حب خلق بداية2
الفصل الخامس
عزيزى خطاب، ما تريده بخصوص الجميلة ثريا لن يحدث مطلقًا، اترك ما تفكر به، لأنك في النهاية لن تحصل عليه، لن تكون لها بديل عنهم، لن تصلح من الأساس، ستُكره من قِبلهم، والعائلة هذه ستظل مترابطة إلى آخر الدهر، وهي بحبها خلقت بداية للجميع، فلن تنهي تلك البداية لارتباطها بك.
بعد انتهاء مراسم عقد القران، في اليوم التالي كانت ثريا مقاطعة حليم منذ لحظة عدم جوابه عليها وتجاهله لها، مما أثار حزن نور عليها، هبط إلى الأسفل وجدها حزينة فابتسم لها يحنو عليها قائلًا:
– خلاص بقى يا ماما، سيبيه براحته، هو هيجي من نفسه ويحكي ليكي.
نظرت ثريا أمامها بشرود قائلة:
– حليم زي سراج أبوه، عارف إني مش بحب الأسرار، ولازم يحكي، نور لو تعرف احكي انت.
تنهد نور قائلًا:
– حليم دا صعب.
فجأة ظهر حليم فوق الدرج، فقام نور بوضعه في مأزق فناداه قائلًا:
– تعالى يا سي حليم، لازم تحكي لماما ليه بتعامل عم خطاب وحش.
استكمل حليم نزوله على الدرج، وصل إليهما وابتسم قائلًا:
– لا أنا معاملتوش وحش، انتي اللي بيتهيألك يا ماما ثريا.
نظرت ثريا إلى نور قائلة:
– مش قلتلك يا نور، حليم نسخة من سراج أبوه، مش بيحب يقول اللي عنده.
زفر حليم بخنق قائلًا:
– من فضلك يا ماما ماتطلعنيش شبيه لبابا.
لوت ثريا شفتيها بسخرية قائلة:
– حاضر يا حليم، وانت كمان بطل تعمل زيه وتخبي أسرار، أنا آه خبيت أسرار وحقكم عليَّ كلكم، بس والله دا كان لمصلحتك.
واستطردت تتراجع قوتها قائلة:
– قول لي بقى مالك ومال خطاب يا حليم؟ وانت كمان يا نور؟
صمتا ينظران لبعضهما، ولتوفر عليهما عناء الإجابة زفرت بخنق قائلة:
– ولا أقولكم أنا مش عايز ، أنا ماشية.
غادرت ثريا المكان وتركتهم، ليبتلع نور ريقه قائلًا:
– نور مين؟ وأنا مالي؟ هو أنا جيت جمبه؟ اللي حصل كان قدامها، واللي لازم تستجوبه هو انت مش أنا.
ابتسم حليم ابتسامة باهتة وقال:
– أنا هقولك .
حدق نور في وجهه قائلًا:
– هو فيه سبب يعني؟
هز حليم رأسه بالإيجاب قائلًا:
– انت مش ملاحظ إنه رافض رجوع أمي، وأنا لما عرفت كدا قلت لازم أعرف السبب.
رد نور بضيق قائلًا:
– وما واجهتوش ليه أحسن؟
رد حليم بسخرية قائلًا:
– ما انت عارف دا بيطلع سره بالعافية، بس برضو اللي مضايقني من عمي خطاب السبب فيه هو بابا.
ضرب نور على كفيه قائلًا:
– أقولك إيه؟ أنا نفسي تعبت، بس بابا السبب في إيه معلش؟
واستطرد بحيرة:
– اللي أعرفه إنه كان مشارك عمي خطاب وفض شراكته علشان شاكك إنه طمعان فيه.
هز حليم رأسه بالسلب قائلًا:
– لا، اللي حصل إن أمي اتهمت عمي خطاب إنه حاول يعتدي عليها، بقت تزيح كل واحد ما بينها وما بين بابا، وبعدت عنه أهله.
واستكمل حديثه بأسى:
– حتى انتم كانت عايزة تبعدكم لأنها كانت عارفة إن ماما ثريا حامل، وفي كل مرة كان بيحن وعايز يرجع لماما ثريا، كانت هي بتقوم باختراع أي حاجة والهدف تعطيله.
كتم حليم الدموع في عينيه وأبى أن تهبط دموعه، ليحزن نور على حاله ويردد قائلًا:
– خلاص يا حليم انت كبرت وانت ابن ثريا، لحد ما جه اليوم اللي عرفت بمحض الصدفة إنك ابن واحدة تانية، بابا مالوش ذنب يا حليم وعمي خطاب كمان.
وتابع نور بحزن:
– بابا كان راجل زي أي راجل، نفسه يكون أب، كان حاسس إن عمره قليل، وكمان بابا كانت خبرته قليلة، لكن انت برضو ماقولتش ليه انت أخدت موقف من عمي خطاب؟ وبابا السبب ليه؟
ثم أردف وهو يوضح له قائلًا:
– وبعدين خلي بالك، آه ماما وقفت الشغل على رجليها، بس من غير عمي خطاب ماكنتش هتجتهد وتقدر.
تنهد حليم بغضب قائلًا:
– عمي خطاب كان دايمًا بيقول لبابا إنه لو مات هو الوريث الوحيد لأملاك هو نفسه مش تعبان فيها، أبوك طبعًا حط الموضوع في دماغه قوي.
ثم استطرد بمشاعره الجياشة:
– وحلف إنه يتجوز بسرعة ويخلف، بس قصاد دا كسر بخاطر ماما ثريا يا نور.
نظر له نور وأحس بمشاعر حبه تجاه ثريا وحزنه على كسر قلبها، ثم ربت على كتفيه قائلًا:
– خلاص يا حليم اهدى، أنا مقدر إحساسك، وعلى فكرة بابا عمل حاجة جميلة، إن احنا الأربعة بقينا إخوات.
ابتسم حليم قائلًا:
– فعلًا، حاجة ماتتقدرش بالمال، بس حطم قلوبنا، خلاني غير متزن.
ليتذكر حليم أحداث ليلة أمس، عندما شاهد وئام تدلف إلى منزلهم بجوار قدري، ليشعر بالتيارات النارية تتصاعد في صدره، حيث تأنقت كعادتها بفستان أسود ضيق ومثير جدًا، يظهر قوامها الرشيق مغلف كله بالترتر اللامع.
كل هذا كان في بداية الحفلة، لينتهز فرصة دخولها إلى المرحاض لتعديل هيئتها ومسح دموعها الرقيقة، عندما شاهدت زياد يميل على جبين ميارا ويقبلها بحب، كم تمنت أن تكون بنفس مكانها ويكون هو حليم المقبل لها، عند خروجها من المرحاض استوقفها حليم قائلًا بحزن:
– ماكنش فيه داعي تيجي تحضري كتب كتاب ميارا وانتي لسه مخطوبة.
عقدت ما بين حاجبيها بتعجب، يبدو أنه صدق حديثيها السابق عن كونها سيتم خطبتها، وذلك عندما رآها تدخل الحفلة مع قدري، تناسى أمر أنه جارها وطن أن قدري خطيبها، ولكن لعله خير ستحطمه قليلًا، ابتسمت وئام بسعادة مصطنعة قائلة:
– وانت متضايق إنك شفتني مع خطيبي؟
تضايق من سؤالها، فقام بالرد عليها بمصداقية هي تفاجئت منها، حيث قال وهو يتنهد:
– جدًا.
حجزت وئام الحيرة بعينيها، فهي لم تتوقع تلك الصراحة منه، ولكنها ظلت متماسكة وردت بحدة قائلة:
– انت مالكش الحق لا تتضايق ولا تنبسط لأي حاجة تخصني، مالكش الحق إنك توقفني أو تكلمني في أي مكان.
أغمض حليم عينيه بمرارة وسألها قائلًا:
– مش كنتي بتقولي إنك بتحبيني؟
رفعت يدها لتوقفه عن استكمال سيل كلماته الناعمة وردت بكل قوة:
– كان دا في الماضي، احنا ولاد النهاردا، وكل واحد مننا في طريق، عن إذنك.
تركته ورحلت من أمامه، تركته يتجرع الندم ولتزيدها عليه أكثر بحثت عن قدري ورحلت معه أمام الجميع كأنهما حبيبان عاشقان وليس أمر خطبة فقط، ليتمكن الشك بداخله، أهي مثل ولاء أمه؟ كان يظنها مثل ثريا لا تتناسى حبها وعشقها، ولكن يبدو الأمر ليس كما توقع.
في الشقه التي انتقاها زياد، والتي أصرت ميارا على الزواج فيها وليس بمنزل العائلة، كانا يقومان ببعض الترتيبات لجهازهما وحان موعد الاستراحة واحتساء الشاي، نظرت ميارا إلى زياد تتأمله قائلة:
– زياد، هو أنا لو ما مخلفناش هتعمل فيَّ زي ما بابا عمل في ماما ثريا؟
كان يحتسي الشاي والشاي نصف ساخن، ولكن انتابته لسعة حرارته كأنه صب للتو وتحدث قائلًا:
– إيه اللي انتي بتقوليه دا؟
هزت كتفيها قائلة:
– بسأل وبشوف هتكون زي أي راجل وهتتهبل على العيال ولا لأ، بابا ماقدرش يصبر، أنا عايزة أعرف انت لو في مكانه هتعمل إيه؟
نظر إليها لتزفر قائلة:
– يعني شايف اللي عمله صح ولا غلط؟
وضع زياد فنجان الشاي على الطاولة ونهض واقترب منها ليجلس بجوارها قائلًا:
– طيب ليه السؤال دا بس؟ مالوش لزوم، انتي شاكة إني ممكن أعملها؟
هزت ميار رأسها بالسلب قائلة:
– لا، بص أنا عارفة إنك بتحبني، بس دا حلم الأبوة عند كل راجل، وأنا من حقي أتطمن من النقطة دي بالذات، وحاجه كمان الصراحة….
قطعت كلامها وترددت أن تطلب منه، ولكن ما باليد حيلة فقالت:
– عايزاك تبقى صريح معايا وتقول لي دايمًا اللي في قلبك وتقول كل اللي بيحصل حوالينا سواء من حليم أو نور أو حتى باباك.
شعر زياد لأول مرة أن نصفه الثاني قد يخسره في أي وقت بسبب عدم الصراحة، ومن كثرة صمته تنهدت ميارا بحزن قائلة:
– أنا آسفة إني طلبت منك حاجة، شكلك مش هتساعدني ولا هتقدر على الصراحة معايا، يلا نمشي.
نهضت بغضب ليستوقفها بيده ويجذب كفيها قائلًا:
– انتي غلط يا ميارا.
نظرت إليه مطولًا نظرات غاضبة ورحلت.
بعد رحليهما هاتف والدته وعلم منها أنها بالنادي ليتنهد بتعب قائلًا:
– خلاص يا ماما، أنا بس قلقت عليكي.
شعرت ذكرى أن ابنها معذب فسألته قائلة:
– مالك يا زياد؟
زفر زياد قائلًا:
– ميارا يا ماما عايزاني أبقى صريح معاها وأبلغها بكل الكلام اللي بيحصل، دا غير إنها سألتني: هو أنت ممكن تتجوز عليَّ علشان تخلف؟
تضايقت ذكرى قائلة:
– مفيش فايدة العرق دساس.
عقد زياد ما بين حاجبيه قائلًا:
– يعني إيه؟
لوت ذكرى شفتيها بامتعاض قائلة:
– ميارا ولاء تبقى أمها، سيبك من الموضوع دا، أنا هحلها سلام دلوقتي.
كاد أن يوقفها ولكنه استمع إلى رنين فصل الخط، شعر أن يود أن يخنق نفسه برابطة عنقه على ما اقترفه في حق نفسه من سرده لذكرى ما دار بينهما.
في النادي كانت ذكرى تجلس مع ثريا ليأتيهما نور بعد تدريبه للتنس قائلًا وهو يحتسي العصير:
– معلش بقى يا طنط ذكرى ماقدرتش أهنيكي على كوباية العصير بتاعتك، أخبار الذكريات معاكي إيه؟ ولا انتي زهايمر زي زياد؟
تعالت ضحكات ذكرى قائلة:
– ولا يهمك يا نور، أنا آه اسمي ذكرى واسم على مسمى، بس بدأت أنسى كتير، احنا كبرنا، البركة فيكم بقى يا شباب.
رفعت ثريا سبابتها بغرور قائلة:
– لااا، اتكلمي على نفسك، أنا لسه شباب والحمد لله يا أوختي، مش متجوزة زيك، الجواز بيقلل الذاكرة، وكويس إني ماعملتهاش.
ابتسمت ذكرى بحزن قائلة:
– أنا أصلًا حاسة إن سنين عمري عدت زي الحلم، كلنا بنتمنى حد يقول لنا إن دا حلم.
ثم رفعت أنظارها إلى نور تسأله:
– انت مثلًا يا نور، مش نفسك في كدا انت وإخواتك؟ إلا إذا كنت مواعد حد بالجواز، يبقى هنا بقى حابب تكون كل حياتك حقيقة، انت إيه رأيك؟
وعندما اندهش من سؤالها استطردت تضرب له مثلًا بوالده قائلة:
– سراج أبوك -الله يرحمه- فضلت مامتك تقول له بلاش تشاؤم وإحساس إنك هتموت حتى بعد ما بقى عنده أربع عيال، لكن فضل الإحساس دا جواه، في رأيي احنا اللي بنحدد دا بإحساسنا.
واستكملت حديثها بنبرة حزن:
– طيب تعرف إن أنا حابة أرجع الذكريات كلها.
نظرت لها ثريا بخبث قائلة:
– طيب لو حاجة في الذكريات مش كويسة، هترجعيها برضو؟
تفاجئت ذكرى من سؤالها، لتبتسم لها ثريا بتأكيد قائلة:
– ده هيبقى جنون، قولي يا ذكرى إنك مش هترجعيها، احنا اتفقنا سوا زمان ننسى الماضي، بس انتي بتخلي بالاتفاق.
ثم شردت قائلة:
– أنا كمان خليت بس غصبن عني يا ذكرى.
ثم خرجت من شرودها تحثها وتشجعها قائلة:
– يا حبيبتي قولي لخطاب إن النقطة دي لسه مخلياكي حزينة، وهو أكيد هيكون عنده حل ليها.
ابتسمت ذكرى بسخرية قائلة:
– كان لازم واحد فينا يتغاضى زمان يا ثريا، يا هو يحس على دمه، يا أنا أعديها بمزاجي، وأنا عديتها بمزاجي.
جلس نور منصتًا لهما جيدًا، ثم حدق في وجه ثريا قائلًا:
– ماما اوعي تقولي إن فعلًا عمي خطاب كان له علاقة بمامت حليم وميارا.
شردت ثريا بحزن على صديقتها ذكرى قائلة:
– عمك خطاب أكتر واحد أذانا، هو السبب في كسرة قلبي، والسبب في بعد سراج عني.
ثم استطردت بحقد قائلة:
– علشان كدا لازم مامت حليم ترجع عشان المواجهة الكبيرة.
تنهدت ذكرى قائلة:
– مش هترجع يا ثريا، هو مش هيسمح بكدا، عارفة ليه؟ لأنه بيحبك.
واستطردت تترجاها قائلة:
– وانتي كمان يا ثريا بلاش تبقي السبب في رجوعها وتدمير اللي بينك وبين أولادك.
نظرت إليها ثريا باندهاش قائلة:
– غريبة يا ذكرى! انتي مش عايزاها ترجع علشاني؟ ولا خايفة ترجع تخطفه منك؟
تنهدت ذكرى بتعب قائلة:
– أيوه علشانك، بس مش هنكر برضو إني خايفة منها على نفسي وعلى ابني، ابني اللي جوزته بنتها، مش بإيدي هو حبها.
وتابعت قائلة بحزن:
– وأنا ماقدرتش أقف في طريق سعادته، بس لو سعادته هتحزنه يبقى بلاها يا ثريا.
ابتسمت لها ثريا قائلة:
– لا ماكنش غصبن عنك يا ذكرى، انتي اتصرفتي بدافع الأمومة، وانتي بتحبي ميارا، انتي عمرك ما عاملتيها على إنها بنتها.
ابتسمت ذكرى بحزن قائلة:
– أنا عاملت الكل معاملة واحدة، وانتي السبب، انتي ماتعرفيش يا ثريا قد إيه نستينا الماضي في لحظة، لو ماكنتيش انتي موجودة كان فاتهم منبوذين من الكل.
و ترجتها مرة أخرى قائلة:
– علشان كدا بقولك بلاش ترجع علشان خاطري.
ابتسمت ثريا وهي تربت على يدها قائلة:
– ماتخافيش، سيبي الموضوع دا عليَّ.
ثم نظرت إلى نور الجالس بجوارها مندهشًا من كل ما سمعه، ليردد قائلًا:
– ماما، اللي أنا بسمعه دا حقيقي؟
هزت ثريا رأسها بالإيجاب على أنه فعلًا حقيقي، نهض نور وسار في طريقه إلى المرحاض بشرود، لتقف حنان في طريقه تنظر إليه بغيظ وتضرب على كتفيه، فينتبه لها قائلًا:
– حنان أنا مش فايقلك.
وضعت حنان يدها في خصرها قائلة:
– نعم! ليه بقى إن شاء الله؟ بتحب ولا دي مزة جديدة؟
يالها من حنان، تستطيع أن تفصله عن أرض الواقع جيدًا، فتخابث معها قائلًا:
– بحب حتة مزة يونانية، تقريبًا كدا قريبة ماما ثريا من بعيد، لسه مراسلاني أول امبارح، وشكلي كدا في الصيف هسافر ليها.
صرخت حنان في وجهه قائلة:
– إلهي تروح ما ترجع يا بعيد.
تعالت ضحكات نور قائلًا:
– ليه بس كدا يا حنان؟ انتي مش عايزاني غيرك عايزني، إيه رأيك أعمل زي أبويا حتة مصري وحتة يوناني وانتي الحتة البلدي.
ردت حنان بغيظ قائلة:
– بعينك، أنا خلاص هريح قلب بابا و هوافق على ابن عمي وأروح أعيش في القاهرة، جو إسكندرية خنقني.
وفرت هاربة تحتجز دموعها فقد صدقته البلهاء، وهو ما عليه إلا أنه سُر لرؤيتها، حيث عملت على ارتفاع هرمون السعادة لديه حتى ولو لفترة مؤقتة.
بعد محادثة زياد لوالدته هاتفه صديقه يريد مقابلته، ذهب إليه على الفور قائلًا بقلق:
– أنا قلقت يا قدري، بابا تعبان فيه حاجة؟ أنا لما لقيتك مستعجل تشوفني قلت أكيد فيه حاجة.
توتر قدرى قائلًا:
– يا زياد أنا آسف، باباك كويس جدًا كمان، هو يعني أنا كنت عايزك في موضوع تاني، كمان أسألك على حاجة شغلتني.
واستطرد بارتباك قائلًا:
– أنا يعني معجب بهاجر، ودا اللي خلاني أقولك تجيلي، ممكن تفاتح والدك يخطب هاجر ليَّ؟
زفر زياد بارتياح ثم تنهد قائلًا:
– أنا دماغي راحت في حتة تانية أساسًا، وعقابًا ليك عندك إخواتها روح اطلبها منهم.
مط قدري شفتيه قائلًا:
– يا زياد حقك عليَّ، دا بس من إحراجي، صدقني أنا اتحرجت أجيلكم البيت، علشان عمي خطاب ومامتك فقلت أكلمك الأول.
أشاح زياد بيده قائلًا:
– اوعي تفكر إني علشان جوز أختها هعرف أجوزهالك، ولا تفكر هعرف أتوسط ليك، انت زي الشاطر تروح لإخواتها.
واستطرد بتحذير قائلًا:
– واوعى تتكلم في موضوع أبوهم، لو عايز تتجوزها فعلًا، لأن بجد الموضوع حساس، بس لو عايز ترتاح أنا هقولك، ولو حد عرف اللي أنا قلته هيرموني.
تابع وهو يطمئنه قائلًا:
– ارتاح هي بنت ثريا، يا رب يتمملك معاها على خير، ويا رب يهدي لي ميارا يا رب.
عاد زياد إلى منزله ليجد ذكرى تنتظره ليتحدث بقلق قائلًا:
– يا رب ماتكونيش قلتي لثريا هانم وصغرتيني.
سألته:
– كنت فين؟
رد عليها بوضوح قائلًا:
– كنت عند قدري.
تنهدت قائلة:
– اتطمن، لقيتها مش ظريفة إني أتكلم عنها قدام ثريا وأزعلها.
زفر زياد قائلًا:
– الموضوع مش بسيط ومعلم على الكل، الغريب قبل القريب.
عقدت ذكرى ما بين حاجبيها قائلة:
– غريب مين؟
رد عليها زياد قائلًا:
– قدري عايز يخطب هاجر وسألني قبلها هي بنت مين.
لتقطب ذكرى جبينها أكثر باندهاش على سؤال قدري.
عادت ثريا إلى المنزل، هبطت هاجر على الدرج بمرح لا تبالي بما يحدث حولها، تركض وتحتضن ثريا قائلة:
– حبيبتي أم إيدين بتسحر الأكل، أنا عايزة بسبوسة بالقشطة.
تنهدت ثريا قائلة:
– عارفة إنك بتحبيها، طالعة لأبوكي، كل يوم كانت لازم تتعمل، هو كان يقدر يفوتها؟
ثم غمزت لها قائلة:
– طيب تعرفي تحضري المكونات على بال ما أغير هدومي؟ إخواتك قربوا يوصلوا، اقفي اتعلمي معايا علشان تنفعي نفسك.
زمت شفتيها باصطناع قائلة:
– انتي هتذليني يا ثريا، كل ما أطلبها تسمعيني الكلمتين دول؟ يا حبي مهما أتعلم بحبها من إيدك.
ثم نظرت إلى أعلى وقالت:
– أنا هصحي ميارا تحضر معايا، والكلام دا بقى تقوليه ليها، هي اللي هتتجوز.
ابتسمت ثريا قائلة:
– روحي اندهيها.
ظلت تصرخ هاجر وهي تنادي ميارا، ليتذمر حليم قائلًا:
– إيه الازعاج دا؟ اتكتمي يا هاجر أحسن ليكي.
خرجت ميارا من غرفتها وذهبت إلى حليم قائلة:
– قول لها يا حليم، أو أقولك جوزوها ونخلص منها، دي بتجنني طول الليل، وكل شوية ميااارا تصبحي على خير.
ثم تعالت ضحكاتها قائلة:
– حتى زياد بيقول عليها يا حفيظ، وكويس إننا هنسكن لوحدنا، رغم إنه كان عايز يسكن هنا.
ابتسمت ثريا قائلة وهي تحتضن هاجر:
– مالها بقى هاجر؟ مش بتعرفي تركبي العربية ولا تنامي من غيرها يا ست ميارا؟
ابتسم حليم قائلًا:
– وقعتي يا ميارا، وبعدين إيه القمر دا؟ ولابسه المريول والبسبوسة هتعمل بسبوسة، أومال فين نور؟
لوت ميارا شفتيها قائلة:
– دلع يا أخويا دلع، انت كدا قدام ثريا تنخ.
تعمد حليم أن يغيظها قائلًا:
– إيه أنخ دي؟ هو زياد بهت عليكي؟ أنا قلت الواد دا هيبوظ أخلاقك، بقيتي بيئة يا ميارا.
ردت ميارا بتذمر طفولي قائلة:
– أنا بيئة؟
ردد حليم بمرح قائلًا:
– أينعم يا أختاه.
وهنا دافعت هاجر عن ميارا قائلة:
– لا يا حليم حرام عليك.
ليبتسم حليم قائلًا:
– مش دي اللي كانت بتهزقك من شوية؟
ردت ثريا قائلة:
– إخوات بقى وكفاية إنهم ولاد ثريا.
هي بالنسبة لهم الغصن الذي يتمسكون به، أما هي تعتبرهم حياة، اهتمت بكل شيء لديهم، لكن حدث اهتزاز بسبب السر في جذورهم، جذورهم المريرة، كانت تسمع كثيرًا عن زوجة الأب وكيفية معاملتها لأولاد زوجها، وتحمد ربها أنها لم تتعرض لذلك الموقف، ولكنها تعرضت له بالعكس، أصبحت هي زوجة أب ولكن بنكهة مختلفة، بدلًا من أن تأخذهما بذنب والدتهما تعاملت معهما كأنهما من رحمها، لم تنظر يومًا في وجههما على أنهما أولاد أخرى، أقسمت بين نفسها أن تخلق بداية حياة لهما بحبها.
بعد محاورات بين زياد وقدري، استطاع إقناعه أن يذهب معه لطلب يد هاجر، وبالفعل أخذ زياد ميعاد من حليم وقام بزيارتهم، هبط حليم لاستقبالهما وتفاجئ من وجود قدري، وبدأت الأسئلة تدور برأسه لما جاء قدري، جلس معهما يتفحص قدري بدقة قائلًا:
– خير يا قدري؟
نظر قدري إلى زياد ليتحدث زياد قائلًا:
– قدري جاي طالب القرب منك في هاجر.
شرد حليم في حيرته من أمر قدري، فهو يظن أنه خطيب وئام، ومن كثرة شروده أخذ زياد يشير له فانتبه، لتخرج الكلمات منه غير مرتبة:
– مفيش حد من أهلك معاك؟
تعالت ضحكات زياد مما أثار توتر قدري، ولكن سرعان ما كبت زياد ضحكته قائلًا:
– الحقيقة يا حليم، أنا قلت له نيجي الأول ونشوف ردكم ، ولما يحصل قبول هيجيب أهله.
تجاهل جليم رد زياد وظل مسلطًا أنظاره على قدري المتوتر، فاضطر قدري أن يجيبه قائلًا:
– انت طبعًا عارف إن أهلي ناس كبار وخروجهم قليل، فقلت لما تبقى قراية فاتحة إن شاء الله هجيبهم.
ابتسم حليم بسعادة، حيث تأكد أن وجود قدري مع وئام في الحفلة ما هو إلا إثارة غيرة من وئام له، فرد قائلًا:
– وأنا عن نفسي مش معترض، ولا نور ولا ماما ثريا هيعترضوا، القرار قرار هاجر.
ابتسم قدري ببشاشة قائلًا:
– تمام، أنا كفاية عليَّ إنكم موافقين على مبدأ ارتباطي بيها.
جاءت ثريا لترحب بهما قائلة:
– أهلًا يا قدري، نورتنا وطلبك دا غالي على قلبي جدًا، بس زي ما حليم قال الرد عند هاجر.
ثم زادت من ابتسامتها قائلة:
– وأكيد هنبسط جدًا لو وافقت عليك.
ابتسم حليم لها قائلًا:
– قُلتلك يا ماما ثريا أنا حاسس إن فيه فرحة هتهل علينا قريب، وسبحان الله طلعت هاجر.
ربتت ثريا على كتفيه قائلة:
– ما هو الفرح بيجي ورا بعضه يا حليم، عقبالك انت ونور.
كانت في تلك الأثناء ميارا تهبط الدرج بمرح لا تعلم من بالأسفل، تفاجئت بوجود زياد يجلس أمامها، فصعدت الدرج مرة أخرى ليستوقفها زياد قائلًا:
– ميارا استني.
التفتت إليه ميارا على مضض تتجاهله قائلة:
– هو احنا عندنا ضيوف؟
ثم تخطته وذهبت نحو قدري ترحب به قائلة:
– مش تقول يا زياد إن قدري معاك؟ أهلًا يا قدري ازيك؟
ثم التفتت إلى حليم قائلة:
– حليم أنا زهقانة وعايزة أخرج، قول لهاجر تخرجني، لأحسن حاطة المخدة فوق دماغها ومش راضية تصحى.
نظر إليها حليم بخبث ثم توجه ببصره نحو زياد الواقف يتأكله الغضب، ففهم أنهما على خلاف ليتحدث بخبث قائلًا:
– أنا بقول لو نفسك تخرجي اخرجي مع زياد، وأنا وهي نبقى نحصلكم.
وعندما تذمرت برر لها قائلًا:
– ازاي عايزاها تسوق وهي مطبقة ليلة امبارح بسبب كتب كتابك.
تنحنح قدري قائلًا:
– بقول أجي مرة تانية تكون الآنسة هاجر صاحية.
ابتسم حليم بخبث قائلًا:
– انت جاي تطلب إيدها ولا تشوفها؟ أنا رأيي تقعد معانا شوية، هي أكيد هتصحى وتنزل بعد ما ميارا تخرج.
تذمرت ميارا ودبت رجلها في الأرض بغضب طفولي، ليأتيهم نور من الخارج ينظر إليهم وإلى الضيف قائلًا باستغراب:
– خير احنا عندنا ضيوف؟
زفر حليم قائلًا:
– انت قافل موبايلك ليه يا ابني؟ وكنت فين؟
ثم تدخل زياد قائلًا:
– دا قدري صاحبي جاي يطلب إيد هاجر، قلتله يستنى أمهد ليكم الموضوع بس هو استعجل، فاتصلت على حليم وجبته وجيت.
ابتسم نور إلى قدري ورحب به، ثم نظر إلى ثريا فوجدها مسرورة، لما كل هذا السرور؟ أيعقل لأنها ستعطي ابنتها لقدري؟ لم تكن بتلك الفرحة يوم طلب زياد لميارا، ثم نظر إلى حليم وجده منتظر إجابة أسألته ليرد ببلاهة مصطنعة قائلًا:
– هو الموبايل مقفول ازاي؟ دا أنا لسه شاحنه، الظاهر إنه بدأ يهنج.
شعر حليم أن نور يكذب عليه فنظر إلى الهاتف قائلًا:
– انت مش كنت مع ماما ثريا في النادي؟ وهي رجعت لوحدها، انت مارجعتش معاها ليه؟ ولما ماكنتش ناوي ترجعها، ليه تسيبها تروح لوحدها؟
ثم استطرد وهو يجز على أسنانه بغيظ قائلًا:
– أنا قلت ميت مرة، لو خطوة جمب البيت ماتبقاش لوحدها.
وجد قدري أن الوضع يبدو مقلق، فاعتذر منهم وانصرف على وعد بالرد على مطلبه، لينصرف معه زياد متوعدًا بعينيه لميارا، بعد انصرافهم نظرت ثريا إلى نور برجاء عدم سرد الحديث الذي دار بينها وبين ذكرى بالنادي، فتنهد نور قائلًا:
– طيب ممكن تسمعني؟ انت شفتها جت لوحدها؟
ثم استطرد حديثه ليزيد الأمر قائلًا:
– طنط ذكرى أصرت توصلها لحد هنا، وأنا لاقيتهم عايزين يبقوا مع بعض زي ميارا وهاجر.
تضايق حليم عند سماعه لاسم ذكرى فرد قائلًا:
– ذكرى مش خالتك علشان تشبها بميارا وهاجر، أنا أو انت أو هاجر أو ميار اللي نوصل أمك.
نظر نور لثريا بلوم وعتاب، لتستكمل بعيونها رجاءها فزفر قائلًا:
– بصراحة كدا ماما ثريا هي اللي أصرت تروح معاها.
كاد أن يرد عليه لولا تدخل ميارا قائلة:
– ماتكبرش الموضوع يا حليم، عادي بتحصل ودي مش أول مرة.
وجدت هاتفها يبعث رسائل من زياد مضمونها:
– ماتخرجيش.
ردت بضيق:
– وانت مالك؟
بعث لها رسالة بحدة:
– أنا جوزك.
ردت بأسى:
– بس مش صريح معايا.
سألها قائلًا:
– انتي عايزة واحد فتان؟
تنهدت قائلة:
– الحاجة اللي تخصني لازم أعرفها.
و تفاجئ من اتصالها بعد هذه الرسالة، ليغلق خطه تمامًا، كل هذا وهو متوجه إلى السيارة مع قدري، نظر قدري إلى زياد وجده في حالة ضيق فسأله قائلًا:
– مالك يا زياد؟
تنهد زياد بتعب قائلًا:
– ميارا يا قدري تعباني أسئلة، خايفة ماتخلفش وأروح أتجوز عليها، لأن أبوها عملها قبل كدا واتجوز أمها على طنط ثريا، وعمالة تقول لي تفتكر اللي عمله بابا صح ولا غلط.
ثم سأله ليشهده عليها قائلًا:
– طب بذمتك أنا مالي؟ وبعدين أبوها راح اتجوز خاف لأبويا يورثه، أنا بقى هخاف على إيه؟ أنا ينطبق عليَّ المثل “يا وارث مين يورثك يا باكي مين هيبكي عليك”.
واستطرد بيأس قائلًا:
– حتى أبوها محدش ورثه لأنه مات على الحديدة بعد ما أمها أخدت اللي وراه واللي قدامه، والوحيدة اللي بكت عليه هي ثريا، حتى ولاده مالحقوش يعرفوه علشان يبكوا عليه.
وتعالى صوته قائلًا:
– المصيبة التقيلة بقى، طالبة الصراحة في كل حاجة، والمصيبة فيه حاجات ماتنفعش فيها الصراحة يا قدري، وقالبة عليََّّ زي ما انت شايف.
ثم تنهد بتعب قائلًا:
– ومش عارف أعمل معاها إيه، بتلوي دراعي، لكن أقسم بالله كدا ما ينفع أبدًا، ومش هلجأ لأمي تكلم أمها، أنا هتصرف معاها عاجبها كان بها مش عاجبها بالسلامة.
و أضاف بصرامة قائلًا:
– أنا بحبها آه، بس ماقدرش أفضل عايش أفكر في الماضي زيها، الماضي يا نهرب منه يا نتعلم منه، هي حرة بقى.
ربت قدري على كتفيه قائلًا:
– اهدى يا زياد، يا سيدي هما البنات كدا، لازم مسايسة، إيه يعني؟ محصلش حاجة.
واقترح عليه قائلًا:
– اضحك عليها بكلمتين حلوين وقول لها حاضر، كلمة حاضر بتريح جدًا والله.
عاد قدري إلى منزله، فوجد والدته تنظر إليه بوجه بشوش وهو ينحني يقبل يدها قائلًا:
– ماتقلقيش.
سألته قائلة:
– طلعت بنت ثريا صح؟
أماء برأسه قائلًا:
– آه، الحمد لله.
ردت عليه بارتياح قائلة:
– ماتتصورش كنت قلقانة قد إيه.
سألها قائلًا:
– بابا عرف إني روحت ليهم؟
ردت عليه قائلة:
– آه، ومنتظرك في المكتبة تديه التفاصيل، ادخل له على بال ما أحضر العشا.
لم ينتهي النقاش بين نور وحليم، تضايق حليم من رد ميارا ونظر إليها نظرة استياء، فهربت من أمامه وتبعتها ثريا في خلسة ليواجه نور قائلًا:
– انتم كدا شايفين إني مكبر الموضوع، صح؟ بس أنا مصمم على اللي قُلته، لازم أمنا تروح وتيجي معانا احنا بس.
وزاد من غضبه قائلًا:
– انتم لو مش فارقة معاكم، أنا هتولى أمر الموضوع دا.
أغمض نور عينيه، يبدو أنه علم لماذا كل تلك الاحتياطات ليفتحهم ويرد عليه قائلًا:
– حليم إيه اللي انت بتقوله دا؟ والله احنا مهتمين بيها زيك بس هي من حقها تاخد راحتها، هنحجر عليها يعني؟
ثم أشار برأسه قائلًا:
– وبعدين على رأي ميارا من إمتى دا؟
زفر حليم بحنق قائلًا:
– انتم مصرين تحسسوني إن فيه سبب للي بقوله، مفيش حاجة، أنا حابب كدا، أنا حابب إن أمي تبقى بتاعتنا لوحدنا، لأنها فنت عمرها وشبابها علشان راحتنا.
ثم ذكره قائلًا:
– فاكرين لما كانت بتخاف تودينا وتجيبنا عن طريق سواق رغم إنها مقتدرة، أنا كمان عايز أكرمها بنفس الكرم دا.
وبصوت غاضب قال:
– ومحدش يعارضني، ريحوني وبس.
ثم تركه حليم وخرج يتنفس الهواء بالخارج، خرجت ثريا من غرفتها ناظرة إلى نور بامتنان قائلة:
– شكرًا يانور، بس أنا حاسة إن حليم عارف، يا ريتني كنت أقدر أقوله دي كمان.
ثم تنهدت بحزن قائلة:
– أنا فيه حاجتين لغاية النهارده مش قادرة أقولهم له، دي وحاجة كمان.
عقد نور ما بين حاجبيه قائلًا:
– انتي لسه عندك حاجة كمان؟ دا كدا صعبت قوي يا ماما، عمومًا سيبى كل حاجة لوقتها.
تنهدت ثريا قائلة:
– آه يا نور لسه في حاجة، بس صعبة قوي، لدرجة إني مش عارفة أقولها، بس كل دا بسبب أبوك، اللي دفعني أقوله لا، باباك جاب حليم وميارا هنا من 23 سنة.
لوت شفتيها قائلة:
– كان متوقع إني أقوله هاخدهم أربيهم، بس انت وهاجر كنتوا لسه صغيرين، ماقدرتش أقوله موافقة رغم إني شيلت حليم وحسيت معاه بعاطفة الأمومة.
وأضافت بحزن قائلة:
– وكنت خلاص هقول له ماشي يا سراج هربيهم، بس أنا كنت محتاجة حد يطبطب عليَّ وأنا حامل ومالقيتش حتى جوزي.
ثم عضت على شفتيها بعتاب قائلة:
– ومن زعلي أنا رفضت حليم وميارا.
جحظ نور بعينيه غير مصدق ما تقوله، وابتلع ريقه قائلًا:
– مش ممكن! مش معقول! ماما اللي انتي بتقوليه دا استحالة حليم وميارا يصدقوه، دا انتي حاربتي الدنيا علشان مايعرفوش إنك مش أمهم.
واستطرد بذهول:
– ماما انتي نبهتي على اللي عارف الحقيقة إنه ما يقولش ليهم، دا حتى نظراتك ليهم كلها أمومة، مفيش أي نظرة إنك شايفاهم أولاد واحدة تانية.
واستكمل قائلًا:
– ماما انتي عمرك ما بينتي لحد إنك مجبرة ى تربيتهم، هي خلفت ورمت وانتي أخدتي ورضعتي وكبرتي وعلمتي، اللي بتقوليه دا لو كان حصل كان عمي خطاب أول واحد قاله ليهم، علشان يبعدك عنهم.
واستطرد بنبرة ترجي قائلًا:
– ماما أرجوكي قولي إنك بتضحكي عليَّ، أنا فعلًا حسيت النهاردا إنك فرحانة بهاجر أكتر من فرحتك يوم ميارا، بس قلت إن دا بسبب إن زياد بن خطاب.
ثم نصحها قائلًا:
– بس يا ماما لو كدا قولي لحليم، انتي ماتعرفيش خطاب ممكن يعمل إيه، انتي عارفة إن عينيه منك، وانتي مش علشان طنط ذكرى صاحبتك رفضتيه.
واستطرد وهو بهز رأسه مؤكدًا لها وقال:
– لا انتي علشان رافضة المبدأ، لو فضل حليم يعامله وحش، هيوقع ما بينكم.
هزت ثريا رأسها برفض قائلة:
– لا مش هقدر يا نور.
لوى نور شفتيه بتفكير قائلًا:
– يبقى أقول له أنا اللي انتي مش قادرة تقوليه، وأنا أتحداكي إنه هياخد الموضوع عادي، انتي زمان كان ليكي الحق ترفضيهم.
واستطرد بضيق قائلًا:
– انتي مش مجبرة تبقي محطة، انتي صبرتي كتير، ماما انتي ملكة على قلوبنا واوعي حاجة زي دي تخوفك.
عضت على شفتيها تعاتب نفسها قائلة:
– أنا غلطانة، غلطانة إني رفضتهم يومها، آه لو يرجع الزمن، كنت هاخدهم في حضني من أول لحظة.
ثم هتفت بيأس قائلة:
– بس فات الأوان، انت شايف الموضوع بسيط، بس هو مش كدا.
وبالفعل ما هو إلا القليل، حتى تلقت مكالمة من خطاب، وكادت أن تغلق الخط حيث هاتفها من هاتف ذكرى وهي نائمة، لأن ثريا لا ترد على اتصالاته، وما إن علمت أنه هو كادت أن تغلق الهاتف ولكنه أوقفها قائلًا:
– ماتحاوليش تهربي مني يا ثريا.
زفرت ثريا قائلة:
– عايز إيه؟
رد بكل بجاحة قائلًا:
– عايز حقي.
ردت عليه بجمود:
– مالكش حقوق عندي.
ابتسم بخبث قائلًا:
– تحبي أقول لحليم وميارا إنك كنتي رفضاهم زمان؟
عضت على شفتيها بغيظ قائلة:
– ريح نفسك يا خطاب، أنا هقول ليهم، وهقول عليك كمان، وقابل من حليم اللي هيجرالك.
وأغلقت الخط لتستعر النيران في قلبه مجددًا.
بالأعلى عند ميارا وهاجر استيقظت هاجر ووجدت ميارا تجلس أمامها متربصة، لتجحظ هاجر بعينيها، فتبتسم ميارا قائلة:
– بقا كدا يا هاجر تخبي المفاتيح، وماترضيش تخرجيني، طيب قابلي بقى يا مضربة عن الجواز، قوليلي يا هاجر هو الدكتور قدري يوم كتب كتابي كلمك أو بص ناحيتك؟
ثم تعجبت قائلة:
– الراجل دا غريب قوي، ماكنش باين عليه، وهوب جاي يخطبك، طيب انتي فاكرة يا هاجر لما كنتي تعبانة ورفض يديكي الحقنة.
ثم تعالت ضحكاتها قائلة:
– واحنا قعدنا نضحك عليه ازاي دكتور وخايف! قوليلي بقى إمتى الانجذاب دا حصل؟ وبالتفصيل الممل.
و ساومتها قائلة:
– علشان أقول ليكي أنا رجعت ليه من بره زعلانة.
حدقت هاجر في وجه ميارا، تشعر أنها بلهاء، لمست جبينها تعتقد أن حرارتها عالية، لتنفض يدها باصطناع قائلة:
– أوه يا ميارا، طلعتي سخنة فعلًا، أقسم بالله انتي مش طبيعية، قدري مين بس! يا بنتي أنا يوم كتب كتابك لمحته صدفة وكان مع وئام.
ثم تدلت شفتيها قائلة:
– يقوم ياخد ثقة ويجي يخطبني؟ انتي باين عليكي بتهلوسي، أو اللي ضايقك برضو مأثر على دماغك، المهم قوليلي مالك؟
تنهدت ميارا قائلة:
– فوقي يا هبلة، وربنا قدري كان هنا النهارده وطلبك من حليم وماما، وكان جاي مع زياد كمان، أنا بقى مش طايقة نفسي.
و أضافت بضيق:
– ولا طايقة زياد، أقولك إيه ولا إيه ولا إيه؟ اللي حصل إني طلبت منه الصراحة في كل حاجة، فاتهرب مني.
كانت هاجر شاردة في أمر قدري وأمر صاحب الرسائل، كم تعلقت به كثيرًا وتمنت أن ترتبط به، وبينما هي شاردة حتى فوجئت برسائله بعد فترة طويلة من الانقطاع عنها، وجدته يتحدث بأسف قائلًا:
– ماتزعليش مني، انشغلت عنك الفترة اللي فاتت.
دون شعور كتبت له:
– كنت فين؟
ابتسم وكتب:
– بخطب.
عبست بوجهها قائلة:
– مش لواحدك على فكرة.
بعث إليها رسالة قائلًا:
– ليه اتخطبتي؟
ردت بضيق قائلة:
– آه، عن إذنك أنا خارجة معاه، وهغير رقمي، وفر رسايلك لخطيبتك.
بعد مرور أسبوع اتفق قدري مع حليم أن تخرج ميارا وهاجر معه ومع زياد، ليتعرف على هاجر ويجلس معها ويعرف رأيها فيه، وبالفعل وافق حليم، ذهب الأربعة إلى مطعم وتناولوا الغداء، استأذن زياد وأخذ ميارا وجلسا على طاولة أخرى بمفردهما، ليترك مساحة لهاجر وقدري، قامت ميارا وسارت معه على مضض ليحاول تهدءتها بمرح قائلًا:
– اهدي ليطقلك عرق، أنا قلت أسيبهم يتكلموا سوا، بلاش نبقى كابسين عليهم.
ثم غازلها قائلًا:
– بس إيه الجمال دا يا ميارا؟ احلويتي وانتي مخصماني، أنا هخليكي تخاصميني دايمًا، وهنروح بعيد ليه؟ احنا شكلنا مش هنتصالح.
نظرت إليه بغضب قائلة:
– لو وعدتني تبقى صريح معايا هصالحك، أنا مش هتلكك ليك يعني، لو مش عايز خلاص.
و أضافت بضيق قائلة:
– بس خليك فاكر انت بقى اللي هتكون بتتلكك، وبعدين أنا سألتك سؤال يخص حياتنا، وكان ممكن تقول لي آه أو لأ.
أما قدري فكان يتأمل في هاجر قائلًا:
– هتفضلي تهربي مني كتير، طيب بلاش زمان، المرة دي هتهربي كمان؟
توترت هاجر وابتلعت ريقها قائلة:
– تصدق حسيت إنك واحد تاني غير اللي بعرفه، أنا مش بتهرب منك ولا حاجة، دا بس استغراب للموقف.
ثم شردت في الرسائل قائلة:
– عمري ما كنت أتخيل إن المواقف دي صعبة قوي كدا.
لمعت عين قدري قائلًا:
– لو على الموقف فهو صعب عليَّ أكتر، أنا بحبك من زمان، دا اللي أقدر أقوله ليكي، ومستعد أسعدك بكل ما أملك.
من بين شرودها قالت:
– كلكم بتقولوا كدا.
سألها وهو يبتسم قائلًا:
– كلنا مين؟
توترت وقالت:
– لا ولا حاجة.
ابتسم بخبث وبعث لها رسالة وهو معها على نفس الطاولة مضمونها:
– لو حابة تعرفي أنا خطبت مين، فأنا قاعد معاكي في نفس المكان، ولابس تيشرت موف زي ما انتي لابسه فستان موف.
تلفتت بدون شعور حولها، ولم تجد أحدًا مثل الوصف.
ليضرب قدري على الطاولة بخفة قائلًا:
– مفيش حد لابس موف غيري.
حدقت هاجر بعينيها فيه واندهشت، أيعقل أن يكون قدري هو ذلك العاشق الولهان الذي يراسلها باستمرار.
وانتهى اللقاء بينهما، كان لقاءً بسيطًا لمعرفة لمَ اختارها، لأنه طيلة سنوات معرفتهما لم يبدو عليه شيئًا، وأثناء سيرهما مع ميارا وزياد، قام زياد بشكر قدري قائلًا بصوت خافت:
– شكرًا جدًا يا قدري، انت خلتني النهارده أكسب قلبها، فعلًا عملت زي ما قلت لي، قلتلها إني هبقى صريح معاها، بس ربنا يسامحني بقى، كمان ريحت قلبها من ناحية موضوع الخلفة دا.
ابتسم له قدري وربت على يديه، بعدها عاد قدري إلى عيادته وهاتفها قائلًا:
– ماتتصوريش انتي وحشتيني قد إيه الشوية دول.
ضحكت هاجر قائلة:
– إيه دا؟ قدري اللي بيتكلم؟
ابتسم قائلًا:
– وهفضل كدا على فكرة.
تعجبت هاجر قائلة:
– عمري ما كنت أتصور إنك هتبقى كدا، ازاي دا حصل؟
صارحها قائلًا:
– أنا بحبك من زمان، كل الحكاية قافل على قلبي وسايب الموضوع للنصيب.
سعدت هاجر وردت قائلة:
– انت طلعت مفيش منك.
في المطعم دلف نور اللي حليم، فنهض حليم ليغادر المكتب ليستوقفه نور قائلًا:
– اوعى تفكر إني هسمحلك نبقى متخاصمين كتير، انت أكيد عارف إني ماقدرش، بس انت عصبي قوي، حليم أسلوبك دا بيخوف الكل منك.
واعترف قائلًا:
– آه أنا زيك عصبي، بس انت بتخلي اللي قدامك يخبي عليك حاجات لأنه خايف من ردة فعلك، خايف إنك ماتصدقوش.
عقد حليم ما بين حاجبيه قائلًا:
– نور أنا بصدقكم انتم وبس، لكن انت قلقتني بكلامك دا، يا ترى إيه السر الجديد اللي مش راضية ماما ثريا تقوله.
جحظ نور بعينيه وعاتب نفسه على انفلات لسانه، لا يعلم ماذا يقول، ولا كيف يتهرب من الموقف، استصعب الموقف مثلما استصعبته ثريا.
الفصل السادس
أباحت بسرها أمام ابنها الحقيقي، ويا ليتها لم تبح، حتى أنها عاتبت نفسها عندما استمعت إليه وهو يكاد يفلت السر من بين طيات لسانه لتحدث نفسها قائلة:
– كدا حليم هيفتكر إني مش بحبه وإن تربيته كانت شفقة.
توقفت دقات قلبها عندما سأله حليم عن هذا السر، لعنت حظها وتمنت توقيف الزمن لتستعيد ذكرى هذا اليوم وتقبله هو وشقيقته، نظرت إلى يدها التي حملته بها وبصقت فيها لأنها لم تتمسك به، مرت سنوات على ذلك الحدث ولكن العواصف بقلبها لم تهدأ، هي كانت لا تبغضه ولكنها كانت تريد تأديب والده في شخصه، كانت خائفة من رجوع تلك التي دمرت حياتها.
وأثناء شرودها تفاجئت بمن يربت على ظهرها بحنان، واستدارت لتشهق من رؤيته ليبتسم ابتسامه خبيثة دلالة منه على أنه استمع إلى كل ما دار بداخلها من صراعات ليهددها قائلًا:
– قلتلك بلاش تقولي لحد يا ثريا، وكنتي خايفة مني؟ شفتي بقى أنا أحسن من أولادك اللي رفضتيني علشانهم ازاي؟
كان الحديث لخطاب، ولكنها لم تخشاه حيث ردت عليه بكل ثقة قائلة:
– أنا صحيح شفت، بس شفت إني كنت صح لما اخترت أترهبن علشان أولادي.
لوى شفتيه قائلًا:
– بس خلاص انتي دلوقتي ماعدش ليكي لازمة في حياتهم.
سخرت منه قائلة:
– وليَّ لازمه في حياتك يا خطاب؟
رد عليها بثقة قائلًا:
– طبعًا يا حبيبتي.
رفعت سبابتها وحذرته قائلة:
– بلاش أسمعك تاني تقول الكلمة دي يا خطاب، علشان مازعلش وأهلي اللي هما أولادي وابنك يزعلوا هما كمان.
ثم نظرت إليه باشمئزاز ورحلت من محيطه اللعين.
استكمالًا لحديث قدري وزياد، سأله زياد عما دار بينه وبين هاجر، فتنهد بسعادة قائلًا:
– أنا قلت كل اللي في قلبي ليها، ما هو ماينفعش أفضل كاتم في نفسي كل دا وأقدم نفسي بطريقة تقليدية، كان احتمال كبير ترفضني، واستطرد وهو يشرد في رسائله قائلًا:
– ودا اللي حسيته.
هز زياد رأسه متفهمًا وقال:
– هو دا الصح يا قدري، على الأقل لتفهمكم دا هتكملوا مش العصبية اللي أنا هتجوزها، صحيح هما إخوات بس مختلفين في كل حاجة.
ثم تنهد بتعب قائلًا:
– لو بس تتعلم تعيش بطناش زيي، كنا أنا وهي هنبقى فلة، وما كناش نتخانق على الفاضية والمليانة، فعلشان كدا عملت بنصيحتك.
ابتسم قدري قائلًا:
– انت برضو يا زياد هدي اللعب معاها شوية، يعني طلبت منك حاجة، إيه المشكلة؟ واتكلم معاها دايمًا حتى لو في أمور قديمة.
ثم رفع يده بثقة قائلًا:
– ولو حست في يوم إنك بتسايسها هي نفسها هتخف.
واستطرد بتأكيد قائلًا:
– لا دي هتتحرج لأنك هتبقى كبير في نظرها وهتبقى واحد بيريحها علشان بيحبها.
اندهش زياد لما يقوله قدري ورد عليه:
– أول مرة أسمع كلام حلو كدا ومن دكتور! الطبيعي الدكاترة عمليين، وكل حياتهم هات وخد، بس انت إيه ما شاء الله عليك زي ما تكون اتولدت شاعر.
عاد زياد وهاتف محبوبته ميارا، لتجيب عليه بصوت حنون، فابتسم قائلًا:
– بحبك يا ميارا.
اندهشت ميارا وابتسمت قائلة:
– مش قد حبي ليك يا زياد.
رد عليها قائلًا:
– قوليلي بقى هنخلص بقية حاجاتنا إمتى؟
ردت عليه بشغف قائلة:
-في أقرب وقت.
هز زياد رأسه بذهول لظنه أنها كانت ستماطل، يبدو أن حديث قدري مُجدي بالفعل، فتنهد بعشق قائلًا:
– ماتتصوريش أنا فرحان قد إيه يا ميارا.
ابتسمت ميارا بدموع الفرحة قائلة:
– للدرجة دي بتحبني يا زياد؟
رد عليها زياد بحب قائلًا:
– جدًا، والأيام اللي كنا متخاصمين فيها كنت مخنوق ونفسي أخنق نفسي بزيادة وأموت وأرتاح، أرجوكي أنا وانتي بلاش نتخاصم تاني.
انتهت المكالمة بموافقة ميارا على طلب زياد، فهي تأكدت أنه داعم رابع لها بعد ثريا وأخواتها.
بعد يومين كان حليم في حجرة مكتبه، وكانت ثريا تود معرفة هل علم من نور الأمر أم لا، لأنها اضطرت أن ترحل بسبب خطاب وتهديده، دلفت إلى المكتب مبتسمة كعادتها ليرفع نظارته من على عينيه ويتحدث بهدوء، مما جعلها تشعر بالارتياح خاصة عندما ردد قائلًا:
– أنا مبسوط إن هاجر وافقت على قدري.
انفرجت أساريرها قائلة:
– عقبالك يا حبيبي، عايزاك تحن على وئام بقى.
تنهد بتعب وأرجع ظهره للخلف قائلًا:
– أنا عايز أتطمن على إخواتي الأول، أما أنا لسه بدري.
كادت أن ترد عليه لولا مجيء قدري وزياد لأنهما كانا على موعد معه، رحب بهما ترحيبًا حارًا، جلس قدري متوترًا وقال:
– حليم انت قلت عايزني خير؟
ابتسم حليم بخبث قائلًا:
– هو يعني علشان قلت ليك تعالى يبقى فيه حاجة؟ لو فيه حاجة يبقى هاجر موافقة.
زفر قدري بارتياح وضحك زياد ببلاهة قائلًا:
– الحمد لله وربنا مش هو دكتور؟ بس قلبه وقع في رجليه.
ابتسم الجميع وقاموا بالترتيب والاتفاقات فيما بينهم، وكان حليم مثل اسمه رؤوف بحالة قدري المادية، وعرض عليه أن يعيشا معهم في منزل العائلة، وبعد انصرافهم نظر حليم إلى ثريا فوجد وجهها تكسوه السعادة فابتسم لها قائلًا:
– انتي ليه دايمًا بتحبيني أنا اللي أتفق مع العرسان في كل حاجة؟ إيه ناسية إن نور أكبر مني؟ وحتى هاجر مش شقيقتي.
هزت ثريا رأسها بالسلب قائلة:
– لا مش ناسية، وبعدين مش معنى إنها مش شقيقة ليك ماتبقاش كبيرها، والله دا طلب نور، وأنا بصراحة شايفة إنه عنده حق.
واستطردت:
– ونور لو في مكانك هيتعصب على أي واحد فيهم، أنا بحب طريقتك وأسلوبك.
ابتسم لها بأمان قائلًا:
– إيه الاحراج دا؟ طيب خدي قلبي يا ثريا وأنا أعيش من غيره، دا حتى قليل عليكي.
ثم اقترب منها وقبل يدها بحنان قائلًا:
– وأنا كمان بحبك جدًا، وبحب طريقتك وأسلوبك.
ابتسمت ثريا وكادت أن ترقص من الفرح وهي تمسح على شعره بحنان قائلة:
– بالنسبة لقلبك فأنا أخدته من زمان يا حليم، طيب انت تخلي إيه لوئام حبيبتك؟ انت بتخلص كلامك الحلو معايا.
ارتفع برأسه وهزها بلا مبالاة قائلًا:
– لا سيبك انتي، أنا حتى مش بحبها أكتر منك.
تذكرت كلمات سراج عندما أكد لها أنه لن يعشق غيرها لتنظر إلى عيني حليم قائلة:
– هيحصل يا حليم، بس ارجع ليها.
نهض حليم وحاول الخروج من الموضوع قائلًا:
– تعالي نخرج مع بعض، نروح أنا وانتي أي مكان حلو زيك.
نهضت ثريا خاضعة لطلبه، لم تستطع يومًا رفض طلبًا له، وتناست أمر السر الذي إذا عرفه من الممكن أن يتحول حديثه المعسول إلى ثورة من البركان.
ذهبا على الشاطئ حيث الهدوء، لتنعم بنسمات الهواء، ويلتصق الشعر الذهبي بوجهها، فيقوم حليم بوضعه خلف أذنها قائلًا وهو ينظر إلى عينيها بعمق:
– ماتقلقيش، هو غلط لما سابك من غير ما يسمعك، وردة فعلك كانت طبيعية، وأنا مش زعلان منك أبدًا، إيه يعني دا حقك.
ثم امتلك وجهها بكفتي يديه يحدثها بحنان قائلًا:
– انتي اتحرمتي منه في أكتر وقت كنتي محتاجاه فيه، انتي ولدتي إخواتي وانتي لوحدك.
انهارت بدموعها واحتضنته قائلة:
– كنت خايفة لا تزعل مني يا حبيبي، والله كان نفسي ماتفارقش حضني أبدًا ساعتها.
شدد على أحضانها قائلًا:
– ماما انتي جميلة قوي انتي وإخواتي، هو بس اسمي في السجلات اللي فارق بيني وبينك، غير كدا مفيش.
خرجت من أحضانه تمسح دموعها قائلة:
– يلا يا حليم كل شيء نصيب، خد اللي عمله أبوك معايا عظة، وحطها دايمًا في دماغك.
واستطردت كلماتها بوعد قائلة:
– وأنا طول ما أنا عايشة عمري ما هخليكم تغلطوا غلطته ولا غلطتي، أنا كمان غلطت لأني ما قولتش لسراج إني حامل.
احتضنها مجددًا وقال:
– هو يعني كان سأل عليكي طول فترة حملها فينا؟ وطبعًا هي السبب.
علم نور أنهما خرجا سويًا فأشفق عليها أن يهاجمها حليم، خاصة أن حليم لم يوضح الأمر لنور إن كان الأمر أزعجه أم لا، هرع نور إلى الشاطئ لأنه يعلم أن ثريا وحليم يعشقان هناك حتى في الشتاء، وما إن وصل حتى تفاجئ بها في أحضانه، ليقوم بعرض مسرحي قائلًا:
– لاااا، خياااانة.
تعالت ضحكات ثريا فأخرجها حليم من أحضانه يلكزه في ذراعه قائلًا:
– آه خيانة، انت مالك؟
لوى نور شفتيه بحزن مصطنع قائلًا:
– دي أمي.
أحاطاها حليم بذراعه قائلًا:
– أنا كمان ابنها والمقرب كمان، علشان كدا من حقي أقعد أنا وهي في مكان ومحدش يزعجنا، أنا بغير عليها منكم وهي كمان بتغير عليَّ.
ثم رفع ذقنها بيده قائلًا:
– مش انتي كمان بتبقي حابة نكون لوحدنا يا ثريا؟
تنهدت ثريا بسعادة قائلة:
– الله! ثريا، والله ما حد بيقول اسمي بالجمال دا غيرك يا حليم، ما انت متسمي على اسم عبد الحليم صاحب الأغاني الحلوة.
ثم استطردت بحب قائلة:
– علشان كدا كنت عاوز أسمي حليم، وكنت مش عارفة يا ترى سراج هيسمي حد حليم ولا لأ.
ثم نظرت إلى نور فوجدت الغيرة تملكته بالفعل لتبتسم بخبث قائلة:
– إيه يا نور؟ انت بتغير من أخوك؟
هز نور رأسه بثقة قائلًا:
– لا، عمري ما غيرت، بس خفوا شوية، انتي ماعندكيش غير حليم؟ ولا علشان شبه حبيب القلب سراج؟
عبست بوجهها لدرجة أن حليم استشعر وجعها المستمر عند ذكر اسم والده، فنظر إلى نور قائلًا:
– لا يا خفيف، دا علشان أنا بفكر زيها ومش أهبل زيك، لا بخبط كلام ولا بتعصب، أنا راجل موزون، وبعدين هوينا.
علمت ثريا أن حليم يحاول التخفيف عنها فابتسمت قائلة:
– فعلًا كلام حليم صح يا نور، زي ما تقول كدا عنده حكمة في الأمور.
أخرج حليم لسانه إلى نور ليغيظه ليتذمر نور بطفولة قائلًا:
– شايفة يا ماما؟ بيغيظني، يا ابني بلاش تخليني أحطك في دماغي، أنا هجوزك وئام وأخلص منك.
ثم أشار نحو ثريا قائلًا:
– يا ثريا الواد دا من بكرة تروحي تخطبي له وئام، هو اللي عليه الدور بعد البنات.
ثم استكمل بمرح قائلًا:
– وأنا بقى أرجع على الحجر تاني، مش هتجوز ومش هدخل حد منهم البيت، ولا هخرجك، هحبسك يا ثريا.
تعالت ضحكات حليم قائلًا:
– الواد اتهبل، دا أنا اللي من النهاردا هروح أخطبلك حنان، أنا عايز أخلص منك خالص، وانت عارف ليه طبعًا.
ثم استطرد:
– بقيت بسترخمك قوي يا نور، يعني مش كفاية 23 سنة؟ يا ماما أنا زهقت منه، أنا عايز أبرطع في الأوضة لوحدي.
ثم رفع أكتافه بثقة قائلًا:
– ولا سلطان زماني.
تعالت ضحكات ثريا ليبتسم نور بسخرية قائلًا:
– احنا لاتنين حتى لو اتجوزنا، هنعيش مع ماما ثريا، مش صح يا ماما؟ انتي ماتقدريش تستغني عننا، اتعودتي علي وجودنا.
ثم استطرد بفخر قائلًا:
– احنا مش أي عيلة، احنا عيلة اتعودنا نبص في وشوش بعض كل يوم، أنا حتى بفكر أراجع ميارا في قرارها وقدري في قراره.
ابتسمت له ثريا وهزت له رأسها بموافقة وتشجيعًا لرأيه.
بعد ما تركهم نور قرر الذهاب إلى مضحكته اللذيذة، ليعلى هرمون السعادة لديه، ذهب إلى النادي ليجدها من لحظة دلوفه تفتعل أشياء لتعلمه أنها مشغولة، لدرجة وقوفها مع مدرب التنس تتضاحك معه لتثير الغيرة لدى نور، ابتسم نور بخبث وذهب نحوها يضربها بخفة على موخرة رأسها بحجة أنه يقوم بترتيب القبعة قائلًا:
– أنا جيت.
لتزمجر من الغضب وهي ناظرة إلى المدرب لا تعير نور اهتمامًا قائلة:
– ماشي يا كابتن، مضطرة ملعبش النهارده عن إذنك.
عقد المدرب ما بين حاجبيه فهي كانت تخبره أنها تريد خوض مباراة معه وحده، ترى ما الذي غير رأيها؟ ليقوم على الفور نور بالاستئذان منه ليفرغ المدرب فاه ويعلم أنه وقع في فخ المراهقين، خاصة عندما وجد نور يعدو بخطواته السريعة ليلحق بحنان التي تركض كمن تفر منه، وما إن وصل لها نور حتى أمسكها من ذراعيها ووجهها نحوه قائلًا وهو يتنهد:
– على فين يا نون؟
أخذت تهز رجلها بعصبية قائلة:
– مروحة، قراية فاتحتي النهارده.
رفع حاجبيه بدهشة مصطنعة، فهو يعلم أنها تكذب ورد عليها بمكر قائلًا:
– ما بلاش يا حنان، استنيني هتجوز اليونانية وأرجع.
هنا النيران اشتعلت في صدرها أكثر، لتقوم برفع قدميها وإطاحته إلى الخلف قائلة:
– انت مين علشان أستناك.
وضع يده على صدره بحركة درامية قائلًا وهو يراقص حاجبيه:
– أنا نور قلب نون، حبيبتي يا حنان.
شددت على شعرها و زفرت وتركته راحلة.
هناك روح ترقد في قبرها، لو كانت على قيد الحياة كانت ستسامح ثريا على أفعالها، ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، أعجب بها في الإسكندرية منذ أن وطأتها أقدامها، تعلق بها وقاوم كل الظروف حتى أصبحت زوجه له، حيث رفض والدها زواجه بها لأنه يريدها أن تتزوج يونانيًا مثلها، ولكن في النهاية وافق على مضض، ودومًا كان يضع لهما العراقيل عن طريق خطاب ليسد ما بينهما، ولكن لم تكن هذه أسبابه فقط، فقد كانت ثريا كبيرة أبنائه وكانت تتحمل المسؤوليه منذ الصغر، حيث كانت تعمل في مطعم بسيط و تجني الأموال لتصرفها عليه وعلى أشقائها، ولكن هي عشقت وتمنت أن تكون محبوبة سراج، تناست كل شيء وانجرفت بعشقها وحلمها في الارتباط به، ولم يهدأ بالها إلا بعد أن أُعلنت زوجة له أمام الله ورسوله.
في المساء دلفت ثريا في خلسة إلى حجرة الذكريات، لتتلمس صورة سراج وتنظر إليها مطولًا قائلة:
– تعالى يا سراج، تعالى وشوف بنفسك، أنا عملت حاجات كتير علشان أولادنا، حاجات انت لا يمكن تتخيلها، اوعي تفكر إني كنت مضطرة.
هزت رأسها بالسلب قائلة:
– لااااا، أوعى تفكر إني منيت عليك يا سراج، أنا كنت هعملك مفاجأة، بحيث ترجع تلاقي الأولاد في حضني، بس انت اللي مت.
ثم وضعت يدها على صدرها بتوجع وهي تبكي قائلة:
– انت حسبتها غلط لما فكرت تجيب ليَّ أولاد، بس أنا كمان ما اتحملتش إن جوزي يبقى لواحدة غيري.
ثم شهقت بألم قائلة:
– اتمنيت تسمعني في اليوم اللي بعت أشوفك فيه.
ثم هبطت على الفراش تنام وتحتضن صورته قائلة:
– ومن اللحظة دي وأنا مش بحبك ومش بكرهك زي اللي مش عارف يسامح ولا لأ.
ثم استطردت وهي تنظر في سقف الغرفة بشرود:
– ولما رجعت بأولادك حسيت بأنانيتك أكتر، زي أنانيتك في يوم ما قررت تتجوز، هيجي اليوم وأقابلك يا سراج، بس وأنا خلصت كل الديون اللي عليَّ ليك ولربنا، انت مديون ليَّ بسنة من عمري، قسيت عليَّ فيها، و هفضل عايزة السنة دي ترجع عشان تصلح غلطتك، أيوه دا شرع ربنا وأنا فاهمة كويس.
وتابعت بحسرة قائلة:
– بس ربنا أمرنا بالعدل، بس انت سبتني وحيدة ماخفتش عليَّ زي أي راجل بيخاف على مراته، هفضل فاكرة لما سمعت إن خطاب بيغريها ودافعت عنها، رغم إن اللحظة دي أكبر كدبة حصلت، كنت سايب خطاب يدخل ويخرج عندي بكيفه.
ثم سخرت قائلة:
– وعامل نفسك مش فاهم ليه خطاب كان بيهددك لو مت هيورثك هو، انت كنت مغفل يا سراج، انت ماحستش للحظة إن خطاب عينه مني ومراته عارفة، انت صدقته لما قالك سيب العيال عندي وروح سوي أمورك وارجع صالحني، بس هو ماكنش في نيته إنك تصالحني، أنا حاسة إنه السبب في موتك.
ثم هزت رأسها بقلة حيلة قائلة:
– لكن ماقدرتش أتهمه، لأن التشخيص بيقول موتك بسبب سكتة قلبية، ولو اتهمته هيقولوا فين الدليل، حتى سألت عن العربية قالوا لي باظت.
واستطردت وهي تمسح دموعها قائلة:
– وبعدين ماكنتش شايفة قدامي وقتها، مش قادرة أستحمل الصدمة فيك، كل اللي كان عليَّ إني أقول لذكرى هاتيلي الأولاد علشان أنا خلاص بقيت أبوهم وأمهم.
و تنهدت مطولًا قائلة:
– أنا نسيت ساعتها كل حاجة، قفلت عليَّ بابي أنا وهما، زي ما كنت ناوية أقفل بابي عليَّ أنا ونور وهاجر بس، سراج، حتى لو كنت أخدت الأولاد ماكنش هيبقى ليك مكان في حياتي، وكنت هعمل زي ما عملت، فضلت أشتغل من مطعم لمطعم.
ثم تنهدت بوجع قائلة:
– وأخد الأولاد معايا في كل شغل، تعبت كتير، ومن مكان لمكان بقى معايا فلوس، وكان كل مرة خطاب يعرض عليَّ الجواز أقوله لا.
ثم استطردت بحسرة:
– انت ضيعت كل حاجة قبل ما تموت، كنت سيب لينا أي حاجة تنفع للزمن، بقيت بشتغل كتير علشان الأولاد ياكلوا ويشربوا ويلبسوا ويتعلموا.
ثم ابتسمت قائلة:
– كل حاجة كان نفسهم فيها كان لازم تيجي، انت بس اللي ماقدرتش أرجعك ليهم، كنت بفرح كتير وهما بيبتسموا.
ثم ذرفت دموعها قائلة:
– بس برجع أزعل وأقول ليه عملت فينا كدا يا سراج؟
نهضت تمسح دموعها قائلة:
– انت لو كنت مسافر كانوا هيعشوا على أمل إنك ترجع ولو حتى كنت مسافر سنين عمرهم، بيبقى فيه أمل، بس أنا فهمتهم من يوم ما سألوا عنك إنك مت، علشان يعيشوا الواقع، خبيت كتير موضوع اسم الأم، وعارفة إن لو انت عايش كنت هتكتبهم باسمي.
وتابعت بحزم:
– بس دا كان هيبقى حرام، يعني أنا كان نفسي بس مش هقدر، ماقدرش أغضب ربنا، لأنه هو اللي جبرني.
انتهى حوارها مع نفسها أو الأدق مع سراج بدلوف حليم ينظر إليها باستغراب قائلًا:
– لا مش معقول! أنا عمري ما شفتك هنا في الأوضة، حتى بحس إنك بتضايقي لما بدخلها.
ثم استطرد بصدق قائلًا:
– أنا بجي هنا لما بحس إني عايز أتكلم معاه، ومن غير ما حد يحس زيك، علشان بخاف تزعلي مني.
واستكمل بحنو بالغ قائلًا:
– وتفكري إني بفضل ذكرياته عليكي.
أشاحت ثريا وجهها بحزن ليسرع بالجلوس بجوارها مربتًا على كتفها وقائلًا:
– حقك عليَّ، ماقصدش، أنا ماعدتش هدخل هنا تاني يا ماما، بس ماتزعليش مني، أنا والله بحبك قوي، وبحبه هو كمان.
ثم استطرد باعتراف:
– دا أبويا سبب وجودي، مهما كان عمل أبويا.
جحظت بعينيها وابتلعت ريقها قائلة:
– حليم انت ممكن تقول نفس الكلام دا عليها؟
عقد حليم ما بين حاجبيه قائلًا:
– أنا قلت إيه؟ قصدي إنه مهما عمل فهو أبويا، ومين دي اللي هقول عليها نفس الكلام؟ قصدك أمي؟
ارتفع صوته أمامها قائلًا:
– لو دا إحساسي ماكنتش هتردد لحظة إني أقوله، أنا صريح جدًا، ومش بخاف، اتربيت على الصراحة منك، علشان كدا قلت ليكي أنا عايز الصراحة في كل حاجة، أنا لما دخلت الأوضة دي كنت عايز أقوله إنه سابنا في إيد ست أمينة.
واستطرد بوضوح قائلًا:
– ست عافرت لغاية ما وصلنا كلنا، أنا اتخلقت بدايتي على إيدك، حققتي ليَّ كل اللي كنت عاوزه.
ثم زم شفتيه باستهزاء قائلًا:
– أنا لو كنت اتربيت على إيدها، يمكن عمري ما كنت فلحت.
اعتصر قلبه لبكائها فوضع كفيه على وجهها قائلًا:
– انتي اللي مهما عملتي هتفضلي أمي وتاج راسي، اوعي تشكي في دا في يوم من الأيام، ولو إيه حصل.
رفع كفيه لينظر إليها قائلًا:
– عمري ما أبدلك بأي واحدة تانية.
توقفت عن البكاء عند تلك الجملة ونظرت إليه بحب قائلة:
– حليم اللي سمعته منك صح؟ قول لي صح، انت بالكلمة دي عطتني عمر جديد وحياة، انت ابني بجد.
ثم استطردت برجاء قائلة:
– وسامحني إني فهمتك غلط، أنا بس بخاف دايمًا أفقدكم، خصوصًا انت، انت يا حليم بالذات، بس مش معنى كدا إني مش بخاف أفقد إخواتك، أنا بس عندي في قلبي لكل واحد فيكم مكان.
ثم وضحت له قائلة:
– عارف ازاي؟ يعني انت ممكن يكون مكانك محفور قوي، ومعزتك غالية قوي، عارف الكل بيبص علينا ويحسدنا واحنا مترابطين.
ثم استطردت بسخرية:
– مفكرين إني لازم أفرق بينكم، أنا ماقدرتش، سراج كان خايف مني، وقال احنا لازم نرجع لبعض علشانكم، ومش هقدر عليكم لوحدي.
ثم تنهدت بثقة قائلة:
– بس لا، أنا قدرت، وانت كمان لما كبرت ساعدتني كتير، فاكر؟ انت كنت بتشتغل معايا وانت في إعدادي.
ابتسم حليم قائلًا:
– أيوه فاكر.
تذكرت ثريا قائلة:
– كنت بتبقى راجع من المدرسة، تعمل كل اللي قلت ليك عليه، وما تقولش لأ، انت ريحتني كتير.
ثم استطردت بابتسامه امتنان:
– ولسه مريحني، نفسي بس ضحكتك ترجع زي الأول.
اتسعت ابتسامته قائلًا:
– حاضر يا ستي, أنا هضحك علشانك بس، تصدقي وحشني جدي اليوناني.
تعالت ثريا ضحكاتها قائلة:
– كدا انت رجعت تضحك تاني، وتضحكني معاك.
ثم استطردت بلهجة آمرة مرحة:
– عايزاك تفضل مبسوط على طول، انت تستحق تبقى مبسوط، هناخد من الدنيا؟ كلنا هنموت، انت فاكر الجملة دي؟ انت علمتهالي.
تعالت ضحكات حليم، ولم يستطع أن يتحدث لأنها أهلكته من الضحك، ليجدها تنظر إليه بخبث قائلة:
– وبعدين تعالى هنا إيه حكاية إنك مش عايز تتجوز وئام، دي ربنا بيحبها إنها هتتجوزك، وأنا نفسي أشوفك عريس، قول لي بقى وئام ست قوية ولا ضعيفة.
ثم استطردت وهي تعبر عن رأيها قائلة:
– أنا مش بحب لاتنين.
وتمنت قائلة:
– مش عايزاها لا قوية قوي ولا ضعيفة قوي، خايفة عليك، وانت ممكن تتعصب، بس حاسة إن ويمي شبهك.
ظل صامتًا وشاردًا فيها وهي تتحدث لتضربه على ركبته قائلة:
– يلا يا باير، روح اخطبها بكرة، وغير في النسل، وئام سمراء النيل، مش عايزة بحر العسل المصفي، فاهم؟
لم يستطع السيطرة على نفسه من الضحك قائلًا:
– ماشي يا ثريا، أنا هعمل اللي انتي عايزاه، أنا تحت أمرك، وبصراحة أنا بحب النوع الضعيف، بس مش لدرجة الهبل.
ثم لوى شفتيه قائلًا:
– عمومًا الضعيفة بتستقوى بعد الجواز، بس أحسن ما تكون مستقوية وترجع تستقوى أكتر وأقتلها على يدي.
ابتسمت ثريا قائلة:
– لا يا حبيبي تفكيرك غلط، أبوك اختارني علشان شافني قوية.
واستطردت بشرود قائلة:
– حتي رجعلي لأنه عرف إني قوية وهقدر، وأنا حاولت أظهر له ضعفي مابقاش يقتنع، يلا أهي القوة دي نفعت بعدين.
ابتسم حليم قائلًا:
– أحلى قوة.
ذهبت إلى غرفتها وتناول هو هاتفه فوجدها لم ترد عليه، بل وتقوم بفصل الخط فراسلها قائلًا:
– وحشتيني.
ردت عليه بارتباك قائلة:
– ماعدش ينفع تكلمني في وقت متأخر.
رد عليها بخبث قائلًا:
– ليه؟
ردت برياء:
– لأني مخطوبة.
ابتسم بخبث قائلًا:
– لا ما هو قدري جه خطب هاجر.
هاتفته، ليبتسم ويرد عليها، فيتعالى الغضب عندها قائلة:
– يعني انت عارف إني كنت بكدب عليك وبتتصل تتمسخر عليَّ.
تنهد بعشق جارف قائلًا:
– بتصل أقولك إني لازم أقابلك قريب ونتكلم وأعتذر عن اللي عملته معاكي، أسف يا ويمي يا حبيبتي.
لم ترد عليه بل وأغلقت الهاتف رغم أنها شعرت بسعادة طفيفة، إلا أنها خشيت من تقلبه المزاجي بعد انجراف مشاعرها معه.
في الصباح كانت جالسة تتناول طعام الإفطار، ليهبط نور ويتناول معها قائلًا بخبث:
– هو حليم بات فين امبارح؟
ابتسمت ثريا قائلة:
– طلع ينام فوق السطوح، أصل الهوا فوق يرد الروح، وبعدين ما تسيبه في حاله.
زفر نور بحنق قائلًا:
– ما تلفيش عليَّ يا ثريا، هروح أجيبه من السطح يعني؟ وبعدين إيه أسيبه دي؟
ثم تنهد قائلًا:
– أنا ميهداش ليَّ جفن إلا لما يكون جنبي على السرير التاني.
ضحكت ثريا قائلة:
– يا نور أنا فهمتك كويس، معلش بقى أخوك وانت عارف كويس إنه بيحب يبات في أوضة الذكريات، فسيبه على راحته.
تنهد نور قائلًا:
– ماقدرش أسيبه، احنا عاملين زي التؤام، انتي تعرفي إن نفسه في الأوضة حياة بالنسبة ليَّ.
ثم زفر قائلًا:
– بس مسيره أنا وهو نتجوز وكل واحد فينا يبقى له أوضة.
واستطرد وهو ينظر إلى أعلى بيأس:
– حليم مش هتفرق معاه زيي، بدليل إن برجع متأخر بلاقيه نايم، ما شاء الله ولا على باله.
انتظر حتى يهبط، ولكنه تأخر فنهض وذهب المطعم بمفرده، أثناء دلوفها إلى المطعم وجدها تجلس على طاولة مع شاب، فبدا له الأمر أنه بالفعل جديًا، وأنها ستُخطب له، فتوجه إليهما ليقوم بدور النادل قائلًا:
– تحت أمركم.
جحظت بعينيها وابتلعت ريقها قائلة:
– لا شكرًا، احنا طلبنا.
نظر إليه الضيف قائلًا:
– مش انت نور ابن الشيف ثريا؟ انت مش فاكرني؟ أنا جاسر أخو حنان في الرضاعة، ابن جارتهم سناء وحشتني يا نور.
تعالت ضحكات نور خاصة عندما لعنت جاسر قائلة:
– الله يحرقك، بوظت الدنيا.
ابتسم نور بخبث قائلًا:
– معلش مأخدتش بالي، افتكرتك خطيب حنان.
أدلت حنان بشفتيها إلى الأسفل، لينظر إليها جاسر قائلًا:
– الله! مش انتي قلتي إنك اتخطبتي لنور؟
نهضت حنان وأمسكت معطفًا لها قائلة:
– حسبي الله، حنان هتهج بسببكم، اوعوا من وشي.
رحلت ونور تتعالى ضحكاته وجاسر لا يفهم شيئًا.
في المطعم جاء حليم متأخرًا، ليهتف نور بضيق قائلًا:
– إيه يا أخويا؟ ناموسيتك كحلي، فيه شحنة لازم نستلمها، إيه هتلغيها هي كمان؟ بس المرة دي تقول لي السبب بصراحة.
عبس حليم بوجهه قائلًا:
– مالك يا نور متعصب ليه؟ هو أنا لغيت شحنة من غير سبب؟ لا طبعًا، وعمري ما هخبي حاجة زي دي عنك.
ثم زفر قائلًا:
– لا بجد زعلتني، أنا بس صحيت متأخر وجيت براحتي، ورايق أهو زي ما بتحبوا تشوفوني، ولا عايزين واحد تاني بقى مابيضحكش؟ دا أنا نفسي ماكنتش مرتاح لمنظري الفترة الأخيرة.
ثم عاتب نفسه قائلًا:
– حتى ماما ثريا كانت بتزعل علشاني.
واستطرد يوضح له قائلًا:
– يا ابني أنا بحاول أخرج من اللي أنا فيه وبتعلم منك تقوم تكسر بخاطري؟ والنهارده بالذات؟ ولا انت مش واخد بالك واللي حصل نساك؟ تموت في العكننة أقسم بالله، انت وميارا، أقسم بالله الواد زياد خسارة فيها، بنت قوية ومستقوية.
ثم لوى شفتيه قائلًا:
– تلاقيها بتكسر بخاطره هي كمان بسبب تفكيرها في الماضي، اللي هو أبوه جزء منه، أنا بدأت أنسى، وأتخيل إن كل اللي حصل دا محصلش.
واستطرد يعاتبه قائلًا:
– يبقى انت بنكدك دا تفكرني؟ أنا عايز أنسى الوجع كله بعد ما كنت عايز أنبش فيه.
ثم تنهد بحب قائلًا:
– لأن ماما ثريا عايزة حد ينسيها ويقويها، وأنا هبقى الحد دا، عمري ما هخليها تشحت ضحكة حد.
– هي مش هاينة عليَّ ولا انتم كمان، انتو حياتي اللي فخور بيها، مش عايز حد فيكم يزعل بسببي.
ثم وضع يده على صدره بندم قائلًا:
– انت عارف يا نور إن أنا كنت مصدر زعلكم الفترة اللي فاتت، كل الزعل كان بسببي، أنا لازم أصلح غلطي معاكم.
ثم تنهد بحب قائلًا:
– أيوه غلطي.
ثم ابتسم قائلًا:
– كان لازم ساعتها أقول وإيه يعني لما يبقى اسمي بأم تانية، وأقول مش عايز أعرف هي مين.
واستطرد بلا مبالاة:
– وفيها إيه؟ ما كتير ممكن يتعرض للموقف دا، أنا يعني هنقي قدري على مزاجي؟ يا نور أنا غلطت.
ثم نظر إليه بحب قائلًا:
– وعارف إن انت بتتعصب عليَّ كعقاب.
ثم استطرد:
– ليه بقى بعد ما بدأت أصلح كل دا انت زعلان مني؟ اللي ببدأ أعمله إني همسح الماضي.
ثم تابع وهو يضع يده في يد نور قائلًا:
– وانت هتساعدني يا نور، أنا عايز أريحكم، الزعل وحش قوي، سامحني يا نور أرجوك، وكل سنة وانت طيب.
جحظ نور بعينيه ونظر إلى هاتفه، ليجد أن اليوم يوافق يوم ميلاده، فانتفض يحتضنه قائلًا:
– وانت طيب، انت اللي المفروض تسامحني، على طول بفتكر وانت بتنسى، المرة دي العكس.
ثم ابتسم قائلًا:
– انت فعلًا بتتغير، فين أيام ما كنت بجبلك هدية وانت مش بتعبرني؟
ابتسم حليم قائلًا:
– حقك، أنا هجبلك هدية السنة دي عروسة بتنور في الضلمة، علشان ماتبقاش تخاف تنام لوحدك.
تعالت ضحكات نور قائلًا:
– انت مصيبة، أنا فعلًا بخاف أنام لوحدي.
ثم رفع كتفيه بقلة حيلة قائلًا:
– بس أعمل إيه في واحد غتت بيحب ينام مع الذكريات، لو عليَّ مش عايزك تتجوز انت كمان.
واستطرد:
– بس لازم تتجوز، علشان ماما ثريا تفرح يا أخويا.
ثم استطرد بمرح:
– عارف لو ماسمتش أول عيل سواء ولد أو بنت نور هعمل فيك إيه؟ علشان أنا عمهم وليَّ حق عليهم، هكسر أي لعبة تجيبها ليهم، ولو مراتك رفضت، أنا هروح أسجله، أول طفل دا بتاعي، بعد كدا إن شاء الله تسموهم عتمة عادي.
وأكد قائلًا:
– حتى هاجر نخليها تعمل كدا وميارا كمان، بس لا ميار أبوك قال لها تسمي سراج، ليه كدا يا حاج سراج؟ أنا كنت هخلي كل العيلة نور.
تعالت ضحكات حليم ليبتسم نور بمرح قائلًا:
– اسمع كلامي يا ولد أنا أخوك الكبير، انت أصغر مني بأربعين يوم، انت هتقعد تضحك كدا كتير؟ يلا يا أخويا نلم أصحابنا ونحتفل، كنت قلت لزياد وقدري، بس قدري حياته كلها في العيادة.
واستطرد بسخرية قائلًا:
– مابيعرفش ياخد أجازة، وشكله مش هيعرف يخرج أختك، دايمًا مشغول، بعد الجواز هتيجي هاجر تلزق عندنا، علشان كدا أنا واجهته وقلت له يتجوز عندنا.
وتنهد بارتياح قائلًا:
– وفعلًا غير قراره وأقتنع يبقى معانا، مش فاضل غير ميارا.
واستطرد بحنق قائلًا:
– آه لو تبطل عند، كل ما أفتح الموضوع معاها تقول لي لأ، انت كلمها يا حليم، عرفها إنها لازم تكون معانا يا حليم، علشان خاطري، خليها ترجع عن قرارها أرجوك، لو على خوفها طمنها، انت أخوها، شوف انت رجعت تضحك ازاي ورجعلها ضحكتها بنفس الطريقة.
ثم شرد قائلًا:
– مش عارف ليه ماما ثريا مطنشاها؟ ساعات بفكر علشان هي مش بنتها، ألاقيها بتعمل كدا مع هاجر، بس هي نفسها بتقول لي ميارا محتاجة اهتمام أكتر وتركيز لأنها حساسة زيادة عن اللزوم، كانت واحنا صغيرين خزان أحزان، زياد جه النهارده الصبح يصبح عليها لوت بوزها في وشه.
واستطرد بسخرية قائلًا:
– وتقولي زياد معكنن عليَّ! دي فظيعة، محدش فيهم طلع لثريا، والله أنا نفسي أتجوز واحدة زيها.
ابتسم حليم بخبث قائلًا:
– عندك حق، بس هي بقى عايزانا نتجوز سمراء النيل، وأنا مش مقتنع.
نظر نور بسرعة لشكله في المرآة قائلًا:
– الجمال دا يتجوز سمراء النيل؟ خلينا نعنس أحسن, أنا هخلع.
تعالت ضحكات حليم قائلًا:
– يا ابني سمراء مش سوداء، وربنا دول عسليات.
أخذ ينظر نور الي المرآة ببلاهة، لينفجر حليم من الضحك قائلًا:
– يخرب عقلك، انت هتتجنن؟
هز نور بأكتافه قائلًا:
– لا أنا اتجننت خلاص، دا أنا شعري أصفر، على كدا هخلف عيال إيه؟ رُمادي.
ثم داعب خصلات شعره قائلًا بمرح:
– أما أمرن نفسي على سمراء النيل من دلوقتي وأصبغ شعري أسود.
ضحك حليم قائلًا:
– آه يا ريت، انت الوحيد فينا اللي شعره أصفر، أنا بصراحة بنفسن منك.
تعالت ضحكات نور قائلًا:
– إلا شعري دا كله شعر ثريا، هو فيه في جماله؟ مفيش حد أخد حلاوة ثريا غيري، انت غيران مني.
تعالت ضحكات حليم قائلًا:
– أيوووووه، الله! ما هي مامتي برضو، انت عايزاها لوحدك، بس أنا مش هديك الفرصة.
ضربه نور على كتفيه وقال بغضب مصطنع:
– لا دي بتاعتي لوحدي، انت هتشقط المزة مني.
انفجرت ضحكات حليم، ولم يعد يستطيع السيطرة على حاله قائلًا من بين ضحكاته:
– ياااه هي وصلت للشقط! آه هشقطها، ما تدخلش ما بينا إلهي يسترك.
هنا أيضًا نور لم يتمالك نفسه من الضحك وردد قائلًا:
– إن شاء الله، أيوه يا أخويا ادعيلي بالستر دايمًا، أهم حاجة سترة الواحد.
ثم لطم على خديه بخفة قائلًا:
– وبعدين أنا لو اتفضحت في مرة هجرك معايا، أينعم محدش هيصدق لأن وشك نكد، بس برضو هتلبس معايا.
بعد انتهاء وصلة الضحك التقط حليم أنفاسه قائلًا:
– ما ليش في الليالي بتاعتك، نور كفاية بقى، وتفضل تبيع كلام للبنات وفي اللحظة الأخيرة بتهرب.
واستطرد يحثه قائلًا:
– لو تحط بس واحدة من إخواتك مكان البنات دي، ماكنتش هتعمل كدا.
عبس نور بوجهه ليربت حليم على كتفيه قائلًا:
– وانت مش محتاج أصلًا تضحك عليهم هتستفاد إيه؟
هز نور رأسه متفهمًا وقال:
– ماشي يا حليم، أوعدك مش هرجع للموضوع العيالي دا تاني.
ابتسم حليم قائلًا:
– خد بالك كمان أي حركة منك فيها إساءة سمعة لينا، وانت مايرضيكش اللي عملته ثريا يتهد في ثانية.
ربت نور على يد حليم يطمئنه قائلًا:
– ما يرضنيش طبعًا، دا كان طيش شباب وراح لحاله.
دلف في تلك الأثناء زياد مبتسمًا ويحمل في يده باقة زهور قائلًا لهما:
– أنا جايب ورد مخصوص علشان أقولكم كل سنة وانتم طيبين.
ضحك حليم قائلًا:
– تعالى يا جوز أختي.
لوى زياد شفتيه قائلًا:
– دي لوت بوزها في وشي النهاردا الصبح، رغم إني كنت جاي أقولها كل سنة وهي طيبة.
ابتسم حليم بسخرية قائلًا:
– مش كنت تاخد لها الورد دا أحسن، يمكن كانت فهمت، أو يمكن لقت الزيارة عادية فقامت قلبت وشها.
ثم تنهد بتعب قائلًا:
– يا ترى يا ميارا انتي كمان هتبطلي نكد إمتى؟ انت مش عارف تضحك عليها بكلمتين؟
زفر زياد قائلًا:
– كل ما أكلمها هما تلاتة أيام وترجع ريما لعادتها القديمة.
ابتسم حليم بخبث قائلًا:
– أنا عندي الحل وأوعدك هما تلاتة أيام وهتبقي زي الساعة.
تلهف زياد قائلًا:
– الحقني بيه.
نظر حليم إلى نور وغمز له ثم قال:
– هقولك، تتجاهلها تمامًا وتسهر معانا أنا ونور ونخربها الليلة.
كاد زياد أن يرفض لولا أن سحبه حليم من يده، لتتعالى ضحكات نور من خلفهما وهو يتبعهما إلى أن استوقفته ثريا تنظر إليه بخبث ليبتسم قائلًا:
– بقى كدا يا ثريا! انتي ماقولتليش كل سنة وانت طيب ليه؟ دي أهم حاجة بالنسبة ليَّ، هو يعني علشان أنا أكبر من إخواتي بأربعين يوم تقوليها ليَّ يومها والنهارده لأ؟
ثم سلط أذنيه بمرح نحو شفتيها قائلًا:
– أنا عايز أسمعها منك دايمًا، بس بجد بشكرك، علشان رجعتي حليم زي الأول، أنا مبسوط بيه قوي, هو نفسه مبسوط من نفسه.
وانفجر بسعادة قائلًا:
– مبسوط إنه بقى كويس علشان هو أخ عظيم، كدا لو رجعت أمه أعتقد مفيش مكان للخوف.
– علشان خاطري اوعي تسعي إنها ترجع تاني، سيبيه يفرح، بلاش يشوفها، وأنا كمان مش حابب أشوفها، كفاية اللي عملته زمان في الكل، وخدي بالك من خطاب يا ماما، هو ممكن يكون عارف مكانها.
واستطرد بضيق قائلًا:
– وانتي بعد كل اللي عمله مشغلاه معاكي، بس خلاص زياد كبر ويقدر يمسك مكانه.
وتابع كلامه قائلًا:
– هو كان عايز يسيب المطعم من فترة سيبيه يمشي، وبعدين يا ستي نديه فلوس زي المعاش.
رأت ثريا في رأي نور الصواب فابتسمت قائلة:
– اللي تشوفوه، بس مش أنا اللي هقول له ماشي؟ دي مهمتك.
ابتسم نور بثقة قائلًا:
– طبعًا، قوليلي قدري عارف إن النهاردا عيد ميلاد هاجر؟
واستطرد بحنق قائلًا:
– عارف إن هاجر مش فارق معاها، بس برضو لازم قدري على الأقل يتصل بيها.
ابتسمت ثريا بخبث قائلة:
– قدري جه أخد هاجر و ميارا وهيحصلكم على مكان السهرة، قول لحليم سلم على الشهداء اللي معاك.
تعالت ضحكات نور على تخطيط والدته الخبيث في سبيل إشعال نار الغيرة عند ميارا على زياد.
جلست ثريا بعد خروج نور تنظر إلى آخر صورة التقطتها مع أبنائها، والتي نشرتها في المجلات لجلب زوجة سراج الثانية (ولاء)، أرجعت ظهرها للخلف وتذكرت عندما شعرت بالتعب وذهبت إلى الطبيب ليقوم لها والتحاليل ويخبرها بحملها والخبر الأسعد هو إخبارها بأنها حامل في توأم، تطايرت من السعادة وتناست أمرها أين تكون وأخذت تهتف:
(فلاش باك)
– الحمد لله، أحمدك وأشكر فضلك يا رب، أنا كنت عارفة إنك هتجبر بخاطري وفي الوقت دا بالذات، أنا عايشة لوحدي من يوم جوازه.
ثم استطردت بحزن قائلة:
– بيجي مش بيبات عندي، شكرا يا رب، يا رب ديمها عليَّ نعمة، انت كريم قوي يا ربنا، يا رب فرح قلبي وخليه يرجع يقعد معايا.
وبالفعل هاتفته أول بعدما خرجت من المستشفى ليأتيها من القاهرة على مضض، وهي تستقبله بالأحضان لينفر منها قائلًا:
– انتي مش عارفة إني مشغول يا ثريا؟ انتي ليه جيباني على ملى وشي؟
حزنت ثريا ولكن التمست له العذر قائلة:
– سراج انت وحشتني، ليه مش بتيجي تتطمن عليَّ؟ وليه بتقول جيباك على ملى وشك.
ثم أشارت إلى المنزل قائلة:
– مش دا بيتك وانت بترتاح فيه؟ وأنا كزوجة ليَّ حقوق عليك.
ابتسم بسخرية قائلًا:
– إيه يا ثريا؟ يعني عايزاني علشان حقوقك؟ هو دا اللي جيباني علشانه؟ أنا مشغول والشغل فوق رأسي كله.
هنا قررت ثريا أن تخفي عنه خبر حملها وأخبرته أنها ستسافر إلى اليونان وأنها جلبته لأنها ستفتقده كثيرًا، رد عليها بجفاء قائلًا:
– هتوحشيني يا ثريا تروحي وترجعي بالسلامة.
ابتلعت مرارة ريقها قائلة:
– انت كمان يا سراج.
نظر إلى ساعته يتفقدها بتوتر قائلًا:
– معلش يا ثريا اعذريني، أنا عندي ميعاد في القاهرة بالليل.
كادت أن تتركه ولكن شيء بقلبها حثها أن تسأله عن هذا الموعد وتفاصيله، أو بالأحرى تود أن تسأل هل زوجته الأخرى حامل أم لا، فسألته بتوجس:
– انت عندك ميعاد مع مين؟ هو مش انت بقى شغلك لوحدك يا سراج؟ انت شاركت حد تاني؟ انت وقفت شغل مع خطاب.
واستطردت:
– وهو اللي طلب كدا؟ هو اشمعني بعد ما انت اتجوزت؟ أنا سمعت من ذكرى.
استوقفها بيده قائلًا:
-بس يا ثريا،المفروض إن أنا وهو كنا فضينا الشراكة من زمان، ولا ماكنتيش عايزاني أفوق وأستقل بنفسي؟
هزت ثريا رأسها تنفي اعتقاده قائلة:
– لا بالعكس.
ابتسم بسخرية قائلًا:
– إيه؟ هو اشتكى لمراته زي العيال؟ ولا اشتكى ليكي وانتي بتلزقيها لذكرى؟
صدمت من اتهامه وردت بحزن:
– هو أنا عمري كدبت عليك؟ أنا دايمًا بقول الحقيقة.
زفر سراج بحنق قائلًا:
– ماشي.
نظر مجددًا إلى ساعته قائلًا:
– أشوفك على خير يا ثريا، خلي بالك من نفسك يا حبيبتي.
لأول مرة بحياتها معه تشعر بكلمة حبيبتي كأنها كلمة تنطق بشكل تقليدي، فاهتزت وردت عليه:
– حاضر يا سراج.
توجه نحو الباب ليقطب جبينه على برودها وعدم ترجيها له أن يودعها قبل السفر، ليعاود إليها قائلًا:
– انتي هتسافري إمتى؟ وكل أوراقك جاهزة ولا محتاجة مساعدة.
كانت تريد الصراخ والبوح بكل ما لديها، ولكنها كتمت مشاعرها قائلة:
– لو في حاجة هتصل عليك، بس ماتقولش جبتك على ملى وشك، أنا بتصل فعلًا لما بكون محتاجة ليك.
ثم استوقفته قائلة:
– سراج، أنا احتمال أطول في سفري، لما تحتاجني أرجع اتصل انت.
لا يعلم أيحزن لبعدها أم هذا جيد ليلتزم بحياته الأسرية الجديدة، ولكن قال لها بكل ثقة:
– أنا عارف إنك مش هتقدري تبعدي كتير، ولا إيه؟
ابتسمت بسخرية قائلة:
– عمري ما كنت عايز أبعد زي دلوقتي.
حدق في وجهها وشعر أنها ستبتعد بالفعل فابتلع ريقه قائلًا:
– هتبعدي علشان أنا اتجوزت، انتي ليه بتعملي كدا؟ كل دا علشان نفسي في حتة عيل؟
همست بخيبة أمل قائلة:
– كدا أنا عرفت.
هتف بغضب قائلًا:
– من وقت ما اتجوزت وأنا هناك معاها، وجالك إحساس إني هسيبك.
ردت عليه بأضعاف غضبه قائلة:
– انت شايف عندي الإحساس دا، ليه سايبني؟
زفر بحنق قائلًا:
– معلش، مش هينفع أكون معاكي الفترة الجاية، مفيش عندي حل غير دا، ولا أقدر أتشحطط بينك وبينها.
فكرت ثريا في أضيق الحلول حتى لا تقطع معه نهائيًا.
– طب ممكن تجيبها تقعد معانا ونفضل هنا، مش تخليني لوحدي.
ارتبك منها قائلًا:
– وهو انتي فاضية أساسًا يا ثريا؟ وبعدين مانفعش في الأول هينفع دلوقتي؟ بس هقول لها رغم إني عارف إنها هترفض.
وبعد مرور شهور الحمل وهروب والدة حليم وميارا، عاد سراج إلى ذلك المنزل الذي قام بأحزان ثريا فيه، ليندهش من وجودها، فهو طيلة تلك الشهور لم يحادثها، وبعد عرضه لفظت له كلمة ألجمته حيث قالت:
– بكرهك.
حدق في وجهها مطولًا، لم يستوعب وصول الحال بها إلى تلك الدرجة فردد قائلًا:
– انتي بتحبيني يا ثريا، انتي بتقولي كدا من زعلك مني.
هزت رأسها بالسلب قائلة:
– لا يا سراج أنا فعلًا بكرهك، وأنا عايزة أتطلق، أنا عايز أربي أولادي وحدي.
ذهل سراج قائلًا:
– لا يا ثريا، أنا عايز نربيهم سوا، كفاية إني طلعت قاسي مش هتبقي انتي كمان، احنا ننسى اللي فات، ونعيش نربي أولادنا.
واستطرد يوعدها قائلًا:
– وأنا والله ما هدور عليها، أنا يكفيني انتي والأولاد، انتي أكتر واحدة هتقدري تربيهم، وأكتر واحدة هتفهمي يعني إيه أم.
نظرت له بلوم وعتاب قائلة:
– انت بتعايرني، هو مش ربنا جبرني خلاص؟
تنهد سراج قائلًا:
– لا يا ثريا، أنا بس عارف قد إيه انتي كنت مستنية حاجه زى دي، علشان كدا انتي أكتر واحدة هتقدري الموقف اللي هما فيه.
واستطرد بتعب:
– كمان أنا حاسس إني تعبان، ومش هتطمن إلا لو أخدتيهم.
زفرت ثريا قائلة:
– تمام موافقة، بس بشرط نتطلق.
رد سراج برجاء قائلًا:
– لا أرجوكي، أنا هبقى معاكم بس مظهر مش أكتر، ريحي قلبي يا ثريا، وانتي مش هيرضيكي تعبي ومرمطتي.
ثم بيأس قال:
– انتي عارفة بقيت على الحديدة، ومش معايا قرش.
هزت ثريا رأسها برفض قائلة:
– لا يا سراج، هما بس اللي يحتاجوا الفلوس.
اندهش لجبروتها ورد قائلًا:
-ثريا لو على الفلوس نشتغل، بس خلينا مع بعض.
نفخت ثريا بضيق قائلة:
– اشتغل بس بعيد عني، والأولاد هتعاملوا أحسن معاملة.
هز رأسه باستسلام قائلًا:
– عمومًا أنا هروح أخلص اللي ورايا في القاهرة، وأعمل بنصيحة خطاب وهسيبك دلوقتي، والأولاد عنده جايز أرجع ألاقيهم عندك.
واستطرد بقلة حيلة:
– ولو محصلش هحاول معاكي لآخر نفس.
وتركها ورحل ليكون هذا اللقاء الأخير بينهما.
(عودة)
أتاها اتصالًا دون رقم، فردت عليه بنبرة صوت جميلة، لتجعل الطرف الأخر يثور غيظًا:
– سي سينور أو سينيوريتا.
جزت الأخرى على أسنانها قائلة:
– انتي لسه بترطمي يوناني يا ثريا.
قطبت ثريا جبينها قائلة:
– مين معايا.
ردت عليها بضحكة خليعة قائلة:
– أنا ولاء ضرتك يا ثريا، إيه نسيتيني يا يونانية؟
اتسعت حدقة عيناي ثريا ونظرت أمامها، وتذكرت كل شيء من جديد، اندلعت النيران في صدرها، كيف وصلت إلى رقم هاتفها الخاص؟ ولماذا ظهرت من جديد في هذا يوم؟ عيد ميلادهم بالتحديد!
الفصل السابع
ضاع عمرها في لحظة وهي تستقبل تلك المكالمة، بالرغم أنها السبب في ظهورها مرة أخرى، لفظ الضرة أثار ضغينتها، ولكن هذا ليس مهمًا، المهم هو طريقة تحدثها، الفزع عند العودة، فهي وضحت أن لا شيء يهمها حتى أولادها لا تندم على تركهما، رغم أنه إذا عُكس الموقف بينهما لكانت ثريا فضلت أن تبقى في الخفاء طيلة عمرها، صوتها الشيطاني أشعر ثريا بالاشمئزاز، أعادها إلى ذكرى أليمة بعد الزواج الثاني لسراج، حيث كانت ولاء تهاتفها بنفس تلك النبرة، وتثير غيرتها أنها نجحت في أخذ سراج منها وتمكنت من الحمل بطفلين،وأن لو حدثت بينهما مقارنة سوف يختار سراج ولاء بمميزاتها أما ثريا لا تمتلك شيء، ضئيلة الحق في كل شيء.
اضطرت ثريا أن ترد عليها واستخدمت نبره تشعرها بالثقة وقالت:
– أهلًا أهلًا، وانتي تتنسي برضو؟ عاش من سمع صوتك.
ابتسمت ولاء بخبث قائلة:
– بس انتي كنتي نسيتي صوتي؟ هو دا بيتنسي برضو؟ دا أنا كنت عاملالك شغلانة بصوتي، بس يلا انتي ارتحتي منه 23 سنة.
تنهدت ثريا بارتياح قائلة:
– فعلًا حقيقة يا ولاء.
جزت ولاء على أسنانها قائلة:
– وبتقولي كدا ببساطة؟ طيب تحبي نرجع زي زمان وأسمعه ليكي كل يوم؟
ردت عليها ثريا بلا مبالاة قائلة:
– براحتك مش فارق معايا.
اغتاظت ولاء أكثر قائلة:
– ولا أنا، بس يكفيني إني اتصلت بيكي في اليوم دا بالتحديد.
عقدت ثريا ما بين حاجبيها بسخرية قائلة:
– اشمعنا؟ هو انتي كان عندك فرصة تتصلي قبل كدا وماتصلتيش غير بمزاجك؟
ردت عليها ولاء بانتصار قائلة:
– بقالي تسع شهور بفكر أتصل، بس قلت أتصل يوم عيد ميلاد أولادي أنا.
فهمت ما ترمي إليه فردت عليها بثقة قائلة:
– اختيار مناسب وانتي طيبة يا ولاء، هبلغهم التهنئة بتاعتك، ودلوقتي مضطرة أقفل عندي شغل، سلام يا لولي.
وبالفعل أغلقت الهاتف وأسرعت بالاتصال بأبنائها، ولكن دون جدوى، يبدو أنهم منشغلين عن الهواتف، وذلك بسبب صوت الأغاني بالحفل.
أثناء اتصالها أتاها اتصال من خطاب، لترد عليه دون تردد، فيجيبها بشماتة قائلًا:
– قُلتلك بلاش تزعليني يا ثريا.
فهمت ما يرمي إليه فاستخدمت تعالي ضحكتها بسخرية قائلة:
– هو انت فاكر إني خايفة من رجوعها؟ جرى إيه يا خطاب انت نسيت؟ دا أنا اللي جبتها بنفسي.
تضايق خطاب من ثباتها ورد قائلًا:
– غبية، وتفضلي طول عمرك غبية، دي هتوقع بينك وبينهم.
رفعت أكتافها بلا مبالاة قائلة:
– ولا يهمني، أنا واثقة في تربية إيدي.
أراد أن يرعبها فسألها قائلًا:
– حليم آه، طيب وميارا؟ مش خايفة زي ما ذكرى بتقول إن يطلع العرق دساس.
انتفضت ثريا بغيظ وردت بغضب قائلة:
– اخرص قطع لسانك، على فكرة انت من النهاردا مالكش شغل عندي، زياد هيمسك مكانك وهعامله زي ابني يا بتاع العرق دساس.
وأغلقت الهاتف في وجهه ليستشيط غضبًا بسبب تخليها عنه في العمل وبكل سهولة، متناسية أنه هو السبب في كل ذلك.
في الحفل أصر حليم أن ينتهز الفرصة المزاجية لقدري ويسأله عن شيء علمه من زياد، فقد قال زياد أن قدري كان يريد الاطمئنان من ناحية هاجر، هل هي ابنة ثريا أم ابنة ولاء؟ ناداه لانشغال هاجر مع صديقاتها، خرجا إلى الحديقة ليبتسم قدري قائلًا:
– أيوه خير يا حليم؟ فيه حاجة؟
رد عليه حليم بجمود قائلًا:
– أنا عايز أعرف ليه سألت زياد عن أم هاجر؟ هو فيه مشكلة لو ماكانتش طلعت بنت ماما ثريا؟ قول لي السبب وأنا هقدره.
واستطرد بتوجس قائلًا:
– ممكن يكون والدك دا كان شرطه.
ابتلع قدري ريقه وتوقف الكلام في حنجرته، لا يدري ماذا يقول، ولكن الصمت لا يُجدي بشيء، لا بد من الرد حتى لو كان الرد صدمة، رد بصعوبة قائلًا:
– هقولك، أنا ماينفعش أتجوز بنت ولاء لأن كدا يبقى هتجوز أختي.
جحظ حليم بعينيه وشعر بدوران الأرض من حوله، حتى أنه قد اختل القليل من توازنه لدرجة تلهف لها قدري، فسنده بيده لينظر إليه حليم مستفهمًا، فتدمع عيني قدري وهو يهز رأسه قائلًا:
– انت أخويا اللي بقالي خمس سنين بتطمن عليه من بعيد.
هز حليم رأسه معارضًا وقال:
– مستحيل!
أمسكه قدري من كتفيه يهزه بقوة قائلًا:
– تحب أحكيلك انت ازاي تكون أخويا؟
شهقات تعالت في صدر حليم قائلًا:
– ماما ثريا مش معقول تكون خبت عليَّ دي كمان؟ أنا ماليش غير أخ واحد وهو نور.
تنهد قدري قائلًا:
– طنط ثريا ماتعرفش حاجة، أعتقد إنها ضحكت عليهم وقالتلهم إن أبويا طلقها وهي سقطت فيَّ بعد كدا.
تعالت النيران في صدر حليم قائلًا:
– تعتقد! اللي هو ازاي يعني؟ مش دي أمك اللي احنا ماشفنهاش في حفلة خطوبتك على هاجر؟
وأمسكه من تلابيبه قائلًا:
– وبعدين تعالى هنا، هي اللي زقتك تخطب هاجر صح؟ أقسم بالله ماما ثريا لو تعرف لتنسفك انت وهي وأبوك.
رد قدري بضيق قائلًا:
– يا حليم أمي اللي ماجتش دي تبقى الست اللي ربتني.
واستطرد بحب قائلًا:
– ست زي طنط ثريا كدا، بس ست غلبانة قوي، أبويا بعد ما رجعنا من الخارج اتجوزها من البلد.
أغمض حليم عينيه قائلًا:
– عارف اللي بتقوله دا معناه إيه؟ معناه إنك بتستغفلني برضو، بس انت عرفت منين إننا إخواتك؟ أنا عمري ما حكيت لحد عن الموضوع دا.
واستطرد يعقد ما بين حاجبيه قائلًا:
– وحتى استغربت إنك سألت زياد السؤال دا، بس آه أنا عرفت انت عرفت منين، علشان كدا خاف على نفسه وجري يقولي.
وتابع بسخرية مريرة:
– كنت مفكره خايف على ميارا وعلى سمعتها، طلع زبالة زي أبوه.
هز قدري رأسه بالنفي قائلًا:
– انت ظلمته، اللي قال كل دا أبوه، لما أبويا من أربع سنين لمح له إني أنا عايز واحدة من إخواتك، أنا طبعًا ماقولتش ساعتها أنا عايز مين بالظبط.
واستطرد يهز رأسه قائلًا:
– وبعدين كنت عارف إن زياد هيخطب واحدة منهم، أنا كتمت في قلبي لغاية ما جات الخطوبة وارتحت إنها مش هاجر، انت….
واستكمل وهو يوصف إحساسه بسعادة قائلًا:
– انت عارف إحساسي كان عامل ازاي؟ كنت طاير من السعادة وأنا مروح وبحكي لأبويا، بس ماكملتش علشان كدا كنت مُصر إن عم خطاب هو اللي يروح يطلبها.
وتابع بتنهيدة قائلًا:
– لغاية ما زياد ريحني وقال لي إنها بنت طنط ثريا.
ابتسم حليم بسخرية قائلًا:
– وانت طبعًا ما صدقت.
هز قدري رأسه قائلًا:
– بيتهيألك، كان فيه لسه حمل على أكتافي، يا حليم الإحساس دا صعب قوي، أبقى شايف أخويا ومش قادر أحضنه، اوعي تفكر إن دا مكر ولا خبث مني.
ثم استطرد والدموع تترقرق في عينيه قائلًا:
– أنا حاولت بس ماقدرتش، كنت محبط في الشغل، علشان ماجبش هاجر ولا أشوفك وأشوف ميارا، كنت عايز أجيب هدية لميارا النهاردا وخوفت.
وأشار نحو نفسه بحسرة قائلًا:
– حليم أنا زيي زيك ضحية، أوعى تحسبني جاني، واحضني؟
ابتسم حليم بدموع قائلًا:
– تعالى.
احتضنه حليم بقوة وأخذ يشدد في أحضانه ليرفع قدري رأسه قائلًا:
– آه أنا صحيح أكبر منك، بس حاسس إني أصغر بكتير.
لكزه حليم في كتفيه قائلًا:
– يا أخويا اتنيل انت ونور، انت تقول إنك حاسس إني أكبر وهو نفس الكلام.
تعالت ضحكات قدري قائلًا:
– هايفين، والله فعلًا ماتتصورش أنا وأنا بخطب هاجر منك كان جوايا عامل ازاي، المهم مش عايز تتأكد من كلامي ولا واثق فيَّ؟
تنهد حليم قائلًا:
– جاي بعد اللي قلته دا كله عايزني أتأكد؟ أتأكد من إيه ولا من إيه بس؟ من ساعة بس كنت بقول لنور إني مش هفكر في حاجة تخص الموضوع دا تاني بعد كدا.
واستطرد يسرد له قائلًا:
– تعرف أنا عارف بالموضوع دا من سبع سنين، يعني من وأنا عمري 16 سنة عرفت إن ثريا مش أمي، بس خفت علشان ميارا طبعًا، ومسألتش مين الست اللي مكتوب باسمها .
استكمل بمرارة قائلًا:
– وحاولت وعملت البدع علشان ميارا ماتعرفش دا لغاية ما عرفت، وهو دا اللي خلاني من بعدها أفكر كتير، ولما فكرت تعبت أكتر.
ثم مط شفتيه قائلًا:
– سواء بقى علشان راجل تاني أو علشان الفلوس لحد ذاتها، أيًا كان السبب فهي سابتنا، وأنا كنت عايز أعرف أنا ابن سراج فعلًا ولا لأ.
واستطرد بحزن وقهرة قائلًا:
– وكانت أختي بتفكر نفس تفكيري، لأن أنا السبب، لو ماكنش بان عليَّ الزعل والتفكير ماكنش دا كله حصل، بس خلاص أنا أخدت قرار النهاردا.
ثم وجه نظره إليه بحزم قائلًا:
– بفكر في إخواتي وبس، ودلوقتي بفكر فيك انت كمان، وأنا واثق إنك بتقول الحقيقة، ومش حابب أتأكد من حاجة، أنا مصدقك.
ابتسم قدري بحب قائلًا:
– وأنا مبسوط إنك مصدقني، ويا رب أفضل جمبك طول عمري، قول لي بقى هنقول لهم؟
هز حليم رأسه بالإيجاب قائلًا:
– أكيد، ويا ريت قبل كتب كتابك، أينعم أنا هدخل في صراعات معاهم، بس الحقيقة لما بتتأخر بيبقى صعب تتقال بعد كدا.
تنهد قدري قائلًا:
– وأنا تحت أمرك، انت لو حابب إن أنا اللي أحكي مفيش مانع، بس بلاش النهاردا.
لمع برأس حليم فكرة فسأله قائلًا:
– انت جبت هدية لميارا صح؟
هز قدري رأسه بحزن قائلًًا:
-لا خُفت.
أخرج حليم من جيبه سوار منقوش عليه حرفmثم مده لقدري قائلًا:
– شايف دي.
جحظ قدري بعينيه قائلًا:
– آه حلوة قوي، بس دي هديتك!
ابتسم حليم بمحبه قائلًا:
– انت أخويا وكنت ناوي تجيبلها، فبلاش تحرم نفسك من اللحظة دي.
توتر قدري قائلًا:
– بس افرض رفضتها؟ منظري هيبقى وحش، غير إن نور ممكن يتضايق وزياد كمان، وهاجر أكيد هتستغرب؟
ابتسم حليم قائلًا:
– انت تتقدم بالهدية وأنا عليَّ الباقي، بس مش هنقول حاجة دلوقتي طبعًا، لازم ماما ثريا تعرف الوضع الأول، وهي اللي هتظبط الدنيا.
واستطرد يرفع يده بمرح قائلًا:
– وانت ما عليك غير تستنى، بس قدم الهدية دي لأنها شافتها وكانت عايزة تشتريها.
هز قدري رأسه بانصياع قائلًا:
– ماشي، يلا بقى ندخل نكمل الحفلة بدل ما ياخدوا بالهم.
دلفوا إلى الحفل وقام قدري بتقديم هديته إلى هاجر والتي سعدت بها جدًا، ولكن عقدت ما بين حاجبيها عندما فتح علبة أخرى وتقدم من ميارا قائلًا:
– ماينفعش أجيب هدية لهاجر وانتي عيد ميلادك في نفس اليوم وما أجبش ليكي.
شهقت ميارا بسعادة قائلة:
– إيه دا؟ دا ليَّ أنا؟ عرفت منين يا قدري إني نفسي أجيبها؟
توتر قدري ونظر إلى الحضور الذين وقع عليهم الاستغراب والدهشة، ليتقدم حليم قائلًا بالنيابة عنه:
– قدري كان محتار يجبلك إيه، وأنا عرفته إنك نفسك فيها.
تضايقت هاجر وهتفت في نفسها قائلة:
– ومش محتار في هديتي.
ليلتفت إليها قدري كأنه سمعها، فيبتسم بقلق خوفًا من أن تفهم خطأ، يبتلع ريقه قائلًا:
– إيه رأيك في هديتي يا هاجر؟ مش دي اللي كان نفسك تكون في الشبكة، ومارضيتيش تاخديها علشان أنا ماكنش معايا فلوس تكفي؟
تعجبت هاجر لما قاله، كيف له أن يقرأ ما بداخلها، لتبتسم قائلة:
– جميلة يا قدري، وتعيش وتجيب.
كل ذلك تحت أنظار زياد ونور، وهما غير متقلبين هذا الوضع.
سطعت شمس يوم جديد، استيقظ كلًا من حليم وقدري على صوت رسالة مضمونها:
“لو عايز تشوف أمك، تعالى على العنوان دا”
انتفض كلًا منهما ولم يخبر أحدهما الآخر برسالته، وصل حليم إلى المكان في البداية ليجد امرأة تنتظره، ولم تمهل حليم لحظة حتى يتحقق منها، بل ذهبت نحوه واحتضنته بقوة، شعر أنها تكسر عظامه، كانت مشاعره باردة حد الجمود، يريد إزالتها غير قادر على رفع يده، يحاول أن يبعدها بيده لتخرج من أحضانه قائلة:
– وحشتني قوي يا حليم، حقيقي اللي خلف ما ماتش، انت نسخة من سراج -الله يرحمه- وبجد طلعت أحلى من الصور اللي في المجلات.
ثم تلفتت حولها قائلة:
– إيه يا حبيبي؟ ماجبتش ميارا معاك ليه؟
ابتسم حليم بسخرية قائلًا:
– دا بقى اللي وصلك لينا؟ حتة صورة في مجلة مكتوب عليها أسامينا! طيب وقدري اللي قلتي إنه مات في بطنك مش نفسك تشوفيه زينا؟
واستطرد يرفع يده يتفاخر به قائلًا:
– وهو دلوقتي بقى دكتور.
ابتسمت ولاء وهزت رأسها بالإيجاب قائلة:
– لا قدري ما متش في بطني ولا حاجة، دا أبوك الله يرحمه اضطر يقول كدا لأمك علشان ترضى إني أتجوزه، فيه حاجات كتير عن الماضي ما انت تعرفش حاجة عنها.
واستطردت بخبث قائلة:
– وأنا رجعت علشان أعرفها ليك، زي ما رجعت علشان أعرف قدري أبوه عمل فيَّ إيه، وأنا اتظلمت قد إيه.
رفع حليم حاجبيه باندهاش مصطنع قائلًا:
– الست ولاء اتظلمت! مش ممكن.
ابتسمت ولاء بخبث قائلة:
– هو إيه اللي مش ممكن؟ مش مصدقين كلكم؟ أنا هثبتلك انت وميارا.
ابتسم بسخرية قائلًا:
– ميارا! هي ميارا أصلًا عايزة تعرفك؟
اغتاظت من رده، ولكنها تماسكت قائلة:
– ميارا لما تعرف كل حاجة عن حماها العزيز وابنه هتبقى عايزة تعرفني، وهتسيبكم وتسافر معايا كمان.
وتابعت بغل قائلة:
– ومفيش قوة هتقدر تمنعها.
نظر إليها باستهزاء قائلًا:
– انتي جايبة الثقة دي كلها منين؟
تنهدت براحه قائلة:
– أنا كنت ساكتة، وقلت ثريا هتاخد بالها منكم، بس ألاقيها بعد السنين دي كلها تروح تجوز بنتي لابن الراجل اللي اتحرش بيَّ، لااا، كله إلا كدا.
واستكملت بخبث قائلة:
– لا وكمان كان عينه من ثريا، ويمكن -الله أعلم- تكون عملت كدا علشان تفضل قريبة منه ويخلصوا من ذكرى، و يجرحوا قلب بنتي.
وتابعت بغل قائلة:
– إيه رأيك؟ لسه مُصر تبقى في صفها بعد اللي عرفته؟
أغمض حليم عينيه بقوة وكور يده وتمالك نفسه من الغضب قائلًا:
– عارفة لولا إنك واحدة ست كنت ضربتك، اوعي تفكري إنك علشان أمي في البطاقة مارضتش أضربك، لاااا، المشكلة إنك واحدة ست ليس إلا.
واستطرد باشمئزاز:
– أنا عمري ما خسرت في حياتي إلا انتي، الخسارة الحقيقية إن اسمي مربوط باسمك.
رفعت رأسها بكبرياء قائلة:
– لا دي مش خسارة دا مكسب، انت مفكر إني سيبتكم بمزاجي؟ لا، دا كان شرط ثريا قبل ما أتجوز أبوك، بس كنت عارفة إني هرجع إن شاء الله وهرجعكم ليَّ.
واستطردت بحقد قائلة:
– ومتأكدة إنكم مصدقين، بس اللي انت فيه دا مكابرة مش أكتر، ربنا يهديك يا حبيبي.
وتابعت بخبث مردفة:
– اسأل خطاب، هو الوحيد اللي هيخليك تصدقني.
أغمض حليم عينيه مرة أخرى وجز على أسنانه قائلًا:
– انتي اللي زيك يعرف ربنا؟ لو بتحبينا زي ما بتقولي ارجعي من مكان ما جيتي.
ابتسمت ولاء باستفزاز خاصة بعد ما رأت قدري يشاهد كل شيء، تقف خلفه جارته وئام، حيث كانت المقابلة بالنادي، بالصدفة وئام التي يتهرب منها حليم أصبحت حاضرة المشهد، لتنظر ولاء بخبث قائلة:
– يا ترى كمان دقيقة هتبقى عايزني أرجع ولا هتضطر تقبلني في حياتك؟..هي مش دي حبيبتك برضو؟
التفت حليم خلفه ليحد وئام تقف مع شاب شاهده من ظهره، وشاهد نظراتها نحوه كأنها تغيظه به لاهماله لها، ولكن كان الحديث بين وئام وقدري المتخفي يشاهد الحديث بين ولاء وحليم.
الحديث كالتالي نقرت وئام على ظهر قدري قائلة:
– مين الست اللي واقفة مع حليم دي؟
انتفض قدري والتفت إليها قائلًا:
– وئام! انتي إيه اللي جابك هنا؟
ابتسمت قائلة:
– بقالي زمان ماجتش النادي، المهم مين الست دي؟ ولا أقولك أنا هروح أسأله.
ولم تمهل قدري فرصة للرد، ليخطو ة خلفها قائلًا:
– استني يا وئام.
وقبل أن تصل نحو حليم ابتسمت ولاء بخبث قائلة:
– وجايه علينا كمان، يا سلام.
وصلت وئام إليهما وابتسمت لحليم باشراق قائلة:
– ازيك يا حليم؟
ابتسم حليم لها بتوتر قائلًا:
– ازيك يا وئام، إيه جيتي النادي النهاردا؟ أنا جيت كتير قبل كدا ومش بشوفك.
لوت وئام شفتيها بسخرية ففهم أنها فهمت كذبه، فحليم لم يأتِ منذ فترة لأنه يتهرب منها، حيث كان النادي المكان المخصص لمقابلتهما قبل ما يحدث.
تنحنح حليم قائلًا:
– شكلك مش مصدقاني، انتي اللي بتيجي كتير ومش بتلاقيني، صح كدا؟
ابتسمت وئام بسخرية قائلة:
– انت صح، أنا مش بحب أجي هنا من بعد خمس مرات جيت فيهم وانت ماجتش، بس لو هترجع تيجي تاني أنا هاجي.
رد عليها حليم بضيق قائلًا:
– بس أنا مش هاجي هنا تاني.
ثم أشاح حليم بوجهه إلى الجانب الأخر حيث وجه ولاء، التي كانت تنظر إليهما بخبث لتغضب وئام قائلة:
– لو مش عاوز تشوفني أوعدك مش جاية تاني، أنا أصلًا مش فاضية، ولو على النهاردا اعتبرها مجرد صدفة.
كادت أن تمشي ويرتاح قلب حليم، إلا أن ولاء أرادت لخطتها التي رسمتها سريعًا أن تكتمل فاستوقفتها بكل مكر قائلة:
– استني، أنا عايزة أعرفك بنفسي، أنا ولاء والدة حليم وميارا وقدري، قوليلي بقى انتي تبقي مين.
حجزت وئام ما بين عينيها وتدلت شفتاها للأسفل ونظرت إلى قدري وحليم غير مستوعبة، وحليم تتأججت النيران في صدره، تعجبت وئام لتسأل حليم بعدم استيعاب قائلة:
– حليم، إيه اللي أنا سمعته دا؟
رد عليها حليم بجمود قائلًا:
– قدري يبقى أخويا من أمي ولاء، أنا ليَّ أم تانية غير ثريا.
واستطرد للتوضيح قائلًا:
– بس قدري من أب تاني، ومن غير ما تفكري كتير، الست ولاء كانت بتتجوز كتير، إيه لسه برضو شايفاني الراجل المناسب؟
نظرت إليه مطولًا وصمتت وطال صمتها، لينصرف من أمامها وينصرف من خلفه قدري، بعد أن نظر إلى ولاء نظرة استياء تحمل في طياتها جملة:
“هكذا كان اللقاء الأول لنا بكِ، لقاءً مميتًا”
أسرع قدري خطاه خلف حليم يناديه قائلًا:
– استنى بس يا حليم، البنت انصدمت وانت بترصهم ليها.
التفت إليه حليم بكل غضب قائلًا:
– مش مشكلة، كدا أحسن ليها، نفسي تنساني وتبطل تفكر فيَّ، أنا فعلًا ماينفعش يبقى ليَّ فرصة أتجوز واحدة زيها.
هز قدري رأسه بيأس قائلًا:
– انت مفكر بعد اللي قلته دا هتنساك؟ ولا حتى مش هتحارب علشانك؟ هي بس جالها صدمة.
تنهد حليم بتعب قائلًا:
– كان لازم أصارحها بكل حاجة من الأول، بس ماقدرتش، أعمل إيه يعني؟ أعمل إيه؟
ربت قدري على كتفيه قائلًا:
– خلاص اهدا، بس لو اتصلت بيك اوعى تصدها.
هز حليم رأسه قائلًا:
– ماشي هحاول، يلا بس نمشي من هنا لأحسن الست اللي جوا دي كفيلة تحرق دم عالم بحاله.
عاد حليم ليجد اتصالًا من وئام رد عليها قائلًا:
– ماعدش عندي كلام أقوله يا وئام، انتي كدا عندك كل حاجة.
قالت وئام بحزن:
– هو دا اللي خلاك تتهرب مني الفترة اللي فاتت يا حليم؟
زفر حليم بحنق قائلًا:
– أيوه يا وئام.
تنهدت وئام براحة قائلة:
– ولا يهمني، يا شيخ دا أنا مخي راح لبعيد، أنا قلت مش بتحبني.
ضحك حليم قائلًا:
– فيه حد يعرفك يا ويمي ومش هيحبك؟
ابتسمت وئام بسعادة قائلة:
– على طول افضل حبني، واوعي تبعد عني، أنا اللي يفرقني عنك الموت، وسيبك من أي كلام، انت حبيبي وهتبقى جوزي وأبو أولادي.
مكالمة بسيطة من حبيية القلب جعلته في قمة السعادة، ليتناسى بها كل همومه وأحزانه.
عاد كلًا منها إلى عمله، دلف قدري إلى العيادة الخاصة به، ليتفاجئ بوجود زياد منتظرًا له وعلى وجهه الغضب، فرحب به وبدأ زياد حديثه قائلًا:
– قدري أنا معرفتش أنام امبارح.
عقد قدري ما بين حاجبيه قائلًا:
– ليه يا زياد؟ انت تعبان؟
رد عليه زياد بجمود:
– كنت بفكر في اللي حصل امبارح، وليه جبت لميارا هدية؟ وهي فرحت وانبسطت بيها أكتر من هديتي، فيه إيه ما بينكم؟
وقع قدري في مأزق كان يعلم أنه سيقع به، ولكن حليم وعده أنه سيحل الأمر فرد بكذب قائلًا:
– مفيش حاجة ما بينا، أنا جبت هدية لهاجر ولميارا، ما هي أختها، إيه المشكلة؟
رد زياد بغضب قائلًا:
– أعتقد إن الهدية يا تبقى من أخوها يا جوزها يا أمها، لكن مش من خطيب أختها، ولو هي كدا هتسمح ليَّ إني أجيب هدية لهاجر؟
أغمض قدري عينيه من تخيل الموقف فقط، فما بال زياد والموقف حدث بالفعل! هنا صمت قدري أتعب زياد فرد بحزن قائلًا:
– لا يا قدري كله إلا ميارا، أنا بحبها من وهي صغيرة، بعد ما عرفت موضوع أمها كنت أول واحد أخدها في حضني، قول لي بجد انت بتحبها؟
واستطرد بعدم فهم قائلًا:
– ولو انت بتحبها ليه خطبت هاجر؟ علشان هاجر بنت ثريا صح؟
وضع قدري يده على وجهه بتعب قائلًا:
– مفيش حاجة، وأنا مسألتش على هاجر بنت مين علشان اللي في دماغك، والله صدقني.
صرخ زياد في وجهه قائلًا:
– أصدقك ازاي يا قدري؟ مش انت اللي سألت في الموضوع دا بنفسك؟ يبقى لازم أعرف إيه اللي في دماغك، وليه خطبت دي بالذات؟
واستكمل بضيق قائلًا:
– مش قادر على بعد ميارا، أنا تعبان من ساعتها، وجيت لك علشان أفهم، ليه تجبلها هدية ليه؟
نظر إليه قدري بأسف قائلًا:
– حقك عليَّ يا زياد، بس أنا مش عيني منها والله، حقك إنك تشك فيَّ، حتى حقك تغير عليها كمان، وأنا كنت عارف إنك هتعمل كدا.
وتابع بمرارة قائلًا:
– ودي هتبقى المواجهة ما بينا، بس صدقني مش هينفع أقولك ليه دلوقتي.
ضرب زياد يده بعصبية على سطح المكتب قائلًا:
– ليه؟ مش هتقول لي ليه؟
انتفض قدري قائلًا:
– هقولك بس مش دلوقتي، علشان ماينفعش، وانت بالذات ماينفعش تعرف دلوقتي.
عقد زياد ما بين حاجبيه بعدم فهم ليجيبه قدري قائلًا:
– لأنك أكيد هتبلغ أبوك، وانت مش عارف أبوك بيعمل إيه.
عقد زياد ما بين حاجبيه قائلًا:
– أبويا! وأبويا ماله؟
أشاح قدري بوجهه إلى الجانب الأخر ليتوجس منه زياد قائلًا:
– ممكن أعرف أبويا ماله بالمواضيع دي؟
وجد قدري أنه لا مفر من سرد الأمر برمته لزياد وليحدث ما يحدث.
– دا أبوك هو أُس الفساد، وأنا علشان مش عايز أخدك بذنبه هقولك أنا مين، أنا ابن ولاء مامت ميار وحليم يعني أخوهم من الأم.
صُدم زياد مما استمع له ليكمل قدري بحسرة:
– فيه مشكلة لما أخ يقدم هدية لأخته؟ لأنه مش قادر يتخيل يجي خامس أول عيد ميلاد ليها و…
توقف وكأن الكلمات ثقلت على قلبه ثم أكمل:
– وهو عارف إنها أخته ومايجيبش ليها هدية.
جحظ زياد بعينيه قائلًا:
– مش ممكن مستحيل!
مط قدري شفتيه قائلًا:
– كدا أنا قلت ليك كل اللي عندي، دا اللي بيني وبين ميارا، دا اللي خلاني أقدم ليها هدية، أظن دلوقتي ارتحت؟ مش كدا ولا إيه؟
واستطرد باشتياق قائلًا:
– ولو عليَّ ماكنتش عايز بس أقدم الهدية أنا كنت عايز أخدها في حضني بس كنت عارف إنه مش هينفع.
ذُهل زياد مما يسمعه، وهز رأسه باندهاش قائلًا:
– والله ما متخيل! انتم التلاتة إخوات من أم واحدة؟ لولا إنك قلت اسمها اللي بسمعه دايمًا على لسان أبويا ماكنتش صدقتك.
توقف زياد ثم سأله قائلًا:
– بس انت عرفت منين إن هم إخواتك؟
ابتسم قدري بسخرية قائلًا:
– من أبوك، لما عرف إني عايز واحدة منهم قام قايل لأبويا إن فيهم بنت مش بنت ثريا بنت ولاء.
واستطرد بمرارة قائلًا:
– وحكى حكايتها اللي طبعًا شبيهة بحكاية ولاء أمي.
وضع زياد يده على وجهه قائلًا:
– يا ربي دا حكاية فظيعة، دي كلها عذاب، أنا بصراحة كنت مفكر إن وجع ميارا دا أكبر وجع في الدنيا، بس بجد ليها حق تتوجع كل الوجع دا.
ثم تذكر قائلًا:
– أنا عرفت دلوقتي ليه دايمًا كنت تقول لي أسايسها، بصراحة انت وحليم فخر إنكم تكونوا إخواتها.
عاد زياد إلى منزله لتقلق ذكرى من مظهره وتتلهف عليه فيهدأ من روعها قائلًا:
– ماتقلقيش.
لتسأله بتوجس:
– عرفت إيه سبب الهدية؟
هز رأسه وتنهد قائلًا:
– آه هدية أخ لأخته.
عقدت ذكرى ما بين حاجبيها قائلة:
– مش فاهمة.
رد عليها زياد بسخرية:
– معقولة يكون خطاب بيه مش عارف إن قدري يبقى أخو ميارا وحليم؟
شهقت ذكرى بذهول وهتفت:
– دي مصيبة.
كاد أن يرد عليها ليتفاجئ باتصال حليم.
أخبر قدري حليم بهذه المقابلة، فاضطر حليم لاستدعاء زياد، ليحذره من الخوض في تلك التفاصيل، جاءه زياد ليجلس أمامه ويحدثه بأخوة قائلًا:
– مش عايز حد يعرف الموضوع دا لا أبوك ولا أمك ولا ميارا ولا نور ولا ماما ثريا، وعارف إنك هتكون قد ثقتي المرة دي.
ابتسم زياد ابتسامة خفيفة قائلًا:
– حاضر يا حليم.
ربت حليم على ركبتيه قائلًا:
– يحضرلك الخير.
ابتلع زياد ريقه قائلًا:
– تسلم، كان عندي سؤال، هي مامتك رجعت؟ أتمنى مايكونش الرد اللي حاسه.
عقد حليم ما بين حاجبيه قائلًا:
– كدا أنا فهمت، ولاء اتصلت بأبوك، وانت سمعتها مش صح كدا؟
جحظ زياد قائلًا:
– انت عرفت منين؟ انت بتتصنت علينا؟ لا أنا كدا هخاف على نفسي، دا انت قلت كل حاجة.
ابتسم حليم بسبب سذاجة زياد وهز رأسه يحادث نفسه، إذ كيف لزياد أن يكون ابن لهذا التعلب المكار خطاب؟ حتمًا زياد يمتلك جينات أمه ذكرى.
لو لم تتزوج تلك المرأة من رجلين لما كان لها هؤلاء الأبناء، الأبناء الذين كان من الممكن أن ينظر إليهم الجميع بتحسر، لولا الروح التي احتضنتهم كأنها أنجبتهم، ولكن رجوع تلك المرأة مهيب ومخيف، عودتها سببت فزع لأبنائها، لو كانوا صغارًا لفروا رعبًا، ولكن كيف الحال وهم كبار وتضيق أنفاسهم من احتضانها؟ وكأن وجودها وصمة عار لهم، أي امرأة في وضعها من المفترض أن تكون مديونة لمن قاموا بتربيتهم، ولكن هي مستبدة، تريد أن تأخذ كل شيء لتشعرهم أنهم لم يكن لهم فضلًا عليها.
كاد زياد أن يرحل حتى تفاجئ بوجود ميارا ليبتسم بسعادة قائلًا:
– مش معقول! سينيورتا ميارا الجميلة.
ضيقت عينيها وسألته قائلة:
– مين البنت اللي جات الحفلة ولاقيتك بترقص معاها؟
راقص لها حاجبيه قائلًا:
– عشيقة.
شهقت ميارا قائلة:
– مش معقول!
تعجب زياد قائلًا:
– ليه بقى؟ ماينفعش؟ مش انتي بتتكبري عليَّ؟ سيبيني بقى أشوف نفسي.
انقضت عليه ميارا تخنقه قائلة:
– بعينك، أنا مصرية بنت اتنين مصريين ودمي حامي، أقتلك وأشرب من دمك.
خاف زياد باصطناع وارتعش من قبضتها لتبتسم ميارا وتأخذه وترحل.
بعد مقابلة زياد نهض حليم وتوجه إلى نور المنهمك في عمله وتنحنح قائلًا:
– كنت عايز أتكلم معاك، أكيد استغربت الهدية اللي جابها قدري لميارا.
انتبه نور لحديثه وتذكر بالفعل وتنفس بغضب قائلًا:
– آه استغربت فعلًا، يا حليم انت ماشفتش نظراته وهو بيديها الهدية، ولا كأنها نظرات عاشق.
ابتسم حليم بتوتر قائلًا:
– عندك حق، بس النظرات مش بالمعنى اللي انت وزياد فهمتوها بيه، انت مش عارف ميارا تبقى بالنسبة لقدري إيه.
قطب نور ما بين حاجبيه قائلًا:
– ومش عايز أعرف، علشان أكيد هو كان بيحبها، بس قال لنفسه أتجوز هاجر وأبقى جمبها، الناس نفسها اللي حضرت عيد الميلاد استغربوا.
ثم استطرد وهو يضرب بيده على سطح المكتب بغضب قائلًا:
– بس خلاص خلصت، أنا هبعتله حاجته وهقول له ماعندناش بنات للجواز يا خاين، أنا كل ما أفتكر دماغي تشيط.
وتابع بتعجب قائلًا:
– أومال كان بيسأل ليه دايمًا، مين فينا أولاد ثريا؟
تنهد حليم مطولًا وكاد أن يتحدث لولا انفجار نور في وجهه قائلًا:
– عايزك تبقى في صفنا يا حليم، افتكر تعلق ميارا وهاجر ببعض واثبت له إننا إيد واحدة، الكلام دا مش علشان هاجر دا علشان ميارا أكتر.
وذكره قائلًا:
– وماتنساش إن ماما ثريا لو عرفت هتطربق الدنيا، مهما كان لاتنين بناتها، أنا عايز أخلص الموضوع من غير شوشرة، بس ميارا نفسها اتوترت واستغربت.
وتابع بحسرة قائلًا:
– ما بالك بقى بهاجر؟ كمان زياد دا صاحبه! وقال إيه دكتور قلب!
واستكمل بضيق:
– كنت هعتبره مننا وأجيبه يعيش في وسطينا، بس اللي عمله خلاني أرجع في قراري اللي أخدته.
هز حليم رأسه بالسلب ليندهش نور قائلًا:
– للدرجة دي احنا مش مهمين؟ دا أنا كنت عايزك ساعتها انت اللي توقفه، إن كنت متعاطف معاه فدا علشان انت كمان عندك مشاعر تجاه وئام ومش هينفع ترتبط بيها.
واستطرد بغلظة:
– يبقى تتراجع عن تعاطفك دا، اوعي تقارن نفسك بيه.
تنهد حليم بتعب قائلًا:
– لو كان كدا كنت أول واحد هيوقفه، بس اللي حصل أقوى مني ومنك ومنه لأنه ببساطة طلع أخويا وأخو ميارا من الأم.
جحظ نور بعينيه بذهول ليتابع حليم قائلًا:
– ومحدش فينا كان يعرف إلا امبارح، لما سألته ليه سألت هاجر بنت مين.
حدق نور من المفاجأة وهتف بصدمة قائلًا:
– انت بتقول إيه؟ دي أمي نفسها استحالة تصدق، بس ازاي وهو أكبر مننا؟ دي على كدا خلفته قبل ما تتجوز بابا.
أغمض حليم عينيه بوجع قائلًا:
– آه دي وصمة عار لينا، تخلف وترمي وتهرب، علشان كدا أنا صدقته واتعاطفت معاه.
وصل حليم إلى حالة من الضياع والكآبة والحزن، فانتفض نور يهدئه قائلًا:
– اهدا يا حليم، حاول تستوعب الصدمة دي كمان، بس المشكلة مش فيك دلوقتي، المشكلة في زياد وميار وماما ثريا.
استطرد نور بتساؤل قائلًا:
– يا ترى هيبقى حالتها إيه لما تعرف خبر زي دا؟
ثم سأله بتوجس قائلًا:
– انت هتقول لها إمتى؟
تنهد حليم قائلًا:
– مش عارف، بمعنى أصح مش قادر، أنا كمان مطلوب مني أقول لها على حاجة تانية، بس حاسس إن كفاية عليها صدمات.
عقد نور ما بين حاجبيه بعدم فهم، ليوضح له حليم قائلًا:
– أنا النهاردا جالي رسالة من الست ولاء والدتي علشان أقابلها، ولو ماكنتش رحت كانت هتيجي بنفسها، انت طبعًا عارف لو كانت جت كان ممكن تعمل إيه.
واستطرد بضعف قائلًا:
– خُفت تيجي تقول لميارا إن زياد هيتجوزها انتقام، وهاجر كمان من ضمن الانتقام، واللي حسبته لاقيته عايزة تاخد ميارا وتهج.
ثم زفر بحنق قائلًا:
– ميارا حتمًا هتصدقها خصوصًا إنها معاها إثباتات ضد خطاب، وهيعزز موقف ولاء كمان لما ميارا تعرف إن ماما ثريا رفضتنا أول ما بابا جابنا هنا.
وضع يده على رأسه وقال بتعب:
– ودا كفيل يخليها تمشي معاها.
ارتبك نور لأنه يعلم حقيقة علاقتها بخطاب، بالإضافة إلى طمع خطاب في ثريا، فرد بتوتر قائلًا:
– طيب والعمل اللي انت عملته مش هيخليها تسكت؟ خد بالك هي ممكن تيجي هنا في أي وقت.
زفر حليم بحنق قائلًا:
– ما شاء الله عليها، مش راضية تبعد، وكلمتني وقعدت تقنع فيَّ إن هي مظلومة، وإن بابا وماما ثريا وعمي خطاب ظلموها.
سخر نور قائلًا:
– ظلموها في ايه ان شاء الله! ولو حتى لو ظلموها تسيبكم 23 سنة ومن قبلكم قدري 30 سنة؟ أكيد هي اللي ظلمتهم.
ثم صمت وعبس وجهه بضيق قائلًا:
– بس ما عدا خطاب.
قطب حليم جبينه قائلًا:
– خطاب! لا معلش دي اتبلت عليه، دي راجعة تلطش في الكل وتقول لي إن ماما ثريا قصدت تجوز ميارا لزياد علشان تبقى مع خطاب ويخلصوا من ذكرى.
واستطرد بعدم تصديق قائلًا:
– ودا عمره ما يكون تفكير ماما ثريا.
أغمض نور عينيه بتعب قائلًا:
– أكيد، بس كلامها عن خطاب ونيته صح، خطاب طول عمره طمعان مش في الثروة بتاعت أبوك بس، لا، دا كان طمعان في ماما ثريا زمان.
توقف نور قليلًا ليحثه حليم على استكمال كلامه، فقال دون تردد:
– وعلاقته بولاء والدتك كانت حقيقة مش افترا.
حدق حليم في وجهه وخجل من وجود تلك المرأة في حياته، حقًا إنها وصمة عار وهتف بضعف قائلًا:
– آه أنا كنت عارف إن عينه من ماما ثريا علشان كدا كنت ببعده عنها.
استطرد حليم يتوعد لخطاب قائلًا:
– أنا هطلع القديم والجديد عليك يا خطاب الكلب، وديني لأدفعك تمن كل حاجة عملتها فينا.
ثم عزم أمره قائلًا:
– شيل الموضوع دا من إيدك يا نور، لأن الحكاية وسعت والحقايق بانت، واتضح إن خطاب رمى ولاء في سكة أبويا علشان يوصل لماما ثريا.
ونهض لينصرف قائلًا لنور:
– المهم ركز انت مع هاجر، هاجر لازم تعرف ليه قدري اتصرف كدا.
وانصرف حليم ليأخذ ثأره من خطاب وولاء من أجل السيدة التي لم تنجبه، ولكن احتضنته وقامت بتربيته بعناية ومنحته البداية لحياته ولكل شيء.
الفصل الثامن
همس لها لكي لا تستمع إليهما شقيقتها ميارا، يريد مقابلتها خارج المنزل،لأنه شعر أنها تريد فسخ خطبتها من قدري منذ أن رأته يهتم بأمر شقيقتها في حفلة عيد الميلاد، وبالرغم من شرودها فيما حدث، إلا إنها أسرعت لتقابل شقيقها، حتى تعرف ماذا يريد منها وتخبره بقراراها بخصوص رغبتها في فسخ خطوبتها، هي على أتم الاستعداد أن تتنازل عن خطيبها لو شعرت أن شقيقتها تريده، وعلى استعداد للوقوف معها وليس ضدها، كانت هذه نيتها وهي ذاهبة لمقابلة شقيقها نور.
جلست أمام شقيقها تقاوم استجوابه قائلة:
– خير يا نور؟ ليه عايزانا نتقابل لوحدنا؟
شرد نور قائلًا:
– لازم نكون لوحدنا، علشان أقولك ليه قدري قدم هدية لميارا.
عبست بوجهها قائلة:
– آه، إيه هتبلغني إنه بيحبها وخطيبي خطبني علشان يقرب منها؟ طيب وأنا مالي؟
واستطردت وهي تطيح بيدها في الهواء بلا مبالاة مصطنعة قائلة:
– الموضوع ما يهمنيش، أنا كل اللي يهمني إني قلقانة على حالة أختي من ساعتها.
زفر نور بخنق قائلًا:
– لا ماخطبكيش علشان كدا، بس فيه سبب لتقديم الهدية، فيه حد السبب في لخبطة حال حليم وقدري وميارا .
قطبت جبينها قائلة:
– إيه اللي بتقوله دا؟ إيه دخل حليم بالموضوع؟ أنا كنت شايفاه يومها واقف ولا كأن حاجة حصلت.
واستكملت وهي تزفر بخنق قائلة:
– أنا حتى استغربت فين حليم وغيرته علينا، وعلى ميارا بالذات، دا محمل نفسه ذنب إنها عرفت كل حاجة عن مامتهم.
أشار نور بسبابته قائلًا:
– جينا لمربط الفرس، قدري يبقى ابن مامتهم يعني أخوهم التالت.
اتسعت حدقة عينيها وهتفت بذهول قائلة:
– نعم بتقول إيه؟
تنهد نور قائلًا:
– أنا عارف إن اللي قولته صدمة، بس دا اللي حصل، الأكبر من كدا بقى إن الست أمهم رجعت وكلمت حليم وراح ليها.
وضعت هاجر يدها على وجهها من الصدمة، ثم مسحت على وجهها وأردفت قائلة:
– بس ليه رجعت بعد السنين دي كلها؟ وجاية ليه؟ أكيد جاية تدمر الكل.
وسرعان ما تعالى غضبها قائلة:
– ما تسيبهم في حالهم وتسيبنا احنا كمان، ويا ترى هتسيب ماما في حالها؟
ابتسم نور بسخرية قائلًا:
– استحالة، دا لسه التقيل جاي ورا، دي عايزة تاخد ميارا وتسافر بحجة إن عمك خطاب وحش ومتفق مع ماما إنه يجوز ابنه لميارا علشان يرجع الود بينه وبين ماما ثريا.
ذهلت هاجر مما قاله لها نور، ورغمًا عنها انصاعت لطلبه بعدم إخبار ميارا في الوقت الحالي بأمر قدري أو بخبر عودة والداتها حتى لا تنقلب الأمور.
عاد نور إلى عمله وجد ثريا تنتظره ويبدو عليها القلق، انتفاضة صدرت منها أول ما رأته، قامت وأوصدت الباب بإحكام والتفتت إليه قائلة:
– نور انت كنت فين؟ أنا محتاجة أقولك حاجة مهمة، بس توعدني مش عايزة لاحليم ولا ميارا يعرفوا، وأتبعت وهي تبتلع ريقها قائلة:
– لحد ما أشوف حل للبلوى اللي أنا فيها دلوقتي.
توتر نور وابتلع ريقه وأخذ يفكر، هل هي تقصد خبر قدري أم خبر عودة ولاء، فسألها بتوجس قائلًا:
– هو لسه فيه حاجات هتقوليها؟ مش خلاص كله اتقال؟
هزت ثريا رأسه بيأس قائلة:
– بس في حاجة حصلت وانتم في عيد الميلاد، ولاء رجعت يا نور، أنا من ساعتها وأنا مش عارفة أتلم على أعصابي، وبفكر أروح أقابلها.
واستطردت وفي صوتها نبرة خوف قائلة:
– انتم مش عارفين، دي ممكن اللي أنا بنيته في تلاتة وعشرين سنة هي تهدمه في دقيقة، بس أنا لازم أمنعها.
سألها نور بتوجس قائلًا:
– وهتعرفي حليم إنها رجعت ولا هتسكتي كالعادة ويرجع يعرف ويزعل؟
احتارت ثريا فيما تفعله وردت قائلة:
– لا أنا مش عايزاه يعرف، أنا ما صدقت إنه بقى يضحك ويهزر زي زمان، ومش هبقى مطمنة لو قابلها، أكيد هتخرب وتفرق ما بينا.
واستطردت تفرك يدها بتوتر قائلة:
– اللي خايفة منه إنها تصمم تاخد ميارا مني.
ربت نور على كتفيها واستصعب موقفها قائلًا:
– ماما هي معاها حاجات ضدك بخصوص موضوع خطاب؟
هزت ثريا رأسها بالسلب قائلة:
– لا يا نور أنا مش خايفة من كدا، أنا خايفة ميارا تصدق إني رضيت أجوزها لزياد علشان خطاب.
وتابعت وهي تجز على أسنانها بندم قائلة:
– وخصوصًا إن خطاب معانا بقاله سنين.
هز نور رأسه بتفهم قائلًا:
– معاكي حق، بس ماتخافيش.
قطبت ثريا جبينها قائلة:
– مش أخاف! يا سلام بالبساطة دي؟
ابتسم نور بثقة قائلًا:
– إيه يا ثريا مش بتثقي فيَّ؟ إيه ماقدرش أحل أنا كل الصعوبات دي؟ طيب هقول لك على حاجة، بس اوعديني ماتتعصبيش.
ضيقت عينيها قائلة:
– مش أتعصب! لا دا شكل الموضوع كبير، وشكلي الفترة دي هاكل فوق دماغي من الكل، انت عندك إيه؟ قوله فورًا.
كاد أن يتحدث ولكنه خشي أن يسمعه أحدًا في المطعم فقرر أن يأخذها بالخارج.
وبالفعل ذهبا إلى النادي ليجدا هاجر ما زالت جالسة، بعدما تركها، فقطبت ثريا جبينها لرؤيتها شاردة فهزتها لتنتفض هاجر قائلة:
– مامي! بقى كدا يا نور بعد ما أكدت عليَّ ما أقولهاش جايبها هنا قدامي؟ وأنا اللي كنت خايفة أروح وأعترف لو سألتني.
نظرت ثريا إلى نور بصدمة، كيف لهاجر أن تعرف أشياء لا تعرفها هي؟ ليضع نور يده على وجهه يمسحه بضيق قائلًا:
– هو أنا لحقت أتكلم يا بومة؟
عضت هاجر على شفتها السفلية بضيق قائلة:
– نعم! أنا آسفة، أنا لخبطت الدنيا شكلي كدا.
هز نور رأسه بيأس قائلًا:
– لا أبدًا، دا انتي عكتيها، هتخلي أمك دلوقتي تصور قتيل في النادي.
كادت أن تتحدث فوضع يده على فمها مكممًا فاها قائلًا:
– بس خلاص كفاية، كُلي سد الحنك واسكتي خالص.
جاءته ضحكة رنانة من خلفه، ألا وهي ضحكة حنان الفتاة المشاغبة الوحيدة التي لم يقدر عليها نور، قالت من بين ضحكاتها:
– إيه سد الحنك دا يا نور.
جز نور على أسنانه والتفت إليها قائلًا وهو يكور يده موجهها إلى شفتيها قائلًا:
– كدا يا حنان، سد الحنك بعمله بإيدي في المطعم ونفسي أدوقه ليكي، إيه رأيك؟
ثم استطرد:
– وبعدين أخ وأخته انتي إيه دخلك؟ دا أنا هنا من بدري معاها وانتي كنتي قاعدة هناك، ماجتيش إلا لما لقيتي ماما ثريا معانا؟
واستطرد وهو يغيظها قائلًا:
– أنا حاسس إنك جاية تطلبي إيدي، والله موافق، انتي بنت حلال وشكلك هتدلعيني آخر دلع، إيه يا ثريا موافقة البنت دي تخطبني؟
ابتسمت ثريا رغمًا عنها، أما حنان كانت تود أن ترفع قدميها وتضربه في بطنه، كل هذا فهمه نور وهو يراها تهز برجليها ليبتسم بخبث قائلًا:
– أينعم كدا انتي هتقطعي على البنات اللي عايزين يتجوزوني، بس يلا كله علشان سد الحنك.
نظرت إليه حنان بتحدٍ وكادت أن ترحل، ولكن استوقفها قائلًا:
– لا اوعي تسيبيني يا حنان، أنا كدا هعنس.
ابتسمت حنان والتفتت إليه، لتحدق فيما يفعله، لقد لفت انتباه كل من في المكان وهو يركع على ركبتيه بجدية قائلًا:
– علشان خاطري وافقي عليَّ، قولي إنك راضية تتجوزي نور الخشاب.
شهقت حنان لما فعله، ووجدت ثريا التي تناست كل شيء تتقدم منها قائلة:
– ها يا حنان قلتي إيه؟ أعتبر سكوتك دا رد موافقة منك؟
أخفضت حنان رأسها أرضًا قائلة:
– وأنا أطول إن حضرتك تكوني حماتي؟
صفق نور على يده قائلًا:
– حبيبتي يا ثريا، احنا على إيدك هنتجوز جوازات عنب، ما حدش قدنا واللي يغير مننا يجيبله أم زينا.
ثم نهض نور ونظر إلى ثريا قائلًا:
– طيبة قلبك دي هي اللي حببت الناس فينا.
ثم التفت إلى حنان قائلًا بخبث:
– طبعًا العرض المسرحي دا بداية للحفلات وهجيب ماما والعيلة وهتبقى رسمي.
تلهفت حنان قائلة:
– طيب وناويين تيجوا إمتى بقى؟
تعالت ضحكات نور قائلًا:
– العب، دا انتي طلعتي بتموتي فيَّ أهو، أومال راسمة الوش الخشب من الأول ليه يا حنان؟
عبست حنان بوجهها قائلة:
– هاا، لاااا دا علشان أبلغ بابا وماما.
تعالت ضحكات هاجر قائلة:
– هنكدب من أولها يا حنان؟
نظرت حنان إلى هاجر نظرة وعيد ليبتسم نور بخبث قائلًا:
– خلاص يا هاجر ما تكسفيهاش بقى، بس وحياتك يا حنان لأخليكي تعترفي من أول قلم.
أخرجت حنان له لسانها ليضحك قائلًا:
– انتي بطلعي ليَّ لسانك يا حنان؟ ما بلاش، ولا غاوية تتحديني؟
تعالت ضحكات حنان قائلة بتحدٍ:
– آه والله بحب أتحداك معرفش ليه، بس يلا مضطرة أخف عليك شوية، كفاية إني هتجوزك وأرحم البشرية منك.
ضرب نور كفًا على كف قائلًا:
– في دي كمان شايفة نفسك فيها، أنا يا بنتي بنات كتير هيزعلوا إني هتجوز، وانتي هتقهريهم قهرة السنين.
ضربت حنان قدميها في الأرض قائلة:
– شايفة يا طنط ثريا ابنك بيقول إيه؟ حضرتك يرضيكي كدا؟
وضع نور يده في خصره ليغيظها قائلًا:
– أيوه يرضيها، انتي عبيطة يا بنت؟ دا أنا ابنها وكمان شبهها، اوعي تفكري إنها هتيجي في صفك ضدي.
أزاحته ثريا وأخذتها بين أحضانها قائلة:
– سيبك منه ماتزعليش، أنا بحمد ربنا إنه اختارك يا حنان، هو مغرور في نفسه بس طيب وقلبه حنين عن كل إخواته.
ابتسمت حنان ليثير غيظها قائلًا:
– بس ربنا ما يوريكي لما بقلب، شكلي كدا هعملها معاكي، بقولك يا هاجر خدي حنان واتمشوا شوية على بال ما أتكلم مع ماما.
أومأت هاجر برأسها وأخذتها ورحلت، ليجلس نور مع ثريا ويعطيها الأخبار التي طال انتظارها بسبب وقفة حنان معهم.
نظر إليها نور فوجدها منتظرة ما سوف يقوله فابتلع ريقه قائلًا:
– جاهزة تسمعيني؟ ما أنا كدا كدا هتكلم، بس هتقوليلي ناوية على إيه بعد ما أتكلم.
تنهدت ثريا بحزن قائلة:
– مش هقدر أوعدك، بس لو الموضوع بخصوص ولاء مش فاهمة ليه تقول لهاجر قبلي، حصل اللي حصل من فترة، وهاجر لا اتدخلت ولا اتأثرت زيكم.
وتابعت وهي تنظر إليها عن بعد قائلة:
– قلبها بارد، عارف أنا ساعات بقول لنفسي البنت دي مش بنتي، مش شايف خطبنا حنان قدامها وهي ولا اندهاش؟
ضحك نور لتقترب ثريا منه بجدية قائلة:
– نرجع لموضوعنا، أنا قلقانة من رجعة ولاء، وعايزة أرجعها من مطرح ما جات، قلبي مش متطمن.
رفع نور حاجبيه باندهاش، كيف لها أن تبعدها وهي من ساعدت في اقترابها؟ لتبتسم ثريا بشماتة قائلة:
– في نفس الوقت مبسوطة إنها شافت أولادها بالصورة دي، لأن دا تم بإيدي، وأنا اللي خليتها ترجع.
تنهد نور قائلًا:
– للدرجة دي؟ أنا هقولك، الست دي مصيبة، فاكرة لما قالت إن جوزها طلقها وهي سقطت؟
هزت ثريا رأسها لتحثه على استكمال كلماته ليجيبها بضيق قائلًا:
– كل دا طلع كدب، لأن ابنها طلع عايش، المهم ابنها دا يشاء القدر يطلع مين؟ قدري.
لم تهتز لها شعرة وظلت على قوتها وردت قائلة:
– أنا عارفة، والده جه وصارحني، وعلشان كدا أنا رضيت بيه، لأني كنت واثقة إنه بيحبها وواثقة إن الست اللي ربته ربته زي ما أنا ربيتكم.
واستكملت بحزن قائلة:
– ووالده ضحية بس أكتر من أبوكم، مش قادرة أسامحه إنه بلع طعمها بمزاجه، مش قادرة أسامحه لما لقاني البديل الفاضي لأولاده.
واعتصرت عينيها قائلة:
– أنا استحملت كتير، كنت حامل وبشتغل وبصرف على نفسي، وهو مفكر إني في اليونان، كنت بتوجع من تقل الحمل وماحدش جمبي.
ومن ثم تعالت شهقاتها قائلة:
– لكن وجعي الأكبر دلوقتي لو هي ناوية تاكل على الجاهز من تحت إيدي.
ربت نور على يدها بحنان قائلًا:
– حبيبتي اهدي، بس فيه حاجة تانية أعتقد ماتعرفيهاش، لكن اوعديني تهدي، علشان خاطري.
هزت ثريا رأسها قائلة:
– أنا هادية، بس حتى لو كنت غلطت في حق حليم وميارا عايزاهم يسامحوني، أنا لما رفضتهم كنت موجوعة.
واستطردت بوجع قائلة:
– أنا عارفة إن حليم سامحني ومش خايفة منه، أنا بس عايزة أخليها بعيد عن ميارا.
ابتلع نور ريقه قائلًا:
– ميارا شكلها هتصدقها، خطاب هو اللي هيكون السبب.
شعر أنها تهتز أمامه فسرعان ما وعدها قائلًا:
– بس أنا وحليم هنمنعهم، انتي ماتعرفيش حليم محروق علشانك ازاي.
قطبت جبينها قائلة:
– بتقول إيه؟ وحليم ماله؟ انت قلت له يا نور؟
عض نور على شفتيه قائلًا:
– انتي حلفتيني بس ماكنش ينفع ماتكلمش، دا حتى هو اللي اتكلم في الأول.
واستطرد يعاتبها قائلًا:
– ولا كنتي عايزاني أسكت؟ دا أنا هاين عليَّ أروح أولع في خطاب.
ابتسمت بسخرية قائلة:
– ياااه للدرجة دي! وعلى إيه؟ زي ما يكون خلاص سمعتي راحت بسببه.
ابتسم إليها نور بثقة قائلًا:
-ما تقوليش كدا يا ماما، المهم ولاء قابلت حليم وقدري، وانتي أكيد عارفة الباقي.
تنهدت ثريا مطولًا وزفرت قائلة:
– آه عارفة، يا جبروتها، المهم أنا لازم أتصرف، النهاردا حليم وقفها، بكرة لازم كلنا نقف قصادها.
هز نور رأسه تضامنًا معها قائلًا:
– وأنا معاكي وحليم كمان وقدري وكلنا، وعلى فكرة هاجر عرفت وزياد، مافاضلش غير ميارا.
لوت ثريا شفتيها بحزن قائلة:
– يا ريت زياد يفضل معانا للآخر.
هنا اختلفت ثريا مع نور في الرأي بخصوص زياد، هي تخشى على ميارا منه، تخشى أن يكون مثل والده ويكسر قلب ميارا مثلما كسر خطاب قلب ذكرى صديقتها، لن تسامح نفسها إن حدث ذلك، تقبلت كل شيء سيئ من خطاب إلا أن يتحالف مع زياد ابنه ضدها وضد أسرتها، ظلت أعوامًا صامدة لا تبالي، ولكن برجوع تلك السيدة يكاد يتحطم كل شيء، ولكنها ستفعل كل ما في وسعها لإبعادها من جديد، حتى لو أدى الأمر إلى أن تحاربها بنفسها، أخذت نفس عميق وحدقت بعينيها شاردة، عقلها يدور في كافة الاتجاهات للخلاص من تلك اللعينة.
انتبهت على لمسة نور لها بهدوء قائلًا:
– ماما أنا حابب نقعد مع حليم ونتكلم، مش هينفع نفكر لوحدنا.
عقدت ثريا ما بين حاجبيها قائلة:
– هو اللي طلب كدا؟
هز رأسه بالسلب قائلًا:
– لا هو مايعرفش إني هحكي ليكي، بس أنا رأيي كدا، يلا بينا نروح له.
وبالفعل ذهبا إلى حليم، وسرد عليه نور معرفة ثريا بموضوع قدري وأنها كانت تعلم منذ بداية الأمر من والد قدري، وأيضًا تم معرفة ثريا بأمر مقابلته هو وقدري لولاء، وسرد عليه أيضًا فحوى مهاتفة ولاء لثريا، شعر حليم بالوجع بسبب مكالمة ولاء لثريا، فرد بحزن قائلًا:
– ماما أنا بعتذر إني ماقُلتش إني رايح أقابلها، عارف قد إيه إن مكالمتها كانت صعبة عليكي، بس وحياتك عندي أنا مش هسكت.
ثم قلب كفيها يترجاها قائلًا:
– محتاج منك بس تبعدي تمامًا عن الموضوع دا، أنا هتصرف وهحكي لميارا كل حاجة، وهي إما تتجاوز الوجع دا زيي وإما ماتقدرش.
نظرت إليه ثريا بقلق ليطمئنها قائلًا:
– ساعتها أوعدك إني هرجع ميارا أحسن من الأول، ومش هسمح لها تاخدها مننا.
تنهدت ورفعت رأسها للأعلى فتعالت شهقاتها كأن الروح تخرج من جسدها، ليربت على يدها ويقبلها قائلًا:
– ماما أنا هعمل كل حاجة في سبيل إني مش عايز أشوفك بالمنظر دا، بس لو لسه فيه أسرار تاني قوليها، مش هينفع نفضل مخبيين حاجة على بعض وهي تيجي تهز جدور الثقة ما بينا وتقولها..
واستطرد يزم شفتيه بأسف قائلًا:
– للأسف هي قالت لي على حاجة كنت حاسس بيها، وانتي غلطتي لما ماقولتيلهاش وغلطتي أكتر لما قعدتيه في شغلنا، عارف إن كلامي قاسي عليكي وإنه ما يصحش أحاسبك بس لازم أقوله.
وتابع يترجاها قائلًا:
– أرجوكي الراجل دا لازم يمشي من هنا، وأهو زياد موجود بداله، وهو لو حاول يتآمر مع ولاء، مابقاش حليم اللي ما رميته في الشارع من غير بيت ولا زوجة ولا ابن.
ثم نهض على عجالة قائلًا:
– عن إذنكم عندي ميعاد مهم.
بعد انصرافه مسحت ثريا على وجهها قائلة:
– أنا غبية كنت مفكرة إنه اتصلح وبقى كويس، ازاي جايله قلب يتآمر معاها ضد مرات ابنه؟ وازاي الزفت زياد ساكت ومكمل وبيضحك على ميارا؟
ثم نهضت تعاتب نفسها قائلة:
– وأنا ازاي أوافق على جوازتها منه وأبوه طعني زمان وخلى سراج يتجوز عليَّ؟ وممكن يكون السبب في موته.
واستطردت بألم قائلة:
– مافكرتش إنه ممكن يرجع يطعني تاني، قال لي انتي زي أختي وأولادك دول أولاد أخويا وأنا بعبطي صدقته.
ووضحت أكثر قائلة:
– كنت خايفة بعد اللي وصلت له حال ذكرى وزياد يتبهدل بسبب إني مارضتش أساعده.
وابتلعت ريقها بمرارة قائلة:
– أقول إيه ولا إيه ولا إيه؟ أقول إني ماقدرتش أسيب حد يعيش بقلة الحيلة اللي كنت عايشة فيها، رغم إن الحد دا السبب في اللي أنا كنت فيه.
ثم زفرت بتعب قائلة:
– برضو كنت خايفة منه ليقول لميارا وحليم إني رفضتهم في الأول، مين فيهم وهما صغيرين كان هيصدقني وأنا مرات أبوهم؟ كانوا هيتوجعوا لو عرفوا إنهم هانوا عليَّ وهما لسه لحمة حمرا.
واستطردت ببكاء مرير:
– بس والله العظيم ما هانوا عليَّ، أنا اللي هونت عليه لما رماني وأهملني، طيب كان عايز مني إيه بعد دا كله؟ أنا مهما كان بشر.
ازداد فيض دموعها قائلة:
– ليه مايكونش العكس وهو يكون السبب منه؟ قلت له يصبر، قال لي ماعدش فيها صبر.
تابعت وهي تضرب على صدرها قائلة:
– كانت النتيجة ولاء خلفت ورمت وهربت، وحياتي ضاعت بسببها.
واستكملت:
– وأمرته يبعد عني وسمع كلامها وبعد، ووجعني، خلاني مطفية ومهملة وماليش قيمة في حياته.
ثم انتفضت بغضب قائلة:
– وكان عارف إني ما سافرتش لبابا اليونان، وماكلفش خاطره يتصل عليَّ، حتى لما رجع كان عارف إني لسه في اليكس في إسكندرية.
نهض نور واقترب منها قائلًا:
– انتي ليه مُصرة تفتكري وتعذبي نفسك وتعذبينا معاكي.
ردت وعيناها تذرف الدموع:
– رجوعها فكرني بكل حاجة، كأنه امبارح.
في تلك الأثناء قام زياد بالطرق على باب ثم دخل عليهما من أجل أمر يخص العمل، استغرب منظر ثريا وهي تبكي، ونور الذي يحاول تهدءتها، ليسألهما بتوجس قائلًا وهو قلق أن تكون ميارا أصابها مكروهًا أو أخذتها أمها ورحلت:
– فيه إيه مالكم؟ اوعى حد فيكم يقول لي إن ميارا راحت مني.
التفتت إليه ثريا بكل غضب قائلة:
– أبوك اللي ضغط عليك تخطبها صح؟
استغرب زياد سؤالها ليحاول نور إبعاده عنها قائلًا:
– يا ماما زياد ملوش ذنب، لسه عارف متأخر بكل حاجة زيينا، بس مايعرفش إن أبوه السبب في كل اللي حصل لينا زمان.
انتفضت ثريا قائلة:
– يبقى أنا أعرفه ويختار إما أبوه وإما ميارا، أبوه اللي خبى على أبوها حملي، وأبوه اللي خبى برضو إن أمها كانت متجوزة من أبو قدري.
واستطردت وهي تتهجم عليه:
– عرفت يا زياد ولا أقول كمان؟ أقولك عمل كل دا ليه؟ لأنه كان عايز يخطفني من جوزي.
وضع زياد يده على رأسه التي تكاد أن تنفجر قائلًا:
– كل دا هو عمله؟! طيب بالعقل كدا ليه كان دايمًا يوصيني على ميارا وكان مُرحب بجوازي منها أكتر من أمي؟
ابتسمت ثريا بسخرية قائلة:
– هقولك، كل دا كان تمهيد آخره هيقول لي: تعالي نتجوز زي أولادنا يا ثريا وهعوضك عن سراج اللي سابك تحاربي 23 سنة ومات.
جحظ زياد بعينيه قائلًا:
– بتقولي إيه؟ طيب وأمي؟ هو ناسي إنها صحبتك؟
ابتسمت بمرارة قائلة:
– أمك بتعاني من أيام ولاء وساكتة، ولاء اللي كانت على علاقة بأبوك فعلًا، يعني ما اتبلتش عليه زي ما بيقول هو، لكن لما لقت إنه ضايقها في ملعوبها خانته وقالت نص الحقيقة.
تعالى زفير غيظها قائلة:
– وكل دا علشان تاخد الفلوس اللي سحبها سراج علشان الصفقة اللي قرر يعلي بيها نفسه بعد ما فض شراكته مع أبوك، أخدت الفلوس ورمت أولادها وسافرت تركيا.
صمتت ثريا للحظة ثم التفتت تطيح بكل شيء على سطح المكتب قائلة:
– بعدها هدمت كل حاجة ما بينا وخيرته بيني وبينها، هي لعبتها صح، وهي اللي فازت في الآخر.
ثم التفتت إليه قائلة:
– وهي اللي ضحكت على أبوك زمان، وهي اللي بتضحك عليه تاني دلوقتي وهتخونه زي ما هو خان صاحب عمره ودلوقتي بيخونك.
جحظ زياد بعينيه، إذ كيف لوالده أن يخونه؟ لتبتسم ثريا قائلة:
– آه بيخونك، ومش هيخليك تتهنى بميارا، ولاء ناوية تجيب أدلة لبنتها إن أبوك جوزك لميارا علشان يخلى له الجو معايا.
عقد زياد ما بين حاجبيه قائلًا:
– أدلة! ومين قالك إني هسمح بكدا؟ آه أنا ابنه بس مش هسمح له بعد اللي قلتيه دا إنه يقرب مني ومنها.
واستطرد:
– أنا هحكي لميارا كل حاجة ومن دلوقتي.
انتفض نور قائلًا:
– لا يا زياد، ميارا دي دور حليم مش دورك انت.
رد زياد بإصرار قائلًا:
– بس دي مراتي يا نور، لو عرفت بكل دا أنا أول واحد هنزل من نظرها.
رفعت ثريا سبابتها تحذر زياد قائلة:
– اسكت، وهو مين اللي وصلنا للحالة دي؟ مش أبوك، أنا بقى اللي هحل كل دا، علشان أدفعه تمن غلطة غلطتها من سنة، يوم ما استفزتها ونزلت صور أولادي في المجلة.
واستطردت باشمئزاز قائلة:
– وأبوك الخبيث يقول لي بلاش، طبعًا خايف من فضيحته قدامك، ولما لقاني بنفر منه…
استكملت بضحكة ساخرة:
– قال يشربني المر ويتواصل معاها ويغرقوني قدام أولادي.
ثم استطردت بغل:
– وعلى فكرة انت وهو مطردوين من الشغل، ولو ميارا بعد ما تعرف قررت تسيبك أنا أول واحدة هساعدها.
ثم رفعت رأسها بشموخ قائلة:
– لما أولاد ثريا يطلبوا حاجة، ثريا ماتقدرش ترفض ليهم طلب.
تنهد زياد بحزن قائلًا:
– حضرتك أنا ذنبي إيه؟ اوعي تبعديني عنها، انتي ماتعرفيش أنا بحبها قد إيه، مجنون بيها من صغري.
واستطرد يوعدها قائلًا:
– والله العظيم أوعدك إني أبعد عنه وعن ألاعيبه، أنا هدافع عن حبي لآخر نفس، إلا ميارا أنا أموت من غيرها.
زفر نور بحنق قائلًا:
– انت هتعيط زي الحريم؟ أنا عايزك تتفهم الموقف اللي احنا فيه، وتقدر القرف اللي احنا داخلين عليه.
هز زياد رأسه بتفهم قائلًا:
– ماشي مقدر، بس برضو ميارا مراتي وهتفضل مراتي، أنا هعمل المستحيل علشان تعرف إني مليش ذنب.
واستطرد:
– ودُخلتي عليها الشهر الجاي في الميعاد اللي حددته أنا وهي، الميعاد مش هيتلغي إلا لو مت.
خرج زياد من المكتب لا يهمه شيء، حتى طرده من العمل لا يهمه، المهم بالنسبة له هي ميارا فقط، نظرت ثريا إلى نور بذهول بسبب ردة فعل زياد غير المتوقعة، ليبتسم نور إليها، فسألته قائلة:
– حليم هيرضى بيه بعد اللي حصل؟ دا لما لاحظ إن خطاب نظراته ليَّ وحشة اتجنن، أنا قلقانة قوي وخايفة بجد.
ربت نور على كتفيها قائلًا:
– ماما أنا بطمنك ماتقلقيش، بس ابعدي عن كل دا دلوقتي, دا هيخلي حليم ياخد حقنا تالت ومتلت، هو بيفضل إنك تكوني بعيد.
واستطرد يترجاها قائلًا:
– علشان خاطره أرجوكي.
تنهدت ثريا قائلة:
– يعني أسيبه يواجه كل دا لواحده؟
ابتسم نور بثقة قائلًا:
– ماما لما حليم يطلب حاجة لازم نثق فيه، لكن لو ماسمعناش كلامه الدنيا هتبوظ، كمان دي أمه.
شهقت ثريا ليبتسم نور قائلًا:
– بالاسم لكن انتي الأم الحقيقية في قلبه، يبقى سيبيه ياخد حقنا، وسيبك منها ومن تليفوناتها وتهديدتها، بس ركزي على ميارا.
أغمضت ثريا عينيها قائلة:
– هتوجعني قوي يا نور، أنا خايفة منها وعليها.
ابتسم نور قائلًا:
– بصي خديها بالراحة، اعتبريها تحدي.
هزت ثريا رأسها بيأس قائلة:
– لا دي مش أي تحدي، دا أنا أموت لو بعدت عني، أنا هقول ليها كل حاجة وربنا يعين قلبي عليها وعلى ثورتها، ربنا ينتقم منك يا ولاء.
ربت نور على ظهرها قائلًا:
– يا رب، ماشي اللي تشوفيه يا ماما.
ثم عزمت ثريا أمرها قائلة:
– أنا هبعدها عنها، بس مش هروح القاهرة، هاخدها وأروح اليونان.
جحظ نور بعينيه وذُهل مما قالت ثريا، واحتار فيما يفعل وفيما يرد عليها، لا يعلم أيسرد لحليم أم يصمت؟ أيتركها بالفعل تأخذها وترحل أم ماذا؟ أما ثريا فقد أخذت تبحث عن بعض الأوراق وتهاتف شركات الطيران، بالفعل هي تقوم بذلك لإبعاد ابنتها عن كل هذا الجنون، لأنها لن تتحمل فقدانها.
الفصل التاسع
تبتسم لحضوره وموافقته على مقابلتها دون عذر جديد منه، خاصة بعدما علمت من هي والدته الحقيقية، صافحت يده ليستشعر يدها الدافئة رغم برودة يده وقلبه منذ آخر مرة تقابلا فيها، كانت تعتاد رؤيته كل صباح، علا ثغرها ابتسامة شوق وحنين وأخذت تلفت نظره للحديث معها، ثم أخرجت من حقيبتها هدية عيد ميلاده التي لم تستطع حضوره لأنه كان يتجاهلها، كانت تود أن يكون لهما احتفال خاص، ولكن تركته على راحته، أثناء حديثها معه ابتسم إليها بحب قائلًا:
– مش كفاية بقى كلام.
ابتلعت وئام ريقها بخجل وتوتر قائلة:
– علشان خاطري، قول إنك بجد وحقيقي ومش هنسيب بعض تاني.
تضايق من الحالة التي وصلت إليها بسبب تركه لها، ورد يعاتب نفسه قائلًا:
– لازم يكون أسلوبي دا معاكي قبل كدا، لأني ماكنتش عايزك تتعبي مع واحد ماضي أمه قذر.
شهقت واتسعت حدقة عينيها لتتلألأ الدموع فيهما قائلة:
– انت بتقول كدا ليه؟ انت لو كنت قلت السبب من الأول كنت ريحتني، دايمًا كنت بسأل نفسي إيه اللي عملته خلاك تتجاهلني كل الفترة دي.
أشاح بوجهه إلى الجانب الأخر لتنتقل بكرسيها نحوه وتواجهه قائلة:
– زعلك مني طول قوي يا حليم، اسمع مني، مامتك الحقيقة هي مامتك اللي ربتك، أنا اللي يهمني حليم وبس.
نظر في عينيها كالصقر الجارح قائلًا:
– معناها إنك ممكن تتقبليني وأنا ابن واحدة تانية غير ثريا.
هزت وئام رأسها بالإيجاب قائلة:
– حليم أنا والله بحبك حتى لو كنت ابن مين، علشان خاطري لو دا اللي بعدك عني الفترة اللي فاتت يبقى ارجعلي تاني، لأن الموضوع مش فارق معايا، أقسملك أنا حبيت حليم الإنسان اللي بيحب مامته وأخواته، حبيت فيك الراجل الحنين، بس لما بعدت عني حسيت قد إيه إنك عمرك ما حبتني علشان كدا كرامتي وجعتني .
تحامل حليم على نفسه، نعم قلبه يدق لها وحدها، ولكن من شدة حبه لها ابتعد عنها، حتى لا يلوثها بماضيه، يعتقد أن مثله ليس لهم فرصة في الحياة، وتأكد من ذلك بعد رؤيته لولاء بعكس قدري، الذي لم يهتم، أو قد يكون لأن ارتباطه سيكون بهاجر وهي تعلم الآن هو ابن من، تردد حليم وهو يتحدث قائلًا:
– انتي بتشفقي عليَّ وصعبت عليكي بعد ما شفتي أمي دي شكلها إيه.
تعالت شهقاتها ومسحت دموعها قائلة:
– أنا عمري ما هندم على إنسان كنت بموت وهو بعيد عني، طبعًا كلكم فهمتوا من ضحكي و هزاري إن مش في دماغي.
واستطردت بوجع قائلة:
– لا يا حليم، أنا كنت بنام أفكر يا ترى هترتبط بمين غيري.
انتفض حليم قائلًا:
– انتي بتقولي إيه؟ لو على الارتباط أنا لا يمكن أرتبط إلا بيكي، أو هفضل طول عمري من غير جواز، بس مش هقدر يا وئام، أنا أمي اللي انتي شفتيها دي رمتني أنا وأختي لأبويا، ولسة جاية تفتكرنا بعد 23 سنة.
واستطرد يتنهد بتعب:
– عمري كله اللي أعرفه إن أمي ثريا، وطلعت مرات أبويا، مرات الأب اللي كل الناس بتخاف منها طلعت بالعكس أم وصاحبة وحبيبة.
نظر في عينيها بقوة وسألها قائلًا:
– انتي تقدري تتجوزي واحد أمه بالشكل دا؟ هتقولي في الأول آه، لكن لما تخلفي أولاد وتظهر فجأة الست دي وتعمل نفس الفصل البايخ هتقولي إيه للأولاد؟
وضرب على صدره قائلًا:
– أنا هقول لهم إيه؟ انتي مفكرة إنه سهل عليَّ إني أبعد عنك؟ لا خالص، أنا بحبك جدًا، وعلشان بحبك لا يمكن ألوثك.
ثم تمسك بيدها قائلًا:
– مش عايزك تندمي وتقولي يا ريتني يا وئام، عرفتي ليه بقى بعدت عنك كل دا؟
نهضت وردت بحزن قائلة:
– عارف لو الفصل البايخ دا حصل لأولادنا هقول ليهم إيه؟ هقول لهم يا بختي اتجوزت واحد بيحبني زي أبوكم، بس انت اللي ما صدقت تسيبني.
واستطردت تبكي وتترجاه:
– تعرف بس لو تديني فرصة ونجرب، دا كل اللي طالباه منك، علشان خاطري يا حليم.
ثم تمسكت بيده بكل قوتها قائلة:
– تعالى نفكر في بكرة وننسى الماضي بكل ما فيه، وأنا هساعدك وهنسيك، قول لي بس بحبك يا وئام وهتجوزك.
تنهد حليم قائلًا:
– نفسي يا وئام، حابب أي فرصة تجمعني بيكي، بس خايف، أنا بحبك لدرجة إني خايف عليكي مني، ومش قادر أتخيل بُعدي عنك أكتر من كدا.
واستطرد وهو يمسح دموعها قائلًا:
– تعرفي إني كنت راجع ليكي وهخطبك زي أي إنسان طبيعي وهصارحك بحقيقتي، بس للأسف بعد ظهورها أنا اتدمرت.
جذبته برقة من يده وهتفت بحب قائلة:
– أنا هشفي كل جروحك، لأني بجد بحبك مش شفقة زي ما انت فاهم، علشان خاطري وافق يا حليم إننا نرتبط ببعض.
رفع يدها إلى شفتيه وقبلها قائلًا:
– خاطرك دا غالي عليَّ يا ويمي، هظبط أموري وهجيب ماما ثريا وإخواتي ونيجي نطلبك.
انفرجت أساريرها، حتى هو أيضًا اتسعت ابتسامته لتخجل منه وهو يرفع إليها حاجبيه بمكر مازحًا.
بعد انتهاء مقابلته ذهب إلى ولاء في عقر دارها، فتحت له ولاء الباب واتسعت حدقة عينيها بسعادة قائلة:
– حليم مش معقول! أخيرًا يا حبيبي.
دلف حليم ينظر إلى منزلها باشمئزاز واستهزاء رغم فخامته، ولكن يبدو إنه ليس من تعبها وكدها مثل ثريا، وجدها تحيط ظهره بيدها قائلة بخبث:
– أنا فرحانة قوي يا حليم إنك عدت حساباتك ورجعت ليَّّ.
أزاح يدها من على كتفيه والتفت إليها ليُسمعها تهديده ووعيده قائلًا:
– أنا جيت هنا علشان أقولك نجوم السما أقرب لك من ميارا.
رفعت ولاء حاجبيها باستهزاء ليزيد من غضبها قائلًا:
– وعلى فكرة رغم إن ميارا لسه ماتعرفش حاجة، بس عايزك تحطي في بالك لو جبتي ليها ميت دليل ودليل مش هتصدق غير الست اللي ربتها وكبرتها.
نظرت له ولاء بحقد وغل قائلة:
– تعرف يا حليم انت غلبان قوي لأنك اتربيت على إيدين ثريا، اتربيت على القيم والمبادئ وهي كانت مقضياها حتى وأبوكم عايش مش بعيد.
ثم اقتربت من أذنه مثل الأفعى قائلة:
– نور وهاجر يكونوا أولاد حد تاني غير سراج، لكن أنا أمك كنت واضحة وصريحة وكله عندي بالجواز.
مسك حليم يده وكورها، لكنه لا يريد أن يصل إلى هذا المستوى ويضرب امرأة، تماسك قائلًا:
– قلتلك ميت مرة أنا مش عايز أمد إيدي عليكي، مش علشان انتي أمي، لا علشانك ست.
واستطرد يجز على أسنانه قائلًا:
– بس انتي مصرة تحمليني ذنب أفضل أحاسب نفسي عليه طول عمري.
ابتسمت بخبث قائلة:
– اضرب علشان أثبت كمان إن تربيتها زبالة وقدرت تضحك عليك بكلمتين خلتك تكرهني، لأن أنا اتظلمت كتير منها.
تنهد حليم قائلًا:
– يا ريت يكون كدا فعلًا، عارفة ليه؟ لأنك لو مظلومة ربنا هيجبلك حقك وهيسخر أولادك لكدا، لكن زي ما انتي شايفة لا سحر ولا شعوذة، دي الست اللي خلقت بدايتنا وهتفضل طول عمرها تاج راسنا، رضيتي أو رفضتي، انتي أساسًا مالكيش رأي عندنا.
وجدها تفور من الغيظ ليزيدها قائلًا:
– ولو على ميارا هعرفها كل حاجة، وهتتجوز زياد وأوعدك انتي معزومة في فرحها، وهيكون مع فرح أولادك التلاتة اللي جبتيهم الدنيا، هنتجوز واتنين مننا هيتجوزوا من اللي أهلهم ألد أعدائك.
واستطرد بسخرية قائلًا:
– أنا جيت النهاردا علشان أعرفك إن رجوعك مش هيغير حاجة، هنعتبرك هوا مش أكتر، عاصفة عدت علينا يوم ولادتنا.
ثم فتح ذراعيه في الهواء بسرور قائلًا:
– وشرقت الشمس من بعدها تنور حياتنا، بمعنى أصح احنا أفضل من غيرك.
تركها ورحل لتتآكل كأنها تسكن فوق فوهة بركان، لا تدري بماذا تلعب، لم يكن عندها أي ورقة رابحة بعد ميارا، التي من الممكن أن تكون مثل ما أكد حليم عنها.
هاتفت خطاب ليزفر بحنق عندما وجد اسمها يضيء شاشة هاتفه، رد عليها بغضب:
– خلاص ماعدش في إيدي حاجة.
عقدت ولاء ما بين حاجبيها قائلة:
– يعني إيه؟
رد عليها بضيق:
– طردوني من الشغل.
ابتسمت ولاء بسخرية قائلة:
– مش مشكلة ابنك موجود.
جز خطاب على أسنانه قائلًا:
– وابني هيعمل إيه؟
ردت بكل جبروت، تريد كسر قلب ابنتها قائلة:
– اتصرف وخليه يطلق ميارا.
استغرب خطاب من قسوتها، هو أيضًا قلبه قاسٍ ولكن ليس مع ابنه.
بعدما تركتها حنان ورحلت، كادت هاجر أن ترحل فوجدت قدري يقف عاقدًا ذراعيه فوق صدره يستند على حافة سيارته، يبتسم لها وعيناه تتلهف إليها قائلًا وهي تتقدم منه:
– قلبي علشان خاطري بلاش تزعلي مني، هو حليم مش قال ليكي؟ ليه مش بتردي على تليفوناتي بقى؟
عبست هاجر بعينيها قائلة:
– انت اللي ماحبتش تشاركني كل حاجة من الأول، زعلت قوي يا قدري وأنا بسمع من نور وعاملة زي الهبلة.
واستطردت بضيق قائلة:
– حتى ميارا نفسها لما أخدت منك الهدية فضلت تتهرب مني خايفة لأشك فيها، أنا فعلًا شكيت فيها وفيك.
زم شفتيه قائلًا:
– أنا ماليش ذنب، وبعدين إيه شكيت فيك دي؟ طيب ليه محدش شك في حليم وهو بيعدي الأمر عادي؟دا هو صاحب الفكرة.
مسحت هاجر على وجهها بغيظ قائلة:
– أنا قلت إنه عدى الموقف علشان زياد مايطربقهاش، وأيوه شكيت فيك.
وتابعت بغيرة قائلة:
– انت جات عليك فترة لما كنت بتشوفنا سوا في أي مناسبة كنت بتركز عينك علينا احنا لاتنين.
تعالت ضحكات قدري قائلًا:
– يا عيني عليَّ، أنا جالي حول أصلًا من ساعة ما عرفت إن واحدة منكم أختي، كنت محتار وكانت حالتي مرار طافح.
واستطرد يتنهد بحب قائلًا:
– قلت يا رب ماتطلعش هاجر، دا لو كنتي انتي أختي كنت هجيت من البلد، أعمل إيه بس يا هاجر؟ كنت في حيرة.
ثم لوى شفتيه قائلًا:
– وكفاية عليَّ البغل زياد كمان، اللي قال لي إنه عايز يخطب واحدة منكم، أنا كنت خايف لتطلعي انتي.
ابتسمت هاجر قائلة:
– للدرجة دي؟
تنهد قدري قائلًا:
– وأكتر، أنا بحبك قوي.
نظرت إليه بخبث قائلة:
– ولما هو كدا ليه هدية ميار أحلى من بتاعتي؟
ابتسم لأنها تغير من شقيقتها قائلًا:
– طيب والله العظيم ما أنا اللي جايبها أصلًا.
قطبت هاجر حاجبيها قائلة:
– ازاي؟
تنهد قائلًا:
– هقولك، لما زياد خطب ميارا فرحت لأنه ماخطبكيش، بس فضلت قلقان يا ترى انتي أختي ولا ميارا، عرفت زياد إني عايز أخطبك بس قلقان لتكوني مش بنت ثريا، طبعًا هو فهمني غلط وجري على حليم وقال له كدا، أنا مش زعلان من زياد، هو يمكن خاف إن جاي أتجوزك علشان فلوسك ولا حاجة.
واستطرد بسعادة قائلًا:
– حليم رغم إنه بيحبني وهو ومامتك أكتر ناس رحبوا بجوازنا بس كان زعلان من السؤال دا، وأنا اضطريت أجاوبه على اللغز وحكيت له إني كان نفسي أجيب لميارا هدية وماقدرتش.
كانت منتبهة لحديثه ليغمزها قائلًا وهو يرفع يده باستسلام:
– قام مطلع الهدية وصمم إني أديها لميارا.
ابتسمت هاجر قائلة:
– طيب كنت ساعتها عايزني أتقبل الموضوع كدا عادي؟
هز قدري رأسه بالسلب قائلًا:
– والله كنت خايف من إحساسك أكتر واحدة، وأديني أهو رغم إني عارف إنك أكيد عرفتي إلا إني سايب شغلي وجتلك من ساعة ما تجاهلتي تليفوناتي.
ابتسمت هاجر قائلة:
– طيب، خلاص يا قدري.
انفرجت أساريره قائلًا:
– بجد يا هاجر؟ يعني مش زعلانة؟
نظرت إليه بثقة قائلة:
– انت بتشك في كلامي.
تنهد قدري براحة قائلًا:
– أبدًا، بس بسبب الموضوع دا كنت ضايع، وأهو كل اللي حصلي أنا وميارا وحليم بسببها، والله ما كان نفسي أعرف الحقيقة.
ربتت هاجر على كتفيه قائلة:
– معاك حق، تعرف أنا اشتقت لميارا القديمة اللي كانت بتضحك وتهزر ومش شايلة للدنيا هم.
تنهد قدري بتعب قائلًا:
– لا ولسه التقيل جاي ورا، الست ولاء رجعت وبدأتها بحليم، أحرجته قدام وئام وقالت إنها أمه، ولسه ناوية توقع بين زياد وميارا وتاخدها وتسافر.
شهقت هاجر ووضعت يدها على فمها قائلة:
– يا حبيبتي يا ميارا.
وضع قدري يده على رأسه بضيق قائلًا:
– ربنا يعدي الفترة الجاية على خير.
هزت رأسها وردت:
– يا رب.
ثم استوقفته قائلة:
– علشان كدا كنت بتراسلني وخايف تقول انت مين؟
تنهد قائلًا:
– أيوه يا هاجر، وكنت ناوي لو انتي أختي عمري ما هعرفك إني صاحب الرسايل، ولجأت للرسايل لأني عارف إنك إنسانة جامدة مش بتنساقي ورا عواطفك.
تعالت ضحكاتها قائلة:
– يا راجل دا انت يوم ما قلت ليَّ هخطبك كان نفسي أجيبك وأضربك، بس أنا فعلًا بنسى بسرعة وبحاول أتعايش مع اللي جاي.
بعد مرور أيام جاءت اللحظة الحاسمة التي سيتم فيها معرفة ميارا بكل شيء، بدأ الحديث من عند حليم وكان في شدة توتره يهز رجله بارتباك قائلًا:
– مش عارف أبدأ منين يا ميارا، بس لازم تعرفي.
قطبت ميارا جبينها ونظرت إلى نور الذي تنهد قائلًا:
– فيه حاجة بخصوص مامتك، ماما ثريا مش مامتك اللي خلفتك، بس لازم تفتحي مخك وانتي بتسمعيها، مش تتعمي بالحقيقة المزيفة اللي ولاء مامتك الحقيقية ناوية تقولها ليكي.
قلقت ميارا وبدأت تنظر في وجه الجميع، ليتنحنح حليم قائلًا:
– أنا عارف إنك عاقلة وهتوزني الأمور صح، أنا عرفت كل حاجة عنها، حتى أخونا اللي منها عرفته.
ثم فجأة وجه نظره نحو قدري، لتنظر هي الأخرى لمرمى بصره، فتتسع حدقة عينيها بذهول لتفهم لما قدري قام بتقديم هدية لها في عيد ميلادها، ليستطرد حليم بصعوبة قائلًا:
– شايفة قدري اللي قاعد قدامك دا، واللي استغربتي مين عطاه الحق يقعد قعدة زي دي، ومين عطاه الحق يهاديكي بحاجة انتي نفسك فيها وأنا وماما بس اللي نعرفها.
تسمرت تنظر إليه بتوجس ليفاجئها حليم قائلًا:
– قدري يبقى أخوكي.
شهقت ميارا وارتجفت ليبتسم لها قدري بوجع قائلًا:
– أيوه أنا أخوكي، أخيرًا عرفتي يا ميارا، عارف إنك ممكن تكوني مش فرحانة، بس في نفس الوقت أنا طاير من السعادة وبحمد ربنا إنك عرفتي.
تعالت شهقاتها ووضعت يدها على وجهها لينهض حليم ويحتضنها قائلًا:
– احمدي ربنا يا ميارا كان ممكن قدري دا يخطبك ولا يتجوزك ولا يحبك وكان ساعتها الوجع أكبر.
خرجت من أحضانه ونظرت إليهم باستياء ليغمض حليم عينيها قائلًا:
– ليه كدا يا ميارا كرهتينا علشان قلنا الحقيقة؟ مش مصدقانا؟ انتي كدا هتدي الفرصة لولاء تاخدك مننا.
واستطرد بحزن قائلًا:
– واحنا كلنا مانقدرش نعيش من غيرك.
قطبت ميارا جبينها قائلة:
– اوعى يا حليم تكون رجعت وماقلتليش، أنا عايزة أشوفها فورًا، ماتتصورش هبقى فرحانة ازاي لما أشوفها.
وتابعت بإصرار وعناد قائلة:
– ومفيش أي حاجة هتمنعني عنها.
ذُهل حليم وقدري ونور مما قالته ووضع حليم يده على وجهه ومسحه بتعب قائلًا:
– حقك عليَّ، أنا غلطان، غلطان إني ماقولتش إن الست ولاء أمك راجعة تبوظ حياتنا .
غضبت ميارا وصرخت قائلة:
– ما تقدرش، دا في أحلامها، بس برضو عايزة أشوفها.
اندهشوا جميعًا من غضبها عليها وإصرارها على أن تراها، وهنا انتفضت هاجر تحتضنها قائلة:
– علشان خاطري يا ميارا اهدي يا حبيبتي.
نظر حليم إلى قدري نظرة تقول أن عليه أن يُحضر ولاء، لأن هذا هو الحل، خرج قدري واصطدم بها أمامه، من الذي جاء بها إلى هنا؟ بالداخل سأل حليم ميارا بتوجس قائلًا:
– ليه مصرة تشوفيها؟ ليه مصرة تعذبينا معاكي؟
جزت ميارا على أسنانها قائلة:
– علشان فيه حاجة لازم تسمعها مني، أنا انكسرت بسببها، أنا عايزة حق 23 سنة، ومش هتنازل عنه.
حزن نور قائلًا:
– طيب ولما تشوفيها وتقول لك حقيقة مزيفة زي اللي قالتها لأخوكي هتعملي إيه؟ والله العظيم لو أنا اللي كنت سمعتها كنت دفنتها بإيدي.
ظهرت من خلفه ثريا وهي تبتسم بوجع قائلة:
– حقك يا ابني، وعلشان حقك وحقك انتي كمان يا ميارا؛ أنا اتصلت بيها وزمانها على وصول، ده كان يوم المنى بالنسبة ليها.
اتجه حليم نحوها واحتضنها قائلًا:
– حقك عليَّ أنا آسف ليكي.
في تلك اللحظة دخلت ولاء فووجدت حليم وهي تعرفه أكثر من ميارا التي كانت تقف بجوار هاجر، لا تعلم من منهما ابنتها، ولكنها نظرت إلى حليم الذي يحتضن ثريا فهتفت بغل قائلة:
– أوووه، بس تعرف يا حليم، ليك حق تحضنها، ما هي ماجراش عليها الزمن ولسه حلوة ومحتفظه بنفسها علشان المعجبين.
ثم ضحكت بسخرية قائلة:
– لما تتجوز ميارا بقى، هترجع حب خطاب القديم.
كاد نور أن يفتك بها، لولا أن أوقفه حليم ونظر إلى ميارا بطرف عينه منتظرًا منها ردة فعل، ولكن الصمت والوجوم احتلها، فتقدم هو من ولاء وابتسم بكره قائلًا:
– حقها دي دفنت نفسها 23 سنة مش دارت على حل شعرها، بس انتي مش كنتي جاية علشان ميارا؟
هزت رأسها بالإيجاب ليسخر منها قائلًا:
– فين بقى الأحضان والبوس والاشتياق بتوع 23 سنة فراق؟ ولا مش عارفة مين هاجر ومين ميارا؟
في تلك اللحظة تحركت ميارا من مكانها، ومن المفترض أن تتوجه ناحية ولاء، ولكن المفاجئة أنها رمت نفسها في أحضان ثريا تصرخ قائلة:
– بحبك يا مااااااااااما.
أغمض حليم عينيه وتنهد براحة قائلًا:
– يا ريتك جيتي من زمان يا مدام ولاء، ما كنش دا هيبقى حالنا، بس يلا كله بأوان.
ثم أشار نحو ميارا بفخر قائلًا:
– شايفة بنتك ميارا عطتك ضهرها ورامية نفسها في حضن مين؟ في حضن ضرتك.
نفخت ولاء بضيق والتفتت لترحل من محيطهم لتخرج ميارا خلفها وتناديها، تبتسم ولاء بخبث وتستدير لها، لتجد ميارا تتجه إليها بكل حقد وغل قائلة وهي تشدد على حروف كلماتها:
– أنا ربنا بيحبني لأني ما اتربيتش على إيدك، عارفة ليه؟ لأني أكيد كنت هطلع أستغفر الله العظيم، انتي ما تستحقيش لقب أم.
واستطردت تشير نحو ثريا بكل فخر قائلة:
– ثريا هي أمي، الفرق إنها مش في بطاقتي، انتي اللي في بطاقتي يا غلطة عمر أبويا.
ثريا ذُهلت من صرخة ميارا واحتضانها، ومن حديثها الموجه لولاء، وبعد انصراف ولاء ظلت ثريا في حالة من الذهول، لتنتبه على تقربهم جميعًا منها، وحليم يجلس على عقبيه أمامها يبتسم إليها قائلًا:
– يا رب يقدرني وأسعدك، ويقدرني أسعد إخواتي كلهم، أنا فخور إنك أمي، وحشني حضنك يا ثريا.
احتضنته ثريا بعمق ولفت يدها لتحتضنهم جميعًا وهي تردد أسماءهم بهمس أذابهم:
– نور وهاجر وحليم وميارا أولاد ثريا بس.
رفع حليم وجهه قائلًا:
– صح، حليم ابن ثريا.
أزاحته ميارا، ولأول مرة منذ فترة قالت بمرح:
– انت هتاخدها لوحدك، انت أناني كدا ليه؟
ضرب نور كفًا بكف بمرح وقال:
– لا والله، شايفة يا هاجر؟ شايفة إخواتك نازلين شقط ازاي في ثريا؟ انت يا ابني دي أمي قبلك، أنا الكبير.
ضحكت هاجر قائلة:
– انت مضايق نفسك ليه يا نور؟ امشي روح شوف البنت حنان، بتعيط من ساعة ما سيبتها وتقول أخوكي اتأخر لأنه كان بيضحك عليَّ.
وتعالت ضحكتها أكثر قائلة:
– روح بدل ما تيجي هنا تعمل فضيحة.
تعالت ضحكات حليم قائلًا:
– الله يسهلك يا عم، طيب إيه رأيك إني أنا هغير في دي كمان، بس اللي هخطبها مش لاسعة زي حنان، لا، دي هادية وكيوت وقمر زي ثريا.
شهقت ثريا وفرحت قائلة:
– مش معقول أخيرًا يا حليم، طب يلا أروح أخطب ليكم انتم لاتنين..ومش هتنازل عن قعادكم انتو الأربعة في بيتي.
هتف نور بغضب مصطنع قائلًا:
– مين الأربعة دول؟ أنا بس اللي هقعد أنا وحنان.
ابتسمت ميارا بوجع قائلة:
أيوه يا ماما نور معاه حق، أنا هتجوز في الشقة اللي جابها زياد.
جز نور على أسنانه بغيظ قائلًا:
– آه دا انتي ما صدقتي بقى، أنا بقول كدا هزار يا ميارا، علشان خاطري بلاش تفهمي غلط.
ثم علا بصوته قائلًا:
– وبقولها ليكي للمرة الأخيرة، زياد دا أخونا بغض النظر عن عمايل والده.
لم تقتنع ميارا فربت حليم على ظهرها قائلًا:
– زياد بقى الخامس بتاعنا وقدري السادس.
ابتسمت ميارا وهزت رأسها بسعادة قائلة:
– تمام، أنا بحبكم قوي.
تحدث نور بمرح:
– إيه حكايتك يا ميارا! ماشيه تقولي بحب بحب هو زياد مابيقولهاش؟
تعالت ضحكات ميارا قائلة:
– طيب وربنا غلبان في عيشته، دا كل شوية بحبك، تصدقوا من يوم عيد ميلادى وهو مش بيكلمني، تفتكروا بيخوني؟
تعالت ضحكات حليم ونور حيث ظهر زياد من خلفها يلطم خديه قائلًا:
– بحبك، بحبك يا ميارا، وكنت خايف أجيلك تكرشيني.
تعالت ضحكات ميارا قائلة:
– ولو طردتك دلوقتي هتعمل إيه؟
ابتسم زياد قائلًا:
– علشانك يا ميارا هعيش ضد التيار، بس بلاش تطرديني ده أنا غلبان.
ابتسمت ميارا قائلة:
– انت فعلًا غلبان، غلبتك معايا سامحني.
نظر حليم لنور قائلًا:
– شجرة واتنين لمون، ولا أقولك سكينة ونغسل عارنا بإيدينا.
ابتسمت ثريا قائلة:
– هو دا الحب، الحب مش انبهار، الحب صمود قدام الأزمات.
ردوا عليها في وقت واحد:
– واحنا كلنا بنحبك يا ماما ثريا.
ثم تحدث حليم:
– أيوه بنحبك، لأن حبك الوحيد اللي تصدى لكل الأزمات، ومانقدرش نعيش من غيرك، لأنك خلقتي بدايتنا كلنا.
وهكذا كانت البداية التي خلقتها ثريا لأولادها جميعا، بداية كانت بالنسبة لها وجع وذكريات مؤلمة، ولكنها انتهت بالجبر والفوز بالأولاد وحبهم والنجاة ممن يريدون اقتلاعها من جذورها، كانت تريده بجانبها في تلك اللحظة، ليس كحبيب ولكن كأب يرى من بعيد انجازات امرأه رفضها يومًا ما لعقمها، وها هي أنجبت وشاء القدر أنها أنجبت لوحدها دون مساعدته أو علمه لتستقبل أولادها مع أولاده الذين خلقوا من رحم القاسية،نعم ولاء هي القاسية، نفسها مريضة ومنعدمة الأخلاق لأنها تركت أولادها بدون رحمة، حرمتهم من الحياة وصرفت أموال والدهم، كانت ثريا تنسج هذا الحوار دائمًا، نسجته من ذي قبل مع والد قدري وعادته مع سراج.
جذوره ما زالت محبوسة بداخلها، واقع مرير مرت به، ولكنها رسمت حياتها كلوحة فنية معبرة، لوحة تجذب الأنظار، لوحة في منتصفها عيونها التي انبعث منها الاشراق للجميع، هي شجرة لهذه العائلة، شجرة طيبة أنبتت ثمارًا طيبًا، شجرة لا تذبل أبدًا، لا تكل ولا تمل عن توفير المناخ المناسب لأولادها، رفضت كل شيء حتى الزواج بالرغم من صغر سنها عندما تركها سراج.
بعد رؤيتهم سعداء خرجت إلى الشاطئ وجلست أمامه تغمض عينيها، ليأتي إليها سراج في أحلامها، ابتسمت ولأول مرة قالت له:
-ياااه، كدا أقدر أقولك ارتاح يا سراج.
قبل جبينها وضمها إليه وقال:
– لا مش مرتاح يا ثريا، مش هرتاح إلا لما تسامحيني، دا اللي هيريحني بجد.
ابتسمت بسخرية قائلة:
– لا والله! على أساس كان يهمك دا في الأول.
أغمض عينيه قائلًا:
– وأنا رجعت وندمت، سامحتوا الكل ما عدا أنا.
ابتسمت بوجع قائلة:
– أنا ما سامحتش حد، ولو هسامح هتبقى انت أولهم.
أدمعت عيناه قائلًا:
– آه يا وجع قلبي، ليه كدا يا ثريا؟
تنهدت قائلة:
=ليه؟ إيه انت نسيت؟
مجرد نطقها لهذا السؤال اختفى من حلمها، لأنها انتفضت على لمسة حليم وهو يناديها لتستيقظ من حلمها قائلة:
– أنا كنت هقعد شوية وماشية.
ابتسم حليم بحب قائلًا:
– أنا كنت هجيلك أول ما قعدتي بس قلت استنى، أصل أنا عارف سر القعدة دي، لأن البحر دا جذورك مش اليونان.
ثم أشار إلى الجانب الأخر قائلًا:
– اليونان بلدك بس هنا كيانك.
تنهدت ثريا قائلة:
– هنا حياتي يا حليم.
ابتسم حليم قائلًا:
– صح، والبحر دا يشهد على كل حياتك.
ثم قبل جبينها لتتذكر قبلة سراج، ولكن هذه أكثر أمانًا لأنه نظر إليها بكل وعود الحياة قائلًا:
– عارف إنك بتحبي البحر، وحببتيني فيه؟ أنا بقيت بحبه جدًا.
ابتسمت ثريا له بحب قائلة:
– وأنا كمان بحبكم كلكم يا حليم، عادة الست بتجري في حياتها ورا حب راجل، لكن أنا جريت ورا حب أولادي.
واستطردت تحمد ربها قائلة:
– والحمد لله حصلت عليه.
جاء جميع إخوته ووصلوا إلى الشاطئ، هللوا جميعًا وقالوا:
– بنحبك يا ماما.
الخاتمة
بعد مرور شهر جاء موعد الزفاف المنتظر، والذي أصرت ثريا أن يكون في نفس المنزل الذي تم دخولها فيه كعروس منذ ثلاثين سنة، ومع ذلك الجميع رحب بفكرتها، أخذت على عاتقها الترتيبات ولكن لاحظت شيئًا غريبًا، إنها ترى سراج في كل مكان، تذكرت حلمها وطلبه العفو منها وحدها وليس من أحد آخر، حاولت مرارًا وتكرارًا أن تسامحه، ولكن تتذكر دائمًا وعوده وتحليقه بها في سابع سماء ليعود بها إلى سابع أرض وتتبخر كل وعوده، تظل ثريا هي ثريا تسامح وهو يعود لأخطائه، أخذت تتهرب من غرفة لأخرى حتى لا تراه، ولكن دون جدوى، أيقنت أن حلمها به سيظل يطاردها مثل الكابوس حتى تعفو عنه، ذهبت إلى المطبخ لتتذكر عملها القديم، عملها الذي قررت أن تعود له في تلك اللحظة وتقدم المساعدة رغم اعتراض الطباخ، فهي أصرت على المساعدة حتى تلهي نفسها، رفعت عينيها وجدت سراج مثل الشبح، حتى أن السكين جرحت يدها فسالت منها الدماء وهي لا تشعر بها إلا عندما انتفض الطباخ يصرخ، لتشهق وتذهب إلى المرحاض تغسلها، وهي في المرحاض رأته خلفها في المرآة فانتفضت، وضعت يدها على صدرها تتنهد ببطء، ثم ركضت إلى الأعلى ودخلت غرفة من الغرف، انتبهت أن بها حنان، لتقوم حنان بتطهير الجرح وهي في حالة صمت، ثم خرجت لتجد حليم أمامها، نظرت حوله فلم تجد سراج، وكأنه لا يظهر وأولادها حولها، أرادت الخروج من الموقف وابتسمت قائلة:
– ماتتصورش أنا فرحانة قد إيه يا حليم.
كانت تقف على باب الغرفة والباب مواربًا يظهر منه امرأة ترتدي فستان عرس فقط، ليقتحمه حليم معتقدًا أن به وئام قائلًا بلهفة وهي تعطيه ظهرها:
– أيوه بقى يا ويمي، إيه الجمال والرقة والنعومة دي؟
حجزت حنان ما بين حاجبيها والتفتت نحوه وهي تبرق بعينيها قائلة:
– أنا حنان، ركز بالله عليك، المفروض أنا اللي أتلخبط بينك وبين نور مش انت اللي تتلخبط.
ابتلع حليم ريقه بحرج وأنزل نظره للأسفل قائلًا:
– مأخدتش بالي، افتكرتك وئام لما لقيت ماما ثريا خارجة من عندك.
ابتسمت ثريا قائلة:
– تحب تشوف وئام يا حليم؟
هز حليم رأسه بالإيجاب قائلًا:
– يا ريت.
لوت حنان شفتيها قائلة:
– بس بلاش تتلخبط وتقول لها يا حنان، العملية مش ناقصة.
تعالت ضحكاته وخرج من الغرفة تتبعه ثريا تبتسم إليه وهو يقول:
=- هي البنت دي لاسعة كدا ليه؟
ربتت ثريا على كتفيه قائلة:
– هي دي اللي تنفع نور.
كاد أن يرد ولكنهما لاحظا شجارًا بين خطاب وذكرى وهو يتحدث بعنجهية قائلًا:
– لا مش هطلقك يا ذكرى.
نظرت إليه ذكرى باستهزاء قائلة:
– هتقبل تعيش عالة عليَّ؟ وبعدين تعالى هنا، انت مين دعاك تيجي الفرح؟
تنهد زياد قائلًا:
– أنا يا ماما.
حجزت ذكرى بعينيها قائلة:
– مش معقول! ثريا وميارا وحليم لو شافوه مش هيتقبلوه.
أشاح خطاب بيده قائلًا:
– يعني هيعمل إيه يعني؟ أعلى ما في خيلهم يركبوه، وبعدين انتي مفكرة ابني هيسكت ليهم؟
ابتسم زياد بخبث قائلًا:
– آه هسكت، أنا جبتك النهاردا علشان أولًا: تقدم ليهم اعتذار، وثانيًا: المأذون اللي هيجوز إخوات ميارا هيطلق أمي منك.
واستطرد بحقد:
– إيه رأيك بقى في المفاجأة دي؟
جحظ خطاب بعينيه قائلًا:
– لااا، انت مش ابني! انت واحد تاني.
زفر زياد قائلًا:
– عايزني أعملك إيه بعد اللي عملته؟
رد عليه خطاب برجاء وبمظهر يثير للشفقة:
– عايزك تسامحني يا ابني.
هز زياد رأسه بالسلب قائلًا:
– لا مش هقدر.
نظر إليه خطاب بذهول، ثم أدار وجهه لذكرى قائلًا:
– كدا انتي مرضية؟
تنهدت ذكرى براحة قائلة:
– تمام الرضى.
هنا لاحت صورة سراج مجددًا أمام ثريا رغم وجود أشخاص في المحيط، ولكن تلك اللحظة لسانه نطق وقال لثريا بصوت لا يسمعه غيرها:
– هو مايستحقش حد يسامحه، لكن أنا أستحق.
أخرجهم قدري من كل ذلك وهو يهتف بفرحة قائلًا:
– فين عروستي؟
خرجت ميارا من غرفتها وابتسمت له قائلة:
– أنا هنا يا قدري.
سُر لرؤيتها وهي عروس واتجه نحوها واحتضنها وحملها ودار بها، ثم أنزلها قائلًا بسعادة:
– ماتتصوريش فرحان بيكي قد إيه يا ميارا.
هنا قاطعهم زياد بغيرة قائلًا:
– ليه إن شاء الله يا أخويا كانت مراتك؟ ولا كانت مراتك؟
لكزه قدري في كتفيه قائلًا:
– دي أختي يا أهبل.
نظر زياد إلى حليم قائلًا:
– ما هو دا أخوها برضو، ماعملش زيك أهو، واقف محترم نفسه.
تعالى صوت حليم قائلًا:
– زياااد، تحب أجيب نور ونعملها معاك ونبيتك بره البيت وأختنا تنام في حضننا؟
تلهفت ميارا قائلة:
– آه يا ريت يا حليم، ويبقى جو خطف بقى، ويطلع فوق الشجرة ويقع على ضهره، الله، دي تبقى حفلة.
خرجت هاجر من غرفتها وأبهرت الجميع، لتنظر إلى ميارا بتذمر طفولي قائلة:
– ميارا أنا مش هتجوز لوحدي.
نظر إليها قدري برومانسية قائلًا:
– وأهون عليكي؟
ابتسمت هاجر بخجل وهزت رأسها بالسلب، لتجحظ ميارا من مظهرها وتضحك قائلة:
– شوفوا البنت اتسهوكت على آخر الزمن، عشنا وشفنا هاجر (الطائر المهاجر) عقل وحب ووقع.
خرج نور من غرفته حيث كان مهتمًا بترتيب هيئته في تلك الليلة، بعكس حليم وزياد وقدري، وصل إلى المنتصف ووقف مثل عارضي الأزياء قائلًا:
– إيه رأيكم؟ أنا مز صح؟ شكرًا شكرًا أخجلتم تواضعنا.
تعالت ضحكات الجميع عدا حليم، الذي كان قلبه مشتاق لرؤية وئام، كان قلقًا عليها إلى أن خرجت من غرفتها وهي تتقدم خطوة وتتراجع خطوة، تنظر إليهم بارتياب قائلة:
– آسفة إني اتاخرت، أصل عندي ضيفة في الأوضة مصممة تحضر الفرح.
عقد حليم حاجبيه لتظهر ولاء من خلفها وتزيحها قائلة:
– لا، أنا مش ضيفة يا وئام، عيب تقولي كدا على حماتك، أنا أكتر واحدة ليَّ حق أحضر الفرح دا.
هنا انتفضت ثريا قائلة:
– أي حق؟
ابتسمت ولاء بخبث قائلة:
– أنا أم تلاتة هيتجوزوا النهاردا.
كادت أن ترد ثريا بعصبية ولكن أوقفها حليم قائلًا:
– الموضوع دا مات واندفن من شهر.
أرادت أن ترد عليه، لكن خرجت حنان من غرفتها متذمرة لتأخر نور عنها، وما إن رأت ولاء أمامها حتى شهقت قائلة:
– مش ممكن! مش معقول! ماتوقعتش البجاحة توصل بيكي لهنا، وتيجي عايزة تبوظيلي فرحي.
عقد نور ما بين حاجبيه قائلًا:
– انتي تعرفيها يا حنان؟
هزت حنان رأسها قائلة:
– أيوه طبعًا أعرفها، دي جات وكان معاها واد ملزق يطلبوني للجواز، وكانت مصممة إني أتجوزه، وقال إيه؟ هسافر تركيا.
ثم رفعت حنان يدها بضيق قائلة:
– قلت ليها، يا ست أنا مخطوبة، لكن أبدًا ماسابتنيش، وفضلت تقول عليك إنك لقيط مش ابن طنط ثريا، وشككت بابا في كل حاجة.
جحظ نور بعينيه قائلًا:
– لااا، دا انتي عديتي، أنا ساكت من ساعة ما رجعتي ومحترم إن إخواتي أولادك، وانتي شغالة تلقحي بالكلام على أمي وشرفها.
وتابع وهو ينظر إلى خطاب بحقارة قائلًا:
– بس توصل بيكي إنك تطعني في نسبي؟! الحق مش عليكي، الحق على جابك تدمرينا.
هنا تذمر خطاب قائلًا:
– تقصد مين؟
ردت ذكرى قائلة:
– أكيد يقصدك انت، وأكيد انت اللي خليتها تيجي النهاردا، انت السبب في كل حاجة حصلت من 23 سنة يا خطاب، روح يا شيخ منك لله.
نظر زياد إلى خطاب بحزن قائلًا:
– أظن إن بعد اللي حصل دا مالكش مكان ما بينا.
هنا ظهرت صورة سراج من جديد أمام ثريا، وهو ينظر إلى الجميع ولا أحد يراه غيرها، فينظر إليها مجددًا ويقول:
– شفتي هما اللي عملوا دا كله، ليه لسه أخداني بذنبهم؟
ارتفع صوت قدري وهو ينظر إلى ولاء بحقد قائلًا:
– انتي رجعتي علشان اتنين اللي هما مش أولادك، دول ولاد ثريا، إنما أنا مخفي بالنسبة ليكي، فيا ريت ماتقوليش تلاتة من أولادك.
تبعته ميارا قائلة:
– ولا تقولي اتنين، فاهمة؟ انتي هنا ملكيش حد، انتي هنا صفر على الشمال ملوش قيمة.
نظرت لها ولاء بسخرية قائلة:
– طيب والعمل دلوقتي في القرار اللي أخدته وئام؟
عقدت هاجر ما بين حاجبيها قائلة:
– قرار إيه؟
ابتسمت بخبث قائلة:
– وأنا مالي، خليها هي تقول قدامكم، إيه يا حلوة؟ هتقولي ولا قول أنا؟
هنا أدرك نور أن لدى ولاء خطة خبيثة هو لا يعلم ما هي، ولكن نظر إلى وئام نظرة يحثها أن تقول الحقيقة ولا تكذب وهو سيساعدها، ثم قال:
– قولي يا وئام، خلينا نخلص.
هنا توجس حليم منها أن يكون قرارها البعد عنه، أغمضت وئام عينيها وهتفت بحزن قائلة:
– مفيش أي قرار.
هنا وضعت ولاء يدها في خصرها تصرخ فيها قائلة:
– نعم يا أختي! مش انتي قلتي هتسيبيه يا اما أنا هفضحه وأقول إنه مش ابن سراج؟
هنا جحظ حليم بعينيه ونظر إلى ثريا، التي تعالت ضحكتها وقالت من بين ضحكاتها:
– هتفضلي طول عمرك ولاء المتآمرة الغبية.
التفتت إليها ولاء ونظرت لها بحقد وغل، ليهز حليم رأسه بيأس قائلًا:
– مش ممكن الحاجة اللي كنت بهرب منها انتي تيجي عايزة تثبتيها وبالكدب كمان! للدرجة دي أنا هونت عليكي؟
واستطرد بضيق قائلًا:
– إيه متوجعتيش وانتي شايلاني في بطنك؟ ولا الوجع خلاكي توجعيني أكتر؟
هنا ذهبت حنان لنور تهمس في أذنه قائلة:
– انت عرفت منين إنها هتخليها تكدب.
نظر إليها بكبرياء وثقة قائلًا:
– قدرات خاصة بقى، هبقى أعلمك.
نظر خطاب إلى ولاء وهتف بمرارة قائلًا:
– يلا يا ولاء، تعالي نروح ندفع تمن اللي عملناه زمان.
ابتسمت ذكرى بسخرية قائلة:
– مش قبل ما تطلقني يا خطاب.
التفت إليها قائلًا:
– انتي طالق يا ذكرى.
أوقفه زياد قائلًا:
– والبيت والعربية؟
رد خطاب باستسلام قائلًا:
– حقكم.
في تلك اللحظة ظهر سراج من جديد، ولكن يبدو عليه الاستعجال، يريد أن يلحق بخطاب، يبدو أن هناك تصفية حساب بينهما، وقف للمرة الأخيرة قائلًا لها:
– هتسامحيني بقى يا ثريا؟
وجدت أن اللحظة قد حانت فبكت قائلة بهمس مرير:
– أيوه.
وهنا اختفى سراج بلا عودة، فنظر قدري إلى ولاء قائلًا:
– وانتي كمان كفاية بقى امشي.
ولكنها ما زالت واقفة مكانها، لتصرخ ميارا في وجهها قائلة:
– لسه واقفة هنا عايزة إيه تاني؟
ربتت هاجر على كتفي ميارا وأخذتها في أحضانها قائلة:
– اهدي يا ميارا.
ذهب نور نحو ولاء ونظر إليها باستهزاء قائلًا:
– مافاضلش غير إني أجيبلك الحرس يرموكي بره.
وبالفعل اتصل بالحرس، توجهت في تلك الأثناء وئام إلى حليم تسأله بخوف قائلة:
– خفت مني؟
تحدث إليها بصدق:
– بصراحة آه.
ابتسمت إليه بحب قائلة:
– وأنا قلتلك بلاش تخاف .
قبل جبينها قائلًا:
– ربنا ما يحرمني منك.
صعد الحراس ووقفوا أمام نور، ولكنه تمهل قائلًا:
– هااا؟ هتمشي بكرامتك ولا الحراس يشيلوكي ويرموكي؟
نفضت يدها عنهم قائلة:
– ابعدوا أنا ماشية، أنا ماشية يا ثريا، بس لينا ميعاد تاني.
بصقت ثريا على الأرض قائلة:
– روحة بلا رجعة.
وكأنه كان نداء للسماء من ثريا، بالفعل خرجت ولاء لتجد خطاب منتظرها لتأخذه بسيارتها ويرحلا، ولكن هذه المرة رحلا إلى العالم الأخر بنفس الطريقة التي رحل بها سراج، وكأن روح سراج كانت على عجلة من أمرها وذهبت خلفهما، ماتا وخبر وفاتهما لم يصل إلى أولادهما إلا بعد أسبوع، بسبب أنهما تفحما داخل السيارة بعدما انفجرت.
بعد مرور خمس سنوات رزق حليم ووئام بولد وبنت (نور وتقى) ليتحقق طلب نور في تسمية البنت أو الولد باسم نور، ورزقت حنان ونور بولد وبنت (حليم ونورسين) وهنا أراد نور أن يعطي ابنه اسم حليم لحبه لأخيه، ورزق زياد وميارا بولدين (نور ومالك)، ورزق قدري وهاجر بابنتين (نورين وميارا).
ليصبح لدى ثريا ثمانية من الأحفاد بعد أن كان لديها أربعه أبناء، أو بالأحرى كان لديها اثنان من الأبناء فقط، وكل هذا بالصبر الذي يليه الجبر، والحب الذي ملأ قلبها حينما قررت تربية أبناء زوجها بكل حب وانتشلتهما من الضياع.
تمت.
بقلم مروة البطراوي.
رواية حب خلق بداية.