جوازة نت2

” الحلقة السادسة”

نظرت الى هاتفها المحمول الملقى بجوارها على الفراش وهو يضيء بقوة وكأنه ينهرها لتقوم بالرد على المتصل الملح الذي هاتفها لمرات لم تعد تستطيع حصرها… وقد أحرق هاتفها من كثرة الاتصال…..
صوت طرقات هادئة ولكن حازمة على باب غرفتها انتزعتها من افكارها، ثم صوت شقيقها مناديا لها، مسحت وجهها براحتيها كي تمحو أي أثر لدموعها التي فاضت بكثرة منذ عودتها من العمل برفقة اخيها والذي شاهدها وهي تنطلق خارجة من مكتب سيف كالقذيفة ولم تمهله الفرصة لسؤالها عن سبب حالتها الغريبة التي يراها لأول مرة عليها، وهى تكاد ترجوه بصوت متلهف ونظرات ضائعه أن يقلّها الى المنزل بينما يقف سيف خلفها بعد ان لحقها بسرعة صاروخية يناديها بصوت مشروخ حزين محمل بنرة غريبة من التوسل!، ولكنها لم تلق بالا اليه وحاولت التماسك وهى تطلب من اخيها الذهاب الى المنزل، فألقى احمد بنظرة متفهمة اليها مفسحا لها الطريق لتتقدمه بينما رمى سيف بأخرى متسائلة و….. مُنذرة!، في حالة ان ثبت له أن له يد في حالة الانهيار التي يراها على شقيقته الصغرى!!
توجهت منة الى باب غرفتها وأدارت المفتاح مرتين لفتحه وهى تنظر الى أخيها قائلة بابتسامة ممزوجة بشجن غريب وهى تفسح له كي يستطيع الدخول:
– اتفضل يا ابو حميد، انا عارفة انك مش هتسكت لغاية ما تعرف سبب الحالة اللي انا كنت فيها انهرده في المكتب، وبصراحه استغربت اوي لما لاقيتك ما لاحقتنيش تسألني اول ما دخلنا البيت، واقنعت ماما كمان انى تعبت من اللف مع عميلة للمكتب وشكلي اخدت ضربة شمس علشان كدا شكلي تعبان بالشكل دا!!…
دخل احمد مغلقا الباب خلفه في حين سارت هي حتى جلست على طرف فراشها ممسكة بيديها الاثنتين طرف الفراش بجوارها، تناول احمد كرسي مكتبها الصغير الموضوع أسفل نافذة الغرفة العريضة، ووضعه أمامها ثم جلس عليه ومال ناحيتها مشبكاً يديه بعضهما البعض وقال بحنان أخوي فياض:
– أنا حبيت اسيبك لغاية ما تهدي خالص، لاني عارف السبب اللي خلاكي منهارة بالمنظر اللي شوفتك بيه انهرده !!..
رفعت اليه عينين متسائلتين و متوجستين عما يعلمه فعلا عن سبب حالتها النفسية التي تواجهها لأول مرة، رفع كتفيه وأنزلهما علامة الجهل متابعا:
– هو انا طبعا مش عارف السبب بالظبط، لكن.. ممكن أخمّن!!..
لتطلق منة أنفاسها التي حبستها مغمضة عينيها ومندهشة في نفس الوقت من نفسها لخوفها من معرفة احمد بسبب حالتها وان سيف هو المتسبب الرئيسي والوحيد لما كانت عليه من شفير الانهيار!!..
ابتلعت ريقها وشردت بنظراتها التي يغشاها الحزن الى البعيد وقاطعته قائلة بابتسامة مريرة ترتسم على شفتيها الذابلتين:
– مش محتاجة تخمين!، كل الحكاية ان انت احيانا بتمر بموقف صعب عمرك ما مريت بيه قبل كدا، بيحتاج منك وقفة جامدة، علشان تهدا وتفكر وتحلل وتوصل لحل للوضع اللي حصل!!..
تطرق احمد للموضوع مباشرة:
– انت اتخانئت مع سيف؟
نفضت منة رأسها لتطاير خصلات شعرها الكستنائية اللون ثائرة محيطة بوجهها الصغير الفاتن وهى تسبل جفنيها كي لا تفضحها عيناها:
– مش بالظبط!،…،،،، تُرى أي شيء جعلها تنفي شجارها الدامي لقلبها مع سيف؟!، هي لا تعرف!، ولكن ما تعلمه فقط أنها لا تريد إشراك أخيها بالأمر، فهي ناضجة كفاية لتحل مشكلاتها بمفردها، كما أنها لا تريده ان يخسر صديق عمره، حتى لو….إنفصلت هي عن سيف!، يجب ألا تجعل أخيها يخسر شقيقه الروحي كما يحلو له تسميته!، …. ألم عميق أصاب قلبها عندما طرأ على فكرها أنها بالفعل قد وضعت كلمة النهاية بالنسبة لعلاقتها هي وسيف!، أفاقت من شرودها على صوت تذمّر اخيها الواضح وهو يقف قائلا بحيرة بالغة:
– ما هو مش معقول؟، انا شايفك بعينيا وانت طالعه بتجري من مكتبه وهو أول ما شافني معاكي كان هاين عليه يقولي ما تسمعش كلامها وتبعد!..
ابتسمت ابتسامة ساخرة صغيرة وأجابت وهى تطلّع الى اخيها المشرف عليها:
– أيه بئيت حكيم عيون حضرتك!!..
نظر اليها أحمد بجدية سائلا اياها بحسم:
– يعني سيف مالوش يد في حالتك الغريبة دي انهرده؟
أجابت منة بتلعثم طفيف وهى تهرب بعينيها من نظراته القوية:
– انا قلت لك يا احمد مش بالظبط!، عموما أنا اعرف احل مشاكلي ازاي، وبعدين إنت ليه مُصرّ انك تعرف؟، سيبني لغاية ما أرتب أفكاري وصدقني انت أول واحد هقوله، كل الموضوع انى عاوزة اعتمد على نفسي ،انا مابقيتش طفلة يا احمد أي حاجه تحصلها تجري على اخوها الكبير تشتكي له!!
اجاب أحمد بحزم:
– طيب تقدري تفهميني سيف تحت في عربيته بئاله اكتر من 3 ساعات ليه؟؟..
أصابت الدهشة منة وقالت بغير تصديق:
– إيه؟، سيف تحت في عربيته؟…، قبل ان تنهي سؤالها كان أخيها يهز برأسه ايجابا ويقول متنهدا بعمق:
– ايوة يا منة، مرابط تحت البيت، ولا راضي يطلع ولا يفهمني فيه ايه!، كل اللي طالع عليه خليها ترد عليا!، خليها تكلمني!، أنا عمري ما شوفت سيف منهار زي انهرده!، ثم عقد جبينه متسائلا:
– هو ايه اللي حصل بينكم بالظبط؟!….
أجابت منة بجمود بينما خافقها الأحمق كاد ان يطير من بين جنبات ضلوعها خوفا على من تسبب في هذه الفوضى التي تعيشها مشاعرها الخائنة:
– خليه يطلع يا احمد، بس ارجوك مش عاوزة بابا وماما يعرفوا حاجه لغاية ما يمشي، قولهم انه جاي يزورني وبس، نظرت اليه بعينين محملتين بالرجاء وهى تتابع:
– أرجوك يا احمد!!…سيبني أتصرف لوحدي وصدقني لو معرفتش هجيلك واحكي لك واطلب منك تدخل، زفر أحمد عميقا وقال وهو يوميء باستسلام:
– حاضر يا منة، زي ما انت عاوزة، وفي أي وقت عاوزة تتكلمي تأكدي انى هسمعك كويس أوي، أنت مش اختي وبس…لأ، انت بنتي كمان يا منون!!، بس اوعديني يا منة… اوعديني أنك لو حاسيت انك لو مقدرتيش فعلا توصلي لحل للموقف اللي بينكم انك هتصارحيني، انا اخوك قبل ما اكون صاحبه، وانتم الاتنين غاليين عندي، ويهمني مصلحتكم انتو الاتنين!!..
هزت منة رأسها بالايجاب…، تقدم منها احمد وأخفض رأسه مقبلا جبينها بحنان أخوي، ثم طالعها بابتسامة وهو يقول:
– ياللا، قومي كدا اغسلي وشّك ورتبي نفسك وانا هكلمه يطلع…
ثم انصرف مغلقا الباب خلفه في حين تسمرت نظرات منة الى البعيد وهى تدعو الله أن يلهمها الصواب…
*************************************************
كاد سيف أن يعانق أحمد فرحاً ما ان فتح له الاخير الباب، فهو لم يصدق أذنيه عندما هاتفه أحمد داعيا اياه للصعود الى المنزل مخبراً ان منة قد وافقت على الجلوس اليه…
تركه احمد بعد ان أتى له بكوب من عصير الليمون الطازج وهو يقول بهدوء:
– بص يا سيف انا معرفش ايه اللي حصل بينكم بالظبط، منة مش عاوزة تحكي، لكن تأكد انى هبقى في صف اختي، لاني واثق ومتأكد انها أبدا مش متسرعه،وبتفكر كوي ساوي وعقلها سابق سنها، وبالتالي أي قرار هتاخده هتلاقي الدعم الكافي من عيلتها ليه!!، ثم استأذن منصرفا، تاركا اياه عرضة لقلق عظيم ينهش روحه خوفا من حديث احمد…
قابلت منة والدتها قبل دخولها الى سيف، اقتربت منها امها ووضعت يدا حانية على وجنتها وهى تقول بحنو:
– منون حبيبتي، انا أمك…واكتر واحده فاهماكي، انا عارفة ان الموضوع مش حكاية ضربة شمس زي اخوك ما قال، وان وجود سيف دلوقتي في اللحظة دي وفي الحالة اللي انا شوفته عليها لما دخلت أسلم عليه… بيقول انه اكيد حصل بينكم زعل، بصي حبيبتي … الزعل والخصام هما دول الملح والفلفل بتوع الجواز، عاوزاكي تفكري بعقلك كويس اوي، مافيش حد كامل يا منة، كلنا فينا اخطاء، فلازم نتعلم ازاي نتقبل الطرف التاني بعيوبه قبل مميزاته طالما عيوبه دي مش حاجه اساسية، بمعنى مش عيب في الاخلاق!، لانه دا العيب الوحيد اللي مينفعش الواحد يتعامل معاه أو…. يتجاوز عنه!!….
كانت كلمات أمها لا تزال تتردد في أذنيها عندما دخلت غرفة الجلوس حيث يجلس سيف منتظرا كمن ينتظر حكما بالاعدام كما وصفه شقيقها ممازحا في محاولة منه لكسر جمودها الواضح، بينما نظر اليها والدها بعمق وهو يهمس لها قبل ولوجها الى الداخل:
– تأكدي يا منة أنى معاكي في أي قرار هتاخديه، بس بشرط تحكمي عقلك كويس، لان الحالة اللي فيها خطيبك دي مش حالة واحد فيه سوء تفاهم بسيط او زعل خفيف بينه وبين خطيبته…لأ!، دي حالة واحد يائس و….خايف!، ربنا يهديكي حبيبتي….ويصلح لكم الحال……
ولجت منة بخطوات بطيئة، رفع سيف رأسه بلهفة فهو عرف بحاسته أنها معه في ذات الغرفة من قبل أن يراها!، فقد تغير الهواء المحيط به، وانتشرت ذبذبات في الجو، ونبض قلبه بعنف بين جوانحه،هتف واقفا ما أن أبصرها حقيقة ملموسة تقف أمامه بكامل هيئتها التي تثير جنونه وولعه بها:
– منة…..، نظرت اليه بخواء تام، ابتلع ريقه بصعوبة، وقال بصوت خرج متحشرجا بالرغم عنه:
– مش بتردي على اتصالاتي، كنت ناوي أفضل تحت البيت ان شالله حتى لبكرة الصبح، بس لازم كنت أشوفك!!…
نظرت منة الى البعيد متحاشية النظر الى عينيه اللتان تغشاهما نظرة استعطاف وتوسل غريبة على شخص بقوته!، قالت محاولة التماسك وبهدوء لا يشي بداخلها المفكك:
– وانا أهو، يا ترى فيه حاجه تانية نسيت تقولها، أو…، وحانت منها التفاتة اليه لتتابع بسخرية لم تستطع تفاديها:
– أو حاجه شوفتها او عرفتها جاي تواجهني بيها؟!!، كادت شهقة ان تفلت منها ما ان ابصرت وجهه، لم تكن قد طالعته لحظة دخولها اليه، انه أبدا ليس بسيف الذي تعرفه!، فالآخر كان دائما بكامل أناقته وهندامه المثالي، بينما من تراه أمامها الآن فبعيد كل البعد عن أي أناقة أو مثالية!، كان شكله يوحي بالساعات العصيبة التي مرت عليه، فعيناه حمراوتين وشعره مشعث بقوة نتيجة تمريره لأصابعه فيه عدة مرات، وهندامه غير مرتب، فربطة عنقه محلولة وسترته مليئة بالكسرات نظرا لطول جلوسه في السيارة، وأزرار مقدمة قميصه محلولة حتى منتصف صدره العضلي، حتى أن شعيراته السمراء التي تغطي هذا الصدر القوي كانت ظاهرة للعيان….
هربت بنظراتها بتردد خجل من منظره المزري ولكنه لم يفقد في نفس الوقت جاذبيته الطاحنة، حتى أن شعيراته البارزة من خلف القميص كانت وكأنها تستفزها كي تمد يدها ممسدة لها بأصابعها البيضاء الرقيقة!!، هتفت بداخلها وهى تشيح بنظراتها بعيدا عنه بقوة” رباه .. ماذا يحدث لي؟، لم يحدث أن نظرت الى رجل مهما بلغت درجة وسامته بتلك الطريقة من قبل؟، لما هو مختلف؟، لما لم أصارح أحدا من أهلى باتهامه إياي بالعبث من وراءه؟، وانا على يقين أنه لو أن أبي أوأخي علم بما رماه في وجهي من اتهامات باطله فذلك كفيل بانهاء ارتباطنا في التو واللحظة والى أبد الأبدين؟!”، أفاقت من شرودها على صوته وهو يقول بينما ابتسامة رجاء صغيرة ترتسم على فمه القوي الحازم فيما يشير بيده الى الاريكة العريضة:
– ممكن نقعد طيب الأول؟!،
هزت رأسها في صمت بالايجاب وجلست على أقصى طرف من الاريكة ليجلس هو على ذات الاريكة ولكن في أقصى الطرف الآخر!..
تحدث محاولا بث الهدوء في صوته، فيكفيه أنها هنا الآن بين ناظريه، تستمع اليه وان كانت تشيح بعينيها الرائعتين عنه، ولكن وجودها معه يكفيه حاليا وهو كفيل بأن يجعل عيناها تراه بل وترى آيات عشقه السرمدي لها والذي يصرخ به كل إنش في جسده الحيّ!…، تحدث قائلا:
– منة عاوزك تسمعيني كويس من غير ما تقاطعيني، وبعد كدا أنا مستعد أسمعك لغاية ما تقولي كل اللي عاوزاه، لم ينتظر ردها وتابع قائلا وهو ينظر امامه الى نقطة وهمية بينما تسترق هي النظر اليه:
– أنت عارفة انى ولد وحيد على اربع بنات، انا اخوهم الكبير، والدي رباني من صغري على اني راجل البيت، لما كان بيضطر انه يسافر كان دايما بيقول لي أنه مسافر وسايب راجل وراه، يمكن من وانا عمري سبع سنين، ما افتكرش انى لعبت زي الاولاد اللي في سني، وانا اساسا كنت بحب أرافق والدي في كل مكان بيروحه، وكبرت وشخصيتي تبلورت اكتر وبئيت جد اكتر، مش هقول انى كنت مقفل،…لأ!، لكن ما كنتش بؤمن بالحب والحاجات دي ، كنت راسم لنفسي انى لما افكر اتجوز هختار واحده تناسبني وتناسب عيلتي، لما خلصت #ثانوية_عامة وجبت مجموع كبير يدخلني كلية الهندسة هنا في #مصر، صمتت انى اتابع تعليمي هنا، ووالدي وافق، وسكنت هنا في شقة لوحدي، كنت شايل مسؤولية نفسي، وساعدني في كدا خالتي اللي عايشة هنا، عمر كان اصغر مني بـ 3 سنين، بس كنا قريبين من بعض، اتعرفت على احمد عن طريقه، انا كنت في اخر سنة وهما في سنة تانية، قابلت طبعا بنات كتير في الجامعه، نظر اليها مطلقا بسمة صغيرة وهو يقول في حين أرادت هي أن تصرخ به مطالبة اياه بعدم ذكر أي صفة مؤنث أمامها!، تابع متفكّها بغية اضفاء طابع المرح على حديثهما لكسر حدة الموقف بينهما:
– انا طبعا عارف انى وسيم، وكانت بنات كتير اوي تحاول تلفت انتباهي ليها، وانا بصراحه مش قفل!، لكن عمري ما انسقت ورا أي علاقة، ولا مشاعري استجابت لاي واحده كانت شايفة فيا عريس مناسب، يعني شاب وسيم ومن عيلة كبيرة في الصعيد، علاقاتي كانت كبيرها كوباية عصير في كافتيريا الكلية بس!!، لم تستطع منة منع نفسها من النظر اليه بدهشة بينما تابع هو ببساطة قائلا:
– آه!، مستغربة ليه؟!، المهم….. اشتغلت في اكتر من مكان، بقه عندي خبرة كويسة ، والدي اداني الشقة اللي هي المكتب دلوقتي كهدية تخرج، أجلت ان اشتغل لنفسي لغاية ما اكتسب الخبرة اللازمة، اتخرج عمر واحمد وفي مرة عرضت عليهم يشاركوني، وفعلا… فتحنا المكتب وابتدينا نشتغل سوا، حاسيت انهم اخواتي بجد، وكان اهلي في الوقت دا ابتدوا يضغطوا عليا علشان اكمل نص ديني على رايهم، لغاية ما كنت راجع في مرة من البلد بعد ما نقاش وجدال كبير مع والدي وشبه تهديد منه انى لو ما اخدتش خطوات جادة في موضوع الجواز دا، انه هو اللي هياخدني من ايدي ويروح يخطبني للي هو يختارها!!، طبعلا يومها كنت شايط، ورجعت ع المكتب على طول ، كنت محتاج انى أفضفض مع احمد بالذات، بحس انه على أد ما هو مرح لكن عقله يوزن بلد، وفي وسط دا كله …، ابتسم ناظرا اليها بحب جعل اللون الاحمر ينتشر في وجنتيها وأشاحت بنظرها بعيدا في خفر وأرتباك، بينما تابع هو بصوت خافت أجش:
– وسط دا كله دخلت نسمة طريّة، خلتني غصب عني ألتفت ليها، ومن ساعه ما شوفتها وانا حاسيت ان حالي وكياني كله اتشقلب، وانى مش هرجع زي الأول الا اذا قدرت أفوز بيها!..
اقترب قليلا منها في جلسته وقال بلهفة:
– كل ما كنت بشوف حد حواليكي او جنبك كنت بتجنن!، عرفت الخوف لأول مرة في حياتي!، خوفي أنى أفقدك!، لما سمعت عمر بيمدح شغلك وبيقولك تشتغلي معاه في فريق لوحدكم كنت عاوز ساعتها أصرخ فيه وأقوله منة مش ممكن تكون مع حد غيري، حتى لو شغل!، ولما سافرنا السخنة…وشوفت سماجة اللي اسمه طارق دا.. كان هاين عليا اضربه لما لمحت نظراته ليكي، انا عارف ومتأكد انك بريئة، وانك متعرفيش معنى نظراته دي ايه، ودا اللي جنينني، ومقدرتش أستحمل، صممت ان احمد يخليني أفاتحك في الموضوع، انا كنت مصارحه من الاول ، بس قلت تاخدي فرصة تعرفيني كويس قبل ما اتقدم رسمي، لكن خفت…، لاقيت انك ممكن تروحي من ايدي، اقترب أكثر منها حتى لم يعد يفصل بينهما الا انشات قليلة واستمرت على تحاشيها النظر اليه بينما لفحتها أنفاسه الثائرة وهو يميل عليها متابعا بيأس قاتل:
– لما شوفتك نازلة من العربية، غيرتي عمتني، ما شوفتش قودام عيني غير اللون الاحمر بس، كنت عامل زي التور الهايج، ما بين انى عاوز أنزل أضربه لغاية ما أخلص عليه، وبين أنى عاوز أخطفك من قودامه ومن قودام أي راجل تاني، منة…أنا…أنا بحبك!، بحبك الحب اللي كنت بسخر منه!، بحبك الحب اللي عمري ما آمنت بيه، انتِ ماتتصوريش عملت فيا ايه؟، انت سحرتيني ببراءتك وخفة دمك، لما اتخطبنا ملاني خوف من نوع تاني!، كنت خايف أحسن تراجعي نفسك وتلاقيني أنى مش فارس الاحلام بتاعك!، انا عارف انى جد شويتين وشخصيتي مثلا مش زي شخصية احمد اللي انا بحسده على ارتباطك الكبير بيه!، نزولك انهرده من العربية قودامي ولما شوفت طارق خلتني أحس أن أسوأ كوابيسي بتحقق قودامي، وانك هتسيبيني، وانا… مقدرش…مقدرش أسيبك يا منة، انت خليتيني أحس انى عايش فعلا، شقاوتك وضحكتك وعينيكي اللي بتوه لما بشوفهم، يمكن انا أكبر منك ب 8 سنين، لكن انت عقلك أكبر من سنك بكتير، قدرت تعملي اللي مافيش واحده قدرت تنجح فيه!، نظرت اليه منة بتساؤل لم يتجاوز شفتيها ليجيبب عن تساؤلها الصامت بهمس مبحوح:
– خلتيني أحبك لدرجة اني أحس ان روحي مش بتترد جوه جسمي الا معاكي، عارفة يوم خطوبتنا لما اعترضت على كتب الكتاب وقلتيلي اننا اتفقنا ان الخطوبة لو ما اتفقناش فيها كل واحد يروح لحاله، ساعتها حاسيت انك لو بعدت عني هموت، أصريت على كتب الكتاب علشان أقدر أنقلك ولو جزء بسيط من احساسي بيكي، منة …أرجوك.. ما تسيبينيش، انت متعرفيش انت ايه بالنسبة لي؟، انا من غيرك أموت…أموت يا حبيبتي!!….
لم تستطع منة منع دموعها من النزول، لقد مسّ صوته شغاف قلبها، استشعرت الصدق في نبراته، ولكن الجرح لايزال طريا وعميقا ، تكلمت من بين دموعها الصامتة وعيناها مليئة بعتاب ممزوج بألم جعلته يخنق آهة أسف وندم لتسببه في الحزن الذي أصاب معشوقته، فهو سبب هطول هذه الالماسات اللامعه على وجنتيها المرمريتين، وسمعها وهى تقول بصوت مخنوق ببحة البكاء:
– بس اللي يحب حد ما يجرحوش!، ما يهينوش!، ما… ما يكسروش يا سيف!!، لتفقد السيطرة على نفسها وتنهمر في بكاء حاد، دافنة وجهها بين يديها، بكاءا قطع نياط قلب سيف ولم يستطيع معه الوقوف جانبا فاحتواها بدون شعور بين ذراعيه وهو يكرر هاتفا:
– أنا آسف، آسف، آسف، اعملي أي شيء، اطلبي مني أي حاجه، الا انك تبعديني عنك، انت كدا بتحكمي عليا بالاعدام يا مُنايا، أنا مستعد لأي شيء الا انك تبعدي عني، أرجوكِ….
هدأت نوبة بكائها قليلا وسط توسلاته العميقة، وانتبهت الى ذراعيه اللتان تحوطانها، ابتعدت بتردد، محاولة دفعه براحتيها الصغيرتين واللتان ما ان لمستا صدره حتى شعرت بمضخة عملاقة تضخ تحت يديها وهدر الدم في أذنيها عاليا لملمس صدره الصلب لراحتيها الطريتين، قالت وهى تشيح بنظرها بعيدا في تلعثم وارتباك واضح:
– أنا مش… مش عارفة أفكر كويس، ممكن تسيبني لغاية ما أهدا؟!، أمسك سيف بيديها مثبتا اياهما على صدره وقال بقوة:
-اهدي براحتك، وخدي الوقت اللي انت عاوزاه، بس واحنا سوا، مع بعض…، لأني بالتأكيد مش هسمح لأي حاجه تفرقنا او تبعدنا عن بعض…
رفعت عيناها المبللتين بالدموع اليه وقالت بخفوت:
– مش هينفع!، لازم أخد القرار وانا بعيد عن أي ضغوط…
لم تعلم أي صورة جذابة كانت ترسمها امام عينيه الشغوفتين، برموشها المبللة وأنفها الاحمر من شدة البكاء وشفتيها النديتين من كثرة قضمها لها بأسنانها اللؤلؤية الصغيرة كعادتها دائما، بلع ريقه بصعوبة وهو يحارب نفسه كي لا يقوم بما يموت شوقا اليه!، ركز بصره على شفتيها وقال بصوت أبح للانفعالات التي تمور بداخله والشوق الذي ينخر جسده مطالبا اياه باشباع توقه القاتل اليها، قال وانفاسه الساخنة تلهب بشرتها الحليبية:
– على جثتي انك تبعد عني!، كتب كتابنا في معاده، وصدقيني لمصلحتك انت قبل أي حاجه، انا خلاص صبري نفذ…، اعملي فيا اللي انت عاوزاه بس وانت شايله اسمي، أنا راضي بأي ترضية تقولي عليها، انما كتب الكتاب هيبقى بعد بكرة في المعاد…، أنخفض صوته حتى غدا كالهمس بينما نبراته جعلت الدماء تجري ساخنة في عروقها:
– مفهوم يا منة؟!، لم تستطع سوى الايماءة برأسها ، ثم تملّصت من بين يديه ليترك يديها على مضض، وقفت ما أن فك قيدها وكفكفت دموعها براحتيها الدافئتين لأمساكه بهما ، وقالت بكل ما أوتيت من قوة قبل ان تركض منسحبة من أمامه:
– كتب الكتاب في معاده .. اوكي، لكن من هنا لغاية كتب الكتاب ما فيش تليفونات ولا مقابلات، ودي أول حاجه، لغاية ما أفكر في باقي العقاب هيبقى ازاي!!، ثم ركضت سريعا من امامه تاركة اياه غارقا في ذهوله، فهذه المشاغبة الصغيرة قد علمت أي سلطانٍ لها عليه!، ومن الواضح أنها تنوي السير في الانتقام منه حتى النهاية!، ولكن…..ليس مهماً!، طالما انها في النهاية ستكون أمرأته هو و…بين يديه!، وسيعلّمها كيف يكون الحب؟،سيكون أستاذها في تعليمها أبجديات العشق، بل سيجعلها تتنفسه عشقا تماما كما يفعل هو!!……
**************************************************

الحلقة السادسة”ج2

نفّذت منة ما وعدت به سيف، فلم تستقبل أية مكالمات منه ولم ترد على رسائله العديدة، كما امتنعت عن الذهاب الى العمل، وتوعدها سيف في ضميره بأنه سيأخذ بثأره منها، ولكن فليعقد القرآن أولاً وبعد ذلك لكل حادث حديث!!….
***************************************
أتى يوم العقد القرآن وظهرت منة بأروع صورة، لم يكن سيف رآها حتى وصل المسجد حيث يعقد القرآن، فقد أتت المزينة ومصففة الشعر الى المنزل للاهتمام بالعروس، وكان برفقتها صديقاتها ايناس وسحر ونشوى، اللاتي لازمنَها منذ الصباح الباكر، وقام أحمد وعمر بالاهتمام بتوصيل عائلة العروس وصديقاتها والعروس نفسها الى مكان عقد القرآن، حيث أقلّ عمر العائلة، بينما ركبت العروس ورفيقاتها مع شقيقها، والذي كان يلقي بنُكاتِه المرحة مختلسا النظرات الى من يهفو اليها قلبه… ايناس!!..
كاد سيف أن يستشيط غيظا لإصرار منة على عدم مرافقته في الذهاب الى المسجد، فقد أرسلت اليه عبر أخيها رسالة تخبره فيها أنها ستحضر مع عائلتها لوجود صديقاتها معها، نظر سيف بغيظ الى احمد الذي لاعب له حواجبه وقال من بين اسنانه:
– مبسوط انت بأختك؟!، أجاب أحمد ساخرا:
– طبعا!، بنت راجل بصحيح…، كلمتها واحده!، مش هتشوفها يبقى مش هتشوفها!…
ذُهل سيف وقال:
– وانت عرفت منين ان الهانم حاكمة عليا اني ما شوفهاش الاّ يوم كتب الكتاب؟..
أجاب أحمد بمكر:
– وهي دي عاوزة ذكاء؟!، واحد زيك فضل مرابط في عربيته بالساعات، ولما ترضى عليه…. ما يطلبش انه يشوفها خالص؟!، وبعدين دي حتى الشغل ما كانتش بتروحه!، وطبعا قالت لماما وبابا انها اخدت اجازة علشان تجهز نفسها لكتب الكتاب…
لم يسأل أحد من عائلة منة عن سبب الخلاف بينها وبين سيف، واحترموا رغبتها في الكتمان، وسعدوا بإزاحة الغُمّة التي كانت تلوح في سماء ابنتهما، وقد شعروا بالفخر لمقدرة صغيرتهما على حل مشكلاتها بحكمة وكتمها لما يحدث بينها وبين زوجها، فأية خلافات اذا تدخل الأهل فيها ولو بغرض الاصلاح تتفاقم…..، لا بد ان يصل الزوجين بنفسيهما الى حل يرضي جميع الاطراف، وتدخل الأهل لا يكون الا في حالات استثنائية يكون فيها الحياة الزوجية لأبنائهم مهددة بالانهيار التام…..
وصلت منة بصحبة صديقاتها الى قاعة عقد القرآن، وجدوا سيف بانتظارهم خارج القاعه الملحقة بالمسجد الخاصة بعقد القرآن، كان يقف بجانبه والده والذي عرفته منة ما ان شاهدته، بزيّه الصعيدي التقليدي ولكن الباهظ الثمن كما تدل عباءته الفخمة والعصا العاج المطعمة بفصوص من الاحجار الكريمة أعلاها والتي كان يمسك بها، وبرفقتهم اربعة رجال في عمر سيف تقريبا، خمنت أنهم أزواج أخواته البنات…..
ما ان شاهد سيف منة وهى تهبط من سيارة احمد بمساعدة صديقاتها ، حتى حبس أنفاسه لشدة جمالها، ولم يشعر بنفسه وهو يترك والده في منتصف حديث ما، ليسير ناحيتها كالمسحور، ويقف امامها مذهولا من هذا الجمال الرباني الصاعق الذي يقف أمامه يكاد يتوارى منه خجلا، قال سيف بصوت مبهور:
– إيه الجمال دا!…، لكز أحمد سيف في خاصرته وقال بجدة زائفة:
– احترم وقفتي بينكم على الاقل!، أشاحت منة بوجهها بعيدا تكتم ضحكتها بينما تطلع سيف الى احمد في اللحظة التي تبادلت فيها الصديقات الابتسامة في محاولة لكتم ضحكاتهن التي أوشكت على الانفجار!، قال سيف بغيظ من بين اسنانه:
– مش وقتك خاااالص يا احمد!، بقول ايه … ما تشيلني من دماغك بقه!، يعني انساني انهرده علشان خاطري…
تظاهر احمد بالتفكير ثم اجاب باستفزاز واضح:
– أفكر…..
تأبط سيف ذراع منة واتجها الى داخل القاعة لتجد والدها ووالدتها واقفان بالداخل لمقابلة المدعوون، اسرعت اليها والدتها تحتضنها وعيناها تدمعان لرؤية صغيرتها وقد غدت عروس جميلة تتأبط ذراع عريس وسيم ودعت الله أن يكفيهما شر عين حاسدة متمتمة بداخلها بالأذكار المحصنة…..
مرت مراسم عقد القرآن كالحلم، شعرت منة كأنها تحلم وعندما طُلب منها أن توقع باسمها أسفل العقد الرسمي الذي يربط مصيرها بمصير سيف، رفعت عينيها تطلع اليه لثانية قبل ان تضع اسمها في خانة الزوجة، لتطالعها ابتسامة عشق صاف وفرحة تزغرد في مقلتيه، فابتسمت بتوتر وذيلت العقد بتوقيعها، لتنطلق زغاريد الفرح بعد ذلك….
وقفت منة وسيف جنبا الى جنب لتلقي مباركات الاهل والاصدقاء، محاطين بوالديهما، تقدم منها حماها بعد انتهاء عقد القرآن وقال وهو يفتح ذراعيه على وسعيهما:
– مبروك يا مَرَتْ ولدي، الف الف مبروك، واحتواها بين ذراعيه مقبلا جبهتها، وسط ضحكات عائلتها وخجلها الشديد، شعرت بالارتياح لشقيقاته البنات، سميحة وسمية وسلمى وسارة، اللواتي كن يرتدين عباءات سمراء حريرية بتطريز أنيق راق ، رحبوا بها مهنئين بالزواج الميمون بشدة وهن يطلق زغاريد الفرح ، ابتسمت منة وهمست لسيف حتى لا يسمعها أحد:
– انتم كلكم على حرف السين؟، ايه امبراطورية سين… بس للابناء فقط؟؟، ابتسم سيف ونظر اليها بمرح مجيبا:
– ابتدي انت كمان ياللا جهزي اسامي امبراطورية الولاد بتاعتنا، خلي بالك لو الامبرطورية اقل من 6 افراد مش هستلم!!
فتحت منة عينيها على آخرهما، ونظرت اليه بحدة قائلة بحنق طفولي:
– امبراطورية ايه…و6 مين؟، احنا لسه يدوب شبكة وكتب كتاب!!…
نظر سيف الى الطقم المرصع بالالماس شبكته اليها والذي قد ألبسها اياه بعد الانتهاء من عقد القران ولم تكن قد شاهدته قبلا فهو كما سبق واخبرته قد اختاره لها بمفرده فهي هديته اليها، قال سيف ونظره معلق على جيدها حيث تتدلى سلسال الطقم فوق فستانها المقفول ولم يظهر أي يء من هذا الجيد المرمري فقد التف وشاحا من الستان حوله ليخبئه عن الأعين:
– بمناسبة الشبكة.. عجبتك؟…
اجابت منة وهى تشيح بنظراتها خجلا:
– آه، جميلة بجد…، زوقك حلو فعلا..
همس بالقرب من أذنها:
– انا عارف ان زوقي حلو، والدليل على كدا اني اخترتك….
نظرت اليه منة لتتوه في ابتسامته التي تنير وجهه الرجولي، شتان بين هذا اليوم وذاك اليوم الذي أتى لمصالحتها فيه، فهو الآن يبدو كنجم سينمائي لامع، بحلّته الكاملة الرمادية اللون، وقميص من أرماني بنفس لون الحله وربطة عنق من لون فستانها…. وكان قد سألها عن لونه حينما اشترته منذ فترة، وقد شذب لحيته فغدا وسيما يخطف الانفاس، بينما لا تزال تلك الخصلة الشارده فوق جبينه العريض تستفز منة لاعادتها الى الخلف مع باقي رفيقاتها من خصلاته الابنوسية الناعمة!!…
قطع استرسالهما في الحديث والدها الذي احتضنها مباركا لها ثم احتضن سيف موصيا بها خيرا، وجاء احمد الذي ما ان احتضنها بين ذراعيها حتى كادت ان تبكي فربت على ظهرها بينما يطوقها بين ذراعيه بقوة وهو يقول بحنان:
– مبروك يا منون، ماتتصوريش فرحتي قد ايه يا حبيبتي…، ابتعدت منة عن احضانه ونظرت اليه بحب اخوي صاف وقالت بينما الدموع تلمع في مقلتيها:
– الله يبارك فيك يا حبيبي، عقبالك يا رب…، حانت منه نظرة الى شاغلة عقله وقلبه التي تقف على بعد خطوات منه منخرطة في حديث ودي مع سحر ونشوى وقال وهو يغمز منة بشقاوة:
– قريب اوي ان شاء الله، احنا خلصنا من كتب كتابكم اهو..، فوقي لي انا بقه، ماشي؟،
ضحكت منة واجابت وهى تطرف برموشها لابعاد الدموع عنها:
– ماشي الكلام…، شعرت منة بذراع عضلي يطوق خصرها فجأة وصوت سيف يقول بحنق مفتعل:
– ايه ايه ايه، حيلك حيلك، مين دي اللي تفضى لك؟، ياللا يا بني…ياللا من هنا… يحنن!!..
شهق احمد بتمثيل وقال بنصف عين:
– سيف.. ابو السيوف… ما تفتكرش علشان كتبت كتابك يبقى هتؤمر وتتحكم.. لا!!، بعد الزيطة دي ما تخلص على خير كدا ان شاء الله منة هترجع معانا، يعني هي لسه تبعنا يا خفيف…
قال سيف بمداهنة:
– وانا قلت حاجه يا ابو حميد، دايما كدا فاهمني …. صح!!، كل الموضوع اني مش عاوز حاجه تشغل عروستي عني انهرده ممكن؟
تظاهر احمد بالتفكير ثم أومأ برأسه في جدية مفتعلة واجاب:
– امممم… ممكن!، عطفنا عليك وسمحنالك بانهرده بس…،
لاحظ احمد أن والده يشير اليه، فاتجه اليه بينما مال سيف على اذن منة قائلا بحنق:
– هو ايه!،… كل الرجالة انهرده مسموح لها تبوس وتحضن وانا في جيبي تصريح رسمي فهمي نظمي اني ابوس واحضن براحتي مافيش غير مسكة ايد بس وبالعافية كمان!!..
تخضب وجه منة احمرار حتى كاد ينفجر بينما حانت منها التفاته الى يدها حبيسة قبضته منذ ان انتهى عقد القرآن رافضا تركها، تابع سيف همسا وقد فاض الشوق من عينيه وهو يطالع وجهها المسدل امامه خجلا وحياءا:
– تصدقيني لو قلت لك انى غِرت من كل واحد لمسك انهرده سواء باباكي او اخوكي او حتى …والدي أنا؟!….، رفعت نظراتها اليه لتأسرها نظرة العشق التى تشي بها عيناه، ولم يقطع حبل اتصالهما الا نحنحة ذكورية التفتت اليها منة ليشرق وجهها بحبور وهى تهتف:
– أهلا نادر…ازيك، انت لسه واصل انت وطنط سهام ولا ايه؟..
سعل نادر ليجلي حنجرته وقال بما أمكنه من هدوء:
– معلهش يا منة معرفناش نوصل بدري عن كده، مبروك ألف مبروك…( تقصد نادر الوصول متأخرا بعد عقد القرآن كي لا يضطر أن يكون شاهدا عليه كما سبق ان قالت خالته عواطف لوالدته سهام، فهو لن يستطيع بأي حال من الأحوال على هذا الأمر الذي لن يتمكن من احتماله، ويكفي أنه أتى مهنئا كي لا تغضب خالته او يحزن عمه عبدالعظيم او احمد صديق واخيه)
بادلته منة التهنئة بحماس قائلة:
– الله يبارك فيك عقبالك….، أشارت الى سيف الواقف بجانبها ساكنا منتظرا ان تقوم بتقديمه الى هذا الضيف الذي أشرق وجهها سعادة ما ان رأته!!..، مد سيف يده لمصافحته بينما عيناه تنقدان نادر ابتداءا من رأسه المكلل بالشعر البني، ثم عيناه بلون الزرع شديد الخضار، وبنيته العضلية، مرورا بحلته الزرقاء اللون التي أضفت على بشرته الذهبية وسامة ملحوظة، تقدمت منها خالتها بصحبة والدتها محتضنة اياها مهنئة لهما، لاحظ سيف ترقرق الدموع في عيني خالتها لم يعجبه نظرات نادر المسترقة اليه في تساؤل !!، ولكنه نفض هذه الافكار بعيدا عن رأسه ما ان اقتربت والدته ومعها بعض النسوة من العائلة للسلام على العروسين…
بعد الانتهاء من عقد القرآن تفرق الجمع بينما دعا والد منة عائلة سيف الى وليمة العشاء التي تم الاعداد لها لأفراد العائلة المقربون من الطرفين، حيث قام أحمد بالاتفاق مع مطعم شهير لتقديم بوفيه كامل يشمل على جميع صنوف الطعام مما لذ وطاب……
*************************************************
ساد وقت تناول الطعام جو من المرح المحبب، لم تكن سهام تنوي حضور العشاء ولكن عواطف أصرت، وما ان انتهت محنة تناول الطعام بالنسبة لسهام وولدها حتى سارع نادر بالاستئذان لاضطرارهما للسفر الليلة ، واعتذرت سهام عن عدم حضور رانيا لمرض ابنتها المفاجيء….
انفرد سيف ومنة في غرفة الجلوس، وقامت والدتها بإدخالهما اليها بناءا على طلب من شقيقته سارة – التي تصغره بعامين وهى متزوجة منذ ما يقرب الثمان سنوات ولها من الابناء ثلاثة – فقد استشعرت حاجه أخيها للانفراد بعروسه فلم تستطع عواطف الرفض فهو لم يعد أجنبيا عنها بعد اليوم، تطلع سيف لشقيقته بنظرة شكر فغمزته بدورها بمكر وقد ارتسمت ابتسامة خبث على فمها الصغير المكتنز!!
ما ان أغلقت والدتها الباب خلفها حتى تقدم سيف من منة الواقفة في تردد تنظر الى الاسفل في حياء وقال بهمس بجوار أذنها:
– حماتي دي ست ممتازة بصراحه، كان فاضلي شوية واخدك من وسطيهم واجري والجدع فيهم يحصلني!!..
ضحكت منة بحياء وقالت وهى تشيح برأسها الى الجهة الاخرى:
– ليه يعني؟، ما احنا مع بعض… انت سبتني ابعد عنك لحظة واحده من ساعة ما كتبنا الكتاب!!..
اقترب سيف حتى كاد يلتصق بها قائلا:
– بس لسه اهم حاجه معملتهاش!!..
رفعت منة وجهها اليه لتطالعه بعينين متسائلتين ببراءة:
– ايه هي دي؟، تاهت نظرات سيف بين وجنتيها المتوردتين خجلا وبين عيناها اللامعتان و….شفتيها الشهيتين بلونهما الزهري اللامع ، لم يستطع الصبر أكثر من ذلك، صدقا لم يستطع الابتعاد وقال بخفوت بينما تتسلل يداه لتطوقان خصرها وهو يميل عليها في حين وضعت هي راحتيها على يديه محاولة ازاحتهما وقد بدأ الخوف يتسلل اليها وهي تسمعه يقول بصوت أجش خافت:
– اني أبارك لك …..، همست منة وهي تحاول ابعاد وجهها عن انفاسه الساخنة التي تلهب بشرتها الحليبية:
– ما انت باركت لي و…….، لم يمهلها تتمة كلامها، وامسك برأسها بين راحتيه مثبتا وجهها امامه بينما نظراته مسلطتان على شفتيها المرتجفتين فشعرت بغريزتها ما ينوي فعله وهمست بخوف:
– سيف ما تتهورش، انته تعمل ايه؟، قال سيف وقد غدا كالمنوم مغناطيسيا:
– هتشوفي أنا هعمل ايه؟، همست منة باعتراض :
– سيف ما ينفعش ….، ليبتلع سيف باقي عبارتها بين شفتيه، ساحقا اياها بين ذراعيه، ضاغطا عليها بقوة ، بينما شفتاه تنهل من رحيق شفتيها وقد غدا كالعطشان السائر في الصحراء والذي يكاد يقضي نحبه ظمأً وإذ بواحة عذبة رقراقة أمامه فطفق ينهل منها كيف يشاء ليروي عطشه ولكن…. لم يكن عطشه ليرتوي ولم يكن شوقه لينطفأ….
انتبه على رفرفات كعصفور حبيس تضرب في صدره، فابتعد عنها وهو يلهث ليجد انها تضربه بقبضتيها الصغيرتين ليبتعد عنها بينما غدت ساقيها وكأنهما كائنين هلامين لم تستطيع الوقوف عليهما واستندت الى سيف الذي طوقها دافنا اياها بين ذراعيه بقوة لا يريد افلاتها…
همست منة من بين انفاسها اللاهثة والتى كادت تزهق طلبا للهواء الذي حجبه عنها سيف بعناقه الصاعق:
– وقح…، سمعت ضحكة رجولية عميقة أشاعت في سائر حواسها الفوضى ثم همس من بين طيات حجابها بمزاح:
– هي دي الوقاحه في نظرك؟، لا…. انت لسه ما شوفتيش الوقاحه اللي على أصولها، بس ما تقلقيش هوريهالك هوريهالك هتروحي منّي فين؟!، لكمته بقبضتها الصغيرة فابتعد عنها ضاحكا بينما قالت بحنق خجول:
– لا انت مش بس وقح…. وقليل الأدب كمان !!، همّ سيف بالرد عليها عندما قاطعه صوت طرقات على الباب ثم دخول امها حاملة صينية عليها قطعتي من الكعك احدهما قطعة من كعكة شيكولاته والاخرى من كعكة الفانيليا،مع كأسين من العصير الطازج، وضعت الصينية فوق الطاولة الرخامية الصغيرة وتبادلت العبارات المازحة معهما ثم انصرفت تاركة اياهما بمفردهما للمرة الثانية!!….
ما ان اغلقت والدتها الباب خلفها حتى شهرت سبابتها في وجهه قائلة وهى تتراجع الى الخلف بينما يتقدم هو منها وابتسامة ماكرة تعلو شفتيه :
– خليك مكانك ، اوعى تقرب، صدقني انا مجنونة وهَلِمْ عليك الناس!!…
نظر اليها بعبث وقال بجدية مزيفة:
– ايه يا منة.. انت ضميرك وحش ليه؟، انا هقعد على الكنبة وراكى علشان آكل التورتة…، ثم غمزها بخبث متابعا وهو يحرك رأسه يمينا ويسارا في أسف مصطنع:
– لا لا لا …، انت ظنونك بئيت وقحة يا منة!!، شهقت بحدة ، فطالعها بمكر ثم جلس الى الاريكة العريضة، تناولت طبقها وهمت بالجلوس بعيدا ليجذبها من خصرها فتسقط جالسة بجواره لا يكاد يفصلها عنه انش واحد وقال :
– اقعدي هنا، مكانك جنبي، لو مامتك دخلت ولاقيت كل واحد مننا في ناحية هتقول ايه؟، نظرت اليه بغيظ ثم تناولت قطعة كبيرة من الكعك وهى ترمقه بنظرات غيظ، ابتسم وقال وهو يشير الى طبقها:
– على فكرة انا بحب تورتة الشوكولاته، ممكن ادوق حتة من طبقك؟، مدت له الطبق وقالت وهى تبتلع لقمتها :
– اتفضل، كُلها كلها، مش عاوزة…، نظر اليها وهو يتناول الطبق واضعا اياه جانبا وقال بخبث وهو يميل عليها:
– لا مالوش لزوم الطبق، انا هدوق من هنا!!، قطبت حائرة لتُفاجأ به وهو يشير الى فمها وقبل ان تنتبه الى نيّته كان يتناول فتات الكعك المحيط بفمها بشفتيه النهمتين معتصرا شفتاها!!…
ابتعد عنها عندما شعر بحاجة كلا منهما للهواء وقال ونظراته تلهبها بحرارتها:
– تصدقي عمري ما دوقت كيكة شوكولاته بالطعامة دي؟، لم تجبه منة ، وبدلا من ذلك تناولت كأس عصير المانجو الطازج الموضوع امامها مرتشفة جرعة كبيرة منه لترطب حلقها الجاف، فقال ونظرات الشوق الحارقة تراقب شفتيها النديتين من العصير والمنتفختين بفعل قبلاته اللاهبة:
– لو قلت لك بحب المانجة هتخليني أدوقها؟، نظرت اليه واجابت محاولة التماسك:
– لا وانت الصادق هدومك هيّ اللي هتدوقها!!….
************************************************
انتهت السهرة وسط الفرحات والضحك وقد أصر احمد على سيف أن يتابع السهرة هو ومنة مع الجميع ويدع هذه الصومعة التي وكأنه لم يكد يعقد قرانه على منة حتى ينفرد بها بمعزل عن الباقين، همس سيف اليه من بين اسنانه:
– انا قلتها قبل كدا هادم اللذات!، بينما اندفعت منة موافقة أحمد وهى تتجه الى الخارج برفقته، ليقبض سيف على مرفقها ويميل عليها غير سامحا لها بالمرور:
– ما صدقتِ.. مش كدا؟، عموما هتروحي مني فين يا مُنايا، ودلوقتي ايدك في ايدي واوعي تبعدي عني خطوة واحده، أحسن لك!!، نظرت اليه بنصف عين واجابت بابتسامة بريئة زائفة:
– أنا!، معقول!، لا لا لا … اوعي تفتكرني صح!، ياللا بقه علشان عاوزة اقعد مع اخواتك شوية مالحقتش اتعرف بيهم، قال بنزق :
– يا سلام، وانا ايه ان شاء الله؟، فوق البيعة!…
زفرت منة ثم نظرت اليه وقالت مهادنة كمن تحايل طفلا صغيرا بدلال أسره حتى كاد أن يفقده صوابه:
– انت الكل في الكل طبعا، انت مش عارف كدا ولا إيه؟، هما اخواتك وانا علشان كدا يهمني علاقتي بيهم تبقى كويسة، ياللا بينا بقه؟!..، ومنحته ابتسامة جعلته يتيه بين رسم شفتيها الشهيتين يكاد يضرب بعرض الحائط بأي آداب أو سلوك فيسحبها اليها ساحقا ابتسامتها المغرية بشفتيه النهمتين لها!!
تسمر سيف في مكانه فنادى احمد الواقف بعيدا عنهما امام الباب:
– يا هووو، أخينا،… ثم مال برأسه الى شقيقته الواقفة تطالع سيف وتقطيبة خفيفة تعتلي جبينها :
– ماله دا؟، انت عملتِ فيه ايه؟..
هتفت منة بتلقائية:
– وربنا ما عملت حاجه، هو اللي إتْسَلْوَحْ لوحده كدا!!….
فيما صوت منة الرقيق الهامس كالبلبل المغرد يتردد في أذنيه وهي تتدلل عليه لأول مرة بينما استعاد مذاق شفتيها الشهي الذي يكاد يفتك به شوقا اليها ليعيد الكرّة مرات ومرات!!…
انتبه من شروده على وقفتهما المتسائلة، سعل قليلا ثم اتجه اليها محيطا خصرها بذراعه وسط تعبير شديد الجدية وتقدم أحمد جاذبا منة وهو يقول وسط دهشتهما:
– ورايا يا احمد، عاوزين نقعد مع الناس شوية، مش معقولة كدا، ايه نازل رغي رغي رغي… ارحمنا!!، وسار هو ومنة متجهين الى الخارج بينما يتابعه احمد بعينيه المذهولتين وهو يشير الى نفسه متسائلا في دهشة:
– أنا؟!…..
**************************************************
بدلت منة ثيابها وخلدت الى الفراش طلبا للنوم الذي خاصم جفنيها، فكلما أغلقت عينيها تتراءى لها صورة سيف، وتستعيد ما حدث هذه الليلة، وقد تحسست بأصابعها شفتيها أكثر من مرة متذكرة قبلاته اللاهبة وحرارة أنفاسه التي كادت تذهب بعقلها!، لم تكن تتصور في أكثر خيالاتها جموحا أن مذاق قبلتهما الأولى سيكون كالعسل اللاذع!، فهي حلوة كمذاق العسل، ولكنها تترك أثرا حارقا فوق الشفاه كلذعة العسل الخام!، ارتسمت ابتسامة على شفتيها الحمراوين عندما تذكرت تقاعس سيف على اللحاق بوالده وذلك عندما أبدى أهله استعدادهم للانصراف مما جعل والده يتندر قائلا بتساؤل مفتعل:
– إيه رأيك ناخد منة معانا؟، ما هو انت شكلك إكده مش هتتعتع من مُطرحك واصل!!…، لينفجر الجميع بالضحك مما اضطره للانصراف ملقيا بنظرات ولهة اليها وهو يتمتم في اذنها بكلمات دغدغت احاسيسها الفتيّة:
– اوعي تنامي، هسهر معاكي لوش الصبح، حقي بقه، انا ماصدقت…..
انتبهت من شرودها على رنين جرس المحمول بجانبها، مدت يدها ليطالعها اسمه، اجابت مبتسمة بهمس :
– مجنون!، معقول مانمتش لغاية دلوقتي؟..
اعتدل سيف في رقدته فوق فراشه وقال بصوت داعب أذنيها:
– أنا قلت لك هكلمك يبقى هكلمك، بس اعمل ايه في التحقيق اللي اتعمل لي من أخواتى ، قلتوا ايه، عملتوا ايه، عروستك زي القمر..، ما سابونيش الا لما قلت لهم ناموا علشان هتسافروا الصبح بدري، اجوازهم دخلوا ناموا وسابوهم لي هما واولادهم، كنت تشوفيهم تقولي سيرك قومي فتح جوة بيتي!!..
انفرجت منة بالضحك، وعقبت على حديثه من بين ضحكاتها:
– حرام عليك يا سيف، دا جزاتهم انهم فرحانين بيك؟!..
تنهد سيف عميقا وقال وهو يمرر أصابعه القوية السمراء بين خصلات شعره فيشعثها بينما شعر بنغزات من الشوق اليها ما ان تناهى الى سمعه صوت ضحكاتها الخلابة وشرد فيما حدث بينهما عندما كادت أن تذوب بين يديه كقطعة السكر، قال زافرا بعمق:
– بقولك ايه… هنبتديها كدا؟!، مش كويس… للصحة العامة على الأقل!!..
قطبت منة واستفهمت بابتسامة حائرة:
– يعني ايه؟، مش فاهمه!!..
اطلق ضحكة عميقة وأجاب:
– هفهمك يا مُنايا، بس لما اشوفك… فيس تو فيس يعني، أصل الموضوع دا بالذات ما ينفعش يتشرح شفوي لاااااازم تحريري!!..
استمرت المكالمة بينهما لما يقرب من ساعتين، حتى طالعت منة ساعتها الموضوعه فوق الجارور بجوار فراشها فهتفت قائلة:
– سيف احنا بئالنا ساعتين واكتر بنتكلم، ياللا علشان نعرف ننام شوية قبل ما نصحى نصلي الفجر، ثم سألت مقطبة:
– انت بتصحي تصلي الفجر يا سيف طبعا مش كدا؟، ولا من اللي بيروح عليه نومة ويقول هبقى أصليه صبح ويعمل نفسه مش سامع حاجة؟!..
أجاب بصوته الرخيم:
– لا طبعا يا قلب سيف، بصلّيه وفي المسجد كمان، بس انا بقه من انهرده هبطّل أظبط المنبه، عاوزك انت اللي تصحيني، عاوز أصحى على صوتك!!،
قضمت شفتها السفلى بأسنانها اللؤلؤية وقالت بخفر:
– حاضر، تصبح على خير..
هتف قبل ان تنهي المكالمة:
– استني استني، مش هتقوليها بقه؟.
سألت بحيرة:
– هي ايه دي اللي اقولها؟..
أجاب بخبث:
– حبيبي؟؟..، نفسي أسمعها من بين شفايفك اللي مش هيخلوني أعرف أنام دول!!،،،
تصنعت الغضب وهتفت بجدية مصطنعه:
– سيف؟، اجابها هائما:
– نعم، يا قلب سيف…
قالت بلهجة العالم ببواطن الامور:
– انت وقح!، فتح سيف عينيه على وسعيهما وقد فارقته حالة الهيام التى أصابته وقبل ان يجيبها تابعت بجدية مزيفة:
– دي مش شتيمة حضرتك!، لأ…. دا اكتشاف!، وأدي أول اكتشاف اكتشفته ولسه مكملناش يوم مع بعض، سيف…. نام يا سيف علشان شكلك هيّست!!…
قضم سيف شفته وقال بصوت خافت:
– ما هو المشكلة في نام دي!، انا لو نمت هحلم احلام هصحى منها تعبان انا عارف!!….
قطبت منة حائرة وما لبث أن أشرق عقلها بالفهم فهتفت بقوة هذه المرة قبل ان تغلق الهاتف في وجهه:
– قليل الأدب….، لتغلق الهاتف بقوة ، بينما رنت ضحكات سيف وقال وهو يطالع محموله:
– مجنونة…، بس بمووت فيكي…..
وزفر بعمق قبل ان يضع هاتفه جانبا ويغلق جفونه ليستسلم للنوم محتضنا الوسادة بين يديه وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة من نال غايته بعد طول انتظار…..

رواية ” جوازة نت” للكاتبة “منى لطفى” الحلقة السابعة”
وأنا آسفة يا سيف، مش مقتنعه، وبالتالي مش موافقة على بتقوله!….
زفر سيف في ضيق ورمى برأسه الى الوراء مغمضا عينيه، ثم مسح على وجهه بيديه، وانتظر هنيهة قبل ان يعتدل في وقفته، ناظرا اليها بعمق وقد قرر ان يغير من طريقته فمنة كما يعلم لا تأتي بالعناد أو بالأمر أبدا…
اقترب منها بضعة خطوات ثم وقف على مقربة منها بينما تراقبه بعينين حذرتين، أجابها محاولا الهدوء قدر المستطاع:
– ممكن أفهم ايه اللي مش عجبك في كلامي؟، انى مش عاوزك تبعدي عني؟!، ولا لأني عاوز أكون معاكي في أي مكان بتروحيه؟، ثم تقدم خطوتين أخرتين فكان على بعد أنشات قليلة منها وهو يتابع بلهجة أشعرتها بأنها مذنبه في حقه:
– ولا مش هيكون مُرحَّب بيَّا عند خالتك؟..
رفعت منة عينيها اليه وقالت نافية بقوة:
– لا طبعا!، انت عارف ومتأكد أوي انك مرحب بيك عند أي حد من عيلتي، كل الموضوع ان خالتو تعبانه شوية وماما مسافرة تشوفها، وانا عاوزة أشوفها، خالتو دي أنا متربية في حِجرها زي ما بيقولوا تقريبا، فطبيعي أنى لما أعرف انها وقعت ورجليها اتشرخت واتجبست كمان إني ما أهزش أكتافي واقول يا …. حرام وربنا يشفيها وخلصت!!…
مال سيف ناحيتها وقال بقوة:
– وأنا مش فاهم انت ليه رافضة اني اروح معاكي انت وطنط؟، احنا هنروح سوا بعربيتي هنقضي اليوم مع خالتك ونرجع، فين المشكلة مش فاهم أنا لغاية دلوقتي؟، مش أحسن ما تسافروا في القطر لان باباكي عنده شغل وأحمد مش هيقدر يوديكوا علشان المشروع اللي لازم يسلمه للعميل اللي معاد تسليمه قرّب ومش هيعرف يروح هنا ولا هنا لغاية ما يخلصه؟!..
زفرت منة بيأس، لا تعلم كيف تقنعه دون أن تفصح له عن السبب الرئيسي الذي يجعلها ترفض وبإصرار مرافقته لها هي وأمها، كما لا تريد أن يعلو صوتهما فيسمع والدها ووالدتها الجالسيْن في الصالة الخارجية بينما تجلس معه في غرفة الجلوس بمفردهما، وقد تركاهما بعد أن جلسا قليلا الى سيف يتبادلان معه الاحاديث الخفيفة حتى ظهرت منة بطلّتها الملائكية وفستانها الحريري الهفهاف الذي يتطاير حولها عند كل حركة منها وقد أسدلت شعرها بناءا على نصيحة أمها والتي نصحتها بها ثاني يوم عقد القرآن، فهو قد غدا زوجها، ولا بد أن تتزين له، فتركت خصلاته تلاعب وجنتيها وتنسدل حتى نهاية خصرها، واكتفت بوضع ملع شفاه كعادتها وأيضا كالعادة اعترضت والدتها على عدم وضعها للزينة لدى رؤيتها لزوجها، ولكنها لم تأبه لاعتراضها وقالت بلامبالاة:
– يحمد ربنا انى بدخل بشعري، وبعدين انا عاوزة اعرف ما انا بشوفه في المكتب عادي، ليه بقه كل ما ييجي لازم الوصايا العشر دي، اللي يسمعك يا أم منة يقول انى مش بشوفه غير جمعه في الشهر!!..، قرصت أمها أذنها وزجرتها قائلة وسط تأوهات منة ألما :
– انا عاوزة أعرف…إنت مش هتبطلي لماضة ابدا؟، نهايته اتفضلي اخلصي جوزك مستني في الصالون وبابكي قاعد معاه، احمد اخوكي مش موجود كالعادة، شبه بيبات في الشغل علشان المشروع اللي في ايده، ياللا خلصي عيب الراجل يقعد مستني أكتر من كدا..
وانصرفت تاركة منة وهى تتأفف من أوامر والدتها وكأنه هو ابنها وهي زوجة ولدها!!….
انتبهت منة الى سيف الذي يقف في انتظار إجابة شافية لسؤاله عن عدم رغبتها لاصطحابه لهما، ابتلعت ريقها وترددت أولا قبل ان تشد قامتها وتلقي بقنبلتها دفعة واحده:
– علشان احنا مش هنروح ونرجع في نفس اليوم!….
سكت سيف قليلا وهو يطالعها بغرابة ثم اقترب منها حتى غدا وجهه على بعد بوصات قليلة من وجهها وكرر كلامها بحيرة وهو مقطب جبينه في تساؤل:
– مش ايه؟، مش هترجعوا في نفس اليوم؟، ازاي يعني؟؟…
جذبت منة نفسا في عمق واجابت وهى تنظر اليه محاولة التسلح بالقوة والهدوء:
– ماما هتقعد مع طنط سهام يومين علشان رانيا مسافرة مع جوزها، وهترجع من السفر بعد يومين ان شاء الله، وماما هتفضل هناك لغاية ما رانيا ترجع بالسلامة علشان تقعد مع مامتها، ما ينفعش طبعا ماما تسيب طنط سهام وهى بالحالة دي، وعمّو شوقي مش عارف يعمل حاجه هو ونادر، وكل واحد فيهم في شغله ، عمو شوقي أخد اجازة يومين لكن مش هيعرف ياخد اجازات تانية، ونادر مشغول في مكتب السياحة اللي هو بيديره، وبردو مش هيعرف يتصرف، وماما أختها الوحيدة فماينفعش طبعا تسيبها لوحدها في الظروف دي، وبردو ماينفعش طنط تيجي تقعد معانا، عمو شوقي رافض، وهي كلها يومين ورانيا ترجع بالسلامة، عرفت ليه بقه مش عاوزاك تيجي؟!، لان المشوار هيبقى تعب ع الفاضي بالنسبة لك وخلاص…
سأل سيف بهدوء بينما برقت عيناه بغموض لا تدري لما أصابها بالقشعريرة في أنحاء جسدها:
– إمممم، وانت هتقعدي مع مامتك اليومين دول على كدا؟،
أجابت منة بتلقائية:
– آه…، صمت سيف لثوان ثم قال بهدوء ينذر بهبوب العاصفة:
– وشغلك؟،.. اجابت منة بطريقة عفوية:
– اعتقد يومين مش هيفرقوا كتير ، خصوصا ان معظم شغلي فنّشته تقريبا، والباقي هاخده أشتغل عليه وانا هناك….
سأل سيف بذات بروده القاتل:
– امممم، انت على كدا مرتبة كل حاجه أهو!، وكنت هتقوليلي أمتى ان شاء الله انك ناوية تروحي تقعدي يومين عند خالتك مش يوم صد… رد…، زي ما كنت فاهم؟!…
زفرت منة بعمق ونظرت اليه محاولة التحلي بالهدوء الذي لا تشعر بذرة منه بداخلها، فهي تشعر كما المتهم الذي يُحقق معه بينما هو يحاول أن ينفي عن نفسه تهمة لا يعلمها!، قالت بهدوء:
– سيف الموضوع مش مستاهل دا كله، من الآخر…انا كنت هقولك اكيد بس…، ليقاطعها قابضا على مرفقها بقوة آلمتها وأدهشتها في ذات الوقت وهو يتحدث بغضب حاد من بين أسنانه:
– بس ايه يا هانم؟، كنت هتقوليلي وانت هناك صح؟، هتحطيني قودام الأمر الواقع يعني!….، قطبت منة وأجابت وهو تحاول جذب مرفقها من قبضته ولكن دون جدوى:
– سيف أعتقد انه لو الموضوع فيه حاجه غلط ماكانش بابا وافق انى أروح مع ماما واقعد معاها هناك، فلو سمحت بلاش الطريقة دي لانك عارف كويس اووي اني مابحبش كدا، وشيل ايدك علشان صوتنا ما يعلاش أكتر من كدا وبابا وماما يسمعونا….
بدلا من تركها أمسك بمرفقها الآخر وجذبها ناحيته حتى ضربت أنفاسه الساخنة صفحة وجهها المرمري، وقال بعنف واضح:
– انا جوزك يا هانم، عارفة يعني ايه ج و ز ك ( ونطق كل حرف مشددا عليه)، يعني أنا المفروض اني اعرف من الاول، مش تحصيل حاصل، وبعدين أنا رافض انك تقعدي هناك، عاوزة تسافري يبقى رجلي على رجلك، نروح سوا ونرجع سوا، لكن تقعدي هناك ولو يوم واحد من غيري …. لأ ، وبعدين انا مستغرب مش ابن خالتك عايش معهم هناك، ازاي والدك يرضى بحاجه زي كدا؟!..، قالت منة وهى تحرك رأسها بقوة يمينا ويسارا ولم تعلم أي صورة جذابة رسمتها امام عينيه بخصلات شعرها الثائرة حولها وعينيها اللتان تلمعان ببريق الشراسة والعنفوان، وقد طغى اللون الاحمر على وجهها حنقا وغضبا ، قالت دون أن تعي تغيّر تعبيرات سيف وهو يجذبها اليه بخفة تنافي قوة قبضته لمرفقيها:
– أولا انا مش رايحه لوحدي، تاني حاجه… نادر عايش في شقة لوحده، جنب شقة خالتي لكن عايش لوحده من فترة طويلة اوي، تالت حاجه بقه ودا المهم.. انا ارفض طريقة كلامك دي، كلامك فيه تلميح أنا ما أقبلوش، واعتقد أن بابا هو اللي مسؤول عني لغاية دلوقتي حتى لو كاتبين الكتاب، وانا أرفض انك تشكك في رأي لبابا بالشكل دا….، أجاب سيف بصوت متحشرج من شدة الانفعالات التي تمور بداخله:
– وانا ما غلطتش لما خفت عليكي، انت مراتي يا منة، عارفة يعني ايه مراتي؟!، اول ما قلتيلي انك ناوية تقعدي مع مامتك ما درتش بنفسي، ليه خبيتي عليا، كنت هتمشِّي سياسة الامر الواقع؟، دا اللي اتفقنا عليه من اول يوم ؟، احنا مش اتفقنا ان ماحدش فينا يخبي حاجه ع التاني؟، ليه ما صارحتنيش من الاول؟، علشان كدا لما عرفت النار… ولّعت فيّا، خصوصا ان ابن خالتك عازب، انا عارف تربيتك طبعا وواثق فيكي، لكن حقّي اني أغير، ليه يا منة ما صارحتنيش من الاول؟..
ابتلعت منة ريقها وقالت وقد بدأ الشعور بالذنب ينخر قلبها، بينما يراقب هو شفتيها ونار من نوع آخر تسري في جسده، نار التوق للنهل من رحيق شهدها:
– أنا … انا عارفة انى المفروض كنت اقولك من الأول، لكن بابا وافق، ولو كان الموضوع فيه حاجه اكيد كان هيرفض، وبعدين بصراحه يا سيف انت محبِّكها اوي، مش بتتفاهم، من يوم كتب كتابنا لما شوفت نادر وانت كل ما تيجي سيرته تتغير وأحس انك عصبي شوية، دا غير التحقيق اللي فتحتهولي من فترة عنه وعن سنه وشغلته وأسئلة مالهاش أول من آخر، وانا مش عارفة بالظبط ايه اللي قالقك من نادر، نادر دا زي أحمد بالظبط، انسان في منتهى الاحترام و….، ليجذبها سيف بقوة الى أحضانه فتسقط بين ذراعيه ويرتطم رأسها بعضلات صدره القوية، فتأوهت دهشة وألما بينما يعتصرها بقوة آلمتها وهو يقول بشراسة من بين خصلات شعرها:
– بس هو مش أحمد أخوكي!، رفعت عيناها في ذهول لتطالعه فاصطدمتا بفحم عينيه المشتعل، تكاد تقسم أنها رأت رؤوس ألسنة اللهب وهي تتراقص متصاعدة بين مقلتيه، فغرت فاها دهشة فيما أحكم سيف قبضته بيديه الخشنتين حول وجهها الفاتن وهمس بالقرب من شفتيها بصوت أجش محمل برغبة دفينة في زرعها بين أضلعه:
– ما تلومنيش يا منة، أنا بحبك جدا، وبغير عليكي جدا جدا، واحساسي انك بتخبي عليا حاجه بيجنني جدا، ما تقدريش تقولي ان غيرتي دي مش في محلها، اللي بيحب بيغير يا منة، لو مش بغير عليكي أبقى حاجه من اتنين يا أنا مش راجل كفاية أو أني مش بحبك ، والاتنين أنا بريء منهم، حاولت منة الابتعاد عن ذراعيه والفكاك من قبضة يديه لوجهها وهى تتحدث بتلعثم :
– ايوة بس كلامك فيه نبرة شك مش غيرة وانا…، ليقاطعها وهو يقرب وجهها اليه مررا ابهامه على تقاطيعه الفتيّة الساحرة حتى توقفت فوق ثغرها المكتنز الشهي راسما تفاصيله وهو يقول بصوت خشن خافت بينما نيران الشوق تستعر في عروقه:
– عمري ما أِشك فيكي يا منايا ، أنا…، ولم يستطع الصبر أكثر من ذلك ليتناول شفتيها في قبلة ملتهبة مفرغا فيها كل شوقه وحبه وغيرته، حاولت الفكاك منه باديء الأمر، ولكنها فشلت، لتستسلم بعد ذلك الى حنان ذراعيه فتلتف ذراعيها مطوقة رقبته مبادلة اياه عناقه بكل الحب الذي فجّره سيف في أعماق قلبها…
بعد فترة لا يعلما مُدّتها ، اضطر سيف للابتعاد عنها عندما شعر بحاجتهما للهواء، قبّلها بعمق فوق قمة رأسها وقال وهويلهث بصوت متطلب متملك:
– وافقي يا منة اننا نقدم الفرح، احنا بئالنا اسبوعين تقريبا مكتوب كتابنا، وافقي اننا نتجوز آخر الشهر!!،،،،
ابتسمت منة وقالت بينما لم تستطع الابتعاد عنه قدر أنملة فهو يحتضنها بشدة كالطفل المتشبث بأمه:
– انت مجنون!، آخر الشهر يعني بعد اسبوعين تقريبا!، لا… ما ينفعش!!، زفر سيف بحنق وقال وهو يبعدها عنه قليلا ليستطيع رؤية وجهها الذي طالعه بنظرات أخذت بلبّه وعقله على حد سواء:
– مين فينا اللي مجنون دلوقتي؟، بصي… هي كلمة واحدة… فرحنا بعد شهر من دلوقتي، جهزي كل اللي انت عاوزاه في الشهر دا، أنا لو عليا عاوزك بشنطة هدومك، ثم غمزها متابعا بخبث:
– ومن غير شنطة هدومك خالص.. يبقى أحسن!!، ضربته بقوة بقبضتها اليمنى الصغيرة على صدره فتأوه بألم مفتعل بينما شتمته من بين أسنانها محاولة الفكاك من قبضته لخصرها الدقيق الذي يُفقده عقله كلما أمسك به بين يديه:
– إنت وقح وقليل الأدب، وانا مش هتكلم معاك تاني، وعلشان تبقى عارف طول ما انت كدا يبقى الفرح ولا.. سنة من دلوقتي!!
قال سيف برنة ضحكة واضحة في صوته:
– لا لا لا..، ومين اللي هيوافق على الجنان دا ان شاء الله؟، بُصّي… أبسط حاجه هعملها انى هخدك زي ما انت!، واقول لعمي معلهش يا عمي مقدرناش نصبر!، وانت كدا كدا مراتي شرعي، علشان أوريكي بجد قلة الأدب والوقاحة عاملين ازاي؟!، وما اعتقدش باباكي بعد كدا هيعترض!، هيسمّعنا كلمتين في العضم واحمد اخوكي ممكن ايده تعلِّم على وشِّي لكن مش مهم، كله فداكي حبيبتي!!،….
هتفت منة وقد كاد وجهها ان ينفجر من شدة الاحمرار خجلا و….غضبا من هذا الوقح المتبجح:
– سيف… انا مش بهزر دلوقتي!،…. أجاب سيف ببرود ظاهري بينما أدحض جميع محاولاتها للإفلات منه:
– ولا أنا يا مُنايا،ها….هكلّم عمي انهرده ان فرحنا بعد شهر من دلوقتي، ولو على القاعه انا اعرف مديرين فنادق خمس نجوم هيساعدونى في الموضوع دا، اما الشقة فيوم واحد ننزل نختار العفش، بس طبعا حضرتك لازم تيجي تشوفي الشقة علشان تحددي مقاسات الأوض، وجهازك انت بقه… ماليش فيه، اللي تجيبيه هاتيه والباقي واحنا مع بعض، ها… قلتي ايه؟؟،… حاولت منة المماطلة وقالت بتلكؤ:
– طيب نتفاهم..، ليقاطعها سيف محركا رأسه يمينا ويسارا رافضا وبشدة وهو يقول بجدية مفتعلة:
– أبدا، ولا لحظة تفاهم، اللي عندي قلته، عاوزة فرح وافقي بعد شهر، مش هتوافقي يبقى هنتجوز ومن غير فرح….اختاري!!، ضربته بقوة وقالت بحنق من بين أسنانها:
– انت بايخ بجد، موافقة…..، هتف سيف وهو يبتعد عنها غير مصدق أذنيه :
– بجد يا منة؟، لم يمهلها الرد عليه وامسك بيدها واندفع خارجا وهو ينادي قائلا:
– عمي…، عاوزك ضروري، لتهتف منة بحنق من بين أسنانها بصوت منخفض وهي تحاول ايقافه:
– يا مجنون يا ابن المجانين!!..استنى لما أكمل كلامي الأول!!، ولكنه لم يأبه لمحاولاتها واندفع خارجا بسرعة جاذبا منة معه وما ان وقف أمام والديْها حتى تحدث عبدالعظيم مبتسما وهو يقول:
– خير يا سيف يا بني؟…. همّ سيف بالكلام عندما جذبت منة يده هامسة له :
– بس بشرط يا كابتن!، هسافر مع ماما بكرة لوحدنا زي ما كنا مخططين، ايه رأيك؟؟. تطلع اليها سيف بنصف عين وقال قبل ان يلتفت الى عمه المتابع للحوار الدائر أمامه بابتسامة أبوية ونظرة تساؤل، قال سيف بهدوء ظاهري بينما يود مسح ابتسامة الاستفزاز والتحد التي ارتسمت على شفتيها بعناق ساحق يخطف أنفاسها:
– ماشي يا مُنايا، موافق!!…
*************************************************
سافرت منة برفقة والدتها الى الأسكندرية وكان في انتظارهما في محطة القطار نادر الذي أَقلّهما الى الشقة السكنية التي تقيم بها عائلته، تجاذب أطراف الحديث مع منة وخالته التي أشفقت عليه في نفسها فهي تعلم أن أمنيته كانت ارتباطه بمنة ابنتها، ودعت الله له في سرها أن يعوّضه عنها بالزوجة الصالحة….
أحرق سيف هاتف منة اتصالات طوال هذيْن اليومين، لم تكن تمر ساعة من نهار أو ليل إلّا ويهاتفها فيها… حتى أصبحا مادة للتندر والسخرية بين أمها وخالتها، بينما كان نادر الذي قلّ تواجده أثناء مكوثهما لدى عائلته عندما يصدف ويتواجد أثناء ورود إتصالاً من سيف، كانت عيناه تلمع بغموض وترتسم ابتسامة صغيرة على شفتيه، لم يتعرّض لأمر خطوبتها من سيف الا مرة واحده في أول يوم لهما اذ قال في معرض الحديث:
– وإنت عاملة ايه يا منة؟، مبسوطة مع خطيبك؟، أجابت منة بتلقائية ذبحته من الوريد الى الوريد وهو يرى أبتسامتها المشرقة التي أنارت وجهها ما إن أتى على ذكر خطيبها:
– الحمدلله يا نادر، بجد سيف انسان ممتاز، ياللا انت كمان شد حيلك عاوزين نفرح بيك…، لتنغلق تعابير وجهه ما إن ألقت على مسامعه بعبارتها الأخيرة، فشعرت بتراجعه فورا، الأمر الذي تعجبت له، ومنذ ذلك الوقت لم يحضر نادر لزيارة عائلته إلاّ لماماً متذرعا بكثر العمل!!…
– يا سيف يا حبيبي قلت لك بإذن الله راجعين بكرة إن شاء الله،…، أومأت برأسها إيجابا وكأنه يستطيع رؤيتها وتابعت وكأنها تهادن طفلا صغير:
– حاضر يا سيف، واحنا في القطر هكلمك،..استمعت قليلا ثم أجابت بسخرية ضاحكة:
– يعني ايه مين اللي هيوصلنا المحطة دي؟، أكيد نادر طبعا!…، أبعدت هاتفها المحمول عن أذنها قليلا وهى تُجعّد تعابير وجهها لصوته العالي ، وانتظرت الى أن هدأ ثم تحدثت بهدوء قائلة:
– خلاص، خَلّصت!، بكرة بإذن الله هناخد قطر 7 الصبح، رانيا هتوصل انهرده بالليل ان شاء الله، أشوفك على خير… سلام، وأغلقت الهاتف من فورها وهى تزفر متأففة بحنق هاتفة بصوت منخفض مسموع:
– أووووف، مجنون!،انا متجوزة واحد مجنون!، ثم أشرق وجهها بابتسامة عريضة وهي تتابع قائلة:
– بس بموت في جنانه، وإن شاء الله شفاك على إيديا يا سيف يا ابن أم سيف!!…
*************************************************

الحلقة السابعة”ج2

في الصباح الباكر إستقلت منة ووالدتها القطار في طريق عودتهما، وأرسلت منة رسالة قصيرة الى سيف تبلغه فيها بركوبهما القطار كما طلب منها، ثم أغلقت هاتفها، رافضة التحدث اليه، فقد آن الأوان لسيف عبدالهادي بأن يعلم بعض الأمور الهامة عن منة عبدالعظيم وأوّلها….. أن لا يحاصرها كمحاصرة الدجاجة بغرض الإمساك بها!، وطالما قد حُدّد معاد الفرح، فلا بد لهما من إرساء قواعد للتعامل في حياتهما المقبلة، كي لا يصطدما في أول حياتهما سوية، غيرته القويـَّة مع…عنادهـا الشديييد!!..
كان سيف في انتظارهما في محطة وصول القطار، تفاجئت منة بوجوده، بعد أن تبادل السلام والتحية معهما ، قام بوضع حقيبتيهما في حقيبة سيارته ثم فتح الباب الأمامي لأم منة والتي قالت متطلعة الى منة بابتسامة:
– لا.. دا.. مكان مراتك هي اللي تقعد جنبك، أنا هقعد ورا،…لتسارع منة بالركوب في الخلف وهى تقول:
– بقولك ايه يا ماما، انت رجليكي وجعاكي، اركبي يا ماما اركبي، بلا.. مراتك،… حماتَك.. هي اللي تقعد قودام!!، ناظرة اليه بتحد جعله يكتم لعنة كادت تفلت من بين شفتيه، صعدت أم منة الى السيارة، ونظرت الى سيف الذي يكاد يستشيط غيظا ولكن كبت غيظه بابتسامة مرسومة مزيفة، وصعد هو الآخر الى مقعد السائق، وانطلق سيف محركا السيارة باتجاه منزل منة…
لم تلتفت منة اليه طوال الطريق، وكانت لا.. تشارك في الحديث الدائر بينه وبين والدتها الا اذا وجّه أحدهما اليها سؤالا، فقد تذرّعت برغبتها بالنوم، وألقت برأسها الى مسند المقعد خلفها، مغمضة عينيها، لترحل بالفعل في سبات عميق، فهي لم تذق النوم بالأمس، حيث خاصم النوم جفنيها، وظلت ساهرة تفكّر في حياتها المقبلة مع سيف، وكيف تُحِد من غيرته الجنونية وحب التملك القوي لديه، بينما طالعها سيف في مرآة السيارة الخلفية بنظرات متوعدة لتجاهلها له منذ مكالمتهما الهاتفية آخر مرة!!….
شعرت منة بشيء يداعب بشرتها الحليبية، فأزاحته بيدها جانبا وهي تأفف من تلك الحشرة المزعجة التي أقلقت نومها!، ليعود ذاك الشيء لمضايقتها ثانية وبإلحاح مستفز!،….. رمشت منة بعينيها وهى تتذمر قائلة باعتراض واهن أضعف من مقاومة ذاك المتواجد بالقرب منها مطالعا إياها وكأنها الأميرة النائمة متلهفا لإيقاظها بقبلة!، همست بصوت ضعيف:
– يوووه، هش.. هش،… لتدغدغ أذنيها ضحكة رجولية خشنة، فتحت منة عينيها دهشة، ليقعا على عينين في لون الليل البهيم يطالعانها بشغف جعل الدم يسيل في أوردتها كالعسل الدافيء، ولم تلبث أن انتبهت لتواجدها في سيارة سيف القابع امامها يداعبها بعينيه، اعتدلت في جلستها ونظرت حولها قبل أن تستفسر وعيناها تفتشان هنا وهناك عن والدتها:
– ايه دا.. احنا وصلنا البيت؟،…، ثم طالعته بإتهام يموُر في عينيها اللوزتيْن وتابعت بلهجة لوْم:
– ما صحتنيش ليه؟،… انتبهت الى المنديل الورقي الذي يحمله بيده فضيّقت عينيها مواصلة هجومها:
– آه، كان حلو انك تضايقني رايح جاي بالمنديل على وشّي صح؟، كان عجبك الموضوع مش كدا؟…
أجابها سيف وهو على وضعه المائل ناحيتها حيث كان نصف جسده داخل السيارة والنصف الآخر خارجها، فهو لم يستطع ايقاف نفسه وهو يراها تغط في سبات عميق، فساعد والدتها على الصعود الى أعلى قائلا لها أنه سيلحق بها جالبا حقائبهما بعد أن يوقظ منة، فانصرفت امها بهزة من رأسها مشددة عليه أنه سيتناول معهم طعام الغذاء….
أجاب سيف غامزا اياها بخبث:
– ما هو يا كدا، يا اما كنت هصحيكي تمام زي الاميرة النائمة!، وعلشان احنا في الشارع ما عملتهاش… أي نعم الشارع هادي ومحدش موجود دلوقتي لكن بردو، دا بدل ما تشكريني انى طلعت محترم وما انتهزتش الفرصة؟!، أجابت ساخرة بشُكر مزيّف:
– طاب يا سي… محترم!، ممكن تبعد بقه علشان أنزل؟!…، أجاب سيف ببراءة مزيفة:
– ما تنزلي، هو انا حايشك؟، ما انا بعيد أهو…، انا جيت جنبك؟، ولا هي تلاكيك وخلاص؟!..، مش فاهم أنا والله؟!..
سكتت منة ناظرة اليه بنصف عين وهي ترغي وتزبد بداخلها، ثم قالت بهدوء مصطنع من بين أسنانها المطبقة بقوة:
– هنزل، بس ابعد انت بس شوية، انا تخينة يا سيدي … قُلت ايه؟، مش عارفة أنزل من النص شبر دا؟،مشيرة الى المساحة الضيقة التى لا تمرر عصفورا بجانبه، …أطلق سيف ضحكة عميقة، وانتصب واقفا وهو يقول:
– ماشي يا منة هانم، اتفضلي يا دبدوبة التخينة!..، ما ان أفسح لها حتى خرجت مسرعة من السيارة، واعتدلت أمامه واقفة قائلة بحنق:
– ولما أنا دبدوبة التخينة اتجوزتني ليه؟، لم تترك له مجالا للرد وهمّت بالسير لتلتف يده حول معصمها جاذب إياها لتقف أمامه ووجهه على بعد بوصات قليلة منها وأجاب ونظراته تشيع الفوضى في جميع حواسها:
– علشان بحبك وبموت فيكي، تخينة بقه … رفيّعة،.. طويلة .. قصيّرة،… مش مهم!، المهم إنك منة حبيبتي وخلاص!!، إضطربت من نظراته المغازلة وابهامه الذي يداعب ظهر يدها مثيرا فيها أحاسيس شتى، وأجابت محاولة الهرب بنظراتها من أسر عينيه المشتعلتين:
– طيب، ممكن بقه أمشي؟، ماما اكيد مستغربة دلوقتي أحنا ليه ماحصلنهاش؟، قال سيف بابتسامة جانبية وهو مستمر في مداعبته ليدها الناعمة كيد مولود صغير:
– لا.. مامتك عارفة ان ورانا مشوار هنعمله الأول، على فكرة انا معزوم ع الغدا عندكم انهرده….
قطبت منة بحيرة سائلة:
– تشرّف، انما.. مشوار ايه؟!، وفين المشوار دا؟، أجاب سيف وهو يبتعد عنها ليفتح باب السيارة الامامي داعيا ايّاها للجلوس بجواره:
– هتعرفي دلوقتي، ممكن تدخلي بقه علشان نلحق مشوارنا، انا انهرده واخده اليوم كله أجازة علشان نخلص المُهِّمة دي!!..
انطلق سيف بالسيارة وبعد قليل أعادت منة سؤالها لسيف عن وجهتهما عندما أجابها بتلقائية:
– رايحين نشوف الشقة.. علشان ننزل نختار العفش!…
صمتت منة قليلا لتستوعب عبارته، ثم سألت بدهشة:
– شقة ايه؟،…، أجابها سيف وهو يلقي إليها بنظرة خاطفة قبل أن يعيد انتباهه الى الطريق:
– شقتنا يا مُنايا..هتكون شقة ايه يعني؟، شهقت منة واجابت:
– إيه؟، شقتنا!!… نروح نشوف شقتنا أنا وانت بس؟!!، وماما وافقت؟!،… قطب سيف واجاب بابتسامة حائرة وهو يسترق اليها النظر:
– آه وافقت!، ولعلمك أنا أخدت إذن عمي الأول كمان وهو موافق!، مستغربة ليه مش فاهم أنا!!!….،… أجابت منة بامتعاض واضح ولكن بجدية شديدة:
– علشان مينفعش!، سيف… ممكن تروّحني؟، أنا مش هشوف شقق معاك لوحدنا….
أوقف سيف سيارته فجأة لدرجة أن عجلاتها قد أصدرت صريرا عال وهو يضغط على مكابح السيارة بشدة حتى كادت منة أن تضرب برأسها في الزجاج الأمامي ولكن أنقذها حزام الأمان، نظرت اليه منة باستنكار تام وهمّت بالصراخ فيه عندما أوقفها تعبير وجهه السوداوي وهو يطالعها بنظرات غضب ناري يتصاعد بقوة بين فحم عينيه المشتعل وقال بصوت كالفحيح بينما ينفث نارا من فمه:
– نعم؟، سمّعيني تاني كدا؟، وكرر عبراتها التي أشعلت نيران غضبه :
– مش عاوزة تشوفي شقتك معايا لوحدنا؟….، لم يترك لها الفرصة للاجابة وبدلا من ذلك تابع بغضب شرس:
– ليه أن شاء الله؟، شايفاني أيه قودامك؟، باباكي ومامتك لو ما كانوش واثقين فيا ما كانوش وافقوا عليّا زوج لبنتهم من الأساس!!، عموما ولا يهمك يا منة…، وكما أوقف السيارة بغتة، أدار المحرك منطلقا بها بسرعة عالية ضاغطا بقوة على دواسة البنزين مما جعلها تتمسك بمقعدها جيدا وهى تختلس اليه النظرات برهبة، فهذا الوجه من سيف لم تختبره سابقا، كان سيف عاقدا لحاجبيه بقوة، ويعتلي وجهه تعبير غضب أسود لا يريد أيّ كان اختباره، عضّت منة طرف لسانها وقد شعرت بالذنب لإغضابه، ولكنها شعرت بالخجل والرهبة لانفرادهما تماما في منزله، وحاولت الحديث بتردد وخشيّة:
– سيف… سيف أرجوك ما تزعلش منّي، أنا..أنا.. ما كانش قصدي اللي فهمته..أنا…،…. لتقاطعها يده التي رفعها أمامها، آمراً اياها بالسكوت، وتحدث من دون أن يعيرها إلتفاتة وبجمود تام:
– خلاص يا منة… اقفلي ع الموضوع دا…، أجابت منة برجاء وقد بدأت الدموع تترقرق في مقلتيها :
– لأ.. مش خلاص يا سيف، مش عاوزاك تزعل مني، أنا…أنا…. آسفة يا سيف… آسفة، ليتهدج صوتها وقد غلبتها دموعها التي انهمرت كالسيل على وجنتيها المرمريتين، وهي تشهق بغصات بكاء حار جعلت سيف يرنو اليها بنظره، ليراها منهارة في نوبة بكاء حاد، أطلق شتيمة من بين أسنانه، ثم ألقى بنظره في المرآة الجانبية، قبل أن يعطي أشارة أنتظار، ليقف بالسيارة تماما الى جانب الطريق..
التفت اليها وقال عاقدا جبينه آمرا اياها بالتوقف عن البكاء:
– ممكن تبطلي عياط؟!، ، ثم باستخفاف وسخرية غير مقصودة تابع:
– مافيش حاجه حصلت للعياط دا كله!…، رفعت منة عينين سابحتين في بركة من الدموع وقالت بصوت متقطع من بين شهقات بكائها العنيفة وهى تمسح عينيها بظهر يدها فغدت كالطفلة الحزينة بعينيها الدامعتين:
– انت… انت … زعلان منّي، وأنا ..أنا آسفة..، ما اقصدش المعنى اللي جِه في بالك والله!..بس …أنا ..كنـ…كنت…، ،زمجر سيف حانقا وأحلّ حزام الأمان الخاص بالسائق وسط لعنة مكبوتة انطلقت بهمس منخفض من بين شفتيه المطبقتين ليجذبها بقوة بين أحضانه وهو يحل حزام الأمان الخاص بها ، وقد احتواها بقوة بين ذراعيه لتنخرط في نحيب حار يقطع نياط القلب بينما سيف يهدهدها مربتا على ظهرها وهو يهمس لها بكلمات صغيرة أن تكف عن البكاء، بعد فترة بدأت نوبة البكاء التي أصابت منة بالانحسار وان كانت لا تزال شهقاتها تنتابها بين لحظة وأخرى، انتظر سيف الى أن هدأت تماما ثم خاطبها بخفوت قائلا:
– خلاص .. هديتي؟،، لتوميء برأسها ايجابا، تناول سيف محرمة ورقية من صندوق المحارم أمامه، وناولها اياها ، تناولتها منة ومسحت وجهها الغارق في دموع الألم لإغضابها سيف، قالت منة وهى تطالعه بتوسل أن يفهمها:
– انا….آسفة يا سيف، ما قصدتش خالص المعنى اللي جِه في بالك انى مش واثقة فيك، كل الحكاية إني…، وأسدلت جفنيها خفرا متابعة:
– إني… مكسوفة،.. مش اكتر…،.. همّت ابتسامة حانية بشق طريقها الى وجه سيف، عندما انتبه فقال بعتاب وقد فارقه غضبه من هذه الطفلة القابعة أمامه في ثوب إمرأة فاتنة :
– وهي دي أول مرة نكون فيها لوحدنا؟، ما انا كل ما بزورك بقعد معاكي لوحدنا!!، قالت منة وهى تهرب بنظراتها جانبا قاضمة بأسنانها شفتها السفلى بتوتر كعادتها:
– بس…. بيكون ماما وبابا موجودين، لكن…..مش بنكون لوحدنا كدا…خالص…،، نهرها سيف بصوت أجش بينما عيناه تراقبان فمها المضطرب وأسنانها الصغيرة التي لا تزال تقضم شفتها المكتنزة:
– قلت لك 100 مرة قبل كدا بطّلي الحركة بتاعتك دي،.. رفعت عينيها بدهشة ناظرة إليه بحيرة وتساؤل عن مقصده بنظرات أخذت بقلبه، لم يمهلها الكلام فقد فرغ صبره ومال عليها متناولاً فمها في قبلة حارة عميقة وقد أثاره منظر شفتها السفلى المنتفخة من كثرة قضمها لها بأسنانها اللؤلؤية!!…..
تركها بعد فترة طويلة وهى تعبّ من الهواء، بينما احتضنها بشدة راغبا في دفنها بين أضلعه كي لا تبتعد عنه ثانية واحده، وتحدث بهمس أجش:
– أنا عايزك تكوني متأكده من حاجه واحده…، أبعدها عنه قليلا ناظرا الى عينيها الذابلتين لكثرة الدموع التي ذرفتها، بينما شفتيها متورّمتيْن تحملان أثر قبلاته اللاهبة لها وكأنه قد دمغهما بصك ملكيته الخاصة ، وتابع بهمس جاد:
– أنا مش ممكن أأذيكي، وهحميكي حتى من نفسي!، عهد عليّا يا مُنايا انى عمري ما هكون سبب لحزن يدخل قلبك ، أو دمعة أسف تنزل من عينيكي…، ابتسمت منة وهمست له بحب قبل أن تلقي بنفسها بين أحضانه الدافئة:
– وأنا مصدقاك، وواثقة فيك، وهمشي وراك وأنا مغمضة من غير خوف ولا قلق،…. ليحتويها بين ذراعيه وهو يسأل بمزح خفيف:
– أعتبر دا وعد؟….،… ابتسمت منة وأجابت دافنة وجهها في صدره العريض مستنشقة رائحة العطر الرجولي الخاص به الممتزج برائحته الخاصة والذي يداعب أحاسيسها بعبيره المثير الجذاب:
– وعد!!….
لتعلم خطأ وعدها ذلك بعد مدة قليلة ما أن دخلا منزل سيف لمعاينته!!،،،.. حيث أرهقها بالركض خلفها بين غُرف المنزل المختلفة، وهي تصرخ ضحكا وخوفا بينما يلاحقها من مكان الى مكان متوعدا إيّاها ما أن تقع في قبضته!!…
وقفت منة حول طاولة الطعام المستديرة وقد خلعت حجابها بناءا على طلبه ما ان دخلا الشقة كي تحرر شعرها قليلا فهي ترتدي الحجاب منذ ما يزيد عن ست ساعات، وقفت واضعة يديها حول خصرها تطالع سيف بنظرات حنق مفتعل، بينما يقف سيف على الناحية الأخرى من الطاولة يطالعها بنظرات خبث وابتسامة مكر تزين ثغره وسمعها تقول بنزق:
– بقولك ايه…. انا شفت الشقة كويس أووي، كفاية بقه..، خلينا نمشي!!، قال سيف بمكر وهو يحاورها محاولا التقدم اليها من ناحية اليمين لتتأهب متخذة وضع الاستعداد للفرار من الناحية الأخرى:
– لسّه أهم أوضة ما شوفتهاش….أوضة النوم !!، وانقض عليها لتطلق صرخة عالية وهى تهرب منه مجيبة:
– لا.. يا باش مهندس…شكرا، مين قالك إني هنام في أوضة؟، أنا هنام في الصالة حضرتك….، وركضت وسط صرخاتها الضاحكة، وهو يحاول الامساك بها، ركضت منة حيث غرفة الجلوس وقذفت حذائها الصيفي المسطّح جانبا من قدميها الصغيرتين، لتقفز فوق الآرائك المنتشرة بصورة عشوائية، ولم يكن سيف بأقل منها جنونا،فقام بنزع حذائه هو الآخرملاحقا لها بلا هوادة، حتى عثرت أثناء ركضها لتقع من فوق احدى الارائك على السجادة السمكية المفروشة فوق الآرض الخشبية، وهدأت واستكانت تماما!!، ما جعل سيف قلبه يقرع بخوف، وهو يتقدم منها وقد هوت على وجهها،..
قال وهو يمد يدا خائفة مزيحا الشعر المحيط بوجهها رافعا اياها قليلا مديرا لها ناحيته رافعا كتفها بذراعه وهو يناديها بقلق واضح:
– منة..، منة حبيبتي، طرق وجهها بخفة بأصابعه مواصلا ندائها بصوت أعلى قليلا ولكن بإلحاح قوي هذه المرة وهو يناشد عينيها المسبلتين أمامه بالنظر اليه:
– منة .. ردي عليا.. منة…، لتباغته بفتح عينيها فجأة والنظر اليه هاتفة بابتسامة مشاغبة:
– عاوووو!!، كاد سيف أن يخنقها قهرا وغيظا بينما احاطها بذراعه الآخر مكررا بنزق من بين أسنانه:
– عاوووو؟!، ضحكت منة وقالت وهى تعتدل في جلستها الشبه راقدة بين ذراعيه وسط ضحكتها العريضة الساخرة:
– عليك واحد….، قال سيف متمتما من بينى أسنانه وهو يشد عليها مقربا اياها منه:
– عليّا واحد!!، طيب….أنا بقه هورّيكي أزاي هيبقى عليكي إنتي.. واحد .. اتنين.. تلاته… أربعه!!!، قالت بضحك صاخب وهى تحاول الفكاك من أسر ذراعيه الفولاذيتين مديرة رأسها من جهة لأخرى:
– لا لا لا ..، سماح يا أهل السماح، عيّل وغلط، وانت الكبير يا كبير…،
أجاب سيف محاولا تقبيلها بينما تهرب من محاولاته باستبسال قوي:
– لا مين اللي قال كبير؟، أنا معاكي صغير وأعيَل منك كمان، ليقتنص شفتيها في قبلة حارة أودعها كل ما يعتمل في قلبه من مشاعر جيّاشة خاصة بها وحدها…
في وقت لاحق وأثناء تناولهما طعام الغذاء الذي ذهب سيف لشرائه بينما انشغلت منة بترتيب الفوضى التي أشاعاها أثناء لهوهما بالركض وراء بعضهما، وكان قد اعتذر لوالدتها عن تناول الغذاء لرغبته في دعوة منة لتناول الغذاء بالخارج، فقبلت والدتها اعتذاره ببهجة لكرم زوج ابنتها الواضح الذي لا تمر مناسبة الا وقد أحضر هدية لمنة أو دعاها لتناول الطعام خارجا، ولهث لسانها بالدعاء الى الله أن يحفظ عليهما سعادتهما وأن يتمم لهما زيجتهما على خير…
نظر اليها سيف في جلستهما المريحة على الأرض وصناديق البيتزا المفتوحة تفوح منها رائحتها الشهيّة بينما يتناولان قطع البيتزا الساخنة بشهيّة قوية، قال سيف باهتمام:
– ايه رأيك ننزل بكرة نشوف العفش؟… ابتعلت منة لقمتها وقالت وهى تنظر اليه بطبيعية بينما تمسح باصبعها فتات الطعام حول فمها:
– بكرة مش هينفع… خليها كمان يومين..، بكرة نشوى عاوزاني معاها..
قطب سيف ووضع باقي قطعة البيتزا في صندوقها الكرتوني أمامه وقال سائلا:
– نشوى عاوزاكي معاها؟، في حاجه ولا ايه؟، رفعت منة كتفيها علامة الجهل وأجابت ببراءة :
– معرفش، لكن قبل ما أسافر اسكندرية قالت لي انها عاوزاني في موضوع ووعدتها إني اول ما أرجع هفضى لها، وامبارح كلمتني ولما عرفت انى راجعه انهرده رتبت معايا معاد لبكرة…
سأل سيف بغموض وقد فقد شهيته للطعام تماما:
– هيبقى معاكى ايناس وسحر طبعا!!،
أجابت منة نافية ما جعل تقطيب سيف يشتد:
– لأ… انت عارف ان علاقة ايناس وسحر مع نشوى عادية، هي عاوزاني لوحدي!!..
أجاب سيف بحسم:
– منة أنا مش عاجبني الموضوع دا، من الآخر قلقان، انت شايفة طريقة نشوى متحررة أوي ازاي،.. أنا مش مرتاح لصداقتك معاها..
لم ترغب منة بالشجار مجددا وبدلا من ذلك حاولت تغيير الموضوع قائلة:
– ما تقلقش يا سيدي قال يا خبر بفلوس…، صحيح ما قلتلكش ان ايناس كلمت باباها ومامتها وهينزلوا في خلال أيام بعد ما أخدوا اجازة من المستشفى اللي هما شاغلين فيها في الخليج علشان احمد يتقدم لها رسمي؟، أشرقت أسارير سيف وعلّق قائلا:
– بجد؟، ممتاز…، بس غريبة أحمد ما قاليش يعني؟!،
لتطلق منة ضحكة مستمتعه وهى تقول ملاعبة حاجبيها بشقاوة محببة:
– لأنه لسه ميعرفش، ايناس لسه عارفة امبارح بس وانا أول واحده قالت لي، تقريبا هتلاقيها بلّغت هي أحمد انهرده وبما انك ما روحتش الشغل فماتعرفش….
انتبه سيف لرغبتها في تغيير موضوع نشوى فسايرها قائلا:
– احمد انسان ممتاز.. ايناس مش هتلاقي زيّه، ثم أكمل بغرور وثقة وهى يغمزها ضاحكا:
– تمام زيي كدا، انت كمان مش هتلاقي زيي، ولسبب بسيط جدا اني مش هديكي الفرصة انك توربي لا شمال ولا يمين!!…،نظرت اليه منة بسخط مفتعل وقالت وهى تقف:
– هه…. يا عم الغرور ارحمنا شوية، ياللا حضرتك تعالى ننضف مكاننا علشان تروحني، ولا انت خاطفني انهرده..
وقف سيف بجوارها ومال عليها قاضما شحمة أذنها بأسنانه المصفوفة بانتظام متقن:
– يا ريت بصراحه، نفسي أخطفك في مكان ما حدش يعرف لا يوصلك ولا يلمحك فيه حتى..
نظرت اليه منة مصطنعة الخوف قائلة:
– يا ماماااااا!!، وركضت وهى تحمل صندوقي البيتزا يلحقها سيف بأكواب المياه الغازية…
************************************************
– أنت بتقولي أيه يا نشوى؟، هتتجوزي فعلا؟!، …سألت منة نشوى الجالسةأمامها في هذا المطعم الشهير بوجباته السريعة والتي أجابتها والسعادة تطل من عينيها:
– آه يا منة، من فرحتي مش قادرة أصدق، انت أول واحده تعرف…
فرحت منة وقالت وهي تشد على يديها بسرور:
– ألف ألف مبروك يا شوشو حبيبتي، ثم ما لبثت أن انتبهت فقطبت قائلة والابتسامة لا تزال فوق شفتيها:
– انما أنا أول واحده اعرف ازاي؟، قصدك من وسط اصحابك يعني؟!، ما هو أكيد العريس اتقدم لباباكي وعيلتك عرفت مش كدا؟…
هزت نشوى برأسها يمينا ويسارا نافية وأجابت قائلة في برود ما ان أتت منة على ذكر والديها التي تتحدى إن علم أحدهما أين هي ابنتهما الآن وبرفقة مَنْ!، قالت نشوى بجمود تام:
– لا يا منة… أنت أول واحده من صحابي ومن…، وتابعت ساخرة:
– عيلتي الكريمة!!، هتفت منة بعدم تصديق:
– ازاي… دا؟!، أومال انتِ هتتجوزي ازاي من غير ما يتقدم لوالدك؟…
أجابت نشوى بحدة مكبوتة وقد بدأت واجهة البرود بالتصدع:
– من امتى عزيز بيه ودريّة هانم يهمهم يعرفوا حاجه عنّي!!، عزيز بيه في شغله وشركاته ومشاريعه، ودرية هانم بصحباتها والنادي اللي هي عضو في مجلس ادارته، والجمعية الخيرية اللي انتخبوها رئيسة ليها، انما أنا …، وابتسمت باستخفاف ونظرة حزن تظلل عينيها الجميلتين:
– أنا آخر واحده يفكروا فيها أو تيجي على بالهم، من وانا صغيرة…اهتموا انى اتعلم في أكبر مدارس وألبس أغلى لبس، وكل اللي عاوزاه قبل ما أطلبه ألاقيه الا حاجه واحده بس… حضن دافي من ماما وكلمة حنان من بابا، دا الشيء اللي للاسف مالهوش اعراب عندهم، تعرفي ان دادة سعاد هي اللي مربياني؟، وانها تعرف عني حاجات هما ما يعرفوهاش؟، في مرضي كانت هي اللي بتداويني وفي فرحى كانت بتزغرد وترقص، يوم ما اخدت #ثانوية_عامة كل اللي عملوه عزيز بيه ودرية هانم بوسه خفيفة ع الخد والاب العزيز عربية آخر موديل، وامي العزيزة طقم ألماس من داماس، والحفلة اللي عملوها كانت علشان اصحابهم مش علشانى، علشان الوجاهة الاجتماعية والصور المرسومة قودام الناس تكمل، ولما اتخرجت نفس اللي حصل في الثانوية العامة اتكرر، بس المرة دي العربية أغلى والطقم بقه طقم الماس ودولاب هدوم كامل من باريس، ووظيفة مديرة علاقات عامة في شر كات عزيز بيه بما انى دارسة ادارة اعمال في الجامعه الامريكية، بس انا رفضت، وفضلت انى اشتغل مع سيف واحمد وعمر، وطبعا الكلام معجبش عزيز بيه بس كالعادة ما حاولش انه يناقشني وقال بكل برود براحتك…
قالت منة باشفاق على هذه الطفلة الفاقدة لحنان والديها منذ أن أبصرت عيناها النور مربتة على ظهر يدها بحنو:
– أيوة يا شوشو حبيبتي، بس دا جواز….، قاطعتها نشوى هاتفة وهى ترفع اليها عينين سابحتين بالدموع التي تأبى نزولها فهي ان تركت لها حرية الهطول ستبكي أنهارا وبحارا حزنا وأسفا على كل لحظة مرت بها من دون حنان والديها:
– مش هتفرق صدقيني، ثم حاولت تمالك نفسها متابعة:
– عموما انا طبعا مش هتجوز من وراهم، اكيد هييجي يخطبني منهم، أنا بردو مهما كان ليا أب وأم حتى لو همّا مش حاسين إن لهم بنت!!…
حاولت منة ازاحة هذه الحزن الجاثم فوق كتفي صديقتها جانبا وسألتها بمزاح خفيف:
– والعريس بقه… شوفتيه فين وازاي وامتى ؟، ياللا اعترفي وبالتفصيل الممل!!..
انتفضت منة واقفة وهي تصرخ بذهول بعد أن روت نشوى حكايتها مع العريس المرتقب :
– انت بتقولي ايه يا نشوى؟، عرفتيه عن طريق النت؟، جواز فيس بوك ازاي يعني انا مش فاهمه؟؟…..
لم تنتبه منة الى نظرات رواد المطعم فقد انشغلت بالنظر الى صديقتها الماثلة امامها وكأنها تطالع كائن خرافي قادم من كوكب آخر وعقلها يفتش بجنون عن اجابة لسؤالها اللحوح:
– فيس بوك؟، عريس فيس بوك؟، ازاااااي؟!!..

رواية ” جوازة نت” للكاتبة “منى لطفى” الحلقة الثامنة”

نظرت نشوى الى الوجوه التي تطالعها هي ومنة بدهشة وتساؤل، وقالت برجاء وتوسل حتى انها كادت تبكي:
– منة أبوس إيدك اقعدي بس وانا هفهمك ، الناس بتبص علينا..
زفرت منة بحنق وجلست قائلة بحدة مفرطة:
– هي الناس هتبص وبس؟!، دا لسه الناس هتتفرج وتتكلم وتضحك كمان!!، انت اتجننت؟!، عريس مين دا ان شاء الله اللي انت فرحانة بيه اوي؟..
أجابت نشوى باستعطاف:
– مدحت!، اسمه مدحت… وعلشان خاطري اهدي وأنا هفهمك..
أجابت منة بحنق شديد:
– تفهميني ايه بس؟!، حد عاقل يا ربي يقول كدا؟، واحد تتعرفي عليه من #الفيس بوك وعاوزة تتجوزيه؟، فين العقل في دا؟…
أجابت نشوى مقطبة:
– أنا مش فاهمه ايه وجه الغرابة في اللي بقوله؟، اتعرفت على مدحت عن طريق #الفيس، زي ما كنت ممكن اتعرف عليه في الكلية او الشغل او النادي، #الفيس دا سبب…، ايه اللي منرفزك كدا عاوزة افهم؟..
نظرت اليها منة بغير تصديق وكررت سؤالها:
– ايه اللي منرفزني؟، تابعت ساخرة بقوة:
– لا ابدا عادي، ثم تحدثت محتدة بجدية شديدة:
– علشان يا هانم لو كنت قابلتيه لأي سبب من الاسباب اللي انت قلتي عليها دي.. كان هيبقى سبب طبيعي وعادي وهتعرفيه الاول وتشوفي الحاجات اللي شدتك ليه، من الآخر مافيش حد فيكم هيرسم نفسه قودام التاني، لكن #الفيس دا يا هانم عامل تمام زي غرام التليفونات بتاع زمان، لما كان الولد بيعلق البنت بمعاكسة تليفون!، #الفيس مش هيخليكي تشوفيه على حقيقته، هيرسم لك احلى صورة عنه، ويعيّشك في دنيا تانية خالص، تقدري تقوليلي هتعملي ايه لما تطصدمي بالواقع؟!، لما تكتشفي أن كل كلامه ليكي دا كان وهم، وانه كان بيقولك الحاجه اللي انت نفسك تسمعيها؟!، انت ما شكّتيش ولو 1% ان كلامه مش صح؟، دا #الفيس دا معروف انه الواحد يقدر يرسم له حياة تانية ويقابل بشر بـوِشّ غير وشّه الحقيقي، اذا كان الاسم بتاعه ع #الفيس بيبقى مش حقيقي!، يعني مثلا ممكن يكون قاعد في اودة فوق سطوح ويقولك انا ساكن في فيلا في الرحاب مثلا؟، ممكن يكون عاطل ويقولك دكتور، ممكن يكون من غير أهل ويقولك أبويا عمدة ..، انت هبلة أوي كدا؟، أد كدا رغبتك انك تهربي من الحياة الباردة اللي انت عايشاها مع اهلك تخليكي ترمي نفسك في النار بإيديكي؟!..
أجابت نشوى بمرارة تقطر من بين أحرف كلماتها:
– تصدقي لو قلت لك مش فارقة؟، قاطعت منة التي همت بالكلام وقالت:
– اسمعيني يا منة..، انا فكرت في اللي انت قلتيه دا، بس انا اعرف مدحت من شهرين واكتر، الموضوع ابتدى اننا فانز في جروب ميكس، وبوستاته شدتني، وبعدين أترفع أدمنز في الجروب ، وكان بيعمل بوست ثابت اسمه حياتي، البوست دا كل مرة بيناقش موقف من حياتنا اليومية، واحيانا بيعرضوا مشاكل، اللي حصل انى كنت مخنوقة وباعت له قلت له انا عاوزة اتكلم وبس، وفعلا اتكلمت معاه، طبعا كله شات، كنت عاوزة أفضفض وبس، سمعني وقاللي كلام ريحني، ومن هنا شوية بشوية علاقتنا ابتدت تقوى، انا عرفت انه خريج تجارة انجليش ومعاه كورسات كتير في الكمبيوتر ولغات كمان، وبيشتغل في شركة استيراد وتصدير بس عاوز يسافر برّه، علشان يشتغل ويحضر دراسات عليا، عجبني طموحه ، وفي نفس الوقت انسان متفهم اوي، انا ما حاستش انه كداب بصراحه، وبعدين تقدري تقولي انها مقامرة يا صابت.. يا خابت!، لو صابت يبقى أنا الكسبانة…
قاطعتها منة بسخرية:
– ولو خابت يا فالحة؟، … نظرت اليها نشوى بحزن وأجابت بابتسامة أسى تلون شفتيها الكرزتين:
– عادي يا منة…. مش هخسر كتير، ما انا خسرت في حياتي كتير لغاية ما خلاص اتعودت على طعم الخسارة…
نظرت اليها منة بأسى وقالت:
– بس للأسف يا نشوى، الخسارة المرة دي هتكون أكبر من أي خسارة تانية!، المرة دي لو خسرتِ…. هتخسري نفسك!!..
شردت نشوى في كلام منة التي سألت ببرود:
– والاستاذ هيتقدم لأهلك امتى ان شاء الله؟….
أجابت نشوى بصوت منخفض:
– هنتقابل انهرده ونحدد!!…
أومأت منة برأسها ثم ما لبثت فجأة وهي تصيح بذهول:
– تتـ….ايه؟، تتقابلوا؟، انت اتجننت اكيد؟،،
حركت نشوى يدها أمام منة وهى تقول بتوسل:
– وطي صوتك أبوس ايدك، ايه بس اللي مضايقك؟، هنتقابل عادي، وفي مكان عام، مش هينفع نتكلم ونتفق لا.. فون ولا.. شات!…
هزت منة رأسها وقالت بجدية مفتعلة وهي تشيح بنظرها بعيدا:
– آه فعلا، مش هينفع لا فون ولا شات!!،…ثم سلّطت نظراتها على نشوى وقالت بابتسامة صفراء:
– وانت يا نشوى ما شوفتيهوش قبل كدا؟
أجابت نشوى باضطراب وهى تتحاشى النظر الى منة فهي تعلم أن منة على شفا ارتكاب جريمة فيها:
– لا…. شوفته!،…..، لعبت بأصابعها مشبكة اياهم تارة ومفلتة لهم أخرى وتابعت:
– اتكلمنا.. كام..( كاميرا ).. كذا مرة!!…
كادت منة أن تصرخ ولكنها سارعت بوضع يدها على فمها، ونظرت الى نشوى قليلا وهى تهز قدمها بعصبية شديدة قائلة بحدة:
– ماشي يا نشوى …. انا مش هقولك حاجه، اظن انك كبيرة كفاية وعارفة مصلحة نفسك كويس، انا هقوم…،
امسكت نشوى بيد منة ما ان وقفت الاخيرة ونظرت اليها برجاء حار قائلة وهي تقضم شفتها في توتر واضطراب ملحوظ:
– لا يا منة علشان خاطري ما تسيبينيش، أنا…أنا اتفقت انا ومدحت اننا نتقابل هنا انهرده وهو زمانه على وصول، مش هقدر اكون لوحدي، عاوزاكي معايا، علشان كدا اديته المعاد هنا!!…
ارتمت منة جالسة الى مقعدها بذهول وقالت بدهشة حادة وغير تصديق لما سمعته:
– انت… انتِ بتقولي ايه؟، اللي اسمه مدحت دا… جاي دلوقتي؟، أومأت نشوى ايجابا، وما إن همت منة بالكلام حتى قاطعها رنين هاتفها المحمول فرفعته ليطالعها اسم سيف يزين الشاشة، اغمضت عينيها قليلا ثم فتحتهما مستنشقة نفسا عميقا، محاولة التماسك كي تستطيع الاجابة على سيف بهدوء، فتحت الخط وبعد السلام بادرها سيف قائلا:
– انت لسه مع نشوى يا منون؟، أجابت منة:
– ايوة يا سيف، احنا بنتغدى دلوقتي، وشوية كدا وهنروّح….
بعد أن علم منها اسم المطعم قال بينما يحاور أحدى السيارات المارة بجانبه:
– لا حبيبتي…، انا جنب المطعم اللي انتو فيه، استنيني ما تمشيش مع نشوى، انا هفوت عليكي أوصّلك وبالمرة فيه حاجه عاوز اقولك عليها!!..
فتحت منة عينيها على وسعهما هلعا وقالت بينما تطالع نشوى بذهول واضح:
– إنت ايه؟، اعاد سيف حديثه فحاولت منة التنصّل من العودة برفقته قائلة بضحكة وهمية:
– لا أصلك مش عارف، احتمال نلف شوية على المحلات، فيه مول فتح جديد جنبنا هنا عاوزين نشوفه!!..
كادت منة تبكي وهى تتحدث لسيف بينما تطالع نشوى في غيظ وقهر، أجابها سيف ضاحكا ما جعل الدم يهرب من وجنتيها:
– ولا يهمك حبيبتي، هاجيلك ولفِّي انت وصاحبتك براحتكم وانا هستناكي في أي كافيه هناك، خمس دقايق بالكتير وهكون عندك!!..، وأغلق سيف الهاتف تاركا منة تطالع في محمولها وقد ارتسم الوجوم على ملامحها، قالت نشوى في تساؤل :
– فيه ايه يا منة؟، سيف عاوز ييجي ولا ايه؟..، لتطالعها منة بدهشة مجيبة بحيرة وخوف مما هو آت:
– سيف جاي، خمس دقايق ويبقى هنا، يعني هيشوف ….، لتقاطعها نشوى هاتفة:
– مدحت!!، انتبهت منة لترى نشوى وهي تشير بيدها ، فاستدارت مستفهمة لمن تشير له نشوى خلفها، فطالعتها قامة طويلة، اقتربت شيئا فشيئا حتى وقفت بجوار طاولتهما ومال صاحبها عليها قائلا بابتسامة مرسومة:
– ازيك يا نشوى، وقفت نشوى مصافحة اياه، بينما منة نقلت نظراتها بينهما وهي تقول في سرها:
– احلوّت!….
نظرت نشوى الى منة وقالت وهى تقوم بالتعارف بينهما مشيرة الى مدحت:
– منة ..أقدم لك مدحت، ثم اشارت الى منة قائلة:
– منة صاحبتي وأكتر من أختي كمان!!، مد مدحت يده مصافحا وهو يقول بابتسامة:
– تشرفنا يا آنسة منة..
نظرت منة الى يده الممدودة ثم رفعت نظراتها اليه قائلة ببرود:
– شكرا، بس آسفة… ما بسلّمشِ..
أعاد مدحت يده بينما تكلمت نشوى محاولة اضفاء المرح الى صوتها لإزاحة موقف منة البارد جانبا من ذهن مدحت:
– بس انت جاي في معادك تمام، الواحد يظبط عليك ساعته بقه بعد كدا؟!…
أشار مدحت لها بالجلوس بينما لم تكن منة قد قامت للترحيب به من البداية بل مكثت جالسة في مكانها وعيناها زائغتان بين مدخل المطعم وساعتها وهي تتحين الفرصة للاستئذان والانصراف، فهي لن تستطيع الجلوس برفقتهما، أما نشوى فهي من رتب الموعد مع هذا الـ…. مدحت دون الرجوع اليها وبالتالي هي غير مُجبرة على الجلوس معهما!!…
كان مدحت يوجه الحديث الى منة الشاردة، فكررت نشوى كلام مدحت وهي تحاول جذب انتباه منة:
– منة.. مدحت بيسألك .. تحبي تشربي ايه؟،..انتبهت منة وقالت بينما نظرها مثبت على المدخل:
– ها…، لا مالوش لزوم شكرا، انا هضطر أقوم…، لتبتر عبارتها ما ان طالعتها هيئة سيف وهو يتلفت يمينا ويسارا يجوب المطعم مفتشا عنها بين الرواد بعينيه، همست في سرها بوجل:
– جالك الموت يا تارك الصلاة!!، ياللا… هي بايظة بايظة….، لتصطدم عيناها بعيني سيف الذي سار باتجاهها وابتسامة عريضة ترتسم على وجهه بدأت تخبو ما ان اقترب من طاولتهما ولاحظ وجود رجل غريب برفقتهما حتى غابت كليّة ليحل بدلا منها تقطيبة عميقة ونظرات…..شكٍّ وريبة!!…
**************************************************
كانت منة تجلس في صمت تام بجوار سيف وهو منطلقا بسيارته في سرعة عالية الى منزلها، استرقت النظر اليه بين فينة وأخرى مؤثرة عدم الكلام وهى تعلم يقينا ان صمته هذا ما هو الا الهدوء الذي يسبق العاصفة والتي ستقرع فوق رأسها حتما ما إن يصلا منزلها….
قبيل وصولهما الى وجهتهما سعلت لتجلي حنجرتها وقالت بابتسامة صغيرة:
– سيف… أنا مش عارفة إنت…، ليقاطعها سريعا وبحسم ونظره معلّق أمامه:
– مش هنتكلم دلوقتي،…. ثم التفت اليها بحدة وتابع بنظرات غضب سوداء وصوت مكتوم يحمل لهجة نذير لم تفُتها:
– الكلام و…..الحساب لما نوصَل!!…، فسكتت منة تماما وغاصت في مقعدها وعقلها يعمل كالماراثون لإيجاد حل لهذه الكارثة التي أوقعتها فيها نشوى بغبائها!!…
*************************************************
ما إن أغلقت عواطف باب غرفة الجلوس خلفها بعد أن رحبت بسيف وأصرت عليه المكوث لتناول طعام الغذاء قائلة أن زوجها على وشك الوصول، حتى تناول سيف مرفق منة بقوة فاجئتها وجعلتها تشهق وهى تنظر اليه بوجل ومال عليها وهو يقول من بين اسنانه بغضب مكتوم:
– ممكن بقه تشرحيلي يا مدام معناه ايه اللي انا شوفته دا؟، وازاي تسمحي لنفسك انك تقعدي مع واحد غريب عنك؟…، لم يمكثا بعد وصول سيف سوى دقائق معدودة رحب فيها سيف بالضيف وقد قامت نشوى بالتعارف بينهما معرفة سيف انه خطيب منة بينما مدحت بـ.. مدحت فقط!، الأمر الذي استشاط له سيف غيظا وصمم على المغادرة ولم تفلح محاولات نشوى في بقائهما وغادرت منة برفقة سيف وسط نظرات الرجاء والخوف من نشوى لئلا تكون السبب في شجار يحدث بينهما، فحالة سيف لا تبشر بأي خير!!
عادت منة الى الواقع وحاولت امتصاص غضبه قائلة بينما تشير بيدها ليهدأ:
– سيف ممكن تهدى شوية علشان نعرف نتكلم، انا مش فاهمه ايه اللي منرفزك اوي كدا؟…
قبض سيف على مرفقها الآخر وصرخ وهو يجذبها بقوة ناحيته:
– انت هتجنينيني؟، يعني ايه.. ايه اللي منرفزني؟، انت شايفه انه ما فيش حاجه حصلت؟، اشوف مراتي قاعده مع واحد متعرفوش القاعده اللي انا شوفتها دي، وما اتضايقش؟، وما تقوليليش ان نشوى كانت معاكم… كل اللي حصل من تحت راسها … انا مش قايلك اني مش موافق على الصحوبية بتاعتكم دي؟، وانها نوع تاني خالص غيرك أرفض انك تحتكي بيه؟!، واتفضلي .. اللي حصل انهرده أكبر دليل ان كلامي صح …. قاعدين مع واحد الله اعلم إتلمت عليه منين… تقدري تقوليلي شكلك كان هيبقى ايه لو حد من معارفك شافك؟، كنت هتبرري دا بإيه؟، دا لا أخو واحده فيكم ولا جوزها ولا خطيبها، يبقى ايه ان شاء الله المبرر غير انها واحده منحلة وعاوزة تجرّك معاها؟!…
نظرت منة اليه باستنكار وقالت بحدة بالغة وهى تحاول جذب مرفقيها من قبضته القوية ولكن دون جدوى:
– يعني ايه تجرّك دي؟، انا مش معزة ولا بقرة بتجرّها وراها في كل حتة؟، وبعدين انا سبق وقلت لك ايه اللي معصبك اوي كدا؟، انك شوفتني قاعده مع نشوى ومعانا واحد غريب؟، لتشتد قبضته بدون شعور فأطلقت آهة ألم بالرغم منها ولكنها تابعت متجاهلة ألمها:
– انت شوفتني اعترضت على كلامك؟، انت عندك حق!، قاعدتنا كان شكلها مش ظريف، لكن اعمل ايه هو جِه قبل وصولك بدقايق وحمدت ربنا انك جيت!!..
وكأن دلوا من الماء البارد قد انصب فوق سيف الذي نظر اليها مبهوتا، فهي تعترف أمامه بخطئها بمنتهى التلقائية ولم تحاول المجادلة او الغضب، بل انها تكلمت بطبيعية شديدة موضحة انها حمدت الله لدى وصوله وعدم تركها برفقتهما أكثر من ذلك!!..
قطب سيف جبينه واقترب منها وهو يقول بشك بينما استطاعت منة جذب نفسها بعيدا عنه ما ان خفّت قبضته:
– انت عاوزة تقولي انك ما كنتيش تعرفي بوجوده وانك اتفاجئتي بيه؟، …
مسّدت منة موضع قبضته لمرفقيها وقالت وهى تنظر اليه بثقة:
– وهو انت عندك شك في كدا؟، تعتقد انى ممكن اكون عارفة انه فيه حد هيكون موجود معانا ووافق؟!!….
حان الوقت لتتبدل المواقع ويتخذ سيف موقع المدافع بينما اتخذت منة موقع الهجوم ، قال سيف نافيا بشدة:
– لا طبعا!، انا متأكد انك مش ممكن تعملي حاجه زي كدا!…
وقفت منة أمامه بكل عنفوان ونظرت في عينيه سائلة بجدية بالغة:
– أومال ايه اللي مضايقك بقه؟، انى اضطريت لموقف زي دا وان نشوى هي اللي حطتني في الوضع دا لما وافقت انى اقابلها؟!، وبفرض نشوى فري وحياتها أوبن أوي، .. هزت كتفيها بلامبالاة وتابعت ببرود:
– أنا ماليش فيه!، هي حرة …، وما تقوليش انه هينقال عليا أني زي صاحبتي… لا … انا هو أنا، اللي هيتكلم عليا علشان مصاحبه فلانه ممكن جدا فلانة دي تكون احسن من ناس كتير اووي مش بيقوموا من على سجادة الصلاة لكن للاسف مابيطبقوش ولا حرف من ديننا!، تلاقيها بتكدب وبتنم وبتخون وكله، بس قودام الناس الست اللي ما فيش منها، وممكن واحده عادية زي نشوى بس واضحة، اللي بتعوز تعمله بتعمله طالما واثقة انها صح!،انا مش بدافع عنها واقول انها مش غلط وانه فيه حاجات كتير لازم تعمل حسابها، لكن انا ارفض الاحكام السطحية المسبقة على الناس!!…
ابتسم سيف ابتسامة صغيرة وتقدم منها ليمسك بيديها فيما أشاحت هي بوجهها بعيدا عنه، تحدث بهدوء قائلا:
– منة حبيبتي، احنا عايشين وسط مجتمع وناس، أقل تصرف أو كلمة محسوبة علينا، ما ينفعش اعيش براحتي واعمل اللي في دماغي حتى لو صح من وجهة نظري، لازم أراعي الحدود والضوابط اللي حاطها المجتمع اللي انا عايش فيه، وعلى فكرة الموضوع مش كبت حرية ولا حاجه، بالعكس دا بيحافظ على كرامة الكل، احنا مش عايشين في المدينة الفاضلة، انت عايشة وسط بشر، منهم الكويس ومنهم الوحش، متقدريش تمنعي الوحش انه يأذيكي، لكن تقدري تحدي من أذيته ليكي، مجتمعنا للاسف بيحكم على المظاهر، انت مش هتقدري تغيري عادات وتقاليد مجتمع كامل، لكن نقدر اننا نحاول ما نعملش الشيء اللي ننتقد عليه، انا واثق فيكي ومتأكد انك عمرك ما هتعملي حاجه غلط لكن ممكن تقوليلي كان أحمد أخوكي مثلا هيتصرف ازاي لو شافك زي ما انا شوفتك انهرده؟، او باباكي؟!. ابسط شيء هيلوموكي زي ما انا عملت.. خصوصا ان البنت اللي كنتِ معاها مُنتقدة في كل حاجه من أول لبسها لغاية تصرفاتها المنفتحة اوي، بنت فاهمه الحرية غلط، وللاسف واضح انه ما فيش حد في اهلها واخد باله منها او بيحاول انه يصلح من شخصيتها، وبالتالي منظر زي اللي انا شوفته انهرده دا أي حد هيقول منة ونشوى شوفناهم قاعدين مع راجل، مش هيسأل الراجل دا مع مين فيهم ولا هيهتم انه يعرف التفاصيل، انا بردو مش بقول انه دا صح، لكن هرجع واقولك اننا عايشين في مجتمع بتحكمنا عادات وتقاليد وحدود، لازم نراعيهم كويس اوي….
نظرت اليه منة في انتظار انتهائه من الحديث ثم جذبت يديها من قبضته وتكلمت ببرود:
– خلاص …. خلصت كلامك؟، بص يا سيف.. انا عارفة ومقتنعه بكل اللي انت قلته دا، بس دا مش سبب زعلي منك، انت اتصرفت على اساس انى كنت قاعده مع واحد من وراك!، انت قلت أي حد يشوفنا مش هيفكر يسأل او يستفسر.. جميل..، بس انت المفروض تسأل وتستفسر قبل ما تُحكم وتدين!!…
زفر سيف بيأس وقال بانفعال:
– علشان منظركم استفزني!، لو انت شوفتيني قاعد القاعدة دي مع واحده متعرفيهاش مش هتتضايقي؟، عقدت منة ساعديها امامها مجيبة ببرود شديد:
– كنت هاجيبها من شعرها!، ما ان ابتسم سيف منتصرا وهمّ بالكلام حتى قاطعته رافعة يدها وهى تكمل بذات البرود:
– بس دا لو كان شكل القاعده غلط!، لكن لو انت معاك صاحبك ومعاكم واحده وقاعدين في مكان عام، على طول كنت هسألك واستفسر منك، مش ألوم وأعاتب، وبعدين طالما بنتكلم بقه على المجتمع،…تابعت باستخفاف:
– يبقى للأسف محدش هيلوم ويعاتب… عارف ليه؟، لم تنتظر اجابته وتابعت ردا على نظرة التساؤل التي تلوح في مقلتيه:
– لأن مجتمعنا مجتمع ذكوري بالدرجة الأولى، يعني الراجل مسموح له انه يعمل أي شيء وعذره في الآخر انه راجل، لكن الست انفاسها محسوبة عليها، مع ان الفرق دا فرق بيولوجي الراجل مالوش أي فضل فيه، وديننا ما فرقش بين الذكر والأنثى في أي احكام او واجبات او ثواب او عقاب، الشيء الوحيد اللي فرق فيه الميراث..” وللذكر مثل حظ الأنثيين”، وليه لان الراجل هو اللي له القوامة، واللي عليه كافة الالتزامات المادية اتجاه اسرته ولو له أم هو المتكفل بيها، ولو اخته مش متجوزة بردو متكفل بيها، والست لو متجوزة وعندها مال قارون جوزها الملزوم انه يصرف عليها، هي حابيت تساعده من مالها ما فيش مشكلة لو ما رضيتش حقها وما تتعاقبش على كدا، يعني في الأول والآخر ديننا بيراعي حقوق الست كويس أوي ، وللاسف المجتمع اللي احنا عايشين فيه هو اللي ظالمها وبيجور عليها، وهرجع تاني واقولك… انا مايهمنيش من دا كله غير طريقتك في كلامك، ونبرة الاتهام اللي كلمتني بيها واللي انا برفضها، انا ما بعملش حاجه غلط، ولما واجهتني اول حاجه قلتهالك ايه؟، قولتلك انت صح، عندك حق!، واندهاشي من نرفزتك لأن الموضوع كان ممكن يكون أسهل من كدا بكتير لو كنت سألتني الأول قبل ما تهاجمني بالاسلوب دا!!…
نظر سيف اليها وأجاب وهو ينظر الى عينيها بقوة:
– طيب ممكن تقوليلي مين دا؟، وايه اللي خلاكي ما تقوميش اول ما جِه؟!..
زفرت منة بعمق مغمضة عينيها وما لبثت ان فتحتهما ناظرة اليه بيأس وهى تجيب محاولة التماسك:
– دا يبقى خطيب نشوى!، هما لسه ما أعلنوش الخطوبة رسمي، وأظن سبق وقلتلك انك جيت بعد ما هو وصل بدقايق، وعلشان انا ما بعملش حاجه غلط، ما رضيتش اقوم أتسحب زي الحرامية، بالعكس انت جيت واتعرفت عليه وعرف انك خطيبي، أي استفسارات تانية!!…
أجاب سيف مقطبا:
– خطيب نشوى؟!، وليه ما اعلنتش دا؟..
زفرت منة بيأس واحتدت بالرغم منها قائلة بحنق:
– وانا مالي، إسألها هي السؤال دا!، أظن دي حاجة خاصة بيها هي؟!، بقولك ايه يا سيف انا تعبت من الكلام في الموضوع دا، انا زي المتهم بجريمة مش عارف ايه هي وانت عمال تحقق معاه علشان يعترف بحاجه معملهاش!!…
نفى سيف بشدة قائلا:
– لا طبعا!!..، لتنظر اليه منة مجيبة بحدة مماثلة وقد عقدت جبينها:
– آه طبعا!! ، ما تشوف نفسك بتتكلم ازاي، بقولك ايه يا سيف انا زهقت بجد…، عن اذنك …
وتأهبت للانصراف عندما التفت يده حول معصمها جاذبا اياها لتقف امامه ومال فوقها لتضرب انفاسه الساخنة صفحة وجهها المرمري وهو يقول بعتب:
– عاوزة تسيبيني وتمشي؟!، أهون عليكي أمشي وانا زعلان؟، واذا أنا هونت عليكي، انت ما تهونيش عليّا!!، …..قطبت منة وقد خالجتها الريبة من معنى كلامه، لتُفاجأ به وهو يميل باتجهها محاولا تقبيلها فحاولت الابتعاد عنه وهي تشيح بوجهها جانباً قائلة باعتراض:
– استنى بس، انت بتعمل ايه؟، يا سيدي أنا عاوزة أهون عليك!، سيف مش ممكن….، لتغيب باقي عبارتها بين شفتيه التي اقتنصت شفتيها في قبلة ضارية وقد جذبها بشدة بين ذراعيه، حاولت منة الافلات منه ولكن دون جدوى، وكأن سيف قد انفصل عن واقعهما، وهو يحاول بثّها عشقه السرمدي وشوقه اللامتناهي ليقوّض مقاومتها فترفع راية الاستسلام لطوفان مشاعره الهادر الذي جرف ممانعتها بعيدا لترفع رايتها وقد طوقت عنقه بذراعيها البضتين غارقة في لجّة مشاعرهما العاصفة!!…
بعد فترة لا يعرف منهما كم طالت، حاولت منة الافلات من قبضته طلبا للهواء، وشهقت بعنف عندما شعرت بأصابعه وهى تعبث بأزرار بلوزتها، حاولت إمساك يده وهى تتحدث من بين شفتيه النهمتين:
– سيف.. مش كدا، سيف … بابا ممكن يدخل..، سيف انت هيِّست؟! ، لم تجد أي صدى لتوسلاتها فلم يكن أمامها سوى سبيل واحد، فرفعت ركبتها لتهوى على قصبة ساقه بركلة قوية مؤلمة من مقدمة حذائها جعلته يفك قيدها فجأة وهو يسب ويلعن من بين أنفاسه الثائرة ممسكا ساقه وهو يقفز على قدم واحده متأوها بألم، بينما وقفت هي أمامه وثغرها يحمل علامات هجومه القوي، وقد أفلت شعرها من ربطته فأحاطت بوجهها بعض خصلاته الثائرة، حاولت ترتيب هندامها الذي اشعثه أصابع سيف المجنونة ووضعت يديها في خصرها قائلة بسخط واستنكار شديدين:
– انت وقح وقليل الأدب يا سيف، واحمد ربنا ان الضربة جات في رجلك المرة دي، المرة اللي جاية هتدفع تمن قلة أدبك دي غااااالي أوووي!!، قال سيف وهو يمسّد موضع الألم في ساقه المُصابة بينما يرفع حاجبه بخبث وابتسامة مكر تزين ثغره الذي لا يزال مستشعرا لمذاق شفتيها الشهيّ…

الحلقة الثامنة”ج2

– آه، احنا فينا من ضرب؟!، ماشي يا منة أما أشوف يوم الفرح مين اللي هينقذك من ايدي؟، الحساب يجمع يا حبيبتي، العد التنازلي خلاص ابتدى…. كلها شهرين الا 3 ايام ويتقفل علينا باب واحد، أبقي وريني هتقدري تهربي ازاي!!…
زاغ بصر منة لثوان وقد تعالت دقات قلبها خوفا من وعيده لها، ثم وقفت أمامه محاولة التماسك وهى تقول بتحد:
– كويس انك نبهتني، سيف أحب أبشّرك ان الفرح من انهرده ، لا من دلوقتي إتأجل ولأجل غير مسمى!، فياريت ما تتعبش نفسك بعدّ الأيام لأنك هتتعب نفسك ع الفاضي!!..
أعاد سيف ساقه الى الأسفل واعتدل واقفا أمامها قائلا بدهشة وقد ارتفع حاجبيه بغير تصديق حتى كادا يلامسان مقدمة شعره:
– متقدريش!، الفرح انا اتفقت على معاده مع باباكي خلاص، هو مش لعب عيال!!..
حركت منة كتفيها بلامبالاة أغاظته وقالت ببرود:
– لا طبعا أقدر، تحب تشوف؟….، وقبل ان تكمل وكأن والدتها قد شعرت بها، إذا بها تقطع عليهما خلوتهما وهى تدخل قائلة بابتسامة مرحبة:
– ياللا يا منة علشان تساعديني، بابا كلمني وكلها خمس دقايق ويكون هنا، ياللا علشان نحضر السفرة، ام محمود اجازة انهرده انت عارفة….
لفت انتباه عواطف صمت منة التام، فنظرت اليها في تساؤل ولم تغب الابتسامة عن شفتيها فيما أسبلت منة أهدابها في خجل مصطنع، نظرت عواطف الى سيف متسائلة في دهشة:
– هي مالها؟، أجاب سيف بحيرة وذهول من تلك الممثلة القديرة الواقفة أمامه:
– معرفش!، قبل ما حضرتك تدخلي بثانية واحده كانت عماله تناكف فيّا!!….
نظرت اليه منة ببراءة مزيفة وقالت وقد بدأت شفتيها بالارتعاش بعد أن استدعت دموعها التي سرعان ما لبّت ندائها وقالت بصوت خرج مهزوزا وباتقان جعلها جديرة بالفوز بجائزة الأوسكار في التمثيل:
– يا سلام .. بقه متعرفش!!، اندفعت الى أمها التي احتوتها بين ذراعيها مطالعة بحيرة سيف الواقف امامهما يراقب ما يحدث باندهاش تام ، وتابعت منة وسط بكائها المفتعل:
– أنا…. أنا مش مصدقة انى خلاص… أقل من شهرين وأبعد عنكم!!، ابتمست عواطف وقد انزاح حملا ثقيلا من فوق أكتفاها عندما علمت سبب حزن أبنتها، وقالت وهي تربت بحنو على شعرها:
– دي سُنّة الحياة حبيبتي، وبعدين انت هتبقي معانا هنا، المشوار كله ربع ساعه بالعربية بيننا وبينك!!…’ حركت منة كتفيها وقالت باعتراض طفولي:
– بردو، ماليش دعوه!!، قالت أمها مهادنة بينما قطب سيف بحيرة لا يعلم الى ما ترمي تلك المشاكسة الصغيرة:
– طيب انت عاوزة ايه يا حبيبتي واحنا نعمله؟، لترفع منة عينين مليئتين بالرجاء الحار هاتفة بتوسل جعل قلب أمها يهفو لصغيرتها التى كبرت ولكنها لا تزال ترفض مفارقة عائلتها الصغيرة:
– نأجل الفرح!!،… قالت الأم بتردد وهو تنظر الى سيف الذي شهق دهشة و…غضبا!، وان كان قد نجح في السيطرة على غضبه وحنقه منها:
– ايوة يا منون.. بس ما ينفعش .. بابا وسيف اتفقوا، وبعدين انت مسيرك لبيتك وجوزك ان ماكانش انهرده هيبقى بكرة!..
نظرت منة بتضرع الى والدتها وقالت بلهفة:
– نأجله شوية بس، انا لسه حاسة انى مش مستعدة للجواز، علشان خاطري يا ماما ، علشان خاطر منونتك حبيبتك!!…ارتبكت الأم من توسلات ابنتها الحارة ورفعت نظرها الى سيف الذي لمح بدء موافقة مهتزة في عيني أمها جعلت قلبه يطرق بعنف، فها هي تلك المشاغبة الممثلة القديرة تكاد تنجح في اقناع أمها بتأجيل حفل الزفاف، ولكن على جثته لو نجحت في تنفيذ ما تصبو إليه!!…
قاطع تأمله صوت الباب وهو يُفتح، ليظهر من خلفه عبدالعظيم الذي انبسطت اساريره ما أن طالعه وقال وهو يسير اتجاهه مادّا يده للترحيب به وابتسامة عريضة ترتسم على وجهه الصّبوح:
– اهلا اهلا يا سيف يا بني نوّرت، ….. صافحه سيف قائلا بابتسامة صغيرة:
– منورة بيك يا عمي، ليلتفت عبدالعظيم الى عواطف وهو يقول بمرح تعليقا على احتضانها لمنة:
– ايه يا أم أحمد اخبار الغدا؟، يا ترى يا منون ساعدتي ماما ولا زي كل مرة؟!، لتبتعد منة عن أمها وتهرع الى ابيها الذي تلقفها بين ذراعيه مقبلا جبهتها بحنان أبوي بينما قالت هي بدلال الإبنة على والدها:
– مش عيب يا أستاذ عبدالعظيم يا ناظر المدرسة؟، ربنا ما يقطع لي عادة!، زي كل مرة أومال ايه، ما انت عارفني كلمتي واحده!!…..
أطلق عبدالعظيم ضحكة عميقة ثم وجّه حديثه الى سيف قائلا وهو ينظر الى وجه إبنته المبتسم:
– انا مش عارف هتعمل معاها ايه يا سيف؟، خلِّي بالك مش هتعرف تاخد معاها لا حق ولا باطل، أديك شايف أهو!..
تحدث سيف بشرود قائلا بينما نظراته معلقة بتلك التي تتغنج على والديها تاركة إياه يتلظى بنار الحسد لعبدالعظيم، حيث كان يريد ان يكون هو من تتدلل عليه بهذا الشكل وتتمسح به كالقطة المدللة!!، قال سيف بصوت أجش:
– أنا راضي تعمل فيّا ما بدالها، ولو عليّا أنا نتجوز من بكرة، واللي عاوزاه هنفذه!!…..
نظرت اليه منة بغرور بينما علّق والدها قائلا:
– خلاص يا سيف، هانت كلها شهرين والعفريتة دي تبقى معاك، وساعتها وريني شطارتك!!،،،
قاطعته منة بتردد مفتعل:
– بابا…. انا عاوزة نأجّل الفرح شويّة!!، أبعدها والدها عن ذراعيه ونظر اليه مقطبا وهو يقول:
– نأجّل الفرح؟، ثم حانت منه نظرة تساؤل الى سيف الذي أطبق شفتيه غيظا وغضبا منها، ولكنه لم يرد التعليق على ما سمعه منها حتى يرى رأي والدها أولا، ولم ينتظر كثيرا فقد سمعه وهو يقول بحيرة:
– ليه يا منون حبيبتي؟، حصل حاجه؟،، لتبادر عواطف بالاجابة قائلة وهى تتنهد في عمق:
– أبدا… كل الحكاية ان منة مش عارفة ازاي هتقدر تسيبنا وتبعد عننا!!، صدح صوت ضحكة والدها عاليا وقال موجها حديثه الى ابنته:
– انتِ بتتكلمي بجد يا منون؟، طيب دا كلام ناس عاقلين؟، على كدا بقه كل ما يقرب معاد الفرح تقولي لأ… أجّلوه!، ونقعد نأجّل الى ما شاء الله!، …. هتف سيف بانفعال :
– يا سلام يا عمي، هو دا الكلام!!، نظرت اليه منة بامتعاض، والذي لم يلبث أن تحول الى استعطاف ورجاء وهى تنظر الى والدها قائلة بحزن:
– يعني أنا بئيت تقيلة أوي كدا عليكم يا بابا؟، انا عاوزة الفرح يتأجل شوية بس، وبعدين احنا فيه حد بيجري ورانا؟، احنا لسه صغيرين وقودامنا العمر كله، حقي يا بابا انى أعيش يومين حلوين كدا في خطوبتي، مش من الدار للنار، ولا انتو زهئتوا منِّي خلاص؟، ليسارع والدها الى احتضانها وهو يقول بعتب:
– معقول الكلام دا يا منون؟، انت يا بنتي مش عارفة غلاوتك عندنا ولا ايه؟، عموما يا ستي ماتقلقيش، انا عندي كم منة!!، نظرت منة الى سيف الواقف خلف والدها يطالعهما بذهول تام، واخرجت طرف لسانها الوردي له بإغاظة سهوا عن الباقين، بينما راقصت حاجبها الأيمن له بإغاظة، مما جعل الدم ينفر في عروقه، وقد انتفخت أوداجه غضبا وقهرا من هذه المشاغبة الصغيرة، قاطع استرساله في أفكاره الانتقامية صوت عبدالعظيم قائلا:
– ياللا نتغدى الأول وبعدين نتكلم ، قالت منة :
– معلهش يا بابا أنا سبقتكم، كنت برّه مع واحده صاحبتي واتغدينا سوا…
حرك والده رأسه يسارا ويمينا معترضا وقال بحزم:
– ماينفعش، اقعدي معانا علشان خاطر سيف على الأقل!، لتعاجلها والدتها :
– افتحي نفس جوزك يا منة، ياللا اتفضلي معايا علشان نجهز السفرة!!…
بعد الانتهاء من تناول طعام الغذاء، جاءت عواطف بصينية مصفوف فوقها أكواب الشاي وصحون بها قطع من الكعك البيتي المحلّى بالشوكولاته والذي صنعته منة في اليوم السابق، قدمت عواطف لسيف طبق الكعك قائلة:
– على فكرة، دي عمايل ايدين منة، احمد اخوها بيحب كيكة الشوكولاته بطريقة مش ممكن، وبيطلبها منها بالذات، دوقها وهي هتعجبك….، تناول سيف الصحن وقال قبل ان يهم بتناول قطعة منه:
– انا متأكد، أغمض سيف عينيه متلذذا بطعم الكعك الرائع ثم فتحهما ناظرا الى منة يداعبها بعينيه وهو يقول:
– فعلا ممتاز، تسلم ايديكي يا منة،،، بعد ان تداولوا بعض من الاحاديث الخفيفة التفت والد منة الى سيف قائلا:
– انت ابتديت تدور على قاعة للفرح يا سيف ولا لسه؟، انتهز سيف الفرصة وقال:
– أنا دوّرت ولاقيت فعلا يا عمي!، وكنت جاي انهرده اقابل منة علشان أفرّحها واخدها ونروح نشوف القاعه، لكن هي بقه فاجئتني بطلبها الغريب دا انها تأجل الفرح!!..
لم تعلم منة أتصدقه أم لا؟، هي لم تسأله عن سبب موافاتها الى المطعم الذي كانت فيه هي ونشوى، وبدلا من سؤاله تشاجرا بسبب إتيان نشوى بهذا الـ.. مدحت لتراه!، ولكنها تعلم تماما أن سيف لن يكذب في أمر كهذا، ولكن… معنى ذلك أنها قد أصابته بالإحباط نتيجة طلبها لتأجيل الزفاف وكأنها تكافئه على نجاحه في إيجاد قاعة زفاف مناسبة!!…
قال الأب موجها حديثه الى منة بحكمته المعهودة:
– منة حبيبتي، انا بقولك قودام سيف أهو، انت لو عاوزة تأجلي علشان مش متأكده من موافقتك على سيف دا شيء أو أنك عاوزة الفرح يتأجل خوف مش اكتر؟، لم تستطع منة سوى الاجابة بصدق قائلة وهى تنظر الى موضع قدمها:
– لا يا بابا، خوف مش اكتر، موافقتي على سيف مافيهاش أي تردد!!، ابتسم الاب ابتسامة عريضة وقال:
– يبقى على خيرة الله، بعد الشاي خد مراتك وحماتك وروحوا شوفوا القاعه… انا مش هقدر آجي معكم، راجع تعبان من الشغل وعاوز أريّح شويّة!!…
تهلل وجه سيف فرحا، بينما رمقته منة بحنق طفولي سافر، وانطلقت زغرودة فرح من فم أمها….
مرّت فترة الشهران سريعا، خطب أثناءها احمد ايناس، والتي وافق والديها على عقد القرآن فورا رافضين فكرة أن يكون زفافهما مع زفاف منة شقيقته، على أن يكون الزفاف في اجازتهما السنوية، أي بعد حوالي 6 أشهر..
كما خطب مدحت نشوى والتي لم تعد تتحدث مع منة كثيرا كما السابق، فقد شعرت برفض سيف لصداقتها بمنة ولم تكن تريد أن تتسبب بمشاكل بينهما، ولكنها كانت تهاتفها يوميا لتلقي اليها بما يعتمل في صدرها من ضيق سببه زواجها الذي تقرر في ظرف شهر واحد ودهشتها من موافقة أهلها على هذا الارتباط،وكأن والديها قد انتهزا فرصة تقدم خاطب لها لإزاحة عبئها عن كاهلهما!!، فقد أبلغها والدها انه قد سأل عنه فعلم أنه من أصل طيب ويعمل بشركة تجارية كبيرة لها وزنها في عالم المال والاعمال وقد عرّض عليه أن يعمل لديه نظير مبلغ ضخم من المال كمُرتب شهري فوافق مدحت بعد ممانعة بسيطة من ناحيته..
حكمت منة على سيف بألّا يراها لمدة أسبوعين قبل الزفاف كي يشتاق اليها الأمر الذي سبب له ضيقا رهيبا، خاصة وانها قد امتنعت عن الذهاب الى العمل وقد قامت بتقديم طلب اجازة لمدة شهر فوافق احمد مسرورا غيظا في سيف!!..
أتى يوم الزفاف، والذي تجلّت فيه منة بأروع حلّة للزفاف، كان الفستان قمة في الأنوثة والجمال يظهر جمالها الفاتن وقدّها الرشيق وقد بدت كالملاك فيه..وقد ارتدت سترة بيضاء قصيرة من قماش الساتان الأبيض الناعم لتغطي ذراعيها، وقامت المزينة بتصفيف شعرها وربط الوشاح الابيض الساتان بطريقة انيقة محببة، بينما قامت بتزيينها بألوان مبهجة براقة ما جعلها تشهق في المرآة ما ان انتهت المزينة من عملها غير مُصدقة لما تراه عيناها !!…

كان سيف بانتظارها في بهو الفندق المقام فيه حفل الزفاف حيث قام بحجز جناح العرائس والذي قامت المزينة والمصففة بتجهيز منة فيه…..، كانت منة تهبط على الدرج اللولبي متأبطة ذراع والدها بينما سيف يطالعها كأنها ملكة متوجة تهبط للقاء مملوكها!!…، وما إن وصلت أسفل الدرج حتى تقدم سيف متناولا يدها من أبيها مقبلا جبهتها بحب قبل أن يشبك يدها بمرفقه لتبدأ حفلة الزفاف على اغاني الزفاف الشهيرة…
لم يستطع سيف رفع عينيه عنها طوال حفل الزفاف وكان يتيحين الفرص ليقبل يدها المشبوكة بيده، والذي لم يفلتها طوال الحفل….
انتهى الحفل الذي امتد لساعات الصباح الأولى، وودّعت عواطف وعبدالعظيم صغيرتهما بعد أن قاما بتوصية سيف عليها، ان يراعيها ولا يُغضبها أبدا، وقد تعهد سيف لهما بذلك، واحتضنها شقيقها احمد الذي كادت أن تبكي بين أحضانه فربت عليها ممازحا اياها أن زينتها سوف تفسد وقد يجعل هذا سيف يعود في كلامه ويوقف اتمام الزيجة!، فضربته بخفة على يده وسط ضحكاته !، في نفس الوقت الذي بارك لهما والدا سيف وقد أوصت زينب والدته منة بولدها بالوصايا العشر،وبارك لها اخواته الأربع متمنين لهما الذرية الصالحة ، بينما شدد والده عليه ألا يصدر منه ما يغضب زوجته، وأن يراعي الله فيها، ونصح منة بأن تطيع الله في زوجها….
انصرف الجميع بعد أن ودعا العروسين اللذان استقلا المصعد المتجه الى أعلى حيث جناح العرائس ، وسط زغاريد الفرح التي صدحت تملأ المكان…، وكان من المقرر أن يبيت العروسين في الفندق ليطيرا في صباح اليوم التالي الى شرم الشيخ حيث حجز سيف في أحدى المنتجعات السياحية الشهيرة لقضاء شهر العسل……
ما إن وقف المصعد وأشار سيف لمنة بأن تتقدمه، حتى خرجت يتبعها سيف والذي فاجئها بحمله لها والسير في اتجاه جناحهما وسط اعتراضها ولكنه قال مبتسما:
– ماينفعش، لازم العريس يشيل عروسته ليلة الفرح، دا تقليد في الدنيا كلها، هييجي عندي أنا ويقف ليه؟…
صمتت منة وهي تكاد تذوب خجلا، بينما ناولها سيف البطاقة الممغنطة لتفتح الباب، وما ان دخلا حتى أغلق سيف الباب بركلة من قدمه، وسار بها حتى أنزلها في وسط الجناح، وهو يقول بابتسامة سعيدة:
– مبروك يا عروسة، اضطربت منة وابتعدت عنه قليلا ثم نقلت نظراتها في الأرجاء لتشاهد وجود ردهة واسعه حيث يقفان ثم بابين خمّنت ان احدهما يؤدي الى غرفة النوم الرئيسية بينما الآخر غرفة الجلوس، وحمام كبير وزاوية صغيرة بها طبّاخ كهربائي وبعض الأدوات اللازمة لمطبخ صغير عصري…
تحدث سيف من خلفها وهو يشير الى باب كبير قائلا:
– دي اوضة النوم، لو عاوزة تغيري، انا هاخد هدومي واطلع آخد شاور في الحمام اللي هنا…
اتجهت حيث أشار ودخلت يتبعها سيف، لتفاجأ بفراش وثير عريض مفروش بملاءة من الساتان الابيض منثور عليها ورود حمراء على هيئة قلب في منتصف الفراش، وقد اصطف على طول الممر الصغير الذي يوصل الى الفراش شموع كثيرة يصدر منها رائحة عطرية خلابة، أعملت النظر حولها، لتسقط عيناها عليه في بدلته السوداء التي أكسبته جاذبية ساحقة جعلت دقات قلبها تكاد تبلغ عنان السماء، فهي لم تنفك تنظر اليه طوال حفل الزفاف مفتونة بمنظره الرجولي الجذاب وكانت سرعان ما تشيح بنظراتها خوفا من أن يقبض عليها متلبسة بالنظر اليه بوله شديد!،.. اتجه سيف الى خزانة الثياب وفتحها متناولا منامة له وقال وهو يحاول التحدث بطبيعية:
– أنا هغير هدومي بره، خدي راحتك ولما تخلصي حصليني علشان نصلي ركعتين السنة ….
خرج سيف لتغلق منة الباب خلفه مستندة عليه، لم تفتح منة فمها بكلمة واحده منذ أن وطئت قدميها عتبة الجناح، اتجهت الى خزانة الثياب لتختار منامة لها فصُعقت بوجود فساتين للنوم لم تكن أبدا مما ابتاعته!!، هي على يقين أنها لم تنتقي مثل هذه الاشياء التي يطلق عليها خطأً لفظة ثياب!، كما أنها لم تبتاعها من الأساس، لتعلم أنها لا بد نشوى وإيناس وسحر اللاتي أخبرنها انهما قد قاما بصنع مفاجأة صغيرة لها وأنهما ولأول مرة يقتنعان بشيء تقوله نشوى!!..
أقسمت في سرها أنها لن تمرر لهن فعلتهن تلك بسهولة، ولكنها الآن في مأزق!!، فهي لا تملك سوى ما هو موجود بالفعل في خزانتها، كما أنها لن تستطيع المكوث بفستان الزفاف..، أطلقت لعنة من بين شفتيها ، ثم اتجهت محاولة انتقاء أكثر الثياب حشمة، ليقع اختيارها على ثوب للنوم باللون الابيض من الساتان الناعم، طويل حتى الكاحل ولكن بشق طولي من القدم حتى منتصف الفخذ!، وفتحت عنق عميقة على شكل مثلث، وبحمالات رفيعه للغاية لا تكاد تثبت في مكانها ،وفوقه مئزر حريري بنفس لون الثوب…وكان هذا أكثر فستان نوم حشمة!!
أنهت اغتسالها وقد أسدلت شعرها الذي وصل الى نهاية خصرها، وقامت بإزالة زينة وجهها مستعيضة عنها بكحل أسود خفيف أبرز جمال عينيها اللوزتين ومسحة من أحمر الخدود وأحمر شفاه زهري اللون، وقامت برش بضع قطرات من عطر الزهور الخاص بها، ثم ارتدت إسدال الصلاة لتلحق بسيف ليؤديا ركعتي السنة….
ما أن أبصرها سيف والذي كان جالسا يقلب في قنوات التلفاز أمامه حتى وقف مشدوها من منظرها الملائكي الفاتن، بينما تخضبت وجنتيها خجلا من منظره في منامته الكحلية اللون من القماش الناعم، وقد أبرزت بنيته القوية وعضلات صدره التي تكاد تفتك ببلوزة المنامة ….
قال بهمس:
– ياللا علشان نصلي، فأطرقت برأسها موافقة، افترشا سجادة الصلاة وأقام سيف للصلاة….، كان صوت تلاوته للقرآن شجيّا، يخضع المستمع للانصات له، ترقرق الدمع في عينيها لشدة ما أثرت بها كلمات الله والتي تلاها سيف بخشوع وحلاوة لم يسبق لها أن سمعته قبلا…
بعد أن أنهيا ركعتي الصلاة وضع سيف يده فوق جبهتها ودعا ربّه قائلا : ” اللهم إني أسألك من خيرها وخير ما جُبلت عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جُبلت عليه”، ثم انهى دعائه بالصلاة على رسول الله عليه الصلاة والسلام…
ما ان أنهى سيف دعائه وتأهب للقيام من مكانه، إذ به يفاجأ بمنة وهى تقوم مسرعة لتتجه الى غرفة النوم، فناداها لاحقا بها وهو يقول:
– ايه ، مش هتاكلي؟، التفتت اليه لتفاجأ بنظرات الشوق اللاهب التي تتصاعد من فحم عينيه المشتعلتين بأتون رغبة حارقة وعشق سرمدي ، ابتعلت ريقها بصعوبة وقالت بتلعثم طفيف وهي توليه ظهرها:
– لا…. مش… مش جعانه!، أوقفها سيف ممسكا كتفها ما ان همت بالابتعاد وهو يقول:
– ومين سمعك، بيتهيالي ننام أحسن!!،،،تسمرت واقفة في مكانها بينما سيف يديرها اليه، وقد أخفضت وجهها الى أسفل، وضع طرف سبابته تحت ذقنها رافعا وجهها اليه وقال بخفوت:
– مش هتقلعي الاسدال؟!، نظرت اليه وكأنها لا تعلم بأي لغة يتحدث، فأعاد عبارته ثانية، لتحاول الابتعاد وهي تقول نافية بشدة :
– لا … انا بردانة، لم يأبه سيف لاعتراضاتها وبدلا من ذلك حاول خلع الاسدال عنها وهو يقول بلهفة وتوق شديدين:
– بردانة ايه بس، عموما يا ستي ولا يهمك هطفي المكيف!…
لم تستطع منعه، وقام بخلعه وسط اعتراضها حتى انها كادت تبكي خجلا منه، ما ان أبعد الاسدال عنها حتى وقف مبهوتا لا يستطيع تصديق ما تراه عيناه، اقترب منها يلمس بشرة ذراعيها الذهبية بافتتان وهو يقول:
– ماشاء الله، ايه الجمال دا، الجمال دا ملكي أنا…، ابتعدت منة وهى ترفع سبابتها في وجهه وقد عادت قدميها الى الحركة بعد أن كانت مسمرة من شدة الخوف والخجل، قالت منة بتحذير وهى تعود الى الوراء بضعة خطوات:
– سيف بقولك ايه… ابعد عني دلوقتي أحسن لك، انت نفّذت اللي في دماغك واتجوزنا في المعاد اللي انت عاوزه، عاوز ايه تاني بقه؟، اقترب سيف منها غير آبه بتحذيراتها وهو ينظر الى جسمها بمنحنياته الأنثوية الفاتنة البارز من خلف هذا الرداء المسمى مجازا رداء للنوم، وقال بابتسامة ملهوفة:
– عاوز ايه؟!، عاوزك يا مُنايا…، ركضت منة من امامه وقالت وهى تهرع باتجاه غرفة النوم:
– وانا عاوزة أنام يا سيفي، أشوفك الصبح يا عريس!، لتسبقه مغلقة باب غرفة النوم خلفها مديرة المفتاح مرتين في القفل بينما يطرق هو الباب محاولا جعلها تفتح له وهو يقول بمهادنة:
– افتحي يا منون وليكي عليا أكون مؤدب خالص!، نظرت منة الى الباب المغلق بينهما وأجابت ساخرة وهي تضع يديها في منتصف خصرها:
– والله؟!، انت يا سيف تعرف يعني ايه أدب!، أنا بيتهألي ان قلة الأدب اتعلمت ازاي تبقى قليلة الأدب منك!!، لم تسمع صوتا من جهته فقطبت مقتربة من الباب ووضعت أذنها فوقه مصيخة السمع وهى تنادي بتساؤل:
– سيف!، وأيضا لم يصلها سوى الصمت، فتحدثت مخاطبة نفسها بحيرة:
– راح فين يا اخواتي الجدع دا؟، سيـ…..، لتشهق عاليا ما إن أمسكتها يد من خصرها وسمعت صوتا ضاحكا يقول بمرح:
– يا عيون سيف!، التفتت اليه تطالعه بذهول وعدم تصديق وتحدثت بإرتباك تام :
– إنت… إنت دخلت ازاي؟، اقترب منها وهو يقول بضحك:
– انت متعرفيش اني أقدر أقرا أفكارك!، ثم غمزها بخبث وهو يتابع:
– من الباب يا قطة، بس اللي بيوصل بين أودتنا و…الحمام اللي بره!، تعرفي اني مختار الجناح دا مخصوص علشان كدا!، أصلي خلاص حفظتك..، انتبهت منة لنظراته الملتهبة فخطت الى الخلف بضعة خطوات وهي تقول بتلعثم:
– إيـ..إيه؟، اهدى بالله بس،…. ناورها سيف وهو يقول :
– ونعم بالله يا ستي، بس اهدي انت الله يهديكي، وتعالي هقولك حاجه مهمة….
استطاعت منة الافلات منه وقالت وهى تركض وهو في أثرها فقفزت فوق الفراش مشيحة له بسبابتها:
– خليك عندك، يا نحلة لا تقرصيني ولا عاوزة عسل منك، مافيش أي مواضيع بيني وبينك دلوقتي خالص، واتفضل بقه من غير مطرود…،لم تكد تنهي جملتها حتى جذبها سيف من قدمها طارحا اياها فوق الفراش فصرخت عاليا باسمه ولم تكد تلتفت حتى وجدته مشرفا فوقها يطالعها بنظرات ماكرة وقد ظهرت غمازته المختبأة خلف لحيته الخفيفة وقد انسدلت خصلته الثائرة دوما فوق جبينه العريض بينما همس بصوت اجش:
– يعني هو ايه اللي انت ريحتيني فيه من اول يوم شوفتك؟، على طول بتخليني أجري وراكي، ايش معنى انهرده … ياللا بجِملة الجري، بس عارفة…، سكت قليلا مداعبا خصلات شعرها المفترش الملاءة الحريرية حولها وقال :
– انت تستاهلي انى أجري وراكي عمري كله!، وكأن هناك شعاع انبثق من مقلتيه لتتسمّر في مكانها بينما يميل فوقها ليخطف شفتيها في قبلة رقيقة تحولت بالتدريج لأخرى متطلبة بينما يده اليسرى مدفونة بين طيات شعرها الكستنائي واليد اليمنى تحاول خلع مئزرها ليظهر أخيرا كتفيها المرمريتين، شهق سيف عاليا طلبا للهواء وقال وأحرف كلماته تنضح شوقا لاهب:
– أنا بحبك.. بحبك أووي أووي يا منة، أجابته منة والتي تشعر بحرارة عالية تغزو سائر جسدها بينما تعالت دقات قلبها فغدت كقرع الطبول وهي تهمس بصوت منخفض كهمس العصافير:
– وأنا… بحبك!، بحبك أوي يا سيف،… أطلق سيف تأوها عالٍ وقال :
– يااااه، أخيرا يا مُنايا، أخيرا قلتيها!، من هنا ورايح عاوز أسمعها منك في كل ثانية، وعهد عليا يا أغلى حاجه في عمر سيف انى ما هخلي الحزن يعرف طريقه بيننا، حبنا هيبقى أجمل قصة، ولا تقولي قيس وليلى ولا روميو وجولييت، قاطعته منة وهى تتلمس لحيته الخفيفة حتى وصلت الى خصلة شعره الشاردة على الدوام فأعادتها الى الخلف مع باقي خصلات شعره الابنوسي الجذاب كما كانت تحلم دائما منذ أن وقع بصرها عليه أول مرة، همست بحب بصوتها الجذاب:
– هتبقى قصة منة وسيف أجمل قصة #حب، مش ممكن تتكرر…
ليميل عليها سيف مُسكِتًا إيّاها بأجمل طريقة ممكنة بين العاشقيْن، ويحملها على جناح الحب الى عالم وردي حيث العشق اللانهائي ليتحدا تماما روحا و…جسدا، فتصبح روحيهما روحا واحده ولكن… في جسديْن!!……..

رواية ” جوازة نت” للكاتبة “منى لطفى” الحلقة التاسعة”

شعرت برفرفة ناعمة فوق جفونها المغلقة، رمشت بعينيها وفتحتهما لتطالعها إبتسامة سعادة صافية ترتسم على وجه رجولي في غاية الجاذبية وعينين تطالعانها بحب خالص بينما يهمس صاحبهما بخفوت شجي أمام شفتيها الكرزتين قائلا:
– صباح الورد على أحلى عيون، … ابتسمت منة ابتسامة ناعمة ونظرت الى سيف ترد عليه تحيته وقد استعادت ذكريات ليلة أمس قائلة بخفر وبصوت هامس وهي تسدل جفنيها حياءا:
– صباح النور….، مال عليها سيف مقبلا لها بين عينيها وقال:
– شكلك حلو أوي وانت نايمة ….، رفعت عينيها اليها تسأله بنعومة:
– انت صاحي من زمان؟؟، أومأ برأسه موافقا وهو يجيب بصوت أجش :
– أنا تقريبا ما نمتش!، خايف أنام وأقوم ألاقيني كنت بحلم، كان يجرالي حاجه بصراحه..، … أسرعت منة بوضع راحتيها الناعمتين فوق فمه وهى تقول بلهفة راجية:
– ألف بعد الشر عليك يا حبيبي، ما تقولش كدا…..، نظر اليها بوله وقد أعتمت الرغبة عينيه وهو يطالعها بعشق ناري سائلا:
– بتحبيني أوي كدا يا منة؟، حاولت إزاحة كفيّها جانبا ولكنه لم يسمح لها وقبض عليهما مقبلا باطنهما بينما تحاشت النظر اليه وقالت وهى تقضم باطن خدّها بينما ظهرت بقعتين حمراوتين في منتصف وجنتيها وكأنهما ثمرتي فراولة طازجة في انتظار قطفهما:
– طبعا… مش جوزي وحبيبي؟!، ورفعت عينيها اليه متابعة برنة صدق واضح لا يقبل الشكّ:
– انت جوزي وحبيبي وكل حاجه ليّا….، لم يستطع سيف أمام هذا الحب البريء الذي غرق في فيضه إلا أن يكتسحها بطوفان مشاعره الهوجاء التي لا تهدأ أبدا، فكلما رسى على صخرة حبهما طالبته بالمزيد من ينبوع حبها الصافي…..
استيقظت منة ثانية ولكنها كانت بمفردها هذه المرة، تطلعت حولها في أرجاء الغرفة فلفت انتباها صوت جريان الماء بالحمام، ابتسمت فلا بد أنه سيف ، حانت منها نظرة الى الساعة بجوارها فشهقت عاليا ورمت بغطاء الفراش جانبا وهى تقفز كعادتها غير منتهبة لوضعها وهي تقول بلهفة:
– هنتأخر، يدوب ألحق أجهز نفسي علشان الطيارة…
لتُصعق بمنظرها عندما حانت منها التفاتة الى المرآة التي وقفت أمامها وهي بدون ثياب، وسمعت في نفس الوقت صوت توقف المياه، فعلمت ان سيف لا بد وانه قد أنهى اغتساله وعلى وشك الخروج، كادت تبكي وهى تتلفت حولها علّها تجد مئزرها الحريري لترتديه لتستر نفسها ولكن الوقت لم يمهلها حيث سمعت صوت قفل باب الحام وهو يُفتح فتناولت أول شيء وقع عليه يدها وارتدته ، وما ان انتهت من ارتدائه حتى رأت سيف وهو خارجا من الحمام يُحيط خصره بمنشفة عريضة بينما يجفف شعره بأخرى أصغر منها ، أبعد سيف المنشفة عن وجهه واضعا اياها حول رقبته ونظر الى منة التي امتقع وجهها خجلا وقال وهو يقترب منها ببطء يطالعها من أعلى رأسها الى أخمص قدميها :
– ايه القمر دا؟، وصل اليها ووقف امامها ليمد ذراعا قوية لتحيط بخصرها وقال وهو يجذبها ناحيته بينما وضعت راحتيها على كتفيه الصلبتين تحاول ازاحته بعيدا عنها وهو يقول بصوت رجولي خشن:
– تصدقي قميص البيجاما عليكي شكله حلو أووي!!، شهقت ونظرت الى ما ارتدته يداها لتفاجأ بأنه قميص منامته الكحلي، رفعت عيناها اليه وقالت معتذرة بارتباك وخجل:
– معلهش أصلي مالاقيتش الروب بتاعي ما اخدتش بالي، قرّبها سيف منه وقال وهو يطبع على صدغها قبلة عميقة بينما تحشرجت أنفاسه وتسارعت أنفاسها هي:
– انت بتعتذري ليه، لعلمك أنا مش هغسل البيجاما دي، علشان تفضل ريحتك فيها!!…..، ، حاولت الحديث بصوت خرج متقطعا بالرغم منها:
– سيف أنا عاوزة أخد شاور ، انت ناسي معاد الطيارة قرّب؟!..
أجاب سيف وهو تائه في رائحتها الانثوية الخاصة :
– ايه رأيك نأجل الرحلة؟، ولا أقولك بلاش دلوقتي خالص!، احنا عندنا شهر طويل عريض نسافر في أي يوم براحتنا، المهم نكون مع بعض!!…، شهقت منة وقالت وهى تحاول الافلات من شفتيه اللحوحتين:
– لا يا سيف، انت وعدتني !!، تركها سيف متأففا وقال بحنق طفولي:
– يعني دلوقتي شرم بئيت أحسن منِّي!!، ابتسمت منة وقالت محاولة ارضاء هذا الطفل الكبير الواقف أمامها ممتعضاً:
– سيف حبيبي دي رحلة العمر، وبعدين يا سيدي كلها اقل من ساعه ونبقى هناك، علشان خاطري… ها؟؟،
تظاهر سيف بالتفكير قليلا قبل ان يجيب وهو مشيح بوجهه جانبا راسما العبوس على وجهه:
– ماشي يا منة، بس هناك كلمتي أنا اللي هتمشي، أقول ما فيش خروج، ما فيش نزول، ما فيش مجادلة…. تمام؟؟، قلبت منة عينيها وقالت بابتسامة ناعمة:
– تمام يا سي سيف، بس فُكّ التكشيرة دي شكلك أحلى وانت بتضحك!!..
لم يعرها سيف بالاً ، فاقتربت منه بخبث وأمسكت ذقنه براحتها اليمنى وقالت بغنج أنثوي جعل الدماء تسيل ساخنة في اوردته:
– ما تزعلش مني، أنا ما يهونش عليّا زعلك أبداً ، و… أهدته قبلة خفيفة على خدّه الأيمن، فكاد يحتويها بين ذراعيه ولكنه تماسك، فهمست أمام شفتيه وأنفاسها العطرة تضرب وجهه لتجعل سائر جسده يرتعش وكأنه يعاني من حمى قويّة، بينما تابعت بمكر أنثوي:
– لسّه زعلان؟، لتفاجأه بقبلة صغيرة ولكنها حارة فوق شفتيه ولم يكد يمد ذراعيه كي يحتويها بينهما حتى غافلته وهربت من بينهما وركضت الى الحمام الملحق بغرفة نومهما وسط ضحكاتها ونظرات المكر التي رمته بها ما جعله يهتف عاليا متوعدا لها ما إن تقع في يده…..
**********************************************
تناولا طعام الفطور في مطعم الفندق ثم جهّزا حقائبهما استعدادا للذهاب الى المطار وكانت عواطف قد هاتفت منة لتطمئن عليها مودعة اياهما وداعية لهما أن يتم الله عليهما سعادتهما….
انقضى اسبوعان على تواجدهما بالمنتجع السياحي الشهير بشرم الشيخ، كان وقتهما يذهب بين السباحة نهارا ثم التجول سيرا على الاقدام في شارع الشانزليزيه ليلا، وقد ذهب بها سيف الى عدة أماكن بشرم الشيخ، ولكن يظل أغلب الوقت يقضيانه بغرفتهما بالمنتجع بناءا على أمر سيف والذي قد أملاه عليها قبل وصولهما الى شرم من أنه هو وحده المتحكم في كيفية قضاء رحلتهما!!….
تركت منة سيف جالسا في مكانهما المفضل أمام البحر وذهبت الى غرفة السيدات حيث اغتسلت من ماء البحر، كانت تهوى السباحة التي علّمها اياها شقيقها، كانت ترتدي رداء للسباحة محتشم، يشبه رداء الضفادع البشرية بلونه الحالك السواد، فهو عبارة عن بنطال من قماش لا يلتصق بالجسم وبلوزة من نفس نوع القماش ذات أكمام طويلة ويغطّيها فستان الى الركبة بحمالات عريضة، ويخفي شعرها قلنسوة مشبوكة بياقة بلوزتها ترتفع لتغطي رأسها….
أنهت اغتسالها وأبدلت ثيابها بأخرى جافة ونظيفة عبارة عن بنطال من الجينز الازرق وفوقه قميص أبيض فضفاض يصل الى فوق الركبة بقليل ووشاح ذو ألوان مبهجة ربطته بشكل أنيق وعملي، تناولت حقيبتها القش الواسعه وقد انتعلت حذاء البحر وردي اللون ثانية ، واتجهت حيث ينتظرها سيف الذي اغتسل تحت احدى رشاشات المياه المنتشرة حول البحر لغرض الاغتسال من مياه البحر….
كانت تقترب من سيف عندما لاحظت اتجاه نظراته، كانت ترقد على مقربة منهما أنثى يظهر عليها أنها أجنبية وذلك من ملامح وجهها، كانت ترقد فوق كرسي البحر العريض بوضع شبه نائم، ولكن ما أغاظها كان رداء البحر الذي …….لا..ترتديه!!
همّـت بالسير حيث يجلس سيف والذي كان ينظر الى البعيد حيث البحر، بينما يتصاعد بداخلها شعور حارق ذو مذاق لاذع تشعر به يحرق جنبات صدرها، شعرت أن الأدرينالين قد بلغ لديها أعلى من مستواه الطبيعي بنسبة عالية، لا تعلم ما هذه الأحاسيس التي تختلج بدواخلها، فلأول مرة تشعر بالشيء وعكسه، فهي تشعر بحرارة لاهبة تضطرم في سائر جسدها ولكن…. يرافقها برودة عالية جعلت أطرافها مثلجة!، شعرت بالدموع تلسع عينيها ولكن مع غيظ وقهر شديد يكاد يفتك بها!، تُرى هلى هذا هو الشعور المسمى بالغيرة حقًّا؟، ان كان هو فهي هالكة لا محالة!، هل تحب سيف لهذه الدرجة المؤلمة؟، انها تكاد تصرخ معلنة ملكيتها له، فهو رجل لأمرأة واحده…. هي.. مُناه… وهو سيفها، لا يحق لأي إمرأة ان تطالعه كما تطالعه هذه العاهرة التي تكاد تأكله بعينيها!،…. اتجهت بخطوات قوية حتى أنها شعرت بقدمها تكاد تحفر أرض الشاطيء من قوة خطواتها حتى وصلت اليه، وضعت حقيبتها بجلبة ملحوظة فوق المنضدة البلاستيكية المستديرة التي تتوسط جلستهما وقالت وهى تنظر اليه بتأفف زافرة بحنق:
– بتبص فين يا سيف؟، لينظر اليها سيف دهشة وهو يقول:
– ببص فين يعني ايه؟، لم تكن منة ممن يحسنون تخبأة مشاعرهم، فحانت منها نظرة الى تلك الانثى التي تضطجع بالقرب منهما دون أن تشعر، تتبع سيف نظراتها، فابتسم بمكر، ثم جذبها من يدها لتجلس على الكرسي المجاور له وقال بابتسامة لم يستطع مداراتها:
– بتغيري عليا يا مُنايا؟!، هتفت منة بحنق:
– سيف بقولك ايه.. ما تجنينيش!، عينيك كانت عندها بتعمل ايه؟، ترك سيف يدها واعتدل في جلسته مريحا ظهره الى مسند الكرسي مادا ساقيه أمامه وكان لا يزال برداء البحر الاسود الخاص به والذي يمتد من وسطه الى ركبتيه، عقد ساعديه وقال بلامبالاة وهو يحرك كتفيه بحركة بلامعنى:
– عينيا راحت عندها زي ما أي حد من القاعدين عينيه راحت عندها !، بس الفرق ان عينيا رجعت عندي هنا تاني انما فيه اللي عينيه لسه قاعده هناك متونِّسه بيها!!…
شهقت منة عاليا ثم كشرت عن أنيابها وقالت وهى تميل عليه بحدة:
– وانت بأي حق عينيك تروح عندها؟، انت متعرفش ان كدا حرام؟، دا إسمه زنا عيْن يا أستاذ!!…
انتفض سيف في مكانه ونظر اليها وكأنها مخلوق خرافي آتٍ من كوكب آخر وهتف بذهول وعدم تصديق بينما انتاب جسده قشعريرة قوية كمن لمس سلكا كهربائيا عارٍ:
– ايه.. زنا!!، يا شيخة أعوذ بالله ، انت بتقولي ايه؟!، مش انا الوحيد اللي بصيت كل واحد وواحده هنا بص، بس انا استغفرت ربنا وبعدت عيني على طول!!…
نظرت اليه منة في شك وقالت بتساؤل:
– صحيح يا سيف؟، زفر سيف حانقا هذه المرة وقال بحدة:
– منة انت اتهبلتِ؟، أنا تقوليلي كدا؟، مالت عليه منة وقالت بما يشبه التوسل:
– علشان خايفة عليك يا سيف، انت عارف ان النظرة الاولى ليك والتانية عليك، وانا عارفة ان بنت اللذينة دي باللي هي مش لابساه دا علشان ما ينفعش اقول لابساه، هي اللي بتخلي الناس تبص عليها، بس انا عاوزة سيف حبيبي يبقى غير الناس، وضعت راحتها على وجنته ممسدة لحيته الخفيفة وقالت بحب يشع من بين مقلتيها :
– عاوزة ربنا يبارك لنا في حياتنا يا سيفي، أنا عارفة انك غصب عنك، بس علشان خاطري حط دايما في دماغك انه داين .. تدان!، واوعى تعمل حاجه ما ترضهاش لنفسك أو ليَّا!!
تنهد سيف عميقا وقال وهو يقبل باطن راحتها:
– حاضر حبيبتي، وعاوزك تكوني واثقة ومتأكده انه لا هي ولا عشرة زيّها يملوا عيني، انت حبيبتي خلاص ملّيتي عيني وقلبي وحياتي كلها !، ثم همس بصوت يفيض رغبة:
– بقولك ايه ما تيجي نطلع نرتاح شوية قبل العشا؟، لم ينتظر اجابتها وجذبها موقفا اياها على قدميها وسحبها وهو يركض وهى تركض خلفه للحاق بخطواته وضحكاتهما السعيدة تصدح في الأجواء….
طلبا وجبة خفيفة لشخصين من خدمة الغرف حتى يحين موعد العشاء، كان سيف جالسا فوق الاريكة العريضة يقلب في قنوات التلفاز وهي بجواره حتى انتبهت الى فيلم ” الرهينة “، يبث على احدى القنوات الفضائية، قفزت في مكانها هاتفة بلهفة:
– سيب يا سيف الفيلم دا، أنا بحبه اووي، نظر اليها سيف ورفع حاجبه قائلا بشبح ابتسامة:
– يا سلام!، بتحبيه أوي؟!، دا على أساس ان الفيلم دا ماشوفتيهوش 500 مرة مثلا!، دا كل شوية يتعرض…
قالت منة وهى ترفع كتفيها بلامبالاة بينما أولت انتباهها كاملا الى الفيلم المعروض امامها :
– مش مهم، خلِّيهم 501 !، اسكت بقه خليني أتابعه، الفيلم دا كل ما اشوفه كأني بشوفه لأول مرة.. مش ممكن بصراحه…
تصنع سيف اللامبالاة وهو يجيب ناظرا الى شاشة التلفاز امامه بينما يسترق اليها النظرات بين كلمة واخرى:
– آه .. فعلا… عندك حق!، ياسمين عبد العزيز عامله دور زي العسل، البنت دي وهم بصراحه.. خفة دم وحلاوة ما فيش بعد كدا!!….، ألقت اليه منة بنظرة عابرة وقالت ببراءة مصطنعه وهى تولي اهتمامها لأحداث الفيلم أمامها:
– اممم، عندك حق فعلا… من الممثلات اللي بموت فيها، بس سيبك انت عز اللي ما فيش منه!، نظر اليها باستنكار وقال حانقا رغما عنه:
– نعم!، مين عز دا؟…، نظرت اليه منة بدهشة مفتعلة واجابت:
– عز؟!، أحمد عز يا حبيبي، بجد فنان …. شكل، وخفّة دم، وتلقائية في التمثيل ، ايه … من الآخر بصراحه…
نهرها سيف بحدة:
– ايه ايه ايه، حيلك حيلك!، انت ناقص تقولي فيه شعر؟… نظرت اليه متسائلة بدهشة مزيفة:
– ايه يا سيف انت اتضايقت ولا ايه؟، ليجيبها بحنق شديد:
– لا ابدا، عمّاله تشعري فيه ولا كأن جوزك قاعد جنبك…
أجابت منة ببراءة مزيفة وهي تقترب منه في جلستها لتلتصق به تماما واضعة يدها على ذراعه التي استشعرت توتر عضلاته تحت اصابعها الرقيقة:
– ايه بس اللي ضايقك يا حبيبي؟، دا فنان وطبيعي انى أمدح تمثيله، عادي يعني.. زي ما انت عجبك ياسمين انا كمان احمد عجبني!!…، ليهتف بنزق وهو يستدير ناظرا اليها :
– بردو بتقول أحمد عجبها؟!، انت يا ستي أنت مش واخده بالك ان كلامك بجح شويتين تلاته اربعه؟!، احمد مين دا اللي عجبك؟،….، احتضنت منة ذراعه وقالت بغنج أنثوي بينما تقسم في سرّها أن تذيقه من لهيب هذا الشعور الناري المسمّى .. الغيرة…، فهي الى الآن لا تستطيع نسيان نظرات هذه الساقطة التي كانت تأكله بها، في حين أنه قد أقسم لها أنه لم ينظر اليها سوى مرة واحده فقط، ولكن حتى هذه المرة هي تكاد تجزم أنها تعدت الدقيقة الكاملة وإلّا كيف استطاع معرفة أن هناك ترهل في منطقة الفخذين وأن هناك نمش يعلو كتفيها؟!!…. فقد وقع بلسانه قائلا لها انها لا تلفت الانظار بجلدها المترهل المحيط بأردافها وهذه البقع السمراء التي تلوّن كتفيها!!!، أقسمت في سرها وهى تطالعه ببراءة مصطنعه:
– ماشي يا سيف… إمّا توّبتك الصنف كلّه ما بقاش أنا منة…..
قالت بغنج أنثوي:
– ايه بس يا سيفي زعلان ليه؟،..حبيبي أنا بتكلم على فنان.. فنان.. الناس كلها بتُعجب بيه ستات ورجالة، طيب بلاش… عمر الشريف… حسين فهمي… روبيرت دي نيرو… كلهم عمالقة فن وحلوين حلاوة..، وأصدرت صفيرا عاليا من بين شفتيها قائلة وهى تغمز بعينها:
– مووووز … موووز… بصراحة!!..
انتفض سيف وصرخ قائلا بينما فتيل من اللهب بدأ بالاشتعال داخله:
– انت اتهبلت صح؟، أسندت وجهها الى ذراعه بجانبها وقالت:
– لا .. غلط!، مالت على وجنته مقبلة له قبلة عميقة وقالت:
– ولا تزعل سيفي انت ما فيش زيك… طول وكسم ورسم، ما شاء الله عليك بجد، احنا بنتكلم يعني حبيبي….
أومأ سيف برأسه زافرا بيأس وقال بعبوس طفيف:
– خلاص… بس اتعلمي تاني اوعي أحس انه حد عاجبك ولو عنده 100 سنة هيفضل بردو راجل….تمام؟، هزت رأسها مجيبة بجدية مصطنعه :
– تمام….، وبعد برهة وأثناء مشاهدتهم لأحداث الفيلم هتفت منة:
– مش بالذمة شبه نادر الخالق الناطق؟، قطب سيف متسائلا بحيرة:
– نادر مين دا؟، ومين اللي شبهه؟، رفعت نظراتها اليه وقالت بدهشة زائفة:
– نادر!، نادر ابن خالتي.. مش شبه أحمد عز الخالق الناطق؟، ثم تابعت من دون أن تترك له مجالا للاجابة:
– أنا فاكرة كل ما كانت واحده صاحبتي تشوفه بالصدفة وهو عندنا كانت تقولي احمد عز ابن خالتك دا يجنن!!…
وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير، زمجر سيف هاتفا وهو يغلق التلفاز ضاغطا بقوة على جهاز التحكم الخاص به:
– لاااااا، انت شكلك كدا مش هيجيبها لبرّ انهرده!….
نظرت اليه منة بسخط وقالت باعتراض حانق:
– ايه يا سيف، اخص عليك… عاوزة أكمل الفيلم!!، مال فوقها مشرفا عليها مما جعلها تميل راقدة فوق الاريكة بينما سيف يعاجلها بعبارات حانقة:
– فيلم ايه اللي تكمّليه؟،…ايه هو انا مش مالي عنيك ولا ايه؟، شوية احمد عز ودلوقتي نادر ابن خالتك… انت مش حاسة بنفسك؟… نظرت اليه منة لوهلة بغموض شاب عينيها وتحدثت بهدوء:
– انت ليه واخد الموضوع بالشكل دا؟، يعني مثلا لما شوفت الست اللي كانت ع البحر انهرده واتضايقت انت قلت لي انه عادي، وانا كمان بقولك عادي…. ممثل حلو… مش لوحدى المعجبة بيه، وكون انه شبه نادر ابن خالتي حاجه ما تضايقش…. ماتبقاش حِمَئي كدا يا حبيبي، ثم كررت عليه نفس عبارته التي سبق وقالها:
– انا ما حدش يملى عيني وقلبي وحياتي غيرك!!….
نظر اليها سيف بريبة، وقال عاقدا حاجبيه:
– انت بتردهالي يا منة؟، دي… بـدي؟….
مسدت منة بظهر أصابعها لحيته الخفيفة وقالت بدلال معترضة:
– تؤ تؤ تؤ، ليه بتحسبها كدا، هو انا اللي كنت قلت لهم يعرضوا الفيلم دا بالذات؟، ما تبقاش حنبلي يا روحي؟!….
زمدر سيف بوحشية قائلا وهو يعتصر خصرها بين يديه بقوة جعلتها تطلق آهة ألم رغما عنها:
– حنبلي؟، ماشي يا مُنايا… أنا هوريك الحنبلي دا هيعمل ايه، وصدقيني مش هخليكي تلتفتي لحد تاني ولو قط دكر ماشي في الشارع… لانه وقتها حسابك هيبقى عسير اووي، عقدت جبينها هاتفة بسخط:
– ايه؟، يا سلام !، إزاي يعني…..، ليبتلع باقي عباراتها بين شفتيه مغيّبا اياها في عناق قويّ استمر لساعات طويلة…
*************************************************
انتهت رحلة شرم الشيخ وعادا الى منزلهما، ذهبا لزيارة عائلتها في اليوم التالي لعودتهما واحتفوا بهما عائلتها سعداء برؤية ابنتهما وزوجها والسعادة تملأ أعينهما جليّةً، تبادل سيف واحمد القفشات والنكات المرحة، عرضا عليهما أن يبيتا ليلتهما معهم ولكن سيف اعتذر فهما مضطران للسفر الى بلدته لزيارة عائلته في الصباح الباكر فلم يبق على عودتهما الى العمل سوى يومين…
وصلا الى منزل عائلة سيف الواقع فوق ربوة عالية محاط بأشجار باسقة ، استقبلوهما بزغاريد الفرح والطبل والمزمار، فإبن كبيرهم قادم في زيارة مع عروسه…..
كانت منة في غاية السعادة وهي تشاهد فرحة أهل البلدة بها كعروس لإبن كبيرهم، ولمست فرحتهم الصادقة بزواجهما ومدى ولائهم وحبّهم لعائلة زوجها…
استطاعت منة كسب محبة عائلة زوجها جميعا، ولكن كان أكثر من دخلت قلبه واستطاعت الفوز بحبه هو ….والد زوجها، الحاج عبدالهادي….
لم يكن يحلو له المُقام الا معها، كان عبدالهادي شخصية قوية ولكن بطيبة، حازمة ولكن مع حكمة، واستطاعت منة بفطرتها السويّة وحُسن أخلاقها وبراءتها التلقائية اكتساب محبته…
كان يعاني من مرض السكر وارتفاع ضغط الدم، وكثيرا ما كان يعاند في تناول الأطعمة الخاصة به، وحدها منة من استطاع أن يجعله يتقبل هذا النوع من الطعام، وكانت بالمقابل تقوم بعمل الحلوى له والتي كان يحب تناولها بشدة ولكن بطريقة آمنة لمرضى السكر، فكانت تعتمد على سكر الفاكهة وبعض انواع من السكر الخاص لمرضى السكر، كانت تبرع بعمل الاطعمة الخاصة به، مكثا لدى عائلته اسبوعا كاملا بناءا على الحاح والده، ولم يستطع سيف تمديد اقامته اكثر من ذلك، ما زال يتذكر أول يوم لهما عندما استيقظ من نومه ولم يجدها بجواره، ذهب للاغتسال من فوره وارتدى الثوب التقليدي الذي يرتديه اثناء مكوثه بالبلدة، كان يهبط الدرج عندما سمع صدى ضحكتها الصافية، فتتبع مصدر الصوت ليجدها جالسة في المطبخ بجوار والدته والتي كانت تضحك معها وهي تقوم بعجن الدقيق أمامها، وكان هناك ايضا النساء اللاتي يخدمن عائلته منذ سنوات طويلة، كانوا يطالعن سيدتهن وهي تعلم كنّتها كيفية صنع خبزهم الشهير ” البتّاوْ “، رفعت منة نظراتها لتفاجأ بسيف يقف مطالعا لها كان هناك لطخة من الطحين فوق وجنتها واخرى فوق جبينها لم تنتبه لها، وقف سيف يطالعها وهو عاقد ساعديه أمامه، هتفت بحبور:
– سيف، صباح الخير….، التفتت والدته له وقالت وسط ابتسامة عريضة ملأت وجهها:
– صباح الخيرات يا وَلَديْ، …..
اتجه سيف الى أمه مقبلا اياها على راسها وظهر يدها، وقال بابتسامة:
– صباح النور يا أم سيف…
ثم التفت الى زوجته واتجه ناحيتها واحاط كتفيها بذراعه ومال مقبلا وجنتها قائلا بابتسامة:
– صباح الورد يا منة…، ومسح باصبعه اللطخة التي تلون وجنتها فاصطبغت وجنتا منة باللون الاحمر فيما ضحكت والدته قائلة:
– احتشم يا باشي مهندز… جودامي كُمَانْ…و قال سيف وهو يحتضن كتفي منة بذراعه بلكنته الصعيدية:
– بَـهْ… مَرَتِيْ يا أمااايْ، إتوحشتها جوووي جووووي…، وكزت منة سيف في خاصرته بينما صدحت ضحكات والدته التي قالت:
– ماشي يا عريس، اتفضل انت بجه من إهنِه… واحنا هنحضّر لك الفطور حالا…
نظرت منة الى سيف وقد تناست خجلها وقالت بلهفة بينما عينيها تمتلئان سعادة:
– انا اللي هحضر الفطار، عمتي علمتني ازاي ألت وأعجن!، بصراحه انا نفسي من زمان أتعلم اللّت والعجن…. وانهرده لتيت وعجنت!!…
لم يستطع سيف تمالك نفسه وصدحت ضحكته عاليا وقال:
– يا سلام!، لتيت وعجنت؟، قصدك لعبت!…
عبست منة في وجهه بطفولية بينما دافعت عنها والدته قائلة:
– لاه يا سيف يا وَلدي، ماليكش حج واصل، حتى الحاج لما داج الخُبز من تحت يدها جال انه مظبوط وكانها مش اول مرة تلت وتعجن!!…
نظرت اليه منة وقالت باغاظة:
– ربنا يخليه ليّا بابا الحاج، دايما رافع معنوياتي، مش بيكسر مجاديفي زي ناس!!….
طالعها سيف بنظرة متوعدة بينما طرته والدته من المطبخ ضاحكة وهي تقول:
– ياللا يا باشي مهندز، روح اجعد في البرانده على ما نحضر لك الفطور…
وانتهت أيام شهر العسل وعادا كلا من منة وسيف الى العمل، كانا يذهبان سوية في الصباح وتعود منة بمفردها اذا تأخر سيف في العمل، وكان الامر لا يخلو من بعض المشاحنات كأي زوجين حديثا العهد بالزواج ولكن حبهما كان يتغلب على أية خلافات…
كان قد مر 6 أِشهر على زواجهم عندما بدأت منة تستشعر القلق لعدم حصول حمل، كانا في زيارة خاطفة لعائلة سيف عندما سمعت والدته تحادثه بهذا الأمر صدفة، وكان جواب سيف قاطعا في هذا الشأن أنهما لا يزالان في بداية حياتهما وأن هذا الأمر بيد الله، هي لا تنكر أنها تحب حماتها والأخرى تبادلها المحبة ، ولكنها أولا وأخيرا أم وتريد رؤية أحفادها، خاصة وأن سيف هو الولد الوحيد حتى كان ذات يوم….
عادت من يومها من العمل مبكرا، دخل سيف المنزل وهو يناديها واغلق الباب خلفه، توجه الى المطبخ فلاحظ ان السكون يسوده، اتجه ناحية غرفة النوم وما ان اقترب حتى سمع صوت تأوهات تصدر من داخل اغرفة، فتح الباب سريعا ونظر في ارجاء الغرفة ليجدها فارغة، ثم لفت انتباهه ان الصوت صادر من الجمام الملحق بالغرفة، اتجه من فوره اليه، طرق الباب مناديا منة، سمع صوت تأوهاتها، نادى بالحاح قائلا:
– منة .. منة حبيبتي افتحي الباب، انتظر ثوان مرّت عليه وكأنها دهر قبل ان تفتح منة الباب لترتمي على صدره من فورها، ليتلقفها سيف بين ذراعيه بهلع وقد هاله منظر شحوب وجهها الواضح وهتف:
– منة حبيبتي…. لتهوى فاقدة الوعي بين ذراعيه..
– طمّني يا دكتور عندها ايه؟، سأل سيف الطبيب الذي هاتف أحمد لإحضاره، ابتسم الطبيب المسنّ وقال وهو يناول سيف ورقة مكتوب عليها بعض الكتابات باللغة الانجليزية:
– أنا كتبت لها هنا بعض التحاليل علشان تعملها، مش هقدر أوصف لها أي أدوية الا لما نتيجة التحاليل تطلع!!..
شعر احمد بقلق سيف وبادر بسؤال الطبيب:
– خير يا دكتور، حضرتك شاكك في حاجه معينة؟
ليبتسم الطبيب بينما سيف يتحرق قلقا بانتظار الاجابة:
– ما تقلقوش كدا، كل الحكاية انه فيه احتمال بنسبة كبيرة جدا ان المدام تطلع حامل… عموما التحاليل هتوضح لنا….
تسمر سيف في مكانه بينما تهلل وجه احمد وقال وهو يخبط سيف بمرح فوق ظهره:
– مبروك يا أبو نسب، والله وهتبقى أب وهبقى خال…
نظر سيف الى احمد قائلا بغير تصديق:
– أب!، وما لبثت أساريره أن أشرقت واتجه من فوره الى منة بينما ابتعد احمد لمهاتفة أمه…
دخل سيف الى منة الجالسة في وسط الفراش، مال عليها مقبلا يديها وقال بحب:
– حامل يا منة؟، احمر وجهها وقالت:
– الدكتور سألني شوية أسئلة كدا، وقاللي انه 90% حمل، بس بردو نعمل التحاليل علشان نتأكد….
هتف سيف بلهفة:
– من النجمة هاخدك ونعمل التحاليل..
وظهرت نتيجة التحاليل ايجابية….
مرت الشهور على ابطالنا… منة وسيف حبهما يقوى مع مرور الايام، وان كان الامر لا يخلو من بعض المناوشات والشجارات الخفيفة ولكن #حب منة لسيف كان يجعلها لا تقوى على خصامه كثيرا كما كان عشق سيف لمنة لا يجعله يقوى على رؤيتها حزينة فكان يسارع لمصالحتها…
نشوى ومدحت تزوجا ولكن عانت نشوى الأمرين من غيرة مدحت المفرطة، وما زاد الطين بلة أنه قد ثبت لديها أن مدحت يعاني من مرض الانفصام في الشخصية، وهذا المرض للاسف لا يظهر بوضوح على المريض، فمن يراه أو يجلس معه يكاد يجزم أنه سليم مائة بالمائة ولكن من يحتك به هو من يلاحظ علامات غريبة عليه هي علامات هذا المرض….
تزوج احمد وايناس وأتى والد ايناس لأحمد بعرض مغر في البلد العربي التي يعمل بها هو ووالدتها وقرر احمد خوض التجربة والسفر فاقتصر العمل على سيف وعمر ومنة وسحر بعد ان تركت نشوى العمل نزولا عند رغبة مدحت والذي قد اصطنع شجارا مع سيف في آخر زيارة له لنشوى مصطحبا اياها في العودة، فكان غيورا كثير الشك بها…
انقطعت اخبار غادة بعد الانتهاء من العمل الموكل لمكتب سيف…..
اقترب موعد ولادة منة وتقرر مكوثها عند والدها لحين ولادتها، كان سيف يذهب اليها يوميّا بعد العمل الذي امتنعت عنه منة بأمر من سيف نفسه خوفا عليها، ولم تكن منة قد علمت جنس المولود رغبة منها لجعلها مفاجأة…
جاء يوم الولادة حيث فاجأت منة آلام المخاض فجرا، اتصلت عواطف بسيف الذي جاء راكضا على جناح السرعة حيث كان يقود سيارته على السرعة القصوى قاطعا جميع الاشارات…
وضعت منة مولودها بصورة طبيعية بعد مخاض طويل وصعب، كاد سيف خلاله أن يفتك بالطبيب بل وبطاقم التمريض بأكمله….
جاء والدا سيف على جناح السرعة عندما علم بولادة منة التي انتقلت الى غرفة خاصة بينما……تم ايداع المولودتيْن في غرفة المواليد الخاصة بهم، فكانت المفاجأة ان المولود لم يكن واحد بل اثنين أو بمعنى أدق إثنتين …بنتيْن آية في الجمال ….وقد أسماهما سيف بعد شجار طويل مع منة والتي أصرت على تسميتهما بنفسها، كانا في غرفتها بالمشفى ومعهما عائلتها ووالديْ سيف عندما اعترضت منة قائلة:
– يعني أنا أتعب ويطلع روحي وانت تاخد على الجاهز؟، قال سيف بضحك:
– يا سلام!، نظرت اليه منة وسط ابتسامات الموجودين المتابعين للجدل الدائر امامهم بمرح، أجابت منة بحنق:
– ليه ان شاء الله… مين اللي شالهم في بطنه 9 شهور مش انا؟، ومين اللي شاف الموت بعينيه وهو بيولدهم مش انا؟، تقدر تقوللي حضرتك تعبت في ايه؟، نظر اليها سيف الجالس بجوارها على الفراش بخبث ومال عليها هامسا بمكر كي يضمن عدم سماع الباقين له:
– أقولك تعبت في ايه وما تزعليش؟، ايه هتعملي زي القطط تاكي وتنكري؟!،… بقه أنا متعبتش؟، طيب عيني في عينك كدا!، دا كان تعب ومجهود كبير كمان!!، قطبت منة قليلا محاولة فهم مقصده وما لبثت ان فهمت ما يرمي اليه وهى ترى غمزته الماكرة له، كتمت شهقة غيظ ثم أشارت اليه باصبعها ليقترب منها، ومالت على أذنه هامسة بكلمة واحده جعلته يفغر فاه دهشة ويفتح عينيه على وسعهما ثم هتف دهشة:
– منة… انت بتقولي ايه؟، ، قالت منة بهدوء وجدية:
– اللي سمعته حضرتك، وربّنا ما يترد على كلامك الا بالكلمة دي!!…
قال سيف بأسف زائف وهو يحرك رأسه يمينا ويسارا:
– لا لا يا منة، انت بئيتي أُم دلوقتي، فيه أُم تقول الألفاظ دي بردو؟، إنت اخلاقك اتغيرت خالص!!..
لتجيبه منة بذات الهدوء والثقة:
– مِن عاشر القوم حضرتك، تربيتك!!….
ليتعالى صوت والد سيف بضحك:
– انتم عمالين تتحدتوا بصوت اصغير ليه، خلاص يا سيف أم البنات جالت هي اللي عتسمي يبجى هي اللي عتسمي…
نظر سيف اليها قائلا بحنق مفتعل:
– افهم انت عملت ايه في الحاج خليتيه ما يرضاش عليك الكلمة حتى؟، نظرت اليه بغرور قائلة:
– سر المهنة يا بابا، كواليتي يا فندم كواليتي….
وتعالت الضحكات ولكن…. نفّذ سيف رغبته وأسمى ابنتيه… هَنا و…فرح..
************************************************
– هنا ، فرح … ابعدوا عن اللاب بتاع بابا، لو شافكم هيضربكم انتم حرّين…
ركضا كلا من هنا وفرح ذوات الثلاث سنوات هربا من أمهما التي أتت محاولة انقاذ الحاسوب الشخصي لسيف من بين براثن ابنتيها الشقيتين، فهي تعلم أن سيف يحتفظ عليه بعمله كاملا، جلست امام الحاسوب وهى تتوعدهما قائلة:
– ماشي يا هنا انت وفرح انا هكلم بابا أخليه ما يجيبش الشوكولاته اللي بتحبوها زي كل يوم، ثم انتبهت الى شاشة الحاسوب امامها وهى تقول:
– غريبة أول مرة ينسى اللاب مفتوح، هقفله علشان الزئرديتن دول ما يلخبطوش حاجه في الشغل بتاعه…
ما ان همت منة بضغط ازرار الحاسوب لغلقه حتى تراءى لها أسما غريبا في قائمة الاصدقاء لدى زوجها في حسابه على موقع التواصل الاجتماعي #الفيس بوك والذي من الواضح أن سيف قد سهى عنه وتركه مفتوحا، قطبت مندهشة من الاسم، لا تعلم أي هاجس أسرّ لها بفتح صندوق الرسائل الواردة لتُفاجأ بزلزال يهدم حياتها الهادئة مطوّقا اياها تحت أنقاض حبهما الذي كان يلفظ أنفاسه الأخيرة أمامها وهي تقرأ شهادة وفاته المتمثلة في بضع عبارات تربط بين حبيبها وأخرى لتعلنهما زوجا وزوجة في…..جـوازة …نِتْ!!

رواية ” جوازة نت” للكاتبة “منى لطفى” الحلقة العاشرة”
لم تعلم منة كم مرّ من الوقت وهي على حالها أمام جهاز الحاسوب الشخصي الخاص بسيف ، كانت كالتمثال في مكانها، لا تنظر الى أيٍّ من بنتيها اللتان ركضا اليها مطالبينها باللعب معهما، كانت نظراتها شاخصة على الكلام الظاهر أمامها في الشاشة، وكأنها استحالت الى صنم، لا شيئ يُظهر أنها كائن حي سوى دمعة وحيدة يتيمة نزلت من عينها لتلمع على وجنتها القشدية…
انتبه البنتان إلى صوت قفل الباب ثم خطوات أبيهما وهو ينادي بلهفة كعادته دائما:
– هَنايا، فرحي، مُنايا، انتو فين يا أغلى حاجه عندي….
دائما ما كان ينادي بناته بذلك، فقد أسرّ لمنة أن سبب تسميته لهما بـهَنا وفرح أنهما.. هنائه وفرحه، أما هي فـ… مُناه!!
دخل سيف الى غرفة الجلوس ليشاهد طفلتيه مفترشتين أرض غرفة الجلوس يلعبان بدُماهما، اقترب منهما ولم يكن قد انتبه بعد الى تلك القابعه خلف حاسوبه الشخصي وكأنها تمثال من الشّمع!!…
مال فوق طفلتيه وقال بابتسامة:
– حبايب بابا بيعملوا ايه؟، نظرتا اليه وقد ارتسمت ابتسامة عريضة على وجهيهما الملائكي واندفعا الى احضانه بقوة طرحته أرضا على ظهره بينما تعالت صدى ضحكاته وهو يسمعهما يقولان بلهجتهما الطفولية المحببة:
– بابااااا، وحثتنا اوي اوي يا بابا ، ليحتويهما بين ذراعيه ويفترشا صدره بينما يقول بحب طاغ:
– وانتو وحشتوني اوي اوي يا حياة بابا، اومال فين ماما؟، وقبل أن تجيب أيّ منهما ، لاحظ جلوس منة امام الطاولة المنزوية في ركن غرفة الجلوس، اعتدل في جلسته ليقف وهو يحمل كلا من ابنيته على ذراع وقال بابتسامة حائرة وهو يتجه ناحية منة:
– اللاه.. منة انتِ هنا؟، انا ما اخدتش بالي منك اول ما دخلت؟، لم تجبه، بل لم يطرف لها رمش، قطب جبينه في حيرة وتساؤل:
– منة حبيبتي… فيه حاجه؟، مالك حبيبي؟،……مالت فرح على أذنه وهمست كمن يسرّ له أمرا:
– ماما ثحلانه مننا، بث أنا ليشي دحوه، هَنا هي اللي قالت لي نلعب كيمس ( جِيمز )، واحنا قلنا لها كتيييْ اننا آثفين بث هي لثه ثحلانه!!..
ازداد عبوس سيف ولكنه ابتسم لأبنتيه وقال وهو يضعهما أرضا:
– طيب حبايبي روحوا العبوا في أودتكم دلوقتي ..، وقبّلهما ليركضا الى غرفتهما بينما تطلع هو الى منة القابعة في مكانها بجمود تام وكأنها ليست معهم…
اقترب سيف منها قائلا حيث كانت خلفية الحاسوب في مواجهته بينما استدار ليقف بجوارها مواجها لشاشة الحاسوب والتي لم يكن قد انتبه اليها بعد:
– ايه يا منون، انت زعلانه من البنات فعلا؟، يا شيخه دول أطفال سيبيهم يلعبوا انتـ…..، ليبتر عبارته عندما فوجيء بصفحة الرسائل الخاصة به في حسابه الشخصي على موقع #الفيس بوك، وتحديدا الرسائل الخاصة بـ “قلبي دليلي”، أحد الاصدقاء لديه!!….
ترنح سيف في وقفته وانحسر اللون من وجهه ونقل نظراته بين وجه منة الشاحب والذي يحاكي شحوب الموتى وبين العبارات المصفوفة أمامه بكل بساطة، نسي الكلام لوهلة، فتح فمه كثيرا ليتكلم فكان كالسمكة التي علق بفمها صنارة الصيّاد، وكـأن صوته قد غادره، حتى أذا ما وجده تكلم بصوت مهزوز وهو ينظر الى منة بعينين مذعورتين مملوءتين بالتوسل والرجاء الحار:
– منة…، منة حبيبتي، منة الموضوع مش زي ما انت فاهمه!، منة أنا هفهمك،…، ولكن .. لا حياة لمن ينادي، رفع يده ليضعها على كتفها وهو يلحّ عليها بينما بدأت عيناه تمتلئان بدموع حارة أبت أن تنسكب:
– منة أنا هشرح….، وكأن مسّا كهربائيا قد لمسها، اذ انتفضت في جلستها لتطالعه بنظرات شرسة وهى تنفض يده من على كتفها هاتفة بغضب قوي:
– ابعد عني، اوعى تلمسني!!…، ..هبّت واقفة تنظر اليه بمنتهى الغضب والحقد و…..الأسى!!، وقف سيف على بعد خطوات منها وقال بصوت مترجٍ مستعطف:
– منة، منة ارجوك اديني فرصة أتكلم…، نظرت اليه وعينيها تسبحان بدموع عتاب ولوم وتكلّمت بلوعة من بين شفتين مرتجفتين:
– ليه؟، …. لم تعطِه الفرصة للاجابة وتابعت وسط دموعها التي انهمرت تغسل وجنتيها الشاحبتين وعينيها تقتلانه بنظرات لوم وعتاب:
– ليه يا سيف؟، ليه؟،.. أنت يا سيف؟، … انت يا سيف تخونني؟، خـ… خيانة….خيانة يا سيف؟، …….وغطت وجهها براحتيها منخرطة في بكاء عال وهى تتردد من بين شهقات بكائها الحار:
– أنا.. مش مصدقة، مش مصدقة!! ، اندفع سيف اليها راجيا وهو يحاول ازاحة يديها جانبا :
– منة الموضوع مش زي ما انت فاهمه، مافيش خيانه ولا أنا اقدر اخونك..، انت عارفة أنا بموت فيكي أد ايه وبعشق بناتي، لا يمكن أخونك يا منة!! ، نفضت يديه الممسكتين براحتيها بقوة وقالت بينما انتفض شعرها ثائرا حول وجهها وهى تواجهه بغضب الأنثى المطعونة بيد حبيبها:
– أومال اللي انا شوفته وقريته و….. وسمعته يا سيف… دا يبقى ايه؟!!…
هتف سيف بيأس:
– مش خيانة!، أنا مش ممكن أخونك أبدا…دا….،
لتقاطعه منة بتحد:
– دا ايه يا سيف؟،
أجاب بلهفة حارقة لجعلها تتفهم ما يقوله:
– دا..دا….. نِـتْ!!….
عبست منة وسكتت لثوان وكأنها لم تسمع جيدا، ثم نظرت اليه عاقدة حاجبيها مكررة عبارته الاخيرة بحيرة وتساؤل:
– دا … إيه؟، نـِتْ!…، ليوميء برأسه ايجابا وهو يهتف برجاء:
– أيوة حبيبتي، دا.. نت!!، لتخرج عن طورها وهي تصرخ عاليا بقلب مجروح يرفرف كالطير المذبوح الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة بين جنبات صدرها:
– إيه؟، انت بتقول ايه؟، يعني ايه دا…نـِتْ!،…
اقترب منها سيف عاقدا أصابعه وهو يقول محاولا تهدئتها:
– اهدي بس يا منة واسمعيني، انا عمري ما لمست واحده غيرك،ولا…ولا قابلت حد من وراكي، انا عمري ما خنتك!..
لتهتف به بغضب صارخ:
– والهانم اللي انت متجوزها دي ان شاء الله كنت بتعمل معاها ايه؟، ايه بتتكلم معاها أخوّة؟، و…..، – سكتت لا تعرف كيف تنطقها ولكنها لفظتها كمن يبصق شيء بذيء من بين شفتيه – والـ… المناظر المقززة اللي انا شوفتها دي معناها ايه؟، لا تكون بئيت دكتور نسا وانا معرفش!!….
صرخ سيف بانفعال فاقدا لتماسكه فهو يرى حبيبته في أقصى درجات الانهيار بسببه هو!، بسبب نزوة طيْش أصابته في لحظة وسوس له فيها شيطانه مزيًّنا له الخطيئة في لحظة ضعف كان يعاني فيها من ابتعاد حبيبته عنه وانشغالها بأمر التوأمين!…كانت علاقته بتلك الأخرى قد بدأت كأي إثنان يتعرفان عن طريق الانترنت عبارة عن محادثات فقط ولكن ليتطور الأمر بعد ذلك الى ما لا يحمد عقباه!!، صرخ سيف هاتفا:
– افهمي، كل اللي انت بتقولي انك قريتيه وشوفتيه دا نزوة، انا غلطت بعترف بـكدا، لكن دي مش خيانه، بلاش الصورة البشعة اللي انت بتصوريها بيها دي، انا الست دي ما شوفتهاش ولا قابلتها خالص، كله نت في نت!!….
نظرت اليه منة قاطبة بصمت قليلا قبل ان تنفجر في ضحك هستيري بينما دموعها تلطخ وجهها وهو يطالعها بنظرات ذاهلة، وقلبه يتخبط بين جنبات صدره خوفا على حبيبته التي تكاد تفقد صوابها، هدأت بعد قليل وقالت من بين ضحكاتها الصغيرة:
– دا … نِـت!،… بجد؟، يعني الموضوع عادي!، … وتابعت باستخفاف وسخرية:
– ما هو طالما ما تقابلتوش في الحقيقة يبقى خلاص، انت ما خُنتش!، واللي حصل دا مش مشكلة، ما هو أصلك لازم تمسكها بين ايديك علشان يبقى اسمك خنتني، لكن القرف اللي انا شوفته دا عادي كأني بتفرج على فيلم سيكس!، هو فيه سؤال معلهش يعني… هو ايه اللي خلاك تتجوزها بورقة ع النت؟، ايه عاوز علاقتكم تبقى شرعي؟!!…
زفر سيف بيأس وأجاب:
– منة… أرجوك، افهميني ، بقولك دي نزوة، طيش، لكن مش خيانة، وبعدين انت قلتيها.. دي جوازة عن طريق النت!… وهو فيه حاجه اسمها جواز..نت؟!، لعبة سمِّيها، أي حاجه ، لكن خيانه …لأ!!..
صمتت منة لبرهة ثم تحدثت وهى لا تكاد تصدق ما تسمعه منه محركة رأسها مرارا من اليسار الى اليمين:
– لا…لا لا لا، انت مش ممكن تكون سيف، انت…انت بتبرر الغلط؟، .. ثم واجهته بقوة قائلة وهى تنظر اليه في عينيه بتحد صارخ:
– يعني لو كنت لاقيتني بتكلم مجرد كلام بس على النت كنت هتتقبل الموضوع عادي؟، ما هو خلاص بقه…. دا.. نِتْ!!…
اقترب منها سيف بخطوتين وقبض على ذراعيها بقوة وهو يتكلم من بين أسنانه في غيظ شديد:
– اوعي أسمعك تقولي كدا تاني، فاهمه؟، واوعي … اوعي تفكري ترديهالي يا منة…لأنك بجد عمرك ما هتتصوري عقابي هيكون شكله ازاي؟!…، جذبت ذراعيها بقوة آلمتها من بين قبضتي يديه التي غدت كالكماشة وهتفت بحدة قوية:
– لكن أنا بقه عارفة عقابي أنا ليك شكله إزاي!!،،،،،ثم ابتعدت عنه متجهة الى باب الغرفة والذي كان قد أغلقه خلف بناته في وقت سابق وفتحته بقوة حتى ارتطم الباب بالحائط خلفه بينما هو واقف يحدق فيها بحيرة وذهول فيما وقفت امامه تقول بعنفوان بالغ قبل ان تخرج:
– من اللحظة دي يا باش مهندس… عقابي ابتدا!!…
ليقطب سيف بتساؤل ودهشة في حين اتجهت الى غرفة بناتها منادية بصوت عال:
– هـنا… فرح…، لتسمع صوتهما فاتجهت الى غرفتهما لتراهما جالستان الى فراشهما يلعبان بدميتهما ، اتجهت اليهما وركعت بجوار الفراش على ركبتيها ومدت ذراعيها محتضنة إياهما بينما دموعها تترقرق في عينيها، وكأنهما شعرا بحزن أمهما، نظرت اليها هَنا قائلة بصوت يكاد يبكي بينما راحة يدها الصغيرة تمتد لتربت على وجنة أمهما فتمسح حزنها الواضح:
– احنا آثفين يا ماما… مث هنعمل كدا تاني… بث ما تذعليش…
احتوتهما بين ذراعيها بقوة وفرح تردد عبارات توأمها، بعد أن هدأت قليلا أبعدتهما عنها وقالت بابتسامة حاولت رسمها :
– ايه رأيكم… نروح نزور تيته وجدو، وتلعبوا مع مرام بنت خالو احمد، فرصة تقضوا معاها يومين قبل ما تسافر تاني مع باباها ومامتها، ليقفز الاثنتان بين احضانها فرحا مهللتيْن:
– هيييييه، هييييييييييه،…..، وقفت منة ونظرت اليهما قائلة:
– طيب حبايبي، نقعد ساكتين لغاية ما احضر الشنط…..
جلبت حقيبة جلدية من فوق خزانة الثياب الخاصة ببناتها وقامت بوضع ثيابهما وأشيائهما الضرورية كيفما اتفق، كانا يضعان معها العابهما ليلعبا بها مع مرام إبنة خالهما أحمد….
ما ان انتهت من وضع أشيائهما، أقفلت الحقيبة وحملتها متجهة الى باب الغرفة لتضعها هناك، ثم التفتت اليهما راسمة ابتسامة على وجهها وقالت:
– هروح أحضر شنطتي انا كمان، مش عاوزة شقاوة..
واتجهت الى غرفة النوم لتحضير لوازمها، فيما كان سيف جالسا في غرفة الجلوس ساندا مرفقيه الى ركبتيه دافنا وجهه بين راحتيه، وهو لا يصدق ما حدث، فهو في حالة ذهول صارخ، لا بد أنه يحلم!، لا أنه ليس بحلم.. بل هو كابوس فظيع!، يدعو الله أن يستيقظ منه عاجلا…..
تطلع الى الباب حيث اختفت منة، ثم قام متجها الى غرفة بناته ليغيّر طريقه في آخر لحظة متجها الى غرفة نومهما، فتح الباب ليقف مصعوقا وهو يراها تتحرك بهستيرية بين الخزانة والفراش حيث الحقيبة المفتوحة والتي ترمي بها ثيابها بعشوائية شديدة، وقف يتطلع اليها مبهوتا للحظات قبل ان يتقدم الى داخل الغرفة بعد أن اغلق الباب خلفه، لترفع عينيها اليه حيث كانت تضع اشيائها في الحقيبة، طالعته بتحد وقوة، ثم اعادت انتباهها ثانية الى ما تفعله، في حين تقدم سيف حتى وصل الى مقربة منها وتحدث بعد ثوان من الصمت فقد شعر أن صوته خانه مما يراه أمامه، ولكنه نجح في التحدث بالأخير وأن كان بحشرجة عالية ونبرة مشروخة وهو يتساءل في ذهول:
– إنتِ…. إنت بتعملي ايه؟، وقفت تطالعه قليلا ثم تابعت عمل ما بيدها وهي تجيب ببرود شديد:
– زي ما انت شايف!….
اتجه ناحيتها حيث أولته ظهرها واقفة أمام الخزانة تتابع إخراج ثيابها وقال بعدم تصديق:
– انت… انت بتلمي هدومك؟، هتسيبي البيت؟… التفتت اليه باندفاع وقالت بغيظ وسخرية:
– لا وانت الصادق… هنسيب البيت!!…
عقد سيف جبينه مرددا في دهشة وحيرة:
– ايه؟، هتسيبوا؟!….
تركته منة واقفا على حالته التي أصابها الذهول الحاد واتجهت لتضع ثيابها في الحقيبة وهى تجيب بسخرية:
– تمام، هنسيب البيت، علشان تبقى براحتك، عاوز.. نِت، عاوز بحق وحقيقي.. انت حُر، دي حياتك وانت حرّ فيها!!…
اتجهت الى الحمام الملحق بغرفتهما لتأتي بلوازمها الخاصة في حين وقف يطالعها مقطبا غير قادر على فهم ما صرحت به…
سار اليها حتى وقف على مقربة منها فيما هي منحنية على الحقيبة لتغلقها، ازدرد ريقه بصعوبة وسحب نفسا عميقا قبل ان يقول:
– منة، ممكن تفهميني ايه بالظبط اللي انت فاكره نفسك بتعمليه؟..
رفعت رأسها تطالعه بحدة واجابت بسخرية شديدة:
– فاكرة نفسي؟!، ثم اعتدلت واقفة ما ان انتهت من اغلاق الحقيبة وتابعت وهي تسحب نفسا عميقا:
– أظن سبق وقلت لك، انا وبناتي هنسيب البيت….
ليتقدم سيف بخطوات بطيئة مكررا عبارتها بتساؤل عاقدا جبينه بشدة فيما عرق ينتفض بقوة في صدغه دليل على غضبه الناري الذي بدأ يفور داخله:
– ومين اللي هيسمح لك ان شاء الله انك تعملي الجنان اللي بتقوليه دا؟…
صمتت منة قليلا قبل ان تتحدث ببرود ثلجي:
– انا مش بستأذن ولا بطلب السماح من حد أني أمشي!،…انا حرة نفسي … والقرار اللي انا اخدته مافيش رجعة فيه!!…
وصل اليها ليطالعها بشرارات تتقافز من بين فحم عينيه المشتعل معيدا عبارتها:
– اللي قررتيه؟، اللي هو؟…..
نظرت اليه قليلا بنظرات مظلمة قبل ان تشدّ من نفسها متحدثة بجمود:
– حياتنا مع بعض مش ممكن تستمر…، ابتعلت ريقها لتحاول المتابعة بذات البرود والذي بدأ بالتصدع ولكن لا يزال ما قرأته وشاهدته ماثلا أمام عينيها، رفعت كتفيها ونظرت اليه متابعة بصوت خاوٍ:
– ط… طلقـ….، ليسارع بوضع يده فوق فمها مكمما اياه وهو يهتف بلوعة وغضب بينما بدأت العبارات بالتجمع في مقلتيها مهددة بالسقوط في أية لحظة:
– إوعي تنطقيها!، أبدا… أبدا يا منة، طول ما في صدري نفس، وطول ما أنا عايش.. عمري.. عمري ما هسمح انك تفارقيني لا إنت ولا بناتنا!!….
أغمضت عينيها قليلا ثم فتحتهما ناظرة الى عينيه السابحتين في غيمة من الدموع ، مدت يدا ترتجف مزيحة يده من على فمها وقالت بصوت أبحّ محاولة التماسك:
– مش هينفع يا سيف، للأسف.. أي حاجه ممكن أسامح فيها…إلّا…. الخيانة!!….
صرخ سيف بلوعة:
– انا ما خونتكيش افهمي!!..
لتصرخ عاليا وقد هطلت دموعها مغرقة وجهها الحزين الدامي:
– لا.. خنتني يا سيف!، ومع أحط انواع البشر، وبأقذر الطرق، انت مش بس خنتني إنت أغضبت ربك كمان!!، احنا خلاص يا سيف انتهينا…، سمعت… انتهينا !!، وأولته ظهرها منخرطة في نحيب عال وهى تحاول عدم اظهار صوت واضعة يدها على فمها….
اقترب منها سيف ورفع يدا مترددة ليمسك كتفيها بين يديه وهو يقول بترجي:
– منة، منة سامحيني، انا… انا غلطت…، بس هي جات لي في وقت انت كنت بعيدة عني فيه، البنات خدوكي مني، انت عارفة انت ايه بالنسبة لي، انا كنت بحس انى مش جوزك وبس لا وابنك كمان، انت كنت بتعمليلي كل حاجه، حتى هدومي انت اللي بتشتريهالي، ومرة واحده مالاقتكيش، هي دخلت لي في وقت كنت ضعيف فيه، لحظة ضعف يا منة سامحيني فيها وارحميني!!،..
التفتت اليه منة تطالعه مقطبة وأجابت:
– نعم؟، عاوز تقول ان أنا السبب!!..
هتف بها وهو يمسك بكتفيها جيدا بين يديه:
– لا … انا بس بشرح لك السبب اللي خلاني أعمل كدا، انت عارفة ومتأكده انى مقدرش ابعد عنكم يوم واحد، انتو حياتي يا منة ، فاهمه يعني ايه حياتي ؟!…
تحدثت منة بصوت ميّت:
– وانت بإيدك نهيت حياتك دي!!.
ليصرخ سيف عاليا بينما قبضته تشتد على كتفيها:
– افهميني…، الموضوع أتفه مما تتصوري، الحكاية كلها هزار ولعب و….، لتقاطعه هي بسخرية ومرارة تقطر من بين أحرف كلماتها:
– وايه؟، نِت!!…
صمت فيما تابعت وهي ترتجف حزنا و…غضبا:
– قولي يا سيف، الموضوع دا من امتى؟، من امتى وانا نايمة على وداني يا سيف؟….
هرب سيف من عينيها وأجاب بتحشرج:
– من…. من سنتين!!..
شهقت بلوعة:
– ايه؟، سنتين!!..
حاول تهدئتها هاتفا:
– اسمعيني حبيبتي، الموضوع الاول كان شات ع #الفيس، واحده اتعرفت عليها في جروب من الجروبات اللي بندخلها وابتدينا نتكلم ونفضفض، ما كانش قصدي خالص انه يبقى كدا، لغاية….لغاية…
تابعت منة بهزل متطلعة اليه في سخرية وحزن:
– ما هو للأسف يا سيف… أول تنازل بس اللي بيبقى صعب!، بعد كدا كل حاجه بتكون سهلة…، هي أول مرة بس!!..، وتابعت بحزن عميق وهي تشير الى نفسها:
– اسهل حاجه عندكم تحطوا اللوم على الست، ما جاش في بالك ابدا ان انت كمان وحشتني؟، ان محتاجة لأيدك تطبطب عليا، إنى اشتقت لقاعدتنا سوا، ما تصورتش ابدا انى عايشة نفس اتلفراغ اللي انت عايشه؟، انى بمر بنفس المرحلة اللي انت مرِّيت بيها؟، انت… انت فاكر اني اهملتك واهتميت بالبنات وما سألتش نفسك ولا مرة انا ازاي كنت بوفّق بين بيتي وولادي وشغلي؟، اقتربت منه لتنظر في عينيه وهى تتابع بمرارة:
– مين اللي كان بيشتغل معاك لما احمد ونشوى مشيوا؟، مش ..أنا!، لما جيت قلت لي انه المكتب مصاريفه زادت ومش عاوز تطلب فلوس من عمي… قلت لك ايه؟، قلت لك هنشيله سوا ونوفر مصاريف ومرتبات، كنت بروح الشغل وبطني قودامي مترين ولما ولدت وشديت حيلي كنت بجيب البنات عند ماما وانزل، كنت بنزل 3 ايام في الاسبوع بس معظم الشغل بشتغله من البيت!، عمرك في يوم جيت لاقيت بنت من البنات مش نضيفة؟، لاقيت هدومك مش مغسولة؟، مالاقيتش الاكل جاهز ومستنيك؟!…
صرخ سيف عاليا تاركا كتفيها:
– مالاقيتش اهم حاجه؟، مالاقيتكيش إنت؟، كل اللي بتقوليه دا جميل ، بس انا فين من دا كله؟، انا اشتقت لمنة مراتي، حبيبتي ، صاحبتي، في لحظة حاسيت انك بتبعدي، كنت بين نارين… عارف انك معذورة بس في نفس الوقت متغاظ منك!، ودي جات في طريقي، بأي شكل أهي وقعت في سكتي!!..
عقدت منة ذراعيها واجابت بابتسامة ساخرة:
– يااااه، اتكعبلت فيها يعني؟، تمام زي الواحد ما بيتكعبل في أي زبالة!، يعمل ايه يسيبها ولا يوطي ياخدها؟!، عارف يا سيف الغلط مافيش أسهل منه، انا كمان ممكن كنت أبرر لنفسي انه انت معظم اليوم في الشغل مش بترجع الا متأخر اوي، وطبيعي انا هلكانه مع البنات اكون نمت، لكن طول الوقت اللي انا فيه لوحدي مش بلاقيك قودامي، معملتش زيك أنا ليه؟، لو على كلامك انى انا بعدت عنك فإنت كمان بعدت يا سيف!، تقدر تقولي اتى آخر مرة اخدت فيها اجازة؟، امتى آخر مرة صيفنا فيها؟، ما تلومنيبش يا سيف، اللوم عليك انت لوحدك، انت انسان ضعيف سلمت نفسك للشيطان، لكن أنا الحمدلله عارفة حدودي كويس وعارفة الصح ومن الغلط، وعمري ما جِه في بالي لو على سبيل التجربة انى اتكلم مجرد كلام حتى مع أي حد، حتى لو كان قريبي مش…..معرفة نـِت!!..
ابتلع ريقه بصعوبة ولم يُحر جوابا بينما تابعت تسأله محاولة البرود على الرغم من أن داخلها بركان يوشك على الانفجار ليحرق في طريقه الأخضر واليابس:
– معلهش سؤال يعني…. ليه الجواز صحيح؟، ايه فاكرين بكدا هيكون اللي بينكم شرعي!!…
ابتعد سيف بضعة خطوات وأعطاها ثم نظر اليها من فوق كتفه قائلا :
– هي اللي طلبت دا!، علشان ما تحسش اننا بنعمل حاجه غلط وحرام!!، وزي ما قالت… حياة كل واحد فينا مش هتتأثر بحاجه، لأنه في الأول والآخر.. دا….نـِت!!، بس بدل الجواز العرفي او المسيار هيكون ع النت بورقة بيني وبينها نكتبها ونحفظها في فايل عندنا !!….
نظرت اليه منة بذهول وعدم تصديق لما تسمعه ثم سألته:
– إيه؟، انت.. انت بتقول ايه؟، انتو بتحللوا على مزاجكم؟!، واذا كان الجواز العرفي او المسيار نفسهم حرام!، انتو بتتصرفوا على أي أساس أو شرع أو ملّة!!، لا دي مش ممكن تكون بني آدمة!، دي شيطان في صورة انسان!، الشيطان هو اللي بيزين المعصية والغلط…..
لم تنتظر اجابته وعاجلته بسؤال آخر:
– والشهود ان شاء الله اتصرفتوا فيهم ازاي؟… حسب معلوماتي الجواز العرفي والمسيار لازم لهم بردو اتنين شهود، ايه شيّرتوا العقد دا لاتنين من اصحابكم ع الجروب ؟!…
ازدرد سيف ريقه والتفت اليها ساحبا نفسا عميقا قبل ان يجيب محاولا الهدوء:
– كتبت بوست في الجروب انها اتجوزت!، مش لازم يعني الناس تعرف مين العريس، كفاية تعرف انها اتجوزت، وبكدا بدال شاهدين بقه عندنا 5000 شاهد… عدد أعضاء الجروب!!..
هتفت منة وهي تصم أذنيها براحتي كفيها بحدة:
– بس، بس كفاية، مش عاوزة أسمع…….
قطع سيف المسافة التي تفصلهما في خطوتين اثنين وقال بلهفة:
– بس، بس خلاص يا منة، خلاص يا حبيبتي… انا هقطع علاقتي بيها نهائي، اساسا أنا بقالي فترة مش بكلمها!!..
لتبعد يديها عن أذنيها مجيبة بسخرية وغيظ:
– ما تقولش حبيبتي دي!، وبعدين هتحلها ازاي ان شاء الله؟،…ايه… هتعملها بلوك؟، فاكر انك بكدا حلِّيت المشكلة!، للاسف يا سيف دي مش مشكلة دي…. كارثة!!، وانا مش هقدر لا أسامح ولا أنسى….، انا عند بابا وورقتي توصلني لو سمحت…
وتركته لتتناول حقيبة الثياب وحقيبتها اليدوية من فوق الفراش متجهة الى باب الغرفة لتوقفها صرخة سيف باسمها، أمسكت مقبض الباب الذي فتحته وطالعته بعينين يغشاهما الدمع الغزير والذي انساب كخيط اللؤلؤ فوق وجنتيها بينما وشاحها معلق في رقبتها، تحدثت بصوت ضعيف ولكنه ثابت:
– للأسف يا سيف، ما بقاش ينفع..
ثم ابتسمت ابتسامة صفراء متابعة بأسف وحزن عميق:
– حياتنا مع بعض… إعتبرها.. أكونت وإتقفل!!!….
وسارت متجهة الى غرفة بناتها وهي ترتب من وضع الوشاح حول رأسها لتغطي شعرها ، حضر بناتها ركضا على صوت والدهما الصارخ، اتجهت الى غرفتهما لتجر حقيبة الثياب الخاصة بهما، وما ان همت بفتح باب الشقة حتى سمعت صوته يأتيها صارخا من خلفها حتى أن توأميها قد انتفضن من هوْل الصوت ، ركض اليهما ليغلق الباب بقوة عاصفة وقال وهو يلهث مستندا عليه بكتفه:
– على جثتي يا منة، انت مش هتتحركي خطوة واحده من هنا لا إنت ولا بناتي، ولو مُصرّة يبقى تخرجي لوحدك، انما بناتي،….ونظر الى بنتيه اللتين تطالعانه بخوف وحيرة، فرفعهما على ذراعيه متنقلا بنظراته بين وجهيهما الصغير وهو يتابع بقوة:
– بناتي هيفضلوا في حضني، مش هسمح انهم يبعدوا عني ولو شبر واحد أو حتى ثانية واحده!!..
طالعته منة بذهول وقالت بصوت متقطع لشدة دهشتها مما تسمع:
– إنت….أنت بتقول ايه؟، بناتي هييجوا معايا في أي حتة أروحها، انت فاكر انه بعد اللي انت عملته دا هآمن على بناتي معاك؟، هتربيهم ازاي ولا هتعلمهم ايه؟،.. بلاش…. مش خايف يدفعوا تمن جريمتك؟!، داين .. تدان يا سيف، داين.. تدان!!….
نظر اليها سيف بقوة وقال مشددا على كل حرف يخرج من فِيهِ:
– وربنا غفور رحيم، وانا غلطت واعترفت، بس مش معنى كدا انك تعلقيلي المشنقة، بصي يا منة… من الآخر طلاق مش هطلق، وخروج من هنا لا إنت ولا بناتي هتتنقلوا خطوة واحده من غيري، أظن واضح؟!….
أجابت بحدة:
– انت.. انت ماتقدرش تمنعني انى اخرج!، تفتكر ان عملتك المهببة دي لما اهلي يعرفوها هيسكتوا؟، لا.. تبقى غلطان… وانا اللي مش هعيد كلامي تاني يا سيف، احنا خلاص انتهينا، ومافيش قوة في الارض هتخليني أغيّر كلامي!!..
تطلع سيف اليها بحدة وما إن همّ بالكلام حتى تعالى رنين جرس الباب، قطب سيف، وأنزل ابنتيه قائلا لمنة آمرا:
– ادخلي انت والبنات!، نظرت اليه برفض صارخ قائلة:
– ليه ان شاء الله..خايف يكون حد من اهلي وأتحامى فيه؟، قاطعها سيف بحدة:
– منة، ادخلي جوّه….
ليقاطع حوارهما صوت طرقات عالية متتالية على الباب يصرخ صاحبها بقوة بالغة قائلا:
– افتح الباب يا سيف، حالا….، قطب سيف ومنة ليتبادلان النظرات الدهشة المتسائلة فلم يكن الصوت سوى صوت…أحمد شقيقها!!…
فتح سيف الباب وهو يقول مندفعا:
– فيه ايه يا أحمـ….، لتقاطعه لكمة قوية من قبضة أحمد ألقته بعيدا داخل الشقة، صرخت منة بينما اتجه أحمد اليه ليرفعه الى اعلى ساحبا اياه بقوة من مقدمة قميصه وهو يقول بغضب ساحق من بين اسنانه:
– يا ابن……، أنا تعمل في اختي كدا، وعاجله بلكمة أخرى جعلت سيف يكاد يتهاوى أرضا لولا أن أسندته ذراعيه قويتين نظر لصاحبهما الذي هتف بأحمد قائلا:
– خلاص يا احمد مش كدا!!، ليصرخ أحمد وهو يزمجر محاولا الوصول الى سيف لضربه مجددا بينما يحول بينهما جسد عمر الصلب:
– اومال ازاي يا عمر؟، ها… فهمني ازاي؟،…..
نظر سيف الى احمد وهو يمسح خيطا من الدماء التي سالت على طرف ذقنه بينما وقفت منة مصعوقة مما يحدث امامها وهى تضم ابنتيها اليها وهما يدفنان رأسيهما في تنورتها وصوتهما يعلو بالبكاء، لفت صوت بكاء الاطفال نظر عمر الذي تحدث بغضب:
– ممكن تهدا بقه شوية؟، علشان خاطر البنات على الاقل!!
لاحت من سيف نظرة الى ابنتيه، ركع على ركبتيه فاتحا ذراعيه لهما فطالعا والدتهما بتردد خائف قبل ان يندفعا الى احضانه فتأوه وهو يحتويهما بقوة بين ذراعيه متنفسا رائحتهما العبقة، وهو يقول ملطفا:
– ما تخافوش حبايبي، ما فيش حاجه، ادخلوا اودتكم دلوقتي!!..
نظرا اليه بينما مسحت هنا بيدها الصغيرة الدم السائل من فم والدها وهى تقول من وسط دموعها:
– بث… بث انت بينذل منك دم!، ، ثم رفعت عينيها الشبيهتين بعيني والدها الى خالها متابعة بغضب طفولي:
– انا.. انا مث بحبك!، انت ضيبت بابا ليه؟، انا اما أكبيْ هضيبك زي ما ضيبت بابا….
اجابت منة محاولة تهدئة ابنتيها:
– معلهش حبايبي، مش انتو لما بتزعلوا من بعض احيانا بتضربوا بعض؟، خالوا ما يقصدش حاجه…
تدخل احمد قائلا محاولا التحدث بهدوء حتى لا ينفر منه ابنتي أخته:
– معلهش حبايبي انا .. انا زعلان شوية ، تقدمت اليه فرح قائلة بحزن طفوليّ:
– لما انا وهَنا بنضيب بعض ماما بتسعق لنا، وانت كبييْ مش صغييْ يعني عايف كويس ان الضيب غلط، متعملث كدا تاني، ماثي؟، ركع احمد على ركبتيه محتويا فرح بين ذراعيه وهو يقول بغصّة حزن في صوته:
– ماشي حبيبتي، أنا..أنا آسف ليكم انتي وهَنا، ومد يده الى هَنا الي أتته تركض وهى تقول :
– قول آثف لبابا كمان!، تدخلت منة قائلة بحزم:
– هَنا ، فرح ادخلوا جوه دلوقتي، اطاع البنتين أمر والدتهما فهما تعلمان جيدا أنها ما ان تتحدث بتلك النبرة حتى يكون الأمر واجب النفاذ وبدون نقاش!!…
وقف احمد أمام سيف وسأل بغضب وحزن:
– ما فكرتش في بناتك قبل ما تعمل عملتك المهببة دي؟، هي دي الامانة اللي أمنَّاك عليها يا سيف؟، انت كان مُخّك فين وانت بتهبب اللي انت عملته دا؟..
تبادل منة وسيف النظرات وعينيْ منة تعلمانه بدون كلام انها لم تخبر أيّاً كان بما حدث، انتبه أحمد الى النظرات الدائرة بينهما فقال ساخرا:
– منة مش هي اللي قالت لي يا سيف!، وعلى فكرة مش انا كمان اللي عرفت…. اكتر من 500 واحد عرفوا، الـ 500 دول الفريندز اللي عندك..دا… اذا ما كانش اصحابك كتروا عن 500 زي ما انا فاكرهم!!..
اعتدل سيف في وقفته امام احمد ونقل نظراته بين هذا الأخير وبين عمر الذي اجاب على تساؤل سيف الصامت في عينيه قائلا بأسف وأسى وهو يشيح بوجهه جانبا:
– للأسف يا سيف، خبر جوازك لفّ #الفيس كلّه!، كل اصحابك تقريبا راحت لهم صورة من الورقة اياها!! ، في الغالب الـ… الست اللي انت عملت معاها كدا.. هكرت على الاكونت بتاعك وشيّرت الفايل لكل الفريندز اللي عندك!!…
شهقت منة بقوة واضعة يدها على فمها وعينيها متسعتيْن بصدمة بالغة بينما صرخ سيف بذهول وعدم تصديق بالغيْن:
– إييييه؟!!…..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *