فارس بلا مأوى بقلم ولاء رفعت ج٤ والاخير
جذبها من يدها لتسير خلفه بتعثر، حتي توقفا علي مقربة شديدة من مروة وعلي الذي تسمر في مكانه حينما تلاقت عينيه بخاصتها، و هي قد أهتزت عندما جذبها أكرم من خصرها يحتضنها.
وقفت مروة تنظر إلي صديقتها السابقة بدهشة، كيف جاءت و هي لم ترسل لها دعوة حضور الزفاف!.
ذهبا إليهما، صافحت ندي مروة علي مضض:
– مبروك يامروة.
ردت الأخري بإقتضاب:
– الله يبارك فيكي.
ــــــــــــــــــ
و ها هي قد أهتداها تفكيرها الشيطاني بعدما رفضت الطبيبة بإجراء الإجهاض لها، تلجأ إلي الحيل القديمة، ذهبت إلي العطار، و قامت بشراء خليط من الأعشاب التي علمت بمفعولها الذي سيفي بالغرض.
و الآن هي بمفردها تمكث في غرفتها منذ الأمس، تمسك بالكوب الخامس أو ربما السابع تحتسيه بصعوبة بسبب رائحة الخليط النفاذة، كما يداهمها منذ الأمس شعور بألم يزداد كل فينة و الأخري.
صعدت علي الكرسي و وثبت علي الأرض، مرة تلو الأخري، و في كل مرة تتأوه بألم، و إذا تشعر بسائل دافئ يتدفق من أسفلها و قد وصل الألم إلي ذروته، و هنا لم تعد قادرة، فأطلقت صرخة وصلت إلي مسامع أهل النجع!.
_
🌹يتبع🌹
#الفصل_السادس_والثلاثون
#فارس_بلا_مأوي
#بقلمي_ولاء_رفعت_علي
تمكث في الغرفة بمفردها منذ أن عادا من الخارج، لم يستغرق وجودهما في حفل الزفاف سوي مجرد دقائق مرت كمرور الدهر علي قلب احدهم و بمثابة خنجر متوهج يخترق قلوب آخرين بلا رحمة.
نهضت من فوق مكان الراحة بعد تفكير دام لأكثر من ساعة، ذهبت لتبحث عنه في الردهة، وصل إلي أنفها رائحة سيجارته المشتعلة من الشرفة، سارت إليه و وقفت خلفه بتوجس حيث إنها تدرك جيداً حالته النفسية الآن، فهو لا يلجأ لتدخين السجائر إلا عندما يكون في قمة غضبه لاسيما تري من جانب وجهه إحتدام عظام فكه البارزة و انتفاخ أوداجه النافرة.
ترددت في التحدث إليه، لكن في النهاية وجدت لا مجال للهروب عليها المواجهة، ساعة من المواجهة وتلقي الصدمات أكثر هواناً من العيش لساعات و ربما لأيام في قلق و آسر ذهنك في براثن الأفكار المُظلمة.
– أكرم.
تظاهر و كأنه لا يسمع ندائها علي غرار ما بداخله من وقع صوتها علي فؤاده الذي يتوسل إليه بأن يغفر لها، لكن الآن العقل هو المسيطر، طالما عقله يرشده إلي الثواب والمسار إلي الدرب الصحيح.
أطلق زفرة نفث بها دخاناً كثيفاً من أنفه و فاهه، و صمته كان الرد الجلي إليها، اقتربت منه وضعت أناملها المُرتجفة علي عضده و كأن قد سري في جسده تيار كهربائي، ألتفت إليها بنظرة لو كانت نيراناً لجعلتها رماداً لتوها.
_
أجفلها بصوت أرجف قلبها:
– عايزة أي؟
ابتلعت غصتها بتردد و أجابت:
– ممكن نتكلم شوية؟
سحب نفساً عميقاً من سيجارته ثم أطلقه في زفرة عبئت الأجواء من حولهما بالدخان الكثيف، تخلص من ما تبقي بين أصبعيه بإلقائها من الشرفة ليخبرها:
– الكلام ما بينا أنتهي.
لم تتحمل كلماته القاسية و نظراته الأشد قساوة، انفجرت في نوبة بكاء و كأن الجميع تكالب عليها اليوم:
– حرام عليك بقي كفاية، أنا ما بقتش أستحمل، بقي أبسط حاجة عندك تذل وتبيع فيا كأني مش مراتك و أم بنتك.
ها هي قلبت الأدوار علي رأسه، فأصبح هو الجاني و هي الضحية المجني عليها، ما كان منه أن يشعر سوي بالغضب العارم، قبض علي رسغها دافعاً إياها إلي الداخل ومن بين أسنانه يلقي عليها وابل من رصاصات الكلمات القاتلة:
– و أنا مكنتش خطيبك وحبيبك وقت لما روحتي أترميتي في حضنه!، أنا خدتك للفرح عشان أشوف النظرة اللي شوفتها في عينيكي، إحساسي عمره ما خاني و الليلة دي أتأكدت بنفسي من كل شكوكي، و كفاية كذب و خداع، أنا مش عارف إزاي أنتي كدة!، خلتيني أحس بأوسخ إحساس أي راجل عنده كرامة و نخوة إستحالة يقبله علي نفسه.
_
تريث قليلاً ثم أردف و نظراته مليئة بالقسوة و الكراهية:
– تعرفي اللي زيك تتوصف بأيه!
قربها منه و نظر صوب عينيها و كأن كل ما به يتحدث و ليس فمه فقط:
– خاينة.
هبطت أسفل قدميه تبكي بتوسل و نفي اتهامه لها:
– أنا مش خاينة، و الله بحبك أنت،بعترف أن غلطت و ندمانة و دفعت تمن غلطي، قسوتك و كلامك اللي زي السكينة دبحني، برغم كل ده أستحملت و هاستحمل، كل ده عشان بحبك.
هبط لمستواها و أمسكها من عضديها يُعنفها:
– بطلي كذب بقي يا شيخة، أنتي ما بتحبيش غير نفسك و بس.
كانت ترتجف بين يديه و تهز رأسها يميناً و يساراً، لم تصدق عينيها ما وصل إليه، أصبح أمامها كالوحش الضاري، مهما بررت أو توسلت لم يرحمها، فأسرع و أسهل حل لديها الآن هو الهروب من أمامه و الاستسلام لفقدان الوعي الذي بدأ يداهمها بالفعل.
زاغت عينيها ثم أسبلت جفونها في صمت، لم يتبق سوي صوت أنفاسه المتهدجة و هو يراها ساكنة بين يديه.
_
❀ـــــــــــــــــــــــــــ❀
تسير في الطريق المُظلم بعدما انتهت من زيارة إحدى صديقاتها، فكان الشرود رفيق دربها و الذي أنتشلها منه احدهم، جذبتها يد غليظة و كانت علي وشك الوصول إلي منزلها، شهقت بفزع عندما أفجعها بنظراته القاتلة و صوته الأجش الذي دب الرعب في فؤادها، يسألها:
– معاودة منين؟
رمقته في صمت لثواني حتي عادت الدماء إلي أوردتها مُجدداً، و لبست قناع الجمود و أجابت ببرود:
– ملكش صالح بيا عاد.
دفعها إلي أقرب جدار، فأرتطم ظهرها به، قلبها يخفق وجلاً غرار ما تظهر له قوة واهية علي ملامح وجهها، أمسك برسغيها بقبضة من حديد:
-من هنا و رايح رچلك ما تخطيش عتبة الدار.
رفعت إحدى حاجبيها بتمرد أنثي لا تنحني يوماً سوي إلا لخالقها قائلة:
-و ده من ميتي إن شاء الله يا سبع الرچال، إيش تكون أنت لأچل تحكم و تشخط فيا عاد!
أقترب أكثر منها، و من يراهما من بعيد يحسب إنهما متلاصقان، هدر من بين أسنانه:
_
-أنا أبجي راچلك،و چوزك بعد ما نكتبو الكتاب بكرة، و بعدها بأسبوع هاتكون دُخلتي عليكي يا بطتي.
ازدردت لعابها لتُبدد توترها المُنبلج من نظرات عينيها، تخبره بتهكم:
– بعينك يا واد خالي.
شبح ابتسامة غزي أسفل شاربه قائلاً:
– لاء يا جلب واد خالك، هاتبجي بصدري الي هاتدفي فيه و أنتي في حضني، و بجلبي الي هاتسمعيه و أنتي راسك علي صدري و شعرك الچميل مفرود عليه، أجولك أي كمان.
أقترب بموطن كلماته بالقرب من شفتيها المذمومتين و أكمل:
– و بشفايفي اللي نفسها تدوج كل حتة فيكي يا بطتي، خصوصاً الحتة دي.
برهة واحدة و كاد يُقبلها.
– بت يا فاطمة.
صوت والدها أجفل الأخر و جعله أبتعد عنها و هّم بالذهاب فأوقفه الشيخ واصف ليسأله:
_
-واجف ويا بتي و عتسوي أي يا رافع!
لم يستطع رفع عينيه من فرط ما يشعر به من حرج، تحمحم ثم أجاب:
– كنت بسألها كيفها عمتي.
أمسك والدها بيدها، يدفعها برفق خلفه و حدج الأخر بنظرة تحذيرية قائلاً:
– عمتك زينة، و لو رايد تطمن عليها تدخل الدار من بابها لأچل تطمن عليها و بس، غير إكده ملكش صالح ببتي واصل.
لم يمهله والدها حتي الرد و أخذ أبنته و عاد إلي منزله، تاركاً الأخر في نفور أوداجه التي كادت تطق من الغيظ.
✿ــــــــــــــــــــــــــــــ✿
وصل أمام منزل عائلته الذي يغلفه سكون الليل يتخلله صوت مزعج يصدر من فم و أنف هذا الدبيكي ذو المظهر المُخيف و شاربه الكث يحتل نصف وجهه.
لكزه بقوة في صدره قائلاً:
– جاعد أهنه و نايم و عتشخر كمان!
_
أنتفض الأخر بفزع يتلفت من حوله كالمجنون، حتي عاد إلي صوابه:
– حجك عليا يا كبير،أصلي مانعستش من إمبارح، و الحاچة و الحاچ خرچو من بدري راحو يعزو چماعة وهدان، فأتكوعت علي الكنبة أهنه و الهوا طس في وشي و نعست غصب عني.
زجره مُتمتماً:
– طسك جطر يا بعيد.
تركه و فتح الباب بالمفتاح يُدندن:
– يا ولاد بلدنا يوم الخميس، هاكتب كتابي و هابجي عريس.
ظل يُرددها، و قبل أن يدخل الغرفة، رأي الضوء من خلال أسفل الباب، تحمحم حتي لا يجفل زوجته و كأنه يهتم لأمرها:
– بت يا نوارة، أنتـ…
فتح الباب و بتر كلماته المشهد الذي يراه أمامه، حيث رآها ممددة علي الأرض و طرف ثوبها يرتفع إلي أسفل ركبتيها، فساقيها مُلطخة بالدماء المُتدفقة من أسفلها، ترتجف جفونها و تلتقط أنفاسها ببطيء، صاح بفزع:
– نوارة.
_
أنحني علي عقبيه و أخذ يربت علي خدها، و عينيه تكاد تخرج من محجريهما:
-أي اللي سوي فيكي إكدة!
تتحرك مُقلتيها نحوه تارة و تارة أخري تختفي أسفل جفونها المُرتجفة، تردد اسمه بخفوت:
– رافع، رافع.
ألتقط غطاء من فوق مكان الراحة، دثرها جيداً و حملها علي زراعيه كالأهوج، قلبه يخفق بخوف ثم نادي علي المنتظر خارج المنزل:
– دبيكي، أنت يا زفت.
هرول إليه غضون لحظات:
– أمرك يا كبير.
أشار له بعينيه نحو الكمود و بصوت هادر صاح به:
– خد المفاتيح دي و بسرعة أفتح لي العربية.
_
توقف الأخر محدقاً بصدمة، فسأله:
-حوصل أي لست نوارة؟
صاح به رافع بصوت ترتعد له الجبال:
– و ده وجته يا وحل البرك، روح سوي اللي جولتلك عليه.
فعل كما أمره رب عمله مُسرعاً، و حينما فتح إليه باب السيارة:
– سوج علي أجرب مشتشفي بسرعة.
و في غضون دقائق كان في المشفى، ينتظر خارج الغرفة في قلق و قلق، لأول مرة يشعر نحوها بتلك المشاعر، فـ منذ أن رآها في تلك الحالة التي يرثي لها، شعر بانقباض فؤاده و غصة في حلقه، إلي هذا الحد كان ظالماً!
آلاف السناريوهات تنهش عقله و تضغط عليه، و كأنه مثل حبوب القمح بين حجري الرُحي، لا يعلم إنه هو من جعل زوجته هكذا، أوقعها بين حجريه، الأول عشقها له من طرفها فقط، و الحجر الأخر هو ظلمه لها و كيف كان قاسياً جافياً عليها.
خرجت الطبيب ليخبره:
– واضح جداً إنها محاولة إجهاض من النزيف الشديد اللي عندها و….
_
دفعه الأخر من أمامه و أسرع إليها، يخالجه كلا من الخوف و الغضب و كل من المشاعر المتضاربة، و إن دلف توجه بصرها إليه و كأنها تناديه، جلس جوارها و أمسك يدها، سألها بلهفة لأول مرة تراه في سوداويتيه رغماً من غضبه:
– أي اللي چرالك،ليه سويتي في حالك إكدة؟
ردت و الكلمات تكاد تخرج من شفتيها بصعوبة بالغة:
-أني خلاص هريحك مني و من همي.
عقد حاجبيه ثم رمقها بنظرة قاتلة يسألها:
– رايدة تجتلي حالك أنتي و ولدي!
ازدردت ريقها الذي كان كالغصة العالقة في حلقها و أجابت:
– اللي في بطني ما يبجاش ولدك.
قبض علي يدها و من بين أسنانه سألها:
-عتجولي أي يا خرفانة، تجومي بالسلامة الأول و بعدين راح أحاسبك علي سويتيه في حالك و في إبني.
_
أغمضت عينيها لثواني و قامت بفتحهما لتخبره بالفاجعة:
– أسمعني زين، أني و أمي روحنا عند واحد بيجولو عليه شيخ بيعالچ اللي متأخر في الحمل، روحت و ياريتني ما روحت.
توقفت لحظات لتلتقط أنفاسها مرة أخري و أردفت:
– لما جعدت وياه عطاني جماشة جعدت أدعي باللي نفسي فيه و بعد إكدة ما دارتش بحالي.
تقسم إنها تري الآن ألسنة لهب تندلع من عينيه لو أطلقها عليها لأحرقتها حية في التو.
أعتصر يدها بلا رحمة و هسهس إليها:
– خابرة لو حديتك ده صوح، هاسوي فيكي أي؟
أومأت له و ابتسامة ساخرة تعلو شفتيها:
– مش محتاچ تسوي يا رافع، أني خلاص هارتاح و هاريحك مني، رايدة بس تعرف حاچة واحدة، مفيش حد حبك و عشجك قدي، كنت مستعدة أسوي أي حاچة لأچل تحبني ربع حبك لفاطمة، عمري ما أنسي لما كنت بين إيديك و تنادم عليا بإسمها،كل يوم جلبي ينجهر و ألوم حالي و أجول أي اللي سويته في نفسي دي، چريت ورا سراب و وهم و أديني بدفع التمن دلوق، و برغم كل ده هافضل أحبك.
داهمتها شهقة تبعها توقف صدرها عن العلو و الهبوط، عّم السكون جسدها الذي أضحي شاحب اللون.
_
✿ـــــــــــــــــــــــــــ✿
خرج كلاهما من بوابة إحدى المتاجر، يحمل هو و المدعو حمودة العديد من الحقائب، أوقفته قائلة:
– كدة مافاضلش غير الـ عشان أكد عليها الميعاد، و نروح نشتري البدلة بتاعتك.
أومأ لها قائلاً ببرود علي عكس ابتسامتها و السعادة التي تنضح من عينيها:
– طب يلا لأچل أوصلك علي البيت، و أروح علي المحل، چنيدي هناك لحاله و أنا أتاخرنا عليه.
أدركت تهربه الواضح، اقتربت منه و اختطفت منه الحقائب لتعطيها إلي حمودة لتحطم حُجته الواهية:
– خد الشنط دي يا حمودة و أطلع بيها علي البيت.
رد الأخر بطاعة و أستعد للذهاب:
– حاضر يا ست شهد.
أمسكت يد هذا المتسمر في مكانه و التجهم يغزو ملامح وجهه، تخبره:
_
-علي فكرة بابا قالي أنك أجازة من إمبارح عشان تحضيرات جوازنا، يعني بطل تتهرب مني، و يلا عشان هاروح أنقي معاك البدلة.
و في برهة تبدلت ابتسامتها إلي النقيض بعدما قال لها:
-أسمعيني زين، كلمة و مش هكررها أول و أخر مرة تتصرفي من دماغك، أنا اللي أجول نروحو فين و ميتي، و ياريت ما يتكررش التصرف اللي سويتيه دلوق، و كأن ساحبة وياكي عيل صغير.
تركت يده و تبتلع لعابها، أشاحت وجهها بحرج:
– أنا مكنتش أقصد اللي فهمته خالص،كنت عايزة أروح أختار معاك البدلة، و كان نفسي زي أي أتنين عرسان نروح نحجز القاعة اللي مفروض نعمل فيها فرحنا، طبعاً ما ينفعش عشان ظروفك.
وقف أمامها مباشرة ليخبرها بنبرة أقسي من الصقيع:
– و أني ما ضـ,ـربتكيش علي يدك لأچل تجبلي ظروفي أو توافجي عليا.
رفعت وجهها لتواجه عينيها اللوزية رماديتيه التي تأسرها في حضوره:
– و أنا موافقة و قابلة ظروفك، بس ياريت أنت اللي تقدر و تبطل تحسسني أنك مغصوب علي جوازك مني.
أطلق زفرة عله يهدأ من غضبه الدفين أو يزحزح قليلاً هذا الحمل الثقيل من فوق كاهليه، يتخذ الصمت حصناً منيعاً بدلاً من التحدث بحماقة يندم عليها لاحقاً.
_
أشار لها أمامه:
– أتفضلي نروح نشترو البدلة.
ذهب كليهما و كان أمر ثقيل علي قلبه لا سيما عندما تذكر أمر بدلته التي أشتراها من أمريكا لحفل زفافه علي زينب، كم تمني ارتدائها في ليلة تجمعه مع من يهواها فؤاده و لم يعشق
سواها.
أشارت له نحو بدلة سوداء من الطراز الكلاسيكي قائلة:
– حلوة أوي البدلة دي، هاتبقي حلوة عليك.
أومأ لها و عقب:
– تمام.
سألته باهتمام:
– عجبتك ولا بتقول تمام و خلاص؟
_
كان عقله شارداً في طيف حبيبته التي أعادته عليه ذاكرته أفاق علي يد الأخرى التي تلوح بها أمام عينيه:
-فارس، أنت سرحان و لا أي؟
سألها بعدما عاد مُنتبهاً:
– عتجولي حاچة؟
ردت بنظرة مُبهمة:
– بقولك عجبتك البدلة؟
حدجها بذات النظرة التي أدركها من بين فواصل كلماتها و قال:
– مش هاتفرق.
كانت هنا لحظات من الصمت يتخللها حديث العيون، قاطعها البائع:
– لو هتاخد البدلة دي يافندم عليها عرض حلو و هو كراڤت و بيبون هدية.
_
و بعد انتهائهما من الشراء، غادرا المتجر و ذهبا إلي آخر قريب، توقف أمام محل مصوغات ذهبية، أشتري خاتم بسيطاً من الذهب.
تراقص قلبها من الفرح، و كانت علي انتظار أن يضعه في بنصرها، لكنه أعطاها العلبة بالخاتم الذي داخلها قائلاً:
-معلش كنت المفروض أچيبه لك المرة اللي فاتت.
أخذته و داهمتها غصة في قلبها، ظلت طوال الطريق تمسك بالعلبة تجترع مرارة غُصتها، و حينما ترجلت من السيارة أمام البناء، وقفت تنتظر فارس الذي كان يدفع الأجرة للسائق، و قبل أن تدلف إلي الفناء برفقته أمسكت يده و وضعت العلبة في راحة يده بحدة بلا تعليق أو كلمة واحدة ثم تركته و اختفت من أمامه إلي الداخل،صعد خلفها حتي وصل إلي الشقة، فـ رأي والدها في انتظاره يحدقه باستفهام و وجوم، ألقي عليه التحية، ردد الأخر و يبدو من نبرته اللوم و العتاب:
– و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته.
أخبره بـ تردد:
– معلش أتأخرنا شوية عجبال ما أشترينا البدلة و فوتنا علي الچواهرجي، أشتريت لها دبلة و مارضتش تاخدها.
رمقه نعمان بابتسامة غامضة و سأله:
– عندي سؤالين ليك الأول أنت أشتريت لنفسك دبلة زيها؟، و التاني أنت لبستها الدبلة في صبعها و لا أديتلها العلبة كدة و خلاص؟
تفهم ما يرمي إليه، فأجاب:
_
– أني ما بحبش ألبس حاچة في يدي، و بالنسبة لإچابة السؤال التاني أني عطيت لها العلبة و مش في دماغي أي حاچة.
أشار الأخر إليه ليتبعه:
– تعالي يا فارس، عايزك في كلمتين.
جلسا سوياً، بدأ فارس الحديث:
-خير يا حاچ؟
– بص يا بني، أنا عارف الحب الأول عمره ما يتنسى، و علي رأي اللي قبلينا ما قاله و ما الحب إلا الحبيب الأولِ، و مش هقدر أقولك حب بنتي لأن قلوبنا مش بإيدينا، بس كل اللي بطلبه منك تحتها في عينيك و ما تكسرش بخاطرها، هي ممكن تبان أنها قوية و مندفعة لكن هي عكس كدة خالص، شهد زي الطفلة الصغيرة محتاجة الإهتمام، أتربت من غير أم و برغم أحتوائي ليها و حنيتي عليها، دايماً بلاقي في عينيها نظرة حزن، النظرة دي أختفت من يوم ما أنت ظهرت،فياريت و أعتبره رجاء من أب لأبنه ما تخليش نظرة الحزن دي ترجع في عينيها تاني.
يبدو من الخارج في تماسك شديد و ثبات يُحسد عليه، غرار داخله الذي يصرخ و يريد أن يخبره كيف سيغدق عليها من حنان و اهتمام و هو في احتياج إليهما، لاسيما بعدما فقد كل شئ والدته و هو صغير و والده عند عودته من السفر ثم الفتاة الوحيدة التي وجد فيها كل ما فقده!
أومأ له قائلاً:
– ما تجلجش يا حاچ،أني هعاملها بما يرضي الله.
ربت الأخر علي كتفه و قال:
_