رواية خارج أسوار القلب (الجزء الثالث) بقلم صابرين الديب

بعدها بيومين تم الطلاق في هدوء, بكت (لمياء) ونزفت دموعها أنهارا, بكت كما لم تبك من قبل وكما لن تبكي بعد اليوم, ظنت أنها أقوى لكن بعد نطقه لكلمتي : أنت طالق; انهار بداخلها شيء ما جعل حمم دموعها تنصهر في قلبها وتحرق مقلتيها فوجنتيها ثم تستقر مبللة وسادتها, انتقلت لتقيم مع شقيقتها ووالدتها اللتين حزنتا كثيرا من أجلها, لم تكن والدتها تعتقد أنها عندما تركت الأمر بيديها أنه سيصل لهذه المرحلة, لكنها لم تعاتبها او تراجعها, فهي تعلم مدى تحمل ابنتها ومادام الأمر قد وصل لنهاية مسدودة فلابد ان ابنتها قد سعت قبلها كثيرا لتحول دونها, لكن قدر الله وما شاء فعل, وفي خلال اليومين أيضا عرض (آدم) على (جمانة) العمل الجديد في مكتبه فرحبت بالفكرة, واستقرت الأمور مرة أخرى حتى أتاها اتصال من أخي زوجها الحاج (عبدالرحمن) ليعرف قرارها النهائي, كانت قد نسيت أو تناست الأمر وشعرت بالأمان مع كلام شقيقتها لكنها عادت للقلق من جديد عندما أبلغته رفضها وهددها أن الأمر لن يمر بسلام أبدا, كانت تجلس شاردة واجمة في مكتبها ولم تسمع اتصال (آدم) بها حتى خرج من مكتبه ووقف أمامها ينادي باسمها وهي لا ترد, لم يدر ماذا يفعل فطرق على المكتب بقوة أفزعتها وهي تتطلع إليه في رهبة, نظر لها وقال مهدئا :
– ايه ايه ماتخافيش, مالك ياجمانة ؟ شكلك مش هنا ومرعوبة كده ليه؟

خرج صوتها مرتبكا قلقا وهي ترد :
– لا أبدا مفيش حاجة, شوية مشاكل خاصة.

نظر إليها وود أن يمتلك القدرة ليحل لها مشاكلها, كان يشعر نحوها بأبوة غريبة على الرغم من إعجابه بها كامرأة, حاول أن يشاركها مشاكلها ولكن بتردد خوفا من أن ترفض لتدخله في حياتها الخاصة فجلس أمام مكتبها وتساءل بهدوء :
– خير, قولي لي يمكن أقدر أساعدك.

هزت رأسها نفيا مجيبة :
– ولا يهمك يا دكتور آدم, حاجة مالهاش حل, ربنا يحلها من عنده.

ابتسم وقال بود :
– طيب جربي يمكن تلاقي عندي حل, لو الموضوع مايضايقكيش أو خاص أوي.

علت شفتيها ابتسامة باهتة وهي تشكر له اهتمامه وقالت :
– هو مش خاص للدرجة, لكن مش عارفة نهايته ايه ولا ممكن يوصل لفين؟

نظرت إليه لتجده يبادلها النظر باهتمام حاثا إياها على الحديث, كانت شبه فاقدة الأمل خائفة مرتبكة فقررت أن تحكي له, أخذت نفسا عميقا وهي تقول :
– هأقول لحضرتك يمكن فعلا يكون عندك حل.

وانطلقت تحكي له عن مشكلتها مع أهل زوجها الراحل وطلبهم الغريب ثم تهديدهم لها ومحاولة أخذ ابنتها منها بالقوة أو الاستيلاء على ميراثها بدون وجه حق, استمع لها باهتمام وهو يفند كل موقف حتى انتهت, وختمت حديثها قائلة :
– وغير ده كمان أختي اتطلقت من كم يوم, كأن الحزن مصمم يعشش في قلوبنا للأبد.

شعر بالأسى على حالها وأختها فقال مواسيا :
– لا حول ولا قوة إلا بالله, الله أعلم الخير فين, يمكن طلاق أختك لأن ربنا شايل لها حاجة أحسن.

أومأت برأسها موافقة وهي تبتسم في حنان ثم قالت :
– ونعم بالله.

صمت مفكرا لدقيقتين او أكثر وهي تتطلع إليه في أمل عله يجد حلا لمشكلتها مع أهل زوجها, ثم انتعش الأمل في قلبها أكثر عندما قال فجأة :
– عندي حل غير متوقع لموضوعك, بس مش واثق من موافقتك عليه.

تساءلت في أمل :
– حل ايه ؟

قال ببطء :
– الجواز.

تراجعت للخلف برهبة وتردد صدى كلمته في أذنيها بعنف, حدقت فيه بشدة وهو ينظر إليها صامتا حتى هتفت في استهجان شديد :
– جواز يادكتور ؟ هو ده الحل ؟ يعني أنا رفضت اخوهم عشان اتجوز واحد غيره ؟ ده لو سبنا مبدأ أصلا إني رافضة الجواز فأنا كده باسوأ سمعتي عندهم وباديهم فرصة أكبر ياخدوا بنتي مني.

ابتسم وقال بهدوء :
– طيب اسمعي تفاصيل الفكرة الأول.

هزت رأسها نفيا قائلة :
– بداية الفكرة مرفوضة هاسمع تفاصيلها ليه ؟

هز كتفيه وأجاب :
– يمكن تعجبك, كملي معايا للآخر.

عقدت حاجبيها في استغراب وأنصتت إليه في أثناء قدوم (أدهم) لأخيه, سمعهما يتحدثان فلم يقاوم فضوله للاستماع لحديثهما, انتحى جانبا وأمسك هاتفه كأنه يفعل به شيئا ما ويسمع مايقولان بوضوح, أما (آدم) فقال :
– شوفي ياستي, ليه طرحت فكرة الجواز, اولا هتكتبي الأرض باسم جوزك بيع وشرا مع طبعا ضمان لحقوقك, هو اللي هيبقى شريكهم ويتصرف معاهم وممكن يبيعها لهم بالسعر اللي تستحقه, ثانيا هيمنع تفكيرهم فيكي من ناحية الجواز نهائي, ثالثا جوزك هيعتبر حماية ليكي ولملك من أي تهديد وهو اللي هيتصدى لهم ويمنعهم, رابعا لما تهدأ الأمور وكل واحد ياخد حقه تقدري تاخدي أرضك تاني او لو اتباعت تاخدي تمنها, المهم تختاري انسان أمين وقوي بما فيه الكفاية عشان يسوي المسألة.

هزت رأسها نافية بعنف وقالت :
– يادكتور كلامك مش منطقي, مجرد جوازي هيديهم سبب ينفذوا تهديدهم وياخدوا ملك والمحكمة ممكن تحكم لهم لأني اتجوزت وبنتي تضيع مني ده غير إن العرسان مش واقفين ع الباب مستنين الاشارة وهاختار منهم الأمين القوي اللي هيحافظ لي على أملاكي.

ابتسم وأجاب :
– موضوع المحكمة ده تنسيه, القانون بيدي حق الحضانة في حالة زواج الأم لأمها هي وبعدها أم الزوج, يعني دورهم متأخر أوي في القايمة, وكمان السبب اللي هما عاوزين ياخدوا بنتك عشانه خلاص هيكون مفيش لأن الأرض باسم جوزك ومش هيقدروا يعملوا حاجة إلا بالقانون عشان أرضهم ترجع لهم, والعريس سهل انت انسانة تستاهلي كل خير وكتير يتمنوكي.

تراجعت في مقعدها تفكر, أهذا ممكن بالفعل لكن أمرا ما قفز لذهنها فجأة فقالت :
– طيب ماهي مامة حسام الله يرحمه ممكن تاخد مني ملك, أنا وعدتها إن مستحيل حد تاني يدخل حياتي بعد حسام.

حملق فيها بدهشة وهتف :
– وعدتيها بإيه ؟؟ ده اللي هو إزاي يعني ؟

تنهدت وقلبت كفيها في قلة حيلة فاستطرد :
– والله ياجمانة ماانا عارف اقولك ايه, الحقيقة يعني ده تصرف طايش جدا, ووعد زي ده ماينفعش من الأساس لأنه فوق طاقة أي حد, وبعدين إنت مش مركزة ليه بأقولك بعدك إنت الحضانة لمامتك مش لمامته .

شردت تفكر في الأمر, أهذا ممكن؟ أتزوج؟ رجلا آخر يفتح الباب الموصد وقفله الذي علاه الصدأ, هل قلبي سيستجيب؟ لم تستسغ الفكرة مطلقا فهزت رأسها بعنف وكأنها تطردها منها وقالت بلهجة قاطعة :
– مستحيل يا دكتور آدم, ما أقدرش أعمل حاجة زي دي أبدا.

قام من كرسيه وهو يقول :
– عموما فكري في الموضوع واستشيري حد بتاع قانون يفتيكي أكتر, ولو ع العريس ياستي .. أنا موجود.

قالها وضحك بشدة في حين شعرت هي بالصدمة وهي تتطلع إليه في ذهول لم يكن بأقل من الذهول المرتسم على وجه أخيه وهو يستمع للحوار الدائر بينهما, أما هو فأنهى ضحكته وقال :
– مالك مزبهلة كده ليه؟ مش عاجبك؟ ده انا دكتور جامعي ومدير محترم في شركة كبيرة وأرمل وعندي ابن.

ثم ضحك مرة أخرى وهي على نفس الحال من الذهول لكنه استطرد رافعا الحرج عنها :
– ايه يابنتي باهزر, عملتي كده ليه ؟

وهو يتطلع إليها باستغراب فابتسمت قائلة بنوع من الخجل :
– دكتور آدم بأشوف من حضرتك جانب ماكنتش متعودة عليه أيام الجامعة.

ضحك مرة أخرى ثم قال في شرود كأنه يتذكر أمرا ما :
– كلنا بنتغير يا جمانة, هاخد ايه من البوز والوش الخشب يعني وبعدين انت اختي الصغيرة باغلس عليكي شوية.

ابتسمت وردت :
– ده شرف لي والله يادكتور.

تنهد وقال بسرعة :
– عموما فكري في اقتراحي واسألي أختك, إنت قلت لي إنها محامية !! ولو وافقت نبتدي نسعى في الموضوع وننزل طلبك في باب أريد عريسا في أي مجلة.

قالها وقهقه عاليا فابتسمت هي الأخرى, في حين كان الغضب يتجسد على وجه (أدهم) وهو يعود لمكتبه بخطوات سريعة حانقة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *