رواية ظنها د..مـ,ـية بين أصابعه (الفصل السادس والثمانون إلى التسعون) بقلم سهام صادق
تعجبت من ابتسامته ونظرته إليها ثم اقترابه منها بخطوات بطيئة.
_ عايزة تعرفي أنتِ إيه في حياتي يا “زينب”…أنتِ بَلائِي ، بَلائِي يا “زينب”.
أنعقد الكلام على طرف لسانها بعد نعته لها بالبلاء ثم أنفلتت شهقة قوية من شفتيها بعدما دفعها نحو الخزانة رافعًا ذراعيها فوق رأسها…
الفصل الثامن والثمانون (2)
🌻ظنها دمية بين أصابعه🌻
تُلهكه بنظرة من عينيها، بصوتها الناعم حين تُناديه ، بحركة شفتيها عندما تُخبره إنها بحاجة لحضنه حتى يعود الأمان إليها ويضيع هو بين كل هذا وهذا مُلتاع القلب ومُشتت العقل.
_ أنا خايفة يا “صالح”.
وكان أخر شئ أستطاعت التفوه به هذه اللحظة التي ظنت فيها أن عقابه سيكون قاسيًا.
وضع رأسه على الوسادة منفرج الشفتين مُحاولا السيطرة على خروج أنفاسه وفي عينيه نظرة منتشية.
تحرك برأسه جهتها بعدما تمالك ما يجَيش بصدره ثم ابتسم عندما وجدها تضع الوسادة على وجهها.
تنهد بقوة ولم تغادر تلك الابتسامة شفتيه، فكل يوم معها يكتشف صفة أخرى بها.
_ “زوزو” دلوعة بابا .
غمغم بها وهو يجتذبها إلى صدره وقد توقفت عن لَطَم الوسادة على وجهها.
_ خايفة من إيه، معقول خايفة مني!!
تهدج صوت أنفاسها ثم أزاحت الوسادة ببطء عنها ، هو لم ينسى كلامها إليه قبل أن تضيع بين ذراعيه متوعدًا لها بأنه سيعاقبها عقابًا شديدًا وسيثأر لكرامته.
نظرة عيناها الناعسة أرجفت قلبه ،فأسرع بالتقاط الوسادة التي مازالت بين ذراعيها وقذفها بعيدًا ثم شدد من ضمها إلى صدره مُتنهدًا.
_ خلتيني افقد عقلي وأعاملك بعنف ، قوليلي تهورك ودماغك ديه هتعمل فينا إيه تاني.
نبرة صوته الخشنة التي يتخللها العتاب جعلتها رغمًا عنها تبتسم.
_ أنت مكنتش عنيف، أنت كنت حنين.
قالتها ثم دسَّت وجهها بصدره حتى تهرب من نظرته الثاقبة إليها.
تسارعت دقات قلبه وقد شعرت بعلو وهبوط صدره بعدما صارت أنفاسه غير منتظمة.
_ خبيني في حضنك يا “صالح” ، حضنك شبه حضن بابا… بابا كان حضنه دافي أوي وحنين زيك.
شعر بدفئ دموعها على صدره، فانتفض مذعورًا وهو يعتدل في تسطحه متسائلًا بهلع.
_ “زينب” أنتِ بتعيطي.
حاول رفع وجهها إليه إلا إنها تشبثت بحضنه وقد فاضت عيناها بدموعٍ سخية.
_ كل حاجة حلوة بتحصلي بقت بتخوفني ، أنت مش هتسيب أيدى صح ، هتخبيني ديمًا في حضنك.
والحقيقة التي يتأكد بها يومًا بعد يوم وتترسخ داخله، “زينب” سلمت نفسها له لشعورها بالأمان معه… والدور الذي قرر اللعب به منذ البداية عليه أن يتحمله، وهل الأباء يضجرون من دلع صغارهم؟
أراد أن يتحدث و يوعدها إنه سيظل يحميها ويُخبأها بين أضلعه لكن كل شئ توقف حوله عندما بدأت تخبره عن ذكرياتها مع والدها.
أعتصر الألم فؤاده وأخذ يسمعها، هو لم يعرف مرارة اليُتم لكنه رآه في أعين صغيره.
لم يجد أي كلام يستطيع مواستها به ، فالكلام يقف محشورًا في حنجرته وسرعان ما كان يقفز شئ في رأسه، شئ صار يعرفه… هي تحب أن يلعب لها في خصلات شعرها ويطبع قبلات مُتفرقة على يديها.
توقفت عن البكاء حينما شعرت بأصابعه تتخلل داخل خصلات شعرها ثم شفتيه عرفت طريقهما.
وليلة الوصال تكررت ، تكررت بلا عقد بلا خوف وبلا هرب.
…
انفلت تأوه ضعيف من شفتي “ليلى” ثم أسرعت بتمرير لسانها على طرف أصبعها بعدما انغرزت أبرة الحياكة به.
تركت “عايدة” قطعة القماش التي تقوم بتطريزها ثم نظرت إليها.
_ لأ أنتِ فيكي حاجة النهاردة غريبة، من ساعت ما بدأنا شغل وأنتِ مسهمه ولتاني مره الأبرة تشكك.
أخفضت “ليلى” رأسها حتى لا ترى زوجة عمها نظرة عيناها الشاردة، فهى منذ ليلة أمس وعقلها لا يرحمها من هواجسه.
_ مافيش حاجة ، أنا بس مُرهقة شوية.
_ واضح يا حببتي على وشك.
قالتها “عايدة” وهي تربت على كف يدها بحنان.
_ فضفضي ليا يا “ليلى” يمكن تلاقي عندي النصيحة.
ضاقت حدقتيّ “عايدة” عندما طال صمتها وكادت أن تنهض وتقترب منها إلا أن سؤال “ليلى” جعلها تعود إلى مقعدها وتقطب حاجبيها في حيرة.
_ أنا عارفه إن مش مفروض أسأل السؤال ده لكن غصب عني.
تَجَلَّى القلق بوضوح على ملامح “عايدة” ولم ترغب في مقاطعتها وبصعوبة خرج الكلام من شفتيّ “ليلى” بعدما أزدردت لعابها لمرات.
_ عم “سعيد” قالي إن “شهد” جات بعد خمس سنين من جوازك أنتي و عمي، هو يعني أنا أقصد …
توقفت “ليلى” عن مواصلة كلامها بعد أن شعرت بحرجها، فابتسمت “عايدة” وتلاشى القلق عن وجهها.
_ خمس سنين ،فضلنا خمس سنين من دكتور لـ دكتور لحد ما ربنا أذن.
تقابلت عيناي “ليلى” بنظراتها التي ألتمع بهما الرضى.
_ رزقنا من الذرية “شهد “و الحمدلله رضينا بيها أنا و عمك.
ترقرقت الدموع في مقلتيها تأثرًا ،فاندهشت “عايدة “وهتفت بوجل.
_ “ليلى”، فيكي إيه… في حاجة حصلت مخبياها عليا.
أطبقت “ليلى” شفتيها حتى لا يخرج صوت بكائها لكن دموعها خانتها وأنفجرت باكية.
_ أنا خايفه أكون زي ماما “عائشة” ومخلفش، “عزيز” نفسه في طفل.
…
أغلقت “زينب” جفنيها مستمتعه بأجواء المكان بعدما أبتلعت ما دسَّه بين شفتيها من قطعة خبز ممسوحة بحلوى المُربى.
توقف “صالح” عن تمرير السـ.ـكين على قطعة الخبز التي وضع هذه المرة عليها القليل من القشطة وقد ترك لعينيه حرية تأملها والتمتع في فتنتها التي تنبعث من تصرفاتها التي تشبه تصرفات المُراهقات المُدللات في بيوت أبائهن.
_ كل حاجة هنا جميلة ، الجو في هدوء و سحر عجيب بيجذبك.. عارف نفسي في إيه.
تمتمت بها وهي تفتح عينيها في اللحظة التي سحب أنظاره عنها وتساءَل بصوت مُتحشرج.
_ نفسك في إيه يا “زينب”.
نظرت إليه بنظرة تسْتَشَفَّ منها ردة فعله عندما تُخبره بالأمر الذي تُريده.
قوس شفتيه وهو يمدَّ إليها بقطعه الخبز الأخرى التي التهمتها سريعًا من يده.
_ عايزه أرقص تانجو.
أسرعت بمضغ ما حشره بفمها وأبتلعته حتى تواصل كلامها.
_ ده مجرد حلم مش أكتر..
ثم نظرت حولها.
_ أكيد يعني مش هرقص قدام الناس ديه، بس نفسي أحقق الحلم ده أوي هنا.
تخبره بحلمها الذي تراه مستحيلًا بل وأخدت تصف له تخيلها لمشهد الرقصة هنا ثم تساءلت بحماس.
_ بتعرف ترقص تانجو؟
داعبت شفتيه ابتسامة واسعة، وهز رأسه بعدما أنطلقت ضحكة منه.
_ قولتلك إن عندي مواهب كتير وأنتِ مصدقتيش ، عموما أه بعرف يا ستي أرقص تانجو بس مش أوي وبعرف كمان اعزف على البيانو .
_ بجد، أنت بتعرف تعزف على البيانو!!
أسترخى في جلوسه مبتسمًا بسخرية ، فـ والدته كانت حريصة أن تُخرجه للمجتمع المخملي بصورة مُشرفة…صورة يفتخر بها “شاكر الزيني” وتفتخر بها هي.. “شاكر الزيني” يسعى على جعله في صورة رجل خشن الطبع و والدته تسعى لتعليمه ما تُحب أن يكون صغيرها عليه.
_ دكتورة “حورية” كانت حريصة إنها تخليني طفل مميز.
لم تنتبه على صوت المرارة التي لم تكن واضحة في حديثه ،فهي لم تكتشف بعد طفولته التي كانت بلا روح… طفولة جعلت منه رجلا مُنطفئًا من الداخل حتى أتت هي لعالمه.
_ إيه رأيك نغمض عينينا ونتخيل الرقصة سوا…
اتسعت ابتسامته ثم سحب مقعدها إلى جواره.
_ نتخيل يا حببتي بس تفتكرى خيالنا هيكون واحد.
زَّمت شفتيها بعبوس، فقهقه بعلو صوته دون حرج.
_ لزمتها إيه التكشيرة ديه وإحنا هنرقص تناجو فــ خيالنا.
وكزته في ذراعه، فاستمر بالضحك.
_ ما أنا بفكر إزاي هنعيش الرقصة سوا جوه خيالنا!!
كاد أن يتحدث و يُخبرها أن يذهبوا إلى غرفتهم ويطبقوا الأمر فيها حتى يستطيع إلتهامها بتمهل.
_ أيوه لقيتها خلاص… هنغمض عينينا ونتكلم بصوت مسموع ونشغل اللحن بتاعها.
ابتلع ريقه عدة مرات وهو يراها تصفق متحمسة.
_ “زوزو” هو مينفعش نرقصها في أوضتنا مثلا.
أسرعت بالرد رافضة اقتراحه.
_ لأ أنا عايزة أتخيلها هنا.
هز رأسه بيأس وتنهد.
_ خلينا نجيب اللحن ونبدء نسرح بخيالنا يا مُهلكة.
اِفتر ثغرها بابتسامة خجلة ثم ألتقطت هاتفها تبحث عن لحن الرقصة لكن يدها توقفت على شاشة الهاتف وحدقت به.
_ مالك يا “زينب” بتبصيلي كده ليه ؟
لم تتوقع أن يأتي يومًا وتصبح أمام رجلًا شفافة ، تُفصح له عما يدور برأسها وتنتظر منه الجواب.
_ “صالح” إحنا متفقناش هناخد احتياطاتنا إزاي لحد ما رحلتنا تخلص ونروح للدكتورة ونشوف وسيلة منع الحمل المناسبة.
رمقها بنظرة متفرسة وتمالك نفسه حتى لا يضحك.
_ ما إحنا هنستعبط يا “زوزو” وهما يومين بس ، تفتكري هيحصل حمل بالسرعة ديه… ما أظنش.
عبست بوجهها وقد أقنعها حديثه لكن سريعًا ما تذكرت أمرًا تغافل عنه عقلها لوهلة.
_ طب ما أنت خلفت “يزيد” يعني…
رؤيتها لجمود ملامحه جعلها تبتلع بقية حديثها.
_ مش قصدي حاجة صدقني.
أشاح بوجهه عنها مُحاولًا السيطرة على ذكرى قاسية لم و لن تنمحي من عقله.
_ “صالح”، أنت زعلت، متزعلش خلاص ، خلينا نغمض عينينا بقى ونستمتع بالرقصة.
ورغمًا عنه داعبت شفتيه ابتسامة عريضة ثم أطلق زفيرًا طويلًا وهو ينظر إليها.
_ أنا كنت فاكر إني أتربيت على أيد “يزيد”، طلع تربية البنات مُتعبة…
_ تقصد إيه، إن أنا متعبة.. ؟
قهْقه عاليًا ولفتت ضحكته نظرة تلك التي وقفت تتابعه من بعيد وقد دفعها الفضول لرؤية وجه المرأة التي يُرافقها.
_ إطلاقًا يا حببتي ، البنات الحلوين يليق بيهم الدلع ولا إيه.
برقت عيناها ثم أسرعت بخفض رأسها بعد أن داعب بحديثه قلبها العطش لمثل هذا الدلال.
_ أنا بقول خلينا نرجع أوضتنا أفضل عشان نكمل تفاوض.
رمقته من أسفل أجفانها ثم استندت بظهرها إلى ظهر المقعد الجالسة عليه.
_ تفاوض إيه؟
بطرف عينه غمز لها وهو ينهض.
_ تفاوض على إحراز الهدف يا “زوزو”.
وبغباء تساءلت بعدما التقط يدها حتى تنهض معه.
_ هدف إيه ؟
داعب خدها بكف يده رابتًا عليه برفق.
_ لأ أنا كده مبسوط بيكي يا حببتي.
تحرك بها نحو الممر المؤدي إلى الدرج حتى يهبطوا من سطح الباخرة وعلى شفتيه ابتسامة ماكرة زادته وسامة.
_ شكلها مراته وشكلهم في شهر العسل.
قالتها تلك التي وقفت تُراقبهم من بعيد ثم تعالت ضحكتها وألتقطت لفافة تبغ تدسها بين شفتيها.
_ صغير و وسيم، أنا محتاجه من النوع ده عشان أرجع بي شبابي من تاني.
مررت يدها على وجهها الذي يعطيها سنوات عمر أصغر من عمرها الحقيقي.
_ المرادي دكتور التجميل كان شاطر أوي.
…
وضعت “ليلى” إبريق الشاي على الموقد حتى تقوم بتحضير الشاي لها ولزوجة عمها ويسترخوا قليلًا ثم يواصلوا عملهم في تلك المشغولات التي تحتاج تركيزهم.
أسدلت جفنيها ثم زفرت أنفاسها براحة، فحديثها مع زوجة عمها أزال ذلك الثقل الذي كان يجثم على روحها منذ ليلة أمس.
_ “ليلى”.
أجفلها صوت “شهد” التي عادت للتو من جامعتها، وضعت “ليلى” يدها على قلبها والتفت نحوها.
_ خضتيني يا “شهد” ، أعمل حسابك في الشاي معانا.
اقتربت منها “شهد” وأطفأت الموقد ، فحدقتها “ليلى” بنظرة حائرة وتساءلت.
_ طفيتي ليه على الشاي؟
_ عايزه اتكلم معاكي يا “ليلى”.
تلاشت الحيرة سريعًا عن ملامح “ليلى “وأبتسمت.
_ تصدقي وحشني الكلام معاكي يا “شوشو”، أديني بس خمس دقايق أخلص الشاي وأقطع الكيكة ونقعد نرغي مع بعض.
_ لأ أنا مش عايزه أشرب شاي ولا أكل حاجة ، أنا عايزه اتكلم معاكي كلمتين يا “ليلى”.
اندفع الكلام من شفتي “شهد” ثم تحركت من أمامها.
_ هستناكي في أوضتي.
أحتل الوجل ملامح “ليلى” ثم تنهدت وأتبعتها.
_ أقفلي الباب وراكي.
ازدادت دهشة “ليلى” و أستدارت بجسدها حتى تُغلق الباب.
_ قلقتيني يا “شهد” ، في إيه؟
تحركت “ليلى” نحو الفراش الصغير الذي كان لها في مسكن عمها قبل أن تُصبح زوجة “عزيز الرهار”.
_ “سيف” كان قاعد معاكي في الجنينة من يومين ليه ؟ وكنتوا بتضحكوا وكأنكم صحاب .. من أمتى “سيف” مُتقبلك … “سيف” أكتر واحد رافضك.
توقفت “ليلى عند حافة الفراش تنظر إليها بنظرة تحمل صدمتها.
_ ردي يا “ليلى”، “سيف” بقى قريب منك ليه؟
_ أنتِ بتقولي إيه يا “شهد”!!
اقتربت منها “شهد” وأخذت تُكرر سؤالها وقد أصابتها حالة من الجنون بعد تجاهل “سيف” لمكالمتها اليوم.
_ “شهد” أنا مش فاهمة سبب لسؤالك وعشان أريحك…
انفتح الباب فجأة ودخلت “عايدة” تنظر إليهن.
_ دخلتوا الاوضة وقفلتوا على نفسكم ليه، في إيه ما بينكم مش عايزني أعرفه.
…
أعتلت شفتيَّ “سيف” إبتسامة ساخرة وهو يمرر أصبعه على شاشة الهاتف ويرى أول مُحادثة بينه وبين “ليلى”.
_ إحتمال تسافري تركيا مع عمي وماله يا “ليلى” هانم نشوف موضوع السفر ده ونفكر في حاجة.
ألقى هاتفه بضيق على طاولة مكتبه و ردد ساخرًا.
_ مش قادر حتى يسيبك، عمي بقى زي العيل الصغير مش قادر يستغنا عن لعبته.
نهض عن مقعده وأخذ يدور حول نفسه بوجه عابس ثم زفر أنفاسه بضجر.
_ هتفضلي كتير في حياتنا يا “ليلى”.
_ “سيف” أنت فاضي..
هتفت بها “بيسان” وهي تدلف دون طرق الباب عكس ما أعتادت عليه وأدرفت باعتذر وهي تسير نحو طاولة مكتبه وتضع الأوراق عليها.
_ أوراق المناقصة ديه مهمه وفي أجتماع بعد ساعة وأنا بصراحه عندي ميعاد مع “فارس” عشان نشوف الفيلا اللي هنعيش فيها بعد جوازنا.
أبتلع ريقه ببطء ونظر إلى الأوراق التي وضعتها ثم إليها.
_ جوازكم، أنتوا خلاص حددتوا ميعاد الفرح.
ثغرها الذي اتسع بابتسامة واسعه وتمرير يديها بغنج على خصلات شعرها، أصابه بالوجُوم.
_ يعني شهرين أو تلاتة كده، عن أذنك يا “سيف” لأحسن “فارس” بيحب المواعيد المظبوطة زيز
خرجت من الغرفة وهي تبتسم بإنتشاء وغمغمت.
_ دوق من نار الغيرة يا “سيف”، هوجعك زي ما وجعتني وفضلت “كارولين” عليا.
…
تجمد “هشام” مكانه وهو يرى أبنه يُصافح “زينة” التي فور أن رأته يدلف الغرفة أبتسمت ولم تفلت يدها السليمة من يد “قصي” .
_ أنا بحب أوي ظباط البحرية وشكلنا هنكون صحاب.
انتبهت “لبنى” على دخول “هشام” والتفت برأسها جهة باب الغرفة.
_ سيادة المستشار وصل، كده بقى نتغدا كلنا سوا.
أفلت “قصي” يده من يد “زينة” وأبتسم ثم نظر نحو والده واتجه إليه حتى يُعانقه وقد أتى أجازة بعد غياب ثلاثة أسابيع في عمله.
_ عايزين نتكلم يا والدي العزيز في موضوع كتب كتاب “أشرقت”.
قالها “قصي” بصوت خافت وربت على كتف والده.
_ أهلا سيادة المستشار
هتفت بها “إلهام” خالة “مراد” التي حضرت اليوم هي و “زينة” حتى يعطوا العروس هديتها وفقًا لتقاليد عائلتهم.
_ أهلا يا إلهام “هانم”.
خرج صوت “هشام” أخيرًا بعدما انتبه على تحول الأنظار عليه، فتركت “أشرقت” عُلبة المجوهرات التي بيدها ونهضت قائلة :
_ ماما ممكن لحظة.
تحركت “لبنى” ورائها بعد أن أعتذرت من السيدة “إلهام” وقد غادر “قصي” ورائهن…
_ إيه يا “زينة” مش هتسلمي على سيادة المستشار.
ثم كزتها “إلهام” في ساقها حتى تنهض مرة أخرى وأردفت ضاحكة.
_ معلش يا سيادة المستشار، الجيل الصغير ده لازم نلفت نظره لكل حاجة.
حرك “هشام” رأسه بصمت وتَجَلَّى الفزع في مقلتيه عندما أنتبه على ذراعها المُصاب.
_ أهلا…
هتفت بها “زينة” بنبرة فاترة وتحاشت النظر إليه.
اهتزت مقلتين “هشام” بذعر ، أبنه و “زينة” لا وألف لا.
_ مدام “لبنى” عرضت عليا إن “زينة” و “قصي” يتعرفوا على بعض فترة قبل أي شئ رسمي ، ولا أنت إيه رأيك يا سيادة المستشار.
….
صدح صوت إطارات سيارته عاليًا بعدما توقف بالسيارة فجأة وقد سقط الهاتف منه، فعن أي حادث يتحدث هذا الشخص وعن أي مَشْفى.
غامت عيناه بنظرة خاوية وانحبست أنفاسه داخل صدره، “عزيز” سائقه منذ ساعتين تحدث معه في مكالمة طويلة كانت غريبة له وقد أخذ يخبره بذكريات قديمة جمعتهم ثم أوْصاه بعائلته…. “شهد”، “عايدة”، وأولهم كانت “ليلى”…
الفصل التاسع والثمانون (1)
🌻ظنها دمية بين أصابعه🌻
تتكرر المشاهد أحيانًا ،تتكرر بنفس مرارتها ،بنفس ثقل الروح والعتمة ونفس أنسحاب الأنفاس والصدمة والعجز.
أستند “عزيز” بجسده إلى أقرب جدار بعدما وقع تأكيد الخبر له كصاعقة.. من أتوا في هذا الحادث منهم في حالة حرجة ومنهم من أنتقلت روحه إلى بارئها.
أغلق “عزيز” عينيه لوهلة حتى يستطيع إلتقاط أنفاسه والقدرة على الوقوف ثم لطم الجدار بيده صارخًا بصوت مُتحشرج.
_ لا يا “عزيز” ، أرجوك متمشيش… لسا هما عايزينك في حياتهم.. ضهرهم هيتكسر وأنا يا “عزيز” تفتكر هقدر أودعك.
وبعلو صوته خرج صراخه واِنْحبست الدموع في عينيه حتى هزمته وفاضت عيناه بهما.
تمالك نفسه بعدما مسح دموعه مُتنهدًا بأمل.
_ يا رب.
…
ما هذا الشعور الذي يضيق معه صدره وتزداد خنقته كُلما أرتفعت أصواتهم بالحديث أو الضحكات، والسؤال الذي بات يتردد صداه داخله ، ما الذي فعلته به تلك الفتاة التي تُقارب عمر أولاده حتى تجعل عقله مُشتتًا وضائعًا معها ، ما هذا الجنون الذي صار عليه… فهو ظن بالأيام الماضية أن ما مر به معها من لقاءات كانت هي من تُخطط لها ليست إلا نزوة عابرة يستطيع تجاوزها.
وهل هو أستطاع تجاوزها مثلما ظن ؟ والجواب كان واضحًا على وجهه المُكْفَهِر.
مضغ “هشام” لقمة الطعام التي دسَّها بين شفتيه بصعوبة لكن اللقمة انحشرت في حلقة عندما ارتفع صوتها بحماس.
_ في حاجة بينا مشتركة، حُب الخيل.
توقف “قصي” عن تناول طعامه و ضحك بخفة، فهو ينجذب لشقاوة النساء ومرحهن.
_ لأ كدة أتنين.
عقدت “زينة” حاجبيها بطفولة ونظرت إليه ، فتعالت ضحكات “إلهام”.
_ “زينة” شاطرة في حاجات كتير إلا الدراسة .. تعرفي يا مدام “لبنى” حاولت كتير أخليها تبدء شغل معايا لكنها رافضة تمامًا نمط شغلي.
أرتفع حاجبين “لبنى” بنظرة لم تخفى عن عينين “إلهام” ثم أخذت تُحرك رأسها وهي تمضغ قطعة اللحم ببطء داخل فمها ، تأكدت “إلهام” من ترحيب “لبنى” وتطلعها لأتمام نسب أخر بين العائلتين.
_ خالتو من فضلك سبيني أقرر أنا بنفسي عايزه إيه.
إفتر ثغر “لبنى” عن ابتسامة عريضة، فهي تختار نسب آخر راقي لأبنها.
_ أنتِ في سنة كام يا “زينة”.
داعبت شفتي “أشرقت” إبتسامة مُستهزءة وفاترة ونظرت نحو شقيقها الذي تعلم تمامًا أن حديثه مع “زينة” إلا حديث لطيف هو بارع فيه ولا يحمل نية لخِطْبتها.
إلتقط “قصي” كوب الماء الموجود أمامه وتجرعه بالكامل في اللحظة التي هتفت فيها “إلهام”.
_ في سنه رابعة إعلام.
لم تتوقف “إلهام” فقط عند هذا بل أخذت تُخبر “لبنى” عن رُقي وأسم الجامعة التي تدرس فيها “زينة” والتي تنتمي لإحدى مجموعة الجامعات الخاصة ولا يرتادها إلا ابناء صفوة المجتمع.
نسب راقي، و مال وجمال.. هكذا بدأت تعد “لبنى” مميزات العروس المقترحة.
شعر “هشام “بانْدلاع النيران داخله ، فهو لو ظل جالس هكذا ستنفلت الأمور منه وربما طاح بهم جميعًا وأولهم تلك التي يوْدَّ نزعها من مقعدها ودفعها خارج منزله.
طرق بكوب الماء على الطاولة بعنف بعدما أرتشف منه القليل ثم نهض وصوب أنظاره نحو “لبنى” ، قائلًا بصوت أجش يتغلغل في نبرته الغضب.
_ بلغيهم في المطبخ يعملولي قهوتي ويجبوها ليا في أوضتي.
حدقت به “لبنى” ثم أبتسمت بعدما تلاشى ذهولها بسبب تصرفه.
_ حاضر يا حبيبي.
والصورة العائلية الجميلة لابد أن تُرسم بإتقان أمام الضيوف.
رمقته “زينة” خلسة ثم انفرجت شفتيها بابتسامة خفيفه ، فقد وجدت طريق أخر لها حتى تُوقد غيرته.
_ ماما، من فضلك خليهم أتنين قهوة لأني داخل اتكلم شوية مع سيادة المستشار.
ابتسمت له “لبنى” بحبور ثم هزت رأسها إليه، لم تشغل “أشرقت” عقلها بتلك الأحاديث الدائرة بينهم ، كل ما كان يدور برأسها قرار “مراد” من عقد قرانهم بالغد وإنه جهز حفل يليق بها.
…
ظل “هشام “يدور حول نفسه في غرفته بوجه واجم، لا يُصدق ما تفعله زوجته رغم حديثهم عن هذا الأمر الذي أخبرها عن إستحالته.
زفر أنفاسه وهو يُخلل أصابعه في خصلات شعره التي ينبت بينهم خُصل من الشيب وكأن عمره لم يُقارب الخامسة والخمسين.
_ بابا ممكن أدخل.
تساءل بها “قصي” بعد أن فتح باب الغرفة بعد طرقه عليه.
توقف “هشام” عن تحركه المُفرط حول نفسه ثم إستدار بجسده حتى لا يُلاحظ تجهم وجهه وهتف بصوت واهن.
_ لو هتتكلم على كتب كتاب أختك، هي موافقه وهي صاحبة الشأن.
زفر “قصي” أنفاسه بضيق ،هو حتى هذه اللحظة لا يرتاح لأمر هذه الزيجة.
_ أنت إيه رأيك في “زينة”؟
تمتم بها “هشام” فجأة بعدما ألتف بجسده إليه ،عقد “قصي” حاجبيه وأبتسم.
_ بنت جميلة لكن أنا…
قاطعه “هشام” دون أن يعطيه فرصة لمواصلة حديثه الذي كان سيوضح فيه، أن شخصية “زينة” تروق لها كصديقة لكن فتاة أحلامه هي بعيدة تمامًا عنها ولن يتزوج بالطريقة التي تتبعها والدته في إنتقاء عائلات الحسب والنسب.
_ أعمل حسابك بعد جواز أختك هتروح معايا تشوف بنت اللواء “فخري” ، أنا شايفها عروسة مناسبة ليك.
…
تعجب العم “سعيد” من مُهاتفة “عزيز” له ،فأسرع بالرد عليه وهو يُغادر الفيلا مُتجهًا إلى المسكن الخاص بعائلته.
_ أيوه يا بيه، أه “ليلى” مع “عايدة”.. ما أنت عارف هتروح فين يعني غير عندنا..
ثم قهقه العم “سعيد” وأستكمل حديثه مازحًا.
_ المشوار من الفيلا لـحد السكن بتاعنا بعيد أوي، فعشان كده بتوحشك..
أطبق “عزيز” جفنيه قابضًا على أحد كفوف يديه بقوة، هو لا يستطيع الكلام و العم “سعيد” جعل الأمر صعبًا عليه بعدما تأكد من عدم وصول الخبر إليهم.
_ أنت سمعني يا بيه ، إيه الصوت ده؟
وأنطلقت شهقة العم “سعيد” مُكررًا سؤاله بعد سماع صوت صافرة الإسعاف.
_ إيه الصوت ده يا بيه، أنت واقف في الشارع.
حرك “عزيز” يده على رأسه ثم خفضها ، فما عساه أن يفعل أو يقول.
_ يا بيه، طمني عليك.
صوت العم “سعيد” أنتشله من تلك الغمامة التي أحتلت عقله وأعادت له ذكريات لا تُنسى ثم نظر حوله وبلسان ثقيل خرج صوته.
_ أنا بخير يا عم “سعيد”، عايزك أنت بس تكون بخير.
توقف العم “سعيد” عن سيره وتحجرت عيناه.
_ في إيه يا بيه متخبيش عليا، صوتك بيقولي في حاجة…
…
فتحت “ليلى” الباب في مسكن عمها بعدما مسحت تلك الدمعة التي فرت من عينيها ، فحديث “شهد” معها اليوم كان فظًا حتى طريقة إصرافها لها من غرفتها كانت أشبه بالطرد خاصة بعد أن اخبرتها أن “سيف” كان يحتاج إلى مُساعدتها ليُفاجأ زوجته.
_ “سيف “.
نطقتها في ذهول ونظرت إليه ثم أسرعت بخفض رأسها حتى لا ينتبه على لمعة الدموع بعينيها.
أبتلع “سيف” لعابه ، فهو لا يعرف من أين يبدء الكلام وقد تمنى داخله لو لم يوكل له عمه هذا الأمر الصعب وقد أبلغه الخبر وهو عائد إلى المنزل.
_ فين “عايدة” و “شهد” يا “ليلى”.
قالها العم “سعيد” وهو يتحاشا النظر إليها وقد أتى وراء “سيف” بعدما تمالك صدمته.
ابتعد “سيف” من أمامه ثم ربت على ظهره…
_ هو في إيه؟
أتت “عايدة” على صوت “ليلى” ونظرت إليهم بتوجس وسرعان ما كانت تخرج صرختها عندما نطق “سيف” أسم “عزيز” زوجها.
…
تراجع “عزيز” إلى الوراء ثم أطرق رأسه بعد أن تلقي الخبر من الطبيب الذي قدم له مواساته.
_ عملتها يا “عزيز” ، سيبتنا ومشيت بسرعه ، إنّا لله وإنّا إليهِ رّاجعُون.
سار بضياع نحو أقرب مقعد قابله وتهاوى بجسده عليه ثم وضع رأسه بين يديه.
توقفت “ليلى” مكانها ومثلها فعلت بقية العائلة ، لتُسرع إليه بعدما تركت ذراع زوجة عمها.
_ “عزيز” ، فين عمي.. أوعى تقولها يا “عزيز”.
أرتعشت أهدابه وأطبق شفتيه بعجز ورفع عينيه إليها ثم اتجه بأنظاره نحو الباقيين.
سقطت تحت قدميه وقد هلعه مظهرها وهي ترجوه ألا يخبرها أن عمها رحل.
وضع “سيف” يديه على رأسه غير مُصدقًا، أن ما يسمعه حقيقه…
بكاء “شهد” ولطمها لوجهها ثم هرولتها من أمامهم، جمد ملامح وجهه وجعله يركض ورائها مناديًا بصوت بالكاد خرج من شفتيه.
_ “شهد “.
…
توقفت “زينب” عن تحريك المنشفة على خصلات شعرها المُبتلة وقد ضاقت حدقتاها في دهشة وهي تراه يدور بعينيه بين ثوبين لها ويتساءل في حيره عن الأنسب.
تحركت عيناها نحو الخزانة المفتوحة، بالتأكيد عبثه طال كل شئ من أغراضها حتى ينتقي من بين أثوابها هذان الثوبان.
تدفقت الدماء إلى وجنتيها عندما وصلت بها أفكارها إلى تلك النقطة، “صالح” يعشق العبث في تلك القطع الصغيرة الخاصة بها بل ويخبرها بتلك الألوان التي يُفضلها ويحصرهم في ثلاثة ألوان.
رفع عينيه عن الثوبين بعدما داعبت رائحتها الطيبة أنفه ثم أنفرجت شفتيه بابتسامه واسعة وأطبق جفنيه بخفة هامسًا ببحة رجولية خشنة.
_ لافندر…
ارتبكت “زينب” عندما فهمت مقصده ،فكل شئ تستخدمه يحتوي على رائحة اللافندر، تلك الرائحة التي لا تُناسب ذوقه لكن معها كل شئ صار مُختلفًا.
ترك الثوبين على الفراش وأقترب منها ثم التقط المنشفة وبدء يُحركها على شعرها ببطء.
استطاعت أخيرًا تمالك أنفاسها وتساءلت.
_ هو أنت كنت واقف بتعمل إيه ؟
ابتسم وتحولت حركة يديه على خصلات شعرها بوتيرة أسرع جعلتها تدفع يديه عنها ضاحكة.
_ السؤال مش عجبك طبعا و ردك هيكون…
وبصوت حانق أردفت وقد فشلت في تقليد نبرة صوته.
_ كل حاجة واضحة قدامك مش محتاجة سؤال.
وألتوت شفتيها في عبوس ثم تأففت بعدما نفخت خديها.
صدحت صوت قهقهته ، إنها كتلة من اللطافة… ولديها خدود منتفخة تشبه خدود الصغار.
اجتذبها من خديها بخفة، فهتفت ممتقعة الوجه.
_ “صالح” سيب خدودي، أنت عندك عداء معاهم.
تعالت ضحكاته بجنون ،فهو يعشق قضمهم ثم تقبيلهم.
_ “يزيد” موصيني عليهم،كل لما يكلمني يقولي بوسلي “زوزو” من خدودها ، أبني مؤدب أوي أوي في الوصايا بتاعته.
ورغمًا عنها ضحكت حتى دمعت عيناها.
_ “صالح” مش قادرة أوقف ضحك، إحنا بقينا عاملين إزعاج للغرف المجاورة.
خفق قلبه عندما وجدها تُلقي بجسدها بين ذراعيه حتى تستند عليه بعد أن أرتخت عضلاتها بعد نوبة الضحك.
ضمها إلى صدره زافرًا أنفاسه بعمق.
_ أضحكي يا “زينب”، عايزك تفضلي تضحكي علطول.
رفعت وجهها إليه ،لتتمكن من تمرير يدها على خده.
_ أقولك على سر…
هز رأسه مبتسمًا، فتوردت وجنتاها خجلًا.
_ لما وافقت أتجوزك… وافقت عشان أنت حلو.. شبه الممثلين كده.. قولت لنفسي هو طالع وسيم أوي كده لمين.
خرجت قهقهته هذه المرة مُتقطعة، فمعدته آلمته من كثرة الضحك.
_ طالع وسيم لـ عمي الله يرحمه.
هي تعلم أن عمه الوحيد هو والد “سارة” والدة “يزيد” و زوجته الراحلة.
_ “سارة” كانت حلوة أوي عشان كده “يزيد” ملامحه جميله زيكم.
التمعت عيناه بوهج خطف فؤادها وتنهد.
_ “يزيد” شبه “سارة” أكتر ، “سارة” كانت جميلة أوي وطيبة.. كان نفسي تفضل عايشه وأحقق ليها كل أحلامها يمكن كنت غفرت لنفسي خطيئتي.
ثم أشاح وجهه عنها حتى لا ترى تدفق الدموع من مقلتيه.
ابتلعت ريقها، فالندم تجلَّى بوضوح في عينيه.
دفنت رأسها بحضنه وتشبثت به.
_ “صالح” هو أنت ليه كنت واقف محتار بين الفستانين.
قطب جبينه ثم تلاشت عقدة حاجبيه سريعًا ، فرفعت رأسها مرة أخرى إليه.
_ هو أنت ليه كمان لابس طقم شيك وكأننا خارجين دلوقتي.
تنهد بزفرة طويلة يتساءل داخله ، ما الذي تملكه هي حتى تحول مزاجه في لحظة وتفقده صوابه.
_ هو أنا قولتلك قبل كده إنك مجنونه يا “زينب”.
زمت شفتيها بتلك الطريقه التي صار يعشق رؤية شفتيها عليها.. فهي دعوة منها لينال حلوته.
_ مش فاكره.. أه أنت بتقولي ديما…
وبقية الحديث ضاع كما يضيع هو مع شهد شفتيها وبأنفاس هادرة هتف بعدما ابتعد عنها.
_ عايزك تتأنقي في الفستان الأحمر، أختيار موفق إنك جبتي معاكي.
أعتلت الحيرة مرة أخرى ملامحها، فابتسم مُتحاشيًا النظر لها.
_ هخرج نص ساعة وراجعلك تكوني خلصتي وياريت متسأليش عن حاجة وتكوني بنوته شطوره يا “زوزو”.
لم يدع لها فرصة لتتساءل، فهو غادر الغرفة سريعًا تحت نظراتها المدهوشة.
_ هو أتجنن ولا إيه ، هنخرج نسهر على الباخرة دلوقتي إزاي ، ده الساعة قربت على تلاته قبل الفجر.
…
تلاعب “مراد” بقدَّاحته مبتسمًا بإنتشاء.
_ كلها ساعات وتكوني مراتي يا بنت المستشار.
وأنطلقت صوت ضحكاته ثم تمدَّد على الفراش مُحدقًا بسقف غرفته.
_ ليه في ناس بتحاول تطلع أسوء ما فينا، أنتِ أختارتى طريقك معايا يا “أشرقت” وزي ما “عدنان” دمر أمي زمان وحولها لبقايا ست جيتي ليا برجلك عشان أدوق المتعه ديه.
توقدت عيناه بشر ثم سحب نفسًا عميقًا وقد تلاشت تلك النيران التي تتأجج داخله مُغمغمًا بالوعيد.
_ أهي الحاجة الوحيدة اللي ممكن أطلع بيها من الجوازة ديه إن “زينب” هتكون تحت عيني وأنتِ بتحبيها أوي يا بنت المستشار.
عادت ضحكاته تعلو إلى أن شعر بالأختناق ثم أغمض عينيه وتعالت وتيرة أنفاسه متذكرًا الحقيقة التي صرح بها له “مازن” بالأمس وقد كانت واضحة له منذ ذلك اليوم الذي أخبره فيه إنه هائِم بأمرأة قريبة منه لكنها زوجه.
« مش قادر أتخطاها يا “مراد” ،بحاول أحب “سما” لكن مش عارف… هي مش شبها.»
…
تسارعت دقات قلبها مع كل خطوه كانت تخطو بها معه بعد أن قام بوضع رباط على عينيها.
_ أنا مبحبش أغمض عيني، خليني أشيل الرباط.
اتسعت ابتسامة “صالح” من تذمرها ثم جذبها يدها برفق حتى تُكمل سيرها.
_ إيه ده إحنا طالعين على سطح الباخرة.
توقفت “زينب” عن السير مُجددًا وهتفت وهي ترفع رأسها لأعلى.
_ حاسس إني ماسك أيد “يزيد” ، “زوزو” مش أنتِ واثقة فيا.
حركت رأسها إليه، فربت على وجنتيها وأستطرد بمزاح.
_ متخافيش يا “زوزو” مش هرميكي في النيل.
تجهمت ملامح وجهها، فضحك بخفوت.
_ خليكي بنت مطيعة يا “زوزو” وأتحركي معايا.
تنهدت وأذعنَت له إلى أن صاروا على سطح الباخرة ، باغتها بإزالة عصابة العينين وتراجع إلى الوراء منتظرًا أن يرى ردة فعلها…
…
نظرت “زينة” حولها برهبه، فالمكان الذي يقودها إليه ذلك السائق الخاص به بتلك الساعه يزيد من هلعها.
فركت يديها ببعضهما وحدقت بالطريق المُظلم الذي تسلكه السيارة.
_ إحنا رايحين على فين؟
لم يرد عليها، فهذه هي الأوامر وعليه تنفيذها لكن صراخ “زينه” عليه ومحاولتها في فتح باب السيارة بعدما تملك الخوف منها جعلت السائق يتحدث أخيرًا.
_ أوامر “هشام” باشا إني متكلمش يا هانم وحضرتك جيتي معايا بأرادتك.
توقفت “زينة” عن لطم زجاج السيارة وأزدردت لعابها ثم استندت برأسها إلى ظهر المقعد.
غفت دون شعور منها ، فالخوف سيطر عليها بالكامل وبعد وقت قصير وصلت السيارة إلى ذلك المكان المهجور الذي ينتظرهم به “هشام”…
الفصل التاسع والثمانون (2)
🌻ظنها دمية بين أصابعه🌻
كُلما مرت السنين يُدرك المرء أنه يعيش على مخزون الذكريات الجميلة التي خبأتها الأتربة، ذكريات لا تمحيها الخيبات ولا صفعات الحياة ولا تلك اللحظات التي نتجرع فيها المرارة ، ربما لوهلة نظن أننا فقدناها من ذاكرتنا لكن مع أول مشهد نستعيد به ذكرى دفنتها الأيام مع الراحلين ،يعود كل شئ… كل شئ بتفاصيله.
«عدي معايا واحد ، أتنين ، تلاتة وغمضي عينك وأتحركي مع خطواتي يا “زوزو”.»
« بابا أنا حاسه إني فراشة طايرة، بابا هو أنا أميرتك، بقيت شاطرة خلاص في التانجو. »
ويدور بها بخفة ومع كل حركة يتحرك بها بين ذراعيه يخبرها أنها أميرته ولن تحتل امرأة قلبه غيرها.
«محدش مدلع البنت ديه غيرك يا “أسامة”، تانجو إيه بتعلمه ليها.» جدتها تعترض كعادتها على أمور لا تراها من وجهة نظرها صحيحة، فيكفي دروس السباحة وعليها أن تُركز في دراستها.
تنظر إلى جدتها بوجه حزين ثم تضر…ب الأرض بقدميها وتهر..ول إلى غرفتها باكية.
«شوف البت مش عجبها كلامي.» ترفع جدتها صوتها حتى يصلها حديثها.
«أمي يا حببتي، أنتي أكتر حد مدلع “زينب” ولو ضغطت عليكي شوية في العياط هتاخديها أنتي وتوديها بنفسك دروس التانجو.»
« لا أنا المسخرة ديه متعجبنيش ، أنا عايزاها تختم حفظ القرآن السنادي، عايزه أرفع راسي بيها وسط الجيران، ده أنا ناويه أوزع رز بلبن للجيران يومها.»
ضحك على ما تعزم عليه والدته من توزيع أطباق الأرز بلبن على أفراد البناية مثلما وزعت عليهم من قبل طبق القلقاس الذي تتميز في طهيه.
« “زوزو” هترفع راسك يا حجة “زينب” متخافيش”.»
لتأتي إليهم هي راكضة بعدما جففت دموعها.
« وافقي بقى يا تيته.»
والجده بالنهاية ترضخ ، فهل تملك قدرة على الرفض أمام دموعها؟
«بضعف قدامك يا بنت “أسامة”، ما أنا معنديش غيرك.»
أبتسامة عريضة تُداعب شفتيَّ “أسامة” وهو يرى والدته تحتضن صغيرته وتشم رائحتها. أخفت حسرتها في حضن حفيدته، فهي أكثر الناس دراية بأبنها…هو يسعى جاهدًا حتى يجعل أبنته تعيش ما يعيشه أبناء إخْوته.
والذكرى تعود بمقتطفاتها ، فتعيد معها سعادة رحلت مع الراحلين.
شعر “صالح” بالوجوم وهو يراها تجهش بالبكاء ثم أسرعت بوضع يديها على شفتيها حتى تكتم صوت شهقاتها.
أقترب منها ،فتراجعت بخطواتها إلى الوراء.. فازدادت دهشته وذهوله.
_ “زينب” معقول مفاجأتي وحشة أوي كده.
هزت رأسها سريعًا رافضة ما يظنه وبنبرة ثقيلة خرج صوتها مهزوزًا.
_ لأ ديه حلوه أوي.
نظر حولها ثم تساءل بحيرة بعدما أختفت سعادته.
_ طب ليه بتعيطي، أنا حاولت أطلع المكان بشكل حلو.
تعالت دقات قلبه عندما باغتته بأحتضانه وأحاطت خصره بذراعيها.
_ أصل أفتكرت بابا و تيته.
تلاشى ذهوله بعدما بدء يستوعب الأمر ومرر يده على ظهرها.
_ وأفتكرتي إيه معاهم يا “زينب”.
كادت أن تخبره بتلك الذكرى البعيدة لكن صوت تلك المفرقعات النارية وأنتشارها بالسماء جعلها تدور حول نفسها ورأسها مرفوعة إلى أعلى.
_ تقبلي تتجوزيني تاني يا “زينب”.
