رواية ظنها د..مـ,ـية بين أصابعه (الفصل السادس والثمانون إلى التسعون) بقلم سهام صادق

الفصل السادس والثمانون(1)
🌻ظنها دمية بين أصابعه🌻

زفرت “زينب” أنفاسها بفتور وشرود وقد خرجت زفراتها من شفتيها على مرات ، مسحت وجهها بكفـ,ـوف يديها ثم مررتهما على خصلات شعرها المُنسابة على ظهرها ويتقطر منها الماء.

دارت بعينيها حولها وهي ترتجف برجفة خفيفة وتسأل نفسها ، أين هي ملابسها النظيفة حتى ترتديها ؟
لطمت جبينها وأخذت تُحرك رأسها بضيق من نسيانها الذي صار مُصاحب لها مؤ.خرًا في أمر كهذا.

اختطفت نظرة سريعة نحو قميصه الذي ألقت به أرضًا، فصار مبتلًا لا يصلح للإرتداء مرة أخرى ثم اتجهت نحو المنشفة التي لن تستر جسـ,ـدها وغمغمت بحنق.

_ أخرج قدامه كده إزاي ولو خرجت ممكن يفتكر إني..

قالتها ثم وضعت يدها على شفتـ,ـيها وهزت رأسها رافضة ما طرء بمخـ,ـيلتها.

_ لا لا، مينفعش يحصل حاجة تاني بينا قبل ما اشتري الحبوب.

شعرت بالمرارة عندما حادثت نفسها بهذا الأمر، فرغم تجاوبها معه وشعورها بالرضى معه واِستمتاعها إلا إنها تخشى أن يتحقق غرض جده.

أطبقت جفنيها وأبتعلت غصـ,ـتها وهي تلف المنشفة على جسـ,ـدها تتساءَل، هل ما ترغب بفعله من ورائه بأمر صحيح أم خطأ لا يُغفر؟

تنيهدة عميقة تنسحب ببطء من ضلو..عها وسرعان ما تَرقْرقَت الد..موع في مقلتـ,ـيها.

_ لسا من جواكي خايفه تكملي يا ” زينب” ، ليه فرحتى ديما مكـ,ـسوره… أنا تعـ,ـبت.

كممت فمـ,ـها بكلتا يديها حتى لا يخرج صوتً لبكا..ئِها ، فهي لا تعلم سببً له لكنها تر..غب وحَسْب بالبـ,ـكاء.

هدأت أنفاسها رويدًا رويدًا وتوقفت عن البـ,ـكاء أخيرًا ثم أخذت نفسًا عميقًا بعدما تما..لكت نفسها من تلك الحالة الكئـ,ـيبة التي انْتابَتها فجأة.

تحركت بساقين كالهلام نحو الحوض الموجود قبالة المَغْطَس وتشبثت بالمنشـ,ـفة قبل أن تنزلق من عليها.

وقفت للمرة الثانية أمام المرآة مُحدقة بما ظهر من جسدها وقد اتضح إحمرار جلدها وبدت الصورة واضحة.
تعالت دقات قلبها الذي أصبح غارقًا وهائمًا في لذة شعور لم تعرفه وتجربه سوى بين ذراعيه.
والخـ,ـوف الذي احتل وجهها تحول إلى خجلًا تلألأ بعينيها ،فاخفضت رأسها هر..بًا من نفسها.

استسلمت له بكامل إرادتها وبادلته شعور الحب ومثلما كان هو مُتلـ,ـهفًا كانت هي تتلهف على ما يغدقه عليها و يروي به عطش أنو..ثتها.

اِرتعـ,ـش سائر جسـ,ـدها عندما تسللت تلك اللحظات إلى عقلها وعادت أنفا..سها تخرج بتهدج… فما عاشته معه ليلة أمس اخـ,ـترق حصونها.

كانت كالأميرة بين ذراعيه، يسألها مع كل تقارب ولحظة جنون بينهم ، هل هو مُراعيًا أم لهفته وتوقه لها تفقده زمام الأمور وتجعله غير منتبهًا ومسيطرًا.

أسرعت بوضع يدها على قلبها، فدقاته الهادرة تسمعها وصارت هي التي تتوق إلى جنون أخر معه.

حجظت عيناها وحركت رأسها بعنف ثم أشاحت وجهها عن المرآة.

مطت شفتيها بعبوس ممزوج بالحرج وتشبثت أكثر بالمنشفة.

_ أخرج كده قدامه و أعمل نفسي مش واخده بالي ولا أنادي عليه يجييلي حاجة ألبسها..

وكلما تذكرت حبه للعبث بتلك القطع النسائية الخاصة بها وتلميحاته بألوانها ونظرته الماكرة ، توردت وجنتاها ثم عضت على طرف شفتها السُفلية.

_ لا، لا أطلع كده أرحم ليا من تلميحاته.

سارت نحو الباب حتى تفتحه وسرعان ما كانت يدها تتوقف على المقبض بغرابة حينما تجلجلت صوت ضحكاته.

_ ما هو يا حبيبي في الحاجات ديه مينفعش أوعدك ،ديه حاجة محدش بيشتريها يا “يزيد”.

زمَّ الصغير شفتيه ونظر نحو جدته التي ضحكت هي الأخرى والتقطت منه الهاتف بعدما داعبت خده.

_ وقت ما ربنا يشاء يا حبيبي هيكون عندك أخ أو أخت وتكتمل الرسمة بتاعتك وتلاقي اللي يشاركك في لعبك وكل حاجه.

عقد الصغير ساعديه أمام صدره وأشاح وجهه وسرعان ما كان ثغره ينفرج بابتسامة واسعة عندما تذكر أمرًا.

_ “زوزو” قالتلي لما يكون نفسك في حاجة بص للسما وادعي ربنا.
ثم أردف بعدما نهض من جوار جدته.

_ “يزيد” خلاص مش عايز منكم حاجة وهيدعي ربنا يكون عنده أخ ويكبر بسرعة عشان يلعب معاه.

فتحت “زينب” الباب ببطء بعدما توقف عن الضحك وأختفى صوته و قد علمت هوية المتصل الذي اشتاقت إليه.
الشرفة كانت مفتوحة وحجب الستار الخفيف الذي يُغطيها جزء من الرؤية.

خرجت تنهيدة طويلة منها، فهو مندمج في مكالمته التي لم تلتقط منها شئ سوى ضحكته.

ألقت بنظرة خاطفة نحو الشرفة حتى تتأكد إنه لم يُنهي مكالمته بعد.

_ غريبة أول مرة يكلم “يزيد” صوت بس.

ارتسمت الحيرة على وجهها ثم عقدت حاجبيها باستنكار وهتفت.

_ هو أنا واقفه بكلم نفسي وناسيه إني خرجت من الحمام أتسحب براحة عشان اخد هدوم ألبسها.

أخذت تلتقط قطع الملابس بعجالة وكلما التقطت قطعة التفت ناحيته.

خرجت من شفتيها زفرة أرتياح ثم ضمت قـ,ـطع الملابس إليها وكادت أن تتحرك إلا أن صر,,ختها القو,,ية لفتت أنتبا..هه بعدما اصطدمت بدَرْفَةُ الخزانة.

استدار “صالح” فور أن سمع صر..ختها ثم أسرع للداخل فوجدها تُهر..ول من أمامه نحو الحمام.

_ حبيبي روحت فين، “صالح” أنت معايا.

_ ماما ثواني خليكي معايا..

قالها وهو يتجه نحو الحمام وطرقه متسائلًا.

_ “زينب” أنتِ كويسة.

ابتلعت “زينب” ريقها بعدما جف حلقها ولفت ذراعيها على جسدها.

_ أه أنا كويسة، كمل مكالمتك.

وبصوت مُتحـ,ـشرجًا أردفت.

_ وصل سلامي لـ طنط” حورية” وقول لـ “يزيد” إني هكلمه.

ابتسم وحرك رأسه مُتنهدًا ثم ابتعد بالهاتف وسرعان ما استدار برأسه نحو قطعة الملابس التي سقـ,ـطت منها أرضًا.

_ هي “زوزو” فيها حاجة يا حبيبي، طمني قلقتني عليها.

تساءلت “حورية” بقلق ثم حدجت بشاشة الهاتف بعدما صدح صوت ضحكة قوية منه.

نظرت “زينب” نحو الباب بفاه منفرج ولم تشعر بنفسها إلا وهي تطلم رأسها.

_ ماما أنا مضطر أقفل.
أنهى صالح مكالمته سريعًا ،فنظرت حورية إلى الهاتف ثم ابتسمت.

_ شكل “صفوان” كلامه صح و “رغد” حركت المية الراكدة ما بينهم.
ونهضت من مكانها حتى تبحث عن “يزيد” الذي وجدته يقف بالحديقة ويرفع رأسه ويديه إلى السماء.
بوجه مُشرق اقتربت منه.

_ حبيب وقلب نانا ، السكر اللي حاسس إن في حاجة حلوه هتحصل في حياتنا قريب.

رفع الصغير عينيه نحوها، فافتر ثغر “حورية” عن ابتسامة عريضة وأخذت تُخرك يديها على خديه.

_ أدعي من قلبك يا حبيبي.

تهللت أسارير الصغير وتساءل بفرحة.

_ بابي و “زوزو” هيجيبوا معاهم النونو وهما جايين.

قهقهت “حورية” بصوت عالي أجتذب إنتباه “صفوان” الذي خرج للتو من سيارته.

_ مش لدرجادي يا حبيبي ، بس أنت أدعي ليهم من قلبك عشان نفرح كلنا.

اقترب منهم “صفوان”، فاسرع “يزيد” إليه واحتضنه.

_ جدو أدعي معايا إن بابي و” زوزو” يجيبوا ليا نونو صغير ويجي بسرعة عشان يلعب معايا.

تلاقت عيناهم معًا ، فابتسم صفوان وانحنى بجسده حتى يُـ,ـقبل وجنتيه.

_ حاضر يا حبيبي، جدو و تيته هيدعوا معاك.

وفي سريرة نفسه أخذ يُتمتم.

«ربنا يهدي بس” زينب” وأبوك أصلا بيعرف يحرز أهداف سريعة.»
…

وقف “صالح” أمام باب الحمام مُباشرة وفي يده ما سقـ,ـط منها وعلى شفـ,ـتيه ابتسامة واسعة وماكرة.

_ إيه يا “زوزو” هتفـ,ـضلي في الحمام كتير، اليوم بيخلص كده.

تلاعب بالقطعة الأنثـ,ـوية بين يديه ثم تساءل.

_ طيب أفتحي الباب عشان تاخدي اللي وقع منك.

وبمكر لا تعلم من أين اكتسبه أستطرد.

_ بس تعرفي يسلم ذوق صاحب الأختيار.

صدحت صوت شهقتها بعلو وهتفت اسمه بصياح.

_ “صالح”.

ضحك بقوة ومازالت عيناه تتحرك نحو القطعة التي بيده.

_ تعرفي مكنتش بحب الأحمر أوي لكن دلوقتي…

قالها بعدما سيطر على نفسه من نوبة الضحك وبصر..اخ أشد خرج صوتها.

_ “صالح” لو مسكتش هفضل في الحمام.

خارت قواه من نوبة الضحك التي كانت هي سببً فيها.

_ طب أطلعي من الحمام ونتفاهم.

ابتسم عندما أستمع إلى صوت تنهيدتها، و أردف وهو يتلاعب بحاجبيه هذه المرة.

_ “زوزو” خلاص بقى هكون مؤ…دب و هرجع أكمل مكالمتي في الفراندة لحد ما يجيبوا الفطار وعلى فكرة معندناش وقت كبير عايزين نستعد لرحلتنا.

_ رحلتنا؟؟

نطقتها بذهول وأقتربت من الباب وقبضت بيدها على المـ,ـقبض.

_ أطلعي وأنا هفهمك…

_ طيب روح كمل مكالمتك مع طنط “حورية” عشان متفهمناش غلط.

اتسعت ابتسامته وغمغم بصوت خافت.

_ هي أكيد فهمت خلاص.

_ “صالح” أنت لسا واقف.

كتم صوت ضحكته بغلق شفتيه بقوة وتراجع خطوتين إلى الوراء.

_ بتحرك أه..

_ “صالح” من فضلك أبعد ، هزعل منك بجد.

صوتها الناعم المُتعلثم أربكه وأضاع مكره، فتنهد بمقت.

_ حاضر يا “زينب”، حاضر يا مصـ,ـيبة حياتي.

انفرج ثغرها بابتسامة بعدما نعتها بتلك الكلمة.

_ لو سمعت الكلام هكا..فئك بحاجة حلوة.

وهو معها صار كطفل صغير، يُرضيه وعدًا حتى لو كان كذ..بً.
_ وعد ولا هتطلعي كذابه يا “زوزو”

_ “صالح”
همست اسمه مُجددًا بخفوت ،فاغلق جفنيه مُتنهدًا.

_ أنا فعلا لازم أبعد، أحسن لأتهور وأكلك..

ورغمًا عنها ضحكت حتى انقطعت أنفاسها ليتحرك نحو الشرفة ثم نظر نحو ما يحمله بيده مذ..هولًا.

_ لا ده أنا عقلي بدء يروح مني خالص، أعمل فيكي إيه يا “زينب”.

…

تحركت “رغد” نحو موظف الأستقبال بوجه مُتجهم،فهي منذ الصباح تجلس بردهة الفندق منتظرة رؤيتهم مع بقية أفراد الرحلة ولم يعيرها أحدًا أهتمامًا.

_ ممكن أعمل مكالمة لأوضة رقم سبعة ولا هتقولى برضوه ده ممـ,ـنوع وإنك بتنفذ الأوامر.

ابتسم الموظف بتلك الابتسامة التي أعتاد عليها ،فاحتـ,ـقن وجه “رغد”.

_ الضيف يا فندم موصي إن محدش يزعجه.

التقطت “رغد” كلامه بلهفة وقوست حاجبيها بسخرية.

_ أه قولتلي موصي محدش يزعجه ، وليه قولتلي قبل كده إنك متعرفش هل خرج ولا لسا في أوضته وكل شوية كلام شكل.

واستدارت بجسدها ورفعت صوتها عاليا.

_ أنا عايزه مدير الفندق بدل ما أفضـ,ـحكم على الميديا و أضيع ليكم مستقبل الفندق.

ارتعب الموظف من تهديدها ونظر حوله ، أجتذبت بصوتها أنظار الواقفين بالردهة.

_ يا فندم من فضلك وطي صوتك ،قولتلك ديه أوامر منه محدش يقول إذا كانوا موجودين في أوضتهم ولا لأ.

أشتدَّ إحتـ,ـقان وجهها وقد خاب أملها في إفساد علاقتهم.

_ البنت ديه شكلها مش سـ,ـهله.

أخفت حقد..ها من خسا..رتها في جولة ظنت إنها الرابحة فيها ، فهى أفشت السر الذي ائْتمَنها والدها عليه بعدما أفصح له صديقه عنه مُشاركًا معه همومه.
حاولت إستجماع قوة حضورها ثم رفعت كتفيها بخيلاء.

_ فين مدير الفندق، إزاي أتعامل بمهانه هنا وأنا جاية هنا عشان اعمل خطوه إيجابية للفندق ، أنا هشارك المهز..له ديه مع متابعيني.

وجهت هاتفها نحوه ،فارتبك الموظف وأسرع إليها قائلًا برجاء.

_ الله يكرمك يا هانم، أنا كده هطرد من شغلي… أنا كنت بعمل المطلوب مني والبيه بصراحه اكرميته حلوة.

برقت عيناها بوميضٍ خبيث وشملته بنظرة ثاقبة.
_ هحاول أتجاوز عن المعاملة السـ,ـيئة لكن بشروطي أكيد.
…

أشاحت “زينب” بوجهها عنه بعدما التقطتها عيناه ، فاختلس النظر إليها وهو يقلب القليل من السكر في مشروب الشاي المميز الذي لأول مرة يروق له.

_ شاي ولا شاي بحليب.

ضاقت حدقتاها ثم نظرت إليه، فغمز لها بطرف عينه مُكررًا كلامه بعبث.

_ شاي ولا…

قطعت حديثه والتقطت الفنجان الخاص به حتى تخفي حرجها عن عينيه المُترصدة لخلجاتها، فهي منذ خروجها من الحمام وجلوسهم سويًا لتناول الفطور، ينظر إليها من حين إلى أخر بنظرة غير مفهومة.

عقد ما بين حاجبيه ثم أومأ برأسه مبتسمًا بعدما حاوطت فنجان الشاي بكفوف يديها وأحتضنت حافته بشفتيها.

أرتجفت يديها من نظرته التي تلتهمها وتساءَلت.

_ هو إحنا مش هنكمل الرحلة معاهم.

زحزح “صالح” مقعده حتى يلتصق بمقعدها ثم التقط منها الفنجان بعد أن أرتشفت منه رشفة.

_ تسمحيلي أشاركك في فنجان الشاي.

خفق قلبها وأرتعشت أهدابها ثم أزدرد لعابها هي تراه يرتشف رشفة من الفنجان.

_ أحلى وأطعم فنجان شاي دوقته في حياتي.

تحديقه بها بتلك الطريقة المُضحكة زادته وسامة.

_ عايزة تعرفي رحلة شهر العسل هيبدء منين؟

ردت بحيرة بعدما هربت بعينيها بعيدًا عنه.

_ شهر عسل .

هزَّ رأسه مؤكدًا ما سمعته منه.

_ طبعًا، ده أنا عامل برنامج لينا هيعجبك خالص.

انتفـ,ـضت فجأة من أمامه وقد أدهشه نفضـ,ـتها.

_ لأ أنا مش عامله حسابي.

تجاوز غرابة فعلتها سريعًا ونهض من مكانه.

_ متقلقيش أنا عامل حسابي لكل حاجة.

أرادت الأعتراض بل و أرادت الهر..ب منه وقبل أن تُخبره إنها ترغب بالعودة مع بقية زميلاتها مثلما أتوا معًا وجدته يجتذبها إليه.

_ مش هتقوليلي “زوزو” دلوعة “صالح” ، أصلها عجبتني أوي..

لم يتركها لتستوعب ما يريده منها ، فالكلمة الوحيدة التي التقطتها منه قبل أن تضيع بين ذراعيه، إنه جائع إلى حلوته ولم يعد يتحلى بالصبر.

طرقات متتالية ومُفـ,ـزعة طُرقت على باب الغرفة، جعلتها تدفعه عنها بوجل.

_ صالح”.
رددت اسمه وفي كل مره يخبرها بأنفاس متقـ,ـطعه إنهم ليسوا مُتاحين الآن لكن تلك الطرقات التي لم تنقطع أصابتها بالهلع.

_ صالح” الباب، أكيد في حاجة.

أغمض عينيه حتى يستعيد ثباته ويلتقط أنفاسه.
توقد الغضب في نظراته متوعدًا لإدارة الفندق التي لا تحترم النُزلاء.
فتح الباب بعنف وقبل أن يتحدث بكلمات مُعنفة…، انفلتت شهقة خافته من شفتي” رغد” بعدما أبصرت هيئته من صدر عاري وشعر مُشعث.

تراجع العامل بحرج وتمتم باعتداز.

_ آسف يا فندم بس هي أجبرتني على كده.

َولم تشعر “رغد” بنفسها إلا وهي تركض من أمامه ها..ربة من صد..متها وهي التي ظنت إن زواجهم مُقيد وعلى حافّة النهاية.
….

اقتربت “ليلى” منه بخطوات متوترة و مترددة وهي تحمل فنجانين القهوة.

انتبه “سيف” على قدومها من رائحة القهوة، رفع عينيه عن الهاتف ثم تركه من يده ونهض على الفور وعلى شفتيه ابتسامة.

_ أسف إني تعبتك.

قالها بلطف زاد من دهشتها التي تجلَّت بوضوح على ملامحها.

وضع ما تحمله يديه على الطاولة، فاخفضت “ليلى” رأسها وبنبرة خا..فتة خرج صوتها .

_ مافيش تعب ولا حاجه.

ابتسم “سيف” ثم أشار إليها بالجلوس.

_ أكيد مش هعزم عليكي في بيتك يا “ليلى”.

لطفه اليوم عجيب ويجعلها تقف مدهوشة وحائرة لكنها سعيدة.

تنحنحت بحرج ثم جلست وقبضت بيديها على ثوبها بتوتر.

التمعت عيناه بنظرة خبيثة ولم يفسر ردة فعلها نحو رغبته بالحديث معها إلا زيفً وتظاهرًا بالبراءة.

_ أنتِ متوترة كده ليه، لو قلقانه من عمي، فأكيد يعني مش هيضا..يق من قعدتك معايا.

_ أنا مش قلقانة ولا متوترة من حاجة لكن يعني..

قطع حديثها و رد وهو يرمقها بنظرة كراهية أخفاها سريعًا.

_ أنتِ أكيد مستغربة من دعوتي ليكي إننا نقعد نتكلم سوا.

تقابلت نظراتهم ،فطأطأت “ليلى” رأسها بخجل وأستمرت بتمرر يديها على ثوبها.

_ “ليلى” أنا عايز نفتح صفحة جديدة مع بعض لأن أكتشفت إن العـ,ـداء ما بينا ملهوش سبب.

اِستغربت من حديثه وأنعقد لسانها عن الكلام.

_ أنتِ ليه مستغربة كلامي يا “ليلى”.

أبتلعت مرارة غصتها ، فهى لم تجد سببً لهذا الكره.

_ أصل أنت بتكرهني من غير سبب..

ضحك بضحكة قصيرة وأستند بساعديه على طاولة.

_ ما أنا ببدء صفحة جديدة وبطلب منك نبدء نتعرف على بعض من أول و جديد.

أسرع بالنهوض من على مقعده ثم مدَّ يده إليها.

_ ممكن نتعرف يا “ليلى”.

توقفت “شهد” عن سيرها بالحديقة و أصابتها رجفة قوية وهي ترى سيف” يمد يده نحو” ليلى” ويبتسم لها بعدما صافحته وابتسمت.
…

طرق “مراد” – بذلك المُجسم الذي يشبه العربة الصغيرة – على طاولة مكتبه ثم دفعه بعيدًا.

_ ياريت كلامها يكون كذب يا “أشرقت”.

نهض من وراء طاولة مكتبه وأخذ يتحرك بالغرفة بدون هوادة ثم أطلق زفيرًا طويلًا مُغمغمًا.

_ هدفعك التمن الغالي ، ولو كان جوايا ذرة ندم من ناحيتك هتكوني أنتِ السبب لو راحت.

تعالت نغمة رنين الهاتف ،فأسرع بإلتقاطه من على الطاولة.

فتح الرسائل التي بُعثت إليه والحقيقة كانت تظهر أمامه بوضوح.

_ اختارتي جحيمك بنفسك يا بنت المستشار.

…

انحشر الطعام بحلق “هشام” عندما تحدثت “لبنى” عن إقتراحها.

_ مالك يا “هشام”، هو إقتراحي معجبكش… البنت بجد جميلة، بصراحه أتمنها تكون مرات أبني .

أمتدحت “لبنى” حُسنها ، فانتفخت اوداجُه وهو يتخيل “زينة” زوجة لأبنه.

سعل بشدة بعدما شعر بالاختناق، فانتبهت “لبنى” لأمره و أسرعت بسكب الماء له.

اِرتشف كوب الماء بأكمله تحت نظراتها القلقة، فتنهدت وعادت تجلس مكانها.

_ إيه رأيك نلفت نظر “قصي”.

_ لأ..
أجفلها رده ونظر إليها بوجه مُحتقن من الغضب.

_ البنت ديه بالذات لأ، كفايه نسب واحد مع
“عدنان الهتيمي”.
…

غادروا الفندق مُتشابكين اليد بعدما أنهوا إقامتهم وأبلغوا السيدة “كاميليا” برحيلهم.

وضع العامل حقائبهم بسيارة الأجرة التي وقفت في إنتظارهم.

سحبت يدها منه و تمتمت بصوت خفيض قبل أن تصعد السيارة.

_ خلينا نروح الصيدلية الأول.

اندهش من طلبها وقبل أن يتساءل…، أردفت وهي تفتح باب السيارة.

_ محتاجه حاجة خاصة ليا وبلاش تسأل إيه.

أجتذب ذراعها بخفه و تساءل بصوت هامس ومُداعب.

_ لأ أنا في ديه لازم أسأل وأطمن.

اشتعلت وجنتاها بحمرة خفيفة وردت بهمس.

_ أطمن.

عادت ملامح وجهه تتوهج بعدما اطمأنَّ قلبه.

_ طمنتي قلبي وما دام طمنتيني مش هسأل وأكون فضولي ،ما هو أنتِ هتكوني عايزه إيه يعني غير…

توقف عن الإسترسال بحديثه عندما رأى تذمرها بعد أن ذكر اسم أحد الأغراض النسائية.

_ “صالح” خليك مؤدب.

رفع أحد حاجبيه و أراد أن يخبرها أن الأدب لا يُثمر بشئ لكنه ابتلع كلماته حتى لا يزيد حرجها منه.

توقفوا في طريقهم أمام إحدى الصيدليات وقد أصرت عليه أن يتركها تدلف بمفردها.

حرك رأسه بيأس منها وأشار نحو هاتفه.

_ هعمل مكالمة لحد ما تخلصي وأشوف أخرتها معاكي يا ست “زوزو”.

حدقت به بعدما أعطاها ظهره ثم دلفت بخطوات ثقيلة إلى الصيدلية.

أنتظرت أن يُغادر ذلك العجوز بعد أن يحصل على دوائه.

_ أتفضلي يا فندم قولي طلبك.

أطرقت زينب” رأسها أرضًا بعدما سألتها تلك الواقفة عن الدواء الذي تُريد شرائه.

بللت شفتيها بطرف لسانها ثم أبتلعت ريقها ونظرت إليها باستحياء.

_ أنا عايزه…
لم تستطيع مواصله كلامها وأخذت تفرك يديها ، فالأمر مُخجل بالنسبة لها ولا تشعر بالراحة نحو قرارها.

قطبت الواقفة ما بين حاجبيها بغرابة ثم ألقت بنظرة خاطفة نحو الواقف بإنتظارها بالخارج وتساءَلت بنبرة ساخرة.

_ أيوه يا فندم، قولي عايزه إيه ولا الطلب مُحرج.

ضاقت حدقتي “زينب” بدهشة من طريقتها بالكلام ثم استدارت برأسها حتى تتأكد إذا كان “صالح” يُراقبها لكن وجدته يتحدث بالهاتف وعلى ما يبدو إنه مشغولًا وليس منتبهًا لها.

تسارعت دقات قلبها وهي ترى ابتسامته وهو يتحدث واخترقها شعور قاسي.

_ يا أنسه هو الطلب مُحرج أوي .

انتبهت” زينب” إليها وقد فهمت الصورة التي وصلت إلى ذهن تلك السيدة الواقفة….

الفصل السادس والثمانون (2)

🌻ظنها دمية بين أصابعه🌻

استندت “شهد”بظهرها إلى الباب بعدما أغلقته ورائها هاربة من نداء خالها إليها.
دمعت عيناها ثم أسرعت بوضع يدها على شفتيها حينما استمعت إلى ندائه المُتكرر إليها وقد صار صوته قريبًا من غرفتها.

_ “شهد”، شوفي البت جات جري على أوضتها ولا ردت عليا، أنتِ هتعملي نفسك دكتورة عليا يا بنت “عايدة”.

استمر العم “سعيد” في ثرثرته وأخذ يلوي شفتيه باستنكار.

_ أنا غلطان أني بسألك هتتغدي معايا ولا لاء، يا زين ما ربيتي يا “عايدة”.

أطبقت “شهد” جفنيها بوهن حتى تتمكن من نفض صورته من رأسها وهو مبتسمًا وكأن ما حدث بينهم لا وجود له.

_ قاعد مع “ليلى” بيضحك، بسرعة كده نسى جرحه ليا ، يعني اللي حصل بينا حاجة عادية.

حادثت نفسها بصوت ضعيف وهي تتهاوى بجسدها على الفراش الصغير وتضم كفوف يديها ببعضهما.

وطيف تلك الليلة التي لن تنمحي من ذاكرتها عاد يخـ,ـترق ذاكرتها ، تسارعت أنفاسها وأنسابت دمو..عها تسأل نفسها ، كيف له أن يبتسم بعدما دنسها بيديه بعد أن ألقى عليها تلك الحقيقة المريرة، هو لا يراها إلا شقيقة له وأن عليهم نسيان ما حدث تلك الليلة.

_ “شهد”، أنتِ يا ست الدكتورة.

صدح صوت العم “سعيد” هذه المرة وهو يطرق على باب غرفتها.

_ كبرتي يا ست “شوشو” ومبقتيش تردي عليا، يا خسارة تربيتي فيكي يا بنت “عزيز”.

زفرت أنفاسها باختناق ومسحت دموعها ، فهي تعلم طبيعة خالها الذي لن يكف عن ندائه عليها.
نهضت من على الفراش بعدما مسحت دموعها وأتجهت نحو الباب حتى تفتحه.
إلتوت شفتي العم “سعيد” باستهجان عندما فتحت الباب لكن حينما أبصر إحمرار جفونها انتفض قلبه فزعًا عليها.

_ أنتِ كنتي بتعيطي، أنا قلبي بيقولي إن في حاجة مخبياها علينا…

أرتجف قلب “شهد” ذُعرًا وأشاحت وجهها بعيدًا عن نظرة عيناه التي تتفرسها.

_ مين غواكي يا بنت “عايدة” وضحك عليكي.

تجلَّى الهلع بوضوح على وجهها ، فهل خالها اكتشف أمرها ولكن كيف؟
لطم العم “سعيد” جانبي فخذيه بيديه ، فأخترق الفزع قلبها.
خرجت شهقتها المكتومة عندما اجتذبها من ذراعها صائحًا بوجل.

_ مين ضحك عليكي وعشمك بالحب يا بنت “عايدة”، أنا قولت ما دام دخلتي الجامعه وافتكرتي نفسك كبرتي وبقيتي تلبسي اللبس المحزء وتطلعي شعرك بره الطرحة وترسميلي عينك يبقى خلاص عينك هتتفتح، انطقي وقوليلي مين ضحك عليكي.

تخلصت بصعوبة من قبضته على ذراعها و ردت بصوت مهزوز وهي تتحاشا النظر إليه.

_ محدش ضحك عليا يا خالي، أنا بعيط لأني جبت درجة وحشة في الأمتحان.

قطب ما بين حاجبيه، فاردفت وهي تنظر في عينيه حتى يُصدقه.

_ أنا مخنوقة من الكلية وعايزة أسيبها وكمان حب إيه اللي أفكر فيه، أنا…

توقفت عن الكلام بعدما شعرت بمرارة كذ,,بتها ثم واصلت كلامها وهي تُدلك ذراعها.

_ أنا نفسي أسافر وأكمل دراسة بره.

_ أه عايزه تسافري عشان ترجعلنا بواحد زي ما عمل “سيف”، أه يا خيبتك يا “عايدة” ، بقيتى مشغولة بمشروعك عن بنتك وقال إيه بتدوري على محل تفتحي.

قاومت”شهد” تلك الرجفة التي سرْت بجسدها حينما أنفلت اسمه من شفتيه.
تنهد العم “سعيد” ثم حك رأسه وقال مازحًا بعدما زال قلقه.

_ هي درجة الإمتحان وحشة أوي كده ،عارفه أنتِ لو بتسمعي كلام خالك وتدلكي له رجله كل يوم هتجيبي الدرجة النهائية.

ابتسمت من بين دموعها تتساءل بعد أن تمالكت غصتها.

_ هو أنت عامل غدا إيه خالي.

غمز لها بطرف عينه وتحرك نحو المطبخ.

_ صينية مسقعة باللحمة المفرومة تفتح النفس، تعالي نتغدا ونسيب “عايدة” و “عزيز” خليهم يلفوا على كعوب رجليهم لحد ما يلاقوا محل وأه لو فلحوا.

والأبتسامة الفاترة تحولت إلى ضحكة عالية مقررة داخل نفسها إنها لن تدع الأمر يشغل عقلها طويلًا بسبب تقارب “سيف” العجيب من “ليلى” اليوم، بالتأكيد هناك سبب من جلوسهم سويًا بمفردهم بالحديقة.

…

أنهى “سيف” مكالمته بكلمات مقتضبة دون أن يصرف نظره عنها، عاد إلى مكان جلوسه أمامها زافرًا أنفاسه بضيق.

_ شغل الشركة متعب أوي.

رمقته بنظرة خجلة وهتفت بنبرة هادئة.

_ بس ده إضافة ليك حلوة مع مهنتك في الجامعة.

ابتسم واسترخى في مقعده.

_ منكرش ده لكن الواحد ساعات بيزهق، هو أنتِ مزهقتيش من دور ست البيت وإن دورك في حياة عمي تستني لما يرجع من الشغل.

تساؤله خرج دفعة واحدة ثم أسرع في تجميل صورة حديثه.

_ ديه دردشة خدي بالك ، ده برضو عمي مش معقول هقولك تمردي عليه.

تنهدت”ليلى” بقلة حيلة وطأطأت رأسها نحو فنجان قهوتها الذي لم ترتشف منه إلا رشفة واحدة.

_ “عزيز” مش موافق وهو عنده حق إزاي هرجع اشتغل في مصنعه.

_ وفيها إيه، أنتِ دلوقتي مرات صاحب المصنع..

اندهشت من رده، فابتسم وأخذ يُحرك يده اليسرى على ساعة معصمه.

_ لو عايزاني أكلم عمي أنا ممكن…

ردت سريعًا وهي تهز رأسها رافضة.

_ لأ بلاش ..

أومأ برأسه ثم نظر إليها بتمعن.

_ عمي بيغير عليكي أوي وبصراحة عنده حق.

ارتبكت وتوردت وجنتاها ، فاستطرد وهو يميل بجزعه العلوي مُستندًا بذراعيه على الطاولة.

_ أنا مش بجامل خدي بالك.

وبدهاء واصل “سيف” كلامه عندما رأها تنظر حولها بحرج.

_ جمالك يخـ,ـطف و عمي كان شاطر إنه يعرف يخطـ,ـفك.

شعرت بالريبة من كلامه، فهي مازالت لا تستوعب عرضه عليها بالجلوس معها وفتح صفحة جديدة بينهم.

تغير خلجات وجهها وعقدتها لحاجبيها اجتذبوا أنظاره ،فادرك خطأه.. فهل هو أحمق حتى يصبح في يوم وليلة رجل مهذب راغبًا بالصفح.

_ بحاول أكون لطيف ومهذب عشان أغير صورتي عندك بسرعة، مش بيقولوا تقدر تخـ,ـطف عقل النساء بلسانك.

قالها ثم ضحك بملء شدْقيه ،فابتسمت “ليلى”بخجل.

_ طب كفاية مدح فيا وقولي أقدر أساعدك في إيه و إزاي عشان تفاجأ “كارولين”.

خجلها كان واضحًا في نبرة صوتها لكن شيـ,ـطانه يجعله يرى هذا تصنعًا.
خرجت زفراته بعمق ثم احتلت الجدية ملامحه.

_ أنتِ و “كارولين” مش على وفاق والسبب أنا للأسف.

نظرت إليه بغرابة، فحرك رأسه إليها.

_ أيوه أنا السبب لأني مكنتش شايفك غير بصورة…

قاطعت حديثه و أجابته بنبرة حزينة.

_ صورة البنت الطـ,ـماعة مش كده، طب ليه شايفني كده؟

لم يجد ما يخبرها به، فصورتها أمام عينيه كما هي لكن عليه خداعها.

_ إحنا ولاد النهاردة يا “ليلى” وأنا أه بقولك نبدء صفحة جديدة… قوليلي بقي هتقبلي البداية الجديدة وتساعديني ولا قلبك هيكون أسود.

حدجته بنظرة حائرة، فاستمر بتحريك رأسه إليها حتى يؤكد لها إنه يرغب ببداية جديدة معها.

خرجت تنهيدة خافتة من شفتيها ثم افتر ثغرها بابتسامة.

_ هساعدك أكيد، لو هتحتفلوا في البيت أنا ممكن أعمل التورته وأزينها ليكم بشكل حلو وأعمل ليها كمان أصناف الاكل اللي بتحبها.

لقد أخذت الدور الصحيح لها بالمنزل لكن العجيب إنها ترى خدمتها لهم وطهوها للطعام أمر يُسعدها ولا يقلل منها.

_ لأ ، أنا عايز تفكري معايا نحتفل إزاي بره وأنتِ هتكوني معانا.

ولأنه كان يعلم أن عمه لديه رحلة عمل إلى اسطنبول بنهاية هذا الأسبوع أستطرد قائلًا بمراوغة.

_ أه نغير جو ونقضي سهره عائلية ،أنتِ و عمي من ساعت ما أتجوزتوا وأنتوا خروجاتكم قليلة.

رفرفت باهدابها ببؤس إلتقطه من زفرتها لأنفاسها.

_ حاولي تكسري الروتين مع عمي يا “ليلى”، مش هتفضلي محصورة في دايرة المطبخ.

وبنظرة خبيثة أختلس النظر إليها ،فها هي ملامحها تظهر بوضوح مدى استياءها.
وحتى لا يمهلها لحظة لتفهم مبطن كلامه ، قال وهو يعقد ساعديه أمام صدره.

_ عموما خلينا نكمل كلامنا عن موضوع السهرة، قوليلي اقتراحاتك.

…
ما الذي تظنه تلك الواقفة ، ولماذا تقف هكذا وهي تلوي شفتيها مُتهكمة؟
الجواب كان واضحًا للغاية لكنها عليها أن تتغابى قليلًا ونسيت تمامًا أمر الحبوب.

اقتربت “زينب” من الحاجز الفاصل بينهن واستندت بذراعيها عليه حتى تتمكن من إظهار خاتم زواجها إليها.

_ أنا محتاجه معجون أسنان و شامبو و بلسم للشعر وكريم مُرطب لأيدي.

حدقت الواقفة بـ خاتم زواجها ، فمطت “زينب” شفتيها إلى الأمام ثم رفعت يدها تُمررها على شفتيها.

_ أه ومحتاجة مرطب شفايف.

انمحت تلك النظرة المستنكرة التي كانت تحتل عينين تلك السيدة الواقفة وابتسمت وأخذت تسمعها بإنصات حتى انتهت من إعطائها أسماء الأغراض التي تُريدها.

_ اعذريني يا استاذه ظنيت ظن وحش، استغفر الله العظيم… الواحد بقى يشوف العجب في الأيام ديهز

ثم أسرعت تلك السيدة بجلب لها ما أرادت، تنهدت “زينب” بصوت خافت… فالمرأة صارت لطيفة ولا يصح أن تُعاملها بصفاقة.
انفتح الباب ودلف “صالح” للداخل مُتسائلًا.

_ خلصتي يا حببتي.
واقترب منها وعلى شفتيه ابتسامة دافئة، إنه يزداد وسامة كلما ابتسم ،كلما كان سعيدًا.

وضعت تلك السيدة الأغراض وعلى شفتيها ابتسامة واسعة.

_ في حاجة تانية محتاجاها يا مدام.

نظر “صالح” إلى الكيس البلاستيكي الذي وضعت فيه السيدة الأغراض.

_ ها يا حببتي في حاجة تانية.

لم يُلاحظ توترها ،فهو غارق في ذلك النعيم الذي منحته له، لم يعشق امرأة سواها ولم يتزلزل كبريائه إلا معها.

_ لأ خلاص.

دفع الفاتورة والتقط الكيس رغم إلحاحها عليه أن تحمله هي.
صمتها كان عجيب بالنسبة له، فتساءل وهو يفتح لها باب السيارة التي تنقلهم إلى وجهتهم.

_ مالك يا حببتي، في حاجة تعباكي.

نظرت حولها ثم نظرت إليه.

_ “صالح” هو إحنا ينفع نتمشى شويه.

قطبت جبينه وحدقها بقلق.

_ “زينب” فيكي إيه، وشك مخطوف كده ليه؟

قلقه يجبرها على التمعن بالنظر إليه ، والدها وحده من كان يهتم بكافة تفاصيلها وأتى بعده جدها حتى يُعوضها ويوفي بوعده لجدتها.

_ “صالح” أنا كويسة، أنا عايزه أتمشى شويه بس ونشتري شوية حاجات.
وحتى تجعله لا يركز معها تساءلت.

_ هو أنا ينفع أشرب تمر هندي و عصير قصب.

رفع كلا حاجبيه وقد تحرك السائق بالسيارة.

_ عايزه تشربيهم مرة واحدة.

ثم ضحك بخفوت عندما هزت رأسها إليه.

_ يا سلام أحلى تمر هندي و عصير قصب يا حببتي.

وسرعان ما كان يطلب من السائق أن يُغيروا طريقهم ويأخذهم إلى أفضل من يُقدم تلك المشروبات.

_ عينيا ليك يا أستاذ.

رد بها السائق سريعًا واخذهم إلى أحد الشوارع التي تكتظ بالمارة والبائعين.

رؤيتها له وهو يرتشف من كوب عصير القصب جعلها راغبة بالضحك.

_ “صالح” هو أنت شربت عصير قصب قبل كده.

ابتلع ما في فمه وهو يُقاوم شعور الغثيان الذي أصابه فجأة.

_ ليه بتسألي كده؟

تلاشت ابتسامتها وشملته بنظرة ثاقبة.

_ أنت مبتحبش عصير القصب يا “صالح” ، شكلك بيفكرني بـ جدو لما بغصب عليه يشرب الدوا بتاعه.

هرب بعينيه بعيدًا ،فتنهدت بمقت.

_ بتشربه معايا عشان ترضيني مش كده.

تقابلت نظراتهم ، فالتقطت منه الكوب وزمت شفتيها باستياء منه.

_ متعملش كده تاني.

خلل أصابعه في خصلات شعره ونظر إلى الجهة الأخرى.

_ عايز أشاركك كل حاجه بتحبيها.

خفق قلبها وتوهجت عيناها بلمعان آسر عيناه عندما نظر إليها من أسفل جفونه.

_ حتى لو مبتحبش الحاجة ديه وممكن تتعبك.
خرج صوتها مُتحشرجًا، فابتسم وهو يلتقط عبوة العصير خاصتها ثم وضع الشَّفَّاطَة -التي لمست شفتيها- بين شفتيه حتى يرتشف من ورائها.

_ كل حاجه معاكي بجربها ليها طعم مختلف يا “زينب”.

هو صار يسلب أنفاسها ويهدم حصونها ويسحرها بكلماته وحنانه.
اخفضت رأسها حتى تُسيطر على تلك الفوضى التي أحدثها داخلها ثم رفعت عينيها إليه عندما تمتم بصوت رخيم.

_ “زينب” خلينا نعوض مع بعض اللي ضاع مننا، خليكي واثقه فيا

…

أنتفضت “أشرقت” من على الفراش بعدما فتحت والدتها باب الغرفة.
ضاقت حدقتي “لبنى” بدهشة واقتربت منها.

_ ما أنتِ صاحية أه ، ليه مخرجتيش تتغدي معانا.

أشاحت وجهها عنها ،فهى منذ عملية إجهاضها وهي تتحاشا الجلوس معهم وتنأي بنفسها عن الجميع.

_ “أشرقت” أنتِ مبقتيش عجباني ،رجعالي من المأمورية بتاعتك وشك أصفر وبهتان.

ابتلعت ريقها وقبضت على شرشف الفراش بيدها من الجهة التي لا تلتقطها أنظار والدتها.

_ ده مجرد إرهاق.

_ لأ، إرهاق إيه دلوقتي، ده أنتِ كلها أيام وتطلي بالأبيض يا حببتي… عايزاكي تفوقي كده ولو عايزه نروح للدكتور…

« طبيب» هذه الكلمة أعادت لها أسوء ذكرى عاشتها.

_ لأ، أنا كويسة مش محتاجة أروح لـ دكتور.

حدقتها “لبنى” بنظرة ضيقة ثم أحتضنت وجهها بيديها.

_ طب فوقي كده وأدخلي خدي شاور سريع عشان خطيبك قاعد مع بابا مستنيكي في الصالون.

_ “مراد” هنا
خرج اسمه من شفتيها بفزع، فابتسمت “لبنى” وهي تتحرك نحو خزانة ملابسها دون أن تنتبه على انتفاضة جسدها.

_ يلا يا حببتي اتحركي وأنا هطلع ليكي الهدوم.

…

وقفت “زينب” مذهولة بعدما غادروا سيارة الأجرة ، فمن أين عرف إنها كانت تُريد أن تضم رحلتهم رحلة نيلية على أحدى البواخر.

_ أنت عرفت منين إن كان نفسي يكون في برنامج الرحلة رحلة نيلية على الباخرة ديه بالذات.

ابتسم لها دون أن يعطيها الرد الذي تُريده وقال بمكر.

_ العصفورة قالتلي.

_ “صالح” من فضلك قوليز

التقط يدها عندما أستمع إلى صوت الباخرة وقد أنطلقت صافرة الأنطلاق.

_ إحنا كويس إننا لحقناها، تعالي نلحق الرحلة وبعدين أقولك مين العصفورة.

…

ترك “مراد” فنجان القهوة الذي يرتشف منه ونهض سريعًا من مكانه فور نهوض “هشام”.

_ أشرب قهوتك وأنا هستعجلك “أشرقت”.

حرك رأسه وعلى ثغره أبتسامة تلاشت عند خروج هشام من الغرفة.

أكثر من نصف ساعة مرت وهو ينتظر قدومها وفي قلبه نار مشتعلة يُريد حرقها بها ، هو أراد هذا الطفل.. أراد طفلًا غير ملوثًا من دماء هذه العائلة.

دخلت “أشرقت” الغرفة بخطوات ثقيلة تتساءل ، هل زيارته لهم ورائها شئ أم إنها مُجرد زيارة.
غامت عيناه بنظرة خاوية عندما أستمع لصوت حذائها وتسللت رائحة عطرها إلى رئتيه، فاصابته بالإختناق.

استرخى في جلوسه وأستكمل إرتشاف قهوته دون أن يُعيرها أي أهتمام.

…

اندهش “عزيز” من وجود “سيف” اليوم على طاولة الطعام، فهو مؤخرًا صار يتحجج حتى لا يتناول الطعام معهم.
زوى “عزيز” ما بين عينيه عندما وجد أحد أصناف الطعام التي يُحبها ونظر نحو العم “سعيد” ثم وجه انظاره إلى “ليلى” التي فهمت نظرته سريعًا وأبتسمت.

_ طاجن البامية باللحمة من أيدى أنا.

نظر إليها “عزيز” بنظرة حملت عشقه وامتنانه لها ،فـهو يقول فقط أنه يشتهي شيئًا..؛ فتفعله له باليوم التالي.

_ تسلم ايدك يا حببتي، ديما تعبك معايا.

تمالك “سيف” مشاعره وأحتقن وجه “كارولين” بغضًا.

_ طبعًا دلوقتي لازم تشكر “ليلى” ، ما أنا خلاص أتناسيت.

ضحك “عزيز” وجلس على مقعده.

_ أنت الخير والبركة يا راجل يا طيب لكن أنت عارف لازم نمدح “لولو” عشان ترضى عليا.

خجلت “ليلى” ووكزته في كتفه ،فالتقط “سيف” فعلتها ثم نظر نحو عمه الذي تقبل الأمر بمزاح.

_ شوفت ايدها بقت طويله إزاي.

_ “عزيز “.

زجرته ثم دفعت إليه الطبق حتى يبدء في تناول طعامه بصمت.

أنشرحت أسارير العم “سعيد” وانفرج ثغره بابتسامة عريضة أختفت سريعًا عندما رأي نطرة “كارولين” لهم.

_ خليها تدلع عليك يا بيه، ديه “لولو” ست الستات.
التقط “عزيز” يدها مؤكدًا على حديثه.

_ ربنا ما يحرمني منها، البيت بقى له طعم و ريحة وكل حاجة حلوه بوجودها.

عمه يمدحها علنيًا أمامهم ويتقبل مزاحها معه ،فهل وصل عشقه لها لهذا الحد؟
سيطر “سيف” على حقده ورفع عيناه عن طبق طعامه ثم التقط أحد الطواجن الخاصة بصنف الطعام الذي يُفضله عمه من يدها ودس معلقته فيه.

_ تسلم ايدك يا “ليلى”، بجد أنتِ ست بيت شاطرة.
قالها وهو يمضغ الطعام في فمه دون أن ينظر نحو عمه وقد ضاقت حدقتي “عزيز” في دهشة ومثله فعلت “كارولين” ، منذ متى و “سيف” يمتدح “ليلى” في شئ….

رواية #ظنها_دمية_بين_أصابعه ❤️

بقلم سهام صادق.

الفصل السابع والثمانون
🌻ظنها دمية بين أصابعه🌻

أين ذهب كِبْرها، أين هي ثقتها بنفسها وتلك النظرة التي دائمًا تحتل عيناها، إنها اليوم أمام مرآتها رأت صورة امرأة غريبة عنها، باهتة و شاحبة وبروح منطفئة.
تلذذ “مراد” في إرتشاف أخر رشفة من فنجان قهوته ثم وضعه على المنضدة الصغيرة التي أمامه.
أزدردت لعابها بطريقة واضحة وشعرت بشعور قاسي جثم على روحها تتساءل داخلها ، هل تفيح رائحة جُرمها و فعلتها الشنيعة؟
أرتجف جسدها عندما عاد صوت الطبيبة يخترق أذنيها ذلك اليوم حينما فتحت عينيها بثقل، لقد انتهى الأمر وتخلصت من هذا الطفل.
ثقلت أنفاسها رغم تسارع نبضات قلبها ونظرت إليه في اللحظة التي وجه أنظاره إليها.
أرتعشت جفونها وعادت تبتلع ريقها ، فنظرته إليها بها نظرة عجيبة، نظرة جعلتها تشيح وجهها عنه.

_ مساء الخير.

خرج صوت “أشرقت” أخيرًا وجلست على أقرب مقعد لها ثم وضعت خصلة من شعرها خلف أذنها.
اختفى جمود ملامحه ومدد ذراعيه على ظهر الأريكة وأخذ يهز رأسه.
أربعتها طريقة جلوسه ونظرته لها ورغم أن دراستها ومهنتها علمتها كيف تتقن فهم لغة الجسد وأن تسيطر على ثباتها أمام الآخرين إلا إنها أمامه تفقد إتزانها وتتحول إلى صورة لا تُشبهها.

ابتسم وهو يرمقها بنظرة لينة أجاد إصطناعها.

_ قعدتي بعيد عني ليه؟ ولا أنتِ عشان عارفة غلطتك الكبيرة خايفة مني!!

اتسعت عيناها ذُعرًا وشعرت بجفاف حلقها وسرعان ما كان الأرتعاب يرتسم بوضوح على ملامحها عندما رأته يستند بساعديه على فخذيه.

_ خايفة! وهخاف منك ليه.
نطقتها بتعلثم ظهر جليًّا في نبرة صوتها.

توهجت عيناه بمكر خفيّ ثم عاد لوضع جلوسه الأول مُسترخيًا ومستندًا بظهره إلى ظهر الأريكة.

_ مش عارفة خايفة مني ليه يا حببتي، لا مش معقول ، أنا كده هزعل منك أكتر.

فركت يديها ثم نظرت نحو باب الغرفة ، فانفلتت من شفتيه ضحكة عالية أجفلتها، إنه سعيد ومبتهج لدرجة لا توصف وهو يراها تتلفت حولها وتتعلثم بالكلام.

_ أنت بتضحك ليه وليه بتتكلم معايا بالألغاز.

ألقت كلامها وهي تنهض ثم أعطته ظهرها وأطبقت جفنيها بوهن.
توقف عن الضحك وعاد الجمود يحتل ملامح وجهه وأرتفعت زاويتي شفتيه باشمئزاز.

_ لأ أنا خلاص هخلي قلبي كبير وأسامحك.

ألتفت إليه سريعًا ، فابتسم.

_ يعني لما فرحنا قرب عايزه تبعدي عني ولا أنتِ لسا مسامحتنيش على إهانتي القديمة ليكي.

إهانة، ذلك اليوم الذي نبذها فيه من حياته بعد تلك الليلة التي استسلمت له وصدقت وعده لها بأن ما يفعلونه حبً ورغبة في إستكمال حياتهم سويًا.
إنساقت ورائه مغمضة العين ورغم سنوات عمرها السابعة والعشرين وعملها في سلك القضاء إلا إنها معه كانت مغيبة تُسيطر عليها الأنا وهو أستطاع التسلل إليها بمهارة.

_ “أشرقت” في إيه يا حببتي بتبصيلي كده ليه!
تساءل بها وهو ينهض من مكانه واقترب منها ببطء ، فيكفي عليها اليوم هذا ثم رمقها بنظرة طويلة من رأسها إلى أخمصِ قدميها مُتسائلًا بتلاعب جعله يستعيد ذلك الشعور الذي أفتقده، فهو يتلذذ برؤية ضعف الجبناء ، من يظهرون بصورة رائعة وفي داخلهم يحملون الخبث وغرور العظمة.

_ فيكي حاجة غريبة وكأنك مخبية حاجة عليا.

ردت سريعًا وهي تشيح وجهها عنه.
_ وهخبي عليك إيه، أنت بجد غريب وأسألتك غريبة يا “مراد”.

قطب جبينه مُتظاهرًا بالدهشة من ردها.

_ “أشرقت” لأ بجد ردودك عجيبة حتى وشك أصفر وبهتان أنتِ تعبانه يا حببتي…

نظرتها الفاترة إليه وضمها لكفوف يديها ببعضهما حتى تخفي رعشتهما، جعلت ملامح وجهه تنشرح ،لقد أجاد الدور ببراعة واخرجت من داخله نسخته السيئة.
ضحك بخفة عندما رأها تتعلثم أكثر في الرد عليه.

_ أنت شكلك فايق يا “مراد”.

_ شوفتي بقى أنا زعلان منك ليه، ردودك عليا في مكالمتنا بقت غريبة وكأنك بتتهربي مني وكل ما أقولك نتقابل عشان نروح نشوف أخر تشطيبات الفيلا ديما مش فاضيه مع إني عرفت من عمي إنك واخدة أجازة من شغلك، أزعل بقى ولا مزعلش منك ، لدرجادي مبقتش فارق معاكي.

هتف حديثه دفعة واحدة حتى يُششتها ومن حسن حظه التقط قدوم “لبنى” وراء الخادمة التي دخلت الغرفة مُطرقة الرأس بمشروب أخر له وبعض الحلوى.

_ كويس إن “لبنى” هانم دخلت على كلامنا ،هخليها تحكم ما بينا.

إنه بارع في المكر والتلاعب، يعرف كيف يدور حول ضحيته.

_ مالكم يا “مراد” يا حبيبي واقفين كده ،لا أوعى تزعل “شوشو”… ده أنت متعرفش أنا و “هشام” مش مُتخيلين إننا بعد أيام هنسلمها ليك.

عبس “مراد” بشفتيه ونظر نحو “أشرقت” التي عادت الدماء أخيرًا لوجهها بعدما علمت السبب من وراء زيارته.

_ كده برضو يا “لبنى” هانم من أولها مش واقفة فـ صفي.
قهقهت “لبنى” بصوت عالي وهي تُشير إلى الخادمة حتى تُغادر ثم أخذت تُحرك يدها على ظهر “أشرقت” التي أسبلت جفنيها بخزي.

_ حماتك تحبك لو حطيت بنتها جوه رموش عينك ،ده إحنا مدينك جوهرتنا.

انفجر ضاحكًا بطريقة أدهشت “لبنى” ،فنظرت إليه وتساءلت بنبرة مُغتاظة.

_ هو كلامي في حاجة بتضحك أوي كده ، طب قولي عشان أشاركك في الضحك يا “مراد” يا حبيبي.
توقف “مراد” عن الضحك، فأسرعت “أشرقت” بالألتفاف بكامل جسدها نحو والدتها.

_ ماما ، “مراد” ميقصدش حاجة ،هو بس النهاردة مبسوط أوي.

_ أنا فعلا مبسوط أوي، ما أنا جاي النهاردة عشان اتكلم مع عمي في موضوع كتب كتابنا ،مش قادر استنى ليوم الفرح بصراحه وعايز أنا و “أشرقت” ناخد راحتنا شوية مع بعض.

«عقد قرانهم!! » هل يرغب بالتعجيل في توثيق زواجهم قبل العُرس رغم إتفاقهم بإتمام عقد القران في ليلة الزفاف.

ضاقت حدقتيّ “لبنى” شزرًا ثم عقدت ساعديها أمامها وكأن حديثه لم يعجبها.

_ لأ متفهمنيش غلط يا “لبنى” هانم ، أنا أقصد نتعود على بعض اكثر وكمان عايز أعملها حفلة مميزة لـ كتب الكتاب الكل يحكي يتحاكى بيها.

تلاشى التجهم عن ملامح “لبنى” و التمعت عيناها بنظرة صار يفهمها، هو صار يعرف تمامًا دواخلهم.

تقابلت عيناه بعينين “أشرقت” التي ظهر الإسترخاء على ملامحها واختفى قلقها قليلًا.

…

أرتبك “سيف” من نظرة عمه إليه ولم يجد أمامه إلا إلتقاط طبق السلطة الذي يحرص العم “سعيد” على وضعه يوميًا على الطاولة.

_ أرجع لطبق السلطة بتاعي ، أنا عندي هوس من زيادة الوزن وأكل “ليلى” ممكن يجرني وأنا ما صدقت بقيتي مش ضعيف قدام الأكل.

حديثه عن زيادة الوزن دفع العم “سعيد” على لطم كفوف يديه ببعضهما وصاح مُتذمرًا عندما تذكر صورته قبل أن يفقد الكثير من وزنه.

_ وأنت عجبك حالك كده ، فين أيام ما كان الدم بيكب من خدودك والأكل بيمري عليك.

ثم مصمص بشفتيه ونظر نحو “عزيز” الذي تلاشت دهشته وضحك.

_ بتضحك يا بيه، برضو أنت كمان مش عجبني حالك وأهي “ليلى” الحمدلله جات وأخذت دوري وبقت قادرة عليك بدل ما كنت مطلع عيني ،الدور والباقي على واحد مبقاش على لسانه غير ده مش أكل صحي يا عم “سعيد” وفي ناس مساعداه على كده.

وضعت “ليلى” يدها على شفتيها حتى تكتم صوت ضحكتها.

_ “سيف”، هل كنت بدين الجسد وبخدود ممتلئة.

صاحت به “كارولين” بعدما أنطلقت شهقة من شفتيها تُعبر فيها عن صدمتها ،فامتقعت ملامح “سيف” و رمقها بنظرة حانقة.

_ يا ما شاء الله، إشمعنا ديه اللي لقطيها من كلامي.

قالها العم “سعيد” وهو يُكمل مصمصته بشفتيه ، فانمحت أبتسامة “كارولين” وشعرت بالحرج خاصة عندما انتبهت على نظرة “عزيز” لها.

التفت “ليلى” برأسها نحو العم “سعيد” حتى تُعاتبه على إحراجه لها ،فحرك لها يده على طول حلقه … فهو لا يطيق “كارولين” ولا يرى فيها خيرًا ولن يرتاح قلبه إلا عندما تُغادر هذا المنزل.

_ خلاص بقى يا راجل يا عجوز فضحتني وعشان أريحك النهاردة هاكل من كل الأصناف.

كاد “سيف” أن يمدَّ يده نحو طاجن البامية ،فنهض “عزيز” من مقعده وصفعه على يده بخفة.

_ أيدك ، أوعي تلمس طاجن البامية تاني ، أنا مراتي عملاه ليا مخصوص وكرم مني إني سيبتك تدوقه وتتغزل في أكلها.

اتسعت ابتسامة العم “سعيد “وحرك رأسه لها حتى تشغل عقلها بزوجها ولا تهتم إلا به وحده.

_ أنا قولت مبقاش حد يقدر عليك غير “ليلى”، أنا منسحب خلاص ورايح لمطبخي.

تمتم بها العم “سعيد” وغادر حجرة الطعام مُتذمرًا مصطنعًا عبوسه.

_ استنى يا عم “سعيد”، “عزيز” بيهزر معاك… قوله يا “عزيز” إنه هو الأساس في كل حاجة.

أخترق حديثها مسامع “سيف” وأرتعشت يده التي يضعها على طاولة الطعام.

_ من فضلك يا “عزيز” قوم معايا خلينا نصالحه.

قهقه “عزيز” عندما رأها تسحبه من ذراعه حتى ينهض ويتجه معها إلى المطبخ.

_ يا حببتي، عم “سعيد” مش بيزعل، هو بس بيحب يناكش فينا ، اقعدي خلينا ناكل وبعدين نراضيه وهبوس راسه كمان.

_ لأ يا “عزيز” مش هناكل إلا لما تراضي عم “سعيد”.

تنهد “عزيز” وترك رغيف الخبز الذي للتو ألتقطه.

_ حاضر، أنا عارفه طاجن البامية ده حد باصص ليا في.

ابتسمت ، فاردف وهو ينظر إلى “سيف” الذي يجلس مُحدقًا في طبق طعامه.

_ أوعي تمد أيدك ،أنا بحذرك.

سحبته “ليلى” من ذراعه، فتعالت صوت ضحكته.

_ هيبتي ضاعت قدام ابن أخويا وأنتِ جراني كده وراكي زي التلميذ المشاغب.

أغلق “سيف” جفنيه لوهلة ثم رفع رأسه عن طبق الطعام واتجه بأنظاره نحو عمه يتساءل داخل نفسه ، هل عمه يتظاهر بالسعادة أمامه أم هو بالفعل سعيد؟

ضحكات عمه هزت فؤاده وعاد يطرق رأسه نحو طبق طعامه.

_ “ليلى” حولت عمك إلى مراهق ، ما هذا الذي يفعله أمامنا… لا أستطيع أن أصدق إنه صار مهوس بها.
مهوس بها ، جعلته مُراهقًا، ما الذي ينتظره حتى يفقد عمه مثلما فقد أباه.

تلاقت نظراته مع “كارولين” بعدما ألقت بكلامها ثم نهضت.

_ لم يعد لدي شهية.

صارت طاولة الطعام فارغة إلا به ، فحتى قوانين طعامهم ضاعت من أجل “ليلى”، “ليلى” التي هوست عمه بجمالها.
_ لعنة، وجودك في حياتنا لعنة… هتضيعيه زي ما هي ضيعت “سالم الزهار” زمان.

…

اختفت ابتسامة “سما” وتركت هاتفها جانبًا عندما دلفت فجأة والدتها الغرفة.

_ مش ملاحظة حتى في أجازتك قعده في أوضتك مبحلقه في التليفون وديما مُبتسمة وأول ما أدخل عليكي الأوضة كأنك شوفتي عفريت.

أسرعت “سما” بالرد عليها بعد ما اعتدلت من وضيعة جلوسها.

_ أنا يا ماما!!

أومأت “يسرا” برأسها و ردت بنبرة ساخرة.

_ لأ العفريت يا ست المضيفة يلي كل ما يجيلك عريس تطفشي و أبوكي قايم على عومك وكل ما أتكلم سيبي البنت براحتها يا “يسرا”.

هربت “سما” بعينيها بعيدًا عن نظرتها الثاقبة لها ثم حركت يدها ببطء نحو هاتفها حتى تدسَّه أسفل الوسادة.

شعرت بالراحة عندما لم تلفت فعلتها أنظار والدتها.

_ عارفة في العيلة مطلعين عليكي إيه ،إنك خايبة يا بنت “يسرا”.

قوست “سما” شفتيها بتهكم.

_ خايبة!! هي الواحدة فينا بقت بتتقيم بالجواز.

_ طبعا بتتقيم بالجواز لكن مش أي جوازه.

استنكرت “سما” ردها وأرتفع أحد حاجبيها ذهولًا حينما لطمت والدتها فخذيها.

_ وقال إيه، أنا لما أشتغلتي في المطار وبقيتي مُضيفة قولت بنتي هتدخلي بالطيار.

صدحت ضحكات “سما” عاليًا ، فزجرتها “يسرا” وأجتذبتها من خصلات شعرها.

_ أنتِ عندك عداء مع شعري يا ماما ، عايزاني أكون مضيفة قرعه وتضيعي مهنتي مني.

دفعتها “يسرا” من أمامها بضيق ،فتعالت ضحكات “سما” مجددًا.

_ وكمان عايزاني أتجوز طيار من قلة المهن، كفاية “زوزو” في العيلة جبتلنا واحد ، وأه الواحد أخيرًا بقى له ضهر في المطار.

_ ونفسك يا نين عين أمك تتجوزي إيه!

انفرجت أساريرها ومررت يدها على خصلات شعرها حتى تُرتبها.

_ ماله مثلا لما أتجوز دكتور.

رد والدتها أتاها سريعًا ولم تتوقعه.

_ هاتيلي الدكتور و أنا موافقه.

…

رفع “مراد” رأسه عن عجلة القيادة ونظر بحاجبين معقودين نحو شقيقته وهي تتجه إلى الجزء الخلفي من حديقة الفيلا.

ترجل من السيارة وسار ورائها بخطوات حذره.
تجمد في وقفته عندما وجدها تجلس وراء أحد الأشجار وتضع رأسها بين ساقيها.

تلك الحركة أرجفت جفونه وذكرته بطفولتها ،” زينة” عندما تكون حزينة تبحث عن مكان تختبئ فيه.

توقف أمامها ثم أرتسم الفزع على ملامحه عندما وجد حامل ذراع مُلتفًا حول ذراعها ، فهي بالأمس لم يكن بها شئ،
وتساءل بخشونة.

_ دراعك كان سليم أمبارح.

نظرت إليه ثم أخفضت رأسها هربًا من سؤاله ،والجواب كان مفهومًا بالنسبة له…

_ أيده أتمدت عليكي مش كده، قولتله مليون مرة أيده متتمدش ويقف قصادي أنا.

وأندفع من أمامها بوجه غاضب مُتوعدًا.

_ مش هو يا “مراد”… “عدنان” مضر…بنيش

…

أعطاها مئزرها في صمت حتى ترتديه ثم أتجه نحو الحمام المُلحق بالغرفة على تلك الباخرة.
كل ليلة تجمعهم يُثبت لها كم هو رجلًا راقيًا، لا يُعنف ولا يصرخ بل يحترم رغبتها بالتوقف وعدم المواصلة لكن هل كل الرجال لديهم قدرة على هذا، إنها بالفعل ترى ضيقه في تحمل أمر كهذا.
تنهدت “زينب” بصوت عالي وهي تضع المئزر على جسدها ثم نظرت إلى الفراش الذي صار غير مُرتبًا.

أخذت تتحرك بالغرفة بضيق من نفسها تتساءل ، هل صبره سيستمر طويلًا ، هي صارت زوجته وأكتملت علاقتهم الزوجية ولم يعد زواجهم مجرد كلمة وضعت على وثيقة زواج.

_ أعمل إيه يا رب مش قادرة أنسى ،وخايفه يحصل حمل ، لا لا يا رب متعاقبنيش، أنا عايزة أكون أم بس خايفة.

دارت حول نفسها ماقتة، فهي ليست راضية عن أفكارها لكن رغمًا عنها مازالت تلك الحقيقة تُمزق روحها… هي تم أختيارها حتى تُنجب وريثً للعائلة وربما تظل حياتها هكذا…

_ فوقي يا “زينب”، “صالح” بيعمل كل حاجة عشان يراضيكي، أي حاجة نفسك فيها بيعملها.. بقى يندمج مع الناس عشان خاطرك… وطلع الرحلة برضو عشان خاطرك.. “صالح” أتغير عشانك.

طأطأت رأسها و تورد خديها عندما تسللت تلك اللحظات الحميمية الدافئة التي تجمعهم إلى رأسها.

_ مُراعي وحنين بيخليني أحس إني طايرة وأني أجمل ست في الوجود.

خرجت همساتها بصوت خافت مع تسارع دقات خافقها.

اقتربت من باب الحمام حتى تسترقي السمع ثم ابتعدت مُتنهدة بعدما أستمعت إلى صوت مِرَشّ الأستحمام.

أتجهت نحو الفراش حتى تُرتبه وجمعت ملابسهم سريعًا ،فهذا ما وجدته أمامها لتُلهي نفسها وتنفض رأسها من أفكارها التعيسة.
زفرت أنفاسها بضجر والتفت حولها ثم أقتربت من باب الحمام مُقررة هذه المرة أن تطرقه.

توقف صوت المياة، فتراجعت من أمام الباب واتجهت إلى الفراش بخطوات سريعة.

جلست على الفراش ثم أنتفضت حينما التقطت عيناها حقيبة مستحضرات التجميل وكريمات العناية بالبشرة الخاصة بها.
اختطفتها من على طاولة الزينة التي تضمها الغرفة وعادت إلى الفراش ثم رفعت ساقيها ومددتهما بطريقة مُغْوِيَة.

خرج من الحمام وهو يمرر المنشفة على وجهه وتحرك نحو الخزانة الصغيرة حتى يلتقط قميص نظيف له.

_ أنا خارج أشم شوية هوا.
لم ينظر إليها وهو يُخبرها بخروجه إلى سطح الباخرة.

_ خدي راحتك في الأوضة.

زمت شفتيها بعبوس ونادَته برقة.

_ “صالح”.

استدار إليها ،فظنت إنها سترى تلك النظرة المُتلهفة منه لكنه أشاح وجهه عنها وبدء في تزرير أزرار قميصه.

_ تقدري تنامي براحتك.

ردوده عليها جعلتها تشعر بالأختناق ودفعت حقيبة المستحضرات أرضًا دون قصد منها .
التف نحوها بعدما أستمع إلى صوت سقوط الحقيبة وقد تناثرت العبوات أرضًا.

نهضت سريعًا ولم تنتبه على وضيعة جلوسها وطريقة نهوضها ،فخرج تأوه عاليًا من شفتيها عندما تشنجت عضلة ساقها اليُمنى.

_ مش تاخدي بالك ، ديما كده مستعجلة، يعني عبوات الكريمات هيجرا ليها حاجة لو فضلت على الأرض.

اِفتر ثغرها بابتسامة عريضة ،فتنهد بمقت وهو يرفع ساقها المُتشنجة برفق.

_ لحظة أحط مخدة تحتها.

لم تغادر الأبتسامة شفتيها، هي بالفعل دلوعته ولا يتَّوَانى في تدليلها.

أسرعت بوضع قبلة على خده وتمتمت بآسف.

_ ممكن متزعلش مني وتستحملني شويه صغيرين.

طريقة تعبيرها بالكلام ، أصابت قلبه برجفة قوية وأذابت جمود ملامحه وجعلته رغمًا عنه ينظر في عينيها بلهفة.

أنفرجت شفتيه بابتسامة عذبة وتساءل بصوت مُتحشرج.

_ وأنتِ كده بتصالحيني.

هزت رأسها لمرات، فتوهجت عيناه بنظرة عابثة ثم أشار نحو شفتيه.

_ لأ أنا مبتصلحش غير بطريقة الكبار، بوسة الخد ديه تخليها لـ “يزيد”.

مزحته تسللت إلى قلبها المُتعطش لدلاله وقد أذهله أستجابتها السريعة.

_ حاضر.

خفق قلبه بجنون عندما اقتربت منه ثم أجتذبته أكثر إليها.. فتعالت وتيرة أنفاسهم معًا.
_ بتلعبي بيا يا “زينب”.
تساءل بها وهو غارق في نعيم قربها، فـ رفعت رأسها إليه ودون شعور منها غمغمت بأنفاس مُتقطعه.
_ أنا مش عايزة يكون عندنا طفل دلوقتي…

رواية ظنها دمية بين أصابعه

بقلم سهام صادق.

الفصل الثامن والثمانون (1)
🌻ظنها دمية بين أصابعه🌻

هل ما سمعه منها مجرد هَذَيان أم هو من يتوهم هذا؟ إنه بالفعل يتوهم ما سمعه ، فها هي تُطاوق عنقه بذراعيها وتشده إليها حتى لا يبتعد لكنه ابتعد عنها بأنفاس صارت حبيسة بين أضلعه وأعين مُتحجرة أختلط بها تأجج رغبته وحيرته .

_ “زينب”، أنتِ قولتي إيه ؟

خرجت نبرة صوته بثقل وتهدج، فتحت عينيها التي برقت بوهج اللهفة والضعف بعدما توقف عن تجاوبه معها بقبلاته الشغوفة وهمساته التي تلمس أوتار أنوثتها.

تعالت أنفاسها مع إنفراج شفتيها المكتنزة بكلمات أقرب للهمس أخترقت فؤاده وأضاعت حيرته وتناست هي أمر ما قالته، هي الآن لا تحتاج سوى تلك المشاعر التي أشعلت داخلها متعة لم تعرفها إلا على يديه.

_ “صالح” أنت حلو اوي.

تمتمت بها وابتسمت،أغلق عينيه مُتنهدًا بأنفاس مضطربه.
تحركت يديها على عنقه بخفة وواصلت حديثها الذي يخرج من بين شفتيها مُتقطعًا ومهزوزًا.

_ خليك حلو علطول يا “صالح” ، أنا حلوه في عينك صح.
ثم نادته بنبرة صوت مختنقة.
_ “صالح”

فتح عينيه ونظر إليها لترفع رأسها إليه حتى تستطيع مُلامسة شفتاه بخاصتها.
وهو كان يحتاج لتلك القبلة، قُبلة أتبعها تنهيدة طويلة وعميقة خرجت من صدره بأهاته ولوعته.
لقد صار رجلًا أخر لا يشبهه ولم يظن يومًا إنه سيكون هكذا، مُعطاءً مُدللًا وراضيًا ومتقبلًا أفعال امرأة تصيبه بالجنون وهو ليس عليه إلا الصبر معها.

_ هتعملي فيا إيه اكتر من كدة يا “زينب” ، قلبي و عقلي بقوا ملكك.

تلألأت عيناها بالدموع وافتر ثغرها بابتسامة توهج معها وجهها،فحتى في عتابه لها حنونًا.

_ أنت حلو أوي أوي يا “صالح”.
وبأنفاس متهدجة ونبرة صوت خافتة تضيع مع ثورة مشاعرهم هتفت بخفوت.

_ “زوزو” دلوعة “صالح”.

و “صالح” يضيع مع دلالها وضعفها و طفولتها ويقسم لها مع كل قبلة يضعها على ثغرها وسائر وجهها.

_ هتفضلي طول عمرك دلوعة “صالح” يا “زوزو”.

وهكذا ضاع الكلام بينهم وازدادت لهفتهم شعلةٌ نحو سحر اللقاء وجرعة الحب ، إنها تتفتح على يديه أما هو يعود للحياة بين ذراعيها.

…

تجمد “مراد” في وقفته عندما أخترق ردها مسمعه ثم استدار إليها وفي عينيه نظرة قاتمة.
ضاقت حدقتاه واقترب منها ، فوجدها تنهض من وراء الشجرة وبدأت تنفض بيدها السليمة بنطالها.

_ أنا وقعت على أيدي.
هتفت بها “زينة” سريعًا بعدما شعرت بتصويب نظراته عليها وكأنه يشك بأمرها.

_ وقعتي إزاي؟

تساءل بها وهو يرفع ذقنها بيده، أدهشتها فعلته… منذ متى و “مراد” يهتم بها، هي أعتادت أن تكون لا شئ يُذكر في حياتهم.
ابتلعت ريقها عندما تقابلت عيناها بعينيه ،فكرر سؤاله بحدة.

_ ردي عليا، وقعتي إزاي يا “زينة”.

أرتجف جسدها وتراجعت إلى الوراء خوفًا، فهي تكره الأصوات العالية.

_ قولت وقعت عليها، “عدنان” مضر..بنيش..وقعت على أيدي في النادي .. أنتوا من أمتى بتهتموا بيا ، ليه ماما مأخدتنيش معاها، ليه فضلت أنا عايشة.

وهرولت من أمامه باكية، فحتى هو قاسي مثلهم ويشبههم.
رددت اسمه داخلها، “هشام” مثلهم وليس ذلك الفارس الذي أنتظرته ليُخلصها من جحيم عائلتها.
كتمت صوت شهقاتها وهي تركض وقد عاد إليها شعور الخزي الذي قتل به فؤادها… هو تركها وحيدة بالمزرعة وعندما استيقظت من إغمائها وجدت الطبيبة جوارها تسألها إذا كانت بحال أفضل الآن لكن أين هو؟ هو رحل ولشدة كرمه عليها ترك لها سائقه.

تتبع “مراد” ركضها من أمامه بنظرة أزدادت قتامة ولم يشعر بنفسه إلا وهو يُكور كف يده ويضر…ب به جذع الشجر صارخًا بعلو صوته.

…

اختفت تلك الابتسامة عن ثغر “صالح” وأنطفأت لمعة عينيه التي يتلألأ وهَجَها مع إكتمال علاقتهم التي أحيت داخله حياة كانت بعيده عنه.

انتفاضتها من على الفراش والتقاطها لمئزرها ثم ركضها نحو الحمام أصاب عقله بالجمود.
انحبست أنفاسه التي كانت منذ لحظات تخرج من صدره بوتيرة سريعة وتوقف شاخص البصر عندما أستمع إلى صوت بكائها.

اقترب من باب الحمام واستند عليه بكلتا يديه مُحاولًا بيأس إلتقاط أنفاسه.
لقد تخطى الأمر أبعد الحدود وتوقف عقله عن التفكير وهاجس واحد أخذ يدور داخل رأسه ، “زينب” تستسلم له مُجبرة.
وعندما وصلت به أفكاره إلى نفورها منه وضع يده على صدره.
نظر نحو الفراش وهو يفرك عنقه من شدة الأختناق ثم
تحرك جهته والتقط الغطاء الذي عليه وألقاه أرضًا.
خرج صوته بزمجرة قوية والتقط ذلك المقعد الخشبي القريب منه ودفعه بكل قوته.

ارتعشت يدها التي تضعها على شفتيها وأطبقت جفنيها بآلم تتساءل، ما الذي تفعله به وبحالها.. ما هذا الخوف الذي احتلها فور أن تمت علاقتهم الخاصة كاملة للمرة الثانية.

مررت يدها على نبضات قلبها الهادرة وسرعان ما كانت دموعها تنساب على خديها عندما استمعت إلى صوت باب الغرفة يُغلق بقوة.

…

فتحت “ليلى” عينيها بصعوبة على أثر حركة “عزيز” جوارها وخروج أنفاسه بلهاث وكأنه يُصارع شئ أثناء نومه.
شعرت بالقلق وهي تراه يغمغم بكلمات غير مفهومه، أصابها الهلع وبيدين مُرتعشتين هزته برفق .
_ “عزي”ز ،”عزيز” أصحى..

انتفض “عزيز” من نومه وهو يصرخ باسم شقيقه.

_ “ســالم”.

نظرة عيناه وتلك الرعشة التي أصابت جسده , جعلتها تُسرع في احتضانه.

_ “سالم” كان واقف قصادي يا “ليلى” ، أخويا كان بيمد أيده ليا وهو حزين… أنا مديت له أيدى بس سبني ومشي.

دمعت عيناه، فنظرة شقيقه له تُخبره دومًا بقرب حدوث شئ سئ لهم.
ابتعد عن حضنها ونظر حوله باحثًا عن هاتفه.

_ “نيرة”، أنا لازم أكلم “نيرة” أطمن عليها.

التقط الهاتف بعد أن تمالك رعشة يديه ولم يرتاح قلبه إلا عندما أستمع إلى صوت أبنة شقيقه.

_ عمو حبيبي، صوتك ماله يا حبيبي وليه بتكلمني دلوقتي.

أطبق “عزيز” جفنيه بوهن عندما وجد “ليلى” تقف ورائه وتمسد على ذراعيه بحنو.
حركة يديها على ذراعيه أعادته إلى وعيه ثم فتح عيناه مُتنهدًا.

_ قلقت عليكي يا حببتي، طمنيني أنتِ واللي في بطنك بخير و “معتز” بخير.

ابتسمت “نيرة” وتلاشى الفزع عن وجهها ثم مررت يدها على بطنها.

_ “عزيز” الصغير بخير ،متقلقش عليه..

خفق قلبه عندما كررت عليه أمر تسمية الصغير باسمه إذا كان صبيًا رغم إنه مرارًا أخبرها أن أول طفلًا ذكر يأتى لعائلتهم سيحمل اسم “سالم”.

_ عارف يا عمو أنا كان نفسي أسمع صوتك أوي، أنت ديما حاسس بيا يا حبيبي.

أنشق ثغر عزيز بابتسامة خفيفة وضم “ليلى” إلى صدره.

_ سامحيني يا حببتي إن الدنيا اخدتني منك شويه ، أوعدك إني في أقرب فرصة هاجي أزورك واطمن عليكي.

ابتهجت ملامح “نيرة” وتقابلت عيناها بعينين “معتز” الذي دلف للتو من باب الشقة.

_ هستناك تيجي قريب أنت وعدتني.

أنهى “عزيز” المكالمة معها بعدما اطمن عليها، حركت “ليلى” رأسها على صدره ثم رفعت عيناها إليه.

_ أطمنت عليها يا حببتي .

تنهد “عزيز” بثقل، فتساءلت بخوف.

_ هو الحلم كان وحش يا “عزيز”.

ابتلع ريقه وأنفلتت منه تنهيدة أخرى طويلة.

_ مش عارف يا “ليلى”، مش عارف بجد.

تحشرج صوته عندما كرر رده ، فهناك شئ يجثم على روحه.. “سالم” لم يأتي إليه بعد زواجه سوى مرة واحدة وبعدها أنقطع عن أحلامه لكن هذه الليلة لا يعرف لِما رأى الحزن أيضًا في عينيه.
اخفض رأسه هربًا من نظرة عينيها المتوجسة.

_ حبيبي أطمن مافيش حاجة وحشه هتحصل، أنت بس تقلت في العشا قبل ما تنام.

داعبت شفتيه ابتسامة واهنة عندما مدَّت يدها نحو خده حتى تُحرك وجهه إليها وأردفت وهي تتحرك بين ذراعيه.

_ وكمان خلتني أنام زعلانه عشان مش عايز تاخدني معاك تركيا.

حدق بها بنظرة طويلة بعد عتابها اللطيف الذي دغدغ مشاعره.

_ عايزه تيجي معايا تركيا يا “ليلى”.

اتسعت ابتسامتها وهزت رأسها بالموافقة.

_ أنا رايح يومين شغل مش رايح أتفسح.

أسرعت بالرد حتى تهرب من مكوثها بالفيلا دونه.

_ هقعد في الفندق مؤدبه وكمان “نارفين” هناك هقضي يومي معاها.

_ وأنا موافق يا “ليلى” وأهي فرصه نشوف دكتورة شاطرة هناك ونطمن.

اِنمحت ابتسامتها سريعًا وتساءلت وهي تنظر إليه.

_ دكتوره ليه، أنت تعبان يا “عزيز”.

ازدردت لعابها بوجِل عندما سار بها جهة الفراش وأجلسها عليه ثم جلس جانبها مُلتقط كفوف يديها.

_ دكتوره عشان نطمن إن مافيش حاجة تمنع الحمل يا “ليلى”.

كادت أن تُقاطعه وتُخبره أن زواجهم لم يمر عليه سوى أربعة أشهر، فترك يديها وأسرع بمداعبة خديها.

_ حببتي عشان نطمن مش أكتر ، أنا عارف إننا بناخد الخطوة ديه بدري والمفروض نستنا على الاقل ست شهور بس أنا عايز طفل يا “ليلى”، هيكون أسعد يوم في حياتي يوم ما تقوليلي إنك حامل، أه لو تعرفي السعادة اللي هتديهاني لما يجي اليوم ده.

والتقط كفوف يديها مجددًا واخذ يقبلهما تحت تأثير صدمتها، “عزيز” يلح في أمر الأنجاب ويخبرها بشوقه لهذا الخبر الذي سيضيف إلى حياته سعادة لا يستطيع وصفها لها.

جف حلقها وشحب وجهها وهي تشعر بقبلاته على جفنيها المُغلقين.
وصوت واحد يحمل مرارة صاحبته أخذ يقتحم ذاكرتها.

« كان نفسي أكون أم يا “ليلى” وأفرح “حامد” بطفل من دمه لكن مكنش لينا نصيب وعشان يخليني سعيدة وأتقبل فكرة إني مش هكون أم، وافق إننا نتبنى طفل ،”حامد” حبه ليا كان أكبر من إنه يكون أب ، فضلت عمري كله أتعذب وأنا بشوف حيرته في عينه كل ما كان يروح زيارة لأهله ويرجع يترمي فـ حضني زي الطفل ، كانوا ديما يعايروه أنه ضحى بأبوته وطفل من صلبه عشاني، قصة حبنا الكل كان بيتحاكى عنها لكن كان وراها أمتحان صعب أوي .»

…

داعبت برودة الهواء وجهه ،فتنهد “صالح”بعمق وهو يصوب عيناه نحو مياة النيل التي أنعكس عليها ضوء القمر.
هدوء الليل وذلك السلام الساكن مع سكون المياة جعل النيران المشتعلة داخل صدره تنخمد وقد أتأخذ القرار الصحيح في الأبتعاد عنها حتى يهدأ.

أستمر في زفر أنفاسه ثم رفع رأسه لأعلى مُتنعمًا بصفاء السماء.

_ قربك نعيم ونار يا “زينب”.

غمغم بكلماته ثم لاحت أمامه صورتها وهي تبتعد عن حضنه وتركض نحو الحمام.
عادت تلك النيران توقد داخله، فهل ما يفعله معها جُرمًا، والأمر الذي يُفسره عقله هذه اللحظه يُدمي قلبه ،هي ترغب بالتخلص من لمساته ورائحته العالقة بجسدها سريعًا.

_ أنا بتعذب في حيرتي، حاسس بنار جوه قلبي.

لطم صدره لَعلّ حرقته تزول ويُسيطر على غضبه.

_ لأ شكلك موجوع أوي.

هتفت بها الواقفة ورائه ثم دست لفافة التبغ بين شفتيها المطلية بأحمر شفاه صارخ.

تقوست شفتيه بتجهم وأستدار بجسده إليها ، فابتسمت واقتربت منه.

_ تعرف إنها غبيه.

رمقها “صالح” باستنكار وابتعد عنها،فاردفت وهي تتلاعب بإحدى خصلات شعرها المصبوغة.

_ متعرفناش يا باشا ،أنا “مروة” سيدة أعمال ولسا راجعه من فرنسا.

لم يهتم “صالح” لأمرها وأكمل سيره ، فهي أثارت أشمئزازه.
اتسعت ابتسامة الواقفة.

_ من بعيد شوفتك فيه، أصل أتعرفت عليه على الباخرة هنا.

ثم تجلجلت ضحكتها ونظرت حولها وأخذت تُردد اسمه بعدما تذكرت تلك الذكرى البعيدة وهو يمد يده لها حتى يُعرفها على نفسه.

« أسامة، بشمهندس أسامة.»

…

تحركت “زينب” في الغرفة وهي تقضم أظافرها من شدة قلقها ثم توقفت عن حركتها المُفرطة وأتجهت نحو الخزانة الصغيرة وقررت إلتقاط ملابس لها تُناسب خروجها حتى تبحث عنه.

التفت بكامل جسدها بلهفة حينما أنفتح باب الغرفة وصاحت باسمه.
ألقت ما ألتقطته يدها أرضًا ثم هرولت إليه.

_ سيبتني و روحت فين، أنا كنت طالعه أدور عليك.

لفت ذراعيها حول خصره وشدَّدَت من ضم نفسها إليه.

_ أنا أسفة.

وقوفه ثابتًا مُتصلبًا دون أن يُبادرها العناق أصابها بالدهشة ،أبتعدت عنه ونظرت إليه بنظرة حائرة.

_ “صالح”.

أشاح وجهه عنها وقد زادتها فعلته ذهولًا.

_ أنت ليه مش بترد عليا.

لقد ضاق صدره ولم يعد لديه قدرة يُقاوم نفورها منه وتلاعبها به.

_ أرد عليكي أقول إيه، أقولك إنك قدرتي بجدارة توجعيني يا “زينب” ، ده أنا سلمتك قلبي وعقلي… لو أطول أجبلك نجمة من السما عشان تكوني راضية هعملها … لدرجادي مش طايقة قربي، طب ليه سمحتيلي من الأول أقرب.. ليه؟

اِنجرح حلقه من الصراخ وتحرك نحو الفراش بعدما شعر بعدم قدرته على الوقوف.

_ أنت بتقول إيه!!

ترقرقت الدموع في عينيها ،فاطرق رأسه مُطبقًا شفتيه حتى لا يتحدث ثانية ويجرحها.

صورته وهو مُطأطأ الرأس هزت فؤادها وأستوعبت أخيرًا الصورة التي وصل إليها عقله.

_ أنا بعمل كده عشان خايفه أكون أم ، “شاكر” باشا خلاني قدام كل الناس إنك مختارني عشان أحقق حلم العيلة وأخلف ليكم الوريث.
رفع رأسه إليها بصدمة لا يستوعب ما تخبره به وأستطردت قائلة بحرقة وصوت مختنق.

_ حتى “رغد” عارفه إنك متجوزني عشان أخلف وبس.

وبأنفاس لاهثة ثائرة خرج تساؤلها بضعف.

_ أنا إيه في حياتك يا “صالح”؟

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *