جواد بلا فارس بقلم منى سلامة ج1 من الفصول
– أوبس .. كشفتنى يا معلم .. ماهو مش معقول صحبى وأخويا من أيام ما كنا فى الحضانة ومستنفعش من وراك حته تبقى عيبه فى حقك يا أخى
ابتسم “زياد” قائلاً :
– تعالى انت بس وملكش دعوة
قال “آدم” غامزاً :
– أخبار المزز ايه ؟
ضحك “زياد” قائلاً :
– أهم متلقحين هناك
قال “آدم” بمرح :
– عمار يا شرم
صمت كلاهما للحظات ثم سأله “زياد” قائلاً :
– ازي والدتك أخبار صحتها ايه ؟
أومأ “آدم” برأسه قائلاُ :
– كويسه الحمد لله
نظر “زياد” الى “آدم” بإهتمام قائلاً :
– وانت أخبارك ايه ؟
ظهرت العصبية فى تصرفات “آدم” وه يخرج سيجاره ليشعله .. اقترب منه النادل قائلاً بأدب :
– ممنوع التدخين يا فندم
نظر اليه “آدم” بحده ثم أطفها تحت أقدامه بعصبيه .. قال “زياد” وهو يرمقه بنظراته :
– مردتش .. أخبارك ايه ؟
قال “آدم” ببرود :
– زى ما أنا مفيش جديد
قال “زياد” :
– وازى صحبتك ؟
قال “آدم”بإستغراب :
– صحبتى مين ؟
قال “زياد” محاولاً التذكر :
– مش فاكر اسمها .. اللى كانت معاك فى آخر مرة نزلت فيها القاهرة .. كنتوا اتعرفتوا فى الديسكو باين
قال “آدم” بلا مبالاة :
– لا سيبتها
قالت “زياد” بحماس :
– أحسن .. أصلاً مكنتش مظبوطة
قال “آدم” بسخريه :
– وهو فى بنت مظبوطه .. كلهم تييييييييييييت
ثم قال بمرارة :
– خاصة الى بيتولدوا وفى بقهم معلقة دهب
هم بأن يشغل سيجاره أخرى لولا أن تذكر بان ذلك ممنوع فزفر بضيق .. بدا واجماً شارداً .. نظر اليه “زياد” ثم قال :
-“آدم” أنا عارف انك اتظلمت أوى .. بس مش معنى كده انك تظلم
التفت اليه “آدم” بحده قائلاً :
– يا ابنى احنا عايشين فى غابة .. الناس فيها عامله زى الكلاب المسعورة كل اللى بتقدر عليه لازم تاخده حتى لو من بق غيرها .. واللى يفوز هو اللى يقدر ياخد نصيب أكبر من التانى
نظر “زياد” الى “آدم” بنظرات مشفقة وهو يقول :
– مش كل الناس وحشة .. عندك أنا أهو .. أنا وحش يا “آدم” ؟
قال “آدم” بحده :
– انت متولدتش وفى بقك معلقة دهب يا “زياد” .. انت تعبت وشقيت واتمرمطت وطفحت الدم عشان توصل للى انت فيه دلوقتى .. وعشان كده انت لسه أبيض من جواك
قال “زياد” بثقه :
– وانت كمان زيي يا “آدم” احنا الاتنين زى بعض وعشنا فى نفس الظروف ونفس المستوى وكافحنا سوا وتعبنا سوا .. يعني انت كمان من جواك أبيض
قال “آدم” بتهكم :
– لا معدش يا صاحبى .. انا بقيت اسود .. وأسود من السواد كمان
لم يرد “زياد” أن يضغط على “آدم” فى الحديث أكثر .. فقال يحاول تغيير الجو :
– متاخدنيش فى دوكه قولى ناوى تفسحنى فين
ابتسم “آدم” قائلاً :
– انت تأمر يا “زياد” .. شوف حابب تروح فين وأنا أوديك
قال “زياد” مازحاً :
– اعتبرنى سايح وفسحنى
قال “آدم” ضاحكاً :
– ماشى يا سايح .. نتغدى وبعدين هعملك بروجرام هيعجبك
ابتسمت “زياد” لصديقه وربت على كتفه شاكراً
****************************************
عادت “آيات” من الخارج لتجد سيارة والدها فى الجراج فقد أتى مبكراً على غير العادة .. ركنت سيارتها بجوار سيارته ثم أخرجت من حقيبتها مناديل لإزالة المكياج وشرعت فى ازالة الأصباغ الصناعية التى تزين وجهها .. فبدت أكثر براءه .. خرجت من سيارتها وتوجهت الى داخل الفيلا .. رأت والدها وهو خارج من مكتبه فابتسمت له واقبلت عليه تعانقه وتقبل وجنته قائلاً :
– ازيك يا بابا .. جيت بدرى النهاردة يعني
ابتسم والدها قائلاً :
– تعبت شوية فقولت أريح
قال “آيات” بقلق وهى ترمقه بنظرات متفحصه :
– تعبان مالك يا بابا .. حاسس بإيه ؟
قال “عبد العزيز” وهو يبتسم ويربط على ذراعها :
– متقلقيش يا حبيبتى شوية ارهاق وهيروحوا لما أرتاح
قالت “آيات” وهى تنظر اليه بإهتمام :
– بابا متتعبش نفسك فى الشغل عندك الشركة مليانه موظفين . .لو سمحت يا بابا صحتك اهم عندى من أى حاجة فى الدنيا
ابتسم لها قائلاً :
– ربنا يخليكي ليا يا حبيبتى
بدا وكأنه انتبه الى ما ترتديه .. فعقد حاجبيه بضيق قائلاً :
– ايه ده يا “آيات” ؟
ارتبكت “آيات” وهى تنظر الى ملابسها قائله :
– ايه يا بابا ؟
قال “عبد العزيز” بصرامة :
– ايه اللى انتى لبساه ده يا “آيات” .. البادى ضيق جداً عليكي وأنا قولتلك قبل كده عايزة تلبسى بادر يبقى تلبسيه فوقيه جاكت ومقفول كمان
قالت “آيات” بحنق :
– ما هو أنا لو لبست فوقيه جاكت مقفول يبقى أصلا مش هيبان يا بابا
قال “عبد العزيز” بحزم :
– ان شاله عنه ما بان .. بنتى متمشيش ولابسه لبس ملزق على جـ,ـسمها بالشكل ده وكل الرجاله عينهم راحه جايه عليها
شعرت “آيات” بالخجل وبالإضطراب فقالت :
– خلاص يا بابا أنا آسفة
فقال “عبد العزيز” بهدوء لكن بحزم :
– مش عايز أعلق على لبسك تانى يا “آيات” .. انتى كبيرة بما فيه الكفايه عشان تميزي بين الصح والغلط
قالت “آيات” بعدم اقتناع :
– صح يا بابا معاك حق .. معدتش هلبس حاجة ضيقه كده تانى
ابتسم والدها قائلاً :
– طيب يلا يا حبيبتى اطلعى غيري هدومك عشان نتغدى سوا
أومأت برأسها وصعدت الى غرفتها وعلامات التبرم على وجهها .. بدلت ملابسها فرن هاتفها قبل أن تتوجه الى باب الغرفة .. ردت قائله وهى تلقى بنفها على الفراش :
– أيوة يا “سمسم”
قالت “أسماء” :
– كنت بطمن انك وصلتى .. اتغديتي
قالت “آيات” :
– كنت لسه نزله أتغدى .. بابا جه بدرى النهاردة
ثم زفرت بضيق قائله :
– شلت الميك آب وأنا بركن العربية .. ولما دخلت الفيلا شافنى وادانى محاضرة عشان البادى اللى كنت لابساه
قالت “أسماء” بإستغراب :
– ماله البادى .. كان تقيل مش شفاف
قالت “آيات” بهدوء :
– بيقولى ضيق وملزق .. وأعد يقولى بنتى متمشيش كده والرجاله تبص عليها
ضحكت “أسماء” قائله :
– أبوكى ده عايزك تعنسي جميه
ضحكت “آيات” قائله :
– شكله كده فعلاً
ثم قالت :
– يلا باى بأه عشان بابا مستنينى نتغدى سوا
قالت “أسماء” :
– ماشى يا موزه .. أشوفك بكره .. باى
خرجت “سمر” من غرفتها وأقبلت على والدتها التى تتحدث فى هاتفها وقالت لها :
– ماما أنا خارجه .. رايحه عند “إيمان” شوية
أشارت لها أمها بالإنصراف وهى تتبادل المزاح مع صديقتها عبر الهاتف وتنفجر ضاحكة .. ألقت “إيمان” عليها نظرة حزينه ثم فتحت الباب وخرجت من بنايتها الأنيقه .. سارت قليلا فى الشارع الهادئ قبل أن تجد سيارة أخرى طلبت من سائها أن يقلها الى أحد الأحياء المتوسطة .. صعدت الدرجات العالية وأطرقت باب بيت “إيمان” فتح لها شاب فى أواخر العقد الثانى يتميز بلحية خفيفة بمجرد أن رآها أخفض بصره .. فقالت بحرج :
– “إيمان” موجودة ؟
قال بأدب دون أن ينظر اليها :
– لحظة واحدة
دخل الشاب وتوجه الى “إيمان” الواقفة فى الشرفة بإسدالها وقال لها :
– صحبتك بره يا “إيمان”
التفت “إيمان” وهتفت قائله :
– هى جت .. ايه ده مخدتش بالى منها وهى طالعه
ابتسمت “إيمان” فى وجه “سمر” وعانقتها وأدخلتها الى غرفتها وأغلقت الباب خلفهما .. قالت “إيمان” وهى تخلع اسدالها :
– كنت واقفة مستنياكى مخدتش بالى منك وانتى داخله العمارة
قالت “سمر” بمتسمه :
– اللى واخد عقلك
قالت “إيمان” مازحة :
– كنت بفكر فى حلة المحشى اللى ماما بتسويها على النار
ضحكت “سمر” قائله :
– محشى بالليل كده
قالت “إيمان” ساخرة :
– بعيد عنك احنا عيلة مفترية بتحب تتعشى محشى
انفجرت “سمر” ضاحكة ثم وضعت يدها على فمها وقالت :
– حرام عليكي مضحكينيش كده أخوكى بره هيسمع صوتى
قالت “إيمان” ضاحكة :
– يا ستى خليه يسمع يمكن الضحكة تجيبه على ملا وشه ولا حاجه
سألتها “سمر” وقد توقفت ضحكاتها :
– هو لسه مش لاقى شغل
قالت “إيمان” بحزن :
– لا للأسف .. وحتى الشغل اللى بيتعرض عليه مبيعجبوش
سألت “سمر” بإستغراب :
– ليه بأه مبيعجبوش
قالت “إيمان” :
– كل شغلانه بيطلع فيها حاجات غلط ومبيرضاش يشتغلها .. يعني آخر شغلانه جتله كانت فى بنك ومرتب ومركز وكل حاجة واحد قريبنا هو اللى اتوسطله جامد فيها وجابهاله
قالت “سمر” :
– وبعدين ؟
قالت “إيمان” :
– رفضها عشان فى البنك ده بيتعاملوا بالربا .. قروض بفوايد يعني
هتفت “سمر” بحماس :
– والله برافو عليه .. “على” أخوكى ده راجل محترم
هتفت “إيمان” بخبث :
– آه قوليتيلى
تضرجت وجنتا “سمر” خجلاً وقالت :
– ايه فى ايه ايه المشكلة يعني لما أقول انه محترم .. عادى يعني
قالت “إيمان” بخبث :
– طيب طالما انتى شايفه انها عادى .. نخليها عادى
قالت “سمر” لتغير الموضوع :
– أخبار تكليفك ايه
قالت “إيمان” بضيق :
– متفكرينيش طالع عيني فيه .. امتى بأه أخلص وارتاح
ضحكت “سمر” قائله :
– ربنا يكون فى عون العيانين اللى تحت ايدك
قالت “إيمان” بحنق :
– مش عارفه ايه اللى كان خلانى أدخل طب أسنان .. ملها تجارة ما هى زى الفل .. شوفتى “آيات” و “أسماء” فى التراوة خالص .. مش مطحونين زينا
صمتت قليلاً ثم قالت :
– أصلا تحسيى اننا كلنا على بعضنا كده مجموعة غريبة ومتناقضة
كادت “سمر” أن تتحدث لولا الطرقات التى سمعتها على الباب اعتدلت فى جلستها فقالت لها “إيمان” مطمئنة :
– خليكي زى ما انتى يا بنتى مستحيل يكون “على”
فتحت “إيمان” الباب فدخلت سيدة بسيطة يبدو على وجهها علامات الطيبة والبساطة أقبلت على “سمر” وقبلتها قائلاً :
– ازيك يا “سمر” عامله ايه يا حبيبتى وازاى ماما
قالت “سمر” مبتسمه :
– كويسه الحمد لله يا طنط ازى حضرتك
قالت والدة “إيمان” بسعادة :
– الحمد لله يا حبيتبى كويسه .. انتى منورانا والله
قالت “سمر” :
– ربنا يباركلك يا طنط ده نورك
قالت والدة “إيمان” بحماس :
– خمس دقايق المحشى هيخلص وأجبلكوا تتعشوا سوا انتى و “إيمان”
قالت “سمر” بحرج :
– لا يا طنط متشكره . أنا أصلا شويه وماشيه
هتفت والدة “إيمان” قائله :
– لا والله ما يحصل .. انتى بخيله ولا ايه .. لازم تكلى المحشى بتاع أم “إيمان” ده جرانى كلهم لما بكون عامله محشى يقولولى ريحة المحشى بتاعك غير أى حد يا أم “إيمان”
ابتسمت “سمر” بحرج قائله :
– أكيد طبعا هيبقى حلو طالما من ايدك .. تسلم ايدك يا طنط
التفتت والدة “إيمان” الى “إيمان” قائله بعتاب :
– مأعده صحبتك من غير حاجة تشربها من ساعتها
قالت “إيمان” بلا مبالاة :
– يا ماما هى حد غريب .. دى “سمر”
قالت أم “إيمان” بغيظ وهى تغادر :
– أصل الذوق مبيتشراش .. هروح أجبلكوا كوبايتين كركديه .. لسه عاملاه الصبح
خرجت والدة “إيمان” و أغلقت الباب خلفها .. التفتت “إيمان” الى “سمر” قائله بسخرية :
– عيلة همها على بطنها مفيش حاجة ورانا إلا الأكل والشرب
انفجرت “سمر” ضاحكة مرة أخرى وهى تضع يدها على فمها لكتم ضحكاتها .
**************************************
فى صباح أحد الأيام تأنقت “آيات” كعادتها فى هذا اليوم من كل اسبوع .. توجهت الى الجامعة لتلتقى بـ “أسماء” أمام باب المدرج .. قالت لها “اسماء” بلؤم :
– ايه القمر ده انتى راحه حفلة ولا محاضرة
ابتسمت “آيات” قائله بلهفه :
– حلوه بجد ؟
قالت “أسماء” مبتسمه :
– زى القمر يا “يويو”
دخلت الفتاتان المدرج واختارتا مكان فى المنتصف .. جلست “آيات” تنظر الى باب المدرج فى انتظار قدومه .. ظهر أمامها فجأة .. فساد الهدوء .. وتعلقت أنظارها به حتى حياهم تحية الصباح .. ابتسمت “آيات” وهى تتذكر يوم أن التقته منذ ثلاث سنوات عندما أصر السائق على ابقائها معه الى حين حضور والدها وتسديد مبلغ التصليح .. تذكرت نظراته اليها وقتها .. وابتسامته الرقيقه .. تذكرت كيف كان متضايقاً من معاملة الرجل لها وكيف وقف بجوارها ليحميها منه وليردعه إن تطاول بكلماته عليها .. شعرت بالأمان وهو واقف بجوارها فى هذا الموقف الذى تعرضت له فى أول شهر لها بالجامعة .. كان مظهرها أبسط وملامحها أرق .. كيف لا وقد كانت تخلو من تلك الأصباغ الصناعية التى تملأه الآن .. كانت تبدو كغزال برئ ضل طريقه ويلتفت حوله يبحث عمن يخرجه من مأذقه .. عادت من شرودها الى واقعها عندما تعلقت الأنظار بالفتاة التى دخلت القاعة دون أن تنتظر اذناً من “آدم” .. التفت اليها “آدم” وقال بصارمة :
– انتى يا آنسه .. راحه فين ؟
التفتت الفتاة تنظر اليه فتحركت خصلات شعرها الذهبية فى رقة .. وقالت بهدوء :
– دخله المدرج
نظر اليها “آدم” نظرة طويلة وبدت ابتسامة سخرية على فمه .. بدا وكأنه قد نفذ الى أعماقها واكتشف كنهها .. قال بحزم وتحدى وهو يشير الى باب المدرج :
– اتفضلى اطلعى بره
علت الأصوات وتمايل البعض على أذن جاره هامساً .. سمعت “آيات” الفتاة التى بجوارها تقول للتى خلفها :
– أوبا .. “ساندى” شكلها بأه وحش أوى
قالت الفتاة خلفها :
– أحسن البنت دى مبطيقهاش .. شايفه لبسها عامل ازاى
قالت أخرى بغيظ :
– معاكى حق والله مش عارفه ازاى يدخلوا الأشكال دى الجامعة
صاحت أخرى :
– يخربيتها دى فتحة البادى ولا نفق شبر
تعالت ضحكات الفتيات .. فأعادت “آيات” النظر الى الفتاة تتفحصها .. التفتت “ساندى” وهى تقول لـ “آدم” بتعالى :
– مش من حقك تمنعنى انى أدخل المحاضرة
قال “آدم” وهو يرفع حاجبيه بتحدى :
– مش من حقى ؟
صمت قليلاً ثم نظر اليها ببرود قائلاً :
– طيب حضرتك ممنوعة من دخول محاضرات لحد آخر السنة .. ودرجات حضورك كلها هتتخصم منك
زفرت “ساندى” بضيق وقد احمر وجهها غضباً .. وغادرت المدرج بعصبيه
ابتسمت “آيات” وقد أسعدها ما فعله “آدم” بتلك الفتاة
ابتسم “آدم” فى نفسه .. فهو يعلم جيداً من هى “ساندى” .. ومن يكون والدها .. والأهم .. يعلم جيداً ماذا يريـــد منهـــا .
الحلقة ( 3 )
دخل “آدم” منزله لتستقبله والدته قائله بعتاب :
– اتأخرت ليه يا “آدم”
زفر “آدم” بضيق وقال وهو يغلق الباب :
– كنت مع واحد صحبى
سار متوجهاً الى غرفته فأقبلت أمه خلفه قائله بغضب :
– وصاحبك هو اللى بتسهر عنده لنص الليل وساعات بتبات كمان .. وسايب عنده هدومك وبدلك ؟
التفت “آدم” صائحاً بغضب :
– انتى عايزه منى ايه ؟
قالت أمه والدموع فى عينيها :
– عايزاك ترجع “آدم” بتاع زمان
صاح وهو يغلق الباب فى وجهها :
– خلاص مات .. “آدم” بتاع زمان مات
تساقطت العبرات على وجهها وتوجهت الى غرفتها وفرشت سجادة الصلاة ووقفت بين يدي الله تبكى حال ابنها وتدعو له بالهداية
**************************************
توجه “آدم” الى فراشه وهو يشعر بالغضب .. بالغضب من نفسه وعلى نفسه .. بالغضب من كل شئ .. ظل جالساً يفكر بشرود .. ثم قام وتوجه الى حاسوبه .. اتسعت عيناه دهشة ولاحت ابتسامه على شفتيه عندما رآى البريد الإلكترونى الذى وصله .. فتحه بلهفة .. وقرأ ما جاء فيها :
– بسم الله تحية طيبة وبعد .. مؤهلاتك الدراسية ممتازة .. لكن ليست لديك الا خبرة أكاديمية فقط وتفتقر الى الخبرة العملية .. نعتذر عن قبول طلبك بالإنضمام الى شركتنا
أغلق “آدم” الحاسوب بعصبية وعلامات الغضب والضيق مرسومة على وجهه .. أخرج سيجاراً وأشعله وظل ينفث دخانه بعصبيه شديده .. طرقت أمه الباب ففتح لها وهو يخفى السيجارة خلف ظهره .. رأت أمه الدخان المتصاعد بجواره فنظرت اليه ببرود قائله :
– لو مش خايف على نفسك على الأقل خاف عليا
أطرق “آدم” برأسه ودخل يطفئ السيجارة .. دخلت أمه خلفه وهى تقول :
– لحد امتى يا “آدم” .. لحد امتى هتفضل مش راضى عن حياتك كده
قال “آدم” بحده :
– ماما لو سمحتى اقفلى على الموضوع ده
قالت أمه بحزن :
– ليه يا ابنى متستعوضش ربنا .. وتخلى اللى حصل ده يبأه دافع ليك انك تكون أحسن .. مش انك تبقى كده
نظر اليها “آدم” ببرود وهو يقول :
– ومالى كده .. دكتور فى الجامعة وزى الفل ومليون واحدة بتتمنانى
قالت أمه بحزن :
– حياتك كلها على بعضها غلط يا “آدم” .. أنا قلبي حاسس انك بتعمل حاجات كتير غلط .. الغلط بيجر غلط يا ابنى .. خليك مع ربنا ومتغضبوش
قال “آدم” بتهكم :
– يا ماما انتى طيبة زيادة عن اللزوم .. مفيش حد مبيغلطش دلوقتى .. كل الناس بتغلط .. وكل الناس بتبص للى فى ايد غيرها .. وكل واحد بأه مستنى التانى يقع عشان ينهش فيه .. ولو مبقيتيش زيهم مش هتعرفى تعيشي وسطهم
ترقرقت العبرات فى عيني أمه وهى تقول :
– زى ما فى الوحش فى الحلو يا “آدم” .. ليه تاخد الوحش مثال ليك وتمشى وراه .. ليه متبصش للحلو يا ابنى وتعمل زيه
قال “آدم” بتهكم :
– عايزانى أبقى طيب وأهبل عشان الناس تدوس عليا .. عايزانى أبقى طيب وأهبل عشان الكل يبأه فوق وأفضل أنا تحت رجليهم .. لا يا ماما .. أنا هبقى زيهم وأحسن منهم كلهم .. واللى ضاع منى هعوضه تانى .. وهنتقم من كل اللى ظلمنى
قالت أمه بحزم وهى ترمقه بنظرات ذات معنى :
– كويس انك عارف ان الظلم وحش وبيوجع .. وان المظلوم مبيتمناش حاجة فى الدنيا غير انه ينتقم من اللى ظلمه
قالت ذلك ثم غادر الغرفة وتركت “آدم” حائراً مضطرباً حانقاً
****************************************
فى صبيحة أحد الأيام خرجت “آيات” من الفيلا بسيارتها الفارهه ..سارت بها فى شوارع القاهرة .. توجهت الى مكان كتب عليه “جمعية رسالة الخيرية” توجهت الى الداخل وتوجهت الى مكتب احدى الفتيات التى هبت واقفة وقالت بسعادة :
– يا أهلا وسهلاً “آيات” شخصياً عندنا
قبلتها “آيات” قائله :
– وحشانى أخبارك ايه
قالت الفتاة :
– بخير الحمد لله .. اتأخرتى يعني مش عادتك
قالت “آيات” وهى تخرج سى دى من حقيبتها :
– معلش بس انشغلت شوية اليومين اللى فاتوا
قالت الفتاة مبتسمه وهى تأخذ منها السى دى :
– ولا يهمك يا قمر .. تسلم ايدك
قالت “آيات” وهى تهم بالمغادرة :
– يلا أشوفك بعدين
قالت الفتاة بإستنكار :
– على طول كدة تعالى اشربي حاجة الأول
قالت “آيات” :
– معلش عشان مستعجلة المرة دى
ابتسمت الفتاة قائله :
– خلاص برحتك .. ربنا يجازيكي خير يا “آيات” ويجعله فى ميزان حسناتك
ابتسمت لها “آيات” ولوحت لها مودعة .. خرجت “آيات” من المبنى الذى تزوره كثيراً منذ أن التحقت بالجامعة .. حيث تعرفت فيها على احدى الفتيات المتطوعات بتلك الجمعية .. شجعت الفتاة “آيات” على التطوع فى قسم كتابة الكتب للمكفوفين .. فتشارك “آيات” فى كتابة الكتب الثقافية والعلمية والدينية على الكمبيوتر ويتم تحويلها بعد ذلك الى طريقة “برايل” لتمكين المكفوفين من قرائتها والإستفادة منها .. كانت “آيات” تشعر بسعادة بالغة وهى تقدم تلك المساعدة لأولئك الذى حُرموا نعمة البصر .. كانت تجد سعادتها فى الشعور بأنها تقدم على عمل مفيد تُنفع به غيرها .. وتستغل وقت فراغها فى هذا العمل المفيد .. ركبت “آيات” سيارتها وانطلقت فى طريقها
*****************************************
– فاكر يا “زياد” لما كنا بنلعب كورة مع بعض هنا تحت البيت
قال “آدم” هذه العبارة وهو واقف مع “زياد” فى شرفة بيت هذا الأول .. نظر “زياد” الى الأسفل يراقب الأطفال الذين يجرون خلف الكرة والابتسامه على شفتيه قائلاً :
– أيوة طبعاً فاكر .. كانت أيام حلوة أوى
قال “آدم” وهى ينظر الى الأفق :
– كانت أيام بريئة أوى
التفت “زياد” لينظر الى “آدم” .. يراقب تعبيرات الوجوم على وجهه .. فقال :
– مش عجبنى حالك يا “آدم”
قال “آدم” بتهكم دون أن ينظر اليه :
– ولا أنا عجبنى حالى
قال “زياد” بحنق :
– طيب ليه متغيرش حالك ده .. ليه سايب نفسك لليأس كده .. ليه متحاولش تقوم وتقف على رجليك من تانى
قال “آدم” بصرامة وهو يزم شفتيه بقوة :
– لما أرجع حقى الأول
قال “زياد” بقلق :
– وهترجعه ازاى يعني ؟
قال “آدم” بقسوة وهو ينظر الى “زياد” :
– عشان تحارب التعالب لازم تبقى تعلب زيهم
ثم قال بقسوة شديدة :
– وساعتها يا ويله اللى يقع فى ايدى هاكله بسنانى
قال “زياد” وهو يزفر بضيق :
– شكل كده مفيش فايده من الكلام معاك .. اللى فى دماغك فى دماغك
قال “آدم” وهو يحاول تناسى الأمر :
– انت راجع شرم امتى ؟
قال “زياد” :
– كمان اسبوع
أومأ “آدم” برأسه وعاد ينظر الى الأفق وزرقة عيناه تختلط بزرقة السماء .. أخذ يتذكر كم وقف فى تلك الشرفة يتطلع الى قرص الشمس الذهبي ويرسم بخياله أحلاماً كبيرة .. أكبر من واقعه .. هكذا هو دائماً .. يحب الشئ صعب المنال .. يعشق المستحيل .. متيم بالتحدى .. رغم بساطة عيشه والظروف التى تربى بها .. إلا أن أحلامه فاقت واقعه .. فصعد السلم خطوة بخطوة بعزيمة وصبر وإصرار .. حتى وصل .. وصل الى قمة النجاح .. وصل الى ما أراد .. وصل الى ما كان يراه مستحيلاً .. أمسك بيده ما كان يراه صعب المنال .. فشعر بالزهو .. والفخر .. والسعادة .. لكن أحلامه تحطمت على صخرة الجشع وتهاوت أشلائها فى بئر الخيانه .. عندها بدأ يتعلم .. أن الحياة مثلما تعطى تأخذ .. ومثلما ترسم البسمة ترسم الدمعة .. لكنه لم يتقبل ذلك .. لم يتقبل الخسارة .. لم يتقبل المكتوب .. أراد أن يحارب القدر .. وأن يثور عليه .. وأن ينزع رداء الرضا .. ويرتدى حلة الإنتقام .. لكنه لا يعلم أن الإنتقام سيف ذو حدين .. حتى وان انتصرت به وقتلت خصمك .. فستنظر الى يدك فى النهاية لتجد النصل الآخر مزق يدك بحدته .. وسالت منه دمائك .. لم يعلم .. لكنه سيعلم .. لكن السؤال الآن .. هل سيفيد وقتها الندم ؟!
***************************************
ها هو عريس آخر يطرق باب بيتها .. عريس آخر ورؤية أخرى ومقابلة ستزيد من عمق جُرحها ان تُُوجت كسالفاتها بالرفض .. ليس منها .. بل منه .. دائماً لا تأخذ فرصتها فى الرفض .. فقبل أم تُعلنها .. يُعلنها العريس .. وتضم الى باقة جراحها جرحاً آخر .. يطعن كرامتها .. ويجرح أنوثتها .. ويزلزل ثقتها بنفسها .. فتلجأ الى دوائها الذى يريحها دائماً .. ويزيل ما بها من توتر .. الطعــام .. الذى قاله عنه نبينا صلى الله عليه وسلم : “ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطنه” .. لكنها لم تهتم .. فكل ما يهم .. هو أن تأكل وتأكل .. لتفرغ ما بها من شحنات مكبوته وصرـ,ـخات مكتومة .. تلجأ الى الطعام كما يلجأ المدمن الى المخدر .. يعلم أنه يضره .. ويؤذيه .. لكنه لا يستطيع مقاومته .. فهو البئر الذى يلقى فيه آلامه وأحزانه .. رغم أنه يعلم جيداً .. أنه حل مؤقت .. ويجب عليه آجلاً أم عاجلاً أن يواجه واقعه .. الذى يهرب منه الى مخدره
قالت “ايمان” لأمها بتوتر :
– ماما أنا خايفة
قالت أمها بحماس :
– متخفيش يا بت .. ان شاء الله هتعجبيه وهيكون من نصيبك
ثم قالت :
– ده بسم الله ما شاء الله عليه دكتور وعنده عيادة الله أكبر .. وأخوكى “على” بيشكر فيه أوى
ثم ترقرقت العبرات فى عينيها وقالت بطيبة الأمهات :
– نفسى أوى أفرح بيكي يا “إيمان” يا بنتى .. ده منى عيني من الدنيا دى أشوفك فى بيتك انتى و “على” أخوكى
طرق “على” الباب ففتحت أمه فدخل ينظر الى “إيمان” قائلاً :
– يلا يا “إيمان” .. العريس بره
شعرت “إيمان” بتوتر بالغ وتضرجت وجنتاها بحمرة انتشرت فى وجهها كله حتى صار كحبة الطماطم .. قال “على” وهو يتفرس فيها :
– ايمان انتى حطه حاجة على وشك
قالت بسرعة :
– لا والله يا “على”
ابتسم قائلاً :
– طيب يلا
خرجت “إيمان” وقدميها تصطكان ببعضهما البعض .. جلست على أقرب مقعد وهى لا تجرؤ على رفع وجهها .. كان العريس بمفرده .. جلست معه ومع والدها وأخوها “على” قرابة النصف ساعة .. لم تتحدث خلالها أى كلمة وهو لم يوجه أى حديث لها .. استأذن وطلب الإنصراف .. شعرت “إيمان” فى داخلها بالحنق والحيرة .. لماذا لم يوجه اليها أى حديث .. لماذا رحل سريعاً .. بالتأكيد لم تعجبه .. ظلت تلك الأسئلة تدور برأسها .. سمعت والدها وهو يخبره بأن كلا الطرفين سينتظر رداً من الآخر يعد يومين .. دخلت غرفتها وأغلقت الباب وارتمت على فراشها تبكى قهراً .. كانت تشعر فى قرارة نفسها بأنها لم تعجبه .. وسينضم اسمه الى قائمة من رفضوها
********************************************
دخلت “سمر” المطبخ لتسخن الطعام لنفسها .. أحضرت طبقها وجلست أمام التلفاز .. عادت أمها من الخارج قائله :
– السلام عليكم
التفتت “سمر” وردت السلام .. فقالت أمها وهى تلقى بنفسها على المقعد متهالكة :
– كان عندنا شغل كتير أوى النهاردة
قامت “سمر” وتركت طبقها على الطاولة وقالت بحنان :