها، عرفها عندما بدأ يغضب إن تعرضت للخطر دون علمه، وعندما صار يق,تل بهدوء أكبر، كأن العن,ف لم يعد وسيلته الوحيدة للسيطرة، وعندما وجد نفسه يصغي لصمتها أكثر مما يصغي لتقارير رجاله. في إحدى الليالي، وقف معها على شرفة مرتفعة، المدينة تحتهما كتلة أضواء باردة، قال دون أن ينظر إليها: — «العلاقة دي غلط.» لم تبتسم، لم تجادله. — «وأنت عمرك عرفت الصح؟» التفت إليها أخيرًا، نظرة صريحة، خالية من الأقنعة: — «أنا ما بحبش… أنا بتملّك.» اقتربت خطوة واحدة فقط، لا أكثر. — «وأنا ما بتهددش… أنا بختار.» في تلك اللحظة، لم يكن بينهما وعد، ولا اعتراف، فقط إدراك مرعب أن كليهما دخل منطقة لا يستطيع الخروج منها دون خسارة شيء جوهري، هو سيطرته، وهي حريتها، وأن ما يجمعهما ليس حبًا بريئًا، بل تواطؤ صامت بين شخصين يعرفان أن النهاية… لن تكون رحيمة.جاء متأخرًا تلك الليلة، على غير عادته، لم يُرسل إشارة، ولم يسبق حضوره أي صوت. وجدها واقفة قرب النافذة، ظهرها له، المدينة غارقة تحت المطر، والضوء ينسكب على كتفيها كأنه يفضح هشاشة تحاول إنكارها منذ بدأت الصفقة. قال بهدوء متعمّد: — «كنتِ هتتق,تلي النهارده.» لم تلتفت فورًا. — «وأنت وصلت متأخر.» اقترب خطوتين، توقف عند المسافة التي لا تُعد اقترابًا ولا انسحابًا. — «لأني كنت محتاج أتأكد… لو هتفضّلي واقفة لوحدك، ولا مستنية حد.» ضحكت ضحكة خافتة، بلا فرح. — «وأنت طلعّت إيه؟» سكت قليلًا، ثم قالها بنبرة أقل قس,وة مما اعتاد: — «طلعتي مش بتطلبي نجاة… بتطلبي اختيار.» التفتت إليه أخيرًا، عيناها ثابتتان، لكنهما متعبتان. — «وأنت؟ بتختار ولا بتملك؟» تقدم خطوة أخرى، صار قريبًا بما يكفي ليشعر بأنفاسها، لكنه لم يلمسها. — «أنا بختار أقيّد نفسي بيك.» ساد الصمت، ثقيلاً، غير قابل للتأويل. — «ده اعتراف؟» سألت بهدوء موجع. هزّ رأسه نفيًا ببطء. — «ده حكم. من اللحظة اللي دخلتي فيها حياتي، وأنا بقيت أقل دقة، أكتر تهور، وأخطر على نفسي. رجالي شايفين ده ضعف… وأنا شايفه نقطة مفيش بعدها رجوع.» نظرت إلى يده، لا تزال بعيدة عنها، وقالت: — «وأنا ما قبلتش أكون سبب سقوط حد.» ابتسم ابتسامة صغيرة، صادقة لأول مرة. — «وأنا ما قبلتش أطلع سليم.» اقترب أخيرًا، أسند جبينه إلى جبينها، تماس بلا امتلاك. — «لو طلبتي أمشي… همشي. بس لو فضلتي، مفيش طريق نصه أمان.» أغمضت عينيها لحظة، ثم فتحتها بثبات: — «أنا ما بدخلش علاقات… أنا بدخل حروب.» زفر ببطء، كأنها الكلمة التي كان ينتظرها. — «يبقى إحنا متفقين.» لم يتعانقا، لم يتبادلا وعدًا، لكن الاعتراف كان قد قيل، اعتراف بأن كلًّا منهما صار خطرًا على الآخر، وأن ما بينهما لم يعد صفقة ولا هدنة، بل اختيار واعٍ لطريقٍ يعرفان جيدًا أن نهايته… لن تكون نجاة.كان يعرف أن لمس هذه المسافة سيغيّر شكل الحر,ب كلها. ظل واقفًا أمامها، قريبًا حدّ التهديد، بعيدًا حدّ السيطرة، وعيناه معلقتان بها كمن يحفظ ملامح معركة أخيرة. قال بصوت منخفض، خشن: — «لو قربت… مش هرجع خطوة.» رفعت رأسها قليلًا، تحدٍّ صامت. — «وأنا ما بطلبش رجوع.» مدّ يده ببطء، لا ليمسكها، بل ليضع إصبعه تحت ذقنها، رفع وجهها نحوه دون ضغط، كأنه يمنحها آخر فرصة للانسحاب. لم تفعل. لم ترتجف. فقط ثبتت نظرتها فيه، فانهار آخر تردده. الق.بلة لم تكن ناعمة، ولم تكن عنيفة، كانت ثابتة، عميقة، محسوبة، قب,لة رجل اعتاد السيطرة لكنه اختار التوقف عند الحد الذي يسمح لها بالبقاء واقفة. لم يحاصرها، لم يحبس أنفاسها، فقط قرّبها بما يكفي ليعلن أنه صار هنا… ولن يكون مجرد ظل. تأخرت لحظة قبل أن ترد، لحظة واحدة فقط، ثم وضعت كفها على صدره، لا لتدفعه ولا لتتشبث، بل لتشعر بنبضه، نبض غير منتظم، غير مطمئن، يشبهه. حين ردّت القب,لة، كانت أهدأ منه، أعمق، كأنها تقول له دون كلمات: أنا مش نقطة ضعفك… أنا اختيارك الأصعب. ابتعد قبل أن تتحول اللحظة إلى فقدان سيطرة، جبينه مسّ جبينها، أنفاسهما مختلطة. — «دي مش بداية.» قالها بصدق قاتل. «دي نقطة اللاعودة.» أغمضت عينيها لحظة، ثم فتحتها بثبات. — «أنا دخلتها من غير ما أغمض.» لم يتبادلا وعدًا بعدها، ولم يتحدثا عن غدٍ أو أمان، لكن القب,لة تركت أثرها، لم تكن ختم علاقة، بل كسر توازن، ومن تلك الليلة لم يعد ڤيكتور كراوس زعيمًا يملك كل شيء، ولم تعد هي مجرد ضمانة سلام… صارا شخصين يعرفان أن أي خطوة قادمة ستكون إمّا حماية متبادلة… أو سقوطًا مشتركًا. صباح اليوم التالي رأها متوقفة بجوار شخص غريب متقاربان زيادة عن لزوم، لم يكن الرجل الذي اقترب منها يعرف من يقف خلفه، كان مجرد ضيف زائد عن الحاجة، يبتسم أكثر مما ينبغي، يميل بجسده قليلًا، يتحدث بثقة من لا يعرف أن بعض المسافات لا تُختصر. كانت تستمع بأدب، ترد باقتضاب، لم تمنحه أكثر من اللازم، لكن ذلك كان كافيًا. ڤيكتور كراوس رآهما من بعيد. لم تتغير ملامحه، لم يتحرك فورًا، فقط توقفت يده عن الحركة، وتبدّل تركيزه، كأن القاعة كلها صارت بلا معنى إلا تلك المسافة الصغيرة بينهما. لم يشعر بالغضب كما اعتاد، بل بشيء أبطأ… أعمق… شيء يشبه الامتلاك حين يُختبر لأول مرة. اقترب دون استعجال، خطواته محسوبة، حتى وقف خلف الرجل تمامًا، قريبًا حدّ أن يشعر الآخر بوجوده قبل أن يراه. وضع يده على كتفها لا بقوة، لا إعلانًا، مجرد لمسة عابرة لكنها قاطعة، وقال بهدوء بارد: — عايزك دقيقة. نظرت إليه، التقطت ما في عينيه فورًا، وقالت للرجل الآخر بابتسامة خفيفة: — عن إذنك. ابتعدت خطوة واحدة فقط، لكنه لم يُبعد يده. — كنتِ مستمتعة؟ سألها دون اتهام. — كنت واقفة. اقترب أكثر، صوته انخفض: — وفيه فرق. رفعت حاجبها، نبرة هادئة: — أنت مش صاحب حق تسأل. ابتسم، لكنها لم تكن ابتسامة حقيقية. — «عارف… وده اللي مخلّيني خطر.» التفت قليلًا، نظر إلى الرجل الذي ما زال واقفًا يراقبهما بقلق، ثم عاد إليها: — اللي حصل ده، مش هيحصل تاني. — «أمر؟» — تحذير. قالها بنبرة لا تحتمل نقاشًا. مش ليكِ… ليهم. تراجعت نصف خطوة، نظرت في عينيه مباشرة: — لو غيرتك هتتحول لسجن، أوقفك بنفسي. ساد صمت قصير، ثقيل، ثم قال بصراحة لم يعتدها منها: — أنا ما بغيرش عشان بخاف أخسرك… أنا بغير عشان فكرة إن حد يقرّب منك بتخلّيني أفقد دقتي. لم ترد فورًا، فقط اقتربت منه قليلًا، قالت بصوت منخفض لا يسمعه غيره: — يبقى اتعلّم تسيطر… مش تملك. نظر إليها طويلًا، ثم أومأ ببطء. — لسه بتعلّم. بعدها بدقائق، اختفى الرجل الآخر من القاعة، بهدوء تام، بلا مشهد، بلا صوت. نظرت إليه، فهمت دون أن تسأل. قال وهو يميل ناحيتها: — ولا نقطة دم. قالت ببرود واعٍ: — لسه عندك فرصة تبقى أقل وحشية. ابتسم ابتسامة جانبية. — وأنتِ لسه أخطر قرار أخدته. مايا خالد ومضيا جنبًا إلى جنب، لا يمسكان أيدي بعضهما، لكن الغيرة كانت قد قالت كلمتها الأولى، لا كصرخة، بل كتعهد صامت: الاقتراب منها… لم يعد خيارًا بلا ثمن. لم تسأله إلى أين ذهب الرجل، ولم يسألها هو لماذا لم تعترض. كان الصمت بينهما أثقل من أي نقاش، صمت يعرف فيه كل طرف أن الآخر تجاوز حدًا، لكنه لم يندم. خرجت إلى الشرفة لتتنفس، الهواء البارد اصطدم بوجهها كصفعة خفيفة، لكنها احتاجتها. لحق بها بعد دقيقة، وقف بجانبها دون أن يقترب، يترك لها المساحة التي لم يتعلم بعد كيف يحافظ عليها دون أن يشعر بالخسارة. قال أخيرًا: أنا ما هعتذرش. لم تنظر إليه. ولا أنا طالبة. سكت لحظة، ثم أردف بصوت أعمق: اللي حصل ده كشفلي حاجة… أنا بقدر أسيطر على أي حد، إلا نفسي لما تكوني في الصورة. التفتت إليه ببطء. ودي مش مسؤوليتي. عارف. قالها فورًا. عشان كده قررت حاجة. شدّ انتباهها. إيه؟ من اللحظة دي، أي خطر يقربلك هيبقى خطر عليّ قبل ما يبقى عليك. ثم أكمل بنبرة صارمة: بس في المقابل، ما ينفعش أتعامل معاكي كأنك ساحة مفتوحة. رفعت ذقنها: يعني؟ اقترب خطوة واحدة فقط. يعني اللي بينا بقى له قواعد. مش علشان أقيّدك… علشان ما أتحولش لوحش كامل. ابتسمت بسخرية خفيفة: بقلم مايا خالد وإمتى الوحوش بتحط لنفسها قوانين؟ نظر إليها طويلًا، ثم قال: لما تلاقي حد يستاهل إنها تحاول. تسللت كلمة يستاهل إلى صدرها كجر,ح صغير، مؤلم لأنه حقيقي. اقتربت منه هذه المرة، لم تلمسه، لكنها قالت بصوت منخفض: غيرتك مش دليل قوة… هي اعتراف. بإيه؟ إني بقيت نقطة ضعفك الوحيدة. لم ينكر. لم يجادل. فقط قال: وأنتِ الوحيدة اللي أقبل ده قدامها. تداخلت أنفاسهما للحظة، لا قب,لة، لا لمس، مجرد اقتراب كافٍ ليؤكد أن الخط الأحمر تم تجاوزه منذ زمن. ثم ابتعد خطوة، كأنه يعيد السيطرة بصعوبة. الليلة دي هتخلص… بس اللي بدأ مش هيرجع ورا. هزّت رأسها بثبات: وأنا ما بدخلش حاجة وأنا مستنية نهاية آمنة. نظر إليها نظرة أخيرة، خليط من رغبة، خوف، وتملّك واعٍ: يبقى إحنا الاتنين عارفين إن الجاية خسارة بشكل ما. ابتسمت ابتسامة صغيرة، خطيرة: بس مختارة. تركها عند الشرفة، عاد إلى الداخل ليكون الزعيم من جديد، لكنها عرفت في تلك اللحظة أن غيرته لم تكن لحظة عابرة، بل بداية تحوّل، وأن الرجل الذي يسيطر على مدينة كاملة بدأ يفقد سيطرته فقط حين يتعلق الأمر بها.لم يأتِ التحذير من ڤيكتور هذه المرة، بل من الصمت. اختفت الوجوه المعتادة، تأخرت الاجتماعات، وتبدّل خط سير الحراسة حولها دون تفسير. عرفت قبل أن يسألها أحد أن الهدنة بدأت تتشقق، وأن أحد الطرفين قرر أن السلام عبء لا مكسب. واجهته في مكتبه، لم تنتظر الإذن. قالت بهدوء ثقيل: في خيانة. رفع عينيه من الملف أمامه، لم يُنكر. عارف. اقتربت خطوة. مين؟ أغلق الملف ببطء. حد من عيلتك. لم تتراجع، لم تنكر، فقط تنفست بعمق. يعني الصفقة انتهت. وقف أخيرًا، صار مقابلها مباشرة. الصفقة اتكسرت… بس الاتفاق لسه. نظرت إليه بحدة. الاتفاق كان سلام. رد بصراحة جارحة. بقلم مايا خالد الاتفاق كان إنك تكوني الضمان… وأنا أوفي. في تلك اللحظة فهمت: هو لم يخنها، لكنه اختار النظام الذي يعرفه، حتى لو احترق السلام الذي جاءت به.كانت القاعة نفسها، لكن بلا موسيقى هذه المرة. وجوه متحفزة، أيدٍ قريبة من الس.لاح، والهدنة تحتضر رسميًا. وقفت في المنتصف، فستانها الأحمر لم يعد استفزازًا، بل شاهدًا. قال كبير عائلتها بصوت مرتجف: هي مش جزء من الح,رب. تقدّم ڤيكتور خطوة واحدة، صوته خرج ثابتًا: هي السبب إن الح,رب اتأخرت. التفتت إليه، نظرة طويلة. قلتلي زمان إنك بتختار. قال دون تردد: وبختار دلوقتي. سحبت أنظار الجميع حين تكلمت: الدم اللي هينزل النهارده… هيبقى خيانة للعهد، مش انتصار. سكتت القاعة. ثم أضافت، وهي تنظر إليه فقط: وأنا كنت الضمان… مش الغطاء. تحرك أحدهم، رصاصة انطلقت، لكن لم تصبها. ڤيكتور كان أسرع. وقف أمامها. سقط السلام رسميًا… لكنه لم يسقطها.بعد أيام، المدينة كانت أكثر هدوءًا، ليس لأن الح,رب انتهت، بل لأن من كان يشعلها أُقصي. لم تنتصر عائلة بالكامل، ولم يُهزم ڤيكتور، لكنه أعاد رسم الخطوط بدمٍ أقل مما كان متوقعًا. وقفت على نفس الشرفة، هذه المرة وحدها. جاءها صوته من الخلف، أقل صلابة، أكثر صدقًا: اللي حصل ده… خلاني أخسر كتير. لم تلتفت. وأنا؟ قالها ببطء: كسبتي إنك خرجتي من اللعبة. هزّت رأسها نفيًا. أنا ما خرجتش… أنا اخترت ما أبقاش ورقة. سكت، ثم قال الجملة الأخيرة، بلا تملك، بلا تهديد: الفستان الأحمر… كان إعلان سلام، مش حر,ب. التفتت إليه أخيرًا. وأنت فهمت متأخر. لم يقترب، لم يطلب بقاء. هي أيضًا لم تطلب رحيل. غادرت المكان، تركت خلفها صفقة دم، ورجلًا تعلم للمرة الأولى أن السيطرة لا تعني الانتصار، وأن السلام الحقيقي لا يُفرض… بل يُختار.لم يكن اللقاء مخططًا، ولا في مكان يحمل ذاكرة دم. مقهى صغير على أطراف المدينة، بلا حراسة، بلا أسماء ثقيلة، فقط طاولة قرب النافذة وضوء شمس خافت يتسلل بين الزجاج. بقلم مايا خالد دخلت أولًا، جلست، وضعت حقيبتها بجانبها، لم تتفاجأ حين رأت انعكاسه في الزجاج بعد دقائق. لم يسألها لماذا اختارت هذا المكان، ولم تسأله كيف جاء بلا ظل، كلاهما كان يعرف أن ما انتهى لا يحتاج تفسيرًا. جلس مقابلها، نظر إليها طويلًا، كأنه يراها للمرة الأولى بلا صفة، بلا دور. قال بهدوء صادق: أنا اتعلمت حاجة متأخرة. رفعت عينيها إليه. إيه؟ إن السلام مش ضعف… وإنك ما كنتيش ضمانة، كنتي اختبار. ابتسمت بخفة. وعدّيته؟ هز رأسه ببطء. دفعت تمنه. ساد صمت مريح، لا يحمل ثقل الماضي. ثم قال، دون سيطرة، دون أمر: لو رجع الزمن، كنت هتختاري نفس الطريق؟ نظرت عبر النافذة، ثم عادت إليه. آه… بس كنت هلبس الأحمر تاني. ضحك للمرة الأولى، ضحكة قصيرة، حقيقية. ما بقاش يخوفني. مدّ يده فوق الطاولة، لم يمسكها، فقط تركها قريبة. اللي بينا دلوقتي… ما فيهوش صفقة. اقتربت أصابعها من يده، لامستها بخفة. ولا تهديد. قال بصوت منخفض: ولا تملك. نظرت إليه نظرة عميقة، مستقرة. بس اختيار. في تلك اللحظة لم يكن زعيمًا، ولم تكن ضمانة سلام، كانا شخصين خرجا من ح,رب واحدة بقلوب متعبة، لكن حيّة. وحين افترقا، لم يكن وداعًا ولا وعدًا، بل اتفاق صامت أن ما بينهما سيبدأ هذه المرة بلا دم… حتى لو ظل مظلّلًا بذكراه. تمّت. بقلم مايا خالد