نوفيلا درس العمر بقلم دفنا عمر الاخير

الفصل السابع والأخير
______
بِكلِّ الطُّرق يُحَاوِل التَّكْفير عن ذَنبِه المسْتتر بِحقِّ وَالدِه وتعْويضه عن مَا قَالَه حَتَّى لَو لَم يَعلَم بِه ، مُنْذ خُروجه مِن المشْفى بِالْأَمْس وَهُو يُحيطه بِرعاية واهْتمام شديد ، فقد أصرَّ أن يَعُود معه على بَيتِه هُو ، وقد أعدَّ لَه غُرفَة مُنَاسبَة زوَّدهَا بِشاشة ورادْيو كيْ لََا يَشعُر بِالضَّجر .

_ يا ابني مفيش لزوم لكل ده، خليني أنزل شقتي وانت ومراتك تبقوا تطمنوا عليا كل شوية.
هتف بعناد: مستحيل، هتفضل عندي لحد ما اطمن عليك واشرف بنفسي علي نظام أكلك.
ليان متدخلة: عمو بلاش جدال علي الفاضي.
ثم مازحته: أعتبر نفسك مخطوف عندنا.
ثم قالت بمكر: وعلى فكرة طنط إنجي جاية تزورك انهاردة بعد العصر.
_ بجد انجي جاية؟
قالها بلهفة واضحة ليضحك آدم معلقًا: شوفي وشه نور ازاي، شباب أخر زمن.
_ أخرس يا ولد أنت هتتريق على أبوك.
وواصل آمرًا: انزل يلا هاتلي الترنج الأزرق بتاعي، هدومك ضيقة عليا وبصراحة مش براند.

للحظة لم يصدرا رد فعل قبل أن ينفجر هو وزوجته ضحكًا والأخيرة. تقول:
ألحق يا آدم، عمو بقى عارف كلمة براند.
رد من وسط ضحكه:  المصيبة إني أنا اللي جايبله الترنج البراند اللي بيتنك عليا بيه.
_ وبعدين معاك أنت وهي، أمك أنجي هانم قربت تيجي وانت مسخسخ أنت ومراتك من الضحك؟ طب أنا هنزل شقتي.
أسرع يلحقه: خلاص يا بابا اهدي مالك زربون كده ليه انت اتعديت مني؟
ثم مال عليه يهمس له:  وعشان تتبسط أنا هعمل معاك واجب، هظبطلك شعرك واحلقلك دقنك واخليك قمر قبل ما ماما تيجي.
راق لوالده اقتراحه فزاد عليه بطلبه:
وبعدها ابقي حطلي من الريحة الحلوة بتاعتك دي يا واد يا آدم، هتعجب امك أوي.

_ سوري يا بابا دي براند وعلى قد استخدامي.
________
لََا تَدرِي مَا هَذِه المشاعر اَلتِي يعْتريهَا ، كأنَّ مشاعرهَا المكْبوتة تَفجرَت دُفعَة وَاحِدة بَعْد مَرضِه ، لَم تَعُد تُسيْطِر على خوْفهَا ولهْفتهَا عليْه ، الأيَّام اَلتِي قضتْهَا بِصحْبَته فِي المشْفى نَسفَت اَلكثِير مِن الحواجز بيْنهمَا ، وَأَثارَت بيْنهمَا الذَّكرايات البعيدة وَهمَا يتذكَّرانهَا بِحنين ، تَشعُر كأنَّهَا عَادَت الفتَاة الصَّغيرة اَلتِي بِنَبض قلْبهَا الأخْضر لِرجلِهَا الأوَّل والْأخير . . كَانَت تَفتقِده سابقًا لَكِن الآن اِفْتقاده أَكثَر قَسوَة وقد عاد بيْنهمَا الوصَال ، لِذَا هاتفتْ زَوجَة اِبنهَا واسْتأْذنتْ لِزيارته ، لَن تَصبِر على رُؤْيته والاطْمئْنان عليْه أَكثَر مِن ذَلِك .
________

أنتهي من تهذيب شعر وذقن والده لينظر له برضا:
شوف نفسك بعد ما روقت عليك بقيت ازاي؟ ولا كريم عبد العزيز.
قيم وجهه بنظرة فاحصة قبل ان يغمغم بمرح:
شغلك مش بطال يا واد يا آدم، كل أسبوع ظبطني وأنا هبقا اشوفك بقرشين.

ابتسم له وراح يتأمله صامتًا بنظرة حانية طالت ليتسائل والده: مالك بتبصلي كده ليه، أوعى تكون غيران عشان أنا أحلى منك؟
احتفظ بنفس نظرته المحبة له ثم مال ملثمًا كف أبيه متمتما: عارف يا بابا لما تخيلت للحظة إنك ممكن متبقاش معايا حسيت بأيه؟ حسيت بخنقة غريبة، بصيت للدنيا حواليا لقيتها مالهاش طعم ولا تسوى من غيرك، أنا يمكن ساعات بكون عصبي زي ما بتقول ويجوز مكنتش قريب منك الأول، بس أوعدك يا بابا هبقا معاك شخص تاني خالص.
ثم غمره بنظرة راجية تغيم بالدموع: بس عايزك تسامحني من قلبك يا بابا علي كل مرة زعلتك فيها بقصد او بدون قصد، قولي إنك راضي عني.

كان يعلم جيدا بما يؤرق وحيده، ضمير أبنه يعذبه رغم أن ليان لم تخبره انه سمع ما قاله، وقد أصابت بكذبتها البيضاء هذه، يكفيه هذا الحب الذي ينضح من عين صغيره، يكفيه أنه لمس مشاعره الحقيقية وعلم بقيمته لديه، لقد سامحه ولم يعد بقلبه نحوه إلا الرضا، لذا امتدت كفيه تحوط وجهه بحنان وهو يقول: في يوم من الأيام يا آدم هتخلف وتجرب يبقا ليك أبن، ساعتها هتتأكد إني مفيش في قلب الأب لأبنه غير الحب والرضا، وأنت حتة مني مهما حصل مقدرش ازعل منك ولا أغضب عليك يا حبيبي.
ثم تنهد وهو يأخذ رأس علي صدره قائلا:
أنا بشكر ربنا علي كل حاجة حصلت وفرحان كمان عارف ليه؟ لأن كل بحبهم كانوا حواليا وأولهم أمك.

ثم خبط جبينه بغتة وهو يبعد آدم عنه بعجلة من أمره: أحنا نسينا، إنجي هانم زمانها جاية، قوم ساعدني عشان اجهز.
ضحك وهو يحدثه بحماس: متقلقش، دقايق واخليك ولا أوزجان دينيز في زمانه.

_ أوزجان دينيز بالترنج؟
_______
نوفيلا درس العمر بقلم دفنا عمر

بطريقها أبتاعت علبة شيكولاه فاخرة كي لا تزور بيت ابنها فارغة اليد، كان استقبال ليان لها شديد الدفء وهي تعانقها قائلة:  البيت نور يا طنط إنجي والله، ماتتصوريش ازاي فرحانة بزيارتك.
منحتها ابتسامة راضية: ميرسي يا ليان كلك ذوق.
ثم. راحت تبحث بعيناها عن شيء مع قولها:  أمال فين…
قاطعتها:  هناك في أوضة عمو، أتفضلي حضرتك.
توجهت خلفها لتجده بطلة مهندمة جذابة وآدم يصيح بعد ترحيبه الحار بها: شوفتي بابا وأناقته يا ماما، ولا كأنه كان تعبان ومموتنا رعب عليه.
ابتسمت لتتسع ابتسامتها مع دعابة “علي”:
مالك منبهر كده ليه، ده العادي بتاعي يا ابني، أنا طول عمري أنيق وجذاب.
إنجي ممازحة: منا واخدة بالي يا علي.
ثم قالت بود: عمومًا حمد الله على سلامتك، أن شاء الله متتعبش تاني ابدًا.
أجابها مبتسمًا: اللهم امين يا إنجي.
ثم لمح ما بيدها متسائلا لفضول:
أنتي جايبالي ايه معاكي؟
_ علبة شيكولاه من اللي بتحبها.
ثم حذرته بقولها: بس مش مسموح ليك غير بقطعة واحدة بس عشان…
لم تكمل وشهقت وهو يباغتها بالتقاط العلبة ويخبئها خلفه مع قوله الطفولي الذي لا يخلو من المرح:
هي مش العلبة دي علشاني؟ يبقي أنا حر فيها ومحدش هيدوقها أصلا.
ليان باستعطاف: ولا حتى لولو حبيبتك يا عمو.
_ ولا أنتي، هتتخني وآدم هيزعل، أنا خايف عليكي.
صفقت انجي كفيها بقلة حيلة: مفيش فايدة فيك.
_ بقا كده يا عمو؟ وأنا اللي كنت هقولك على حد مهم جدا سأل عنك من شوية.
_ مين يا لولو؟
_ مش هقول.
لتدخل إنجي بفضول:
مين المهم ده اللي سأل عن عمك؟
_ نانسي، الممرضة اللي كانت بتقيس لعمو الضغط كل يوم الصبح.
انجي بحنق:  ودي أخدت رقمك بتاع يا ليان؟
_ والله يا طنط أنا اللي كنت واخدة رقمها عشان اطمن علي عمو، وشكلها اتعلقت به اوي واتصلت تطمن وبتستأذن كمان تزوره.
_ يا مرحب بيها، والله بنت فيها الخير.
التوت شفتي انجي بامتعاض:  لا والله؟!
تجاهلها بتساؤله: وهيفاء اتصلت يا لولو؟
_ هيفاء مين يا عمو؟
_ صاحبة نانسي.
ثم انفجر يقهقه على دعابته وهو يلاعب حاجبيه لانجي التي صاحت بحنق:  أظاهر ابوك مخه اللي بقا تعبان يا آدم، ومش هيعقل ابدا.
وغادرت الغرفة ساخطة لتلحقها ليان تكتم ضحكتها، ليقترب هو من أبيه قائلا: وبعدين يا حاج “علي” هتجنن أمي معاك مش كده.
رد ببراءة:  ليه يا ابني هو انا غلطت في حاجة؟ هي امك اللي بتقفش بسرعة ومالهاش في الهزار.
_ أمي اللي بتقفش برضو؟
_ أيوة، روح بقا هات تليفون مراتك واحفظلي الرقم.
_ رقم مين؟
_ نانسي.
——-
نوفيلا درس العمر بقلم دفنا عمر

“علي فكرة يا طنط عمو بيهزر معاكي”
_ هزاره سخيف.
ابتسمت قبل أن تخبرها:  تعرفي حضرتك لما عرف انك جاية، وشه نور وبقي فرحان اوي.
_ بجد؟
_ أه والله يا طنط، أنتي غالية اوي عند عمو، طب عارفة لما عرف من فترة ان جالك عريس، كان هيموت من الغيرة عليكي.
_ عرفتي منين يا ليان انه غار؟
تساءلت بلهفة واهتمام لتجيبها: كان عصبي وبيحاول يبين انه مش مهتم، بس غيرته كانت باينة اوي، حتى أسألي آدم.
ابتسمت برضا وتغزوها فرحة مراهقة تتذوق مشاعرها للمرة الأولى.
_ طنط.
التفت لها فواصلت:
ليه حضرتك مش ترجعي لعمو؟ أنتوا محتاجين بعض أكتر من الأول.
تنهدت قليلا قبل أن تخبرها: تفتكري ينفع نرجع بعد العمر ده كله؟
_ وليه لأ؟ حتي لو زمان كان في خلافات بينكم اعتقد دلوقت مبقاش لها معنى، افتحوا صفحة جديدة وعيشوا الدنيا سوا وشوفوها بنظرة جديدة مليانة نضوج ومحبة وود، اتهنوا بأيامكم وفرحونا بيكم، صدقيني يا طنط آدم نفسه ترجعوا، وأنا كمان نفسي ولادي أما يجوا للدنيا يلاقوا جدهم وجدتهم في مكان واحد مفيش حاجة مفرقة بينهم.

غمرتها أم زوجها بنظرة تفيض احتراما وألفة لتخبرها بصدق:  تعرفي انك طلعتي طيبة اوي يا ليان؟ معذور آدم لما حبك.
_ ونفسي حضرتك كمان تحبيني يا طنط، أنتي وعمو بالنسبالي زي بابا وماما بالظبط، ربنا يعلم إني بحبكم، كفاية انكم أم وأب أغلى إنسان عندي.
ربتت علي خدها بحنان قائلة: أنتي مش لسه قايلة. نفتح صفحة جديدة؟ أنا بقا هبدأها معاكي أنتي يا لولو.
رمقها بدهشة مختلطة بفرحتها وهي تغمغم:  لولو؟ أول مرة حضرتك تقوليلي كده.
_ ومش أخر مرة.
ثم عانقتها برفق لتهتف ببعض المرح:  يلا بقا نجهز الغدا أنا جعانة ومش فطرت.
صاحت بحنان وسعادة:  من عيوني يا طنط، دقايق والسفرة هتكون جاهزة.
_________

بدا عليه الضيق وهي تهم بالمغادرة، وآدم وزوجته يترجوها لتبقى، فكان ردها:
معلش يا ولاد كفاية كده، أنا طول اليوم معاكم.
ثم نظرت له وقالت: علي، مش هوصيك تاني، عشان خاطري أهتم بصحتك وبلاش تلخبط في حاجة، الولاد مش هيقدروا يراقبوك طول الوقت، خليك انت رقيب علي نفسك.
_ هتيجي تاني أمتى يا أنجي؟
_ بكرة يا بابا.
تفاجأت من رد آدم الذي استطرد:
ماهو مش معقول تسيبي خالو وخالتو يجوا لوحدهم  بكرة يطمنوا على بابا، لازم. تيجي معاهم.
ثم نظر لأبيه: هما اتصلوا وحضرتك نايم، وبلغوني انهم جايين عندي.
لمعت عين أبيه بغموض:  وأنا منتظرهم.
________

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *