وخنع القلب 2
“الفصل التاسع عشر” -١٩-
جاءت تُكمل حديثها لكنها تفاجئت بأخر شيء تتوقعه على الإطلاق، شيءٌ ضرب الصدمة ببدنها بقوة عاتية…
دموع يعقوب التي شعرت بها تسقط على يديها، دموع حسرة، دموع هذا الذي بات الألم من عناصر حياته..
شعرت رِفقة وكأن ثمة سكين حادة تمرّ فوق قلبها فتمزقه..
رفعت أطراف أصابعها المرتعشة تسير بهم على وجهه مرورًا بلحيته وهي تشعر به يتشعب بروحها، همس يعقوب بتساؤل متعجب:-
– إزاي يا رِفقة قادرة تحسي بالنِعم إللي إنتِ بتقولي عليها دي كلها وإنتِ كدا..
أنا بس بستغرب منك ومن تفكيرك..
تعرفي أنا رغم كل إللي حوليا ده والنعيم إللي كنت عايش فيه من وجهة نظر الناس، بس عمري أبدًا ما حست بإحساس الرضا أو إن عندي حاجة مش عند حد…
يعني عادي .. مش حاجة مُميزة بل بالعكس كنت بقول إن أقل من أي حدّ في سني، تعرفي عمري ما حسيت إحساسك ده..
ابتسمت رِفقة ببشاشة ثم قالت بهدوء:-
– تعرف يا يعقوب .. أنا كُنت زيك كدا، كنت بنت أقل من العادية بمراحل..
عايشة بالطول والعرض كل إعتمادي على بابا وماما، مش مقدرة أي حاجة في حياتي..
لغاية ما حصلت الحادثة وغيرت كل حاجة في حياتي..
انتبه يعقوب لها معتدلًا وانصت لما تقوله باهتمام فيسمعها تُكمل وهي تتذكر تلك الأحداث المنصرمة:-
– كنت في أولى إعدادي في الصيف .. بابا قرر يودينا المصيف ويفسحنا بعد سنة شديدة..
كنا أسرة بسيطة وبابا وماما كانوا أحن أب وأم في الدنيا وكانوا مغرقني حنان ودلع..
روحنا واتفسحنا وصيفنا وإحنا راجعين كنا بعد نص الليل على الطريق الصحراوي، بابا وهو سايق شاف راجل وست مغمى عليهم على جانب الطريق..
بابا نزل جري وماما نزلت علشان الست من غير تردد، وبمجرد ما نزلوا اتفاجئنا إن فخ من قُطّاع الطُرق، حاصروا بابا وماما وأنا اتصدمت وأنا راكبه في العربية ونزلت جري لهم بس قبل ما أوصلهم حسيت بحاجة زي ما يكون حديدة حد ضربني بيها على راسي من ورا…
وساعتها مش حست بالدنيا حوليا..
ألا بعدها باسبوعين فوقت في المستشفى وفتحت عيني بس كانت الدنيا سودا .. كل حاجة حوليا سودا..
ابتلعت رِفقة ريقها بألم وتدحرجت دموعها رغمًا عنها وهي تشعر بمرارة تلك الذكرى..
اقترب منها يعقوب وأخذ يمحق تلك الدموع المُعلقة بأهدابها بحنان ثم أحاطها لتستند على كتفه برأسها ثم التقطت خيط الحديث تُكمل:-
– ساعاتها بقيت أصرخ وأعيط وأنا مش مستوعبة وجالي إنهيار عصبي حاد وعيشت فترة طويلة على المهدئات … بس إللي هداني شوية لما عرفت إن بابا وماما بخير وعايشين وهما رغم تعبهم فضلوا معايا ورفضوا أي علاج..
عرفنا ساعاتها إن فقدت البصر .. وعرفت ساعاتها إن معدتش هشوف ألوان ألا الإسود..
طبعًا كان إنهيار ورا إنهيار وأنا مكونتش بستوعب أبدًا..
بس بابا وماما مش سبوني رغم حزنهم وحسرتهم لكن هما كانوا بيخبوا جواهم ومش بيبينوا ليا..
وبقوا يحمدوا ربنا إن الحادثة دي جات على قد كدا، لأن عرفت إن حالتي كانت صعبة وكان عندي نزيف..
عرفت إن هما طعنوا ماما وبابا فضل يقاوم واتأذى بشكل كبير …إحنا كنا انتهينا بس ماما قالتلي إن إللي حصل معانا مُعجزة ولطف ربنا بنا كان كبير..
في عربيات لناس مهمة عدت في نفس التوقيت..
قُطّاع الطريق خافوا وأخدوا عربية بابا وهربوا بيها وسابونا .. والناس دي إللي أنقذتنا..
أنا وقتها كنت بين الوعي واللاوعي وكانت الرؤية ضبابية … بس قدرت أحسّ بناس بتتحرك حوليا وأشوف وشوش ضبابية مش واضحة..
عند تلك المرحلة من السرد شرد يعقوب شرود عميق ثم اتسعت أعينه بصدمة وهو ينظر لها بعدم تصديق لكنه اكتفى بالصمت المطبق..
ابتسمت رِفقة وهي تنغمس أكثر بأحضانه وواصلت حديثها:-
– مش أنا بقولك رب الخير لا يأتي إلا بالخير..
في بداية الأمر ولما تبص عليه من بعيد، تلاقي الموضوع إبتلاء صعب ومحنة شديدة..
بس بفضل الله ثم بفضل أمي … هديت بعد شهرين تقريبًا من الإنهيار…
كانت ماما تقعد تقرأ جمبي قرآن وتحكيلي عن الصالحين والإبتلائات وإزاي الإبتلائات دي حولت المُبتلين وغيرت حياتهم للأفضل..
وساعاتها الكلام نزل على قلبي ولقيت نفسي في وسطهم أقل إبتلاء، وعرفتني جزاء الصبر على الإبتلاء والرضا بقضاء الله..
بدأت اتأقلم مع حياتي الجديدة وحددت لنفسي أهداف تناسب حالتي..
سجلت في دورات بتدعم إللي زيّ، واتعلمت اقرأ إزاي …وماما وبابا مقصروش معايا في حاجة..
بس الأحسن من ده كله … إن اكتشفت في رحلتي دي حاجات كتيرة أووي يا أوب واتعلمت أكتر..
وأكتر حاجة اتعلمتها واترسخت فيّا، يقيني بالله وحُسن ظني بيه إللي مستحيل خاب وإن ربنا بقى صاحبي في كل حاجة في حياتي..
قدّرت حاجات كنت شيفاها عاديه.. قدرت نعمة البصر إللي كانت معايا وفي غمضة عين ربنا لحكمته ورحمته نزعها مني، عرفت إن ربنا كبير أوي ولا يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، عرفت إن الحياة دي بسيطة أوي ومش مستاهلة إللي بقينا نعمله في بعض، مش مستاهلة الكُره والغيرة والعداوة إللي بقت في قلوبنا..
والله ما مستاهلة يا يعقوب..
عرفت إن أبلع ريقي من غير ألم دا نعمة تستحق تحمد ربنا عليها عمرك كله..
أهو بلع الريق ده ممكن تكون في نظر البعض حاجة يعني عاديه ممكن مش ياخدوا بالهم منها أصلًا بس في مقابل إللي عنده مشاكل عارف قيمتها كويس…
طب دا إحنا غرقانين بالنِعم .. دا حتى شوية الهوا إللي بناخدهم نِعمة عظيمة..
طب الواحد يحمد ربنا على أيه ولا على أيه بس..
علشان كدا بدأت أعمل ورقة النِعم..
وبما إن الورقة والقلم صعب مع إللي زيّ، ورقة النِعم تكتب فيها كل حاجة ربنا عملها علشانك، موقف حصلك وربنا أنقذك، مشكلة ربنا حلها لك..
ولا وجع ولا مرض كنت بتعاني منه وربنا شافاك وعافاك .. ولا حتى إمتحانات كانت صعبة وربنا عداها .. أي حاجة ربنا عطهالك..
كل صغيرة وكل كبيرة .. بس بديل الكتابة أنا بدأت أحفظ في دماغي كل التفاصيل دي وأراجعها كل يوم حرفيًا قبل ما أنام وأحمد ربنا عليها .. ودا لما عرفت إن أكتر حاجة ربنا بيحبها من عبده هو الحمد وإن الحمد سبب في تفريج كل كرب وسبب في إنهمار العطايا علينا..
وخلاص أنا مش زعلانة أبدًا على حالتي بالعكس يا يعقوب دا أنا ممتنة جدًا لها..
طب أقولك على سرّ..
كان يعقوب يستمع إليها بقلب قد ذاب وخجل اعتراه وهو يستدرك ما تقول ويُسجله بقلبه وعقله، ابتسم وهو ينظر لها نظرة مطولة مغمورة بالمعاني التي لا حصر لها..
وهمس لها وهو يُقبل باطن كفها:-
– قولي يا أرنوبي..
رددت وهي تتنفس بعمق:-
– هي حاجة مجنونة شوية يمكن تستغربها..
من النِعم إللي بحمد ربنا عليها نعمة فقدان البصر..
أيوا أنا بعتبرها نعمة، لأن لولاها مكونتش وصلت لهنا ولا كنت عرفت إللي عرفت ولا قدرت إللي عندي ولا قربت من ربنا وحبيته الحب ده كله..
لم يقوى يعقوب على الصمود أمام هذا الكم من الرِقة والصفاء والجمال فجذبها لأحضانها باحتواء وحنان فاستقرت هي براحة وأمان..
وبعد مدة لا بأس بها هتف يعقوب متسائلًا:-
– طب يا رِفقة مجربتيش تكشفي على عيونك وتشوفي لو في أمل إن البصر يرجعلك تاني، عملية مثلًا…
رددت رِفقة بهدوء:-
– طبعًا .. بابا وماما مش سكتوا .. بس إحنا انتظرنا مدة بعد الحادثة على ما أموري تستقر لأن كنا خايفين مش يبقى في أمل ونتصدم صدمة جديدة بس ماما أقنعتني وبعدين بدأنا في رحلة الكشف والأشعة والكلام ده كله .. بس الرحلة وقفت لما الحج جه لبابا وماما .. كانوا مقدمين واسمهم جه..
بس هما كانوا عايزين يلغوها بس أنا أصريت عليهم لإن كان نفسهم فيها أوي وقولتلهم يروحوا ويدعولي..
وفعلًا سافروا وبقيت عند خالي عاطف بس هي مكانتش تعرف إن مرات خالي كدا..
المهم لما بابا وماما اتأخروا في الرجعة، روحت كشفت مع مرات خالي عفاف..
بس الصدمة إن الدكتور قالنا إن مفيش أي أمل إن ممكن أرجع أشوف تاني وبلاش نتعلق بأمل كذاب..
ومن وقتها وأنا شيلت الموضوع من دماغي واتعودت على حياتي..
هتف يعقوب بعد أن فكر بُرهة:-
– طب مين كان قالك كدا .. يعني مين قالك إن مستحيل ترجعي تشوفي تاني..
تعجبت رِفقة من سؤاله لكنها أجابته بهدوء:-
– يوميها أنا كشفت وخرجت والدكتور اتكلم مع عفاف مرات خالي، وهي لما خرجت قالتلي الدكتور قال كدا .. هي مكانتش عايزه تقولي بس أنا أصريت..
سبّ يعقوب تحت أنفاسه وراودته الشكوك فهتف بحماس:-
– طب أيه رأيك نكشف تاني نروح لمركز عيون متخصص..
أنا واثق إن كلام الحربايه عفاف دي غلط وهي كدابه .. أكيد لعبة قذرة من ألاعيبها..
رفعت رِفقة أعينها له لتتسائل بغُصة علِقت بحلقها:-
– يعني إنت .. مش عايزني .. علشان قصدك كدا أنا مش مناســ..
قاطعها يعقوب مسرعًا بصدمة:-
– رِفقة .. أيه الكلام ده .. إزاي تقولي الكلام ده، يعني ده إللي مفكراه عليا..
أنا مستحيل أفكر بالطريقة دي ولا عندي أي إعتراض .. أنا راضي بيكِ في كل حالاتك وتكفيني بل إنتِ كمان كتير عليا..
حوى كفيها بين كفيه بحنان ثم همس لها بحب:-
– أنا أقصد علشانك إنتِ..
علشان ترجعي تشوفي الألوان..
علشان ترجعي تشوفي السما والسحاب..
عشان ترجعي تشوفي الورد وكل حاجة بتحبيها..
علشان ترجعي تشوفي البحر والأقحوان..
كوّب وجهها وأكمل بنبرة حانية ممزوجة بالعتاب:-
– مش عايزه تشوفي يعقوب..
ولا ولادنا .. لما يبقى عندنا بنات وصبيان، مش هيبقى نفسك تشوفيهم وتشوفي ملامحهم وتهتمي بكل تفاصيلهم..
صمتت رِفقة تطرق مُفكرة بأعين دامعة فيذوب قلبها شوقًا لتلك المغريات..
قالت بإرتعاش بتيهة مختلطة بالخوف:-
– بس أنا خايفة أوي يا يعقوب..
خايف من خيبة الأمل، خايفة أتعلق بأمل كذاب..
جذبها لأحضانه بحنان يمتصّ جزعها وقلقها طابعًا قُبلة على مقدمة رأسها ثم همس برعاية:-
– مش هنخسر حاجة يا رِفقة .. أنا بقولك المرة دي خلي عندك يقين بالله، مش إنتِ علمتيني إن اليقين بالله والثقة بتعمل المعجزات..
مش إنتِ قوليلي إن زمن المعجزات إنتهى لكن لم تنتهي قدرة الله…
شعشع الأمل داخل قلبها لتردف وقد غمر قلبها الراحة:-
– ونعم بالله … خلاص إنت عندك حق فعلًا خلينا نجرب مش هنخسر حاجة .. لن يُصيبنا إلا ما كتب الله لنا…
استقام يعقوب بفرحة ثم جذبها ليجعلها تقف بسعادة هاتفًا:-
– طب يلا بينا .. ادخلي البسي على ما أعمل إتصال علشان ننزل حالًا..
اندهشت رِفقة من تسرعه لتقول بتعجب:-
– دلوقتي عالطول..
– طبعًا .. خير البر عاجله يا أرنوبي، يلا قدامك عشر دقايق مش أكتر..
انعقد لسانها أمامه ولم يكن منها سوى أن
دلفت للغرفة قبل أن تنقضي العشر دقائق..
بينما يعقوب فجذب هاتفه وهو ينتوى دقّ أول مسمار في تابوت كبرياء لبيبة بدران..
عبث قليلًا بالهاتف بتطبيق (الفيسبوك) ولو يكن منه سوى نقرة واحدة لتغيير الحالة الإجتماعية من أعزب إلى متزوج..
لم تستهويه حياة مواقع التواصل الإجتماعي كان دائمًا منغمسًا في تشييد حُلمه، وبذل كل غالٍ وثمين لتطوير سلسلة مطاعمه والعمل الدائم..
لكن لا بأس بهذا التطبيق الآن فحالة الانقلاب التي سيتسبب بها هي المُراد..
ولم يلبث إلا قليلًا حتى انهالت التساؤلات والدهشة التي تم التعبير عنها بوجه مصدوم، غير مرات المشاركات التي تخطت المئات بالعشر دقائق..
غمغم بسخرية:-
– عالم تافهة..
❀❀❀❀❀❀❀❀❀❀
اجتمع رجال الأمن يمنعون اقتحام الصحافة قصر آل بدران بصعوبة بالغة..
أعداد جما يحملون الكاميرات وبعض الأجهزة وتداخل لغطهم حتى حلت ضجة وضوضاء وصلت لمسامع لبيبة التي خرجت غاضبة من هذه الضوضاء التي لا تعلم سببها..
قابلها رئيس الأمن الذي أتى راكضًا ومساعدتها الشخصية..
تسائلت لبيبة بغضب:-
– في أيه … أيه السوق والهمجية دي..
قال الرجل وهو يُخفض رأسه:-
– صحافة كتير أوي يا لبيبة هانم …محصلتش قبل كدا..
وقبل أن تتسائل لتشفى عجبها قالت المساعدة:-
– كلهم مقلوبين على جواز يعقوب باشا، وعايزين يعملوا مقابلات ويعرفوا التفاصيل ومين هي العروسة..
فزعت لبيبة في مكانها لتشعر بدوار عنيف يجتاحها من هذا الخبر المروع لها، ملامحها مسطور فوقها الصدمة ولم تمكث دقيقة حتى سقطت فاقدة للوعي..
❀❀❀❀❀❀❀❀❀❀
بعد فحص دام أكثر من ساعة تحت يد أمهر أطباء العيون ويعقوب يُمسك يدها بدعم حتى انتهى الطبيب وجلس أمامهم مبتسمًا ببشاشة ليستفهم يعقوب بلهفة:-
– أيه يا دكتور خير .. في أمل..
ابتسم الطبيب لتلهفه الواضح ليقول بتعجب رغم هدوءه:-
– مش عارف إزاي دكتور قالكم الكلام ده، وإن مفيش أمل من إن مدام رِفقة ترجع تشوف..!
بعد الكشف المبدئي المشكلة مش كبيرة ولا صعبة بالطريقة دي..
شوية فحوصات وتحاليل وهنأكد كل حاجة يا يعقوب باشا .. عيونها هتحتاج عملية مهمة ودقيقة جدًا..
توسعت أعين رِفقة بصدمة من هذا الحديث المغاير تمامًا لما قاله لها الطبيب السابق عن طريق زوجة خالها عفاف..
بينما ابتهج قلب يعقوب، يُقسم أنه لم يسعد بحياته من قبل هكذا..
ودون أن يتجمجم هتف يعقوب وازدهاء السعادة ينبثق من عينيه، سعادة تملئ ما بين خوافق السموات والأرض:-
– مفيش مشكلة يا دكتور .. أنا مستعد لأي حاجة، لو حتى محتاج تسفرها برا لأكبر المستشفيات أنا من دلوقتي هبدأ في الإجراءات..
قال الطبيب بعملية:-
– أكيد هنعمل كل إللي نقدر عليه واللازم يا يعقوب باشا، بس بإذن الله مش هنضطر للسفر برا..
ثم نظر تجاه رِفقة وضَّاحة الوجه وقال:-
– مدام رِفقة هتروحي مع الدكاتره والممرضات على الأشعة وياخدوا منك عينة لشوية تحاليل..
حركت رِفقة رأسها بإيجاب وسحبت يدها بخجل من يد يعقوب وهي تتحرك بصحبة الممرضات ليهتف يعقوب بحنان:-
– جاي وراكِ مش هتأخر..
خرجت لتتجه أنظاره للطبيب متسائلًا بقلق:-
– كل حاجة تمام يا دكتور .. لو في مشكلة قولي عليها …وقولي كل التفاصيل
أردف الطبيب بصوت ثابت:-
– متقلقش يا باشا مفيش أي مشكلة، حالة عينيها مش بالسوء ده .. وفي أقرب وقت إن شاء الله هيرجعلها النظر .. نسبة نجاح العملية ٩٠٪.
بس بصراحة….
صمت الطبيب قليلًا ليسرع يعقوب يهتف بقلق:-
– في أيه … في مشكلة .. مش إنت قولت مفيش مشاكل..
أكمل الطبيب حديثه:-
– هي بس تكاليف العملية كبيرة حبتين…
قاطعه يعقوب براحة:-
– مفيش مشكلة أيًّا كانت التكاليف أنا مستعد لأي مبلغ فداها أي حاجة…
حتى لو فيه زرع قرنية معنديش أي مشكلة..
حتى لو الموضوع وصل لتبرع قرنية أنا مستعد..
طالعه الطبيب بدهشة وتسائل مصدومًا:-
– يعني إنت ممكن تتبرع لها بعينك .. بالقرنية بتاعتك..!!!
صمت يعقوب وأغمض عينيه ثم همس بداخله:-
– “أن أُهديكِ مُقلتاي على صحفة مُزينة بالأقحوان يكونانِ لكِ سراجًا مُنيرًا، ويكفيني أن ترِي صفو السماء بعينايّ..
هَا لكِ عينايّ فصُونِيهما جيدًا ليكونان تذكارًا لعشقي وتخليدًا له، فلن أَضل أبدًا إن قادتني يداكِ ويكفيني أن أشعر بأعيُوني تبتسم بمقلتاكِ وقد امتزجتا بملامح وجهكِ، وأصبحت عيناي عيناكِ..
“الفصل العشرون” -٢٠-
ابتسم الطبيب بوِدّ وقال بتقدير:-
– حقيقي يا بختها بيك يا يعقوب باشا، بس الموضوع مش مستاهل ومش هنضطر للتبرع بالقرنية، العملية نسبة نجاحها كبير إن شاء الله بس كل الموضوع إنها بس تكلفتها عالية..
تنهد يعقوب براحة فكما توقع تلك لُعبة قذرة من زوجة خالها عفاف، وما خفي كان أعظم من ألاعيب تلك المرأة القبيحة..
حرك يعقوب رأسه وأردف:-
– مفيش مشكلة يا دكتورة، بس اكتبلي كل التكلفة والمطلوب وأيه الإجراءات إللي هنعملها علشان تدخل العمليات، ياريت ميبقاش في تأخير، لأن مفيش داعي للتأجيل، ابدأ بتجهيزها يا دكتور لو سمحت..
ابتسم الطبيب على عشقه الجليّ وسحب بعض الأوراق وأخذ يُسجل بعض الأشياء ثم هتف:-
– تمام .. إن شاء الله هنعمل بعض الفحوصات والأشعة قبل العملية وأول ما تنتهي هنحدد وهتدخل العمليات فورًا .. متقلقش كل حاجة تمام..
سلّم ليعقوب الذي انتصب بوقفته بعض الأوراق، والذي قال بهدوء:-
– تمام يا دكتور صلاح هنبقى موجودين في الميعاد وهطبق كل التعليمات..
– ألف سلامة عليها يا يعقوب باشا، وإن شاء الله معافاه..
خرج يعقوب يبحث عن رِفقة كالملهوف وقد أرشدته ممرضة على موقعها..
ولج للغرفة بعد أن طرق بخفة ليفزع قلبه منتفضًا فور أن رأى وجهها المذعور وأعينها الدامعة، التهمت أقدام الخطوات التي تفصلهم بتلهف وجلس على أعقابه أمامها يُمسك يديها بحنان مستفهمًا بتلهف وقلق:-
– رِفقة مالك يا جميل زعلانه ليه .. حد كلمك ولا حد أذاكِ..
تشبثت بيده بشدة وكأنه طوق نجاتها ثم أخذت تقول وهي تجذبه نحوها تتدثر وتحتمي به قائلة بفزع:-
– يعقوب هما عايزين ياخدوا مني دم كتير وأنا بخاف أوي من كدا .. دي حاجة بتخوفني، أنا مش بدلع والله بس أنا بخاف حقيقي .. هما بيقولولي بلاش دلع بس والله أنا بخاف..
جلس بجانبها مطوقًا كتفيها باحتواء رامقًا الثلاث ممرضات بغضب ناري وأعين مشتعلة بينما رِفقة تختبأ بكتفه، هدر يعقوب بحِدة:-
– متخافيش أنا هنا .. ولو بتدلعي..ادلعي طولك وعرضك يا ست البنات محدش ليه عندك حاجة..
وقبل رأسها بحنان هامسًا بجدية ممزوجة باللين:-
– بصي يا أرنوبي أنا موجود أهو مش هسمح لأي مخلوق يمس شعره منك، سيبي نفسك وامسكي فيا وفكري في حاجة مهمة أو لحظة حلوة مريتي بيها وهتلاقي في ثواني خلصنا ومحستيش بحاجة..
جاءت تتكلم باعتراض فقاطعها وقد أخذ يكشف ذراعها بحنان:-
– رِفقة .. حبيبة ونور عين يعقوب لازم الخطوة دي علشان العملية …علشان خاطري أنا استحملي واسمعي كلامي..
حركت رأسها بإيجاب على مضض وهي تغمس وجهها في كتف يعقوب الذي يُمسك ذراعها بحنان ورِفق ثم أشار للممرضة بحِدة، بينما رِفقة فأخذت تذكر الله ثم تتلو آية الكرسي وعملت بنصيحة يعقوب لتتذكر وتشرد في أكثر اللحظات سعادةً لها .. بعد عقد قرآنها على يعقوب وتلك اللحظات التي جمعتهم..
صدر عنها صوت متألم فور أن سحبت الممرضة الإبرة من ذراعها فدلّك يعقوب موضعها هامسًا بحنان:-
– خلاص خلصنا كل حاجة انتهت .. حسيتي بقا بحاجة..
ابتعدت قليلًا عن يعقوب التي تتشبث به وقد أفل ذعرها لتقول:-
– بس شوية صغيرين..
ضحك يعقوب وقرص وجنتها مردفًا بمشاكسة وهو يسحب ذراع فستانها للأسفل يحكم ستر ذراعها:-
– بردوه يا شقية …طب يلا بينا علشان نتغدى برا ونروح علشان ترتاحي..
جعلها تستقيم فتُمسك بذراعه بينما يخرجان تحت أنظار الممرضات الحانقات..
كانت رِفقة تسير بجانب يعقوب تحتضن ذراعه فنظر هو لتشبثها به بقلب منتفخ بالعشق ليتسائل بنبرة سعيدة:-
– قوليلي عايزه تتغدى فين النهاردة..
قالت بدون تردد بصوت حماسي:-
– مطعم البوب أكيد…
ضحك وقال بتعجب:-
– طب خلينا نغير طيب، مزهقتيش منه بقالك سنة بتاكلي فيه..
تسائلت هي بتعجب:-
– وإنت عرفت منين إن بقالي سنة باكل فيه، كمان في حاجات وتفاصيل كتيره أوي إنت تعرفها عني مش عارفه تعرفها منين … غير موضوع الصورة إللي ماما فاتن قالت عنه…!!
ردد يعقوب وهو يفتح لها باب السيارة ويجلسها وقال بمرح:-
– الأرنوب عنده فضول غير عادي .. المهم هي قصة بسيطة تبان بس هي أحسن حاجة وأهم حاجة حصلتلي في حياتي، وأكيد من حقك تعرفيها وهحكيلك بس استني نوصل المطعم..
رددت بإصرار ممزوج بالدلال الفطري:-
– أوب .. يلا قولي دلوقتي على ما نوصل..
ضحك وهو ينطلق بالسيارة:-
– خلاص بقاا لما نوصل هحكيلك على كل حاجة…
المهم كنت عايز أقولك على حاجة..
جعدت جبينها وهمهمت باستماع ليُكمل يعقوب:-
– بالنسبة لفلوسك إللي كانت سرقتها عفاف رجعت … فتحتلك حساب جديد برقم سري جديد وأمنته كمان..
غرقت رِفقة في صمتٍ براق ثم ابتسمت هاتفة بخجل:-
– طب تقدر تسحب المبلغ كله علشان تكاليف العملية..
التفت لها يعقوب وهدر بصوت متأجج:-
– أيه يا رِفقة للدرجة دي مش شيفاني ولا أيه..
ليه أنا معدتش موجود علشان تقولي كدا..
هتفت مسرعة بلهفة:-
– لأ مش أقصد بعيد الشر عنك بس….
قاطعها يعقوب بصرامة:-
– مفيش بس يا رِفقة الموضوع ده منتهي، وكمان في حاجة تانية لازم أقولك عليها بس لما نوصل المطعم..
انتعش قلبها ومكانته تتفاقم بداخلها أكثر وأكثر من رجولته وشدته اللينة التي تأسرها فإن اللين في القوة الرائعة أقوى من القوة نفسها، لأنه يُظهر لك موضع الرحمة فيها..
التفتت برأسها تجاهه وللمرة الأولى تتمنى من كل قلبها أن لو كانت تستطيع الرؤية لتراه، لتتشرب ملامحه الحنون … لكن كالعادة الظلام فقط من يُقابلها…
ورغم هذا تشعر أن عالمها مُضيء بل زاهي مُزين بالورود ساطعًا شمسه…
انبلجت ابتسامتها فيلتفت يعقوب ليراها على تلك الحالة لتُدثره بتلك النظرة التي أخبرته بالكثير وأَربت العشق بداخل قلبه فقد أصبح مُقرن بأصفادها للأبد وأصبح ضيُها يبزغ وسط ظلمات قيوده..
أوقف السيارة أمام المطعم والتفت إليها يتدبر ملامحها النقية بتروي، نعم هي جميلة، جميلة لا مِراء، ليست أجمل من رأى يعقوب في حياته؛ ولكنها جميلة جمالًا لا يختلط بغيره في ملامح النساء..
أردف يعقوب بهدوء:-
– يلا وصلنا يا رِفقة..
تنحنحت تُبعد أنظارها في إبتسامة متوترة، فهبط يعقوب ودار أمامها يفتح الباب ثم يأخذ بكفيها برِفق لتسير بجانبه والسعادة تتدفق من عينيها..
في كل مرة كانت تلج لمطعم “البوب” تكون بمفردها مُثقلة بالهم لكن الآن لقد اختلف الأمر كُليًا، تلج بصحبة يعقوب مُفعمة بالسعادة..
وفور أن وطأت أقدامهم المطعم التفّت جميع الفتيات من حول رِفقة بينما قابل يعقوب عبد الرحمن الذي سلّم عليه بحفاوه قائلًا بمكرهُ الدائم:-
– يا أهلًا وسهلًا بيعقوب بدران باشا، نورتنا يا باشا والله مطعمنا المتواضع زاده الشرف ونور..
لكزه يعقوب بكتفه وسحب رِفقة نحو المنضدة المفضلة لديها ثم أجلسها وجلس مقابلها براحة قائلًا:-
– إحنا النهاردة ضيوف مش أصحاب المكان فيلا وروني أحسن ما عندكم يا أستاذ عبد الرحمن..
فرقع عبد الرحمن باصبعيه مشيرًا لِألآء وهو يقول بجدية:-
– يلا يا آنسة آلاء انزلي بالمنيو على ترابيزة يعقوب باشا..
اقتربت آلاء ثم قبلت رِفقة قائلة بطيبة وحُب صادق:-
– رِفقة أيه المفاجأة الحلوة دي .. وحشاني أووي بجد..
قالت رِفقة باشتياق:-
– وإنتِ أكتر والله يا لول …رغم إنهم كام يوم بس أنا كنت متعودة أقابلك كل يوم..
تنحنحت آلاء ورددت بحماس وجدية وهي تضع قائمة الطعام أمام يعقوب:-
– شرفتونا .. مطعم البوب في خدمتكم .. تقدروا تختاروا الأكل إللي تحبوه .. المنيو مزود بكل حاجة..
ثم انصرفت ليعود يعقوب بظهره للخلف مبتسمًا بوقار وهو يتناول القائمة بين يديه يقرأ محتواها وكأنه لا يعرفه..
بينما رِفقة فأغمضت أعينها تستنشق الهواء العليل المُحمل برائحة الزهور بنهم وخرير الماء قد أضاف للأجواء لمسة ساحرة…
همست باشتياق:-
– المكان هما وحشني أووي بجد، حقيقي لو قعدت هنا اليوم من أوله لأخره مش بشبع..
إنت إللي أخترت تصميم المكان بالطريقة دي..
وإزاي كان حلمك إنك يبقى عندك سلسلة مطاعم بالرغم من إنك خريج هندسة!!
تنفس يعقوب بعمق وأردف والذكريات مازال عودها طريّا تمر بعقله كأنها حدثت بالأمس ثم أردف بأعين غائمة:-
– من وأنا طفل كنت بتمنى في الأجازات لبيبة تاخدني ونروح أي مطعم نتعشى فيه كتغيير زي كل الأطفال مع أهلهم..
بس دي كمان كانت حاجة ممنوعة عند لبيبة بدران، فكتفكير طفولي قولت لما أكبر هعمل مطاعم كتيره وهخلي وجبات كتيره للأطفال مجانية، وفضلت أحلم وأتخيل ومتوقعتش إن الحلم يكبر معايا ويعشش جوايا…
وأول ما بدأت أخرج من ثوب لبيبة وأتمرد عليها كنت في الجامعة وبدأت أشتغل من الصفر بعيد عنها، وطبعًا دي حاجة معجبتهاش بس أنا مرجعتش أبدًا بعد ما اتحررت من سجنها وقيودها وبدأت أنفذ فكرة المطعم وأثبت أول حجر في حلمي بمالي الخاص، كل تصميم المكان والأفكار إللي فيه من دماغي أنا وأفكاري الخاصة، واخترت البساطة والرِقة، غير جودة الأكل والأسعار المناسبة للجميع…
وأفكار الطفولة فادتني أكيد، وجبات الأطفال مجانية تمامًا .. وبما إن كان عندي أفكار متشددة على موضوع الإختلاط، فخصصت مكان للبنات ومكان للشباب، ومكان للثنائيات سواء أزواج أو أُسر وهكذا…
رفع رأسه ينظر لكل ركن في المكان بأعين لامعة وأكمل تحت أسماع رِفقة التي تستمع بإصغاء شديد بقلبها لا بأذنها:-
– المكان هنا مش حلمي بس …دا حلم كل واحد هنا، أحلام شباب وبنات كانوا منتظرين فرصة علشان يثبتوا نفسهم بس مكانتش بتيجي..
كلنا هنا كبرنا ونجحنا مع بعض…
الشيفات إللي هنا لما بدأوا كانوا لسه عند الصفر، رفضت أختار ناس متمرسة أو شيفات كبيرة، كنت حريص أختار الناس إللي كان نفسها في فرصة، وكل واحد اتوظف في المكان إللي كان حلمه، والحمد لله كلهم أثبتوا جدارتهم ونجحوا، كل واحد كان بيجتهد علشان حلمه، كنا كلنا بنجتهد علشان نبني اسم..
وفعلًا لمع اسم “البوب” وفتحنا بدل الفرع تلاته..
بس هنا كان أول فرع … دا كان بداية الحلم..
وعلى الرغم إن بحب المكان هنا جدًا بس مكونتش باجي هنا وكنت بباشر الشغل عن طريق عبد الرحمن إللي مستلم كل حاجة في الفرع ده..
وقبل أن يُكمل حديثه تسائلت رِفقة بفضول ولهفة:-
– طب ليه!!
قال دون مراوغة:-
– لأن الفرع ده قريب من لبيبة كنت عايز أبقى بعيد عنها على قد ما أقدر، استقريت في مدينة تانيه وبقيت أباشر شغلي من هناك..
لغاية ما كلمني عبد الرحمن علشان شوية شغل وبصراحة حنيت للمكان هنا وقولت أجي، والواضح إنها كانت إرادة ربنا علشان أجي هنا وأقابلك كانت تدابير ربنا وجابني من هناك لهنا بأسباب مش مفهومة…..
ربنا ساقني من هناك لهنا لأجل رِفقة وبس…
أومض الحُب بأعين رِفقة مبتسمة بشغف وهي تتذكر تمسكها الدائم بهذا المكان وتشبثها به واستمرارها على المجيء هنا رغم كل شيء…
رددت بهمس بوجه متورد:-
– ورِفقة كانت بتيجي هنا كل يوم لأجل تدبير الله عزّ وجل، رِفقة كانت بتيجي هنا كل يوم منتظره قدرها .. منتظره يعقوب…
مدّ يده يحتضن كفها بحنان ثم قال بنبرة تزلزل الجبال الراسخات:-
– أنتِ مُعجزتي بأوآنٍ انتهت به المُعجزات، أنتِ الربيع الذي ظلل قحط قلب يعقوب.
همست له رِفقة أيضًا بقلب ينهمر منه العشق الصادق وقد أصبح قلبها مِلكًا خالصًا ليعقوب، رِهن له فقط، تقرّ هي دون تلجلج بأن يعقوب قد نال قلبها وعشقها وكيانها..
– لقد مكثتُ في الظلام طويلًا لكن حين حللتْ أُضِيء عالمي..
كانت تتحدث وهي مثبته أعينها باتجاه عيناه، لم ترفق بحالته المستعصية، فحتى حروف اسمها قادرة أن تتحكم بملامحه فكيف بعينيها؟!
فماذا عساه أن يفعل بعد هذا!!
وقبل أن يهتف تسائلت رِفقة بحماس:-
– يلا بقى قولي على إللي قولتلي هتقولي عليه، وأيه موضوع الصور ده..
ابتسم يعقوب على حماسها وبدأ يسرد لها القصة منذ أن رأها وسوء الظن الذي اعتقده بها، وكل ما مرّ به وكيف أنه أخذ يتتبع سجلات الكاميرات التي توجد هي بها…
كان حديثه تحت دهشة رِفقة وصدمتها وحزنها على سوء ظنه تجاهها، ليختم حديثه بقوله المُزين بالحزن والألم والصدق:-
– رِفقة أنا مكونتش أعرف والله، دا علشان أنا مليش اختلاط بالناس وأنا راجل صريح ومش بيعجبني الحال المايل، حقك عليا وعلى عيني وقلبي … أنا مكانش واجعني ألا قعدتك في الشمس ولغاية دلوقتي مش مسامح نفسي عليها، تعرفي إن بعدها خرجت وفضلت قاعد في نفس مكانك ساعتين تحت الشمس…
الكوابيس مكانتش بتسيبني، وكنت بلف وراكِ زي المجنون، أنا من بعد ما شوفتك ومبقيتش يعقوب إللي أنا أعرفه…
رفع كفها يُقبل باطنه بحنان وأكمل بندم مختلط بالحُب:-
– سامحيني على الغلطة دي، سامحيني على تكبري وقتها، غيرتي يعقوب وغيرتي نظرتي لحاجات كتيره أوي يا رِفقة، وعلمتيني أكتر، اتعلمت منك أقدر النِعم إللي ماليه حياتي..
رغم الدموع التي نمت بمقلتيها لكنها تبسمت ثم أردفت بهدوء:-
– تعرف يا يعقوب لما الإنسان بيرتكب ذنب حرام ومش بيبقى عارف إنه حرام، ربنا بيسامحه ولا كأنه عمل حاجة، بس بعدها بيتعلم إن الذنب ده حرام وبيتجنبه…
إنت مكونتش تعرف إني كفيفة وحكمت عليا حكم جائر، بس دا يعلمك إن ده سوء ظن…
مش من حقك ولا من حق أي حدّ يحكم على غيره من مجرد موقف، التمس لأخيك مئة عذر..
إنت مش عارف ظروفه أيه…
وإنت مش حِمل تحمل ذنب سوء الظن يا يعقوب..
كان المفروض تستفسر أو تسمع على الأقل…
صمتت برهة تحت نظرات يعقوب المتوترة المترقبة، ابتلع ريقه بصعوبة وتسائل بصوت خافت مُجعد:-
– ما أنا قولتلك إني غلطت…وإني وحِش يا رِفقة..
هاا إنتِ ساكتة ليه، سامحتي يعقوب..
ابتسمت باتساع وأردفت برِفق يُشبهها ونبرة الحزن والندم بصوته جلية لها:-
– أوب … لقد سامحتك على ما كان منك..
رفرف قلبه سعادةً وقال بفرحة:-
– هو دا قلب رِفقة إللي أعرفه..
وأخرج ورقة من جيبه ثم بسطها أمامها وقال:-
– يلا بقاا امضي هنا..
تسائلت بعدم فهم:-
– أيه ده!!
وضع القلم بين أصابعها ووقف يجلس بجانبها وهو يرشدها لموضع الإمضاء يخبرها:-
– دا عقد تمليك لشقتنا، الشقة خلاص بقت باسمك، دا تقدري تقولي تنازل مني لكِ يعني عقد بيع وشراء..
سحبت رِفقة يدها وتوسعت أعينها بصدمة قائلة باعتراض:-
– لأ يا يعقوب مينفعش وبعدين ما إحنا مع بعض أهو أيه لازمتها ملهوش داعي…
أمسك كفها مرةً أخرى ووضع القلم بين أصابعها ثم أردف:-
– ريحيني يا رِفقة، أنا عايز أطمن عليكِ علشان مهما حصل يكون عندك بيتك ومعاكِ فلوسك وإن شاء الله هزودهالك، لما تكون باسمك أحسن ما تكون باسمي..
انتفض قلبها من هذا الحديث المخيف وشعرت بألم حاد يغزوها والخوف يعتريها من مجرد التفكير بعدم وجود يعقوب يومًا ما..
رددت مسرعة بغصة وهي تقبض على يده بقوة وقد ملأ أعينها الذعر والرعب:-
– قصدك أيه بالكلام ده يا يعقوب، إنت ليه بتخوفني بكلامك ده..!!
همس لها وهو يُخلل أصابعه بأصابعها:-
– رِفقة …أرنوبي حبيبي متقلقيش مفيش حاجة هتحصل اطمني … بس لو عملتي كدا هتريحيني، علشان خاطر يعقوب..
فتحت فمها لتعترض لكنه قاطعها بقوله الحاسم:-
– اسمعي الكلام يا رِفقة وريحي قلب يعقوب..
حركت رأسها على مضض ليأخذ بيدها الممسكة بالقلم ثم ساعدها لتنقش اسمها بهدوء…
تنفس براحة وأثنى الورقة وأعادها لجيبه، ثم سحب شيئًا ما أخر ووضعه بين يدي رِفقة فأخذت تتحسسه بهدوء فابتسمت بسعادة فور أن عرفت ماهية هذا الشيء…
قلادة يتدلى من زهرة الأقحوان المزيجة باللونين الأبيض والأصفر..
أخذها يعقوب من يدها ثم اقترب يمد يده من أسفل حجابها يضعها حوله عنقها بهدوء ثم طبع قبلة خفيفة فوق جبينها…
وقال بمرح:-
– أحسن حاجة إن إحنا في مكان بعيد مش وسط الناس..
وأخذ يشتم عبقها الطاهر مُقبلًا يدها وواصل بمرح:-
– علشان أتصرف براحة..
سحبت يدها وابتعدت عنه بخجل قائلة بإمتنان:-
– شكرًا جدًا على السلسلة يا أوب ….حقيقي النهاردة من أجمل الأيام…
– لو شوفتك خلعاها من رقبتك هعرف إنك زعلانة من أوب، أتمنى متتخلعش يا أرنوب..
– أكيد مش هخلعها حتى لو زعلانه منك، لأن هعاقبك بطُرق تانيه كتيره…
ضحك يعقوب بصخب لتُكمل هي بتحذير:-
– جرب بس وإنت هتشوف…
ردد من بين ضحكه:-
– مقدرش على زعلك يا أرنوب مع إني مشتاق أعرف أيه طُرق العقاب بتاعتك..
– لا متقلقش الأيام جايه كتير وهتشبع منها مش بس هتعرفها يا أوب..
أجلت صوتها ثم قالت بجدية:-
– بقولك يا يعقوب .. أنا كنت عايزه أروح لأي دار رعاية تكون كويسة..
انتفض قلب يعقوب وتسائل بصدمة ووجه شاحب:-
– ليه … أيه جاب السيرة دي يا رِفقة..
شعرت بصدمته ومخاوفه فابتسمت تطمئنه وأردفت موضحة:-
– لأ ..بس كنت عايزه اتبرع بجزء من الفلوس إللي معايا وعايزه أوديها لمكان أمين يستحق..
في ناس بتتبرع كتير للمستشفيات ودار الأيتام، بس دور الرعاية محدش واخد باله منهم مع العلم إنهم يستحقوا جدًا..
تأملها بفخر وقال بتفهم:-
– أنا عارف دار رعاية كويسة جدًا بتبرع ليهم شهريًا، متقلقيش الدنيا لسه فيها خير وفي ناس بتتبرعلهم، وعندك حق فعلًا هما يستاهلوا..
إن شاء الله بكرا أخدك ونروح..
– إن شاء الله..
ومرّ الوقت وهم من بين مرح وهي تسرد له الكثير عنها وهو يبادلها الذكريات التي لم يجد منها سوى السيء الموجع، إن كانت هي ذكرياتها خليط ما بين السعادة والوجع، فذكرياته هو يملأها الألم المصائب والوجع فقط…
_________بقلم/ سارة نيل_________
بعد أن أوصلها المنزل هبط يقود سيارته وهو يُفكر بأن هذا هو القرار الصحيح..
ماله الخاص لا يُغطي تكاليف العملية الجراحية لأعينها وليس أمامه سوى هذا الحلّ..
منذ فترة كانت قد اقترحت لبيبة بدران عليه بيع مطعمه لها .. ويبدو أن الآن هو الوقت المناسب لتنفيذ هذا الإقتراح..
وصل أمام قصر آل بدران لكنه تفاجئ بكم هائل من الصحافة أمام القصر وفور رؤيتهم له تجمعوا من حوله ووميض الكاميرات تلمع على وجهه، والكثير من التساؤلات تتطاير في الوسط..
“يعقوب باشا، هل خبر زواجك صحيح فعلًا..؟”
“يعقوب بدران ليه زواجك في السرّ ومقدرناش نشوف صورة زوجتك على مواقع التواصل الإجتماعي؟”
“هل هي من الوسط المخملي، وليه مسمعناش عن أي حفل زفاف.؟”
“يا ترى من هي إللي قدرت تكسر انعزال وريث آل بدران يعقوب باشا وتوقعه في شباكها.؟”
زفر يعقوب بسخط بينما رجال الأمن يحاولون تخليصه من بينهم لكنه توقف باستياء ثم هدر بصوت قوي مُحتد خشن:-
– أظن دا شيء شخصي وحياتي متخصكوش، بس علشان أريحكم، أيوا كتبت كتابي على إللي اخترها قلبي وعقلي .. وبعد فترة هيبقى زفاف يليق بيها..
أما بالنسبة لصورتها فأنا مراتي مش بنزلها صور على مواقع التواصل لأن مقبلش بحاجة زي دي ولا هي تقبل، ولأني مش ديوث وبغير على مراتي، وأكيد تشوفها أو لأ دي حاجة مش هتفيدكم …ويلا كلكم اتفضلوا..
وانسلّ من بينهم للداخل وصعد مباشرةً تجاه غرفة جدته متجاهلًا نداء شقيقه يامن…
لكنه توقف بتعجب وهو يرى خروج الطبيبة من غرفة جدته بصحبة المساعدة الشخصية لجدته..
سألها بوجه جامد:-
– في أيه..
أجابته باحترام:-
– يعقوب باشا …لبيبة هانم ضغطها وطى شوية وأغمى عليها …بس مفيش أي قلق يا باشا هي بقت بخير..
دلف يعقوب للداخل ليجد جدته تتمدد مستنده على ظهر الفراش ويبدو على ملامحها الجامدة التعب والإرهاق..
اقترب حتى وقف على مقربة منها فشعرت بأحد فوق رأسها لتلتفت فوجدته لتهمس بلين وهي تمد إليه ذراعها فمهما حدث يبقى العالم أجمع بجهة ويعقوب بمفرده على جهة خاصة جدًا، حتى وإن كان تعبيرها بالحُب خاطئ..
اقترب يعقوب وهو يتذكر كلمات رِفقة ونصائحها وجلس بجانبها على طرف الفراش، رفعت كفها المجعد تضعه على يده ذات العروق المنتفخة، وهمست بإجهاد:-
– يعقوب … ابني وحفيدي … وسندي وضهري وشرفي وعِزي وكبريائي..
دمدم بإرهاق وهو يتذكرها عندما كان يمرض ماذا كانت تفعل:-
– مش كفاية كدا يا لبيبة هانم …كفايانا كدا…
سعلت بخفة وقالت بجمود رغم وهنها:-
– إنت عارف إن مينفعش يا يعقوب باشا..
زفر بإحباط وانتصب واقفًا وقال ببرود:-
– عمومًا أنا مش جاي علشان أتكلم في الموضوع ده…
استدار ووقف يعقوب أمامها بشموخ ثم أردف بجمود بما جعل لبيبة تتصنم:-
– أنا مستعد أبيع فرعين من مطعمي لكِ بالسعر إللي تحدديه .. وهحتفظ بالفرع التالت..
أخيرًا خرج صوتها المصدوم:-
– يآآآه .. في حاجة أهم من حلمك إللي ضحيت علشانه بكل حاجة وحاربتني لأجله، غريبة تتنازل عنه بالسهولة دي.!!
بس بغض النظر عن كل حاجة أنا موافقة…
همس يعقوب وهو يخرج بإصرار:-
– في الأهم … نـور عــيــون رِفـقــة..
بعد أن فاقت من صدمتها رفعت هاتفها وقالت بحزم وصرامة شديدة:-
– بكرا تنفذ إللي اتفقنا عليه، وتاني حاجة يعقوب واضح إن محتاج مبلغ كبير، تعرفلي هو عايزه في أيه…
__________بقلم/سارة نيل_________
وقفت أمام الضابط تصرخ وهي تلطم وجهها وصاحت برجاء:-
– طب أخر طلب … أنا عايزه رِفقة تجيلي…ممكن أشوفها واتكلم معاها قولها إن أنا عيزاها ضروري..
أشار براء للعسكري بنفور:-
– خدها يا ابني الحبس .. إنتِ بكرا هتتعرضي على النيابة يا ست إنتِ وابقي قولي إللي إنتِ عيزاه…
جذبها العسكري من الأصفاد وصراخها المعترض يملأ أركان المكان … تشعر وكأن مسّ من جنون أصابها…
__________بقلم/سارة نيل__________
في وسط الظلام كانا يجلسان أسفل الشجرة أعينهما سابحة في شرود بعيد جدًا وكأنهم ليسوا بالواقع .. وهم بالفعل ليسوا بالواقع..
التيهة مرتسمة على وجههم وأيامهم عنوانها المجهول كما كانت منذ عشر سنوات إلى الآن..
ما يدل أنهم مازالوا على قيد الحياة، أنفاسهم المنتظمة وأعينهم التي ترجف بين الحين والآخر..
بالداخل أمام أحد النوافذ قالت إحدى العاملات لصديقتها:-
– روحي يا بنتي جبيهم من البرد علشان يناموا، دول لو فضلوا الليل كله كدا مش هيتحركوا
قالت صديقتها باشفاق:-
– الله يكون في عونهم، شوفي بقالهم كام سنة على نفس الحال من وقت ما وصلوا دار الرعاية لا فاكرين هما مين ولا ظهر لهم حد .. يا ترى أيه إللي حصلهم وصلهم لكدا..!!
سؤال بنسأله من عشر سنين وحالتهم لسه زي ما هيّا مش بتتحسن..
أيدتها الأخرى بعطف:-
– لولا السلسلة إللي في رقبة الست مكوناش حتى عرفنا اسماءهم..
يــحـيــى ونــــــــرجــس..
رواية وخنع_القلب_المتكبر_لِعمياء
بقلم سارة_نيل.
“الفصل الواحد والعشرون” -٢١-
– إللي سمعته صح يا لبيبة هانم..!!
كان هذا تساؤل “فاضل زكريا” بنبرته الذي جاهد لجعلها هادئة بعد هذا الخبر الصاعق الذي تلقاه بزواج يعقوب بدران بفتاة مجهولة، وانتشار مقطع مصور باعتراف يعقوب..
لم تُحرك لبيبة ساكنًا وبقت على حالة جمودها، وهتفت بكل برود باقتضاب:-
– أيوا صح..
هتف الرجل وهو على حافة الجنون من فكرة عدم زواج ابنته بالوريث الشرعي الأول يعقوب بدران:-
– بس ده مكانش إتفاقنا يا لبيبة هانم، مش اتفقنا يبقى فيه نسب بينا، وحضرتك اتكلمتي على بنتي ليعقوب باشا..
انتصبت بغضب ودقت بعصاها بشدة وصاحت من بين أسنانها:-
– ولسه على كلامي يا فاضل، ومش بسمح لأي مخلوق مهما حصل يكلمني بلهجتك دي..
وبنتك لو مش عايزه تخسر يعقوب يبقى تتحرك وتنفذ إللي قولتلها عليه..
وانصرفت بتكبر وغرور شديد وتذر هذا الغاضب الذي يغلى عقله كالمرجل ويقسم في قرارة نفسه بأنه لن يخسر تلك الجولة بتاتًا…
________بقلم/سارة نيل________
اقتحم حُسين والد يعقوب غرفة مكتب والدته بغضب ولم يبالي بقوانينها البالية..
هدر بغضب أعمى:-
– عملتي أيه وخليتي يعقوب يقتنع ويوافق يبيع لكِ المطاعم بتاعته، هددتيه بأيه .. عملتي فيه أيه يا لبيبة هانم … أنا متخيلتش توصلي للدرجة دي يا أمي..
عادت بظهرها للخلف وهي تسحب عويناتها من فوق وجهها ورددت ببرودها المعتاد:-
– طب وأيه لازمتها أمي .. يا حسين باشا..
اقترب من سطح المكتب يطرق فوقه بجنون بعروق وجه منتفخة وهدر بحدة:-
– فهميني إنتِ عايزه أيه من ابني، إنتِ مش راضيه تسيبي يعقوب في حاله ليه..
دي حياته إللي اختارها، ليه مش قابلة تشوفيه سعيد..
في هذا الأثناء ولجت فاتن والدة يعقوب بخُطى مهزومة ورفعت أنظارها لتتبين أعينها المنتفخة من البكاء ورددة بنشيج باكٍ:-
– دا ابني يا لبيبة هانم، ابني إللي خسرته بسببك وبسبب قسوتك وجبروتك، يعقوب مش هيكون النسخة إللي إنتِ عيزاها..
أنا عارفة إنك بتحبي يعقوب وإن هو عندك الدنيا كلها، بحلفلك بإللي رفع السما بدون عمد إن شوفت سعادة في عيون يعقوب والحياة رجعت لوشه واختلف تمامًا عن يعقوب إللي شوفته بعد ما رجعت…
اقتربت منها ثم فجأة جثت على ركبتيها بحزن أم يتمزق قلبها على وليدها، أمسكت يد لبيبة برجاء بينما تقول ودموعها تغرق وجهها تسألها بتذلل:-
– لو يهمك سعادة يعقوب ابعدي عنه، لو بيهمك فرحته وراحته اتنازلي عن كبريائك والقواعد بتاعتك…
بلاش تهدمي فرحته وتدمري أحلامه، مش إنتِ بتقولي إن هو مش بس حفيدك وأنه ابنك علشان الأم إللي ربت مش إللي ولدت، لو إنتِ ليه الأم، اعملي إللي الأم بتعمله … الأم مش بيهون عليها تشوف قلب ابنها محروق…
أنا مستعدة أعمل أي حاجة بس تبعدي عنه..
كانت تنتحب ولم تشعر بشيء سوى بحرقتها على يعقوب وخوفها ورعبها من تصرفات لبيبة على ولدها يعقوب..
انحنت تُقبل يدها لتسمع لبيبة تقول بقسوة ناهرة بسخرية:-
– وإنتِ تعرفي أيه عن الأمومة يا فاتن، قوليلي أكون زي الأم إللي سابته وهو لسه ابن خمس سنين وسافرت مع جوزها علشان تحقق أمجادها وتبني اسم في مؤسسة بدران..
وقبل ما تتحججي بالاسطوانة بتاعتك وتقولي دي أوامري .. بس إنتِ كُنتِ مُخيره وكنتِ تقدري تقولي لأ .. بس إنتِ إللي اختارتي المجد عن يعقوب…
كانت تتحدث وتنثر المِلح على جُرح فاتن لتنفجر الأخيرة ببكاء مرير وهدرت بينما تضرب على صدرها:-
– عندك حق … أنا إللي غلطانة …الحق كله عليا..
ياريتني كانت طلعت روحي وربنا خادني أهون عليا … اتحرمت من إني أشوف ابني بيكبر قدامي … أنا السبب في الويل والعذاب إللي ابني شافه … أنا هنا المجرمة..
شحب وجهها وشهقت بحِدة جعلت زوجها حُسين الذي يحاول جذبها يحتضنها بحنان ويحاول إبعادها لكنها كانت متشبثة بملابس لبيبة وصاحت بعذاب ودموعها تقطر من ذقنها:-
– قلبي محروق عليه .. أنا أستاهل إن هو يكرهني وميبصش في وشي تاني..
كل ما افتكر حياته كانت إزاي النار إللي في قلبي تزيد … يا كبدي يا ابني …يا نور عيون أمك يا يعقوب إزاي استحمل ده كله..
وفي غمرة الأحداث من وسط بكاءها تفاجأت بكفين قويتين يُحيطان كتفيها يجعلها تستقيم، رفعت رأسها بأعينها التي تتسرب منها دموع مريرة لتكون صدمة تهزّ بدنها حين رأت يعقوب أمامها يُساعدها في الوقوف…
لم تكن صدمتها أقل من لبيبة وحُسين الذي تعلقت أنظاره بيعقوب…
وقفت فاتن ووجهها مرفوع تجاه يعقوب ولم ترحم أعينها من الدموع، تنظر له بندم وحسرة وحب وحنان لطالما حرمته منه..
خرجت شهقتها التي تمزق أوتار القلوب وهي تشعر أنها على وشك فقدان الوعي بينما قد اعترض الهواء للولوج لرئتيها..
رفعت أصابعها المرتعشة تتحسس ذراعي يعقوب الصلبة ثم ارتفعت تضعهم فوق صدره على موضع قلبه وكأنها تُطمئن قلبها بأنه أمامها..
وبتردد شديد تعلم ردة فعله جيدًا من النفور والإبتعاد، ارتفعت كفيها تتحسس وجهه، لكن الرعدة التي ضربت الجميع بعنف حين ظل يعقوب ثابتًا لم يبتعد عن مرمى يديها، اكتفى بالنظر إليها بهدوء نظرة كانت مستكشفة لأشياء ومشاعر جديدة غابت عنه أعوامًا عديدة..
هزت السعادة قلب فاتن لتتجرأ وتُلقى نفسها تجذبه لأحضانها وهي تهمس بوجع:-
– يعقوب ابني .. حبيبي يا نور عيني، حقك عليا يا يعقوب حقك عليا يا روح فاتن..
وهنا كانت الصاعقة التي ضربت الجميع وأولهم لبيبة، حين أغمض أعينه بتأثر ورفع ذراعيه بعد قليل من التردد والتوتر يُطوق والدته يُبادلها العناق بشوق شديد … عِناق تمناه بعمر الخامسة إلى الآن … عِناق حُرم منه سنوات طويلة..
فقد استمع لحديثها وتذللها للبيبة وندمها الشديد ليتمزق قلبه ولم يستطع رؤيتها هكذا..
لم يهدأ بكاء فاتن بل إزداد وارتفع صوته فقد ظفرت أخيرًا بأخذ ولدها البِكر لأحضنها الذي اغترب عنها منذ عمر الخامسة..
كان كفيها يجريان على ظهره وكأنها تمسح تباريح الشجون من داخله، تشتم رائحته بنهم وتمسح على شعره بحنان..
انتصبت لبيبة تنظر لهم بوجه معقود بالغضب والصدمة تنضح على وجهها لتقبض على عصاها بشدة حتى برزت عظامها بشدة..
بينما والد يعقوب فلم يقوى على الصمود أمام ما يراه ونبتت الدموع من أعينه بتأثر فهو الأخر لا يقل شوقًا عن زوجته بأخذ ولده بين أحضانه واشتمام رائحته…
ابتعد يعقوب يخرج من أحضانها على مضض بملامح وجه متحفظة ثم ردد بصرامة ونبرة شديدة:-
– أوعي تنحني وتركعي قدام حد تاني …إياكِ..
وتابع يقول بوجه مُغلف بالقسوة:-
– مفيش حدّ يقدر يجبرني على حاجة مهما كان، أنا إللي محتاج أبيع فرعين من مطعمي وأحتفظ بالتالت وبكامل إرادتي..
وألقى بعض الأوراق فوق سطح المكتب أمام لبيبة وقال بحسم:-
– الورق جاهز .. هيتملي وهنمضي بس، والمحامي براا..
رفعت لبيبة أحد حاجبيها بتعجب بينما تعلقت أنظار كُلًا من والديه ببعضهم البعض، ليُدرك حُسين أن يعقوب بحاجة ماسة للأموال، وبالتأكيد الأمر في غاية الأهمية لجعلِه يتنازل عن أحلامه وسعيهُ بتلك السهولة..
رددت لبيبة بسخرية وهي تعود للجلوس مرةً أخرى:-
– دا إنتَ مستعجل أووي..
وجاءت تسحب الأوراق لكن سبقها مُسرعًا والد يعقوب وهو يقول بدون تردد:-
– يعقوب أنا مستعد أشتري المطاعم أنا…
أنا محتاج لمشروع مهم، وبالسعر إللي تحدده..
يعلم بل لديه يقين أنه لن يقبل منه أدنى مساعدة مادية، لكن هذه الطريقة هي الحلّ الأمثل..
فهمت لبيبة مراد ولدها على الفور، ابتسمت بسخرية وهي تُحرك رأسها بصمت ثم هتفت بكل سهولة كلمات غامضة يتلبسها الكثير من علامات التعجب والإستفهام:-
– مفيش مشكلة اشتريه إنت … هو في كلا الحالتين إللي هيحصل واحد..
مُبارك عليك مطاعم البوب يا حسين باشا..
قالت جملتها الأخيرة وهي تنظر ليعقوب نظرة مليئة بالفخر أثارت تعجب الجميع..
رفع يعقوب كتفيه بلامبالاة وردد بدون اكتراث:-
– مش فارقة … يلا علشان نتمم كل حاجة..
حضر المحامي وبهدوء بعد بعض الإجراءات نقش يعقوب إمضاءه عن التنازل دون أن يرف له جفن وكأنه ليس الآن يتنازل عن حلمه وحصاد سعيه في هذه الحياة…
جذب (الشيك) وخرج بخطواط ثابتة دون أن يلتفت خلفه…
_____وخنع القلب المتكبر لِعمياء_____
________بقلم/سارة نيل________
هبط من السيارة يحتضن كفها بحنان وهم يتجاوزون بوابة دار الرعاية المرتفعة..
كانت رِفقة تشعر بشعور عجيب من الإرتياح والحماس..
سألها يعقوب بحنان:-
– هاا مستعدة تخوضي التجربة دي يا رِفقة..
ابتلعت ريقها وأردفت ببعض الحزن بغصة حادة وهي تزيد من تمسكها بيعقوب:-
– أكيد ورا الباب ده كتير أووي من القصص الحزينة يا يعقوب، هنا كل واحد عنده قصة حزينة غيرت مجرى حياته .. هنا كل قصص الخذلان..
صمتت قليلًا وواصلت بصوت متحشرج:-
– لو إنت مكونتش موجود كان زماني هنا في وسطهم …صح يا يعقوب .. كنت…
وضع أصابعه على شفتيها يمنعها من إكمال هذا الحديث الذي لا يُرضي قلبه..
ردد بحنان مُغلف بجسارة شديدة:-
– رِفقة إنتِ قدرك مع يعقوب بس .. قدرك مع يعقوب بس إنتِ فهماني..
قدرك يعقوب..
مش عايز أسمع الكلام ده تاني علشان بيوجعني..
ابتسمت له بحبٍ صافٍ وواصلت السير بجانبه وهمست له بمرح:-
– فاهمه يا سي يعقوب .. فاهميني يا سيدي..
ابتسم وهو يُحيطها بينما يدلفان للداخل لتقابلهم المسؤوله الشابة التي ابتسمت ببشاشة قائلة بترحيب:-
– أهلًا بيعقوب باشا ….المرة دي مش جاي لواحدك جاي معاك ضيف..
قال يعقوب محاوطًا رِفقة:-
-أهلًا وسهلًا آنسة شفاء، لا طبعًا مش حد غريب دي رِفقة مراتي..
رددت الفتاة بوِدّ واضح من نبرتها:-
– بجد إنت اتجوزت يبقى الأخبار صح بقى يا باشا، مش مصدقة حقيقي إن يعقوب باشا اتجوز كدا مرة واحدة..
ضحك يعقوب بمجاملة لتشتعل نيران غريبة بقلب رِفقة التي احتفظت بثباتها وهدوءها بينما تنهر نفسها على هذا الشعور المؤلم الذي اختلج قلبها مستنكرة إياه…
أمسكت شفاء ذراع رِفقة قائلة بمرحها الزائد:-
– أنا هاخد منك رِفقة نتعرف على بعض وأعرفها على المكان وإنت روح لحبايبك هتلاقيهم في نفس المكان..
وقبل أن تبتعد بصحبتها رِفقة، انحنى يعقوب يهمس لرِفقة:-
– خدي راحتك ومتقلقيش أنا في إنتظارك هنا..
حركت رأسها وسارت بصحبة شفاء التي أخذت تشرح لها بتوضيح جميع التفاصيل هاتفه:-
– هنا يا رِفقة هتلاقي كل الأشخاص والظروف والغدر إللي ممكن يحصل..
هنا آباء وأمهات العاقيين إللي تم طردهم على إيد ابنهم وفي بناتهم..
في المريض إللي ملوا منه ورموه، في العاجزيين، وفي أصحاب البصيرة إللي سحبوا إديهم من مساندهم..
هنا كل إللي اتغدر بيهم وكل إللي الجميع دار لهم ضهرهم..
غير إن هنا إللي مقطوع من شجرة ومحدش يعرف عنهم أي حاجة بسبب إنعزالهم وصدمتهم النفسية…
سقطت دموع رِفقة من هذا الألم ومن هذا الجبروت الذي أصبح يملئ القلوب وتلك القسوة التي أشد من قسوة الحجارة، أين الرِفق واللين الذي وصّانا به حبيبنا محمد..!!
أين الرِفق الذي يحبه الله..!!
ماذا سيقولون عندما يقفون أمام قاضي السموات!
لماذا هذه القسوة الذي أصبحت تعج هذا العالم..
عندما رأت شفاء دموعها قالت مبتسمة تحاول التخفيف عنها:-
– دا إنتِ شكلك طريه أووي، أمال لو عرفتي القصص هتعملي أيه، دا قطرة بسيطة من إللي موجود هنا .. دا أنا بشوف أشكال وألوان وقصص أعجب من العجب…
مسحت رِفقة وجهها وتسائلت بفضول:-
– ليه إنتِ بقالك هنا قد أيه، والمكان هنا بتاعك..؟
شرحت لها شفاء بهدوء:-
– أنا يا ستي عندي سابعه وعشرين سنة، المكان ده إللي فكر فيه وفتحه هو والدي الله يرحمه، وكنت ساعتها عندي ١٥ سنة وبقيت أنا وأمي وأخواتي البنات بنهتم بيه..
أمي الله يديها الصحة كبرت وأخواتي اتجوزوا وأنا مواصله بحافظ على وصية بابا وبزود كل يوم ميزان حسناته..
رغم البشاعة إللي بقت موجوده بس في ناس لسه جميلة أووي من جوا..
ناس كتير بتتبرع للمكان ومتكفلة بأشخاص معينة، عندك مثلًا يعقوب متكفل باتنين هنا غير التبرع الشهري للمكان، الله يبارك فيه ويزيده، حقيقي إنسان رائع بما تحمله الكلمة من معني، وراجل أووي..
وزادت تمدح في محاسن يعقوب تحت جنون رِفقة التي أخذت تنهر نفسها مما تشعر به، فكيف لها أن تفكر في مثل هذه الأشياء وهي بهذا المكان والفتاة فاعلة خير…!!
همست بداخلها باستنكار بينما الغيرة تأكل قلبها:-
– أيه الجنان ده يا رِفقة … حقيقي إنتِ بقيتي شريرة..
***********************
عند يعقوب فور أن ذهبت رِفقة بصحبة شفاء، اقترب منهم بهدوء وهم على نفس الحال يجلسون أسفل هذه الشجرة المتطرفة، وجههم لهذا الحائط وظهورهم للأرجاء….
جلس يعقوب أمامهم ورسم إبتسامة هادئة وقال:-
– إزيك يا عمّي يحيى .. عامل أيه وأخبار صحتك..
كالعادة لم بقابله سوى الصمت فقط ينظر له بهدوء ممزوج بالتيهة لكن هناك الإرتياح الذي ينمو بأعينهم فور رؤيتهم له، أصبح يجيد قراءة تعبير الأعين على أيديهم…
وكما اعتاد كل هذه السنوات يجلس ويأخذ في سرد ما يحدث له وما يجِد بحياته، آلامه وأحلامه، لكن تلك المرة أخذ يسرد لهم شيء مختلف فريد من نوعه..
الفتاة التي سرقت لُبه وكيانه وغيرت كثير بداخله، لم يغوص في التفاصيل، فقط يسرد لهم عن فتاة مجهولة بالنسبة لهم ولم يصدف في حديثه أن ذكر اسمها…
بعد قليل خرجت رِفقة بصحبة شفاء فتحرك يعقوب تجاههم بعد أن قال:-
– بعد إذنكم …هرجع تاني..
وفور أن شعرت به رِفقة تمسكت بذراعه بشدة تعجب لها يعقوب لكنها أسعدته وجعلته يبتسم..
جاء يتحدث لكن قاطعه صوت رنين هاتف رِفقة، أخرجته من حقيبتها مسرعة، نظر يعقوب نحو الشاشة وقال لها من فوره:-
– دي نهال..
ابتسمت برقة وقالت:-
– طب هرد عليها..
وسارت بحذر مبتعدة عنهم تُحدّث نهال بحماس شديد… فتقف على مقربة هذان الثنائي الغائبان في الحزن والتيهة، يعطوا لها ظهرهم فلم يروها وهي لم ترهم…
تنهد يعقوب وتسائل وهو يُشير برأسه لكلًا من يحيى ونرجس:-
– بروده مفيش أي جديد..
أردفت شفاء بيأس:-
– للأسف لأ يا يعقوب، لسه مستمرين مع الدكتور النفسي وهو مُصّر على كلامه، بيقول إنهم في حالة صدمة شديدة مخلياهم مش حاسين بالواقع زي المغيبين كدا، وبيفقدوا بالتدريج أجزاء من الذاكرة لو مش فاقدينها كلها يعني…
بيقول إن لازم يحصل حاجة تثير العقل، حاجة من ماضيهم وحياتهم القديمة…
بس زي ما إنت شايف..
زفر يعقوب زفرة مطولة وتسائل وأعينه مُعلقة برِفقة:-
– يعني مفيش أي أمل نوصل لحد من أهلهم..
– بقالنا كام سنة بندور يا يعقوب، وهما على نفس الحال مش بيستجيبوا معانا ولا بأي شكل من الأشكال، ولا نعرف حصلهم أيه وصلهم لكدا..
بعد ما وصلنا من كام سنة على الناس دي وكان عندنا أمل يبقوا عارفنهم، يومها الست قالت منعرفش حد بالاسم ده…
حرك يعقوب رأسه ليقول بتفكير:-
– طب ما تديني عنوان البيت ده يا شفاء أو اسم الناس دي..
استفهمت بعجب:-
– ليه .. ما أنا روحت وورتها الصور كمان وهي قالت متعرفهمش..
ردد يعقوب بتفكير:-
– يمكن في نفس المنطقة حد يعرفهم، يمكن عنوان البيت بس غلط وحد من المنطقة يدلنا، خلينا ندور ونحاول مرة كمان مش هنخسر حاجة، أنا مش هيهدالي بال ألا ما أوصلهم لبر الأمان..
ابتسمت شفاء وقالت بفخر:-
– ربنا يجازيك خير يا يعقوب، حاضر ثواني أروح أشوف العنوان وأكتبه.
وسارت للداخل على الفور..
عند رِفقة كانت اقتربت من المقعد حتى أصبحت خلفهم على مقربة شديدة وهي تستمع لحديث نهال بتركيز وصمت والتي تسرد لها أمرًا هام..
وقفت رِفقة قليلًا ثم استدارت تبتعد مرةً أخرى وعندما شعرت بيعقوب يمسك يدها أنهت الحديث مع نهال على وعد بالحديث لاحقًا…
ابتسمت رِفقة وتسائلت باهتمام:-
– خلاص كدا خلصنا…
حدثها يعقوب بهدوء:-
– خلصنا يا أرنوب باقي بس حاجة بسيطة، قوليلي ارتاحتي للمكان وصدّقه..
أردفت براحة:-
– أيوا المكان هنا شكله مريح، وشفاء ما شاء الله واضح إنها بنوته صادقة ومكافحة وحنينة جدًا على الناس هنا..
أيدها يعقوب:-
– دا حقيقي فعلًا .. شفاء حد محترم وناجحة جدًا في المكان ده وصادقة…
وأخذ يُعدد حُسن أخلاقها لتتقد أعينها بشرار عجيب ثم هدرت تقول بحدة يسمعها يعقوب منها للمرة الأولى:-
– لو سمحت كفاية يا يعقوب، أنا فهمت .. الرسالة وصلت..
أدار رأسه لها يتأمل ملامحها التي لطالما تقطر لُطف أصبحت أكثر شراسة بينما تعقد وجهها وتزّم شفتيها بشكل لطيف وتقبض على فستانها بغضب..
هي له شفافة صافية مثل الماء يستطيع قراءتها فشماعرها تنعكس على عينيها بشكل صريح..
فهم ما تشعر به لينتفض قلبه سعادةً وهو يشعر بالغيرة السعيرية على ملامح وجهها..
ابتسم باتساع ليهمس ببهجة وكأنه فاز بأحد الجوائز:-
– شكل الأرنوب بيغير غيرة جامدة..
أردفت تتسائل بلهجة حادة:-
– بتقول حاجة..!!
توسعت ابتسامته وقال وهو يُمسك يدها:-
– بقول حاضر هسكت يا رِفقة…
وأكمل يتسائل وهو يسير بها نحو الخارج لتشعر هي بانقباضة غيربة تحتل قلبها..
– قوليلي عايزه تروحي فين النهاردة..
تجاهلت شعورها ثم أخذت تفكر مدة لم تُكمل دقيقة وقالت بحماس:-
– وديني الملاهي..
قال بطواعيه:-
– وماله نروح الملاهي…
وصل لسيارته الموضوعة أمام البوابة مباشرة، توقف وهو يتذكر أمر العنوان وتوديع العم يحيى فقال:-
– بمجرد ما بتكلم معاكِ بنسى الدنيا وإللي فيها..
هدخل بس أجيب حاجة في دقيقة وجايلك، ولا أقولك تعالي معايا…
ابتسمت هاتفة وهي تستنشق الهواء العليل نتيجة لاتساع الفراغ في تلك المنطقة ووجود الأشجار:-
– لأ ادخل إنت وأنا هستناك هنا أشم شوية هوا من الحلوين دول..
قال يعقوب قبل أن يهرول للداخل بينما هي تقف أمام البوابة بجانب السيارة:-
– تمام يا أرنوبي..
وضع الورقة بجيبه وأسرع نحو يحيى ونرجس يودعهم…
في الخارج بينما رِفقة تستمتع بملمس الهواء لبشرتها لم تشعر سوى بقبضة قوية تنتزعها ثم كف كبير يُكمكم فمها فأصبحت مُقيدة بأزرع حديدية، ظلت تقاوم وتتحرك بعنف تحاول إنتزاع جسدها بعنف..
قضمت كف الرجل الموضوع على فمها وسارعت تستغيث بفزع بالاسم المرقوش على قلبها من بين أنفاسها اللاهثة:-
– يــــــــــعــــــــقــــــــوب..
لم تشعر سوى بفمها يُكتم من جديد وشيء حاد يُغرز بذراعها لتسقط على إثرها في عالم مُظلم ليسحبها الرجال نحو سيارة سوداء وينطلقون بسرعة شديدة..
عند يعقوب الذي كان يقف أمام يحيى يُحدثهم، تخشب جسده فور سماع صراخ رِفقة وشحب وجهه ولم يتهمل حتى أخذ يركض بلهفة وقلب مرتعب مضطر قبل أن يصيح بروع:-
– رِفــــــــقـــــــــــة… !
وفور سماع هذا الاسم توسعت أعين كلًا من يحيى ونرجس لينظران لبعضهم البعض بصدمة هزت سكون أبدانهم…
“الفصل الثاني والعشرون” -٢٢-
رجت الصدمة كيانه حين وجد مكانها خاليًا إلا من صدى صوتها المستغيث الذي يتردد بأذنه وعقله، ونداءه المُعلق الذي لم يجد له إجابة..
إنها نهاية بلا قاع..
خيم عليه صمت عجيب يعتريه فراغ وهو يقف خائر اليدين يُكلله العجز المقيت..
الفزع يحتضن ملامحه وقلبه يجأر بشدة يشعر بطرقاته بعُنقه وبكل عروق وجهه المنتفخة…
سار وتجاوز سيارته حيث الطريق الرمادي، ثم جلس على عقبيه ينظر للأثار التي تركتها إطارات السيارة التي تبخرت ليعلو الغضب وجهه وقد علم على الفور من مدبر تلك اللُعبة القذرة..!
جرى غضب سعيري بجسده وهو يشعر بصدره يكاد ينفجر من مشاعر الغلّ التي ملئته.
قبض كفيه حتى انبلجت عروقه، زمجر بغضب وهو يطرق بيده على مُقدمة سيارته بملامح وجه أصبحت مرعبة تتوعد بالويلات..
صعد لسيارته ثم انطلق بسرعة جنونية تحمل بين طياتها أطنانٍ من الحقد والإهتياج..
بعد قليل جدًا كان أمام إمبراطورية آل بدران للإلكترونيات..
هبط من سيارته مغلقًا الباب بقوة أحدثت فرقعة شديدة، وبخطى جحيمية ووجه مُظلم مُغلف بقسوة مُرعبة كان يدلف للمرة الأولى بعد سنوات طويلة من الباب الرئيسي متجاهلًا تحية رجال الأمن الذين وقفوا بإحترام رغم صدمتهم لرؤية يعقوب بدران هُنا…
كان طريقه معروفًا نحو غرفة العرض لإنتاجات المؤسسة، أجهزة تُقدر بمليارات الدولارات..
لم يجرؤ أحد بالوقوف بوجهه وهو يسحب بيده قطعة طويلة من الحديد ويضرب الباب الإلكتروني بقدمه قبل أن يضع بصمته على موضع ما فانفرج الباب يُفتح ولم يتمهل ثانية وهو يهبط بعزمه كله فوق جميع الأجهزة بكل الكبت والحقد والألم والوجع والرعب الذي يأكل قلبه على حبيبته…
كان يحطم كل ما تطوله يده من غالٍ وثمين وهو يُدرك خطورة ما يفعله وكم الخسارة الطائلة التي ستحط على لعنة بدران تلك…
انطلقت صوت الأنذرات تدوى في جميع أركان الصرح العظيم ليهرول الجميع برعب وهم يدركون ما معنى هذا الإنذار…
كان على رأسهم لبيبة بدران التي رغم توترها الداخلي كانت ملامحها ثابتة جامدة…
وقف الجميع بصدمة وأعين جاحظة وهم يرون آخر شخص توقعوه….
المهندسون والمصممون ينظرون للأجهزة المُهشمة لألآف القطع أرضًا والتي لم تعد تصلح سوى للقمامة…
توقف يعقوب أخيرًا بصدر يعلو ويهبط بجنون وأنفاس متسارعة بينما العرق يقطر من وجهه وجسده حتى ابتل قميصه الأسود…
جاء بعض رجال الأمن للسيطرة على يعقوب وهم يرفعون السلاح بوجهه، لكن لم يُسمع سوى صوت ارتطام السلاح بالأرض وصدى قوي لصفعتان قويتان على وجه الرجلان، ولم يكن صاحبتهما إلا لبيبة بدران التي أصبح وجهها يبث الرعب في قلوب الجميع..
تعالَى صوت هدرها تصيح بصوت قوي جهوري:-
– إزاي تتجرأ وترفع السلام في وش يعقوب باشا وهو في بيته يا مجرم … فهمني جبت الجُرأة دي منين …. يا ويلك مني…
ووزعت أنظارها وواصلت هدرها:-
– محدش يقرب منه … إياكم تقربوا منه…
وقف يعقوب بمواجهتها ينظر لها بشرّ نظرة نارية ومازالت أنفاسه لم تهدأ وصدره يعلو ويهبط بانفعال واضح..
اقتربت منه ثم رفعت يدها تضعها على كتفه قائلة بنبرة دافئة:-
– كله فداك يا يعقوب … كله فداك يا نور عيني..
المهم تكون فرغت كل الطاقة إللي جواك، متعرفش أنا فرحانة قد أيه إن شوفتك هنا في مكانك وكل حاجة تغور في داهية المهم إن شوفتك هنا…
اقترب أكثر منها بينما أخذت يدها تمسح على وجهه تزيل عرقه بحنان، ثم همس هو بجانب أذنها بنبرة تهتز لها الأوصال:-
– إنتِ خسرتي يعقوب للأبد يا … لبيبة هانم..
للأبد…..
وقبل أن يستدير راحلًا بوجه مكفهر ألقى قطعة الحديد من يده لتُحدث ضجة صاخبة ممتزجة بصرخة ساخطة تتلظى بنيران الوجع..
ارتفع صوتها وقالت بقوة غريبة وظهره لوجهها:-
– مستحيل أخسر يعقوب خليك فاكر ده كويس يا باشا … مستحيل أخسرك مهما كان التمن…
نمت على زاوية فمه بسمة ساخرة ورحل خارجًا دون أن يستدير وقدمه تدك الأرض دكًا…
_________بقلم/ سارة نيل________
اقتحم غرفة مكتب براء بسرعة ليقفز الأخر بفزع من رؤية هيئة يعقوب الناطقة بالحال دون الحاجة لسؤاله القلق:-
– في أيه يا يعقوب حصل أيه..؟!
لم يتهمل يعقوب وهو يصرخ:-
– بسرعة يا براء حالًا مفيش وقت نضيعه، افتح البرنامج بتاع جهاز التتبع إللي في سلسلة رِفقة…
بسرعة يا براء…
هرول براء وخلفه يعقوب نحو أحد الغرف دون المزيد من التساؤلات..
صاح براء مسرعًا:-
– أكرم افتح بسرعة برنامج جهاز التتبع (…)
نفذ الضابط الذي يجلس أمام الكثير من الأجهزة ليردف يعقوب وهو يدور بالغرفة كالأسد الحبيس يمسح على خصلاته يكاد أن يقتلعهم من جذورهم ثم يستند على طرف المكتب منكسًا رأسه للأسفل مُطبقًا أسنانه بشده يطحن نواجذه حتى برزت عروق جبهته من فرط كبحه لغضبه وتلك التخيلات التي لا ترحم عقله عن حال رِفقة قطعة من قلبه بل قلبه كله، همس بنبرة يشوبها البكاء رغم قوتها وحسمها:-
– جايلك يا رِفقة مش هسيبك يا حبيبتي ومش هسمح لمخلوق يمسّ شعره منك..
حقك عليا رِفقة …حقك عليا أنا غلطان…
صرخ أكرم:-
– براء باشا الموقع أهو … السلسلة مستقرة في المكان ده…
اتجه يعقوب نحوهم بلهفة مُخرجًا هاتفه الحديث وهو يقول:-
– بسرعة انقل ليا البرنامح بسرعة..
حرك أكرم رأسه وبعد عدة دقائق سحب يعقوب الهاتف وهم بالهرولة للخارج وأمامه خريطة التتبع…
لكن أوقفه براء بقوله:-
– نيجي معاكِ يا يعقوب بقوة..
نفى يعقوب مسرعًا قبل ركضه للخارج:-
– لأ الموضوع مش مستاهل أنا هجيبها وأرجع محدش هيقدر يوقفني…
– طب متقلقش إحنا هنا كمان مش هنتنقل من قدام البرنامج…
ركض يعقوب للخارج وهو يهمس بينما ينطلق بسيارته:-
– جايلك يا رِفقة … جايلك يا عمري…
_________بقلم/سارة نيل_________
– أنا مش هعمل إللي بتقول عليه ده يا بابا مستحيل، وأنا أصلًا مش ميته على يعقوب بدران ومش عايزه أتجوزه من الأساس.
حديثها بالطبع لم ينال إعجاب والدها فاضل، صرخ يقول بقسوة:-
– وأنا قولت هتتجوزيه، أنا إللي أحدد يا غادة، وأنا أديت للبيبة هانم كلمة ومش هتكسري كلمتي يا بت إنتِ…
مصالحنا كلها متعلقة بجوازك منه، لازم تعملي اللعبة دي وتحطي يعقوب تحت الأمر الواقع وتجبريه يتجوزك..
ثكلت ثباتها وهبت واقفة تصيح بدموع منهمرة:-
– وأنا مش هدفن نفسي بالحيا وعلى جثتي أتجوز يعقوب ولا أفكر أعمل أي لعبة قذرة من إللي بتقول عليها، ولا كرامتي تسمحلي أجري ولا راجل هو مش عايزني..
مليش علاقة بمصالح حضرتك يا بابا..
أنا مش هدمر حياتي..
حتى لو أنا هنت عليكِ، أنا مش تهون عليا نفسي..
وواصلت بسخرية لاذعة:-
– وبعدين دا واحد اتجوز واتكلم بكل جُرأة قدام البلد كلها ومش هامه حاجة..
وهي لبيبة هانم عارفة تسيطر عليه أصلًا ولا قادرة تطوله.
خُلاصة الكلام يا بابا أنا مش هتجوز ألا إللي أختاره قلبي، ومش هتجوز أبدًا بالطُرق دي، أنا هتجوز جوازه طبيعية زي باقي البنات، هتجوز من واحد عايزني أنا لشخصي مش علشان أي أسباب تانيه، وأظن دا شرع ربنا صح..
رماها بنظرات غاضبة ثم تسائل بنبرة خطيرة:-
– ودا مين بقاا إن شاء الله!!
صمتت برعب وهي تُدرك مدى الصدمة التي ستقع عليه فور نطق اسمه الذي لم تقوى على ذِكره…
≡≡≡≡≡≡≡≡≡≡
صفعة عاتية تردد صداها بأرجاء قصر آل بدران، سقطت على وجه يامن شقيق يعقوب والذي جعلت وجهه يلتف للجهة الأخرى..
اعتدل ينظر بأعين مِحمرة مليئة بالغضب المكبوح، بينما هي ترميه باستحقار وغضب لم تغضبه لبيبة بدران من قبل…
شهقت فاتن واضعة كفيها على فمها وركضت تقف أمام ولدها بدفاع ثم أردفت باعتراض وتمرد:-
– ابني معملش حاجة يا لبيبة هانم، إنتِ خلصتي على يعقوب وهتديري على يامن ولا أيه، بس لا أنا ولا حسين هنسكت أبدًا..
تجاهلت لبيبة حديثها واعتراضها واتجهت بأنظارها المحتقرة حيث يامن القابض على يديه بشدة، وهدرت لبيبة بإزدراء:-
– نظرتي فيك كانت صح من البداية، إزاي تتجرأ وتحط عينك على البنت إللي أخوك هيتجوزها يا حقير .. دي بقت تخصّ يعقوب باشا..
جاي بأي عين تقولي إنت هتخطبها، دا أنا أمحيك من على وش الدنيا..
نجحت في إخراجه من كبوته وصرخ بكل غضبه يفيض بتمرد:-
– غادة مش هتكون ألا ليا، وهي كمان عيزاني وموافقة عليا ومحدش هيتجوزها ألا أنا…
كل حاجة يعقوب يعقوب .. دا أنا إللي همحيه من على وش الدنيا لو قرب منها…
هو يعقوب بس إللي حفيدك، قاعدة بتجري وراه وهو مش معبر حد فيكم وعايش بالطول والعرض زي ما هو عايز، راح اتجوز من ورانا واحدة محدش يعرف عنها حاجة واعترف بكل جُرأة قدام كل العالم وهو بيتحداكِ وبيتمرد عليكِ..
أنا عملتلك أيه علشان تفضليه عليا، في دراستي دخلت التخصص إللي يخدمك ويخدم عيلتي، ومن ساعة ما وعيت وأنا شغال وبخدم وبكبر اسم بدران وشغلنا، وإنتِ من ساعة ما أنا رجعت مش مدياني ريق حلو، كل إللي في بالك وعلى لسانك يعقوب يعقوب يعقوب، متخلنيش أكره أخويا بتصرفاتك دي…
غادة مش عايزه يعقوب ومش موافقة عليه والجواز مش بالغصب…
أنا بقولك أهو إن هتجوزها غصب عن أي حد….
جامدة من الخارج لم تتأثر بحديثه أو هكذا تظن…
ورغم هذا نطقت بثبات وبرود عجيب:-
– يبقى برا بيتي ومسحوب منك كل المميزات، محدش ليه حاجة عندي، إنت ناسي إن كل الهلُمه إللي إنتوا فيها دي على صوتي أنا، وكل حاجة هنا ملكي أنا وحفيدي يعقوب..
برا من غير كروت البنك والعربية وشغلك في صرح آل بدران..
لو إنت مفكر نفسك راجل فأحب أقولك إن إللي عاملك قيمة هو اسم بدران بس، إنت من غيره ولا حاجة…
أمّا أخوك إللي بتقل منه، فهو إللي وصله من جهده وتعبه حتى لو كنت بنكر شغله، بس هو إللي خلق إللي وصله من غير مليم من أملاكه هنا مش طلع لاقاه على الجاهز…
عرفت الفرق إللي بينك وبين يعقوب، ولسه في كتير لو حابب تسمع…
أوعى مرة تانية تقارن نفسك بالباشا يعقوب؛ لأن فرق كبير أووي بين إللي عاشه يعقوب وإللي إنت عيشته…
________بقلم/سارة نيل________
– في أيه يا دكتور طمني هما ليه حالتهم اتقلبت كدا، أيه الجديد..!!
رفع الطبيب رأسه وأردف بهدوء بينما يتأمل نرجس الباكية بكاء مرير ويحيى الذي يحتضنها بحنان بأعين دامعة وهو يطبطب على ظهرها برِفق:-
– في حدث من الماضي مرّ قدامهم، في حاجة جديدة حصلت خرجتهم من صمتهم وأحيت الذكريات المنسية..
في حدث أثار العقل، أنا هنا إللي بسأل في حاجة غريبة أو جديدة حصلت النهاردة مروا بيها…
صمتت شفاء تُعيد الأحداث السابقة لكن دون فائدة لا شيء واحد مختلف عن الأحداث المتكررة…
وَمَض عقلها بأخر مشهد..
هم لم يخرجوا عن صمتهم إلا بعد ركض يعقوب وصياحه باسم (رِفقة)..
لكن لماذا!!
أهذا المشهد يُذكرهم مثلًا بحدث مروا به في حياتهم في الماضي..!!!
_________بقلم/سارة نيل_________
تأوهت بخِفة وهي تشعر ببعض الدوار يحتل رأسها، فتحت أعينها وهي تتحسس المكان المتواجده به فيداهم عقلها الحدث الأخير..
تكومت على نفسها بخوف وطفق الذعر بعينها بينما تحتضن جسدها وتعود للخلف..
همست برعب:-
– يعقوب..
– صحيتي .. مأخدتيش وقت طويل علشان المخدر إللي إنتِ وخداه خفيف…
طرق قلبها بشدة وابتلعت ريقها الجاف محاولة إخراج كلمات مُفيدة وأن تستجمع نفسها..
– إنتوا مين .. وأنا فين .. إنتوا عايزين مني أيه..؟
كانوا رجلان قال أحدهم بصرامة دون رحمة:-
– إحنا مش جايبينك هنا علشان نإذيكِ…
باختصار كدا وبكل هدوء إنتِ هتسافري برا البلد بعيد عن هنا في طريق محدش يقدر يوصلك فيه، ومعدش لكِ حرية الإختيار للأسف؛ لأن بعد ساعتين هتكوني في قلب الطيارة إللي هتاخدك من هنا بدون راجعه..
ومتقلقيش حياتك هناك متأمنة بس طريق العودة مش هتعرفيه لأن بكل بساطة هتكوني هناك بس عايشة، حتى أبسط الحاجات مش هتعرفيها ولا حتى اسم البلد إللي هتتسجني فيها..
فإهدي ومتتعبيش نفسك وتتعبينا، مفيش فرار…
شحب وجهها وقد أدركت أن من خلف هذا الأمر هي جدة يعقوب…
كانت رِفقة جاثية بوهن ورغم ذعرها إلا أنها قالت بقوة:-
– مش هتقدروا .. مش هتقدروا هتفرقوني عن يعقوب، أنا واثقة إن يعقوب هيجي، ربنا هيرشد يعقوب على مكاني..
ضحك الرجل بسخرية وأردف:-
– بصراحة كان ليا الشرف أشوف يعقوب باشا ولو مرة واحدة كنت حكمت هيقدر ولا لا، بس للأسف أنا راجل بتاع شغل ولازم أنفذ المطلوب مني بالحرف ومش بهتم بتفاصيل.
في هذا الأثناء وصل يعقوب المكان المتواجد به جهاز التتبع المُلحق بقلادة رِفقة التي أهداها لها وحثها على عدم نزعها…
اقترب مسرعًا بتلهف وهو يقتحم المكان..
بالداخل كانت رِفقة تجلس باتجاه والرجلان يقفان على بُعدٍ منها وبينهما بمنتصف المسافة الباب..
نظر الرجل لصديقه مسائلًا بتعجب:-
– أنا سمعت زي ما يكون صوت عربيه كدا برا، إنت سمعت حاجة..
سحب الرجل عصا ثقيلة من المعدن وقبل أن يُجيب كان يعقوب يقتحم المكان وهو يصرخ بلهفة:-
– رِفقة .. رِ….
قُطع الباقي من حديثه وهو يشعر بضربة حادة شديدة على رأسه من الخلف جعلت العالم يدور من حوله، لكنه ظلّ يصمد عندما وجد أمامه رِفقة تتكوم بأحد الأركان بخوف، يحاول فتح جفونه التي أصبحت ثقيلة..
وضع يده على رأسه وهو يجاهد لعدم السقوط لكن كان الألم أشد منه وسقط في بئرٍ مُظلم بينما أعينه مُعلقة برِفقة وقد ارتسم الألم على وجهه..
صرخت رِفقة وهي تتحرك من مكانة على ركبتيها تتحسس المكان وتتفحصه بجنون باحثة عن يعقوب الذي كُتم نداءه…
– يعقوب .. يعقوب إنت فين … يعقوب..
إنت مش بترد عليا ليه…!!
نظر الرجلان إلى بعضهم البعض بصدمة وأعين جاحظة وهما يدركان أن هذا الراقد أمامهم ليس سوى يعقوب بدران حفيد لبيبة بدران نفسها..
قال الرجل بفزع:-
– الله يخربيتك إنت عملت أيه، إنت وديتنا في داهية .. دا يعقوب بدران..
دي لبيبة هانم مش هيكفيها روحك لو حصله حاجة..
ألقى الرجل ما بيده وقد تحول إلى جرو جبان وهرول للخارج وكأنه يهرب من وحش مخيف..
– بسرعة لازم نهرب .. أنا هختفي ومش هقب تاني..
لحقه الأخر بخوف مماثل فغضب تلك السيدة يطول الجميع عندما يتعلق الأمر بحفيدها يعقوب، حينها تحرق الأخصر واليابس…
في هذا الأثناء كانت تدور تلك البائسة بالأرجاء تتحسس الأرض المليئة بالقشّ بلهفة وهي تبكي بانتحاب شديد وتصرخ باسم يعقوب…
اصتدمت يديها بجسده فجلست وهي تشهق ببكاء ثم حملت رأسه على فخذيها برعب وقد انقطعت الكلمات بحلقها …همست بشحوب وفزع والرعب يدق قلبها دقًا..
– يعقوب … يعقوب .. مالك .. اصحي .. حصل أيه …
ظلت تهزه بقوة والدموع تغرق وجهها لتصرخ بينما تحتضن رأسه لصدرها:-
– لا يارب … لا يارب بسألك بأسمائك الحسنى بلاش يعقوب لأ .. طب علشان خاطر قلب رِفقة، مش هستحمل يحصله حاجة..
كانت يدها تتحسس وجه بلهفة تنحني برأسها فوق رأسه حتى سقطت دموعها على وجهه وتترجاه بصوت يمزق القلوب:-
– يعقوب .. يلا قوم .. يعقوب … حبيبي، إنت بطلي والأبطال مش بيحصلهم حاجة..
إنت إللي ليا بعد ربنا في الدنيا دي..
يعقوب .. يعقوب .. طب يلا يا أوب اصحى..
شوف أنا بنادي عليك إزاي وإنت مش بترد عليا، حقيقي رِفقة زعلانة منك يا أوب…
تتحسس رأسه فوق خصلاته بجنون لتتوقف يدها بصدمة وهي تستشعر سائل لزج يُغرق كفها بينما تحتضن رأسه لصدرها بحنان..
انسحبت معالم الحياة من وجهها، فها هي نفس الحادثة السيئة التي فقدت فيها بصرها تتكرر أمامها مع يعقوب وهي تقف عاجزة مكتوفة اليدان..
تعيش التجربة المريرة مرتان..
حركت رأسها نافية بجنون وهي ترفض هذا الهاجس المؤلم، همست برعب ودموعها لم تتوقف:-
– لا .. لا .. لا .. لا … مستحيل يحصل كدا..
[ وخنع القلبُ المتكبر لِعمياء]
“الفصل الثالث والعشرون” -٢٣-
جاثية بعجز تحتضن رأسه برعب انجلى على ملامحها الشاحبة وتناديه بإصرار يُدمي القلب، أخذت تهتف من بين شهقاتها الباكية ترفع رأسها لأعلى برجاء:-
– يارب أنا هنا .. أنا رِفقة، انقذه يارب…
أعمل أيه .. أنا مش عارفة أعمل أيه، قولي إنت وارشدني…
أنا واثقة إنك هتخرجني من الأزمة دي، هو إنت سبتني قبل كدا علشان تسبني دلوقتي..
أنا رِفقة إللي رحمتك ولُطفك مغرقنها متسبنيش المرة دي … مش إنت قولت وعزتي وجلالي لأُدبرن الأمر لمن لا حيلة له حتي يتعجب أصحاب الحيّل، وأنا معنديش أي حيلة يارب، معرفش المكان إللي أنا فيه ولا عارفة أروح فين..
مش تأذيني فيه يارب … أبعد عنه أي حاجة وحشه … احفظه يارب…
كانت تنادي رب العالمين بنحيب شديد وحُرقة ممزوجة بيقين أن حتمًا لن يتركها الله..
ظلت تمسح على وجه يعقوب برِفق ثم أخذت بطرف فستانها تكوّمه ووضعته على موضع الجرح خلف رأسه…
ولم يمر سوى القليل حتى ارتفع صوت رنين هاتف يعقوب، التفتت رِفقة بلهفة تبحث بتلهف وهي تعتمد مصدر الصوت .. تبحث مسرعة قبل أن ينتهي الرنين…
أخرجته من جيب يعقوب وظلت تتحسس الهاتف، تنفست بعمق وقد نضحت حبات العرق الباردة فوق جبينها ثم حركت اصبعها باتجاه مُعين ووضعته بسرعة فوق أذنها ليأتيها صوت أحدهم يقول بلهفة…
– أيوا يا يعقوب … قولي وصلت ولا لأ .. مقدرتش أنتظر ورنيت عليك، إحنا أصلًا وراك على بُعد شوية إحتياطي علشان لو احتجتنا..
صرخت رِفقة بلهفة وهي تُمسك الهاتف بشدة وكأنها تمسك طوق نجاتها من الغرق الأسود هذا:-
– أنا رِفقة .. لو سمحت أنقذنا .. يعقوب .. تعال بسرعة أنا مش عارفه يعقوب حصله أيه مش بيرد عليا … وانجرح…
هنا كان براء يتحرك بسيارته بصحبة بعض رجال الشرطة بسرعة شديدة وهو يتكلم مسرعًا يطمئنها:-
– متخافيش .. خمس دقايق وأكون قدامك أنا ضابط شرطة .. متقلقيش يعقوب كويس مش هيحصله حاجة…
أنا هفضل معاكِ على الخط لغاية ما أوصلك…
تنهدت براحة وظلت تمسح على وجه ورأس يعقوب بوجه متغضن بالألم وهي تهمس بقلب مهموم بثقة:-
– مش هيحصلك حاجة يا أوب .. أنا واثقة إن مش هيحصلك إللي حصلي..
وبعد مرور خمس دقائق كانت قوة من الشرطة تقتحم المكان على رأسهم الضابط براء الرفاعي الذي أخذ يبحث عنهم بلهفة حتى وقت أنظاره عليهم…
أسرع نحوهم يجثو بجانب يعقوب وهو يُملي التعليمات على رجاله وأخذ يتفخص يعقوب تفحص مبدأي ثم قال:-
– مفيش وقت لعربية إسعاف هتشيلوا يعقوب باشا براحة وهننقله بسرعة على المستشفى..
حملوه برِفق وظلت رِفقة متشبثة به ليقول لها براء بهدوء:-
– ممكن حد يوصلك البيت ترتاحي…
قاطعته رِفقة بإصرار وتلهف:-
– أنا مش هسيب يعقوب ولا لحظة.. يلا علشان مش نضيع وقت…
وبالفعل بعد مرور بضع دقائق كانوا بالمشفى يدفعون يعقوب الغائب عن الوعي ورِفقة تتمسك بالفراش المتحرك ولم يتوقف دمعها..
اتجهوا ناحية الطوارئ وقال الطبيب بحسم:-
– من فضلكم انتظروا برا..
وقفت بالخارج ومعها براء لتتمتم برعب:-
– يارب يارب نجيه وميكونش فيه أي حاجة…
ظلت متيبسة أمام الباب وقلبها يبتهل وأعينها تزيد في البكاء حتى مرّ ثلاثون دقيقة تقريبًا..
خرج الطبيب وبصحبته طاقم التمريض، تسائل براء بلهفة:-
– في أيه يا دكتور .. يعقوب كويس..
اتجهت أسماع رِفقة لتُسارع تقول ببكاء متسائلة بحذر مُميت لقلبها:-
– قولي يعقوب كويس … عيونه كويسه هو حصله حاجة..
تنحنح الطبيب وقال بهدوء:-
– اطمنوا … في جرح في راسه من ورا خيطناه، هو فاقد للوعي نتيجة الصدمة ولما يفوق هنقدر نحسم الأضرار..
هندخله الأشعة … وإن شاء الله هيبقى بس إرتجاج بسيط..
وبالرغم من هذا لم يهدأ قلبها المكلوم، ترجت الطبيب باكية:-
– ممكن أفضل معاه … مش هعمل أيه حاجة والله بس هكون جمبه…
تسائل الطبيب بعملية وهو يقيمها بنظراته حيث ملابسها المُلطخة بالدماء:-
– هو إنتِ تبقي أيه ليعقوب باشا..
هتفت دون تجمجم:-
– أنا مراته..
ردد بتأسف:-
– بعتذر جدًا مكونتش أعرف علشان كدا بلغنا عيلة بدران بإصابة يعقوب باشا..
دبّ الرعب بقلبها وقالت بإلحاح:-
– طب بالله عليك خليني مع يعقوب، سيبني أدخله..
هنا خرج صوت براء:-
– خليها معاه يا دكتور مش هيحصل حاجة..
حرك الطبيب رأسه بإيجاب وأردف:-
– تمام مفيش مشكلة..
وأشار للممرضة بإدخال رِفقة التي كانت ملامح وجهها تحكي رُعبًا وفزعًا من معرفتها بإتيان عائلة يعقوب … وخاصةً جدته..
كانت تريد فقط أن تلوذ بجانبه بحماية ليطمئن قلبها، فحتى وإن كان غائبًا عن الإدراك فيبقى هو أمانها ويكفيها شعورها بأنفاسه..
قال لها براء قبل أن تدلف للغرفة:-
– متقلقيش يا مدام رِفقة، إنتِ في حمايتي لغاية ما يعقوب يفوق، محدش هيقدر يقرب منك..
حركت رأسها ودلفت للداخل وقادتها الممرضة تُجلسها برفق فوق مقعد بجانب فراش يعقوب..
جلست بهدوء ثم أخذت تتحسس الفراش حتى أمسكت بكفه تحويه بين كفيها وأخفضت رأسها تضعه فوقه وهمست بوجع:-
– الحمد لله يارب تعدي على خير يارب..
يلا فوق يا أوب أنا خايفه وأنا لواحدي كدا، يلا فوق علشان تحميني يا أوب … أنا خايفة أووي..
وظلت تردد بعض الدعاء وأيات القرآن حتى شعرت بهمسه اللحوح المتتابع من بين اللاوعي:-
– رِفقة …. رِفقة .. رِفقة..
رفعت رأسها بفرحة ورددت بلهفة:-
– أوب .. أوب .. أيوا إنت كويس .. أنا هنا قدامك أهو إنت شايفني .. قول إنت شايفني..
يعقوب إنت سامعني..
خفت همسه وهو يشعر بألم يجتاج رأسه، لم يقوى على فتح عيناه ودوار عنيف يهاجمه..
رفعت صوتها تنادي بلهفة:-
– دكتور يا دكتور .. حد يجي هنا بسرعة..
أسرعت الممرضة باستدعاء الطبيب الذي أخذ يفحص يعقوب الذي سقط في غيابه مرةً أخرى..
قال الطبيب بحسم:-
– يلا على الأشعة..
هتفت رِفقة بفزع:-
– في أيه يا دكتور هو ماله، دا إتكلم ونادى عليا..
تكأكأ على فراش يعقوب طاقم التمريض يسحبونه لغرفة التصوير بينما قال الطبيب:-
– متقلقيش هو بخير، دا طبيعي علشان الخبطة إللي على راسه كانت شديدة، هنعمل أشعة ونرجعه عالطول..
تهافتت على المقعد والقلق يستبد بها لتظل تدعوا الله وتبث شكواها إليه حتى عادوا بيعقوب بعد مدة لا بأس بها لتظل جالسة بجانبه تتحدث إليه وهي تُمسك بيده تسرد له أشياء عديدة عن حياتها السابقة..
برواق المشفى كانت تركض لبيبة التي شحب وجهها فبالكاد تقف على أقدامها بعد سماعها هذا الخبر المروع وتتمسك بالقوة والتماسك الزائفين..
كان أمامها يركض حسين والد يعقوب بتلهف وقلب سيتوقف عن الهدر رعبًا على ولده..
وخلفهم تركض فاتن والدة يعقوب المنهارة ببكاء حاد بشهقات تملأ المشفى…
اقتحمت لبيبة الغرفة بسطو لتقع أنظارها وتثبت فوق تلك اللعنة المُسماه برِفقة كما تنعتها…
انتفضت رِفقة برعب على صياح لبيبة المصحوب بنظرة قاتلة ترشق رِفقة بوعيد فتنكمش بردة فعل مباشرة نحو يعقوب الغافي:-
– كله بسببك … كل إللي حصله بسببك ولازم تدفعي التمن ومحدش هيقدر يمنعني أيًّا كان هو، إنتِ بلاء على نزل عل راسه ولازم تبعدي عنه!!
“الفصل الرابع والعشرون” -٢٤-
ارتفع صراخ حاد بأرجاء الغرفة جعل الأجواء تغرق في الصمت، صراخ مرير مُعذّب لم يعد يطيق الصمت والصبر أكثر من هذا…
ولم يكن مصدره سوى حنجرة حُسيّن والد يعقوب الذي اقتحم الغرفة وأخذ برِفقة خلف ظهره وصاح ببأس شديد:-
– كفاية بقاا كــــــفايــــــــة، مش مكفيكِ إللي حصل لإبني .. دا وقت تهديدك وكبريائك ده..
في الحقيقة يا أمي سبب رقدة يعقوب كدا هو إنتِ … إنتِ السبب الرئيسي وإنتِ إللي هدمري يعقوب وهتخليني أخسره للأبد…
رِفقة مرات يعقوب ومش هتبعد عنه شبر واحد، أيوا يا أمي لازم تتخطيني الأول، وأنا هحمي البنت دي بروحي لغاية ما يعقوب يفوق واسلمهاله في إيده…
كفاية بقاا حرام عليكِ .. حتى اعملي حساب لرقدته دي .. يلا يا لبيبة يا بدران اعملي إللي تقدري عليه..
كانت لبيبة تشد على قبضتها وأعينها لم تبرح من فوق يعقوب الهامد فوق الفراش ورأسه المُلتفة بالضمادات البيضاء، تنظر له نظرات ملتحفة بالغموض ثم بهدوء عجيب انصرفت من أمام مدخل الباب…
استدار حسين يذهب حيث يعقوب وفاتن التي ركضت نحوه وهبطت تحتضنه وهي تردد ببكاء:-
– يعقوب ابني حبيبي .. مالك يا ابني … رد عليا يا يعقوب .. حقك عليا يا يعقوب حقك عليا يا نور عيني…
شهقت رِفقة ببكاء وهي تهمس بلوم:-
– أنا السبب … يعقوب بيحصله دا كله بسببي، هي عندها حق … رقدته دي بسببي لو مجاش ورايا كان زمانه بخير..
يمكن هي عندها حق في إن لازم أبعد عنه في مكان ميقدرش يوصلي فيه..
استمعت فاتن لحديثها لتهرع نحوها تحاوط كتفيها بكفيها وتهزها متشدقة برجاء وبكاء:-
– إياكِ يا رِفقة أوعي تبعدي عن يعقوب، والله يموت فيها …. والله ابني ينتهي يا رِفقة…
بيكِ أو من غيرك يعقوب طلع من ثوب لبيبة بدران من زمان…
اتمسكي بيه زي ما هو متمسك بيكِ يا رِفقة، لو بتحبيه خليه يفتح عينه يلاقيكِ..
انصبت الدموع على وجهها حتى شعرت بعينيها تحترقان من شدة الألم وقالت بتقطع بهسترية:-
– أنا خايفه عليه أووي يا ماما … فاتن.. أنا خايف يحصل ليعقوب زي … أنا مرعوبة … كان هيحصله أيه لو الضابط براء مكانش اتصل …كان هيحصل أيه ليعقوب…
جذبتها فاتن لأحضانها تهدهدها وهي تمسح على ظهرها بحنان وقالت وهي تكبح بكاءها:-
– متفكريش بالطريقة دي يا حبيبتي، ربنا كبير يا رِفقة .. مستحيل يسيبكم … ربنا رحيم..
وأنا واثقة إن يعقوب هيبقى كويس ومش هيحصله حاجة …علشان يعيش متهني معاكِ ويفرح بقااا..
كان حُسين في عالم أخر بعيدًا عنهم وهو يجلس بجانب فراش يعقوب بدموع حبيسة وهو يُطالعه بحنان، وضع يده فوق كفه وسنوات الطفولة القصيرة التي قضاها معه تلّف عقله، ويوم ولادته اليوم الذي اشتم به رائحته للمرة الأولى..
هو أول من رأت عينه، وأول فرحته، وبه ابتدت أبوته…
يتذكر كيف تركه بصحبة والدته وهو مؤمنٌ بأنه معها أفضل بكثير من وجوده بصحبتهم؛ وذلك لحبها الشديد له وتعلّق يعقوب بها…
والدته من اقترحت عليه تركه معها وهو الجاني الذي وافق معتقدًا أن الأفضل هذا، فهُم سيسافران لبناء فرع أخر من إمبراطورية بدران وتشييد مجد جديد ووجب عليهم التفرغ…
يتذكر كيف تمسّك يعقوب بأقدامه وترجاه ببكاء وهم يرحلون بأن لا يتركوه أو يبقون بجانبه لكنه قد وعده بأنهم سيأتون مرةً أخرى ويعودون بأقرب وقت، وبأن هنا منزله الذي يحبه وأصدقاءه وعالمه الذي لا يُريد أن يقطعه عنه…
تطوف به أيضًا تلك الذكرى المؤلمة التي أدرك فيها فداحة ما قام به…
حين عودته هو وزوجته متلهفين لرؤية يعقوب الذي تركوه طفلًا وعادوا إليه رجُلًا…
تركوه في ذات المكان وعادوا إلى ذات البقعة لكن لم يجدوه كما تركوه … حتى أنهم لم يجدوه باستقبالهم بعد غياب…
وعندما رأهم لم يكن منه سوى صمت .. جفاء
.. برود ولا مبالاة مصحوبين بجملة ساخرة “الحمد لله على السلامة .. حققتوا أمجادكم؟!”
وعندما صرخ بوجه لائمه على هذا الجفاء فاض يعقوب وانفجر أمامهم يروي لهم بنبرات متحسرة متألمة عن كل ما لاقاه وغفلوا عنه وما اقترفوه بحقه لتبتلعهم حينها أمواج الصدمة وتلقفهم يد الندم … وماذا يُفيد الندم عن اللبن المسكوب!!
همس حُسين بخزي ونبرة تحمل ندم العالم أجمع:-
– حقك عليا يا ابني .. سامحني يا يعقوب..
•••••••••••بقلم/سارة نيل••••••••••••
بالطابق الأخير المرتفع جدًا للمشفى تقف ثابته ملامح وجهها لا تُفسر، بؤبؤ عينها ثابت بنقطة ما في الفراغ الشاسع أمامها…
قبضتيها المزين بخنصرها الأيمن خاتم ألماسي به أحد الأحجار الغريبة الهيكل..
هدوء مُخيف يحاوط الأرجاء إلا من صوت صفير الرياح الكئيب الذي يدور بالوسط…
رفعت هاتفها فوق أذنها برتابة وقالت بنبرة يغشها الويل وهي تصرّ على أسنانها بعصبية:-
– الكلاب إللي هربوا توصل لهم وتجبهم لو من تحت الأرض..
انتهت لبيبة من إملاء أمرها ثم سارت بهدوء حتى دلفت المصعد لتهبط حيث الطابق المتواجد به غرفة يعقوب..
وقفت أمام الغرفة ثم ولجت بهدوء يناقض النيران المتقدة بداخلها.
كانت الغرفة خالية إلا من يعقوب الذي مازال يغرق بنومته الطويلة وممرضة تتفحص المحلول المُعلق بذراعه..
أردفت الممرضة باحترام:-
– الدكتور خرّج الزوار إللي كانوا هنا علشان مش كويس لغاية ما يفوق..
أشارت لبيبة لها بالانصراف فانصاعت الفتاة وخرجت مُغلقة الباب بهدوء تاركة لبيبة أمام يعقوب..
سارت بخطوات رزينة حتى أصبحت بجانب الفراش، جلست بجانبه بهدوء شامخ وظلت تتأمل ملامحه الغافية لتلين ملامحها المشدودة على الفور..
رفعت يدها اليُمنى تسير بها على رأسه بحنان صارخ، انحنت تُقبل رأسه ثم اعتدلت وهي تهمس بينما أنظارها مازلت مُعلقة به:-
– يعقوب ….يا اسم غالي عليا…
يا نقطة ضعف لبيبة في الدنيا دي كلها…
خفت عليك من الهوا الطاير نفسه، خُفت عليك علشان كدا قفلت في وشك كل أبواب العاطفة، كنت عيزاك متتأثرش لو حتى الدنيا اتهد قدامك..
عيزاك متنكسرش ولا تنهزم أبدًا، أنا خوفت تطلع ضعيف فتنجرح..
حتى جرح القلب خوفت عليك منه…
مكونتش عايزه يحصل معاك أي حاجة من إللي حصلت مع لبيبة زمان…
إنت أغلى حاجة في حياة لبيبة ومستعدة أحرق الدنيا دي كلها لو حد مسّ شعره منك…
أنا ربيتك بالطريقة إللي تحميك يا يعقوب بس واضح إن يعقوب كبر أوي ونسى لبيبة إللي كان بيجري على حضنها أول واحدة، نسى كل حاجة عملتها لبيبة..
وحط جدته موضع المجرم والمتسبب الرئيسي لكل همومه… بس صدقني يا يعقوب باشا الدنيا دي عايزه كدا لإما هتنداس…
في الخارج تخشب كلًا من حسين وفاتن الّذين جاءوا للإطمئنان على يعقوب بعدما أقنعوا رِفقة بشق الأنفس أن تبقى بغرفة أخرى بعيدة عن مرمى أنظار لبيبة ووقف لحمايتها كالسد المنيع الضابط براء الرفاعي..
وقفوا يستمعون إلى حديث لبيبة بدران والحنان المتدفق منها بصدمة وعندما صمتت قرر حسين الدلوف للداخل فمهما حدث ومهما كان هي والدته لا يُجوز حديثها بتلك الطريقة التي حدّثها بها، هي والدته ولا يجوز أن يرفع صوته أمامها..
وفور أن دلوفوا استقامت لبيبة بشموخ وانبلجت ملامحها القاسية الباردة مرةً أخرى…
اقترب والد يعقوب منها ثم انحنى يُقبل يدها وأخذ يُقبل رأسها وقال بأسف:-
– آسف يا أمي أن كلمتك بالطريقة دي، بس دا من خوفي ورعبي على يعقوب، بس الحمد لله الدكتور طمنا وقالنا إن يعقوب بخير وإن الأشعة كويسة مفيش حاجة…
– رِفقة … رِفقة…
كان هذا همس يعقوب الضعيف الذي جذب كل أسماعهم وأنظارهم وطرقات قلوبهم..
ليسرع حسين وفاتن نحوه بلهفة وتقول والدته بإلحاح:-
– يعقوب … يعقوب حبيبي إنت سامعني..
فتح أعينه وظل يغلقهم ويفتحهم مرارًا حتى اعتاد الضوء متأوهًا بخفة..
ظلّ ينظر في الوجوه من حوله بلهفة بحثًا عنها ليُفزع من فوق الفراش بتلهف بسرعة جعلت رأسه تدور..
استقام يدور في الغرفة تحت رجاء والدته، يسير حافي القدمين يبحث عنها بجنون، صاح بغضب وهو يضع يده يُمسك رأسه ويقف أمام لبيبة:-
– رِفقة فين … عملتوا فيها أيه … عملتي فيها أيه المرة دي … ودتيها فين … والله لأدمركم وأخلص عليكم لو شعره منها اتأذت..
هي فين … رِفقة فين انطقي…. إنتِ فاكره إنك تقدري تبعديها عني .. دا أنا أحرق الدنيا دي كلها، ولو وديتها كوكب تاني هوصلها بردوه…
تلاحقت الدموع من بين جفون فاتن وحاولت تهدأته لكن دون جدوى، أصبحت ردات فعله جنونية، فقد انتزع الإبرة من ذراعه بعنف وأصبح يدور في الغرفة بملابس المشفى رغم عدم اتزانه الواضح..
اقترب منه والده يضع يده على كتفه يقول بهدوء:-
– إهدى يا يعقوب .. هي…
قاطعه يصرخ بانفعال وتوحش:-
– ابعدوا عني … ابعدوا عني … سيبوني في حالي بقاا … انطقوا عملتوا فيها أيه..
في هذا الحين بالغرفة التي تبعد غرفتين عن غرفة يعقوب، كانت رِفقة جالسة ولسانها لم يجف من الدعاء والتوسل لرب العِباد…
اقتحم براء الغرفة وهو يهتف بلهفة:-
– مدام رِفقة … يعقوب فاق … بسرعة تعالي بسرعة..
توقف قلبها عن الهدر وتوقفت مسرعة تهرول بتعثر ولهفة للخارج وهي تتسائل بتلعثم:-
– حصله أيه .. ماله يعقوب .. خدوني ليه بسرعة…
وخرجت وهي ترهف بسمعها صوت صياح يعقوب الحادة…
داهمت الغرفة وهي تنادي بنشيج باكٍ بلهفة سبقها بها قلبها قبل لسانها:-
– يعقوب … أوب…
التفتت للخلف بسرعة البرق ليراها تقف على أعتاب الغرفة وعينيها الصافيتان تغرقان في بحرٍ أحمر تنساب أمواجه على وجنتيها المشربة بالحُمرة…
وثب الخطوات التي تفصلهم بخطوتان ليتلقفها بعمق أحضانه بلهفة حارقة وأصبح يحملها بأحضانه يعتصرها وكأنه يريد زرعها خلف أضلعه والتوصيد عليها..
رفعت ذراعيها تطوق عنقه شاهقة ببكاء تهمس له بنبرة تئن وجعًا:-
– أوب … أنا كنت مرعوبة .. إنت كويس .. إنت شايفني …عيونك حصلها حاجة ..طمني عليك..
كانت لبيبة ملتزمة الصمت والهدوء، فقط تنظر للأحداث بأعين ضيقة وملامح ثابتة غير مقروءة..
دار بأعينه على وجهها وكامل جسدها ليتسائل برعب وهو يرى فستانها السماوي الغارق بالدماء:-
– رِفقة .. حبيبتي فيكِ حاجة … إنتِ كويسه .. أيه الدم ده..!!
ترددت إبتسامة على شفتيها وقفزت بأحضانه من جديد وهي تقول براحة:-
– الحمد لله يعني عيونك كويسة وشايفني..
مش تقلق عليا أنا بخير .. دا مكان جرحك يا أوب..
كفكف دموعها بحنان وتنفس براحة وقد التمعت أعينه بالعشق فيكفيه قربها وحبها الذي فيه ما تشتهيهِ الأعيُن وتلذ الأنفس..
– أنا بخير يا رِفقة .. دا مجرد خربوش بسيط محصلش حاجة..
دلف الطبيب يقول ببشاشة:-
– الحمد لله على سلامتكم يا يعقوب باشا، خوفتنا عليك يا راجل .. دا إنت كان شكلك جعان نوم..
ضحك يعقوب وقال وهو يحوي رِفقة تحت ذراعه باحتواء:-
– حاجة زي كدا يا دوك .. المهم أقدر أمشي من هنا صح..
اعترضت والدته تقول:-
– تطلع إزاي يا حبيبي مش تنتظر تشد حيلك شوية..
قال الطبيب بتفهم:-
– بص إنت كويس مفيش أي حاجة فيك ألا الجرح إللي في راسك من ورا، وإرتجاج طفيف..
بس مطلوب منك راحة وهدوء كدا، الحمد لله إن الضربة مكانتش قوية على مكان خطير زي ده، ربنا لطف بيك يا يعقوب..
رددت رِفقة تُكرر بصوت مرتفع:-
– الحمد لله يارب …الحمد لله، اللهم لك الحمد حمدًا يليق بجلال وجهك وعظيم سلطانك..
لك الحمد حتى ترضى ولك الحمدُ إذا رضيت ولك الحمد بعد الرضى..
ابتسم يعقوب وردد بصدق وامتنان:-
– ألف حمد وشكر لك يارب..
طب يا دكتور أنا همشي بقاا من هنا…
ردد الطبيب بمزاح:-
– دا إنت عايز تخلص مننا بقاا..
قال يعقوب بهدوء:-
– أبدًا يا دكتور بس مش برتاح في المستشفيات وهكون مرتاح أكتر في بيتي..
– خلاص تمام .. تتغذى بقا كويس واتفضل دي الأدوية إللي هتمشي عليها..
ضحك يعقوب بخفة وقال بمزاح:-
– يعني احطها دلوقتي وأمشي فوقيها، دا يصح بردوه يا دكتور … أنا مش عارف أيه نصايح الدكاتره الغريبة دي يا أخي…
ضحك الطبيب وردد بمزاح متبادل:-
– وأنا مش عارف أيه المرضى إللي بيهلوسوا بفضايح وحاجات غريبة أووي..
– ما خلاص بقاا يا دكتور إن الله حليم ستار..
– خلاص يا باشا لقد عفونا عنك، استروا من في الأرض يستركم من في السماء…
المهم ألف سلامة عليك يا باشا..
وخرج الطبيب بهدوء تاركًا الجميع في جو مشحون، يعقوب الذي ينظر للبيبة نظرات ناقمة يتطاير منها الشرر..
بينما رِفقة فمتشبثة به بقوة كأنه طيف سيتسرب منها..
تسائلت والدته وهي تبتسم له بحنان:-
– هتيجوا معانا على القصر صح يا يعقوب..
قال بنفي حاد:-
– لأ أنا مليش مكان هناك، أنا هرجع على بيتي أنا ومراتي..
جثم القلق على قلب فاتن لتقول باعتراض:-
– بس أنا بقول علشان أهتم بيك و….
قاطعها بحسم:-
– مفيش داعي يا فاتن …أنا بخير ومعايا رِفقة دا كفاية عليا…
قالت هي بعناد:-
– يبقى جيب المفتاح أسبق وأعملك أكل على ما تحصلني.
••••••••••••بقلم/سارة نيل••••••••••••
بعدما بدّل ملابسه خرج بصحبة رِفقة التي لم تتركه طرفة عين..
– الحمد لله على سلامتك يا يعقوب، خوفتنا يا باشا..
ردد يعقوب بإمتنان:-
– الله يسلمك يا براء … وشكرًا جدًا على وقفتك دي وإللي عملته .. أنا مش هنسى معروفك أبدًا..
– ولا معروف ولا حاجة يا يعقوب دا واجبي..
تنحنح بخفة ونقل أنظاره نحو رِفقة وقال ببعض التردد:-
– مدام رِفقة بما إنك موجوده وأنا شوفتك، في حاجة لازم تعرفيها..
أنا عارف إن مش وقته بس..
أثار حديثه قلق يعقوب فقاطعه باهتمام:-
– قول عالطول يا براء …في حاجة..
– بصراحة عفاف هتترحل على النيابة، بس هي صرعتنا وبتصرخ على أخيرها إنها عايزه تقابل مدام رِفقة … غير إن إحنا لازم ناخد أقوال مدام رِفقة علشان بردوه تكون كل حاجة تمام..
امتقع وجه يعقوب وهدر بحِدة:-
– لا طبعًا رِفقة مش هتقابل المجرمة دي .. وهي عيزاها ليه .. ليها عين وجرأة تجيب اسمها على لسانها إللي عايز قاطعه..
تنفست رِفقة بعمق ورددت بهدوء وهي تضع كفها على ذراع يعقوب:-
– إهدى يا يعقوب … مفيش مشكلة أما أقابلها، هي خلاص مش هتقدر تعملي حاجة..
وكمان بعد دا كله أنا محتاجة أشوفها..
أنا هروح مع حضرة الضابط بس بعد ما نوصلك البيت الأول علشان ترتاح..
هدر يعقوب باعتراض:-
– بيت أيه وراحة أيه يا رِفقة، طبعًا هاجي معاكِ طالما إنتِ عايزه كدا…
يلا بينا..
جاءت تعترض:-
– بس…
قاطعها بحسم:-
– متبسبسيش يا رِفقة …يلا بينا..
قال براء وهو يمد يده بشيء:-
– دا مفتاح عربيتك … مركونه قدام المستشفى..
ردد يعقوب وهو يتجه للخارج:-
– خليك سوق إنت أنا حاسس أنا مش مركز كفاية…
حرك براء رأسه بإيجاب وسبقهم للخارج…
وعندما وصل عند السيارة وفتح الباب لرِفقة وأجلسها تفاجئ بشقيقة يامن يركض نحوه يقول بتلهف:-
– يعقوب إنت كويس .. أيه إللي حصل..
ردد يعقوب باقتضاب:-
– أنا كويس..
انجلي الخبث على وجه يامن وشمله بنظره من أعلى لأسفل ثم قال وهو يحاول النظر داخل السيارة:-
– كنت عايز أشوفها .. إللي إنت متجنن عليها أوي كدا..
رماه يعقوب بنظرة غاضبة وقال بتحذير:-
– اكسر عينك علشان هتوحشك ومصفاهاش لك..
همهم يامن ببرود ثم قال بمكر:-
– على فكرا غادة فاضل رفضتك ومش عيزاك، وإحنا هنتجوز؛ لأنها عيزاني أنا، يعني اتقدمتلها وقبلت..
نمى على فم يعقوب إبتسامة جانبية ساخرة وهو يضع نظارته السوداء فوق عينيه وقال وهو يرميه بنظرة تقيمية باستخفاف من الأعلى لأسفل:-
– ااه ما واضح إن ذوقها وحِش….
وصعد للسيارة تاركًا هذا الذي احمرّ وجهه غيظًا وغضبًا..
••••••••••••بقلم/سارة نيل••••••••••••
بمركز الشرطة وقفت رِفقة باضطراب من وجودها في مثل هذا المكان جانب يعقوب الذي شعر بها فدعمها وهو يُمسك بيدها بحنان…
فور أن ولجت عفاف التي أصبحت حالتها يُرثى لها بعدما اجتمعت عليها النسوة الشديدات وأبرحوها ضربًا فينكسر كبرياءها للأبد..
فور أن رأت رِفقة هرولت نحوها ثم فجأة جثت عند أقدام رِفقة التي عادت للخلف مسرعة.
أردفت ببكاء وتوسل:-
– أنا مجرمة أستاهل العذاب ألوان وإنتِ الكرم والخير والطيبة كلها يا رِفقة…
إلهي تنستري وتنجبري يا بنتي … عيالي مرميين في المستشفي وحالتهم تصعب على الكافر، مش لاقيين حد يخدمهم ولا علاج يعالجهم..
مش هتشوفي وشي للأبد بس سامحيني …سامحيني بقلبك الكبير واتنازلي علشان أقدر أرجع لعيالي وأخدمهم..
خلاص أنا أخدت عقابي .. مفيش أسوء من كدا وكفاية الذل إللي شوفته اليومين دول..
رِفقة قولي حاجة …بحلفك بالله يا رِفقة …وعلشان خاطر بناتي الغلابة…
تقوست شفتيّ يعقوب وهدر بغضب وكُره:-
– إنتِ تستاهلي كل إللي يجرالك يا مجرمة دا قليل عليكِ … وإللي بتطلبيه ده في أحلامك…
كانت عفاف تتطلع لرِفقة بترقب ورجاء لتردف رِفقة بما اهتزّ له بدن يعقوب:-
– ماشي أنا مسمحاكِ وبتنازال عن المحضر والشكوى..وتقدري ترجعي لبناتك علشان هيحتاجوا خدمتك…
بعد مرور ساعة كانت رِفقة تدلف للمنزل بصحبة يعقوب الواجم والذي التزم الصمت منذ أن كانا بمركز الشرطة…
تنفست رِفقة بعمق وقالت براحة:-
– أخيرًا وصلنا البيت… فين رينو .. إنت حاطه في قفصه في البلكونة صح..
– ليه..؟!!!
كان هذا تساؤل يعقوب بنبرته الحادة المعترض كُليًا لما حدث قبل قليل..
أمسكت رِفقة كفه وقالت وهي تسحبه وتسير بحذر:-
– يلا نقعد أنا تعبت أوي يا أوب..
كرر تساؤله اللحوح الغاضب:-
– ليه يا رِفقة، ليه سامحتيها بعد كل إللي عملته..!!
تنفست بعمق ثم قالت بهدوء مبتسمة:-
– حاضر يا يعقوب هقولك…
أولًا هي خلاص أخدت أشد عقاب لها ومفيش أسوء من إللي حصلها، ودي عدالة رب العالمين..
كمان أنا أكتر واحدة عارفه إن بناتها هيحتاجوها في حالتهم دي قد أيه، وأنا مقدرش أحرمهم من إللي اتحرمت منه..
أنا عفيت عنها علشان أكون من المحسنين إللي ربنا بيحبهم لما قلنا (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)
أنا بس حاولت أكظم غيظي، أيوا أنا بشر وزعلت واتقهرت منها وطلبت من ربنا يجيبلي حقي، وصفحي عنها مش ذُلّ ولا عار، بل هو إحسان بيقربني لله عزّ وجل ويخليني أكسب محبته سبحانه..
الغضب بيتحول لحقد دفين .. والحقد من أمراض القلوب ربنا يكفينا شره وأنا مش عايزه أبقى كدا..
الغيظ والغضب حاجة تقيلة في القلب وبيخلوا القلب مشغول ومش مرتاح أبدًا لكن إحساسك وإنت بتعفوا وتصفح بتحس نفسك اتخلصت من التقل ده..
تعرف يا أوب الرسول قلنا أيه عليه أفضل الصلاة والسلام..
قلنا “مازاد اللهُ عبدًا بعفو إلا عِزًّا”
أنا مش ملاك ولا مثالية يا يعقوب بس أنا بحاول اقتدي بحبيبي محمد..
هقولك على حاجة، تعرف لما الرسول فتح مكة ووقف قدام الناس إللي خرجوه منها وحاربوه وأذوه وعذبوا أصحابه، تعرف قالهم “ماذا تظنوني أني فاعلٌ بكم”
ردوا عليه بكل عشم “خيرًا أخٌ كريم وابن أخٌ كريم”
وقتها كان في إيده يعذبهم ويرد إللي عملوه فيه وأصحابه، لكن هو بقلبه الرحيم قالهم “اذهبوا فأنتم الطُلقاء” الرسول كان مثال للعفو والتسامح، ودا ديني وتعاليمه وأنا بجاهد نفسي وبحاول أطبق منه على قد ما أقدر.
الحقد ملهوش مكان في قلب المسلم الحق الواعي لتوجيهات دينه يا يعقوب، لازم ندرك قيمة العفو وصفاء القلب في مغفرة الله علشان نعيش مرتاحين البال.
وكمان الرسول قلنا إن صفاء القلب سبب في مغفرة الله لما قال صلّ الله عليه وسلم في الحديث..
“ثلاث من لم يكن فيه غفر له ما سواه لمن شاء: من مات لا يُشرك بالله شيئًا، ولم يكن ساحرًا يتبع السحرة، ولم يحقد على أخيه”
وبس كدا دي أسبابي يا سي يعقوب، فمفيش أي سبب يخليني شايله في قلبي، وأنا كدا ارتاحت..
كان يعقوب ينظر لها بانبهار ويسأل نفسه، أي نقاءٍ هذا، أي طهارة قلب تلك..!!
لقد فاق النهاية في عشقه لها، لم يعد هناك المزيد، لقد ضعضعت كل حصونه حقًا…
تعجبت رِفقة من صمته لتتسائل بتعجب:-
– أوب إنت ساكت ليه…!
جذبها يعقوب إليه وقبل مقدمة رأسها وباطن كفها وردد بصدق:-
– أنا مش عارف أنا عملت أيه حلو في حياتي علشان ربنا يرزقني بيكِ يا رِفقة..
الحياة قلبك مكانتش حياة، يعقوب قبلك مكانش عايش…
تخضبت وجنتيها بالشفق لتقول بخجل:-
– خلاص بقاا يا أوب أنا عارفة إن حاجة محصلتش..
قهقه يعقوب وقرص وجنتيها وقال متسائلًا بمكر:-
– بس أنا سمعت إنك كنتِ هتتجنني من خوفك عليا..
أردفت بمزاح:-
– بيني وبينك كنت خايفة أوي ليحصل حاجة لعيونك وتبقى زي…
ساعتها يا حسرة هنقعد نطقش في بعض زي البطيخ وكانت هتبقى حكايتنا حكاية..
بس المشكلة كان مين هيعملي الأكل والوصفات إللي ناويين نجربها … يا نهار دا أنا كان ممكن يحصلي حاجة … أمال البانيه والحوواشي والمكرونة بالبشاميل وغيره وغيره دا كله هيروح فين.. لا لا مش قادرة أتصور…
انفجر يعقوب ضحكًا وشاركته الضحك حتى أخذها بأحضانه وهدأ ضحكهم فيقول بصدق:-
– إنتِ ضي عيوني يا رِفقة، من غيرك كل الدنيا ضلمه في عيني..
•••••••••••بقلم/سارة نيل••••••••••••
– لبيبة هانم …إحنا وصلنا للسبب إللي علشانه عايز يعقوب باشا المبلغ ده كله…
همهمت لبيبة بصمت وهي مازالت على وضعها، فأكمل الرجل يقول:-
– عملية خاصة برِفقة …علشان ترجع تشوف…
وعرفنا ميعاد العملية .. بعد يومين ورغم إللي حصله هو مأجلهاش…
قالت بثبات:-
– تمام …هتنفذ إللي هقولك عليه بالحرف..
وأخذت تُملي عليه بعض التعليمات المهمة جدًا والذي جعلت أعين الرجل تتسع بصدمة لكنه التزم الصمت..
ثم أشارت إليه بالانصراف..
رددت بأعين شادرة:-
– البنت دي بقت خطر على يعقوب..
[ وخنع القلبُ المتكبر لِعمياء]
“الفصل الخامس والعشرون” -٢٥-
ران على قلبه الرُعب عندما وقعت أعينه فوقها فور أن دلف الغرفة ووجد وجهها غارق بدموعها الصامته..
قطع الخطوات التي تفصله عنها بلهفة وجلس على أعقابه أمامها وهو يهتف بلهفة وأصابعه تعمل على محق دموعها البلورية بحنان:-
– رِفقة … حبيبتي مالكِ، في حاجة وجعاكِ، ليه الدموع، مين زعلك..
كان شعرها متوسط الطول يُكلل وجهها وينبسط فوق ظهرها، رفعت أصابعها تُرجع خصلاتها للخلف، وابتسمت من بين دمعها تقول بشوق:-
– بابا وماما وحشوني أوي يا يعقوب، وحشني وجود ماما ولمساتها على حياتي ويومي، ودلال بابا ليا … لما كان بيقعد ويسرحلي شعري ويعملي تسريحات مختلفة..
قلبي واجعني عليهم والوجع مخفش بعد مرور السنين دي كلها..
حرقة قلبي لسه زي ما هي..
حزنها ودموعها شواظٌ من نار تسقط على قلبه، لا يطيق حزن قلبها، يوّد أن لو يستطيع إعادة عجلة الزمان ويمنع حدوث ما حدث، أو لو أنه بقى بجانبها منذ هذا الحين ولم يتركها…
أستتذكره عندما يعود نور أعينها، أستذكر ذاك الوجه الذي طلّ عليها من وسط الظلام بينما هي راقدة بحالة اللاوعي، أستذكر تشبثها بقمصيه ونظرات الرجاء التي ملأت جفونها وكلمتها المتقطعة حينها(متسبناش)..
وقتها كانت مازلت صغيرة، وقد تبدلت وتغيرت ملامحها لذلك لم يتعرف عليها، لكن ملامحه مازالت كما هي فقد كان في أخر سنوات جامعته، لم يتغير سوى مسحة البرود التي نُقشت فوقها، وبعض الجفاء والبؤس الحزين، أستذكر ملامحه من وسط الضباب في يوم الحادث؟!!
انحنى يضع قُبلة حنون بباطن كفها ثم اعتدل وانحنى يحملها برِفق بين ذراعيه وخرج بها من الغرفة..
أجلسها أرضًا وتحرك يجذب بعض الأشياء ثم جلس خلفها..
قبل رأسها من الخلف وقال بوعد:-
– هبدأ أدور على أهلك يا رِفقة، ووعد مني مش هسيبهم أبدًا..
وأكمل بمرح وهو يتحسس خصلاتها العسلية برِفق يُخلل أصابعه بينهم بنهم:-
– أما نبدأ نعمل إللي عمي يحيى كان بيعمله أما نشوف رأيك فيا وهعرف ولا لأ..
ضحكت بسعادة وهي تستعد بحماس بينما ترفع رأسها وقالت بخوف:-
– بس إنت تعبان يا أوب، متجهدش نفسك علشان مش تدوخ..
قال بلامبالاة وهو يضع الفرشاة ذات الأسنان الناعمة لتجري بشلال العسل المموج برأسها:-
– أنا مش متعود إن أنام عالطول كدا، وبعدين أنا زهقت وإنتِ حاكمه عليا أفضل في السرير وأنا مش بحب كدا، وأنا الحمد لله بخير جدًا وفي أفضل الأحوال، من ساعة ما رجعنا البيت وأنا نايم … المهم قوليلي إنتِ عايزه تسريحة أيه، أعملك ضفيرة..
حركت رأسها بنفي وقالت بسعادة:-
– لأ مش ضفيرة عادية.. اعملي ضفيرة السُنبلة..
بتعرف تعملها..!
توتر يعقوب وقال متنحنحًا:-
– ااه ااه طبعًا بعرف، دا مفيش أسهل منها..
ابتسمت باتساع ورفعت رأسها بحماس مُردفة:-
– يلا وريني إبداعك بقاا يا أوب..
مسح على وجهه باضطراب وظل يُعيد ويُكرر مرور أصابعه بشعرها، وخفيةً أخرج هاتفه وفعّل وضع الصامت وأخذ يبحث في صندوق البحث (طريقة عمل ضفيرة السُنبلة)..
فتح أحد مقاطع الفيديو وأخذ يُطبق ما يراه ببطء..
ابتسمت رِفقة باتساع واستمتاع لما يفعله وبدأ النوم يتغلغل لجفونها..
تنهدت براحة وقد مرّت ثلاثون دقيقية ويعقوب في عالم أخر مع هذا البلاء الذي يُمسى (السنبلة) عاقد جبينه وبين عينيه بتركيز لم يفعله من قبل…
تنهد براحة أخيرًا وقال بسعادة:-
– أخيرًا .. الحمد لله عملتها..
رفع الصورة بالهاتف يضعها بجانب رأس رِفقة ليشعر يالإحباط وهو يرى أنها بالكاد تحمل ملامح بسيطة لما قامت به السيدة لكنه تمتم برضا:-
– حلو بردوه، الله عليا فنان يا يعقوب..
كتمت رِفقة ضحكتها ورفعت أصابعها تتحسس رأسها بهدوء تحت ترقب يعقوب، أردفت بإعجاب وتقدير توّج حروفها:-
– تسلم إيدك يا أوب، سُنبلة غالية على قلبي..
حاوطها يعقوب بحنان وقال مُقبلًا رأسها:-
– وإنتِ أغلى أرنوب في حياة يعقوب، يلا هتعلم فيكِ علشان أبقى أعملها لبناتنا…
قالت بامتنان وهي تشعر بتميمة الحب التي دارت بأفلاكها:-
– ربنا يديمك ليا يا أوب، قولي إنت حطيت أكل لرِين!
– أيوا يا ست البنات حطيت..
تذكرت شيء ما ثم استقامت مسرعة وهي تتحسس طريقها وتتوجه باتجاه المطبخ..
سار يعقوب خلفها لتتسائل وهي تبحث في خِزانة المطبخ:-
– مفيش هنا عيش ناشف أو أي حبوب يا يعقوب..
أخرج لها بعض الخُبز الجاف ووضعه بين يديها لتقوم بتفتيته فقال باستفهام متعجب:-
– عايزاه ليه يا رِفقة، ما أنا قولتلك حطيت لرِين أكل..
قالت بتوضيح وهي تتجه نحو الشُرفة:-
– لأ يا أوب أنا مش عيزاه علشان رِين، أنا هحط الطبق ده في البلكونة دايمًا للعصافير..
أنا اتعودت أعمل كدا لأن ماما دايمًا كانت بتعمل كدا، وفي بيت خالي كانت نهال بتساعدني وبنحطه على صدفة الشباك إللي كنت بنام تحته، متتخيلش بقاا صوت العصافير الصبح بيبقى عامل إزاي، حاجة أخر بهجة بجد يا أوب..
طالعها بفخر وحب وعشق عميقان وارتجف جسده بخفقان قلبه وهو يود أن يعلم ويتشرب أدقّ التفاصيل بحياة رِفقة، لديه نهم غير طبيعي في معرفة كل أمرّ يخصها حتى وإن كان من وجهة نظر الجميع شيء ليس بالضروري..
جلس على أحد مقاعد الشُرفة وجلست هي بجانبه بعدما ساعدها بوضع الطبق في مكانٍ مناسب وبعدما دلف للداخل وقام بصنع القهوة المُثلجة لها وله، وجلسوا يتسامران في جو مليء بالمرح والسعادة والعشق بينما أواني الزهور تحاوطهم وقد فاح عبقها…
تسائل يعقوب بفضول:-
– قوليلي يا رِفقة إنتِ أيه حلمك، يعني نفسك تبقي أيه، أو لكِ مثلًا هواية معينة..
رفرفرت بأعينها وتوسع فمها بإبستامة مشرقة وهتفت بحماس وهي تتحدث بينما تُحرك يديها بطريقة عشوائية:-
– أنا خريجة لغات وترجمة، قسم اللغة الفرنسية..
بس أنا تعرف نفسي في أيه وأيه موهبتي..
دبلجة الكرتون … الأصوات الكرتونية يعني بعرف أقلد الأصوات بشكل كبير جدًا..
اسمع كدا..
ثم أجلت حلقها وبدأت تُقلد الأصوات بصوت مختلف تمامًا جعل أعين يعقوب تتسع بصدمة ومفاجأة:-
«أنا لستُ جين الأرنبة أنا آن شيرلي تنتهي بالـ(e)، وأنا لستُ مثلكُن، أنا مختلفة عنكنّ أيتها الحُثالة القادمة من الشوارع، كانت لي غرفتي الخاصة، أبي وأمي كانا مدرسين محترمين، إنني أحفظ أشعار براوننج وقرأت لشكسبير أيضًا…
روميو قالها في روميو وجوليت .. ما لم يختبر الألم يسخر من جِراح الأخرين…
كُلكنّ جهلة وخاليات من الخيال ولا تعرفنّ من هو شكسبير، لهذا من السهل أن تسخرنّ من الأخرين، إنني احتقر كل من في هذا المكان … أنا احتقركنّ جميعًا … اتفهمنّ ما أقوله، أنا أفضل منكنّ أيتها الفتيات اللاتي لا يشعرنّ بألآم الأخرين.»
رفعت رأسها له بخجل وقابلها صمته المُزين بإعجابه الذي يتنامى وعيناه تدوران عليها دون كلل، قالت بخفوت:-
– دي آن في البراري الخضراء..
وواصلت بصوت مختلف:-
-«أتعلمان؟!
هممم … أود أن أكون ما خلقني الله لأجله..
– آآه … لا أفهم ما تقولين..
– أما أنا فسأصير كاتبة..
– كاتبة!!
– أجل، وأتمنى أن يقرأ الناس في كل مكان قصائدي وقصصي …. سأكتب قصصًا تدفع قارئيها لإخبار من حولهم عنها، هذا ما أطمح إليه..»
تنهدت وقالت وهي تبتلع ريقها:-
– ودي إيميلي…
وواصلت تقول بصوت مختلف تمامًا:-
« – وهل لديكِ وقتٌ للقراءة يا آنسة؟!
– يجب عليها أن تجد الوقت للقراءة، فالقراءة تُغني العقول وكما تعلم ميزان الشخص عقله لا مظهره..»
ورددت وقد تنامت نظرات الفخر بأعين يعقوب:-
– ودي ريمي..
وقالت للمرة الأخير وقد تكاثر شغفها واتقد:-
«مهما كانت الظروف صعبة .. نحنُ لها..
أيوااا … اديني أكتر…»
قالت بإبتسامة:-
– ودي حاجة بسيطة لتيمون..
وبس كدا … دي بعض الأصوات، كانت نهال بتساعدني وسجلتلي كام مرة وجالي عرض شغل من قناة كرتون واشتغلت حاجة بسطة معاهم بس الموضوع كان عايز وقت ودعم وبصراحة مش لقيت فانسحبت بس لسه الشغف جوايا…
وكمان وأنا صغيرة كان عندي شغف بالفن الإسلامي لو تسمع عنه … وكنت برسم كتير فيه..
وماما وبابا كانوا بيشجعوني جدًا…
ترنحت أنامله بحنو على وجنتيها وقال بنبرة يغمرها الكثير والكثير:-
– حتي أحلامك وموهبتك مميزة تشبهلك يا رِفقة، أنا خلاص معاكِ وبوعدك إن كل الأحلام إللي على قيد الإنتظار هتتحقق كلها..
انتظرت كتير أووي العوض يا رِفقة .. وما أجمل الإنتظار عندما تكون نهايته أنتِ..
همست له برِقة مفعمة بالمشاعر:-
– لا أعلم كيف بدأت قصتي معك، ولكنني أُدرك جيدًا أنك أصبحت أغلى من روحي..
قبل باطن كفها بحنان متدفق وهمس وهو يجذبها لأحضانه:-
– وأنتِ أصبحتي أغلى من الروح يا حبة القلب ونور العين…
ابتسمت بخجل لينظر لها بأعين ضيقة وقال فجأة:-
– قوليلي بقاا أيه حكاية اسم أوب…!!
•••••••••بقلم/سارة نيل••••••••••
– يا ترى مين رَجع هنا يا عفوف.؟!
كانت جالسة بصدر الرُدهة تبكي قهرًا على ابنتيها، فقد تم إخراجهم من المشفى بعدما حدد لهم الأطباء الكثير من العمليات التجميلة وأخرى بأعينهم، وهم لا يملكون حتى القليل من الأموال..
لكنها وسط لُجة حُزنها وبكاءها اخترق أسماعها هذا الصوت المألوف، اعتقدت أنها تتوهم فرفعت أصابعها تُدلك رأسها بإرهاق..
لكنها أدركت أنها بأرض الواقع حين شعرت بيد دافئة على كتفها…
رفعت رأسها ببطئ لتقع أعينها على أخر شخص توقعته، همست بصدمة وأعين متسعة بينما قلبها فأخذ يسبح في فضاء السعادة:-
– راجح..!!!
وقفت بأقدام مرتعشة وأعينها تجري على ملامحه الغالية المحببة لها، إنه ولدها الغالي الغائب..
ابتسم هو ببشاشة ثم اقترب يأخذها في عناقٍ واسع وهو يُردد بتنهيدة مرتاحة:-
– أمي .. عفاف..
طوقته بذراعيها تحتضنه بقوة وهي تبكي بكاءًا شديدًا وتُقبل كل جزء بوجهه ورأسه وكتفيه مُرددة بنبرة ممتزجة بالبكاء غير مستوعبة:-
– راجح … ابني …حبيبي… راجح إنت قدام عيني … أنا مش مصدقه يا ابني…
قبل رأسها ويديها ببِرّ وأردف بوقار:
– قولت أعملهالكم مفاجأة يا أمي، إنتِ وأبويا وأمل وشيرين..
وصمت قليلًا ثم همس باشتياق حدّ الألم وعشق شديد:-
– ورِفقة…
وأكمل راجح بمرح:-
– أكيد كالعادة أمل وشيرين برا خاربينها فُسح..
بس رافي أكيد هنا، متعرفيش أنا جاي على مَلى وشي إزاي يا أمي، اشتغلت كل السنين دي وهريت نفسي علشان أقدر أقف على رجلي وتكون رِفقة ليا..
والحمد لله كونت نفسي وأقدر دلوقتي أطلب إيد رِفقة وأجيبلها كل إللي تتمناه، حتى هجري بيها على عيونها علشان ترجع تشوف تاني..
خيم عليها شبح الموت واصفر لونها، فهي أعلم بمدى تعلق راجح ولدها الأكبر برٍفقة، وتلك الغُربة والإبتعاد عن الأوطان كل هذه السنوات لأجلها ولأجل توفير حياة تليق بها دون الإعتماد على أموال أبيها..
اضطرب قلب راجح وهو يرى تربد لون والدته بالشحوب، ابتلع ريقه بتوتر وتسائل بحذر مترقب:-
– في حاجة أنا معرفهاش يا أمي، رِفقة كويسة …هي فين..
وأخيرًا خرج صوتها المتحشرج تقول بانكسار وقد خمد جبروتها وانكسر غرورها:-
– لازم تنسى رِفقة يا راجح وتعيش حياتك، هي راحت لحال سبيلها … انساها يا راجح..
تصلب بدنه وجرت حمم لاهبة بأوردته، همس بصوتٍ أجشّ وأعصاب متماسكة بأخر عزمه:-
– مش فاهم …معنى أيه الكلام ده، مالها رِفقة، إنتِ عملتي فيها حاجة!!
الآن حصحص الحق، ومهما غابت الحقيقة مُدثرة بالكذب والنفاق عليها أن تخرج للأفق يومًا ما، أخفضت رأسها بخزي وبدأت تسرد له الحكاية منذ سفره وما لاقته رِفقة بينهم ومخططتها التي عملت عليها للإيقاع برِفقة واستغلالها واتبعت بسردها زواجها بيعقوب وحمايته لها…
بأي طريقة كان سيعلم الحقيقة فلتكن عن طريقها لعلّ هذا يشفع لها لديه ويقلل من حجم جُرمها ويشفع لها ندمها واعترافها بالذنب…
لكن هذا الذي شعر بفُتات قلبه المتهشم تذريه الرياح في مكانٍ سحيق، شعر وكأن ثمة جاثوم يطبق على صدره، مُحقت الإبتسامة من فوق فمه وأفل رونق الشعاع الوضاح بوجهه وسقط على المقعد من خلفه بجسد متهدل شاعرًا بالعالم يدور من حوله وجميع أحلامه الوردية قد احترقت وأصبحت رماد، أن تأتي مُحمل بالتلهف والسعادة في أنك أخيرًا ستنال جائزة سعي تلك السنوات والحرمان والمشقة، لتجد أن من ظللت تسعى لأجلها قد أصبحت من المُحال…!!
ألم ساحق احتل قلبه وغصة مريرة علقت بحلقه وغامت أعينه بدموع حارقة وقد أصبح الفؤاد مغمورًا في جوٍّ من الغم وسقط قلب عاشق في غيابة الظلام الدامس لن يُخرجه منه إلا نورٌ قوي يُبدد هذا الظلام لأخر قطرة…
•••••••••••بقلم/سارة نيل••••••••••••
رفرفت بأهدابها ثم قالت بإيتسامة عريضة:-
– بص يا سيدي … هو خرج تلقائية مني كدا، بس بردوه في حد اسمه أوب … هو محدش بياخد باله منه بس أنا بحب الشخصية دي جدًا، وهو أوب يعقوبيان..
تسائل يعقوب بفضول وجبين مُجعد:-
– ويطلع مين أوب يعقوبيان ده..!!!
رددت رِفقة باستنكار:-
– معقول متعرفش هو مين، طب أكيد عارف كرتون عائلة رُبّسوس أو روبنسون..
ضحك يعقوب وقال بتدارك:-
– ااه هي شخصية كرتون، لا بصراحه معرفهوش، ما أنا قولتلك كل الحاجات دي كانت ممنوعة عند لبيبة بدران ومكانش ينفع أتفرج عليها..
شعرت بالألم لأجله فقد حُرم من جميع نُزه الطفولة، احتضنت كفه وقالت بحنان:-
– وأيه يعني … نقدر إننا نعوض دلوقتي ونتفرج عليهم من أول وجديد .. أنا كنت بتفرج وأنا صغيرة ولما فقدت البصر بقيت أسمع بالصوت الحاجات إللي كنت شيفاها قبل كدا..
مسح على شعرها بحنان وقال بصدق:-
– المرة الجايه مش هتعتمدي على السمع وبس وهتشوفي كل الألوان وكمان هتشوفي جديد، بوعدك يا رِفقة … خلاص هانت كلها يومين..
قالت باعتراض:-
– أجلها يا يعقوب لغاية ما تخف شوية الدنيا مش هتتهد ومش هيحصل حاجة..
هتف بحسم:-
– رِفقة حبيبتي أنا الحمد لله بخير ومفيش أي داعي إننا نأجلها دي مجرد خياطة مش أكتر..
ويلا تعالي هنا علشان أحطلك القطره إللي الدكتور قال عليها..
وجذبها نحوه ليجعلها تتمدد ويضع رأسها فوق ساقه لتقول بتذمر:-
– لا يا أوب دي بتحرق أووي..
ردد بحسم ممزوج باللين:-
– يلا يا سُكرتي استحملي عشر دقايق والدنيا هتبقى تمام وهيروح كل الوجع..
وبعد الكثير من التملل منها استطاع السيطرة عليها وقطّر بأعينها بعض القطرات تحت تذمرها واعتراضها، قال ليصرف ذهنها عن الوجع:-
– بس مقولتليش يعني مين أوب يعقوبيان، وهو شخص كويس ولا أيه..!!
قالت بتلقائية:-
– دا كان الشرير في الكرتون..
أردف بعتاب:-
– بقاا كدا يا رِفقة … وإنتِ شيفاني شرير كدا..
رددت ببسمة بشوشة:-
– لأ طبعًا هما كانوا مفكرينه شرير، بس محدش كان عارف وراه أيه وأيه إللي حصله..
هو كان صديق لِمض في الأوضة في الملجأ وكان لِمض مخترع وبيسهر طول الليل على إختراعاته وأوب مكانش بيعرف ينام وكان بيبقى عنده ماتش بيسبول الصبح ولما كان يروح كان ينام على نفسه ومش يمسك الكوره وياكل علقة محترمة…
أوب عاش حياة صعبة أووي واتظلم ومحدش كان بيرضى يتبناه وعاش وحيد والكل كان مفكر إن هو شرير..
بس لِمض صحح الغلطة دي وقبل ما يقدم إختراعه نادى أوب وقدر يمسك الكورة وفاز وفي أسرة اتبنيته وعاش سعيد..
كان يعقوب يستمع لها بتركيز وشغف ليقول بهدوء:-
– هتعملي العملية وكل يوم هنعمل سهرة حلوة ونسهر نتفرج كل يوم على حاجة مختلفة ونعوض كل إللي فاتنا..
فتحت أعينها وهمست له بشرود:-
– تعرف يا يعقوب أنا مكانش عندي أي مشكلة إن أفضل طول عمري كفيفة والحمد لله راضيه أووي أووي..
بس مش هكذب عليك كنت ساعات بتمناها وبزعل أووي .. تعرف إمتى!
لما كان يجي العيد الكبير وكنت أقعد أسمع التلبية الخاصة بالحجاج، الكعبة وحشتني أووي ونفسي أشوفها وأشوف الحُجاج يوم عرفة..
لأن أنا وماما وبابا كنا دايمًا نفضل فاتحين التلفزيون ونقعد نتفرج وإحنا بنعيط لأن كان نفسنا نروح …ولما ربنا كتبها لبابا وماما راحوا ومش رجعوا تاني..
تمزق قلبه لتلك النبرة الحزينة التي تحرق روحه وعزم داخله وأقسم بأغلظ الأيمان بأنه سيمحق ويبدد كل قطرة حزن داخلها..
جذبها يحتويها داخل أحضانه بحنان وهو يهمس:-
– هانت يا رِفقة … بوعدك كل حاجة تبقى تمام..
••••••••••بقلم/سارة نيل•••••••••••
ذاهبة في ثباتٍ عميق يبتلعها كابوسٍ مزعج وجسدها يتلوى فوق الفراش..
اقترب منها يحتضنها ويحاول السيطرة على حركاتها العنيفة وهدهدة بكاءها وشهقاتها العالية أثناء نومها غير الهمهمات الغير مفهومة…
فزعت من فوق الفراش بأعين متسعة ووجه متعرق تنظر بأرجاء الغرفة بفزع شديد حتى وقعت أعينها فوق زوجها الذي جذبها يحتضنها محاولًا بثّ الأمان لقلبها بصمت ووجه مليء بالحزن والقهر…
لكنها تمسكت بملابسه تجتذبه منها بقوة وهي تجاهد بشق الأنفس لتحريك لسانها لتهتزّ حنجرتها وينطلق لسانها من وسط بكاءها بتلهف وروع:-
– بــنتـــــــــــي رِفــــــــقـــــــــــة…
••••••••بقلم/سارة نيل•••••••••
صوت الضحكات الصاخبة السعيدة يغمر أرجاء المطبخ..
قالت رِفقة بامتعاض:-
– أووب كفاية بقاا أكلت خلطة الكيكة كلها وهي لسه طرية، هو أنت فاكرني مش حاسه بإيدك ولا أيه .. المقادير باظت كدا..
ناطحها يعقوب باعتراض وهو يمسح بأصابعه البقع الحمراء من فوق خديها المُلطخين برِفق:-
– إنتِ مش أحسن مني .. ما إنتِ كمان خلصتي الكرز كله ومعدش في حاجة نحطها في قلب الكيكة … صدقيني هي كدا حلوة خلينا ناكلها كدا أنا بحبها كدا أحسن ما تطيب…
صرخت بنفاذ صبر:-
– يــــــــــعــــــــقــــــــوب .. شيل إيدك من البوله..
واعمل حسابك إنك هتعوضني عن العجينة إللي كلتها دي..
– اللاه هو إحنا فينا من كدا..
– أمال أيه .. كل حاجة بحسابها..
الكيكة حسابها حوض سمك وعصافير هتجبهوملي..
وكوباية النسكافية بكتاب عالطول..
متقلقش هحطلك القايمة وحساب كل حاجة وهلزق نسخة على التلاجة ونسخة ورا باب الشقة..
– والله طلعتي مش ساهلة يا رِفقة..
– إللي أوله شرط أخره نور يا أوب..
وقبل أن يُجيبها قاطعهم صوت رنين جرس الباب عقد يعقوب ما بين حاجبيه بتعجب وردد:-
– مين جاي دلوقتي لنا..
قالت رِفقة ببعض التوتر من الأحداث الأخيرة التي حدثت معهم:-
– طب روح افتح وإن شاء الله خير..
– هرجعلك عالطول..
وسار نحو باب المنزل وفتحه بهدوء ليجد شاب ما مجهول، تسائل يعقوب بتعجب:-
– محتاج مين … وإنت مين..!!
قال الأخر بلهفة واضحة من نبرته وأعين لامعة:-
– رِفقة … مش رِفقة موجودة هنا .. أنا عايز رِفقة..
انصبت حُمم بركانية بدماء يعقوب وشعر بقلبه يحترق من نبرة هذا الرجل وطريقة تلفظه لاسم رِفقة وملامحه الحالمة، قبض على كفيه بشدة واسودت ملامحه وقال من بين أسنانه بغضب:-
– وتطلع مين أنت..!!
قال الأخر بوجه مكفهر:-
– قولها راجح…
#وخنع_القلب_المتكبر_لِعمياء
#سارة_نيل..