توقفت عن الحركة ونظرت إليه تُرفرف بأهدابها بذهول ثم أغلقت عينيها وأخذت تسأل نفسها ، هل ما تراه حقيقية بالفعل ؟
اندهش من تصرفها وتلاشت تلك الابتسامة التي زينت شفتيه.
أنسابت دموعها على خديها و فتحت عينيها حتى تتأكد مما رأته ، فجلوسه على أحد ركبتيه ويمدَّ لها يده بخاتم زواج كان إحدى أحلامها التي ضاعت مع قائمة تنازلاتها حتى تُخلص جدها من عبئها.
خفق قلبه بقوة عندما وجدها تزداد في بكائها، فنادها بصوت خرج مُتحشرجًا.
_ “زينب”، ردي عليا موافقة نتجوز من تاني.
وكلمة واحدة منها عاد معها قلبه للنبض وأشرق وجهه مُبتهجًا.
استمرت بتحريك رأسها إليه ومدّت له يدها.
_ قلبي بيدق أوي…
قالتها والتقطت يده ، لتضعها على موضع قلبها.
_ أفهم من كده إنك فرحانه بجد يا “زينب”.
تلألأت الدموع بعينيها وعادت ترفع رأسها إلى السماء.
_ أوي أوي، نفسي أقول لكل الناس إني فرحانه أوي…
تسارعت أنفاسه وتوهجت عيناه بنظرة عاشقة لرؤيتها سعيدة ، “زينب” مثلما شبهتها والدته له في بداية زواجهم، فتاة بسيطة تحلم بأحلام الفتيات الوردية وصدمتها من هجره لها كانت كمن يلقي بالكوب فيتهشم إلى قطع ثم يسأل نفسه كيف يجمع قطعه ليعيده مرة أخرى ؟
دمعت عيناه حين تذكر ليلة عُرسهم وتلك النظرة التي رأها في عينيها، نظرة شخص يتوسلك أن تُخبره ما يسمعه منك هراءً.
بدأت الموسيقى الهادئة الخاصة برقصة التانجو تعلو بالمكان ،فكل شئ رتب له مع العاملين بالمكان وكأنه ينظم رحلة جوية.
_ هاتي أيدك خلينا نرقص.
هتف بها مُلتقطًا يدها حتى تتوقف عن حركتها التي تشبه حركة الصغار وهم فرحين.
_ أنت عملت كده عشان أنا قولتلك نفسي أرقص تانجو هنا.
تساءلت بها بصوت مُتَهدِّج، فهز رأسه إليها.
_ قولتلك لو أطول أعمل أي حاجة تفرحك هعملها يا زينب… أنا عايز أعمل ليكي كل حاجة…
وضاع بقية الكلام مع تلك القبلة التي بادرت هي بها، قبلة خطفت معها أنفاسه…
_ بحبك يا “زينب”.
وفي داخل نفسها رددت تلك الكلمة له لكنها لا تستطيع قولها الآن، هي تخشى أن يكون هذا حلمًا جميلًا…
…
أقترب “هشام” من السيارة بخطوات حذرة بعدما أخبره سائقه أنها غفت بالسيارة بعد أن حاولت فتح الباب والقفز منها.
أغمض عينيه للحظة ثم فتحهما ووجها أنظاره نحو سائقه مُشيرًا إليه بأن يبتعد.
نفذ السائق أمره سريعًا وأستدار بكامل جسده حتى لا يرى شيئًا.
ببطء فتح “هشام” باب السيارة ثم أبتلع ريقه وأرتجف قلبه برجفة لم يعهدها عندما وجدها مُنكمشة على نفسها وكأنها تحمي نفسها بتلك الوضيعة التي غفت عليها.
_ “زينة.”
خرج صوت “هشام” باسمها خافتًا ثم كرره لمرات ومع كل مرة يُناديها فيها تزداد في إنكماشها على نفسها.
أطلق زفرة طويلة من شفتيه قبل أن يمدَّ يده نحوها، ليقوم بهز جسدها.
_ “زينة”…
أصاب الهلع وجهه بعدما أنتفضت من نومتها وجرت جسدها نحو الباب الأخر للسيارة والتصقت به.
_ أنا معملتش حاجة ، متغمضش ليا عينيا.. بخاف من الضلمة، التعبان… التعبان بيقرب مني.
وضعت كلتا يديها على وجهها عندما اقتحمتها ذكرى إختطافها ، مُراهقة صغيرة في عمر الرابعة عشر مُقيدة في صندوق سيارة ومعصوبة العينين.
صوت صراخها زاد من حالة الفزع التي تملكته حينما رأها هكذا، فاجلّى حنجرته حتى يستطيع إخراج صوته.
_ “زينة” متخافيش مش هأذيكي، هاتي أيدك.
_ لأ أنت خطفني وهتعمل فيا زيهم ،هما حبسوني في أوضة ضلمة وحطوا ليا تعابين كتير.
أهتز قلب “هشام” وتأكد أنها تعيش في عقلها اللاواعي ذكرى سيئة.
_ أنا مش خطفك يا “زينة” ، أنا جايبك هنا عشان نتكلم.. مش أنتِ كنتي عايزانا نكون سوا.
توقفت عن البكاء ورمشت بأهدابها عدة مرات، لتستوعب صوته وتتأكد من صورته الحنونه التي تُريدها.
_ أنت قولتلي مش عايز تشوفني تاني، سيبتني ومشيت يومها.. أنت زيهم، محدش فيكم بيحبني.
أشاح وجهه عنها وأخذ يلعن غبائه بسبب تهوره في إحضارها إلى هنا.
_ أنا ليه محدش بيحبني.
تسأله لِما لا أحد يُحبها، وهل هو شعر يومًا بحب أحدًا له … والدته كانت تفضل شقيقه “مصطفى” عنه ، ووالده كان يحب شقيقته “رحاب” و “أسامة” عنه ، “أسامة” أبن تلك المرأة التي حفرت وجودها في قلب والده حتى بعدما هجرها مُجبرًا ومُرغمًا حفاظً على أبنائه ومنصبه وحتى في زواجة كانت موافقته إرضاءً لوالدته.
_ ليه أنت كمان محبتنيش؟
نبرة صوتها الواهنة تسللت إليه ، فتنهد بقوة ونظر إليها.
_ أنا كنت عايزاك تحبني وبس.
من أين يأتي بالقوة والثبات أمامها؟ ، هذه الفتاة تُسقطه نحو الهاوية التي سقط بها والده من قبل.
أسدل جفنيه متذكرًا صوت والده في إحدى لحظات إنهزامه أمامه حينما كان يُجلده بالكلام.
« أنا عارف إني غلطت يا بني، بس أعمل إيه حبيتها ، متمناش ليك تعيش اللي أنا عيشته.»
_ مينفعش، مينفعش.. أبعدي عن طريقي و طريق أبني.
صرخ بصوت شق سكون الليل، فالتف سائقه -الذي وقف بعيدًا- ناحيته وأخذ يتساءل ، ما الذي صار يفعله رئيسه مؤخرًا ، ما هذا الجنون الذي يحيا به مع فتاة صغيرة لا تُناسب عمره ومكانته القضائية.
أرتعش جسدها مجددًا وأنكمشت على نفسها مرة أخرى ثم أحتضنت وجهها بين كفوف يديها، هو لا يُريدها بحياته… هو يرى قربها منه خطأ عليه الهرب منه.
أبتعد “هشام” عن السيارة وأستند بجسده إلى أقرب شجرة قابلته في تلك الأرض الزراعية التي تعد مهجورة بسبب ندْرة الإهتمام بها.
بدأت أنفاسه تعود لمعدلها الطبيعي ثم فرك جبينه بارهاق.
عاد إليها بوجه جامد ثم دخل السيارة وأغلق الباب، فارتجف جسدها ونظرت إليه مُجفلة.
_ “زينة” أنتِ بنت جميلة وأي راجل بجد يتمناكي لكن أنا منفعش ليكي…
تنهد بصوت مسموع لصعوبة الكلام وتلك الحقيقة وأردف.
_ أولًا أنتِ في عمر ولادي و ثانيا أنا راجل متجوز وحاجات تانيه كتير بتقول علاقتنا متنفعش ومستحيله.
أطبقت جفنيها وشفتيها ،فهي تعلم تمامًا أن علاقتهم مستحيله لكنها لا تتحمل الأبتعاد عنه.
_ أبعدي عن طريقي و طريق أبني، لأنك مبقتيش تنفعي له ولأني أستحالة أقبل علاقته بيكي.. ولادي عندي خط أحمر يا “زينة”.
وليته لم ينطقها ، أولاده أغلى شئ بحياته لكن هي ليست شئ بالنسبة لعائلتها وله.
…
أغلق “نائل” عينيه للحظات ثم سحب نفسًا عميقًا قبل دخوله إلى السيارة التي ستتجه بهم إلى القاهرة.
_ نتحرك ولا لسا عايز تشم ريحة الحبايب.
هتف بها “شاكر” مازحًا ثم تجلجلت صوت ضحكته بعدما رمقه “نائل” بنظرة شزْرة.
_ ما أنا بصراحة مشوفتش راجل عايش على الذكريات قدك، سنين طويلة عدت وأنت لسا فاكر.
_ ولا عمرك هتحس يا “شاكر”، قول للسواق يتحرك.
أستند “نائل” برأسه على نافذة السيارة ، فتنحنح “شاكر” قائلًا :
_ يا سيدي لو عايز نرجع تاني بعد فرح حفيدتك نرجع… الواحد بقى مرتاح هنا بجد.
تنهيدة “نائل” القوية جعلت “شاكر” يشعر بالقليل من التأْنيب.
_ رحلة الحياة قربت تخلص يا “نائل” وأنت لسا فاكرها.
هزَّ “نائل” رأسه بألم، فهو ينتظر اليوم الذي ستغادر فيه روحه جسده وتنتهي به رحلة الحياة.
_ “زينب” مسمحتنيش يا “شاكر”، أنا ضيعت عمرها كله وبعدين سيبتها ورجعت لمراتي وعيالي ورميتها هي وأبني سنين لحد ما قدرت أعرف أشوفهم من تاني…
وتابع بنبرة مريرة.
_ “فؤاد” باشا كان حاطط هدم بيتي وشغلي وتدمير حياتها هي و أبني قصاد إني أبعد عنهم.
ربت “شاكر” على فخذ صديقه متنهدًا.
_ أنت هتقولي على “فؤاد” باشا خال أولادك، منصبه في المخابرات كان يقدر يخلي يعمل فيك أي حاجة بإشارة منه.
واستطرد “شاكر” بمواساة وحزن بعدما تذكر ما فعله بأحفاده.
_ هون على نفسك الباقي من عمرك يا “نائل”، كلنا بنغلط وللأسف في حاجات مبنقدرش نصلحها لأن فات الآوان.
…
شعرت “أشرقت” بمرارة الخزي تغزو قلبها عندما ترددت كلمة بكر رشيد في أذنيها…
تقابلت عيناها بعينين “مراد” الذي توقف عن الترديد وراء الشيخ أثناء عقد القران ووقف الجميع منتظرين ومترقبين ما سينطقه العريس ثم بعدها يُبارك لهم الشيخ زواجهم.
_ قبلت زواجها.
قالها “مراد” أخيرًا بعدما جذب الأنظار إليه وأنحبست معه أنفاسها التي زفرتها دفعة واحدة وأغلقت عينيها لوهلة.
_ مبروك يا حببتي.
تمتم بها “مراد” وأحتضن خصرها ثم أردف مُتسائلًا بهمس خافت.
_ مالك كنتي مخضوضة كده ليه ، كنتي خايفه أفلسع منك.
تجمدت وجه “أشرقت” وجف حلقها ونظرت إليه بحيرة، هي لم تعد تفهم تلميحاته المُبطنة.
