رواية وارتوى الفؤاد بقلم سهام صادق

في أحد مكاتب الإستيراد والتصدير الخاصة بعائلة “الراشد” كان صوت “سفيان” يرتفع بغضب من داخل غرفة مكتبه.

_ إزاي الورق معرفتش تخلصه في المينا، هو أنا لازم اعمل كل حاجة بنفسي، اقفل أنا جاي بكره اتابع كل حاجة بنفسي.

بالخارج حيث تجلس سكرتيرة “سفيان”، نهضت على الفور من مكانها عندما وجدت “عبدالرحيم الراشد” الشقيق الأكبر يدلف ويتساءَل وهو يستند على عكازه الذي صار يرافقه منذ ذلك الحادث الذي حدث له منذ ثلاث سنوات.

_ ماله “سفيان”؟ صوته واصل لحد مكتبي.

نظرت “نسرين” نحو الغرفة المغلقة وهي تهز رأسها دون فهم.

_ معرفش حاجة يا فندم بس تقريبًا في مشاكل معاه في ميناء السخنة.

تحرك “عبدالرحيم” نحو غرفة شقيقه ليبتسم “سفيان” ويتلاشى عبوسه.

_ “عبدالرحيم” باشا بنفسه في مكتبي، وانا اقول المكتب نور فجأة ليه.

قهقه “عبدالرحيم” بعدما اِقترب منه “سفيان” ليُقبل رأسه.

_ اللي يشوفك دلوقتي ميشوفكش من دقيقتين صوتك كان بيرج حيطان المكتب كله.

تنهد “سفيان” وجلس قُبَالة شقيقه الذي وضع عصاه جانبًا ومدد أحد ساقيه.

_ اعمل إيه يا “عبدالرحيم” ساعات بحس إني بتعامل مع أغبيا ده غير عدم وجود “هيثم” معايا الفترة دي عشان اجازة شهر العسل فارق معايا.

إمتدت يد “عبدالرحيم” نحو فخذ شقيقه يربت عليه.

_ الله يعينك يا ابن امي وأبويا، أنا عارف إن الحمل بقى تقيل عليك من ساعة تعبي.

قالها “عبدالرحيم” وهو ينظر إلى ساقه اليسرى التي باتت تعجزه عن فعل ما كان يفعله بالسابق؛ فانتفض قلب “سفيان” عندما رأي نظرته.

_ حمل إيه اللي بتقول عليه يا “عبدالرحيم” أنت ربيت رجاله ومتقلقش اخوك قدها بس الواحد ساعات بيفقد اعصابه.

ابتسم “عبدالرحيم” وقال وهو يحاول ألا يجعل ذكرى الحادثه تسيطر على عقله.

_ إيه مش ناوي تسمع كلام الحاجة “صباح” وتفرح قلبها، ده “هيثم” اتجوز ومبقاش فاضل غيرك وغير الدلوعه بتاعتنا “إسراء”.

اِبتسم “سفيان” وهو يهز رأسه بيأس من حديثهم الدائم عن أمر الزواج.

_ هو أنا فَصيله خايفين عليها من الإنقراض!!

صدحت ضَحكات “عبدالرحيم” عاليًا وقال:

_ الله يعزك يا ابن أمي و ابويا، بس عارف ايوة أنت فصيله نادرة يا “سفيان”.. أنت زينة شباب العيلة لو شاورت بس على بنت من العيلة أو معارفنا الكل هيرحب ويفتح بابه.

زفر “سفيان” أنفاسه بقوة ثم وضع يديه على ذراعي مِقعده وتساءَل:

_ هو لازم يعني اتجوز واحدة من العيلة أو معارفنا.

إبتسامة واسعة داعبت شفتيّ “عبدالرحيم” عندما شعر ببصيص من الأمل.

_ يا سيدي شاور أنت بس ومش مهم من بنات العيلة أو لأ المهم قول يا جواز.

هذه المرة كانت ضَحكات “سفيان” تصدح بقوة ثم نهض من فوق المقعد الجالس عليه.

_ كله بآوانه يا “عبدالرحيم”.

أماء “عبدالرحيم” برأسه وهو يتابعه متمتمًا.

_ ونعم بالله، خلينا نتكلم في الشغل وتعالا ركز معايا.

قالها “عبدالرحيم” وهو يعتدل في جلوسه؛ فابتسم “سفيان” وجلس قُبالته مرة أخرى.

_ اكيد هتكلمني على مصنع عيلة “الصالحي”.
••••

مررت “سلسبيل” أصابعها فى خُصلات شعرها لتشعثه؛ فهذه كانت إحدى عادتها عندما تغضب من شئ وكيف لا تغضب وقد وضعتها “تغريد” في مأزق.. فهي للتو أغلقت مكالمتها مع “مروة” التي أخبرتها بأنها تنتظرها هي و “تغريد” بعد صلاة المغرب.

إلتقطت هاتفها حتى تهاتف “تغريد” وتوبخها على فعلتها؛ فَـما يزعجها أن هذه الزيارة ليست من أجل “مروة” والمباركة لها بل ورائها هدف يصيبها بالغرابة.

ثواني مرت حتى ردت “تغريد” على هاتفها.

_ بنت حلال كنت لسا هتصل بيكي عشان اقولك إني هعدي عليكي…

قطعت “سلسبيل” ثرثرتها قائلة:

_ أنا مش قولتلك كذا مرة إني مش عايزه اروح، أنا بتحرج ادخل بيوت الناس.

_ معقول يا “سلسبيل” هتتحرجي تدخلي بيت “مروة”
ثم اردفت بإستنكار.
_ ما أنتِ كنتِ ساعات بتطلعي عندها لما بتخلصي شيفت الصيدلية وكانت لسا في بيت أهلها.

تنهدت “سلسبيل” بنفاذ صبر.

_ يا “تغريد” أنتِ مش فهماني ليه…

_ أنتِ ليه مش بتعتبريني صاحبتك يا “سلسبيل” ولا مستكبره نفسك عليا حاكم أنا مجرد معهد سنتين وأنتِ ما شاء الله مهندسه.

زفرت “سلسبيل” أنفاسها بقوه ثم أخذت تمسح وجهها وهي لا تصدق أن “تغريد” فهمت أن رفضها لمرافقتها إستكبار. لكنها بالفعل لا ترغب بالذهاب خاصةً أنها تعلم أن عائلة “جمال الراشد” يحبون الخصوصية ومنغلقين على حالهم.

_ مهندسه وبشتغل في صيدليه يا “تغريد”، يعني شهادتي محطوطه في الدرج ولا عملت بيها حاجة.
••••

إلحاح “تغريد” جعلها رغمًا عنها تقبل بالذهاب معها لتنظر إلى ما تحمله “تغريد” في يدها:

_ خلينا نفوت على محل حلويات اشتري حاجة بدل ما ادخل بأيدي فاضيه.

نظرت “تغريد” نحو الوقت بهاتفها قائلة:

_ مش لازم يا “سلسبيل”، أنتِ جبتي هدية قبل كده وأنا اهو واخده معايا حاجة مش هندخل يعني ايدينا فاضية.

لتحرك “سلسبيل” رأسها بقلة حيلة وسارت أمامها وهي تهتف.

_ لأ يا “تغريد” أنا متعودتش ادخل بيت و إيدي فاضية.

تأففت “تغريد” بضيق، فالوقت يضيع منها و ربما لا تتقابل معه.. لقد اختارت يوم الجمعة بالتحديد بعدما أخبرتها جارتها التي تعمل في منزل عائلة “الراشد” عن الوقت الذي يتواجد فيه “سفيان الراشد”.

_ يا “سلسبيل” إحنا كده بنضيع وقت.

قالتها “تغريد” بصوت خافت مما جعل “سلسبيل” تلتف إليها بعدما أشارت إلىٰ بائع الحلوى على قطع الجاتوه التي ترغب بأن يضعها لها.

_ مالك يا “تغريد” مستعجله ليه، “مروة” على فكرة قالتلنا تعالوا بعد المغرب ولسا المغرب فاضل عليه ساعه ويأذن ده غير البيت مش بعيد.. أنا مش عارفه في إيه كل ده عشان تشوفيه.

إلتفت “تغريد” حولها بفزع وقالت قبل أن تغادر المحل.

_ أنا هستناكي برة عشان شكلك هتفضحيني.

أغمضت “سلسبيل” عيناها بقوة بعدما غادرت “تغريد” ثم تنهدت… فهي لا تستطيع أن تلوم “تغريد” على حبها لأحد أبناء عائلة “الراشد” فهي من سوء حظها وقعت بهذا الأمر أيضًا.

خرجت “سلسبيل” بالحلوى بعدما دفعت ثمنها لتزفر “تغريد” أنفاسها براحة قائلة:

_ نمشي في طريقنا بقى ولا عايزه تشتري حاجة تاني؟

طالعت “سلسبيل” الطريق أمامها ثم نظرت نحو ما تحمله.

_ اشتري إيه تاني، ده انا مستلفه من “محمود” اخويا فلوس الجاتوه.

تحركت “سلسبيل” أمامها لتسرع “تغريد” ورائها وتجتذبها من ذراعها.

_ خلينا نركب، المشوار بعيد وكده بنضيع وقت.

قطبت “سلسبيل” حاجبيها وارتسمت الحيرة على ملامحها.

_ أنتِ مش قولتي هنتمشى عشان المشوار مش بعيد.

والرد كانت تحصل عليه “سلسبيل” من اِجتذاب “تغريد” لذراعها.

وصلوا أخيرًا لمنزل عائلة “جمال الراشد” ليقفوا أمام البوابة التي كانت مفتوحة لتحدق “سلسبيل” بالمنزل من الخارج بتوتر:

_ خلينا نتصل على “مروة” عشان…

لم تكد تكمل “سلسبيل” كلامها، فوجدت “تغريد” تجرها من يدها قائلة:

_ خلينا ندخل.

توقف الكلام على طرف لسان “سلسبيل” وهي ترى نفسها داخل المنزل المحاط بسور عالي وبه مساحة لا بأس بها تحيطه.

اِجتذب دخولهم أنظار ڪلًا من “سفيان” و “هيثم” الواقفين بالبهو الخارجي للمنزل وحولهم أبناء شقيقهم “عبدالرحيم”…

أسرعت “سلسبيل” بحفض رأسها بحرج بسبب فِعلت
“تغريد” لتتعلق عينين “سفيان” بها بذهول وهو لا يُصدق أنه يراها اليوم في منزله..
••••

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *