رواية ظنها دمية بين أصابعه (الفصل الرابع والثمانون والخامس والثمانون) بقلم سهام صادق
_ لازم ننسى الليلة ديه، وتفضلي شايفاني في صورة الأخ.
وليته لم يُبرر لها شئ، ليته تركها بروح مهشمة ومعذبه دون أن يصفعها بتلك الحقيقة المؤلمة.
استدارت جهته ببطء و انتابه الهلع عندما رآها تبكى.
اِنحشرت جميع كلمات الآسف في حلقه وسرعان ما الجمته بحديثها.
_ لكن أنت مش أخويا ولا أنا أختك، مافيش أخ بيلمس أخته كده.
…
«جولتنا اليوم ستكون إلى جزيرة النباتات» قالتها “نسرين” ابنة السيدة “كاميليا” بحماس وتابعت وهي تنظر نحو “زينب” التي غفَلت عن نظرتها إليها والتهت بالحديث مع إحدى زميلاتها.
_ وهنقضي سهرتنا في مكان تاني على شرف شخص هيكون مجهول الهوية زي ما طلب.
هرب “صالح” بعينيه بعيدًا بعدما وجه البعض نظراته إليه، انتبهت السيدة “كاميليا” على نظراتهم وأشارت لهم بيديها.
_ خلونا نتحرك عشان الوقت يكون متسع معانا وننبسط.
بدئوا بالتحرك إلى خارج الفندق لكنهم توقفوا جميعًا والتفوا.
_ “صالح” بليز استنى، أنا مش كنت متفقه معاك تخدوني معاكم..
تعالت صوت الهمهمات، فتجهمت ملامح “صالح” ورمقها بنظرة غاضبه.
_ أنا مستعده أه.
زجرت إحدى زميلات “زينب” زوجها بنظرة محذرة بعدما خرج صوته بخفوت.
_ يا بختك يا عم “صالح”.
تمالكت “زينب” مقتها بعدما فهمت نظرة “رغد” إليها وسرعان ما كانت ابتسامتها تُزين ثغرها الصغير.
_ أخص عليك يا حبيبي كده تخلينا ننسا “رغد” ، لأ بجد مش هعتمد عليك تاني تفكرني بحاجه مهمه.
اختفى البريق الذي التمع في عينين “رغد” وأمتقعت ملامح وجهها عندما أدركت أن “زينب” فهمت تلاعبها.
_ حضرتك مش معانا في الرحلة لكن عشان خاطر “زينب” والكابتن معندناش مشكله تنضمي لينا.
ازدادت ملامح “رغد” تجهمًا من حديث “نسرين” التي استدارت بجسدها وتحركت أمامهم.
_ وقتنا بيضيع يا جماعه واليوم النهاردة حافل وممتع.
أشاحت “رغد” وجهها عنهم بعدما رأت نظرات الاستنكار من البعض.
شعرت “زينب” بالشفقة نحوها واقتربت منها لتتأبط ذراعها.
_ تعالي يا “رغد” معانا هتتبسطي أوي
رمقت فعلتها بنظرة ثاقبة ،فاردفت “زينب” وهي تُلقي عليه نظرة متوعدة.
_ قوليلي إزاي “صالح” ينسى يقولي إنك جايه معانا.
…
تجمدت ملامح “هشام” ونهض من وراء مكتبه قائلًا بضيق:
_ أنا جاي فورا، خليها جوه.. إياك أجي الاقيها وافقه عند الخيول.
غادر مكتبه بعجالة دون أن ينتبه على تحية أحد له.
فتح سائقه له باب السيارة، فاشار له بالتعجَّل.
_ اتحرك على المزرعه.
وصل به سائقه في وقت قياسي إلى المزرعة و أستطاع أخيرًا إلتقاط أنفاسه.
بخطوات سريعة دلف إلى المنزل الذي يتخذه هو وشريكه استراحه لهم عند وجودهم هنا.
وجدها تجلس على الأريكة وتخفض رأسها وتهز ساقيها ،إنها ضجرت من انتظارها له.
_ بتعملي إيه هنا، مش قولتلك مش عايز أشوفك.
عبارته كانت قاسية على قلبها الذي تعلق به، فانسابت دموعها.
_ أنا عملتلك إيه يا “هشام”، عشان تبعد عني
اشاح وجهه عنها متمتمًا بغلظه حاول إجادتها حتى يجعلها تبتعد عنه.
_ “زينة” أنا مش ناقص وجع دماغ ولا شاب في عمرك يستحمل دلعك ،فـ ابعدي عن طريقي.
أسرعت إليه تدفعه على صدره،فتراجع إلى الوراء بسبب دفعها له.
_ أنت كداب، قول إنك مش بتحبني.
التقط يديها حتى يوقفها وابعدها عنه صائحًا بحزم.
_ هو أنا هحب عيلة قد ولادي.
انهمرت دموعها على خديها واقتربت منه.
_ افتكر إني جتلك اتوسلك إنك تحبني.
تقابلت نظراتهم ،فاطرق رأسه سريعًا حتى يهرب من ضعفه أمامه.
_ ياريت تناديني بسيادة المستشار.
عضت على شفتها السُفلية حتى تتوقف عن البكاء.
_ حاضر يا سيادة المستشار.
اِتجهت نحو الأريكة التي وضعت عليها حقيبتها والتقطتها ثم شيعته بنظرة لائمة.
ببطء سارت أمامه ثم استدارت إليه فوجدته ينظر إليها.
التف بجسده،فهتفت برجاء.
_ أنا عايزه أفضل جانبك، بليز خليني معاك.
_ امشي يا “زينة”٠
تنهد بثقل بعدما خرجت من المنزل واتجه إلى أحد المقاعد ثم تهاوى بجسده عليه واضعًا رأسه بين يديه.
_ ألحق يا سعادة البيه ، الهانم الصغيره وقعت من طولها.
…
ابتسم “عزيز” فور أن دلف إلى غرفتهم، ووجدها منكبة على أوراق الحسابات الخاصة بأحد معارض الأثاث وقد طلب منها مراجعتها هذا الصباح حتى تشغل وقتها.
تنحنح بخشونة، فرفعت رأسها وابتسمت.
_ ثواني وهلم الورق بسرعة.
أسرعت في لملمت الأوراق حتى تثبت له وعدها ،إنها لن تُقصر في واجباتها معه وحينما يدخل غرفتهم سيجدها كما يُحب أن يجد الرجل زوجته بعد يوم عمل طويل و شاق.
_ براحه يا حببتي.
هتف بها وهو يضع يده على يدها، فنظرت إليه مدهوشة.
_ أنت قولت أول ما تدخل الأوضة مش عايزاني أكون مشغوله عنك.
غامت عيناه بنظرة حيرتها، فقطبت جبينها وتساءَلت.
_ بتبصلي كده!!
_ مش عارف يا “ليلى”، مش عارف بجد أنتِ جيتي ليا منين.
قالها بصدق و أستقام في وقفته حتى يتمكن من احتضانها.
ظنته يمزح، فهتفت بداعبة.
_ جتلك من الإسماعيلية يا “عزيز”.
ضحك و ضمها إلى صدره.
_ ما أنا عارف، ده أنا حتى بقيت أحبها عشان خاطر عيونك.
اِنشرحت أسارير وجهها ،فتساءل.
_ بتبصيلي كده ليه بقى ، خدي بالك أنا راجل متجوز وبحب مراتي.
_ “عزيز”، أنا بحبك أوي.
طوقت خصره بذراعيها ودست رأسها عند موضع قلبه، فاغمض عينيه راجيًا من الله أن تدوم تلك السعادة التي حظى بها بعد طول انتظار.
_ و عزيز عمره ما ابتداش غير معاكي يا “ليلى”.
ابتعدت عنه بعد أن اخترقت عبارته قلبها ،فابتسم وداعب أنفها باصبعه ثم أنفجر ضاحكًا عندما تحدثت بنبرة الأم التي تُكافئ صغارها بالحلوى.
_ أنت أمبارح قولتلي إنك نفسك تاكل أم علي.
….
تفاجئ الجميع بالمكان الذي وصلوا إليه حتى يقضوا سهرتهم.
خرجت صَيْحات البعض وقد راقت الأجواء لهم.
وضعت “زينب” يدها على شفتيها عندما ارتفعت الدُفُوف لأعلى وصدح أصوات الغناء بالألحان النوبية.
شهقتها التي انفلتت من شفتيها بسبب فرحتها، جعلت قلبه يخفق بجنون.
أشار إلى أحد الرجال المسئولين عن هذا المكان المفتوح بالهواء الطلق، فتحركوا حولهم حاملين الدُف وأخذوا يرقصون بطريقتهم المميزة.
تحول المكان فجأة إلى بهجة والتقطت يده حتى يرقصون سويًا كما فعل الباقين.
_ أنا مبسوطة أوي يا “صالح”.
قالتها وهي تنظر إليه ودمعت عينيها.
_ مدام “كاميليا” قالتلي إنك الشخص المجهول، صاحب المُفاجأة.
ابتسم ونظر نحو السيدة “كاميليا” و ابنتها ثم مدَّ يده نحوها حتى يمسح دموعها.
_ ده أنا قولتلهم نخليها سر.
اشتعلت نظرات “رغد” بالحسرة وقبضت على كفوف يديها بحقد.
_ بتتحول معاها لراجل تاني…
واردفت بوعيد.
_ أكيد منتظر ليلة مميزة في حضنها بعد مفاجأتك ليها.
نظر “صالح” حولها حتى يطمئن على وجودها، بالنهاية هي ابنة صديق والده.
تنهد براحه عندما وجدها تلتقط كأس من العصير البارد وترتشف منه.
….
توقفت عن سكب اللبن فوق الرقاق في الطاجن المخصص له واستدارت برأسها إليه عندما حاوط خص.رها ووضع ذقنه على كتفها متسائلًا.
_ هتخلص أمتى؟
ضحكت بخفوت وحاولت تخليص جسدها من ذراعيه.
_ ابعد أنت بس وأنا هخلص بسرعة.
مط عزيز شفتيه باستنكار ونظر حوله، فالسكون يعُم الفيلا رغم أن الوقت لا يتخطى الثانية عشر.
_ وأبعد ليه ، هو في حد معانا.
تمتمت بهمس بعدما أدارها إليها.
_ “كارولين” فوق و “سيف” ممكن يرجع من بره في أي وقت.
أحاط وجهها بكفوف يديه وقربها منه.
_ “عزيز “…
نطقها لحروف اسمه بتلك الطريقة افقدته صوابه ولم يشعر بنفسه وهو يتحرك بها نحو طاولة المطبخ.
سقط الدورق الموجود على الطاولة، فاصدر صوتً عاليًا اجتذب انتباه” سيف” الذي دلف للتو المنزل.
بأنفاس متهدجة خرج صوت عزيز .
_ أنا بقول ننسى أم علي ونطلع أوضتنا.
حركت رأسها إليه بطاعة وهي تُسبل أهدابها ، فلم تزيده فعلتها إلا تو.قً وله.فة.
توارى “سيف” بجسده بعدما التقطت عيناه المشهد ثم ابتعد عن المطبخ حتى لا يرى المزيد وقد أصم أذنيه بيديه لعله يطرد صورة عمه الغارق في لذ.ته.
…
سؤال واحد أخذ يُردده لها طيلة طريق عودتهم لكنها استمرت في ردودها المُقتضبة إليه.
أغلق باب غرفتهم بالفندق بقوة ،فارتجف جسدها ونظرت إليه.
أخذ يدور حول نفسه ثم توقف قبالتها.
_ إيه غيرك فجأة بعد ما كُنا مبسوطين.
أشاحت بوجهها عنه وتحركت من أمامه ،فأسرع بالتقاط ذراعها مُكررًا سؤاله.
_ أنا مش بكلمك.
_ أبعد أيدك من فضلك.
قالتها بصوت مخنوق، فترك ذراعها وأستمر بالتحرك حول نفسه.
_ بتعملي كده ليه، ليه كل لحظة بنكون فيها مبسوطين بتحوليها لذكرى سيئة.
اِقتحم حديث “رغد” رأسها ،فتدفقت من مقلتيها الدموع في صمت.
_ قولتلك المرادي القرار في أيدك، قوليها وأنا هنفذ ليكي كل حاجة يا “زينب”.
أسرعت بكتم صوت بكائها، فوضع يديه على رأسه بعدما ضاق ذَرْعاً.
_ بتعيطي ليه دلوقتي، قوليلي وريحيني أعمل إيه عشان ترتاحي.
أخفضت رأسها وانفلتت منها شهقات بكائها.
_ يا رب قوة احتمالي خلصت خلاص.
بدء صدره يعلو ويهبط، فمرر يده على عنقه بكبت حتى هدأ.
اقترب منها مُتلاشيًا غضبه وجلس جوارها على الفراش.
_ بنعذب نفسنا ليه يا “زينب”، ريحيني وقوليلي ليه؟
توقفت عن البكاء، فالتقط يديها.
_ علمتيني الحب ودوقتيني مرارته ،فمبقتش عارف اكره الحب ولا أحبه.
أندهش عندما أرتمت بين ذراعيه.
_ أنا موافقه، المرادي اوعي تسيبني وتتراجع…
وهو الليلة كان عازمًا بشدة على إتمام زواجهم… تسطحت على الفراش تنظر إليه ،فاقترب منها ببطء وتمهل.
تشابكت أيديهم وتعانقت أرواحهم والدموع التي انسابت من عينيها الليلة كانت مختلفة… دموع أمتزج معها شعور أخر…
#ظنها_دمية_بين_أصابعه ❤️
بقلم / سهام صادق.