ضحك وهو يُداعب خدها وأخذ ينظر نحو من يلتقطوا لهم الصور.
_ أبتسمي عشان الكل بيصورنا.
أبتسمت بالفعل ، فعليها أن تكون اليوم سعيدة ومميزة وتخطف أنظار الحاضرين.
عانقها والدها، فتشبثت بحضنه ثم أتى ورائه جدها الذي سار إليها بخطوات بطيئة مُستندًا على ذراع عمها “مصطفى”.
بكت في حضن جدها ولفت بكائها أنظار البعض ،فشدد “نائل” من أحتضانها رابتًا على ظهرها.
_ حبيبت جدها بتعيط ليه دلوقتي.
_ كنت وحشني أوي يا جدو متبعدش عننا تاني ، من فضلك خليك جانبي.
أقتربت “لبنى” منهم وأجتذبت ذراعها برفق.
_ المكياج بتاعك هيتبهدل والناس مش هتفهم إن عياطك عياط فرح ولا أنت إيه رأيك يا عمي.
أمتقعت ملامح “نائل” وأجتذب “أشرقت” إلى حضنه مرة أخرى ثم نظر حوله وأشار إلى “مراد” حتى يقترب منه.
فور أن أقترب “مراد” منه هتف به “نائل”.
_ لو زعلت حفيدتي في يوم هوريك شغل ظباط الجيش، سامع.
أبتسم “مراد” حتى يخفي توتره.
_ “أشرقت” في عينيا يا باشا ، ده أنا مصدقت أفوز بيها.
ضاقت حدقتيَّ “عدنان الهتيمي” الذي وقف على بعد منهم وقد غمرته السعادة من هذا الزواج.
بدأت أجواء حفل عقد الذي أقتصر على المُقربين.
…
_ عينك رايحه وجايه مع مين؟
تساءلت “يسرا” ،فأنتفضت “سما” فزعًا ثم التفت إليها.
_ “ماما”.
_ أه “ماما” اللي بدء الفار يلعب جواها.
حاولت “سما” نفض ذعرها سريعًا وأبتسمت.
_ فار إيه يا ماما.
حدجتها “يسرا” بنظرة طويلة ثم نظرت بنظرة ثاقبة نحو الطبيب الذي يقف جوار زوجها.
_ لو هو اللي شغال عقلك، أصرفي نظر يا حبيبت ماما.
أختفت أبتسامة “سما” ونظرت إلى والدتها التي تحركت نحو زوجها.
…..
_ شايف ابنك مندمج إزاي مع “زينة” عشان متلومنيش على أختياري ولا أنت إيه رأيك يا عمي، أنا واثقة أنك معايا في إقتراحي.
هتفت بها “لبني” وهي تنظر إلى والد زوجها، فتجهمت ملامح “هشام” من تصرفها.
_ سيبي الولد يختار بنفسه يا” لبنى” ، أبنك ما شاء الله رائد في البحرية هتختاري له عروسه.
_ قولها يا بابا.
أسرع “هشام” بالتأكيد على كلام والده ثم أختلس النظر نحو أبنه وتلك الصغيرة الماكرة متوعدًا لها هذه المرة دون رجعة.
…
أنتهى “عزيز” من مكالمته مع “نيهان” الذي أعتذر له عن عدم قدرته على المجئ إلى مصر لتقديم واجب العزاء له وطمأنه على سير صفقتهم بنجاح وقد تولى هو أمرها.
أكمل سيره بالحديقة بكتفين متهدلين ، فهو مازال تحت تأثير الصدمة ويحاول بشتى الطرق أن يكون متماسكًا وقويًا.
تنهد بفتور ثم أخفض رأسه سريعًا عندما لاحت أمام عينيه صورة “عزيز” سائقه بأبتسامة وجهه البشوش.
أرتعشت أهدابه وأنطلق زفيرًا عميقًا من صدره ثم دار بعينيه بالمكان المعبأ بالذكريات.
_ الله يرحمك يا “عزيز” وجعت قلبي عليك، نام وأرتاح يا راجل يا طيب أمانتك محفوظة عندي.
أخذته قدميه نحو المسكن حتى يطمئن على تلك التي لم يعد يتحمل بعدها عنه، فمنذ ليلة الوفاة التي مر عليها ثلاث ليالي وهي تبيت في مسكن عمها.
توقف أمام الباب ثم طرقه وتراجع خطوتين إلى الوراء.
فتح له العم “سعيد” الباب مُحاولًا التبسم في وجهه.
_ أهلًا يا بيه أتفضل.
تنحنح “عزيز” ودلف المسكن وقد أحزنه رؤية العم “سعيد” بهذا الوهن.
_ أخباركم إيه النهاردة.
نظر إليه العم “سعيد” ثم أخفض رأسه.
_ الحمدلله، بنحاول نعيش ونقنع نفسنا إن “عزيز” مبقاش خلاص وسطينا.
هزَّ كلام العم “سعيد” قلب “عزيز”، فهذا ما عاش يقنع به نفسه هو والده عند رحيل شقيقه.
_ أدخل يا بيه البيت بيتك ، هروح أنادي ليك “ليلى”…
أسرع العم “سعيد” نحو غرفة “عايدة” التي جلست على فراشها تَتْلُو في كتاب الله بصوت خاشع وبجانبها تنام “ليلى”.
_ هي نامت ، “عزيز” بيه بره.
مسحت “عايدة” دموعها ونظرت إليها.
_ نصحيها ولا أخرج اقوله إنها نايمة.
ردت “عايدة” عليه بصوت مختنق.
_ بقولك يا “سعيد” أترجى “عزيز” بيه يسيبها معانا الأيام ديه…. أنا بشم فيها ريحة “عزيز”… أنت متعرفش روحه كانت متعلقة بيها إزاي ، يا حبيبي كان نفسه يلاقيها ويعوضها.
أنهارت “عايدة “بالبكاء ،فسقطت دموع شقيقها بعجز.
_ وحدي الله يا “عايدة”.
تحركت “ليلى” في نومتها وقد غفت بكامل ملابسها حتى حجاب رأسها.
_ آه شوفي هتصحيها.
أبتلعت “عايدة” غصتها وتوقفت عن البكاء وترجته هذه المرة بعينيها أن يفعل ما أخبرته به.
أغلق العم “سعيد “باب الغرفة وأتجه إلى مكان وجوده.
وقف “عزيز” أمام النافذة شاردًا.
_ لقيتها نايمة جانب “عايدة” يا بيه.
أستدار “عزيز” إليه، فأستطرد العم “سعيد “بحديثه بعدما أشاح وجهه من شدة حرجه.
_ لينا رجاء عندك يا بيه…
فرك العم “سعيد “كفوف يديه ببعضهما، فحثه “عزيز” على المواصلة دون حرج.
_ قول يا عم “سعيد”.
…
جلس “عزيز” على طاولة الطعام بدون شهية بعدما أصر عليه “سيف” أن يتناول طعام العشاء معهم.
ابتسم “سيف” عندما رأى عمه يتناول معلقة من حساء الشربة.
_ متى ستعود “ليلى” إلى الفيلا ؟
تساءلت كارولين وهي تنظر نحو “عزيز” الذي لم يرفع عيناه عن الطبق، فتولى “سيف” الرد سريعًا.
_ “كارولين” من فضلك متدخليش في حاجة مالناش دعوه بيها.
رمقته “كارولين” بنظرة مستنكرة وعادت تتناول طعامها مغمغمة.
_ لقد أصبح المنزل كئيب.
_ مساء الخير.
قالتها “ليلى” عند دلوفها غرفة الطعام، فترك “عزيز” معلقته و نهض من مكانه غير مُصدقًا إنها أتت بعدما أخبرها في مكالمته الهاتفيه لها اليوم أنه لم يعد لديه طاقة لفعل شئ وهي بعيدة عنه حتى لو يفصل بينهم مسافة قصيرة.
_ تعالي يا حببتي واقفة ليه مكانك.
دارت بعينيها بالغرفة ثم أطرقت رأسها.
_ “ليلى”، عم “عزيز” كان غالي عندنا أوي صدقيني.
تمتم بها “سيف” بصدق وهو ينظر إليها، فأنسابت دموعها في صمت.
_ الله يخليكي كفاية عياط ، إيه رأيك أخدك يومين المزرعة تغيري جو.
خرج صوت عزيز بقلق وضمها إلى صدره راجيًا أن تخبره بالشئ الذي تُريد أن يفعله لها.
هدأت قليلًا ،فتحرك بها نحو طاولة الطعام وأسرع بوضع أحد أصناف الطعام أمامها قائلًا بعتاب.
_ وشك بقى أصفر ومش عجبني ولو فضلتي كده مش هخرجك من الفيلا وهحبسك في أوضتنا.
تهديده لها كان من باب المزاح.
_ لأ أنا عايزه ارجع تاني بيت عمي.
تدخل “سيف” في الكلام دون قصد منه، فزجره “عزيز” بنظرة من عينه.
_ “ليلى” البيت كله واحد مش فارقه كتير بين هنا و هناك.
كلام “سيف” أخترق قلبها المُتعب ، فنقلت عينيها بينهم.
_ أيوه صح مش فارقة لأنه في النهاية بيتكم أنتوا.
أختفت تلك اللمعة التي برقت بها عينين “عزيز” لوجودها قربه وحدق بها.
_ أنتِ بتقولي إيه يا” ليلى” ؟
وفي لحظة أبتعد عنها ووقف مصعوقًا ومصدومًا.
_أنا ماليش حد خلاص، عمي مـ,ـات… أنا جيت عشانه هو وهو خلاص راح وسبني، أنا هرجع تاني من مكان ما جيت…
…
طوّى “هشام” العقد الذي ينص على بنود الزواج العـ.ـرفي ثم دَسَّه في سترته، فهو أتخذ قراره بعدما رأى إصرارها بالتلاعب معه عن طريق أبنه.
_ حاولت أبعدك عني يا “زينة” لكن أنتِ أختارتي الطريق وأستحاله أخليكي تنفعي لأبني…
الفصل التسعون.
🌻ظنها دمية بين أصابعه🌻
تركها تهذي بكل ما أرادت الهذيان به ، تركها تُخبره بأن لم يعد لها وجود بحياته بعد رحيل عمها وأن منزلهم الذي أصبحت سيدته وجزء منه لم يعد منزلها، هذيت بالكثير وهو وقف ثابتًا لبعض الوقت يسمعها في صمت وأختلطت داخله مشاعره عدة.
_ أنا عايزة عمي يا “عزيز”، قوله يرجع أرجوك، أنا مبقاش عندي حد خلاص ، كل اللي بحبهم راحوا.
وعنده هنا أنتهى ثباته وصدمته من هذيانها، آسرها بين ذراعيه وضمها إلى صدره بقوة يُهدأها مثلما يُهدأ الآباء صغارهم.
_ عيطي في حضني يا “ليلى”، عيطي وأصرخي لكن أعملي ده في حضني أنا.
_ أنا عايزه عمي يرجع عشان أقوله إني بحبه وسامحته، قوله يرجع طيب عشان “شهد”، عشان طنط “عايدة” حبيبته.
رددتها في حضنه لمرات بصوت مختنق مُتقطع من شدة البكاء وظلت تترجاه وقد ذكره هذا المشهد بفجيعة مو..ت شقيقه عندما كان يقف صلبًا ولا يستطيع ذرف د..مـ,ـوعه حزنًا أمام والده وأولاد شقيقه.
أطبق جفنيه وأرخى رأسه، فأصبح ذقنه مستندًا على رأسها ولم يجد أي حديث يخبرها به وأستمر في تحريك يده على ظهرها.
تراجع “سيف” بخطواته إلى الوراء ثم تهاوى بجسده على أحد مقاعد طاولة الطعام ، عادت الذكريات الصعبة المحفورة بذاكرته تقتحم رأسه متذكرًا حضن عمه له في كل ليلة ينام فيها على فراشه الصغير مناديًا والده أن يأتي له.
وفي لحظة سكونها في حضن عمه سيطر على قلبه شعور لا يفهمه ، شعور يحمل عطفًا، ربما لأنه رأها شاحبة الوجه ومنكسرة حتى لمعت عيناها أنطفأت أو ربما حدث له هذا بسبب ذلك الحديث الذي صرخت به إلى عمه وأنهارت أمامهم.
ومرارة اليتم تجرعه في طفولته وعاش عمه معه نفس المشهد يتوسله أن يحضر له والده وسيكون طفلًا مُطيعًا.
وقفت “كارولين” مُحدقة بهما لا تستوعب ما تراه من مشاعر يغدقها هذا الرجل الذي لم ترى منه إلا القسوة والنفور.
تحرك “عزيز” بها ببطء مغادرًا غرفة الطعام وتقابل مع العم “سعيد ” الذي أسرع إليه متسائلًا بقلق.
_ حصل إيه يا “عزيز” بيه؟
نظرة “عزيز” له جعلته يتفهم الوضع ويتنحى جانبًا بأسى ،فالجواب واضحًا ولا يحتاج إلى ردًا.
رفرفت “كارولين” بأهدابها حتى تنفض عن رأسها ما يزيدها حيرة. أتجهت بأنظارها نحو “سيف” الذي نهض دون أن ينطق بكلمة هاربًا من ذكريات أقتحمت ذاكرته.
تنهد العم “سعيد” بتعب تَجَلَّى على ملامح وجهه الحزينة وهو يتابع “سيف” بعينيه.
…
وضعت “سمية” شريحة التفاح التي قشرتها بعناية في فم “هارون” الذي زمَّ شفتيه رافضًا تناول المزيد من قطع الفاكهة.
_ كفاية يا “سمية”.
ألتصقت به بدلال ودسَّت قطعة صغيرة من التفاح في فمه قائلة برجاء يتخلله نبرة ناعمة.
_ عشان خاطري واحدة كمان من أيدي يا “هارون”.
أبتسم “هارون” وتناول منها قطعة التفاح ومضغها ببطء ثم التقط يدها.
أسبلت “سمية” أجفانها وأنشق ثغرها بأبتسامة تسطيع إتقانها وإظهار مدى سعادتها.
وضع “هارون” قُبلة ممتنة على يدها، فالتمعت عينين “بيسان” التي رفعت رأسها عن هاتفها وقد كانت منشغله في مراسلة “فارس” خطيبها.
_ مش عارف حياتي من غيرك كانت هتكون إزاي يا “سمية”، تعبتك معايا في كل حاجة.
أرتمت على صدره بعدما وجدت “بيسان” تنظر إليهم بنظرة حالمة دائمًا تراها “سمية” في عينيها.
_ أنا أعمل أي حاجة عشانك يا “هارون”.
ربت “هارون” على خدها بحنان وقام بتقبيل يدها مجددًا.
توهجت عينين “بيسان” ببريق أكثر لمعانًا وأرتسمت أبتسامة عريضة على شفتيها، فسعادتها تأتي كلما أبصرت والدها سعيدًا.
صدوح رنين هاتف “سمية” قطع هذا المشهد الحميمي الدافئ.
رفع “هارون” عنها ذراعه الذي يحاوطها به ،التقطت هاتفها فورأن وقعت عيناها على اسم المتصل تمتمت.
_ “سيف”!
رمقها “هارون” بنظرة مُتعجبة وقال:
_ قوليله يجي يسهر معانا ، الوضع عنده أكيد في الفيلا الفترة ديه مش تمام.
هزت “سمية” رأسها إليه ونهضت من جواره تحت نظرات “بيسان” المشدوهة نحوها.
ابتعدت “سمية” عنهم وتتبعتها “بيسان” مترقبة وفي داخلها تمنت لو أتى وقضى معهم بعض الوقت.
_ “سيف”، في حاجة يا حبيبي حصلت ؟
صمت “سيف” وصوت أنفاسه الهادرة التي تعالت فجأة جعلت عيناها تجحظ بوجِل.
_ “سيف” رد عليا.
اجتذب صوتها أنتباه “بيسان” و “هارون”، فانتفضت “بيسان” من مكانها وأتجهت إليها وتساءلت بصوت قلق.
_ في حاجة يا طنط “سمية”، “سيف” ماله؟
التفت “سمية” إليها وحركت رأسها دون قدرة على الكلام.
أخذت “بيسان” منها الهاتف وتقابلت عيناها بعينين والدها الذي أستند على عكازه وأقترب من مكان وقوفهن.
_ “سيف”، “سيف” رد عليا أنت كويس؟
أغلق “سيف” أجفانه عندما أستمع إلى صوتها وأستند برأسه على عجلة القيادة… هو قام بمهاتفة والدته لأنه شعر بحاجته إليها.
_ “سيف”، من فضلك قولي أنت فين ؟
شعرت “سمية” بالدوار يداهم رأسها ،فأسرع “هارون” ناحيتها.
_ حببتي مافيش حاجة وحشة إن شاء الله، تملكي نفسك خلينا نفهم بس في إيه.
ونظر نحو أبنته التي أخذت تُكرر ندائها عليه.
_ رد عليكي؟
حدقت بوالدها ثم أستدارت بجسدها حتى تهرب بعينيها عنه وهتفت بصوت خافت متحشرجًا.
_ “سيف” أرجوك رد عليا.
فتح “سيف” عينيه بعدما عاد صوتها يتسلل إليه و بصعوبه رفع رأسه عن عجلة القيادة ، أخذت الدماء تسيل من جبهته.
_ أنا كويس يا “بيسان”، أنا كنت…
أراد أن يخبرها أنه أحتاج إلى والدته هذه اللحظة لكنها قاطعته قائلة :
_ قولي أنت فين وأنا أجيلك.
اقتربت منها سمية و تساءلت بلهفة.
_ رد، قوليلي رد عليكي يا “بيسان”.
أومأت “بيسان” لها برأسها وهي تستمع إليه ثم أعطت الهاتف إلى “سمية”.
_ حصلتله حادثه على الطريق ، الحمدلله حاجة بسيطة.
أرتجف قلب “سمية” من الفزع وخرج صوتها بصراخ.
_ أبني، أستنى يا بيسان انا هاجي معاكي.
أسرعت “سمية” ورائها لكن “بيسان” توقفت أمامها حتى لا تتبعها.
_ متقلقيش يا طنط هو كويس أنا هطمنك عليه أول ما أوصل عنده ،خليكي أنتِ بس مع بابا.
دار أمر ذهاب “بيسان” له بمفردها في رأس “سمية” سريعًا ، فـ ربما هكذا يزداد تقاربهم أكثر.
_ هكون معاكي على التليفون، و لو في حاجة متخبيش عليا يا “بيسان”.
غادرت “بيسان” المنزل بسيارتها ووقف “هارون” جوار “سمية” يُطمئنها.
_ ما دام قدر يتصل بيكي ويكلمنا أكيد هو كويس.
اغلقت “سمية” عينيها متنهدة ثم فتحتهما صائحة.
_ أكيد أستنجد بـ “عزيز” الأول والبيه طبعًا مبقاش فاضي لأبني ما هو خلاص حياته كلها بقت محصورة بين مراته وأهلها الخدامين عنده.
ألقت كلامها وأبتعدت عنه، فحرك “هارون” رأسه بيأس منها قائلًا :
_ الراجل كان الله في عونه، بلاش تقلقي يا “سمية”.
أشاحت “سمية” وجهها عنه ووضعت الهاتف قرب أذنها ثم أنفرج ثغرها بأبتسامة ساخرة.
_ تليفونه مقفول ، البيه خلاص ولادي بقوا أخر هـ,ـمه وبكره يظلمهم في ور.ثهم من أبوهم وجدهم.
…
ألتقط” عزيز” صينية الطعام من العم “سعيد” ونظر إليه.
_ تعبناك معاك يا راجل يا طيب.
ربت العم” سعيد” على كتفه وحاول أن يبتسم ، فهو أكثر الناس شعورًا به.
_ تعبك راحه يا بيه، أدخل ليها وحاول تأكلها وأه تاكل أنت كمان معاها.
قالها العم “سعيد” وتحرك من أمامه ، فانطلقت زفرة طويلة من شفتي “عزيز” ثم دخل الغرفة وأغلق الباب ورائه.
أخفض رأسه عندما رأها تُحدق بسقف الغرفة ودموعها تسيل على خديها دون توقف.
أبتلع ريقه وسار نحو الطاولة الموجودة بالغرفة ووضع صينية الطعام عليها ثم أقترب من الفراش وجاورها.
_ لو فضلنا نعيط كتير تفتكرى هنرجعهم تاني ، “شهد” و “عايدة” محتاجينك يا “ليلى” وخصوصا “شهد”..، قوليلي فين “ليلى” البنت القوية اللي سافرت من مديتنها وجات لمدينة تانية مجهول معالمها وناسها ليها عشان تدور على عمها.
أغلقت عينيها بوهن وتمتمت بصوت ضعيف.
_ أنا جيتله وهو راح يا “عزيز” ، راح ومش راجع تاني.
أرتفع صوت بكائها، فارتجف قلبه بفزع عليها وأسرع بضمها إليه.
_ تعرفي إن مبحبش أواسي حد في المو..ت، بحس إن كل كلمة بتكلمها عن الصبر وقت ما أتقالت ليا يوم مو..ت أخويا مكنتش قادر أتقبلها من حد…
توقفت عن بكائها عندما بدء يسرد لها عن وجعه حينما توفى شقيقه.
_ عارفه يا “ليلى”، سالم مكنش أخويا بس، كان أبويا وصاحبي وكل حاجة في حياتي ، حلمنا بحاجات كتير سوا لكن للأسف سبني في أول المشوار وقالي كمل أنت الحلم لوحدك.
ترقرقت الدموع بعينيه لكنه تمالك ضعـ,ـفه وأسبل جفنيه متمتمًا بمرارة.
_ قبل وفاته بيوم ، كان بيقولي إنه عايز يشوفني عريس ويلبسني البدلة بأيده ويفضل يرقص ليلتها للصبح.. حضني أوي يومها يا “ليلى” ، حضن مفهمتش سبب قوته وليه حسيت فيه بأحساس غريب غير وأنا بد…فن أخويا وبقوله ميخفش على ولاده و مراته ، ميخفش على أب ضـ,ـهره أتكـ,ـسر بعده ، ميخفش على الحلم اللي مكملهوش.
أبتلع غصته وتوقف عن الكلام بعدما أصبح صوته مخـ,ـنوقًا و أنفلتت من عينيه دمـ,ـعة رَثَى بها الراحلين.
مررت يدها على خده حتى يلتف بوجهه إليها ثم هتفت اسمه.
_ “عزيز”.
تقابلت عيناهم بنظرة حملت وجعًا.
_ مش همشي وأسيبك يا “عزيز” بس أنت أوعى تسيبني، مش هعرف أكمل من غيرك.
أرتخت ملامح وجهه وداعبت شفتيه أبتسامة خفيفة.
_ مش هيفرقني عنك غير المـ,ـوت يا “ليلى”.
أبتعدت عنه بهلع عندما أتى بذكر المـ,ـوت وأخذت تُهز له رأسها وتصم أذنيها بيديها ، فاجتذبها إلى حضنه.
_ أهدي يا “ليلى” ، عشان خاطري أهدي وخلينا نفكر في حاجة كان بيحبها ، فنعملها صدقه له.
توقفت عن هز رأسها ونظرت إليه بنظرة طويلة، فداعب خديها مبتسمًا.
_ ناكل الأول عشان نعرف نفكر ومش عايز أسمع منك كلمة ماليش نفس.
…
توقفت سيارة “بيسان” بالمكان الذي أخبرها أن سيارته تعطلت به بعدما أصطدمت بالرصيف.
نظرت حولها عندما خرجت من السيارة ، فحركة السير بهذا المكان تكاد تكون شبه منعدمة.
ألتقطت عيناها مكان وقوفه بلهفة، فأسرعت إليه.
وجدته يقف مُطأطأ الرأس وفي يده زجاجة مياة يمسح بها تلك الدماء التي تناثرت على وجهه.
_ “سيف”.
صاحت بها بذعر وهي تهرول صوبه ،فرفع رأسه إليها.
ضمت وجهه بين كفوف يديها فور أن صارت أمامه.
_ الدم ده من إيه، خلينا نروح المستشفى بسرعة.
سيطر على رجفة قلبه عندما رأى لهفتها عليه ثم أجتذبته من ذراعه دون أن تعطيه فرصة للكلام.
_ أحنا لازم نروح المستشفى عشان نطمن، أتحرك معايا يا “سيف”.
تحرك ورائه مسلوب الإرادة ثم سألها عندما توقف فجأة وحرر ذراعه الذي يؤلمه من قبضة يدها.
_ معقول تكوني خايفة عليا ، محدش بيخاف على حد قوي غير لما بيكون بيحبه بجد..
وبغصة أردف بعدما أشاح وجهه عنها.
_ أمي نفسها حبها مزيف، خليتني أشك في حب كل الناس حواليا وأولهم حب عمي ليا ، عمي لو كنت أستنجدت بي زي ما ديما كنت بعمل، كنت هلاقيه قصادي بياخدني في حضنه ويطمني إنه معايا.
وبصوت مهزوز عاد يسألها.
_ متكذبيش وتقولي إنك خوفتي عليا يا “بيسان”، أنا ولا حاجة في حياتك.
أنعقد لسانها عن الكلام ووقفت تُحدق به.
_ أنا بقيت بشع وحقير ، خايف أكون نسخة منها… عمي ضحى بشبابه عشاني وعشان “نيرة” وأنا بغبائي بفكر أسرق منه حياته.
تحولت نظرتها المصدومة لأخرى تحمل ذهولًا وتساءلت بصوت خرجت نبرته ثقيلة.
_ أنت بتقول إيه، “سيف” أنت مش في وعيك أكيد.
بدء يترنح ،فأقتربت منه بعدما أقتحم الشك رأسها وسرعان ما كانت تبتعد عنه بصدمة.
_ “سيف” أنت كنت شارب حاجة.
تراجعت إلى الوراء بعدما تعالت صوت ضحكاته وصاح وهو يرفع ذراعيه لأعلى.
_ قالتها ليا زمان، مهما عمي حاول يربي فيا هطلع شبها… وأنا آه بقيت أبن “سمية”.
وضعت يدها على فمها من الذهول ثم خرجت نبرة صوتها مُرتعشة.
_ حرام عليك، طنط “سمية” طيبة وبتحبك قوي.
والدته تحمل صفة الطيبة وتحبه ، هل أستطاعت خداع تلك الفتاة و والدها كل تلك السنوات أم طيبتها وأمومتها أظهرتها لأبنة زوجها وحرمته هو وشقيقته منها.
زفرت” بيسان” أنفاسها بقوة ثم رمقته بنظرة أحتلها الجمود.
_ لو سامحت خليني أخدك أقرب مستشفى.
داعبت شفتي “سيف” أبتسامة ساخطة.
_ هتاخديني المستشفى وأنا شارب، عموما ده جرح بسيط وصليني عند أقرب صيدلية وبعدين أرجعي للبيت الدافي الجميل و “سمية” هانم الطيبة.
عقدت ساعديها أمامها بأستهزاء مماثل.
_ أتفضل أتحرك قدامي يا بشمهندس، أنا أصلا غلطانه إني قلقت عليك.
وقعت عيناه على خاتم خِطبتها، فـ أظلمت عيناه بنظرة خاوية.
أنتبهت على نظرته وأخفضت عينيها نحو بنصرها في يدها اليمنى ثم أستدارت بجسدها واتجهت نحو سيارتها غاضبة من نفسها.
…
نفثت دخان سيجارتها عاليًا ثم تأملته وعلى محياها أرتسمت ابتسامة واسعة.
رفعت ساقيها ومددتهما على الأريكة التي تجلس عليها وأستمرت في التدخين.
_ “صالح الزيني”، طيار سابق وحاليًا مدير تنفيذي في شركة طيران بتمتلك عيلته أسهم فيها ، ده غير أملاك العيله، الزوجة الثانية مجهولة وأسمها مش متصدر في الوسط لكن من عيلة كبيرة ، جوازهم مكملش سنه ، زوجته الأولى بنت عمه وماتت في حادثة ومخلف منها طفل.
هكذا أخذت تُردد” مروة” تلك المعلومات التي جمعتها عنه.
أعتدلت في جلوسها على الأريكة وأطفأت عقب سيجارتها بالمَنْفَضة.
_ لازم أفكر كويس أوصل ليك إزاي، الوصول ليك أكيد هيكون صعب لكن مافيش حاجة صعبه قدامي.
قالتها ثم أطلقت ضحكة طويلة ، فهي أوقعت الكثير من الرجال في شباكها وهذا الرجل أصبح تحدي لها وهوسها بوسامته.
_ دخلت دماغي يا كابتن وأنا محتاجه راجل في حياتي وأنت هتكون الأخير.
تعالت صوت ضحكاتها مرة أخرى وألتقطت هذه المرة تلك الورقة المدون بها مكان سكنه وعمله.
…
وضعت “بيسان” اللاصق الطبي قرب حاجبه الأيسر بعدما انتهت من تَضْميد جرح جبينه داخل السيارة.
أطلقت زفيرًا عميقًا ثم وضعت ما أشترته من الصيدلية بالكيس.
_ الحمدلله الجرح سطحي ومحتاجناش نروح المستشفى.
رمقها “سيف” من أسفل جفنيه ثم أستند برأسه إلى ظهر المقعد وقال :
_ تعبتك معايا بس ديه غلطتك عشان أهتميتي بواحد زي وجيتي جري عليا مع إنك خطيبة لراجل تاني وقريب هتكوني زوجة له.
أحتدت ملامح “بيسان” بمقت وقذفت الكيس الذي معها بوجهه.
_ على فكرة أنت قليل الذوق وأنا فعلا غلطانه أني….
تصلبت ملامح وجهها ذهولًا وضاع بقية حديثها حينما باغتها بقبلته.
صدمتها من فعلته جعلتها تنظر إليه بأعين جاحظة بعد أن أبتعد عنها ثم أخذ يُمرر أصابعه على شفتيه.
_ عارف بتفكري تعملي إيه دلوقتي وأنا مستعد…
تحركت يده هذه المرة إلى خده ، فهو يُرحب بصفعتها له بصدر رحب.
_ أنا مش ندمان يا “بيسان” ولأول مرة مكنش ندمان على حاجة بعملها.
_ أنت إزاي تعمل كده؟
تمتمت بها بعدما فاقت من صدمتها ، فأقترب منها وحاصرها بين ذراعيه.
_ قولتلك إني مش ندمان وعملت كده عشان عايز أكد لنفسي وليكي إن أنا و أنتي مينفعش نكون أخوات أو صحاب..
جف حلقها وشعرت بالأختناق ، فبعد محاولاتها المستميتة معه حتى تؤكد له مشاعرها… جاء اليوم يعترف إليها بأنها ليست في عينيه كما كان يتوهم.
_ بعد إيه؟ أنا قريب هتجوز… هتجوز راجل تاني… راجل أحسن منك..
وهو كان عازم هذه الليلة أن يؤكد لها مع كل قرب يحدث بينهم، إنها ليست لرجل أخر.
دفعتها بعيدًا عنها وهذه المرة صفتعه بكل قوتها وهي تحاول إلتقاط أنفاسها.
_ عارف أنا لو كنت للحظة مترددة من جوازي من “فارس”، أنا دلوقتي متأكدة إنه الراجل الصح… أنا ندمانه إني حبيتك في يوم ، أنت فعلا تستاهل ست زي “كارولين” في حياتك.
تجهمت ملامح وجهه وسرعان ما كان يعود لأبتسامته السمجة التي أوقدت نيران الغضب داخلها.
_ هتروحيني ولا أنزل أخد تاكسي.
وها هو يسير نحو الطريق الذي رسمته له والدتها وقد أختاره اليوم بكامل إرادته.
…
زفرت “زينب” أنفاسها براحة و أستدارت إليه بعدما أغلق الباب ورائه.
_ البيت كان وحشني أوي و “يزيد” و “جدو” وحشني أوي أوي.
قالتها وهي تستنشق رائحة المنزل الذي أشتعلت أضاءته بعدما ضغط “صالح” على موضع الأضاءة.
_ مش كنا كملنا باقي الشهر وسافرنا على روما عشان متقوليش حرمتك من شهر العسل.
قوست شفتيها بأستنكار وأقتربت منه ثم حاوطت عنقه بغنج.
_ و فرح بنت عمي يا كابتن بعد يومين وديه مناسبة عائلية لا يمكن تتفوت.
أعتلت شفتيه أبتسامة عريضة رغم الأرهاق الواضح على ملامحه.
_ أنتِ الخسرانه، وأفتكري إن رجوعنا بسبب إلحاحك… يعني مكنش في حاجة حتى لو قضينا يوم كمان في الأقصر.
_ ما أنت وعدتني إنك مش هتبخل عليا بأي رحلة عايزة أطلعها.
تجلجلت صوت ضحكته وتذكر وعده لها في أمور عدة ،فالوعود أصبحت تأخذها منه بعد كل جرعة حب تحدث بينهم وتصيبه بالتخمة.
_ أنا قولتلك قبل كده إنك مكارة يا “زوزو”.
ضاقت حدقتاها وأخذت تُفكر قليلًا ثم هزت له رأسها ، فاستطرد ضاحكًا.
_ مكارة و ذكية كمان ، ما أنتِ حفيدة اللواء “نائل”.
زمَّت شفتيها بعبوس وأبتعدت عنه ، فأسرع بالتقاط ذراعها مُتسائلًا.
_ أنتِ رايحة على فين؟
ردت عليه بعدما نظرت جهة غرفتها.
_ رايحة أنام ولما أصحا هعرف أرد عليك بتركيز.
َنظر نحو الجهة التي كانت بها غرفته الأولى ثم إلى الجهة الأخرى التي باتت غرفته الجديدة بها.
_ من الليلة ديه مبقاش في أوضتي و أَوضتك.. بقى في أوضتنا.
دارت بعينيها نحو الجهتين مثلما فعل وقبل أن تخبره إنها لا ترغب بتلك الغرفة التي كانت غرفة نومهم في بداية زواجهم وجدته يحملها مُلقيًا بها على أحد كتفيه.
_ أنا بقول خلينا في الأوضة الجديدة ،حاسس إن وشها حلو عليا.
…
نظرت “زينة” نحو هاتفها الذي صدح منه رنين قصير، ألتقطته من على الفراش وحدقت بأشعار الرسالة بدهشة وقد ظنت إنه سيكون تهديد منه حتى لا تقترب من “قصي”.
تسارعت دقات قلبها وهي تفتح الرسالة ثم أنحسبت أنفاسها داخل صدرها عندما وجدته يُخبرها إنه يُريد مُرافقتها له إلى مدينة الأسكندرية بعد إنتهاء ليلة زفاف أبنته و شقيقها وستكون رحلة قصيرة يقضون فيها بضعة أيام بأحد الفنادق وقد حجز لهم غرفة واحدة…
رواية ظنها دمية بين أصابعه.
بقلم سهام صادق.