سطور عانقها الحب سهام صادق ج 4
– أنا عملت كده ، لما شوفته بيضرب الولد الصغير
– وأنتِ مالك؟
وببساطه كان يُعطيها جوابه مستطرداً
– شايفه حاجه مش عجباكي ، احكي لفاخر أخويا أو أحكيلي أنا
– أحكيلك أنت
هتفت عبارتها بمرارة ، فعن أي شخص يُخبرها أن تتحدث معه ..، عن شخص يتجاهلها وكأن لا وجود لها
حدق بها وهو يري الدموع تتعلق بأهدابها ، و تتمالك دموعها أمامه ..، فزفر أنفاسه بحنق فلم يعد يُريد صداع الرأس الذي بدء يشعر إنه سيناله من وراء أفعالها ، وبهدوء كان غريب عليه ، كان يجعلها تقف مدهوشة الملامح تستمع لعباراته المُهينة :
– لولا انك بنت عمي في الاول والاخر .. كنت رميتك في الشارع من اول يوم اتجوزتك فيه بس للأسف بنت عمي حتي لو متجوزك غصب
فتتجمد عينيها من كلماته الجارحه ، واحتقنت ملامحها هاتفه بقوة ، دون أن تخشي غضبه :
– وانا كمان مغصوبه عليك ، هو انت حد يقدر يستحمل يعيش معاك يوم
تصلبت ملامحه ، وغلت الدماء بعروقه .. يرمقها بمقت وأقترب منها يقبض فوق ذراعيها بقوه :
– شكل عمي معرفش يربيكي
شعرت بقبضته تتحجر فوق ذراعيها ، فاغمضت عينيها بألم تسمع سبابه ولعناته
جنه : وانت بقي اللي هتربيني
وسرعان ما كانت تنفض ذراعيها عنه وقد استعادت قوتها :
– اخلص مني وطلقني ، واه اريحك مني خالص
لم يرحمها منه سوى رنين هاتفه الذي أهدأ من غضبه قليلا بل اكثر
ليلتف إليها بعدما انهي مكالمته ، وعاد يحملق بها بضيق :
– طلاق ومش هطلق غير بمزاجي ، واللي حصل النهارده عارفه لو اتكرر تاني .. متلوميش غير نفسك ياجنه
التفت بجسدها مبتعده عنه غير عابئة بالشر الذي يتطاير من عينيه .. ، وقفت مكانها وعادت تطالعه مرة أخري ولكن ببتسامه هادئه
جنه : كان شكلك حلو اووي وانت بتساعد الطفل ، طلع في قلبك رحمه يا أبن المنشاوي
وبتهكم كانت تردف قبل أن تفر هاربة من أمامه ، وعلي وجهها أبتسامه واسعه
– رغم الرحمه بتيجي عندي أنا ..، وتتحول لقسوة
وبملامح محتقنه ، كان يتحرك داخل غرفته ..يزفر أنفاسه حانقاً منها ومن ردودها ، بل ومن مشاعره التي بدأت تتغير نحوها
…………………..
أرتجفت قدماها وهي تخطو بأول خطوه داخل مكتبه بعدما سمحت إليها سكرتيرته أخيراً بالدلوف
أستجمعت شجاعتها وهي تعيد كل ما ستقوله له من رجاء بأن يتركها بحالها ، فهي يكفيها ما عاشته وتعيشه ..فرجل مثله لن يتزوجها إلا من أجل غرض في نفسه
طالعت كل جزء من أركان مكتبه الفخم ، تبحث عنه ولكن الحجرة كانت فارغة
– أتأخرت عليكي
هتف عبارته وهو يقف يُحدقها بنظراته ، بعدما خرج من المرحاض القابع بابه في ركن من أركان غرفة مكتبه الواسعه
انتفض جسدها على أثر صوته ،والتفت إليه ببطئ ..، تُحاول إلتقاط أنفاسها
فاتسعت عيناها من هيئته.. ، فاخذ يُجفف شعره ووجهه من الماء ، واكمام قميصه مطوية لأعلى ، وازرار قميصه العلوية مفتوحه للمنتصف .. هيئته كانت عابثة بجدارة مما جعلها تخفض عينيها تهتف بتعلثم
– مش هينفع نتكلم وأنت كده
وهنا كان تنفرج شفتي “عامر” بضحكة مستمتعه ، فكل يوم يتأكد هي العروس المناسبة له ولمخططه
تخلي عن منشفته الصغيره ، واعاد فرد أكمام قميصه وغلق أزراره ببطئ وتمهل وهو يرمقها بتقيم ..، ينظر نحو هيئتها المرتبكه ، وعيناها تُسلطهما بعيداً عنه ..، حتي يفرغ من هندمة هيئته ، وبجمود كان يتحرك نحو مكتبه يجلس عليه متمتماً بعدما عاد لعامر السيوفي
– أتفضلي أقعدي ..، أنا سامعك
استغربت من سرعة تحولها ، فازدردت لعابها وهي تُطالع نفس الراجل الذي التقط به من قبل ..، وقد شعرت بسطوته وهيمنته
ودون أن تقبل دعوته ، هتفت وهي تُطالعه بقوة واهية
– رجب اخويا قالي إن انت اللي دفعت فلوس الشيكات لمسعد ،انا جيت اشكرك على اللي عملته معانا .. واطلب منك انك تكمل كرمك وتسبنا في حالنا
تعالت قهقهته التي صدمتها ، وقد عاد ينهض من مكان جلوسه مقترباً منها ، يمنحها الجواب دون مراوغة
– عامر السيوفي مبيسبش حاجة عايزها يا حياة
ألجمتها عبارته ، فتجهمت ملامحها وقد أعجبه الأمر وشعر برغبة قوية في أن يجعلها زوجته اليوم ، فهي المزيج الذي يُريده بحياته ، وسرعان ما كان يمدّ كفه نحوها بجراءة وكاد أن يلمس وجهها ولكنها أنتفضت مبتعده وفاقت من صدمتها
– أنا مش أنتيكة تقدر تشتريها يا عامر بيه ، واحب أبلغك إني مش موافقة
اعاد ذراعه جواره ، ينظر إليها وقد زاده الامر لوعة ورغبة ..، فنوع حياة جديداً عليه وهناك شئ يُحركه نحوها أعمق من أنتقامه من الاخري ومن والدها ، أو حتي إنجاب الوريث
– ومين قال إني شايفة أنتيكه يا حياه ، أنا عايزك زوجه فعلية ، و زي ما قولتلك مش هتنازل عنك
بهتت ملامحها ، وقد علقت عيناها تهز رأسها برفض
وبتملك وتجبر كان يردف وهو يُعطيها ظهره ، وكأنه ينهي هذا الحديث
– أنا اتفقت علي كل حاجه مع رجب أخوكي ، واختاري أنتي بين سجن أخوكي وتشرد ولاده وبين جوارزه هتكوني أنتي فيها الكسبانه
وبعينين جامدتين ، عاد يُحدق بها يري صدمتها وحيرتها ، ورغبتها في الحديث ..، ولكن كل شئ أرادت الصراخ به كان يقف علي طرفي شفتيها وهي تتذكر توسل شقيقها إليها ، وقد ظنت أن هذا الرجل سيصرف أمر الزيجة بمجرد أن يعلم برفضها له
التقط سماعه الهاتف من فوق سطح مكتبه، يلقي بأمر لسكرتيرة مكتبه
– خلي السواق يجهز العربيه ، عشان يوصل انسه حياه .., يا هالة
……………….
أزداد جنونه وهو يتأملها وصوت ضحكاتها يتعالا هي وشقيقته ، فحدق بهما بقوة قبل أن تقذف هي بأحدي الزجاجات على غريمتها أروي .. ليتلقاها صدره فيرمقها بجمود ، فشهقت بفزع وخلفها اروي ضاحكه وهي تتأمله واقف امام غرفة مكتبه يستشيط غضبا
فتنحنحت أروي حرجاً وهي تتمتم :انا بقول الوقت اتأخر ،ولازم اروح
وما كان من جنه سوي ان جذبتها من معصمها : هتبعيني ياأروي
فتأملت الاخري عينين أخيها الجامدتين فتهتف ضاحكه : راجل ومراته انا مالي بيهم ، سلام بقي وهبقي اطمن عليكي
وركضت تلك الجبانه كعادتها ، و للمرة الثانية تفر هاربة وتتركها لبطش أخيها بمفردها
اقترب منها جاسر ، بعدما شيع شقيقته بنظرات قاتمة , ولكنه لن يُلقي بغضبه إلا علي تلك الواقفه:
– هو انا متجوز طفله في البيت ، ولا ايه ياهانم
فارتجفت هي من سماع صوته ، ولكن سرعان ما رفعت عيناها بكبرياء قد استشاط هو منها بالفعل
جنه: ألعب في الشارع يعني
القت عبارتها ، وقد أشتغل الغضب داخله ، ضاقت عيناه وهو يرمقها متجاهلاً عبارتها الطفولية التي تمت للنساء بصلة :
– لاء وعلي ايه ألعبي هنا ،بدل ما تفضحيني
واقترب منها ، حتي أنعدمت المسافه بينهم ، يمدّ كفه نحوها ، يربت علي أحد وجنتيها ساخراً وهو يري نظرات القلق في عينيها
– اجلي اللعب يا شاطرة ، لحد ما تبقي في البيت لوحدك ، لاني مبحبش جو الهبل والعيال الصغيره
………………..
ليله طويله قد قضاها بجوارها يتحسس سخونة جبهتها ، ليتنهد بأرتياح بعدما وجد حرارتها بدأت تنخفض ، ولكن نبضات قلبه وهو يعيد بذهنه شريط اعترافها بحبه مازال يعصف داخله .. فتنهد بألم لما فعله بها فقد أحبته حتي اصبح اسمه محفورا بداخلها
فتمتمت بتعب ومازالت أثار الحُمي عليها
صفا : احمد انا بحبك ، مش بحب مراد زين
فتجمدت ملامحه وهو يستمع لباقية اعترافاتها فهي تعلم بحقيقة مراد زين ، فلا بد بأن عامر قد اخبارها بذلك
وتابعت بحديثها الذي تطويه داخل قلبها قائله بأنفاس تحمل معها السخونه :
– متسبنيش يا احمد ، بابا وماما سبوني اوعي انت كمان تسبني
ويالها من كلمات قد جعلته ينتفض من جوارها ، ينظر إليها وقد اصابته كلماتها الراجيه ، فهي تطلب منه أن يظل جوارها وألا يتركها كما تركها والديها
عاد ينحني بجسده نحوها ثانيه ، بعدما تمالك مشاعر وتحكم في صراعه بين قلبه وعقله، أخذ يتحسس وجنتيها وجبتها مجدداً ، وقد أرتسمت الراحه فوق ملامحه ، يهمس لها بنبرة حانية لم يشعر بها سوي قلبه:
– صفا ، صفا فوقي
استمعت لصوته وكأنه يأتي من أميال عنها ، وبصعوبه فتحت عينيها , تُقاوم ثقل جفنيها تتأمل ملامحه القريبة منها بابتسامه ظلت مرتسمه فوق ملامحها المرهقة .. رغم عودتها لأغلاق عيناها مجدداً ، تطلب منه بهمس خافت ما جعل ملامحه تتصلب وتتسارع دقات خافقة
صفا : احضني
أسرع في ضمها إليه بعدما نفض أي شعور داخله ، شعر بأحتياجها القوي إليه , فمنحها ما أرادت مرحباً
برفق أخذ يمسد فوق ظهرها، لا يُصدق ما عاد يفعله معها ..، فهو يغمرها بذراعيه وقد كان يوماً واحده فقط من تحتلهما ، تنهد بوجع مشفقاً عليها ، فقد أحبته “صفا” لقد وقعت في الشرك الذي حذرها منه ، احبت شخصاً أسير الذكريات ..، لا يرغب بمنح أمرأة قلبه ثانية ، سيكون اكبر كاذب إذا أستمر في تعليقها به .. ، سيمنحها جرعات من الحب ثم سيتخلي عنها ، وعندما راودته تلك المشاعر , كان ينتفض عنها كالملسوع ..، ينظر إليها بعدما غفت ولم تعد تشعر به ..، متأملاً تعرقها وشحوب وجهها .. فهو اكثر من يعرف مرارة الحب ، فكيف يذيقها حبه ثم يتخلي عنها ؟
– أنا قفلت علي قلبي خلاص يا صفا ، قلبي ملكته ست زمان ..، ومش مستعد أتجرع مرارته من تاني
وبهمس كان يعود لوعده لتلك الحبيبه ، التي سيظل يراها بصورة ناقيه مهما حدث
– منستش وعدي ليكي يا مها ، هدفن نفسي في الذكريات .. زي ما دفنتك في قبرك يا حببتي
ولم تكن هي إلا غافية في أحلامها الجميله ، تظن نفسها بأنها ما زالت بين ذراعيه وتتوسد صدره .
