بها متيم امل نصر ج2

الفصل السادس

طرقت بخفة على باب غرفة المكتب الخاصة به، وقد كان منشغلًا كالعادة على حاسوبه في اعماله التي لا حصر لها، ولا تنتهي أبدًا، سمع وارتفعت أنظاره نحوها وقد كانت واقفة امامه بهيئتها التي تخطف الأنفاس، ف ابتسم لها ابتسامة رائقة مرحبًا بها بقوله:
– النجمة بذات نفسها عندي! دا إيه الحلاوة والنور ده؟
قالها وعينيه تجول على ما ترتديه بجرأة مداعبة أنوثتها، فقد كانت ترتدي منامة شفافة تظهر ما أسفلها بسخاء، وفوقها كان مئزرًا مفتوح بنفس اللون الوردي، والذي زاد على بشرتها البيضاء بإغواء، مع ابتسامة تكمل سحرها، وهي تدلف إليه بدلال متصنعة العتب:
– لا نجمة إيه بقى ولا فنانة، دي اللي يسيبها جوزها ملطوعة كدة في أوضتها من غير ما يعبرها.
نزع النظارة من على عينيه ليدفعها على سطح المكتب يتابعها بصمت حتى جلست على المقعد أمامه، فقال مشاكسًا:
– يا نهار أبيض انا عملت كدة فعلا، دا انا ابقى راجل معنديش دم بقى؟
تبسمت تقارعه:
– والله انا مقولتش، إنت اللي بتقول على نفسك.
ظل وجهه على الإبتسامة الساحرة وهو يناظرها بصمت، فتابعت :
– هو دا اللي انا واخداه منك.
ردد خلفها:
– ايه بقى اللي انتي واخده مني؟
ردت بارتباك اختلط بمرحها:
– بتلغبطني، نظراتك الخبيثة دي دايمًا بتخليني انسى انا جاية في إيه؟ ولا رايحة فين؟
توسعت ابتسامته حتى ظهرت اسنانه وقال بمغزى:
– طب والله دي شهادة نعتز بيها بقى؟ لما يبقى العبد لله بيأثر في النجمة بالشكل ده، لا دا انا ابقى جامد بقى.
تنهدت بصوت عالي تستند بمرفقها على سطح المكتب امامه قائلة:
– مش بقولك دايمًا كدة ملخبطني، يالا بقى المهم، هو انت مش ناوي تخلص كدة وتفضى، ولا انا هفضل كدة لوحدي لحد اما انام؟
ضيق عينيه قليلًا بتفكير يزوم بفمه قبل ان يقول:
– مش عارف ليه حاسك كدة، وكأنك عايزة تقولي حاجة.
اومأت برأسها بابتسامة صامتة، فقال بتشجيع:
– طب وساكتة ليه؟ اتكلمي يا ستي وقولي، هتستني إيه؟
بدا على ملامح وجهها التوتر، وهي تضغط بأسناناها على شفتها السفلى ثم قالت بتردد:
– بصراحة انا كنت عايزة اكلمك على موضوعنا يا مصطفى.
ناظرها باستفهام لتستطرد على الفور:
– عايزة اكلمك على موضوع الخلفة.
تجعدت ملامحه أمامها بإحباط، فهتفت بتذمر:
– يا مصطفى بلاش رد فعلك ده وحياتي عندك، مينفعش إن الحياة ما بينا تستمر كدة، لازم يكون في أطفال.
هتف بها بضيق:
– وانا اعترضت، ما انا روحت معاكي كذا مرة لكذا دكتور، وكل كلامهم واحد، أن انا وانتي طبيعين ومفيش حاجة تمنع، اعمل إيه بقى في رزق ربنا، هجيبه بالعافية مثلًا؟
– استغفر الله العظيم من قال كدة بس؟
قالتها ثم تابعت بنبرة باكية:
– انا اقصد اننا نحاول تاني وتالت ورابع، ولو منفعش ده، ينفع غيره، اكيد في مشكلة، امال إيه اللي مانع بس؟ لما نقعد بالسبع سنين كدة؟
تنفس بعمق يضغط بالسبابة والإبهام على أعلى عظمة أنفه بتعب أثر بها، لما تعلمه مما يمثله هذا الأمر من حساسية بالنسبة إليه؟ فقد يأس من كثرة المحاولات حتى أصبح يكره التحدث به، كما تعب أكثر من تسلط والدته وكلماتها السامة في عدة مواقف حدثت معهما وكان رده الدائم بالدفاع المستميت عن زو جته والاكتفاء بها أن لم يكن هناك رزق في الأطفال، فقالت بنبرة معتذرة:
– انا اسفة يا مصطفى لو بضايقك، بس انا والله…..
قطعت مجبرة بتأثر حتى دمعت عينيها، فنهض هو من محله، ليرفعها ويضمها بقوة بين ذراعيه، ليمتص خوفها وقلقها وحزنها، فقال مهدهدًا وهو يمسح بكفه على شعرها الناعم:
– إيه رأيك بقى الجمعة الجاية نروح عند جاسر وزهرة، نقعد في جلسة عائلية كدة وبالمرة تجربي شقاوة التوأم اللي بيخلوكي تصرخي مع مامتهم انتي كمان؟
استطاع بقوله ان يجعلها تبتسم بتذكر لمواقف التوأم رامي ورنا معها، وجمال ظافر الصغير، والرجولة المبكرة لمجد أكبرهم رغم صغر سنة في تعامله مع فريدة ابنة كاميليا وطارق، فقالت وهي تقابل عينيه برجاء خاصتيها:
– متفقة اروح معاك، بس كمان انت توافق على مشوار الدكتور اللي قالت عليه والدتك.
قلب عينيه بسأم ثم أومأ برأسه بمهادنة جعلتها تعود لاحتضانه بقوة مرددة بكلمات الشكر والإمتنان، وتريح رأسها عليه، ولكن عقلها لا يرتاح أبدًا فهي تضع السبب الرئيسي به، بأن ما يحدث معها هو العقاب الذي تستحقه، وان عذابها الحقيقي، أن يتحمل هو ذنب شيء لم يقم به!

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *