القاضي المتهم بقلم سيلا وليد
بسم الله الرحمن الرحيم السلام
لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير
لا تدعو القراءة تنسيكم ذكر الله
الفصل الاول
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم استرنا فوق الارض وتحت الارض ويوم العرض عليك
ممنوع نقل الراوية لأي صفحة
#نوفيلا_القاضي_المتهم
#بقلم_سيلا_وليد
الفصل الأول
بسم الله الرحمن الرحيم
“عندما يصبح القلب جافيا قاسيا، فقد يصيب بعتمة حالكة، كالصحراء القاحلة لازرع فيها ولا ماء، حتى تنزف الروح بلا دماء، مما تجعل الجسد ميتا وهو على قيد الحياة”
بأحدى الغرف بمنزل أقل ما يقال عليه قصر من القصور القديمة، ورغم مظهره الخارجي الذي يصفه بأنه اثري، إلا أنه يتميز بالداخل بأساسه الفاخر العصري، ومظاهر الترف والرفاهية الطاغية المتمثلة فيه بالأثاث الفاخر، والغرف الكثيرة على أحدث طراز
بإحدى غرفه والتي تعد بأعلى طوابقه، استيقظ ذاك الشاب الذي يتسم بعنفوان شبابه، شابا بأواخر عقده الثالث، يمتلك كل شيئا من مال وحسن المظهر والسمعة الطيبة، ورغم هدوئه،إلا أنه أحيانا يتسم بالعنفوان والقوة، خرج من ملحقه الرياضي الذي يجاور غرفته، وهو يتحدث بهاتفه:
-ايوة ياكريم، بلبس وساعة هكون في الدار
توقف فجأة عن حديثه، ثم استرسل قائلا:
-لا استنى لازم اعدي على جدي في المستشفى الأول
على الجانب الآخر أجابه كريم الذي يجلس يتناول فطاره مع اسرته
-تمام يا بُص، ساعتين اخلص محاضرتي، واسبقك على المعرض، مش هتروح المعرض
-أجابه ..لا النهاردة مش فاضي
نهض متحركا إلى غرفته وأكمل بإبانة
-بدر عرفت مين ولع في الدار..ابتسم بدر بسخرية ثم أجابه
-هيكون مين غيره، استنى بس بعد عملية جدو وافضاله ابن المؤذية
-تمام ياكبير، هلبس وانزل على الجامعة ونتقابل هناك
بعد فترة انتهى بطل قصتنا من مكالمته الهاتفية
دعونا نتوقف بعض اللحظات لنتعرف على بطلنا المغوار
بدر القاضي يبلغ من العمر ستة وثلاثون عاما..يعمل كاتبا حاليا، ومحاميا سابقا،فهو ابن هاني القاضي أحد كبار المحامين المعروفين بمجاله، ولكنه ترك هذه المهنة لعدة أسباب سنعرفها من خلال الأحداث، يمتلك دار للطباعة والنشر، بدأ يؤلف كتبًا عن القانون، ويكتب مقالات سياسية وأدبية،ويمتلك معرض للسيارات ..ولديه اخت واحدة
هبط للأسفل وجد والدته بإنتظاره، تلك السيدة الأرستقراطية ذات الطبقة المخملية، ورغم أن ابنها يتميز بالنضج الفكري ويعتمد بالبساطة في حياته، إلا أنها تخالفه بمعتقداته، وسوء تصرفه..ولج الى غرفة الطعام ملقيا تحية الصباح:
-صباح الخير..هزت رأسها
-صباح النور..جلس على رأس طاولة الطعام ثم تسائل:
-هنا هتخلصي كليتك امتى؟!
رفعت “هنا “بصرها إليه واجابته:
على تلاتة إن شاء الله ياآبيه
هز رأسه وتناول فطوره بهدوء..رمقته والدته متسائلة
-هتعمل الحفلة إمتى!!
ذُهل من حديثها فأردف معاتبا:
-عايزة اعمل حفلة وجدو هيعمل عملية بعد أسبوع، وبعدين حفلة ليه!!
تأففت بضيق ثم اردفت:
-بدر لازم تعمل الحفلة وتعلن رجعوك للميس
امسك فنجان قهوته وبدأ يرتشف منه بتمهل وكأنه لم يستمع إلى حديثها الممل كعادتها، رفعت صوتها بجفاء ساخر:
-دا احترامك لمامتك!!
انكمسشت ملامحه عندما ألقت من شدقها تلك الجملة:
-انا قولت اطمن على جدو الأول، وضع فنجانه ، ثم استرسل:
-لميس مستحيل ارجعها تاني، احنا انتهينا وخلاص وياريت تريحي نفسك، قالها وهو يلقي محرمته ثم نهض ينظر الى أخته:
-السواق هيوصلك ويجيبك ياهنا
خرج متأففا من أفعال والدته، وتحكماتها التي زادت عن حدها، ارتدى نظارته الطبية واستقل سيارته متجها إلى المشفى
بمكان آخر بإحدى المناطق الراقية، وخاصة بتلك الشقة العصرية،استيقظت من نومها، ثم اتجهت إلى مرحاضها وأدت فريضتها، تلك الندية التي تشبه قطرة الندى، تحركت للخارج هاتفة بحبور
-صباح الورد ياست الكل
ربتت والدتها على كفيها
-صباح الورد يادكتورة، انحنت تطبع قبلة على جبينها، ثم استدارت تبحث عن أخيها
-مروان مصحيش؟!تسائلت بها رهف
رهف المحلاوي
اسم على مسمى، فهي مثل نسمة ربيع تدلف على المكان تعطيه الحيوية، ورغم هدوئها ولكنها قوية كجذع شجرة ، عالمها صغير متمثل بوالدتها وصديقتها المقربة نسمة
تعمل بمجالها الطبي طبيبة مخ وأعصاب تبلغ من العمر ثلاثون عاما، فتاة جميلة تمتلك من الجمال مايميزها عن غيرها، تجمع بين الجمال المصري العربي والغربي، حيث تملك من العيون الواسعة التي بلون مياه البحر، وشعرها الفحمي ، ناهيك عن قدها الأنثوي الذي يتميز بالرشاقة
جلست على مائدة الطعام تتلفت حولها متسائلة:
-فين مروان ياماما..؟!
اجابتها والدتها التي تنظر للعاملة بصمت للحظات:
-راح النادي، فريد اتصل بيه
نظرت بساعة يديها وأردفت:
-نادي دلوقتي ياماما، لسة بدري، مش عايز يتعدل في دراسته بقى، المفروض يكون اتخرج من سنتين
تنهدت بعمق في محاولة لاستجماع رباطة جأشها فهتفت:
-هقول ايه بس يارهف، دلع باباكي هو ال عمل فيه كدا
شعرت بحزن والدتها الذي ظهر بنبرتها
-أكيد هيجي وقت ويتعدل ياماما،بلاش تزعلي نفسك
أنهت طعامها، ثم اتجهت إلى غرفتها قائلة:
-انا عندي مستشفى النهاردة إن شاء الله ، هتأخر عشان هروح مع نسمة عيادة إسكندرية، نخلص التشطيب، خلاص باقي اسبوع ونفتتحها
-ربنا يوفقك حبيبتي يارب..دعت بها كوثر..اتجهت إليها تطلق لها قبلة عبر الهواء
-حبيبة قلبي أنتِ ياكوثر
قهقهت كوثر وأردفت:
-بكاشة يارهوفة..اجابتها رهف من الداخل
-والله بحبك ياكوثر، اه حياة النعمة
ابتسمت والدتها بحبور، وأردفت داعية الله
-ربنا يرزقك بابن الحلال ال يقدر قيمتك حبيبتي ، وصل والدها ثم جلس
-ياترى بتدعي على مين ياكوثر هانم..ابتعدت بنظرها عنه ثم أجابته بفتور:
-بدعي لبنتي يا مالك، ولا دي مينفعش كمان..قالتها ثم تحركت إلى الداخل
زفر بضيق من معاملتها وغضبها منذ ماحدث، لفظ الهواء المكبوت بداخله
وصلت العاملة التي تدعى كامليا:
-القهوة ياباشا..اتجه الى زوجته وتحدث:
-انا مش هرجع هنا الأسبوع دا
تنهدت متألمة ثم اتجهت إلى العاملة:
– هاتي قهوتي في التراث، ثم اتجهت بنظرها إلى زوجها:
– براحتك يامالك
خرجت كوثر تنظر إلى النيل ولاحت ابتسامة حزينة على وجهها عندما تذكرت حياتها قديما مع زوجها منذ خمسة وعشرون عاما
Flash
خرجت من عملها وقامت الأتصال ب صديقتها الوحيدة
-شهيرة انا خلصت شغل وهروح عشان مروان مش مبطل عياط وبعد ماتخلصي عدي عليا
على الجانب الآخر أجابتها شهيرة
-تمام ياكوثر، قدامي شوية هراجع عليهم واكلمك
وصلت كوثر إلى منزلها بعد يوم عمل طويل
-مروان عامل ايه يا فايزة
اجابتها العاملة:
أكلته ياهانم وماسكتش غير لما الأستاذ مالك جه وأخده مني
تحركت متجهة للداخل وجدته يغفو بجوار ابنهما، حملت الطفل واتجهت به لغرفته مع أخته، وجدت ابنتها تغفو بسلام، وضعت طفلها وانحنت تطبع قبلة على جبينها، رجعت بعد قليل إلى زوجها
-مالك حبيبي ايه ال رجعك بدري من الشغل …فتح عيناه بإرهاق ثم تحدث
-مكنش فيه شغل كتير، اعتدل على فراشه وهو ينظر بشرود، جلست بجواره، تربت على كتفه
-مالك ياحبيبي حاسة إنك مضايق ومهموم
سحب كفيها وأجلسها بجواره
-كوثر عندي قضية كبيرة، والقضية دي لو كسبتها هتنقلني نقلة كبيرة
ضيقت مابين حاجبيها متسائلة:
-ودا ال مزعلك ومخليك حزين كدا
تراجع بجسده للخلف وهو. يطالعها بصمت حاذر:
-القضية دي لرجل أعمال
اومأت تنظر بعينها تنتظر حديثه
-آه وبعدين، فين المشكلة
نهض واتجه يشعل سيجاره وبدأ ينفثه بتمهل قائلًا:
-قضية رجل أعمال اسمه صفاء الزيني، تحركت إلى أن توقفت أمامه محاولة استيعاب حديثه
-قصدك صفاء الزيني صاحب شركات الاستيراد والتصدير، الراجل دا بتاع اللحوم الفاسدة
استدار يومأ برأسه قائلًا:
-الناس بتقول ياكوثر، بس احنا بنسمع، ومش متأكدين
رفرفرت بأهدابها مصدومة بحديث زوجها
-بجد يامالك انت مصدق كلامك، دي مصانعه كلها اتشمعت بالشمع الأحمر
اتجه إليها وجلس بجوارها
-إنتِ عارفة لو كسبت القضية دي هاخد كام..نهضت منتصبة بوقفتها وربعت ذراعها
-لو ميت مليون يامالك، الراجل دا سمعته وحشة، وشغله مشبوه، غير عدواته مع صديق عمرك هاني القاضي ، انت ناسي بلاويه مع هاني
كاد أن يتحدث، أشارت بسبباتها
-ولادي مش هدخل عليهم قرش حرام سمعتني يامالك، احنا مش هنعيش على موت الناس، الراجل دا لازم يتحاسب، ومتنساش هاني يامالك
كتم غيظه من اتهاماتها محاولا السيطرة على أعصابه فأردف:
-لو زي ما بتقولي كدا كان زمان الحكومة قفلت مصانعه وسجنوه..
زوت مابين حاجبيها قائلة بإستنكار:
-اومال هو فين دلوقتي مش مسجون..سحبت نفسا قويا وتحدثت بهدوء:
-أنا عارفة انا بتكلم من غير دلائل بس اقنعني يامالك ماهو مفيش دخان من غير نار، والراجل دا من زمان وأعماله كلها مشبوهة، لو سمحت يامالك احنا مش محتاجين نكون في موقف شبهة، ولا ندخل على ولادنا فلوس بدم الناس، وبعدين هتوقف قدام صاحب عمرك، ناسي هاني بيحاربه
ظل صامتا وكأنه يفكر بحديثها، فتحدث بعد لحظات من الصمت قائلًا:
-خلاص ياكوثر، هبعد عن القضية حاضر، وهكلم عز
ذات مساءً بإحدى الشقق
كان يتمدد على الأريكة، يغفو فوق ساقيها
-وبعدين يامالك؟!
-يعني هترفض القضية زي ماكوثر عايزة
سحب نفسا قويا، وزفره ببطء معتدلا
-معرفش شهيرة، متردد ممكن كوثر بتقول الحق
استقطبت ملامحها وسألته بجدية
-ايه ال بتقوله !!..لا طبعا انا مش موافقة على كلامك دا، ماكل مرة الراجل يتحبس ويخرج تاني
تنهد بصوت عالي، ثم رفع عيناه يحاورها
-تفتكري يكون اشاعات فعلا..دنت منه تلمس على وجنتيه مرة وعلى خصلاته مرة ثم أردفت:
-دي فرصة عشان اسمك يكبر حبيبي، سيبك من كلام كوثر، انت تايه عنها طول عمرها بتاعة شعارات
حك ذقنه ونظر إليها بشرود
– طيب هاني، هاني لو عرف هيزعل وممكن نقاطع بعض
ربتت على كفيه قائلة:
– فكر في نفسك وبس وازاي تكسب القضية، محدش بينفع حد حاليا
– تفتكري ممكن اكسب القضية دي
نهضت وهي تناوله الفواكه
-طبعا هتكسبها، هو انت شوية ولا إيه
جذبها بقوة يحاوطها ناظرا إليها بمكر
-أكيد هكسبها ياحبي طول ماانتِ بتساعديني..نهض وسحب كفيها
-تعالي عشان أقولك ازاي هنكسب القضية
تعاقبت الأيام والشهور إلى أن جاء اليوم الذي قلبت حياة كوثر رأسًا على عقب
ذات مساءً..كانت تجلس تلاعب أطفالها، رهف الذي تبلغ من العمر عشر سنوات ومروان سنتين استمعت إلى رنين جرس الباب، ولجت إليها العاملة
-فيه واحد برة بيسأل عن الأستاذ ياهانم
قطبت مابين جبينها متسائلة:
-مين دا ؟!
-اسمه هاني القاضي..نهضت وهي تشير إلى إسدالها
-طب هاتي الٱسدال، وروحي شوفي يشرب إيه
خرجت بعد دقائق معدودة
-اهلاً استاذ هاني..نصب عوده
-أهلًا مدام كوثر، بحاول أتصل بيه مبيردش
-فيه حاجة ولا إيه؟!تسائلت بها كوثر
-يعني هو مش موجود، البنت السكرتيرة قالت إنه في البيت، بيحتفل مع مراته عشان القضية
-قضية!!..تسائلت بها كوثر..امسك هاتفه وحاول الأتصال به
-أيوة يافندم..وصليني ضروري بالأستاذ مالك يابنتي محتاجه ضروري
أجابته السكرتيرة التي تجلس مع خطيبها
-حضرتك هو في بيته التاني شقة مدام شهيرة
جحظت أعين كوثر، وتسائلت بلسان ثقيل:
-هي قصدها مين..حمحم هاني عندما وجد شحوب كوثر
-أنا بسأل عن مالك المحلاوي!!
-يااستاذ هاني الأستاذ مالك في بيته التاني ال حضرتك عارفه، هو قالي لو حاجة ضرورية اعرفك
شهقت واضعة كفيها فوق فمها متراجعة للخلف بحدقتين متسعتين، تشعر وكأن أحدهم طعنها بآله حادة بصميم قلبها
-مالك متجوز صحبتي!!أغلق هاني هاتفه، وتوقف بصمت للحظات ، ولكن نظراتها المتوسلة له تريد تكذيب ما استمعت إليه
-أنا مكنتش اعرف ياكوثر، انا كنت جاي اعاتبه
-تعاتبه!!..تعاتبه على ايه ياعز؟!
لحظات من الصمت المقتول ثم رفع نظره قائلا:
-عايز اعرف ليه خان العيش والملح ال بينا، وازاي اتغير واتحول لشخص انا معرفوش
تنهيدات متألمة تخرج من بين شفتيها غير مستوعبة مايدور حولها، فتسائلت بلسان ثقيل:
-ليه هو عمل ايه؟!
-بعت ناس وسرقوا ورق القضية عشان يكسب قضية صفاء الزيني، جوزك خان العيش والملح ياكوثر، وانا مش هسامحه
قالها وتحرك للخارج، نهضت تنادي على العاملة
-خلي بالك من الولاد، نص ساعة وراجعة
-قامت بتغير ثيابها بحالة رثة،فكان جسدها يرتعش، تكذب كل مايؤل إليه عقلها
-صديقتها وزوجها، لا ..لا
استقلت سيارتها متجهة سريعا إلى شقة صديقتها،
عند شهيرة ومالك
كانت تعد حفلة خاصة، بمناسبة كسبه تلك القضية التي شجعته عليها ، وصلت كوثر، وبأنامل مرتعشة ضغطت على جرس المنزل
استمعت إلى صوت الموسيقى بالداخل ..
بالداخل قبل قليل
كانت ترتدي فستانا عاريا لا يستر شيئا، وبدأت تتمايل على نغمات الموسيقى، بحركاتها الأنثوية المغرية
نهض وحاوطها من خصرها وبدأ يتمايل معها إلى أن انتهت الموسيقى
احتضن وجهها قائلًا:
-شكرا شهيرة، أنتِ ليكي النصيب الأكبر في القضية، من بكرة هتلاقي مليون جنيه في حسابك..حاوطت عنقه وتحدثت بدلال:
-حبيبي ياملوكتي، كفاية وجودك جنبي..جذبها بقوة ثم تحدث غامزا
-ايه مش هتباركي لجوزك ياحبيبي
بتر حديثهم صوت رنين الجرس..اتجهت إلى الباب، جذبها بقوة
-اتجننتي هتخرجي كدا..أشارت على الباب قائلة:
-أكيد الدليفري ياحبيبي..حاوطها بقوة قائلًا:
-الدليفري دا مش راجل ولا إيه
حاوطت عنقه ودنت تطبع قبلة على وجنتيه
-بتغير عليا يامالك..ضغط على خصرها بقوة
-اتجننتي شهيرة، إنتِ مراتي
فتح الباب وعلى وجهه ابتسامة، نظر بذهول للواقفة وعيناها تلتمع بالدموع
ارتجف جسده، وابتلع ريقه بصعوبة، عندما شعر بسقوط قلبه بين اضلعه فتحدث بتقطع
-كو..ثر..حاولت التظاهر بالقوة أمامه، رغم شعورها بانهيارها الداخلي، دفعته ودلفت للداخل وهي تستمع الى صوت صديقتها
-أنا غيرت الموسيقى ياحبيبي لازم أرقص وابسطك الليلة، هو احنا كل يوم هنكسب قضية كدا
ورغم ظهورها بالقوة إلا أن الوجع ارتسم على وجهها، بعينين هالكتين وقلب فتت الوجع أضلعه..اقتربت قائلة بنبرة شجية:
-إنتِ أقرب صاحبة ليا، ثم استدارت للذي يقف كأن فوق رأسه الطير
-طب ليه!!
عملت ايه لدا كله، نفسي اعرف قصرت معاك في إيه
حاولت السيطرة على عبراتها التي تساقطت رغما عنها، هزت رأسها بحزن ووجع بآن واحد
-طلقني يامالك!!..مايشرفنيش اكون على ذمة خائن زيك، نجحت في تسديد هدف قاتل ثم تحركت بخطوات متعثرة، تحاول أن تسيطر على ضعف قوتها الواهية أمامهما
تحرك مالك خلفها سريعا
-كوثر!!..وضعت كفيها أمامه
-إياك تقرب، سمعتني ولا أسمعك ..قالتها بأنفعال طال كل ذرة بجسدها، ثم رمقت صديقتها التي توقفت تطالعها بحزن
-كوثر لازم تسمعينا لو سمحتي..خرجت طفلتهما
-ماما عايزة أشرب..ارتجف جسدها بالكامل وهي تشير إلى ابنتهم التي تبدو أكبر من رهف
-بنتكوا، انت متجوزها قبلي، يعني خدعتني، اتجوزتني وانت متجوز، طب ليه، عملت فيك إيه
لم يعد لديها قوة ، فهناك شعور قاسي بداخلها، يقترس روحها دون رحمة، استدارت تطالع البنت التي تشبست بأرجل والدتها
دمعة غادرة انبثقت من عينيها عندما شعرت بأن حياتها كانت كذبة مع ذاك الذي أعطته قلبها وحياتها بالكامل
أمسك كتفيها
-كوثر!!
شعرت بصاعقة بلمسته فتراجعت للخلف
-ابعد، إياك تقرب، ابعتلي ورقة طلاقي وعيش مع مراتك وبنتك، ثم رفعت نظرها لصديقتها
-النهاردة اتأكدت إنك اكبر قلم في حياتي، مبروك عليكي، بس لو عرفتيني عمري ماكنت اقرب منه
جذبها مالك من كفيها:
-كوثر تعالي لازم نتكلم
صفعة قوية على وجهه، ثم صاحت بقلب فتتته الخيانة
-إياك تلمسني ياخاين، دنت منه ونظرت بنيران غضبها
-لو راجل طلقني يامالك!!
قالتها ونزعت ذراعيها منه بغضب وتحركت سريعا للخارج
وصلت بعد قليل إلى منزلها، بجسد مليئ بالثقوب والندوب من رجل عشقته بكل كيانها
اتجهت إلى أطفالها الذين ينعمون بنومهم
رفعت نظرها إلى مربية أطفالها التي تعتبرها كصديقة
-حورية جهزي هدوم الولاد هنمشي من هنا
جلست بجوارها
-مالك ياكوثر، وايه الدموع دي؟!
شهقت ببكاء وانهارت تماما
-طلع بيخوني ياحورية، ومتجوز ومخلف كمان
صدمة بذهول لصديقتها الحنونة..رفعت وجهها واحتضنته
-حبيبتي ممكن يكون فيه لبس في الموضوع، مين قالك كدا
هزت رأسها تمسح دموعها، وابتلعت غصة آلامها التي تبدو بطعم العلقم قائلة:
-لازم نمشي مش طايقة المكان دا ياحورية، لو سمحتي
استمعت إلى إغلاق باب منزلها، علمت برجوعه، أزالت عبراتها واتجهت الى غرفتها سريعا بعدما قالت لمربية اولادها
-جهزي الولاد بسرعة، وأنا هجهز حاجتي
ولج الى غرفتهما، وجدها تجمع اشيائها
توقف أمامها يمسك كتفها
-كوثر اسمعيني
تصلب جسدها وكأن خنجرًا يدق بمنتصف قلبها ، أزاحت حزنها ووقفت بشموخها:
-طلقني دا ال عايزة اسمعه، قالتها واتجهت تجمع أشيائها بالحقيبة
-أنا هسيبك تهدي وبعد كدا نتكلم، قالها وتحرك للخارج
هوت على فراشها وبكت بنشيج
عند مالك اتجه سريعا الى هاني، ولج الى مكتبه بنيران
-مين ال عرف كوثر اني متجوز، توقف هاني يضع كفيه بجيب بنطاله وابتسامة سخرية على وجهه
-كان لازم اعرف ال يخون مراته يخون صديق عمره، انحنى بجسده ينظر بمقلتيه
-أنا ال فوقتها من واحد ندل ذيك، ومبروك القضية الفاسدة ال كسبتها بخيانة صاحبك، ومن اللحظة دي انت من طريق وأنا من طريق وإياك تقرب مني
تعاقبت الشهور وانفصلت كوثر عن مالك بعد الكثير من المناوشات والقضايا، توقف هاني بجوارها حتى انفصلت عن زوجها كاملا
مرت الحياة هادئة بينهم بعض الشئ لبعض السنوات إلى أن فاقت على كارثة أدت إلى انهيارها بعدما أشاعت شهيرة بوجود علاقة بين كوثر وهاني ، الأمر الذي أصاب مالك بالجنون وأخذ مروان منها عنوة بالتهديد والسب بشرفها، ولم يكتفي بذلك، فلقد تربص لهاني بجميع أعماله وأساء لعمله بالمحاماه وتلفيق الكثير من القضايا التي قضت على سمعته مما أصيب بأزمة قلبية أدت إلى موته
خرجت من شرودها بعدما
وصلت العاملة
-القهوة يامدام..استدارت إليها وهي تعقد ذراعيها على صدرها قائلة:
-لمي حاجتك انا استغنيت عنك
نظرت إليها العاملة بذهول، وارتبكت قائلة:
-ليه يامدام عملت ايه؟!
أشارت بكفيها للخروج
-مش عايزة كلام كتير، روحي اشتغلي عند ال بعتينك تتجسسي عليا
جلست كوثر وتناولت فنجان قهوتها مسترسلة حديثها:
-متخلنيش اتصل بالشرطة، امشي من قدامي..خرجت سريعا متجه إلى مالك بالخارج
-المدام طردتني ياباشا…قطب جبينه متسائلا:
-طردتك ليه..فركت كفيها وهزت أكتافها بعدم معرفة
تأفف بغضب ثم أشار لها
-طب روحي انتِ، وانا هتكلم معاها
تقدم إليها بملامح غاضبة، ورغم غضبه ، توقف يطالعها بهدوء:
-ليه طردتي كامليا ..ابتسمت بسخرية قائلة:
-لحقت تجري عليك وتشتكي لك
رفعت فنجانها وارتشفت منه وهي تنظر إلى النيل واجابته:
-خدها البيت التاني ولا المدام هتزعل هي كمان..قالتها وتوقفت تطالعه بغموض
-بيتي أنا حرة فيه، اشغل ال يعجبني محدش له يحاسبني، ومتفكرش انك جوزي يامالك باشا، انت هنا عشان الولاد وعشان ابني ال هددتني بيه، غير كدا مش متحملة أشوف وشك قدامي
“بقلم سيلا وليد ”
قالتها وتحركت متجهة إلى الداخل
بالمشفى عند رهف
دلفت إلى غرفة أحد النزلاء
-جدو عثمان ياترى اخبار صحتك إيه
ابتسم لها بمحبة ثم أشار بكفيه
-ازيك يابنتي عاملة ايه..؟!
طالعت ملفه وتحدثت:
-لا عال العال ياجدو النهاردة ، وهندخل العملية وكلنا ثقة ..ابتسم لها وأجابها
-ربنا يبارك فيكي يابنتي
دلف بهيبته الرجولية الجذابة، رمقها سريعا عندما وجدها تجلس بجواره، كأنه من أقاربها
تجاهلها ثم اتجه الى جده، رفع كف جده المجعد إلى شفتيه يقبله، فهو قوته ومصدر أمانه بعد وفاة والده، ومثله الأعلى الذي ينشده بحياته
رفع رأسه وطبع قبلة عميقة على جبينه:
-صباح الفل ياعثمان باشا
اومأ برأسه دون حديث..ثم رفع بصره إلى رهف
-متتأخريش عليا، امبارح معدتيش عليا، معرفش ليه مبقتيش تيجي زي الاول
رمقت ذاك الواقف يطالعها بغموض ثم أجابته:
-حالتك استلمتها دكتورة دنيا، وكل لما الاقي نفسي فاضية هعدي عليك ..قالتها وتحركت للخارج ولكنها توقفت عندما أقترب منها بعواصف غضبه التي تطيح بكل ما يقابله بعدما تذكرها:
-استني عندك!!
زفرت بملل ثم استدارت
-انا هنا دكتورة مش من شغالين معاليك..لما تحب تكلمني توقف قدامي بكل إحترام ..بعد إذنك ياحضرة قليل الذوق ..قالتها وتحركت من أمامه تأكل خطوايها الأرض..حدجها بذهول من ردها الشرس، حتى تلاحقت أنفاسه التي كانت حارقة من شدة غضبه من تلك الحمقاء
-انت السبب أنها تبعد عني مش كدا
اتجه إلى جده وأردف:
-محبتهاش ياباشا، تحسها باردة وبتدخل في مالا يعنيها
أفلت جده ضحكة مؤلمة يهز رأسه رافضا معاملته فتحدث:
-يابني هتفضل طول عمرك كدا، متكنش قاسي كدا، خليك بطبيعتك يابني، بلاش تخدع ال قدامك بقساوة قلبك، قسوة القلب بتموته ياحبيبي
جلس بمقابلته يضع ساقا فوق الأخرى وتحدث
-الستات كلها مقرفة ياجدي، متحاولش تقنعني، وبعدين البنت دي اعرفها من زمان وزي غيرها
هز رأسه رافضا حديثه:
-مش معنى تجربة فاشلة يبقى الكل زي بعضه يابدر
رفع جانب وجهه بإبتسامة ساخرة
-أيوة فعلا، ازاي اساوي بتجربة فاشلة
نهض ثم سحب نفسا وأخرجه على عدة مرات
-خلي بالك من صحتك وان شاءالله هفكر في كلامك
امتعض وجهه من هروب حفيده كعادته فأردف برجاء:
-بدر أنا مرتاح مع رهف، لو سمحت يابني بلاش الدكتور البارد ال شبهك دا
لوى فمه بإبتسامة عابثة ثم أردف :
-هو ايه الموضوع ياجدو، شكل البنت عجباك ولا إيه
تراجع عثمان بجسده للخلف
-اه عجباني، ولما أخف هتجوزها، امشي انت مش وراك شغل
تحرك مغادرا إلى طبيبه الخاص دلف إليه:
-اهلا أستاذ بدر قالها الطبيب بعملية
جلس أمامه وتساءل:
-جدو أخباره ايه ، حضرتك قولت العملية خلال اسبوعين
-جدك كويس جدا والحمد لله التحاليل بتبين مفيش مشاكل للعملية، والدكتور ال حضرتك طلبته هيكون موجود قبل العميلة بيوم
بقلم سيلا وليد
توقف وأشار بيديه:
-جدي تحت رعايتك شخصيا، حضرتك المسؤل قدامي،
توقف الطبيب وتحدث مقنعا إياه
-استاذ بدر جدك كان مرتاح مع دكتورة رهف، حالته اتدهورت تاني بعد ماحضرتك أصريت أنها متقربش منه
كور قبضته يضغط على نواجزه وتحدث من بين أسنانه:
-بنت مالك المحلاوي مستحيل تقرب من جدي، سمعتني ولا لا..وخلص مع الدكتور، بدل التحاليل كويسة يبقى نعمل العملية
تحرك متجها للخارج وجدها تقف مع أحد الأطباء وضحكاتها تنير وجهها .. ابتسم شبه ابتسامة بسخرية قائلًا:
-قولتلك ياجدي مفيش ست تستاهل، تذكر منذ شهر عندما خرج من عند جده وطلب من أحد امنه التأكد أنها بنت مالك المحلاوي..استمع رنين هاتفه:
-أيوة يابني ..أجابه على الجانب الآخر
-اسمها رهف ..عايشة مع والدتها في العاصمة الجديدة، عندها اخ فاشل في حاسبات ومعلومات، ابوها متجوز من شهيرة العيسوي ابنة رجل الأعمال، لسة راجعين من لندن من خمس شهور، بقالهم عشرين سنة برة البلد
تأفف بضيق وتحدث:
-هي بنت مالك المحلاوي
اجابه
-أيوة ياافندم، دي مراته الأولى بس مراته معجبهاش أفعاله عشان كدا بعدت بولادها، هو اخد منها الولد كام سنة وبعد كدا الولد رجعله
ضيق عيناه ونظر للبعيد بشرود مردفاً:
-يعني إنت رهف بنت مالك المحلاوي، رغم تغير بعض ملامحها، ولكنه شك بها
-أغلق هاتفه وشعر نيران مستعيرة تحرق جسده بالكامل..كور قبضته حتى كاد أن يمزق أوردته
– تلف الايام وترجعيلي يارهف، لكن للأسف المرة دي المعاملة بينا هتتغير، ياترى ليه المستشفى دي بالذات اللي شغالة فيها يارب متكونيش رهف بنت المحلاوي فعلا ، يعني بتحملي دم أبوكي الفاسد.. ذهب بشرود لشيئا ما ثم هتف
-جيت تحت ضرسي يامالك يامحلاوي
تذكر منذ أسبوع عندما دلف الى جده وجدها تجلس معه وضحكاتها بالارتفاع ، هو يعلم أنها طبيبته الخاصة
-جدي عامل ايه؟!
أجابته دون النظر إليه
-لا عثمان بيه حالته عال العال وهيدخل العملية وان شاءالله يطلعنا شاب ، مش كدا ياجدو..استمعت إلى الإغاثة باسمها
-دكتورة رهف المحلاوي ، الرجاء الحضور للأستقبال
خرجت سريعا بعدما تحدثت:
-بعد إذنك ياجدو،فيه طوارئ هعدي عليك بعد مااخلص
راقب تحركها للخارج وهو يردد اسمها
-رهف المحلاوي..قالها وتحرك للخارج، متجها إلى غرفة طبيب جده
-عايز أغير الدكتورة ال اسمها رهف دي
-بس رهف شاطرة وكمان المرضى بيحبوها، غير علاقتها مع جدك كويسة جدا
ضرب على مكتبه وهتف بصوته الغاضب:
-قولت غير الدكتورة دي من غير كلام ..قالها وتحرك للخارج حتى وصل إلى سيارته وجد كريم صديقه يترجل من سيارته
-بدر واقف كدا ليه؟!
وضع كفيه بخصره محاولا السيطرة على أنفاسه
-بنت المحلاوي دكتورة لجدي
قطب جبينه وتسائل:
-مين دي
لكم إطار السيارة بقدمه
-الدكتورة ال اسمها رهف دكتورة جدي
تسارعت أنفاسه وأشار بكفيه
-دي لو ناوية على حاجة رهف المحلاوي، رجعت ياكريم من السفر، واول ماحبت تلعب معايا قربت من جدي
تسارعت أنفاسه وأشار بكفيه
-دي لو ناوية على حاجة مش هرحمها لو حاولت تقرب من جدي، اقسم بالله اولع فيهم كلهم كفاية بابا
اتمنى تنال إعجابكم
فووووت ياحلوين
الفصل الثاني
الفصل الثاني
بالأمس كنت ذكيًا فأردت أن أُغيّر العالم، اليوم أنا حكيم ولذلك سأُغيّر نفسي. اظهر كما أنت، وكن كما تظهر.
جلال الدين الرومي
بفيلا مالك المحلاوي، هبطت درجات السلم بخيلاء
-انتِ يازفتة..هرولت العاملة
-نعم ياشهيرةهانم
جهزي غدا النهاردة كويس عشان عندنا ضيوف، مش عايزة غلطة، ثم أشارت على الدرج:
روحي صحي انجي هانم ، وحضريلها الحمام
اتجهت العاملة دلفت إلى غرفة تتميز بالطابع الأنثوي
-انجي هانم اصحي الساعة خمسة العصر..جذبت انجي الغطاء وصرخت بها
-اطلعي برة يازفتة، مش قايمة
-شهيرة هانم طلبت حضرتك تجهزي عشان عندنا ضيوف
على الغدا..ألقت الغطاء وتأففت بضجر
-طيب جهزي الحمام ..بعد فترة هبطت إلى الأسفل وجدت والدتها تجلس مع إحدى صديقاتها
-هاي مامي ..ابتسمت بفخر
-صباح الياسمين يانوجة
اتجهت صديقاتها التي تدعى سهام
-كبرت انجي ياشهيرة..ارتشفت شهيرة عصيرها وهي تنظر لابنتها،
– ايه رأيك فيها يا سهام
-طبعا هو فيه في حلاوة انجي
لفت انجي خصلاتها حول اصبعها وطالعت سهام قائلة بتكبر:
-أوف كورس ياانطي، مفيش حد في جمال انجي المحلاوي ..قالتها بفخر
رسمت ابتسامة على وجهها ثم أردفت :
-حقيقي ال سمعته دا، أن بدر القاضي معزوم في حفلة النادي
ثم أكملت سهام بخبث:
-طبعا العلاقة تقوى بقربه من إنجي..قوست شهيرة فمها وأجابتها :
-بس علاقته تتصلح الأول مع ابو انجي ..وضعت الكاس على المنضدة وهي تلوح بكفيها:
-هو بدر يقدر يقاوم جمال انجي ، حاولي بس تقربيهم من بعض…كانت انجي تراقب حديثهما وعقلها يعمل على خطهها بكيفية جذبه إليها، قطع شرودها حديث والدتها
-بس بدر مش بتاع ستات، خصوصا بعد طلاقه من مراته، ومتنسيش أنه كان برة البلد ومرجعش غير قريب، يعني ممكن يكون له علاقات هناك
ربتت كفيها على ساقيها وأجابتها :
– لا بدر مالوش علاقات، متنسيش أنه صديق وشريك ابن ابتسام، كريم وكل أخباره عندي
– هو رجع لما جده طلب منه، من بعد وفاة والده وهو ساب المحاماة وفتح معرض مع كريم وكمان دار نجحت جدا
نظرت إلى انجي واستأنفت -بدر كان بيجي كل فترة يتابع اعماله هنا، لسة مكتب هاني مفتوح وهو بيتابع، وكمان جده، يعني لو اتجوز كنت عرفت،هومش هيفضل طول عمره منفصل ياشهيرة وبنتك حلوة، حاولي تظبطي الموضوع الراجل مش عارف عدد فلوسه
غير إنه لازم يكون له وريث ولا إيه
رسمت ابتسامة على وجهها
-متعرفيش أن مالك مستحيل يوافق على حاجة زي كدا
وضعت صديقتها الكوب وأردفت بإقناع :
-بدر بقى غني جدا، خصوصا بعد رجوع جده من أمريكا، بيقولوا جده دا غني جدا، وكمان شهرة بدر ككاتب، لو مالك عرف الثروة ال تحت ايده عمره مايفكر غير ازاي يلفته له، وينسى الماضي، لازم تقنعيه بكدا
استمعت شهيرة إليها بإهتمام، وهزت رأسها بتفكير
-بعدين اشوف الموضوع دا
بمكتب بدر دلف إليه أحد أصدقائه يدعى كريم وهو صديقه المقرب
-صباح الخير يابدر..تراجع بجسده وأشار بكفيه
-صباح الخير ياكريم، ايه الأخبار!!
-الحمد لله ياسيدي الدار الجديدة مولعة الدنيا وعليها إقبال كبير جدا
ابتسم بفخر على صديق عمره اتجه كريم يحادث السكرتيرة
-عايز واحد قهوة على الريحة يانانسي لو سمحتي
-حاضر يااستاذ كريم
-مش ناوي ترجع المكتب تاني ولا إيه
نظر إلى قلمه ثم رفع نظره الى صديقه متنهدا
-مبقتش حابب الشغل دا، وبعدين المحامين شغالين حلو أوي
اتجه كريم وجذب المقعد بجواره:
-متنساش المكتب دا كان بتاع والدك قبلك، وسمعته كانت مسمعة الدنيا كلها، سحب نفسا ثم زفره على دفع وتحدث:
-عارف انك زعلان على ال حصل، صمت للحظات يحاول تجاوز ذكرياته المأسوية، ثم أردف :
-مالوش داعي نقلب في القديم ياكريم..أنا مرتاح في مجال عملي دا، والحمد لله خمس سنين بقيت من أشهر الكتاب في البلد، وحققت نجاح في كُتاب كتير بقالهم سنين مش حققوه
دلفت السكرتيرة بالقهوة ثم تحدثت:
-استاذة لميس عايزة تقابل حضرتك ياافندم
جز على شفتيه بغضب، ناظرا إلى كريم
-دي ايه ال جابها وعايزة ايه..ابتسم كريم ناظرا لسكرتيرة
-خليها تدخل يانانسي، ومدخليش حد تاني، وجهزي الأجتماع بعد ساعة
تمام يافندم..دلفت لميس بعد لحظات من خروج السكرتيرة
-اذيك يابدر، ممكن أعرف مبتردش على تليفوناتي ليه، رجعت من اسبوعين وماتصلتش وخالتو قالت انك هتيجي
نهض كريم وأشار إليها على المقعد
-اتفضلي مدام لميس، ثم اتجه الى بدر الذي قام بإشعال سيجاره
-بدر الصراحة كان مشغول وعنده إجتماع بعد نص ساعة
جلست تضع ساقا فوق الأخرى
-لا ياكريم صاحبك مش عايز يكلمني ..نفث سيجاره ثم أردف:
-لما إنتِ عارفة كدا جيتي ليه يابنت خالتي، قالها وهو يرمقها ساخرا
نهضت وانحنت تضرب بكفيها على المكتب
-جاية عايزة آخرة ال بتعمله ايه يابدر، هتفضل كدا، قولتلك عايزين نرجع لبعض تاني، وقولت لك مش عارفة اعيش من غيرك، خمس سنين وانت بتعاقبني
تحرك كريم خارجا وهو يطالعه بهدوء ويشير بيديه أن يهدأ
نهض وتحرك إلى النافذة، وبدأ ينظر إلى الخارج بهدوء رغم نيرانه من تلك الرقطاء فتحدث وهو مواليها ظهره
-مبقاش بينا حاجة يالميس،غير أنك بنت خالتي،أما كلام خالتك ماليش دعوة بيه، مش بدر القاضي ال يرجع لحاجة رماها بعد مازهق منها
تحركت واتجهت إليه
-بدر ليه بتعمل كدا ؟!
انا اعتذرتلك كتير، ليه مُصر انك تعاقبني طول العمر على غلطة غصب عني
استدار وضيق عيناه، ثم تحدث ساخرا
-نعم..غلطة غصب عنك، لما تستغفليني وتروحي تسقطي ابني من غير مااعرف بوجوده دي غلطة غصب عنك
اتجه ودنى إليها بخطى سلحفية ودار حولها ثم نظر بعلامة تفكير
-تصدقي ممكن برضو يكون غصب عنك، هنعتبر مااخدتيش علاج يسقط الجنين، وهعتبر انك مرحتيش عملتي العملية، بس سرقتك لملفات القضية وضياع حق ابويا دا برضو غلطة
دنت وامسكت كفيه وبكت
-والله غصب عني يابدر، هم هددوني ..بتر حديثها عندما رفع سبابته واظلمت عيناه قائلا:
-اخرصي، مش عايز أسمع نفسك، وإلا هنسى انك ست، أشار على باب المكتب وأردف:
-برة مش فاضي، وعرفي مامتك أن بدر صفحة وانقطعت وال بيتقطع مينفعش يرجع تاني، دنى يهمس بجوار أذنيها
-أنا هتجوز، بس مش هتجوزك إنتِ يابنت خالتي، هتجوز واحدة تشيل اسم القاضي
اشتعلت نظراتها بشكل مخيف، واتجهت تنظر إليه بغضب هاتفة بنبرة حادة:
-طب اعملها كدا يابدر وشوف هعمل فيك ايه
تحركت متجهة للخارج ولكنه أوقفها حينما قال
-لو طلعتي قدامي مرة تانية هنسى القرابة ال بينا
اتجهت إليه مرة أخرى، دنت منه حتى لم يفصل بينهما انش واحد وتحدثت:
-خليك وحيد طول عمرك كدا يابدر، وحياة حبي ليك لأدوس عليك، ومش بس كدا، هتجوز وهعرفك انك انسان مريض بحب الغرور
دنت أكثر حتى تلامست شفتيها أذنه وأردفت:
-خلي الناس تقول أن بدر القاضي مراته الأولى فضلت عليه سواقه، والتانية رفضت يربطها به اطفال، اصلك متستهلش، ومش هتلاقي اللي تحبك زي ماحبيتك
تراجعت خطوة للخلف تنظر إليه بإنتصار عندما وجدت تغير ملامحه التي شحبت وتحولت عيناه للون الأحمر
أشار على الباب عندما فقد إتزانه قائلاً:
-برة ياحيوانة، مش عايز اشوف وشك
لحظات عصيبة مرت عليه، محاولا السيطرة على أعصابه حتى لا يدمر كل ما يقابله
ظل فترة جالسا يحرق تبغه كنيران صدره التي ألهبتها تلك الشمطاء..كور قبضته حتى برزت عروقه، ثم أغمض عيناه وماضيه يطارده بعنف ..
فلاش باك
منذ عشر سنوات
دلف إلى مكتب والده
-صباح الخير ياحضرة الدكتور هاني القاضي
رفع والده رأسه مبتسما
-صباح الخير ياحضرة المحامي المبتدئ..رفع جانب وجهه بإبتسامة متهكمة
-لا ياوالدي العزيز، ابنك مش مبتدئ ولا حاجة، ابنك مشهور بس حضرتك خايف على سمعتك
قهقه عليه والده، ثم توقف واتجه يجلس بمقابلته
-طيب قولي ياحضرة المحامي المشهور عملت ايه في قضية المنشاوي
تراجع بجسده للخلف:
-لا ياباشا سامحني في دي الشغل اسرار، ليك تاخد البراءة مش كدا ولا إيه
ربت والده على كتفه
-ربنا يوفقك ياحبيبي ودايما اشوفك ناجح واسمك مشهور في كل مكان
صمت للحظات ثم سأله
-مش ناوي تعمل الفرح ولا إيه، بقالكم فترة مخطوبين ياابني
حمحم بخفوت ثم أجاب والده بصوته الرزين
-دعاء آخر سنة يابابا، مستني تخلص امتحاناتها، وكمان متنساش عمو هشام مسافر، وهي مع والدتها دلوقتي
اومأ والده بتفهم ثم تحدث:
-طيب كلم هشام وخليه ينزل على نهاية امتحاناتها وبعد كدا نعملكم الفرح
نهض بدر قائلًا:
-اكيد يابابا إن شاء، دلوقتي عندي كام حاجة كدا هوثقها وبعد كدا هروح لماما، ارجعها البيت وبطلوا شغل العيال دا حضرة المستشار انتوا كبرتوا
هز رأسه رافضا أفعال والدته
-والدتك هي ال بتخلق مشاكل من تحت الأرض وكل شوية تقول رؤف جوز اختي عمل ورؤف جاب، وبقى مشهور مع ان مستوانا ممتاز لكن معرفش والدتك عايزة توصل لأيه
-معلش يابابا حاول تتحملها شوية، مش حلو في حقكم كل شوية تروح تقعد عند خالتو كدا، وياسيدي غيرلها العربية، ماهو الباشا عنده رصيد حلو برضو
نهض هاني ووقف أمامه
-مش موضوع تغيير عربية ياحبيبي، موضوع ال بتعمله حرام، عربيتها مكملتش خمس شهور، ليه تبص لأختها في كل حاجة
ربت على كتفه
-روح انت شوف شغلك ومتشغلش بالك من مشاكلنا انت..تحرك وهو يحادثه
-لا بعد إذنك لازم ارجعها النهاردة، متنساش دعاء ومامتها هيتغدوا معانا النهاردة
أومأ له بتفهم ثم جلس وهو يزفر بغضب
وصل بدر بعد قليل إلى منزل خالته
صباح الخير ياخالتو
-صباح الخير يابدر..اتجه يبحث بعينيه على والدته
-ماما فين مش باينة؟!
تهكمت وأشارت للداخل
-ليه هاني باشا مش عايز يتكرم ويجي ياخدها.. تأفف بضيق من حديثها ثم استدار إليها
-ليه هو بابا غلط فيها!!سحب نفسا ثم زفره مقتربا منها
-عقلي اختك يانجوى هانم لو واحد تاني غير بابا صدقيني كان طلقها من زمان اوي، واظن حضرتك فاهمة معنى كلامي..قاطعهم دلوف لميس
-بدر وحشتني، انت هنا من إمتى ..وضع يديه بجيب بنطاله واتجه لوالدتها مردفًا بسخرية:
-من ساعة ؛بس نجوى هانم كانت بتحكي عن إنجازاتها ..قالها وتحرك للداخل
وصل إلى والدته التي كانت تجلس تشاهد إحدى المجلات التي تحتوي على أشهر الماركات
انحنى يطبع قبلة على رأسها
-صباح الخير ياماما
-صباح الخير يابدر..رفعت بصرها تطالعه بحزن
-اوعى تقول إنك جاي ترجعني البيت، باباك رفض مش كدا
جلس بمقابلتها يضع ساقا فوق الاخرى، وبدأ يدخن سيجاره
-ماما حبيبتي انا مش فاضي لشغل العيال بتاعكم دا، نهال هانم اكيد كبرت على شغل العيال، انحنى ينظر إليها بمقلتيها
-ممكن تعرفي ابن حضرتك هنا ليه؟!
تراجع يتكأ بظهر مقعده وهو يطالعها بحزن
-بابا بيحاول يسعدك بأي طريقة ياماما، بلاش تحكماتك دي، وطلباتك ال مبتخلصش
اتجهت نجوى تجلس بجوار نهال
-ليه مامتك طلبت ايه يابدر، ايه يعني لما حاجة تعجبها ويجبها، هي الست تعرف جوزها بيحبها الا من الهدايا
حك ذقنه وطالع خالته بنظرات غامضة، ثم أجابها
-غلط ياخالتو، مش الهدايا ال بتعبر عن الحب..ضيق عيناه متسائلًا:
-إنما جوز خالته فين؟! تلفت حوله وتصنع البحث عنه، ثم مط شفتيه
-لا شكله مسافر كالعادة..وصلت لميس بعد إنهاء مكالمتها، ثم جلست بجواره
-ماأنت عارف بابي شغله كتير، انت ناسي إنه سفير
اومأ برأسه وهو يقف
-ماما اجهزي يلا، نظر بساعة يديه، ثم أردف :
-عندي معاد مهم..
استدارت بوجهها وتصنعت الغضب قائلة:
-أنا مش راجعة، وخلي باباك مبسوط ..قوست لميس فمها وأردفت:
-خالتو حبيبتي التنازلات بتعمل إهمالات، بدر مش عارف زعل الست بيأثر على حالتها النفسية إزاي
تنهد تنهيدة طويلة خرجت من بين شفتيه مع شبح إبتسامة هازئة
-بقولك يالميس أنا هنا المحامي مش إنتِ ابدا، محدش قالك تقولي مبررات، ثم اتجه إلى والدته، ومازال غضبه على أفعالها
-هتيجي معايا ولا لأ..نهضت واتجهت بأنظارها إلى اختها
-خلاص يانجوى هروح معاه، ماهو مش هفضل قاعدة عندك طول الوقت
أمسكت لميس كفيه
-بدر كنت عايزاك في موضوع مهم
نزع كفيه بهدوء
-بعدين يالميس، مش فاضي
مرت الأيام إلى أن أتى موعد حفل زفافه
-يعني ايه ياعمو دعاء مش موجودة..جلس هشام والد دعاء بحزن
-آسف يابدر أنا ضغطت عليها عشان توافق عليك، كنت مفكرها مع الأيام هتنسى وتقدر تتعايش معاك
هزة عنيفة أحرقت جسده، فلم يشعر بنفسه وهو يضغط على الكوب الذي بيديه ليتهشم، وينغرز زجاجه بكفيه
ربت والده على كتفه قائلًا:
-غلط ياهشام، ازاي قدرت تعمل كدا، هنطلع نقول للناس ايه، العروسة هربت
اتسعت عيناه وهو يتخيل حديث البعض عنه، مما جعله يشعر بتوقف الدم بعروقه، وهو يهز رأسه
-لازم تيجي ونتمم الفرح قدام الكل، وبعد كدا نطلق، انا مستحيل ارضى بواحدة زيها تكمل معايا، بس لازم الفرح يتم..قالها بفظاظة ونيران تخرج من عينيه الى هشام
توقف هشام يستند على الجدار
-دعاء هربت مع السواق بتاعي، أصلها كانت بتحبه
دارت الأرض تحت قدميه، وشعر ببرودة تجتاح جسده، أطبق على جفنيه بقوة متألما
-أيعقل إنها فضلت عليه ابن السائق، وهو الذي أحبها وأخلص بحبه، لماذا فعلت به ذلك
رفع نظره لوالده وهو يقاتل بضراوة ألم يفتك بأنحاء صدره من حديثه، فهمس بتقطع
-يعني وافقت تتكتب على اسمي وهي بتحب واحد تاني
اقترب من هشام وتحول وجهه لفوهة بركانية يريد أن ينفجر ويدمر كل شي
-بنتك كانت على اسمي وبتخوني، ازاي قدرت تعمل كدا، انت عارف هي عملت ايه، دي خانت جوزها، والخيانة عندي الموت
شعر هشام بالاختناق، فقام بفك رابطة عنقه فيما شعرببرودة جسده
صاح هاني باسمه عندما وجد شحوب وجهه وتحوله للون الأزرق، دقائق ونقل بالاسعاف إلى المشفى
بعد فترة بغرفته بأحد الفنادق
-هنزل ألغي الحفلة وأعتذر من الناس..نهض بجسد ينازع الحياة فلقد جُرحت روحه ونزفت ولم يعد الرجوع للخلف خطوة فأشار لوالده قائلا:
-الفرح هيتعمل يابابا، انا ممكن معرفتش اختار..
-إنت بتقول إيه يابدر
-أنا كلمت لميس بنت خالتو، وبعتلها فستان وشوية هننزل ونكمل الفرح ولا كأن فيه حاجة حصلت من الأساس، رفع نظره إلى والده
-ال يبعني يابابا احرقه، قالها واتجه لمرحاضه
خرج من شروده على صوت مديرة مكتبه
-الأجتماع بدأ يااستاذ بدر
اومأ برأسه، وارتدى نظارته الطبية متجها لغرفة الأجتماعات
بعد ساعة بالمشفى وخاصة بمكتب رهف
غفت على مقعدها بسبب إرهاقها، دلفت إليها إحدى الممرضات
-دكتورة رهف، عثمان باشا جاله حالة تشنجات ودكتور أسامة في العمليات ..تحركت سريعا متجهة إلى غرفته، وجدت حالته خطيرة يتنفس بصعوبة، وتوقف بنبضات القلب، اتجهت لجهاز الصدمات، بعدما حاولت إنعاش قلبه عدة مرات ولكنه لم يستجب، قامت بحقنه ببعض الأبر لحالته، ولكن لم يستجيب
فركت الممرضة كفيها بإرتياب، حاولت معه ولكن كأنه فارق الحياة منذ لحظات، دقائق ودلف ذاك الثور الهائج
-عملتي ايه في جدي؟!
جحظت عيناها تنظر اليه بغضب، بدخول الطبيب المسؤل عن حالته، قام بالكشف عليه، ثم رفع نظره الى بدر متأسفا:
-البقاء لله يابدر..شعر وكأن الأرض تدور به فتراجع خطوة يغرز عيناه بعين الطبيب
-يعني ايه البقاء لله دي، مش العملية نجحت، ازاي مات فجأة، هنا قاطعتهم الممرضة
-هو قالي عايز دكتورة رهف، وبعدين هي جت فضلت شوية وخرجت وبعد شوية سمعت صوت الانذار
اتجهت رهف إليها بعينين مذهولتين
-إنتِ بتقولي ايه يابنتي، مش انت ال قولتي دكتور أسامة في العمليات وتعالي شوفيه، ولما جيت لقيته قاطع النفس
لونت الصدمة تقاسيم وجهه اتجه للطبيب وقال بلهجة صارمة
-عايز أعرف جدي مات ازاي يادكتور بدل مااقفلك المستشفى دي
جذبها متحركا للخارج وهي تتعثر بخطواتها، سحبها يضغط على رسغها بقوة آلامتها…حاولت جذب ذراعها من يديه بقوة ولكنه كان الأقوى
دفعها بقوة بسيارته، وقام الأتصال بصديقه:
تعالى على المستشفى فورا، صاحت بغضب
-انت واحد مجنون، انا معملتش حاجة، ولا قربت من جدك
لم يعريها اهتمام..فصدره كبركان متصاعد الحمم، كلما تذكر أن تلك الفتاه ماهي الا ابنة عدوه،
تحرك بسرعة جنونية وهي تنكمش بجلوسها ورغم خوفها الا أنها تحاول السيطرة على نفسها حتى لا يرى ضعفها، وصل إلى أحد الأماكن الخاصة به بعروس البحر المتوسط، وصل لذاك الشالية، جذبها بقوة متجها الى الشالية، ودفعها بقوة داخله
-هتفضلي هنا لحد ماارجعلك، وحياة رحمة جدي لأخلص كله منك ومن ابوكي المجرم، طلعتوا عيلة كلها مجرمة، انحنى ينظر لموج بحرها
-كنت بحاول أقنع نفسي انك غيره، لكن للأسف دم فاسد
تحركت إلى أن وصلت أمامه، وصاحت بغضب
-أنا مقتلتش جدك، افهم بقى، انت انسان حقير مغرور
صفعة على وجنتيها حتى شعرت بتخدرها، ثم جذبها من خصلاتها بعدما ألقى حجابها على الأرضية، جذبها يهمس لها بهسيس
-اقسم بالله لاخليكي تتمني الموت ، قالها ثم دفعها بقوة حتى سقطت متأوهة على الارضية، ثم خرج كالمارد بعدما أغلق عليها ذاك المكان
جلست تبكي بحرقة
-“لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين”
“اللهم أخرجني من ضعفي إلى قوتك”
يااارب قالتها بقلب ينزف داخليا..وصل بعد قليل كالمجنون إلى المشفى، وجد عدد كبير من الصحفيين
تحرك الكثير يحاصرونه
-حقيقي الأخبار ال وصلتنا جد حضرتك توفي استاذ بدر، لم يلتفت لأحد منهم، وتحرك سريعا متجها للداخل
وجد كريم صديقه مع طبيبه
-وصلت لأيه..نزل الطبيب رأسه للأسفل بأسف
-جدك واخد حقنه هوى ومسحوب منه الأكسجين للأسف
صدمة أصابته حتى حول جسده لنيران مستعيرة تريد إلتهام كل شيئا كما تلتهم النار سنابل القمح ..كور قبضته بعنف وهو يزأر كالأسد
-اقسم بالله لأندمه أشد الندم، اتجه بنظره الى الطبيب
-مش عايز أي مخلوق يعرف أن جدي مقتول سمعتني، قالها وتحرك للخارج
بمنزل رهف
ظلت كوثر تتحرك بالردهة ذهابا وايابا، ياترى روحتي فين يارهف لحد دلوقتي وليه تليفونك مقفول ..دلف مروان يحدق بها
-خير ياماما واقفة كدا ليه؟!
-ايه ال اخرك كدا يااستاذ مروان، هو فيه حد يرجع من الجامعة متأخر كدا يابني
تحرك متأففا وهو يلوح بكفيه
-مش بتزهقي ياماما
جلست لبعض الوقت، خرج مروان وهو يحتسي قهوته
-ماما مالك انا رجعت ليه قالبة كدا
-اختك لسة مرجعتش يامحترم، والساعة داخلة على اتناشر
هز رأسه مستاءا وأردف:
-هي مش صغيرة ودي دكتورة ممكن يكون عندها عملية أو كشف و فونها فصل شحن مش حاجة يعني
نهضت وهي تهز رأسها رافضة حديثه:
-لا مهما يحصل بتتصل وتعرفني عشان مقلقش..لا الموضوع ميطمنش، هي سافرت اسكندرية الصبح علشان ينهوا العيادة مع نسمة، نسمة قالت هي راحت شغلها وقالت هتعدي عليها ومارحتش، معرفش ليه اصرت على اسكندرية، ياترى أنتِ فين يابنتي
عند رهف
جلست على المقعد تضم جسدها بيديها بسبب برودة الجو، تحركت تبحث عن هاتف، ولكن لم يوجد حرارة، اتجهت تبحث في الشاليه عن شيئا يساعدها على التدفئة ..استمعت إلى صوت الرعد ورأت ضوء البرق بالخارج..وضعت كفيها على أذنيها بسبب ارتفاع صوته
وصلت إلى المطبخ وبحثت بعينيها عن شيئا تفتح به باب الشاليه، أمسكت تلك السكين وحاولت ولكن محاولاتها باتت بالفشل
ضربت أقدامها تسبه وتصرخ
-بدرررر، وحياة ربنا لاعرفك ازاي تعمل فيا كدا
مسحت على وجهها :
-ياترى ماما عاملة ايه دلوقتي، امي ممكن تموت فيها
وقفت مكبلة الأيدي ومغلولة التصرف
جلست على المقعد بعدما انتابها الفشل وانسابت دموعها
عند بدر
ظل يصيح بغضب بالأطباء
-ازاي مستشفى كبيرة زي دي جدي يتقتل فيها
اتجه إلى جده المسجي على الفراش، خانته ساقيه فهوى بجواره وانسابت دموعه رغما عنه، بدأ جسده يرتعش وكأن الهواء ينسحب من رئتيه، الألم الذي يشعر به الآن يجفف الدماء من العروق
احتضن كفيه وتحدث بحزنًا:
-كنت قوتي ياجدي، ليه تسبني دلوقتي، ياما حذرتك من عيلة المحلاوي، فضلت تمثل عليك البراءة لحد مااتمكنت واتعلقت بيها، بس وحياة غلاوتك عندي لاندمها هي وابوها، جه الوقت ال الكل لازم ياخد حقه
الفصل الثالث
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
الفصل الثالث
يقول جلال الدين الرومي
لا تنزعج إذا انقلبت حياتك رأسًا على عقب، فكيف تعرف أن الجانب الذي اعتدت عليه أفضل من ذلك الجانب الذي سوف يأتي
كان يقف بقامته القوية ورغم قوته الا أن ملامحه لم تخلو من الحزن على فقدان جده، فالفقد أصعب شعور يمر على الأنسان
وقف كريم بجواره يتلقى عزاء عثمان القاضي، اتجه ببصره يطالع نظراته الغامضة من تحت نظارته السوداء يفحص بها الجميع
-مالك يابدر؟!
أخرج نفسًا طويلًا يعبأ به رئتيه عندما شعر بغصة مؤلمة
-مفيش، عايزني اعمل ايه وجدي ميت مقتول
انكمشت ملامح كريم وهو ينظر بين الوجوه وتسائل:
-بدر إنت ناوي تقتل الدكتورة ولا إيه
رفع نظره متهكما وأجابه بإستخفاف:
-ليه حد قالك انا قتيل قتلة ولا إيه!!
زم كريم شفتيه معترضا ثم تحدث:
-ليه قولت إن جدك مات موتة طبيعية يابدر، وناوي على إيه
حك ذقنه ثم نهض عندما وجد مالك المحلاوي يدلف بجوار أحد رجال الأعمال الفاسدة، الذين كان لهم الحق الأكبر من الفرحة بموت والده قديما
تحرك المحلاوي بجوار صديقه الذي يدعى عزت البنا
-البقاء لله يااستاذ بدر..قالها مالك المحلاوي والد رهف
أومأ بدر رأسه دون حديث..تحرك الاثنان وجلسا بمقابلته لبعض الوقت..ظل العزاء قائما لعدة ساعات
بمنزل مالك المحلاوي
هاتفت كوثر والد رهف زوجها
-مالك رهف من إمبارح مارجعتش للبيت..هب فزعا من نومه وتسائل:
-يعني إيه ياكوثر، كلمتيها يمكن عندها شغل في المستشفى
انزلقت عبراتها
هي راحت اسكندرية علشان المجمع الطبي اللي شاركت فيه
-كلمتها فونها مغلق، ورحت المستشفى هنا ، قالوا محضرتش امبارح، انا قلقانة هموت عليها من الرعب
نهض من فوق الفراش وهو يصرخ بها
-جاية بعد ايه تشتكي، ياما قولتلك بلاش شغل بنتك دا، وشوفي نتيجة شغلها وتأخيرها
ردت عليه بحدة وقهر:
-بنتي دكتورة بتعمل واجبها، مش معنى انا بقولك يبقى البنت عملت حاجة خارجة، انا بعرفك بصفتك ابوها يامالك بيه
قالتها ثم أغلقت الهاتف بغضب..أنهت الاتصال وجلست بحزنًا شديد:
قلبي وجعني عليكي يابنتي، ياترى إيه اللي حصل معاكي..غطت وجهها بكفيها وانفجرت ببكاء حار
-حبيبتي يابنتي..هزت رأسها وتحدثت
-لأ ..مش هفضل قاعدة كدا
حاولت استجماع شجاعتها واتجهت إلى قسم الشرطة
وصلت بعد قليل توقفت أمام المسؤل عن مكتب الضابط
-عايزة أقابل الظابط عشان اعمل محضر
هز رأسه وتحدث
-هبلغ حضرة الظابط، دلفت للداخل وجدت ابن صديقتها
-أيوب ..انت هنا!! اتنقلت القاهرة ولا إيه
ابتسم أيوب وتوقف
-طنط كوثر، وحشتيني ..ربتت على ظهره عندما اتجه إليها ليحيها بالسلام ..أشار إليها اتفضلي استريحي
جلست أمامه وهي تنظر حولها بضياع، دقق النظر بها، ثم تحدث متسائلا:
-خير ياطنط كوثر، فيه مشكلة
ارتعشت عينها ثم أطبقت على جفنيها تمنع عبراتها فأردفت:
-رهف..نهض من مكانه واتجه يجلس بمقابلتها
-مالها رهف!!
تنهدت بوجع وترقرقت عيناها بالدموع
– رهف مرجعتش من امبارح، المفروض راحت اسكندرية ومعرفش عنها حاجة
هز رأسه منتظر باقي حديثها، رفعت بصرها إليه
– معرفش عنها حاجة
قطب جبينه متسائلا:
-يعني ٱيه مرجعتش من إمبارح ياطنط ..انسابت عبراتها تزيلها بكف مرتعش، وتحدثت:
-خرجت وقالت عندها شغل لتسعة وبعد كدا هتعدي على عبادتها الخاصة، سألت قالوا مجتش المستشفى ولا راحت العيادة حتى صاحبتها مشفتهاش
قام بطلب عصيرليمون إليها
-اتفضلي اشربي واحكيلي كل حاجة وان شاءالله هنلاقيها
عند بدر بالأسكندرية
بعد انتهاء العزاء اتجه إلى منزله..وقف لثواني بالخارج ينظر لتلك الفيلا التي تشبه القصور العصرية، فهي كفاح جده ووالده، رغم بعدها عن الأماكن الراقية الحديثة، إلا أنه لم يتركها، ولم يفكر في العيش بمكان آخر
دلف للداخل وجد والدته بجوار خالته وابنتها التي تعد طليقته..زفر بغضب ورغبة جامحة لديه الأختلاء بنفسه، لا يريد محادثة احدًا
اتجهت والدته إليه، توقفت أمامه قائلة:
-بدر اخيرا جيت، كان ايه لزوم العزا دا كله
تنهد بعمق في محاولة لأستجماع رباطة جأشه، فهو في حالة لا تجدي للنقاش، أخرجته لميس طليقته
-معرفش ليه الحزن دا كله، هو كبير يعني كفاية عليه السنين دي كلها
هنا اشتعل نيران غضبه، وصل إليها بخطوة واحدة وكاد أن يخرج نيرانه المشتعلة بها، إلا أن والدته توقفت أمامه
-بدر هي متقصدش، هي زعلانة على حزنك بس، مش كدا يالميس..اتجهت لوقوفه ورفعت كفيها على صدره
-أنا خايفة عليك من الحزن حبيبي، متنساش الزعل وحش
أما جدو عثمان والله زعلت عليه..بتر حديثها وهو يرمقها شزرا، وبأنفاسًا تهدر بعنف:
-اياكي تقربي مني، ثم دفعها بقوة على والدته وصعد إلى غرفته..كان غاضبا حد الألم وكعادته صارم متجهم الملامح ثابت الخطى، يتجاهل ألمه ببراعة، تحرك إلى غرفته دون إضافة شيئا آخر
احتدت نظراتها وهي تتابع تحركه ..جزت على أسنانها وهتفت بغضب:
-ماشي يابدر، انا هعرفك مين هي لميس المغربي
دلف إلى غرفته، ألقى جاكتيه بإهمال واتجه إلى المرحاض، خرج بعد قليل وهو يلتف بمنشفة على خصره ..استمع إلى رنين هاتفه، رفعه وهو يمرر كفيه بخصلاته
-أيوة ياكريم !!
-بدر عملت إيه مع الدكتورة..ألقى بجسده على الفراش وقام بإشعال تبغه
-ولا حاجة،لسة مرحتش عندها من وقت مااخدتها
حاول كريم السيطرة على إنفعاله حتى لا يغضبه، فسحب نفسا وتحدث:
-والدتها راحت المستشفى بتسأل عليها، لسة الدكتور أسامة معرفني، وفيه حاجة كمان يابدر، الممرضة أنا مش. مرتحلها
تجهمت ملامحه بإعتراض ثم أجابه:
-ممكن مالكش دعوة بموضوع بنت المحلاوي، يعني مش هتبقى شبه اختها..تأفف بضجر وحسم أمره ثم تحدث بنبرة حزينة:
-كريم أنا تعبان ومش قادر اتكلم في حاجة دلوقتي..عايزك بكرة تنزل نعي في كل وسائل التواصل الاجتماعي لجدي
تنفس بتثاقل وكأن هناك مايطبق على صدره ، فهناك شعور قاس يفترس قلبه دون رحمة للحد الذي جعله يضع كفيه على صدره، فتحدث بوجع :
-كدا معدش ليا حد من بابا ياكريم، تنهد وسحب نفسا يزفره بهدوء ثم أردف:
-هنام دلوقتي وبكرة نتقابل ..أغلق الهاتف وجذب بنطاله وارتداه سريعا ملقيا نفسه ليذهب بسبات عميق متناسيا تلك البريئة التي جلست بذاك الشاليه ترتعد رعبا من أصوات الرعد والبرق التي تعلو بسماء الأسكندرية
دلفت إلى إحدى الغرف،حيث يتميز ذاك الشالية بغرفة بالطابق العلوي بحماما واحد، وبالاسفل غرفة ومطبخ وحمام، وصلت للطابق العلوي، قابلتها رائحته التي اشعرتها بإرتباك معدتها بسبب الجوع..مكثت فوق الفراش بشق الأنفس تتقلب على وهج جمرات حارقة تحبس أنفاسها..نهضت من مكانها وانسابت عبراتها بعدما شعرت باليأس، أصبحت كطائر كُسر جناحه، ولم يعد له القدرة على الطيران
-ماما..همست بها وهي تطبق على جفنيها بعنف، حتى كادت بتمزيق جفنيها كلما تذكرت حزن وقلق والداتها ليها
هوت على الأرضية الباردة تضم ركبيتها إلى ساقيها تحاوطها البرودة من كل مكان، ورغم برودة الطقس الا أن غضبها وآلامها فاق احساسها بما حولها
ظلت لبعض الوقت بمكانها كما هي إلى أن شعرت بإرتجاف جسدها كاملًا، حتى وصل إلى إرتعاشه..نظرت لذاك الفراش الذي يحمل رائحته، ثم نهضت واتجهت تجلس فوقه، رغم شعورها بالغثيان من رائحته التي تحاوطها
جذبت ذاك الغطاء الوثير الذي يوضع على تلك الصوفية، وحاوطت نفسها به حتى تشعر بالدفء بعدما ارتجف جسدها من البرودة، ظلت جالسة تدعو الحي القيوم
“لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين”
ظلت ترددها إلى أن غفت بمكانها من شدة إرهاقها، يومين كاملين لم تراه ولا تعلم لماذا هي هنا، هل ألقى عليها تلك التهمة الشنعاء وجعلها مجرمة دون اللجوء لدليل
استيقظت بعد فترة تشعر بالتعب والارهاق الشديد، فتحت عيناها مستندة بجسدها على ظهر الفراش، مسحت على وجهها، نهضت للمرحاض بعدما تذكرت ماصار معها، تشعر بإنقباض روحها، اتجهت للمقابلة الحي القيوم، توضأت وبحثت على سجادة، الأغرب إنها وجدت سجادة للصلاة بذاك المكان، أيعني أنه يصلي، أيعني أنه يعلم حدود الله
بالأسفل وصل لذاك الشاليه، دلف للداخل يبحث عنها
صعد للأعلى سريعا عندما وجد السكون يعم المكان، تسمر بوقفته وهو يراها تستنجد بالحي القيوم وتبكي بشهقات وهي تدعوه بقلبا ينزف
اتجه للأسفل ينظر للمكان حوله، وجد تلك الأشياء المتناثرة بكل مكان، أنهت صلاتها وجسلت تقرأ وردها اليومي في خشوع، تحركت تفتح النافذة تنظر الى شروق الشمس، ولكن وجدت السماء ملبدة بالغيوم وكأن حالها سيمر اليوم مثل أمس
استمعت إلى حركة بالأسفل، ارتجف جسدها، هبطت بحذر تبحث بعينيها عن مصدر الصوت، استمعت إلى صوته يتحدث بهاتفه وهو يعد قهوته
-خد معاد مع مالك المحلاوي، لازم كل واحد ياخد حقه، شعر بوجودها، فأنهى مكالمته واستدار إليها
-يارب نكون أسعدنا حضرتك
حاولت الحديث ولكن لم تقو بسبب ضعفها وعدم تناولها للطعام
جلست وهي تطالعه بصمت، اتجه يجلس بمقابلتها يضع ساقا فوق الأخرى ثم تحدث
-ليه قتلتيه، عملك ايه؟!
تراجعت بجسدها تفرك جبينها ثم رفعت نظرها إليه
-أنا مش هسكت، وهقدم فيك بلاغ، دا مش اسلوب، ازاي تتهمني كدا من غير دليل، وازاي
رفع سبابته إليها ونظرات جحيمية فكل الأدلة تشير إليها،
نهضت وهي ترمقه بغضب
-شكلك من الناس المريضة
هب من مكانه فلقد نجحت وبجدارة أن تخرج شياطين الجحيم بداخله، جذبها من رسغها يضغط عليها بقوة
-انتِ ازاي دكتورة، ازاي تكوني بالتمثيل دا
رفعت نظرها تتألم من مسكته الفولاذية، رفرفت اهدابها محاولة السيطرة على نفسها وألا تضعف أمامه
-أنا مقتلتوش، ليه مش عايز تصدق ..دفعها بقوة وأشار بسبابته قائلا بنيران تخرج من مقلتيه :
-مش عايز كلام كتير، فيه شهود بتقول انك قتلتيه بالحقنة ال اخدها
نهضت واتجهت إلى باب الشالية متحدثة بغضب
-انت انسان ظالم ياحضرة الافوكاتو،
-اسمعيني كويس، انا مبحبش اكرر كلامي، دي ورقة فيها استدعائك والقبض عليكي بتهمة القتل، وكمان شوفي صور ابوكي المحترم دا واخوكي الفاشل
ودي ورقة جواز، انا مبحبش اغضب ربنا، هتقبلي اي ورقة معاكي وبراحتك
شعرت ببرودة تجتاح جسدها فهتفت بتقطع
-حبس وجواز، هزت رأسها
-طب ليه، انا بقولك انا مقتلتوش
نظر إليها بسخرية :
-اثبتي!!..خانتها عبراتها
-اتسجن ولا اتجوزك
مط شفتيه ونصب عوده متجها إليها
-براحتك..فيكي تمشي دلوقتي..ذهلت من رد فعله البارد ، فدنت منه
-إنت ليه بتعمل معايا كدا، انا عملتلك إيه؟!
جذبها من رسغها يهمس بفحيح:
-ابوكي سرق حياتي، سرق ضحكتي من الدنيا، انا كنت ناوي اخليه عبرة لمن لا يعتبر، وانت جيتي سرقتي روحي كملتي عليا، ونهيت اجمل حاجة حلوة كنت بستمد منها قوتي، ودلوقتي قدامك اربع ساعات واسمع ردك النهائي
روحي اسألي والدتك، باباكي عمل ايه في صديق عمره، أشار عليها بمقت
-الظاهر الأنسة كانت صغيرة اوي، لدرجة مش فاكرة ماضي ابوها القذر دلوقتي غوري من وشي
استدارت تتحرك بخطوات مهتزة ودموعها تفرش طريقها
فتحت الباب وتحركت للخارج مذهولة من عدم منعه لها، ظل بمكانه وأخرج تبغه ينفثه، ثم همس لنفسه:
-هندمك يادكتورة، اتلقي وعدك معايا
وصلت بعد فترة إلى منزلها ..قابلتها والدتها بالعناق
-ياحبيبتي كنتي فين بقالك يومين..تحركت بخطوات هزيلة وألقت نفسها على المقعد
-ماما عايزة ارتاح ولما افوق هحكيلك، حاليا مش قادرة اتكلم في حاجة
استمعوا الى صوت طرقات على باب شقتهما، دلفت الشرطة
-فين الدكتورة رهف المحلاوي
نهضت من مكانها متحركة الى الضابط
-أنا رهف ..في ايه؟!
حضرتك مطلوب القبض عليكي في قضية قتل
صرخت والدتها تضرب على صدرها
-قتل، متهمة..هزت رهف رأسها وتحدثت:
-محصلش..تحدث الضابط قائلًا:
-لو سمحتي يادكتورة، اتحركي معانا من غير شوشرة
استدارت لوالدتها وعيناها تحجرت بالدموع، فهمست لوالدتها:
-ماما انا معملتش حاجة، اتصلي ببابا..جذبها الشرطي من ذراعها، تحركت معه وكأنها تتحرك على نيران تحرق أقدامها..وصلت بعد قليل، ودلفت متمثلة أمام الضابط
-احجزها يابني لحد ماوكيل النيابة يجي..ضيقت عيناها بذهول
-وكيل نياية،انا هتعرض على وكيل نيابة من غير حتى تحقيق
طالعها بغموض ثم أردف:
-من الأفضل تشوفي محامي كويس، شكلك متوصي عليكي
بفيلا مالك المحلاوي
خاصة بغرفة انجي، تتحدث مع صديقتها بالهاتف
-أيوة شوفته حلو اوي يانهى، بس شكله مغرور بس الغرور لبقله
ضحكت صديقتها عليها ڤاردفت
-جده مات، شكله مش هيحضر الحفلة ، نهضت تنظر لنفسها بالمرأة وهي تخرج ثيابها وتنظر بها
-ليه بس كدا دا انا بعد لليوم اللي هقابله
صمتت صديقتها فترة فأردفت:
-طيب ماتشوفيه في الكلية، هو اصلا استاذ القانون في كلية الحقوق
دارت بفستانها واجابتها
-فكرت في كدا يابنتي، بس هروحله بصفتي إيه، انا مش في حقوق
ظلت صديقتها صامتة للحظات فأردفت:
-ايه رأيك نعمل صدفة بيه، يعني نشوف مواعيده ونرتب لكدا
-اووووه..ياس يانهى برافو عليكي..انا دلوقتي لازم أخرج عندي مشوار هخلصه وهكلمك بعدين
– مشوار ياانجي، مش مقابلة لسايكو هيثم
قهقهت وتحدثت:
-اهو اتسلى لحد مااشوف سكة لبدر القاضي..باي باي
بقسم الشرطة
دلفت كوثر إلى القسم تسأل عن الضابط المسؤل..دلفت إليه
-كنت بسال عن بنتي جابوها من شوية ..
-بنتك إسمها ايه؟!..تسائل بها الضابط
الدكتورة رهف مالك المحلاوي ..وصل مالك ودلف سريعا ينظر الى زوجته
-رهف مالها، وقضية ايه دي؟!
توقف الضابط أمامهما
-بنت حضرتك متهمة في قضية قتل عثمان القاضي، وهتتعرض على النيابة
صدمة نزلت فوق رؤوسهم كالصاعقة..ترنحت كوثر بالوقوف تهز رأسها بالنفي
-مستحيل بنتي تقتل مستحيل، دلفت رهف بأقدام متراخية بجوار العسكري الذي أردف:
-المتهمة يافندم..رفعت والدتها ذراعيها تحتضن ابنتها التي بكت بقوة
-ماما أنا بريئة والله العظيم ماقتلته..مسحت والدتها دموعها
-مصدقاكي ياحبيبتي، اتجهت بنظرها للضابط
-ايه ادلتك أن بنتي هي ال قتلته ..ابتسم الضابط بسخرية وأجابها:
-الشهود يامدام، غير هي اخر واحدة كانت مع المتوفي
هزت رهف رأسها وتحدثت:
-مش حقيقي وحياة ربنا ماحصل
تحرك مالك إليه
-أشوف أدلتك ياحضرة الظابط انا محامي، ثم تسائل:
-مين ال قدم البلاغ
-حفيده ومحامي.. بدر القاضي ..أطبقت رهف على جفنيها تدعو ربها بسريرتها
“اللهم اني مغلوب فانتصر”
اتجه إلى مكتب بدر القاضي
بداخل الحجز جلست تضم ساقيها، تطبق على جفنيها بألمًا، لماذا يحدث معها ذلك
استغفرت ربها، ودمعة غادرة نزلت عبر وجنتيها، أخرجت تنهيدة
-يارب..قالتها بقلبا عاجز، ولسان ثقيلا..ثم استندت على الجدار منتظرة القصاص من الحاكم العادل
بمكتب بدر..دلف إليه مالك المحلاوي
بدر باشا..عامل ايه حضرتك
لم تهتز له عضلة وظل يرمقه بثبات
-أنا مش باشا ولا حاجة يااستاذ مالك، انا اسمي الاستاذ بدر القاضي، يمكن حضرتك نسيت أننا كنا في وقت من الأوقات الاستاذ وتلميذه
جلس مالك وابتسم بسخرية قائلا:
-كويس انك لسة فاكر، انك الطالب، وأنا الاستاذ
اشعل بدر سيجاره وأشار بكفيه
-اه طبعا هو دا يتنسي،زي ماحضرتك كنت طالب عند جدي، وأول ماحبيت تضرب ضربته في ابنه
هب من مكانه
-بدر بنتي برة المشاكل ال بينا، انت عارف ومتأكد أن البنت بريئة …نفث تبغه وأشار بكفيه
-أثبت، مش إنت محامي، اثبت بنتك بريئة، صدقني أنا ماليش دخل، القضية المحامي اللي بيتصرف فيها
انحنى وغرز عيناه بمقلتيه:
-في يوم من الأيام كان فيه محامي شريف، وعنده ولد نسخة من والده، لكن هناك معدومين ضمير دمروا المحامي وابنه
ضرب مالك بكفيه بقوة على سطح المكتب
-بنتي تخرج يابدر والا إذا
ضحك ضحكة مستهزئة، ورغم رفضه لمبدأ التهديد الا أنه تحدث:
-هتعمل ايه هتموتني، طب مابنتك هموتها وكله بالقانون
نهض يضع يديه بجيب بنطاله وأشار له
-بص يامالك يامحلاوي ، مش معنى اني رضيت بحكم القانون، يبقى نسيت حق ابويا، بس انا مش بحب ألوث أيدي بالدم، وانت مسبتنيش في حالي، لا روحت وبعت بنتك تقتل جدي، مكفكش موت بابا،
أشار بسبابته بغضب فلقد أخرجه عن هدوئه
-هخلص منك حقهم يامالك يامحلاوي
نظر إليه مالك نظرة مرعبة وأشار له
-أنا ماليش دعوة، ولا دلوقتي ولا زمان، افهم يابن هاني انا مش قذر كدا ودلوقتي لازم تتنازل على القضية وتشوف مين قتل جدك بعيد عني
هز كتفه :رهف المحلاوي
-هشوف يابن القاضي..قالها وهو بيضرب بكفيه على سطح مكتبه
خرج وخطوايه تاكل الأرض
عند رهف بالحجز ..كانت تستند على الجدار وهي تشعر بالتعب والأرهاق الشديد، الذي جعلها تحس بالدوار ..وضعت رأسها على ركبتيها وانسابت عبراتها بصمت حتى اغشي عليها، وتم نقلها لمشفى السجن
بعد يومين
وصل والدها إلى الحجز، وظل يبحث عن حثيثيات القضية، حاول الوصول لتلك الممرضة ولكن كأن الأرض انشقت وابتلعتها بعد شهادتها ضد ابنته
بمنزل رهف
تجلس بغرفة ابنتها، تقوم بأداء واجبها إتجاه ربها، جلست على مصلاها، تتجه للواحد القهار
-ربي لقد مس ابنتي الضر، فأنت ارحم الراحمين، اللهم اني استودعك ابنتي
استمعت إلى رنين جرس منزلها، خرجت العاملة
-مدام كوثر موجودة
-نقولها مين يافندم
-بدر القاضي..خرجت كوثر بعد دقائق معدودة تطالعه بصمت ثم أشارت إليه بالجلوس
-اتفضل يابدر، أنا روحتلك قالولي مسافر..نادت على العاملة
-شوفي الاستاذ يشرب إيه
-متشكر مش محتاج حاجة..طالعته بغموض وأردفت:
-مينفعش حضرتك في بيتنا، لك واجب الضيافة
-خلاص هاخد قهوة سادة
سحب نفسا وطرده بهدوء ثم تحدث:
-أنا آسف حدث لبس في الموضوع، انا جاي أقول لحضرتك المحامي ميعرفش رهف بنت حضرتك، وكنت هزور حضرتك من فترة لكن تعب جدي أجل الموضوع، هروح حالا أخرجها من الحبس
ابتسمت كوثر بسخرية
-والتمن يااستاذ بدر
-تمن!! تقصدي ايه حضرتك، انا مش قصدي أن أذي الدكتورة، أنا ماليش الأذى، رغم جوز حضرتك آذاني كتير، ورغم كدا انا جايلك واتمنى توافقي
كانت نيران صدرها مشتعلة بسبب ماحدث لأبنتها، طالعته بهدوء
-حضرتك جاي تساومني على براءة بنتي، وانت متأكد انها بريئة وكدا مبتحبش الأذى
رسم ابتسامة واردف بهدوء:
-أنا مكنتش اعرف إنها هي،توقفت كوثر
-لا عارف يابدر، وبدل نسيت العيش والملح يبقى مينفعش بينا الكلام
أشار بكفيه وأردف بهدوء محاولا السيطرة على ألا يغضبها
-طنط زينب أنا مش بايدي حاجة أعملها، لو كنت اعرف انها بنتك مكنتش قدمت البلاغ
نهضت زينب تطالعه بصمت للحظات ثم تسائلت:
-إنت جاي ليه يابدر؟!
عايز ايه ياريت تدخل في الموضوع على طول
تلعثمت الكلمات بحلقه وطافت عينيه يمينًا ويسارًا فتحدث بخفوت:
-جاي أطلب ايد الدكتورة
توسع بؤبؤ عيناها مشدوهة من طلبه
-جاي تطلب ايد بنتي المحبوسة بسببك
اخذ يملئ رئتيه بالأكسجين الذي يحتاجه حتى يستطع التنفس عندما وجد نظراتها النارية إليه، فتوقف بمحاذاتها
-طنط كوثر لازم تعرفي حاجة واحدة، انا مكنش قصدي أبدا نوصل لكدا، انا معجب برهف أول ماشفتها، وزي ماقولت لحضرتك انا كنت هجي اطلب ايديها
-بنتي مدانة يابدر، بيقولوا الأدلة كلها ضدها
هز رأسه نافيا
-اعتبريها خرجت من الحبس
-وياترى مش دي الأدلة ال جاي تساومني على جوازها عشان تطلعها براءة ..سحبت نفسا وزفرته بهدوء، واتجهت تجلس على المقعد وتحدثت:
-أنا موافقة يابدر بس بشرط..رفع نظره إليها منتظر حديثها
-بنتي تطلع النهاردة قبل بكرة، غير تطلع في الوسائل تبرأها، دا شرطي الأول ..أما شرطي الثاني والأهم رفعت نظرها إليه تنظر بمقلتيه
-هي توافق عليك، يعني تتجوزك بإرادتها، أما لو رفضت يبقى كل واحد اخد حقه…نهضت واتجهت إليه
-اوعى تاخد رهف بذنب ابوها يابن القاضي، خليك عادل وشوف جميع الاتجاهات، قولتها زمان لوالدك وبقولهالك دلوقتي
-انا وبنتي برة لعبتكم دي
تنهد ساحبًا نفسًا محاولا السيطرة على أعصابه حتى يقنعها..سحب كفيها واجلسها
-طنط كوثر، مش هخبي عليكي، انا كنت متجوز بنت خالتي، ومتفهمناش، وأنا دلوقتي عايز اعمل عيلة، وطبعا مش أي واحدة هربط اسمها بإسمي، انا اتذكر حضرتك كويس، وجدو دايما كان يشكر فيها، والصراحة هي جذبتني، وسألت عليها عرفت انها بنت حضرتك، وكنت ناوي اجي اتقدملها، بس حصل ظروف واضطريت أسافر ورجعت بعد موت جدي واللي حصل، ودلوقتي هروح النيابة علشان سوء الفهم، ومعايا الدليل، متنسيش انا كنت محامي
جلست متنهدة براحة، وتحدثت:
-بتمنى يابني، اشوف بنتي جوا حضني وبعد كدا نشوف ايه اللي هيحصل
خرج متحركا متجها إلى النيابة ..امسك هاتفه وهاتف صديقه
-كريم البنت الممرضة، تجيبها النيابة وقت مااكلمك
قالها واغلق الهاتف
ظل لبعض الدقائق جالسًا بسيارته، ثم ابتسامة خبيثة على وجهه
-اشوف وشك يادكتورة دلوقتي..ولسة الحساب بينا كبير
تذكر قبل ساعتين
-بدر عرفت مكان الممرضة..نهض متجها إلى مكتبه
-هاتها على المكتب، وإياك مالك المحلاوي يعرف، اتصرف.
وصلت الممرضة برفقة رجُله، جلست أمام وجسدها يرتعش، نصب عوده وتوقف يشير بسبباته
-سؤال واحد ومش عايز غير إجابة واحدة
اومأت بشفتين مرتجفتين قائلة:
-هقول والله يابيه..انحنى يحاوط جلوسها بذراعيه
-مين اللي قتل جدي
أشارت بكفيها بإرتعاش
-هي والله يابيه، معرفش ليه، ضيق عيناه متسائلًا
-شوفتيها، إنتِ شوفتيها
هزت رأسها وتمتمت بخوف
-اه ..شوفتها وهي بتديله الحقنة
-ليه هربتي، هزت رأسها بهستريا، بعدما شعرت بسقوط قلبها
-لا دا اختي كانت رجعت من السفر ورحت اسلم عليها
اعتدل يضع كفيه بجيب بنطاله وتحدث:
-هتروحي النيابة وتقولي انك مشفتيش حاجة، اومأت برأسها ثم أشار لرجُله قائلًا
خدها لحد مااتصل بيك..أنا متأكد البنت دي وراها حوار، لازم النيابة تحقق معها، وممكن تكون هي اللي قتلت جدي
قالها ثم تناول جاكتيه وتحرك للخارج
خرج من شروده، متجها إلى النيابة
الفصل الرابع
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
مع الزمن يتحول الألم لحزن ويتحول الحزن لصمت ويتحول الصمت إلى وحدة ضخمة شاسعة والمحيطات المظلمة
جلال الدين الرومي
بعد خروجه من منزل رهف اتجه إلى قسم الشرطة الذي يحجز بها رهف..
دلف إلى مكتب الضابط المسؤول
-صباح الخير ياعمر..
صباح الخير يابدر، لو جي عشان قضية جدك، قاطعه
قائلا:
-عايز أقابل الدكتورة ياعمر، رفع نظره وتسائل:
-اوعى تكون حابسها مع المتهمين ياعمر
قوس عمر فمه :
-هو انت عايز ايه بالظبط يابدر، البنت متهمة والأدلة كلها بدينها، ومن اول جلسة هتاخد حكم
هز رأسه رافضا حديثه:
-البنت مظلومة ياعمر، انا حبيت اقرص مالك المحلاوي
تنهد متألما وتحدث :
-لما تحقق مع المتهم الحقيقي
-متهم حقيقي ..انا مش فاهمك يابني
وضع أمامه اسطوانة
-دي قدمها لوكيل النيابة، وهقولك على عنوان ال فيه المتهم الحقيقي، وبكدا لازم الدكتورة تبات في بيتها النهاردة
جحظت أعين الضابط
-أكيد بتهزر دي قضية يابني هو انا ال هفهمك..
ابعت بس هاتها وبعد كدا هقولك تعمل ايه
ولجت إلى الغرفة بخطى بطيئة تكاد تصلب نفسها من شدة ارهاقها، توقفت عندما التقت عينيه بعيناها، اتجهت إلى الضابط
-ممكن اعرف مين ال عايز يشوفني..نهض الضابط وهو يشير الى بدر
-الاستاذ بدر عايز يتكلم معاكي..استدارت بعدما هتفت بغضب:
-بس أنا مش عايزة أقابل حد
-استني عندك دا لو عايزة تطلعي من السجن النهاردة، استدارت وهي تشعر بالغضب يتسرب إلى اعصابها، ورمقته باحتقار:
-ليه حضرة الاستاذ كان مقتنع اني قتلت جده..نهض متجها إليها وتحدث بمغذى
-هو لحد دلوقتي إنتِ المسؤولة الأولى عن قتله
رفعت عيناها التي تشبه موج البحر وتلاقت بعيناه وهي تهتف بغضب ونيران جحيمية تريد التهامه بها
-انت مش طبيعي، قولتلك انا ماليش دعوة، انا دخلت لقيته ميت..أشار بسبباته وأشار إليها بالجلوس
-اقعدي نتفاهم..أطبقت جفنيها في محاولة للسيطرة على موجة الغضب التي اصابتها..اتجهت إلى المقعد بجسد مرتعش وجلست عليه، منتظرة حديثه
ابتلع ريقه محمحما
-فيه حد عايز يورطك في القضية دي، أنا بحاول أوصل للجاني الحقيقي، ودا محتاج منك الموافقة على شرطي
قطبت جبينها متسائلة:
-شرطك اللي هو انك تتجوزني غصب، علشان تنتقم مني، مش كدا ياحضرة الافوكاتو
أشارت على نفسها وأردفت قائلة:
-جاي تتشرط عليا بعد مارمتني ظلم في السجن
جذب المقعد وجلس بمقابلتها وتحدث بهدوء:
-بصي يادكتورة، انا هعمل اتصالاتي وهخرجك من السجن بس بالشرط اللي قولتلك عليه، وفيه حاجة هضيفها عليه، يمكن تريحك
طالعته منتظرة تكملة حديثه فأردف:
-نتجوز لحد ماتجبيلي ولد، هبت فزعة تنظر إليه بذهول
-أكيد مجنون، وأنا لو وافقت اكون بجني على نفسي أعيش مع واحد مختل عقليا
امسكها من رسغها بعنف وتحدث كفحيح أفعى قائلًا:
-بصي انا خلقي ضيق، انا جتلك وحاولت أتنازل عن القضية عشان خاطر والدتك ال هي مالهاش دخل في الصراع ال بيني وبين الحقير ابوكي، فخلينا متفاهمين عشان كل واحد مننا يكسب
دفعها بعيدا مزمجرًا:
-كفاية ينولك شرف وأقف ادافع عن بنت الراجل ال قتل ابويا ومش متأكد من يكون هو السبب في قتل جدي
هزت رأسها تنظر إليه بذهول:
-إنت قصدك مين؟!
هو إنت مين اصلا..دنى منها بنظرات جحيمية
-بطلي تمثلي البراءة عليا يابنت مالك، ايه نستيني، دار حولها وأكمل مزمجرا:
– اومال كنتي عاملة الملاك البرئ لجدي ليه، كنتي بتقربي عشان لما تقتليه محدش يشك فيكي
بدأت أنفاسها في الاضطراب وخفقاتها تتسارع كأنها بسباق، دنت منه
-كفاية بقى، انت ايه مش معقول، عايز توصل لأيه
-نتجوز ..قالها وهو يرمقها شزرا ثم أستأنف:
-دا لو عايزة والدتك تبطل عياط وممكن تموت فيها، وعشان ارحم ابوكي في هعمله فيه، واهو نرجع ذكريات زمان
شعرت بإنسحاب الأكسجين من حولها، ودارت بها الأرض ، هوت على مقعدها وتسائلت:
-زمان ..تلألأت العبرات بعينيها كطبقة كرستالية، فرفعت رأسها إليه
-ليه الظلم دا كله، ايه العقاب دا كله، ليه اتحمل واحد ذيك، أنا معرفكش، انت غيره، مستحيل تكون انت هو، اللي قدامي دا ظالم منتقم
انحنى لجلوسها ونظر لمقلتيها
-لسة ماكملتش شرطي يادكتورة، علشان تقولي ظالم ومنتقم بجد..رفعت نظرها فتقابلت عيناهما القريبة حتى اهتز كلا منهما الاخر، اعتدل سريعا عندما شعر بدقات عنيفة لم يعلم ماهيتها فأردف:
-هنتجوز سنة ونطلق، عايز وريث زي ماقولتلك، يعني مش هقدر اعيش معاكي اكتر من سنة، متخافيش وطبعا أنتِ الاختيار ال قدامي
ضحكت بسخافة على حديثه ثم قالت هازئة:
-اه دا انا وافقت عليك لا وكمان هخلف منك، مش بقول مجنون
صلب أنظاره عليها وعلى ضحكاتها المستهزئة، ففتح هاتفه ووضعه أمامها
نظرت للهاتف بشرود، والدها في احضان احداهن ولم تكن سوى زوجة صديقه
جحظت عيناها وتكونت طبقة من العبرات بعينيها تهز رأسها رافضة ما تراه فأكمل بزهو وانتصار
-تخيلي الفيديو دا ينزل على المواقع، شوفي وقتها سمعة ابوكي المحترم، مش هقول يهم والدتك بس طبعا ابوكي هيتأذي وممكن صاحب عمره يموته، ماهو خسيس خان صديقه مرة قبل كدا
وضعت وجهها بين كفيها تغمض عيناها وشعورها بالعجز، والدها ، أخيها ، والدتها ناهيك عن سمعتها كأبنته،وبرائتها
بدأت تعاني بشكل موجع ، ألمًا اجتاح جسدها وروحها معا، انسابت عبراتها رغما عنها، ندمًا على قلبًا نبض لشخصًا ذات يومًا بالخطأ
رفعت عيناها الباكية إليه همست بشفتين جافتين:
-هطلع امتى من السجن دا عشان اروح سجنك القذر
ابتسم بزهو فقد وصل للذي يسعى إليه، ورغم ذلك شعر بدموعها التي انسابت تمزق صدره، سحب نفسًا وأجابها :
-النهاردة هتباتي في بيتك
نهضت متحركة للخارج، تستند على الجدار، فلقد نفذت قواها بالكامل
راقب تحركها ودقات عنيفة تصفعه بأن يتراجع عما يفعله، أطبق على جفنيه وحرب شعواء بين العقل والقلب ..قاطعه دلوف الضابط بعد خروجها
-ايه عملت ايه ؟!
توقف يغلق حلته الكلاسيكية وأشار إليه:
-الدكتورة تبات في بيتها النهاردة
باليوم التالي
بفيلا مالك المحلاوي
تسمرت للحظات في مكانها
-بدر هيتجوز رهف، ازاي؟!
لكم كل ما يقابله:
-الحيوان واخدها تمن برئتها، بس وحياة بنتي لأحصره على عمره..
شهقة قوية خرجت من انجي التي استمعت إلى حوار والديها
-يعني انا أخطط والست رهف تيجي تاخده على الجاهز، طب اصبري عليا ياست الحسن والجمال
صعدت للأعلى تبحث عن هاتفها:
-أيوة، لازم اقابلك ضروري
بفيلا القاضي
ترأس طاولة الطعام، جلست بجواره لميس
-وأخيرا يابدر شوفناك، من زمان مقعدتش اتغديت معانا، التوت زاوية فمه بعبث، ضحكت مبتسمة
-بقولك ايه رأيك نخرج نتعشى برة ..تجاهل حديثها ثم اتجه إلى والدته
-جهزي نفسك بالليل عشان هروح أخطب
جحظت أعين الجميع بذهول
-قصدك ايه بتخطب دي
أردفت بها والدته
بدأ يقطع اللحم بهدوء ثم رفع نظره قائلًا:
-ايه ال في كلامي مش مفهوم، مش حضرتك كل شوية تقولي
أخطب .. دلوقتي معترضة ليه
رفعت نظرها إليه وهتفت بحنق:
-أيوة طبعا عايزاك تتجوز، بس مين ال معرفهاش دي
-لما نروح هتعرفي..قالها وهو يلوك طعامه بهدوء
نهضت لميس، تحتضن كفيه
بدر متعملش فيا كدا ، أنا مستنياك
انزعج من لمساتها المتعمدة، أزاح كفيها قائلًا بنبرة لاتجيد النقاش
-احنا خلاص مستحيل نرجع تاني
تحدثت غاضبة:
-أنا يابدراللي هتجبلك الولد ، سمعتني
لم يعريها اهتمام، مسح فمه، ثم تحدث:
-خلى مديحة تجبلي القهوة المكتب
توقفت أمامه تجذبه من ثيابه
-انت مبتردش ليه، انا فين من حياتك
زفر بغضب من طريقتها التي هيجت أعصابه، فدفعها بقوة:
-وانتِ مالك ومال حياتي يالميس، انا رميتك من زمان، والنهاردة هبدأ حياتي مع واحدة جديدة
-مش هيحصل..قالتها بعيونا تطلق شزرا
-على جثتي يابدر..تحرك مجيبا
-يبقى موتي عشان اشوف جثتك
بمنزل رهف
كانت تغفو على فراشها بآمان فمنذ اسبوعين لم ترى الراحة، دلفت والدتها إليها، جلست على حافة تختها
مسدت على خصلاتها بحنان أموي، ثم انحنت تطبع قبلة على خصلاتها
-ربنا يسعدك حبيبتي..فتحت عيناها التي تشبه موجه البحر
-ماما..ابتسمت والدتها تمسد على وجنتيها
-ايه النوم دا كله..وضعت كفيها على فمها وهي تتثاءب
-كنت جعانة نوم أوي ياماما، مش مصدقة لقيت السرير
-نوم الهنا ياحبيبتي، وياترى شبعتي نوم ولا لسة
اعتدلت مستندة على ظهر تختها
-الساعة كام دلوقتي ..ابتسمت والدتها وهي تخطو لغرفة ثيابها
-الساعة تمانية حبيبتي، ياله عشان تلحقي تجهزي،زمان الضيوف على وصول
شعرت بقبضة تعتصر صدرها، فأومأت برأسها
-حاضر ياماما، شوية وهقوم
أخرجت إحدى فساتينها
-حلو الفستان دا هيخليكي زي القمر
قبضت على غطائها ورسمت ابتسامة لوالدتها
-هو حلو فعلا، حاضر هلبسه
حاولت التماسك أمام والدتها،
-رهف إنتِ مقتنعة ببدر
نزلت ببصرها للأسفل واومأت برأسها دون حديث
رفعت والدتها ذقنها:
-رهف، اوعي يكون ضغط عليكي علشان القضية
هزت رأسها بالنفي قائلة:
-بدر حلو اوي ياماما ، والصراحة شخصيته جذبتني أوي، غير أنه كاريزما ياست ماما، ومتنسيش لينا ذكريات مع بعض
رفعت حاجبها بسخرية:
-نعم ياختي، ذكريات ، دا إنتِ كان عندك 14يادكتورة
-عادي ياماما، لسة فاكرة شوية كدا ..ابتسمت والدتها تمسد على وجنتيها
-شكله بيحبك يارهوفة
رسمت ابتسامة خجلة ونظرت للبعيد، نهضت والدتها وتحركت للخارح
هناك أقدار تجعل خيباتنا جنة ولكن إذا تغيرت اقدارنا لعكس أحلامنا فتتحول إلى كابوس مرعب
اتجهت إلى مرحاضها بخطوات مرتعشة تدعو الله بسريرتها أن يكون معها وينجوها من بطش ذاك المنحط، كما وصفته
بمكتب بدر
دلفت العاملة ..وتحدثت إليه بوقار:
-فيه واحدة عايزة تقابل حضرتك يابدر بيه بتقول موضوع مهم
-مين دي؟!دلفت انجي بخطواتها العنجهية
-مساء الخير استاذ بدر
اومأ برأسه وأشار إليها بالجلوس
جلست تضع ساقا فوق الأخرى وأردفت بهدوء رغم غضبها:
-عرفت أنك هتخطب رهف اختي..تراجع بجسده للخلف مستندا على مقعده
-وياترى الموضوع دا مزعلك ولا مفرحك،
ابتسمت بغرور قائلة:
-مش لو هي بتحبك
ادخلي في الموضوع على طول
-ايه مش هتشربني حاجة، دا حتى الموضوع الى هتعرفه يستاهل
كبت الهواء ودفعه دفعه مرة واحدة قائلا:
-تشربي إيه ؟!
-أي عصير فريش، استدعى العاملة بطلبها
نظرت حولها على مكتبه، ثم اتجهت بأنظارها إليه وهو يتعمق بالنظر إليها
-خير..أردف بها بدر بملامح وجه ثابتة
تلاعبت بخصلاتها وأردفت
-طبعا حضرتك عارف ان رهف اختي، بس من بابا..وأكيد كل أخبارها عندي
ضيق عيناه وهو يستمع إليها بإنصات فاسترسلت حديثها
-ازاي عايز تتجوز واحدة وهي مرتبطة بواحد تاني
كور قبضته محاولا السيطرة على نفسه، حتى ينهي مهزلة تلك المتسلطة
ضغطت على شفتيها
-رهف بتحب حضرة الظابط أيوب، وطبعا حضرتك اخدت بالك ازاي كان واقف معها في القضية
-هاتي من الاخر..أردف بها بقوة
-انت مُصر تتجوزها حتى بعد ماعرفت أنها بتحب واحد تاني، وأنها ضحكت عليك عشان تطلعها من القضية
نهض من مكانه وقام بإشعال سيجاره، يدخن بشراهة، حتى اختفى خلف رمادها قائلًا:
-لو خلصتي ممكن تمشي..نهضت متجه اليه، وامسكت ذراعيه
-بدر ليه عايز تتجوز اختي رغم انك عارف مشاعري اتجاهك
استدار برأسه ينظر إلى كفيها الذي تتشبث بذراعه، ثم رفع نظره وشبه ابتسامة مرسومة على وجهه مردفا
-مش يمكن عايز انتقم منها
اتسع بؤبؤ عينيها، ثم ارتسمت ابتسامة عريضة على محياها، وهي تدور خلفه، ومازال كفيها على كتفه
-ان كدا يبقى متفقين، انا برضو بقول مش معقول بدر القاضي يتنازل عن قاتلة جده
لوى جانب شفتيه وهز رأسه
-شكلك بتحبي اختك اوي
دلفت لميس توزع نظراتها بينهما
-ايه عندك ضيوف ولا إيه
أشار على أنجي
-الاستاذة أنجي اخت رهف جاية تباركلي قبل مااروح للعروسة
مرت الساعات ثقيلة على قلبها، إلى أن جاء الميعاد الذي سيغير حياتها بالكامل
أنهت تجهيزها، دلفت والدتها إليها
-بسم الله ماشاء الله طالعة زي القمر ياحبيبتي ..جذبت والدتها المقعد تتعمق النظر بعيناها
-رهف أنتِ مش مخبية عليا حاجة مش كدا، يعني بدر القاضي فعلا معجب بيكي، معرفش قلبي وجعني، رغم أني عارفة بدر كويس، وكلامك بس ليه قلبي وجعني، خايفة يكون مش مصدق انك بريئة، ويكون اتغير في السنين دي كلها، دول اكتر من 15سنة
نهضت من مكانها تبتعد بنظراتها عن والدتها
-لا طبعا ياماما، أنتِ ناسية أنه هو ال جابلي البراءة ولا إيه، يعني لو عايز ينتقم أو مش مصدق كان سابني اتحبس..احتضنت كف والدتها
-متنسيش إن دا بدر ياماما، مهما تعدي السنين إلا أنه بدر ابن عمو هاني الله يرحم
توقفت والدتها تحتضن وجهها
-لسة بتحبيه يارهف، أشارت على قلبها
-بدر لسة ساكن قلبك!!
رجفة سارت بعمودها الفقري، نزلت ببصرها للأسفل، تومأ برأسها
ابتسمت والدتها بحب،ثم طبعت قبلة على جبينها
-ربنا يسعدك حبيبتي، أنا عارفة أنه كويس بس معرفش ليه قلبي وجعني..رسمت إبتسامة على وجهها، دلفت الخادمة
-ست هانم الضيوف وصلوا..تحركت إلى الخارج
خرجت كوثر لأستقبالهم
-اهلا يااستاذ بدر..قالتها ببشاشة، ثم اتجهت بأنظارها إلى والدته
-اهلا يامدام ..ارتسم بدر ابتسامة على وجهه عوضا عن والدته التي تجلس تحاوط المكان بعينيها
أشار إلى كوثر مردفا:
-طنط كوثر مرات الأستاذ مالك ياماما ورهف بنته
اكتفت برسم ابتسامة واسعة وهي تومأ برأسها، فتسائلت
-هوإحنا اتقابلنا قبل كدا
ابتسمت كوثر فأجابتها
-ياااه يانهال، لسة زي ماانتِ متغيرتيش
ضيقت نهال عيناها فتسائلت:
-انا بحاول اتذكر حقيقي
اومأت كوثر مردفة :
-ماهو عشرين سنة يانهال هتفتكري ايه ولا ايه
ضيقت نهال عيناها متسائلة:
-كوثر!!..ابتسمت كوثر تهز رأسها:
-ايوة، شوفتي مهما السنين تمر علينا لكن لينا نصيب نتقابل تاني، لا كمان نكون قرايب
خرجت رهف ملقية التحية
-مساء الخير..رفع نظره عندما استمع إلى صوتها الهادي، الذي يشبه خرير الماء
اتجهت إلى والدة مالك تصافحها
-ازي حضرتك..نهضت نهال غاضبة
-مش دي الدكتورة المتهمة في قضية جدك
-ماما ..قالها بصوت غاضب، حاول امتصاص غضبه فأشار على كوثر
-الدكتورة مالهاش علاقة بال حصل ، والدكتورة بريئة من قتل جدي، وانا قررت اتجوزها ودا قراري مش قرار حد تاني ..قالها بمغذى وهو يطالعها بهدوئه المعتاد
اتجهت إلى رهف التي توزع نظراتها حولهم، قطعت شرودها، نهال قائلة:
-اهلا..قالتها بفتور، رغم إعجابها بها وبجمالها الهادي، ورغم هدوء جمالها إلا أنه ملفت خاصة مع ذاك الفستان الأزرق وحجابها الأبيض
استدارت إلى بدر، طالعته للحظات ثم همست بصوت كاد أن يسمع
-ايه استاذ بدر جايب والدتك من غير ما تعرفها تاريخ العروسة، احتل الضيق ملامح وجهه ولا يعلم لماذا عندما نعتته بالتكليف..همس لها
-خلي اتفاقنا بينا ..تمام ، قالها وهو يحاوطها بنظراته، كانت كوثر تطالعهم وتذكرت طفولتهم..فهل سينصفهم القدر لدفن الماضي، أما الماضي سيلاحقهم بعقوبتهم بلا ذنب
جلست بجوار والدتها..وصلت العاملة بالمشروبات
-هو الأستاذ مالك مش موجود؟!
تسائل بها بدر
ابتسمت كوثر بتوتر تنظر بساعتها
-أكيد فيه حاجة عطلته، تلاقيه على الطريق، زفرت والدته محاولة السيطرة على أعصابها
حمحم وتحدث بنبرة خشنة:
-طب بعد اذن حضرتك عايز أقعد مع الدكتورة على انفراد لحد ما الأستاذ مالك يوصل
اتجهت كوثر لأبنتها قائلة:
-اقعدي مع الأستاذ بدر شوية يارهف، شوفيه عايز ايه
نهضت وهي تبعد بنظرها عنه
واتجهت متجه لغرفة المعيشة المقابلة لهم
-اتفضل حضرتك..تحرك خلفها بخطوات رتيبة وقورة كشخصيته
أشارت إليه بالجلوس..جلس لبعض اللحظات صامتا، ثم سحب نفسا محاولا تجلية صوته
-آسف..رفعت نظرها إليه للحظات ..كلمة بسيطة ورغم بسطتها إلا أنها أعلنت الكثير
استدارت بجسدها كاملًا
-بالبساطة دي!!
طب ياترى الأسف دا عشان سجني ظلم ولا عشان تهديدك ليا بالجواز
طالعها لدقائق من الصمت هو يعلم أنها امرأة تفعل المستحيل ردا لكرامتها وعزة كبريائها
دنت منه برأسها بعدما وجدت نظرات والدتها إليها
-صدقني لولا أمي عمري ماكنت قعدت معاك في مكان واحد، ولا حتى بصيت في وش انسان ظالم زيك
سحب نفسا عميقا من سيجارته الذي أشعلها، ثم نفثه بهدوء، رغم احتراق صدره من حديثها الذي دعس على كرامته
نظر بشرود وتحدث دون النظر إليها
-أنا مش بتأسف على ال عملته فيكي..ذُهلت من حديثه، رفع حاجبه متزامنا مع شفتيه العلوية
-أنا بتأسف عشان هنتجوز من غير فرح زي مااتفقنا
كتمت صرخة مصعوقة من حديثه، ظهر الغضب على ملامح وجهها وتشنجت عضلاتها، تبتعد بنظراتها بعيدا عنه حتى لا تنهض وتقوم بصفعه ..أكمل حديثه
-الاستاذ مالك مش مقتنع، حاولي تقنعيه
حاولت التماسك رغم نيرانها المتداخلة فأردفت:
-انت قولت لبابا ايه، يعني شوفته فين
احاطها بنظراته
-جالي، وطبعا رافض الجواز
بتر حديثهما وصول مالك
-مساء الخير..قالها مالك وهو يطالع بدر الجالس بهدوء وكأنه لا يعنيه
ردت كوثر التحية، بينما نهال التي طالعته تطالعه بصمت
– مالك!!
فك حلته وجلس بمقابلتها
-اهلا مدام نهال، شرفيتنا
ابتسمت بسخرية قائلة:
-شوفت النصيب يااستاذ مالك، رجعنا اتقابلنا تاني
تنهد واستدار بنظره الى بدر
-بحاول اقنع نفسي يانهال أن ابنك قصده شريف
تهكمت ساخرة:
-وأنا كمان، ليه ابني ساب كل البنات والستات دي كلها وجاي يخطب بنتك مش كدا ولا إيه
نهضت رهف بجواره متجهين إليهم
جلس بدر بمقابلته بهدوء وأردف:
-كنت لسة بتكلم مع رهف على ترتيبات الجواز، فهي طلبت مني الجواز يتم بهدوء ومش عايزة فرح
تنهيدة طويلة خرجت من فم مالك وهو يوزع نظراته بين ابنته وبينه
قاطعت رهف النظرات
-كدا أحسن يابابا..رفضت كوثر وهي تنظر الى بدر
-انا مش موافقة يابدر، وكدا طلبك مرفوض، ثم نظرت لنهال التي ابتسمت بنصر هامسة له
-ياريت كنت عرفت والدتك مين العروسة قبل ماتيجي، بدل ماهي قاعدة مجبورة..التفتت إليه هاتفية:
-زي ماأنا مجبورة اقعد القعدة دي
ابتسم مالك عندما رفضت كوثر حديثهما، بينما توقفت رهف وهي تمسك كفيه
-ماما أنا موافقة على بدر، وانا ال مش عايزة فرح
نظر إلى كفيها المتشابك، وقشعريرة تسربت لجسده
الفصل الخامس
“اللهم ارزقنا الشهادة قبل الموت
وارزقنا حسن الخاتمة ”
إنَّما أشكُو إليهِ، حُزْنِيَ الذي لا صبرَ لِي عليهِ. لماذا نحتفظ بالحزن في أعمق مكان لنا بالقلب، والسعادة نجعلها سطحية. كم مؤلم أن تنهار من الداخل، وتبقى روحاً لا تشعر ولا تُحس، وتظل رغم الموت تبتسم للجميع.
تعاقبت الأيام سريعا على رهف، ورغم مرور الأيام إلا أن الخوف تعاظم بصدرها، ماذا ستفعل بعدما تصبح زوجته
جلست تنظر لفستان زفافها بوجه شاحب، بعدما كان وجهها يشبه القمر ليلة تمامه، لقد انطفئ نوره رويدا رويدا..بسطت أناملها تتحسسه وانزلقت عبرة غادرة من طرف جفنيها..أزالتها سريعا، فهي الآن تعيش حالة غريبة في خضم أحاسيس ارهقتها وأثقلت تفكيرها للتعايش على حياتها الجديدة..قطع شرودها مع نفسها طرقات خفيفة على الباب
ولجت الخادمة إليها :
– الأستاذ بدر جه برة يادكتورة وعايز يقابل حضرتك..أومأت برأسها قائلة:
-تمام روحي قوليله شوية وخارجة..خرجت العاملة متجهة إليه، نهضت من مكانها متجهة لخزانة ملابسها وارتدت فستانا أنيقا باللون الأزرق الغامق وحجابا باللون الأوف وايت، وخرجت لمقابلته
كان يجلس بجوار والدتها يتحدثون في ماضي مازالت أثاره تلاحقها، لا تعلم لمٓ تغير هكذا، ماذا حدث لكل هذا التغير، راقت لحديث قلبها الذي أجزم أنه يظهر قسوة عكس ما بداخله، ابتسمت بخفة ،فمهما يظهر من قسوة لا تناسب شخصيته ناهيك عن تربيته التي تركها والده ستشفع له
-مساء الخير..قالتها بصوتها الهادئ الذي يشبه آلة الناي
نصب عوده متوقفا يعانقها بنظراته، فمنذ اسبوعٍ لم يلتقيا
-عاملة إيه يارهف؟!
اتجهت إلى المقعد الذي يقابله وأجابته:
-الحمد لله إنت عامل إيه؟!
توقفت والدتها حتى تترك لهم مساحة من الوقت
-هجهز العشا، بدر لازم تتعشى معانا
أومأ برأسه دون حديث..تحركت والدتها للداخل، بينما هو توقف متجها إليها
-مبترديش على التليفون ليه..نظرت إلى تحرك والدتها حتى اختفت عن أنظارهم ثم اتجهت إليه موبخة إياه
-أكلمك ليه، متصدقش بجد إنك خطيبي، احنا بينا اتفاق ياحضرة الأستاذ، ياريت تفضل على قرارك
جذب كفيها يضغط عليه بقوة آلمتها، يجز على أسنانه مزمجرا بها بغضب:
-انا من وقت ماربطت كلمة مع والدتك يبقى إنتِ في مقام مراتي، وعلى هذا الأساس تتعاملي معايا
نفضت كفيها متألمة:
-ابعد ايدك وإياك تلمسني تاني، طول ماانت بتعاملني كدا فأنت قدامي متهم حولت حياتي لجهنم، وإياك تفكر انك قوي وأنا ضعيفة، انا عملت كدا عشان والدتي وبس، إنما لو خيروني بينك وبين موتي هختار موتي ياحضرة الافاكوتو..أنهت حديثها بأعين يتطاير منها الشرر، كان يطالعها بنيران جحيمية تخرج من مقلتيه فأشار بسبباته:
-اوعي تفكري انك ملاك برئ، وأنا عند رأيي فيكي انك حاملة دم ابوك اللص
-اخرص بقى ياأخي، هو انت مش وراك حاجة غير إنك ترمي الناس بالباطل، بس هقول ايه، انسان هجمي بيقنع الكل برأيه
-رههههف..قالها من بين أسنانه، وهو يسيطر على نفسه حتى لا يصفعها رفع نظره إليها وأشار محذرا
-متخلنيش أتعامل معكي بطريقة تانية، اللي شافعلك مامتك وبس، الست دي متستهلش اقلب عليكي
قطع حديثهم الخادمة:
-السفرة جاهزة يادكتورة..
-تمام روحي وأحنا جايين..استدارت بجسدها للتحرك جذبها بقوة من خصرها حتى أصبحت بأحضانه بالكامل
تواصل بصريا متزامنا مع تأوهها عندما ضغط بقوة على خصرها كأنه يعتصرها بداخل أحضانه وزمجر بصوت غاضبا:
-اتلمي حبيبتي بعد يومين هتكوني في بيتي وفي حضني كمان، ياريت تحترميني أكتر من كدا
ارتسم الألم داخل مقلتيها محدقة فيه بوجوم تشعر بقبضة تعتصر قلبها، فهتفت بهدوء رغم نيران قلبها المشتعلة
-بدر سيبني ماما تقول ايه
انحنى حتى أصبح قريبا من وجهها وداعب وجهها بأنفاسه الحارة
-هتقول ايه غير اتنين مخطوبين وفرحهم بعد يومين
شعرت بذبذبات بكامل جسدها لا تعلم ماهيتها، حاولت التملص من قبضته ولكنه كان الأقوى
رفعت بصرها عليه وعيناها اعكست نظراتها الغاضبة اتجاهه حتى شعر بكراهيتها له
تمكن من الضغط على أعصابه بصعوبة، ثم سحبها متحركا ومازال مطوق خصرها لكن بقوة أقل رافعا وجهه بشموخ وهو يتحرك بجوارها، وكأنها تتحرك معه برضاها وليس رغما
رفعت كوثر نظرها لدخولهما وناظرتهم بابتسامة
-تعالوا ياحبايبي، انزلت كفيه بهدوء متجهة لمقعد بعيدا عنه، ولكنه كان الأسرع وجذب المقعد الذي بجواره يرمقها بثبات
-اتفضلي ..رفعت نظرها بغضب محموم يكاد يندلع من حدقتاها
ابتسم بسخرية وهو يشير بعينيه على المقعد
جلست دون حديث، أشارت كوثر للطعام
-اتفضل ياحبيبي وبعد العشا يبقى نكمل كلامنا
قطبت جبينها متسائلة:
-كلام ايه ياماما!!
أشارت الى بدر وهتفت:
-بدر عايز يعمل فرح، قالي انك طلبتي منه وهو مش حابب يرفض، طيب ليه مقولتيش حبيبتي
استدارت إليه سريعا ترمقه بنيران جحيمية
-أنا قولتلك عايزة فرح..بدأ يلوك طعامه بهدوء، ثم رفع نظره وتقابلت عيناهما بنيران كلا منهما للأخر
-مقدرتش تطلبي مني حاجة يارهف وأرفض، وكمان دا من حقك، وخاصة انك أول مرة تتجوزي
كانت أنفاسها تتسارع حتى شعرت بتوقف نبضها بسبب زيادة النبض..ضغطت على السكين الذي بيديها
فابتسم بتسلية يشير إلى كفيها الممسك بالسكين، فانحنى يهمس لها
-براحة ياروحي، ممكن تتصابي بجلطة لا قدر الله
-روحي..هي لم تركز سوى بكلمة روحي..ابتعدت بنظرها عن عيناه الصقرية التي تخترقها
تنفثت بتثاقل فوجوده بالقرب منها يجعلها تحبس النفس بصدرها..قطع شرودها مع نفسها عندما هتفت والدتها :
-الفستان حلو اوي يابدر، تسلم ايدك
التفت يطالع تلك الصامتة فابتسم بسخرية عندما لمعت عيناها بالدموع فأجاب كوثر
-رهف غالية ياطنط ولازم تلبس الغالي..أومأت برأسها مبتسمة وهي تربت على ظهرها
-رهف دي نسمة حياتي يابني ..كانت عيناه ثاقبة على ملامحها بصمت ..رفعت عيناها له وتحدثت:
-فكرت في موضوع الفرح دا وقولت بلاش منه
نهض بعدما مسح فمه بالمحرمة قائلًا:
مينفعش انا حجزت الفندق خلاص، وكمان الفستان جه، شوفي ناقصك إيه
أطبقت على جفنيها عندما شعرت تسارع نبضها، فكلما تتذكر أنها ستصبح زوجته يتفتت قلبها
نهضت بعدما تحدثت كوثر
-روحي حبيبتي مع خطيبك، وأنا هخليهم يعملولكم قهوة
ذهبت بساقين مرتعشة تنظر إلى ظهره وهو متحركا لغرفة الصالون
وصلت إليه ثم جلست بعيدًا عنه بعض الشئ، جلس يضع ساقا فوق الأخرى وبدأ ينفث تبغه بهدوء دون حديث، طالعته غاضبة
-ممكن اعرف ايه لزوم الفرح، وليه قولت عايزة فرح
نفث تبغه وهو يطالعها بصمت للحظات وعيناه تراقب ملامحها الجميلة
-أنا جيت علشان اسألك سؤال واحد وياريت تجاوبي عليه، اينعم جوازنا مش عادي، لكن أنا راجل شرقي
تنهدت بصوت مرتفع ثم تحدثت:
-اسأل وعلى مااظن لو عندي الأجابة هقولك
-ايه حكايتك مع الظابط..ضيقت عيناها غير مستوعبة حديثه ، ثم تسائلت:
-مش فاهمة تقصد إيه !!
نهض متجها إليها ، جلس بجوارها على بُعد خطوة وتسائل:
-الظابط اللي كان هنا اخر مرة
تراجعت بجسدها للخلف
-دا سؤال ولا شك..رفع سبباته بتحذير:
-اياكي تتخطي حدودك معايا، انا لو عندي شك كنت مستحيل اربط اسمك بيا
أطلقت ضحكة على غير الموقف وتحدثت تثير غضبه:
-شاكك!!، ايه ياحضرة الافوكادو، دا انت مجوزني علشان شاكك اني متهمة، اوزن كلامك ياحضرة، ماهو لو متأكد مكنتش اتجوزتني علشان تنتقم
وصلت العاملة بالقهوة..أشارت على المنضدة
-حطيها هنا، استمعوا إلى طرقات على باب المنزل، نهضت متجهة لفتح الباب
وجدت ذاك الذي أمسكها بعنف
-ايه اللي سمعته دا، أنتِ اتجننتي، عايزة توصلي لأيه، أنتِ قولتي انك هتبعدي تفكري، مش تلاقي غيري
استمع لصوتها مع شخصًا اخر، تحرك إليهما
-ايه اللي بيحصل هنا
ارتجف جسدها من صوته، استدارت له محاولة السيطرة على نفسها
-دا أيوب..هو. .هو، اتجه أيوب إليه يطالعها بعينًا ثاقبة، فدنى قائلًا:
-اهلا يااستاذ بدر..رفع بصره للتي تقف منكمشة، تناظره بعيونا متألمة
-مكنتش اعرف عندكم ضيوف
ضيق بدر عيناه، وهنا ثقب الشك قلبه من ملامحها المنكمشة، فاقترب يحاوط خصرها، ثم نظر إلى أيوب هاتفا بمغذى
-ايه ياروحي مش تعرفي حضرة الظابط أن فرحنا يوم الجمعة
باغتها أيوب بنظرة مطولة، فتكورت عيناه بالعبرات، واقترب ناسيًا بدر ثم تحدث بهدوء رغم إحتراق قلبه:
-مبروك، ياريتك عرفتيني كنت جبتلك هدية وأنا جاي ..قالها واستدار متحركا سريعا..انزلت يد بدر، وهرولت خلفه
-أيوب..توقف يواليها ظهره
اقتربت منه وانهمرت عبراتها ممزوجة بقلبها الذي نزف، وقفت خلفه وهتفت
-أيوب!! استدار وطالعها بنظرات متألمة
-مبروك يارهف، كنتي عرفيني بدل ماانا منتظر بقالي سنين تتلعبي بمشاعري، قالها وتحرك من أمامها
كان يقف خلفها، زفر الهواء المكبوت بصدره دفعة واحدة،محاولا التغلب على شياطين غضبه من دموعها التي انزرفت على ذاك المختل كما أطلق عليه
استدارت وجدته واقفًا وعيناه ترسل لها سهام مشتعلة بالشك جعلت قلبها ينبض بعنف، اقترب منها وجذبها من رسغها
-قوليلي فيه ست محترمة، تسيب خطيبها وتجري ورا حبيبها يامحترمة
أزالت عبراتها بقوة، ورمقته بنظرات نارية هاتفة بمقط
-اولا دا مش حبيبي، ثانيا والأهم أنا محترمة غصب عن أي حد، ثالثا ودا الأهم انا بكلمه على السلم قدام الكل..وانت مش جوزي علشان تتكلم معايا كدا
انكمشت ملامحه بتعبير ساخرًامع نظرات متهكمة:
-اومال ايه اللي حصل دا؟!
ضغط على رسغها مزمجرا
-جهزي نفسك يادكتورة بكرة هجي نكتب كتابنا، وقتها عايز أشوف لسانك الطويل دا هيتمادى ولا لا
قالها وتحرك للخارج دون حديث آخر
ولجت للداخل والمًا بقلبها يكاد يفتك بها، استندت على باب منزلها مستندة بظهرها عليه
-يارب جمّلي قدري، ربنا يهديك يابدر، شكلنا هنتعب بعض أوي
وصلت والدتها تنظر إليها متعجبة من وقفتها بتلك الحالة
-رهف واقفة كدا ليه حبيبتي!!
اعتدلت مبتسمة ثم أشارت على الباب
-لا بدر مشي، فكنت بقفل الباب، وشكلي شردت شوية
ربتت والدتها على كتفها
-بدر ابن حلال، عارفة إنك لسة متأثرة من سوء الفهم، بس اضمنهولك، اصلي عارفة تربية هاني القاضي، ولو كنت شاكة فيه، كنت مستحيل اقبل بجوازه منك
بصوت مفعم بالبكاء ورعشة أصابت جسدها
-ماما !!
ألقت نفسها بأحضان والدتها وسيطرت على آهات قلبها:
-هو باين عليه كدا ياست الكل، لكن فيه حتة الغرور شوية
استمعوا إلى طرقات على باب منزلهما، استدارت تفتح إذ بها تنصدم من تلك التي تقف أمامها
-عاملة إيه ياعروسة، قالتها وولجت للداخل، تنظر إلي والدتها
-عاملة إيه ياانطي..تحركت كوثر للداخل
-اهلًا يابنتي، عاملة ايه ؟!
ولجت انجي بجوارها
-كويسة الحمدلله ، اتجهت بنظراتها إلى رهف
-جاية أشوف لو رهف محتاجة حاجة
جلست رهف تشير بيديها
-غريبة ياانجي، يعني من اسبوعين كنتي بتبري مني، دلوقتي اختك
رجعت بظهرها تضع ساقًا فوق الأخرى
-آسفة ياروحي، كنت مضايقة وجت فيكي، ودلوقتي انا جاية اعتذر ولو محتاجة حاجة أكيد هتلاقيني، متنسيش إننا اخوات
رجعت خصلاتها للخلف ثم أومأت برأسها
-طبعا طبعا ياأنجي، نهضت انجي تمسك كفيها
-طب ياله وريني اشتريتي ايه علشان الفرح
كانت تطالعها بصمت، ولم تبد أي ردة فعل، ولكنها تحدثت عندما توقفت تطلب من ابنتها الدخول في تفاصيل حياتها فهتفت :
-حبيبتي نسيتي كنتي بتقولي عايزة تروحي لصاحبتك
دققت النظر لوالدتها ففهمت ماتريده
-نسيت ياماما، لازم اجهز دلوقتي علشان ارجع بدري، نشوف ناقصنا ايه قبل الفرح
عقدت انجي ذراعها تنظر حولها بمقت فلقد ذهبت خطتها هباء
باليوم التالي وهو اليوم المقرر بعقد قرانها، جلست بغرفتها تنهي زينتها، ولجت صديقتها
-اجمل عروسة دكتورتنا، ابتسمت رهف وهزت رأسها
-ميرسي يانسمة، عقبالك ياقلبي..جلست بجوارها تمسد على خصلاتها
-انتِ جميلة اوي يارهف، وان شاءالله بدر يكون عوضك عن أيام الوجع اللي عشتيها كلها
ألقت الفرشاة ونظرت إليها بأعين مترقرقة
-أيوب جه امبارح واتواجه مع بدر..هزت رأسها منتظرة تكملة حديثها
ابتلعت غصتها وأسترسلت
-أنا ضايعة ومش عارفة أعمل ايه يانسمة، مش عارفة اخد قرار
دنت نسمة وضمتها لأحضانها
-أيوب!!..هو مش إنتِ قولتي إنه مش في بالك ومجرد صداقة
بحزن لون ملامح وجهها حتى تجلى بنبرة صوتها هتفت:
-مااتكلمناش من آخر مرة قولتله سبني افكر، كان مفكر اني بفكر، مايعرفش اني اتخذت قراري بالرفض، بدر رجوعه هز كياني تاني يانسمة
قالتها بدموع الوجع والخذلان..مسدت نسمة على ظهرها قائلة:
-رهف انسي أيوب، أيوب ماضي وانتهى، وبعدين لسة فاكر يجي، مش هو اللي بعد بالشهور من غير أسباب، اه قولتي هتفكري، بس مش شهور كاملة يارهف وبعدها يجي يسأل
احتضنت وجهها تزيل عبراتها:
-إنتِ لسة بتحبيها، استدارت تنظر لنفسها بالمرآة بضياع
-أنا معرفش إن كنت حبيته ولا لا، اللي حاسة بيه دلوقتي اني تايهة وخايفة اظلمه معايا، هو مقلش مبرراته
تنهدت نسمة بحزن ثم هتفت:
-اللي اعرفه لو حبك مكنش اختفى دون مبررات، وليه ظهر دلوقتي بعد خمس شهور، رأيي إنك تنسيه وتعيشي مع بدر، ماتنسيش أنه راجع بغموض، ولو حس أن فيه حاجة مش هيسكت، وكمان طريقة جوازكم دي لازم نتقبلها حاليًا علشان هو مقتنع انك زي انجي، فابعدي ومتحاوليش تتعبي تفكيرك بأيوب، لازم تقنعي بدر انك غير انجي ووالدك، نظرت لعيناها
-آسفة يارهف، بس عمو هو اللي وصلكم للحال دا
ولجت كوثر تنظر لأبنتها
-حبيبتي ياله المأذون جه، وبدر ووالدته برة، ومعاه بنت معرفش تقربله ايه
نهضت تنهي زينتها، ثم ارتدت حجابها وخرجت
نهض عندما رآها، بسط كفيه يسحبها لتجلس بجواره، رجفة أصابت جسدها من ملامسة كفيه
لأول مرة تحتضن كفيه، أغمضت جفونها تسحب نفسها، حتى تسيطر على دقات قلبها، جلست مرتبكة تنظر لوالدتها المبتسمة، وصل والدها بجوار أنجي التي ترمق رهف بنيران الغيرة، توقف مالك وهتف
-عايزك في كلمتين على إنفراد..توقف بدر متحركًا خلفه، جلست تفرك كفيها من التوتر والخجل بآن واحد
ربتت نسمةعلى ظهرها
-رهف اهدي حبيبتي..اومأت تطالع وقوفهم داعية الله بسريرتها أن ينقض اليوم سريعا
عند بدر ومالك
-لأخر مرة بعرض عليك عرض، خد اللي إنت عايزه وابعد عن بنتي يابدر
وضع كفيه بجيب بنطاله يطالعه بهدوء:
-ليه يااستاذ مالك، هو احنا بنشتري ونبيع، بنتك هتبقى مراتي بعد شوية
ضغط مالك على ذراعيه بغضب:
-مادخلش رهف في عدواتنا يابن القاضي
قطب جبينه متسائلا:
مش فاهم قصدك يااستاذ مالك، عدواة ايه اللي حضرتك بتقولها، قصدك موت ابويا، ولا جدي..انزل يديه من فوق ذراعيه ودنى منه قائلًا:
-ياله ياحمايا علشان منتأخرش على المأذون..قالها وتحرك دون حديث
تحرك بدر وابتسامة شقت ثغره؛ لأنه توصل لمبتغاه
لانت ملامح رهف بعدما وجدته متجهًا بإبتسامته، تقابلت نظراتهم للحظات حتى شعرت بتوقف قلبها، فأشاحت ببصرها بعيدًا عنه
اتجه وجلس بجوارها هامسًا لها:
-طالعة كتير حلوة..رجفة قوية تضرب عمودها الفقري، حاولت الابتعاد عنه، ولكنه تحكم بقبضته على كفيها
-خلاص يادكتورة، كلها دقايق وهتكوني ملكي، نظرت حولها بضياع حتى بهتت ملامحها فهمست بتقطع
-سيب ايدي يابدر، دا مش إتفاقنا ..بتر نظراتهما قول المأذون
-نبدأ بسم الله
بعد فترة انتهى عقد القران، نهضت هاربة للأختلاء بنفسها بعدما تحرك الجميع سوى من والدها واختها وصديقتها
ولج والدها بعد طرقاته على الباب..أزالت عبراتها واعتدلت
-اتفضل حضرتك يابابا..جلس والدها ونظراته تحاوطها بعجز
-ليه مسمعتيش مني حبيبتي ، ليه وافقتي تتجوزيه وأنتِ عارفة أنه هيضرك
نهضت من مكانها ورسمت ابتسامة
-مين قال لحضرتك كدا، أمسكت كفيه وهتفت
-أنا مقتنعة ببدر جدا، ومتنساش حضرتك طفولتنا مع بعض كانت ازاي، وزي ماقولت قبل كدا ..كان سوء فهم بينا وبس
قبل جبينها وهمس
-آسف يارهف مقدرتش احميكي منه ..قالها وتحرك للخارج
الفصل السادس
“لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ”
أيها الجريء لا تخلق اعذارا لظلمك ولا تلقى الملامه على الاخرين لا تغمض عينك وانظر إلى كل مايدور من حولك لأنك تدرى بأن بلاؤك من صنع يديك اصنعت شئ لم ترى له ظلاً اغرست بذرة ولم تحصدها كل ما صنعت من روحك وجسدك وسيأتي اليوم ترى فيه البلاء كطفل
جلال الدين الرومي
بعد اسبوعٍ
بأشهر الفنادق المطلة على نهر النيل، توقف أسفل الدرج بأناقته وبدلته التي أظهرت وسامته الطاغية،توقف ناصبا عوده بجواره صديقه ووالد عروسه، هبطت بجوار أخيها على أنغام الموسيقى الكلاسيكية الهادئة تعانق ذراع اخيها
طلت بفستانها الأبيض الجميل الذي يشبه ملامح وجهها، فستانا من التل وححاب مطرز باللؤلؤ أضاف لوجهها نورًا واشراقة كإشراقة الصباح الندي
ارتفعت أصوات الموسيقى شيئا فشيئا لتخبر الجميع عن وصول العروس
رفع نظره إليها، هنا تمرد قلبه وارتفع نبضه، ورغم ذاك كانت نظراته إليها نظراتٍ باردة ..تحرك بعدما لكزه صديقه، لمقابلتها، وتوقف والدها أمامها، طابعا قبلة حنونة نادما على ما فعله بها..همس لها
-بيت ابوكي مفتوح في أي وقت متفكريش انك وحيدة
ابتسمت بهدوء لوالدها وأجابته بنبرة خافتة:
-ربنا يخليك ليا يابابا . استدار يرمق بدر ثم أشار عليها
-اتمنى تحافظ عليها..بسط كفيه إليها؛ لتتشابك الأيدي
خطت بجواره عدة خطوات حتى توقف لتعانق ذراعه لدلوفهم لقاعة الزفاف
جلس بجوارها لبعض الوقت حتى ينتهي ذاك الزفاف الذي لا يعلم لماذا اعده، طالعها بنظراته وهي تبتسم للجميع كأن ابتسامتها نزلت على صدره بلسمًا لجراح روحه، نهض يعانق كفيها ليصل بها لمكانهما المخصص بالرقص حتى ينهي تلك المسرحية كما اوصله عقله
أحاط خصرها بذراعه وأمسك كفيها ليتحرك على نغمات الموسيقى، رفع نظره إليها:
-كنتي بتضحكي من شوية، رفعت رأسها وتلاقت بسواد ليله مردفة بنبرة متهكمة:
-ليه حضرتك مستني مني اضحكلك مثلا، أنا بحاول اقنع الناس بطيبتك المزيفة قدام الجميع
امال برأسها وهمس أمام شفتيها:
-مش محتاج منك تحسني صورتي قدام حد، حسني صورتك إنتِ بس
أشعلت كلماته صدرها حتى انهارت قواها أمامه
-إنت مين؟! فين بدر بتاع زمان
حاوطت خصره ودنت منه وعيناها تراقب نظراته المتهربة
-لو حقيقي مقتنع اني شيطانة زي ماعقلك بيقولك يبقى مستحيل نتقابل، انا مقتلتش جدك
ابتسم بسخرية واتجه يوزع نظراته للجميع
-احنا اتفقنا، ودلوقتي إنتِ مراتي لحد مالشروط تتقبل
تراجعت متنهدة بألمًا يفتك قلبها قائلة:
-افتكر اني حاولت اكلمك واوضحلك انك ظلمتني
التوت زاوية فمه بإبتسامة ساخرة
-أيوة عارف انك مظلوم زي ما مالك بيه ظلم والدي
-افهم بقى انا ماليش دعوة بحد ..ضغط على خصرها فرفعت موج بحرها لتعانق جحيم نظراته، اهتزت نظراتها فرفرفت بأهدابها تبتعد عنه وهي تنظر بكافة الأرجاء بإبتسامة مصطنعة، رغم نيران صدرها
..انتهت الرقصة متجهين لمكانهما..توقف بجوارها يعانق كفيها ويتلقى التهنئة..اقترب صديقه
-مبروك يابدر، بالرفاء والبنين ..هز رأسه
-عقبالك ياكريم..تحركت والدتها كوثر تضمها بحنان أموي
-ربنا يسعدكم يابنتي ويرزقكم الخلف الصالح، ثم اتجهت الى بدر
-رهف دي كانت هدية من ربنا ليا يابدر، وانا دلوقتي بعطيلك الهدية يابني بتمنى تحافظ عليها
قبل كفيها وابتسم
-إن شاءالله ياطنط، متخافيش عليها ..ربتت على كتفه
-ربنا يبارك فيك ياحبيبي
بعد فترة
وصل إلى منزله بعد إنتهاء حفل الزفاف، كانت تتحرك خلفه بجسدًا ينتفض من الخوف، رغم إنها تعلم إنه ليس من الرجال الذين يأخذون شيئا غصبًا، إلا أن هناك مايرعب دواخلها
امسك كفيها فوجدها باردة كبرود الثلج، رمقها بصمت ثم تحرك بخطواته الواثقة، شعرت بإنحباس النفس بصدرها، بسبب لمسه لكفها الناعم، توقف يطالعها بصمت مريب، توقفت أمامه -ايه مش هندخل ولا رجعت في كلامك، قطع نظراته المريبة صوت هاتفه، في ذاك الوقت..تحرك بعض الخطوات ليجيب على هاتفه
أخذت تتنفس الصعداء بعدما تركها، نظرت حولها على تلك الحديقة الشاسعة، ورغم مابها من أشجار وزروع إلا أنها افتقدت لروح الحياة
وصل إليها بعد لحظات معدودة يبسط كفيه لتعانقه، مرجعتش في كلامي ولا حاجة، توقفت تنظر إليه تشير إلى المنزل :
-مفيش حد موجود، المسرحية خلصت..ثورة حارقة اندلعت بجوفه، أراد أن يلتهمها بعدما استمع لكلماتها ..فسحبها من كفيها وتحرك بخطوات تأكل الأرض إلى أن وصل لداخل منزله.. وجد العاملين والعاملات يتوقفون للترحيب به مع عروسه
توقف يوزع نظراته عليهم ثم تحدث:
-الكل النهاردة أجازة، وبكرة من بدري تبقوا موجودين، نهال هانم مش هترجع الليلة
تحرك الجميع بصمت و طاعة لحديث ولي نعمتهم
أشار لها على جناحه
-ياله ياعروسة هتفضلي واقفة كدا..أحست ببرودة بجسدها حتى تصلبت أقدامها ولم تقو على الحركة
زفر بضيق عندما وجد توقفها، فاتجه إليها يجذبها من كفيها..حاول تهدئتها عندما شعر ببرودة كفيها وعيناها الضائعة فهتف:
-رهف متخافيش مش هقرب منك بدون إذنك، ممكن تهدي
ابتلعت ريقها وتحركت بجواره دون حديث، وصلت لذاك الجناح الذي يخصه
ولجت خلفه، قابلتها رائحته التي اخترقت رئتيها، انقبض صدرها ولم تعلم لماذا
توقفت بمنتصف الغرفة ولم تعلم ماذا عليه فعله
تحرك إلى المرحاض وهتف
-هدخل أغير في الحمام وانتِ غيري هنا
جلست على الفراش الوثير تنظر حولها تتفحص الغرفة، اعجبت بذوقه الراقي، وأساسه الفاخر، ذهبت ببصرها إلى ذاك الإطار الذي يوضع على الكومودو يحتوي على صورته، حملتها تنظر إليه
أغمضت عيناها من أثر الرجفة التي انتابت جسدها، فأخذت أنفاسها بصعوبة، لا تعلم بماذا تشعر..لمست الإطار بأناملها تطالعه بألم كاد أن يخترق عظامها، وضعته مكانه
خرج بعد فترة وجدها مازالت تجلس بمكانها، تحرك إلى أن وصل إليها
-مغيرتيش ليه؟!
نهضت تفرك كفيها فهمست بتقطع:
-الفستان، أصله .. فهم ماتريد قوله، ڤأدار جسدها بهدوء دون حديث
سحب نفسًا قويا عندما أصابته قشعريرة قوية بعموده الفقري، من ملامسة أنامله لظهرها حينما فتح سحاب فستان زفافها
حملت فستانها وتحركت بعدما اكتشف معظمه أمامه، تحركت بخطوات متعثرة ونبضات عنيفة تخترق روحها، ولجت لغرفة الملابس، تركت فستانها فانزلق من فوقها ، هوت على الأرض تكتم شهقاتها من جراحها الداخلية التي تعج بالألم، تريد أن تهرب من ذاك القيود التي وضعها حول عنقها..ظلت جالسة لفترة تضع ذقنها على ركبتيها، تنظر بشرود كالذي فقد الحياة..استمعت إلى طرقاته ثم هتف
-اتأخرتي ليه، إنتِ كويسة، أزالت عبراتها واجابته بصوت متقطع:
-خلاص شوية وخارجة..نهضت بجسد متراخيًا واتجهت تفتح الخزانة وجدت تلك المنامة أمامها..ألقت فستانها بغضب
وسحبت منامة بيضاء اللون، تعد لتلك الليلة، بحثت عن شيئا آخر فلم تجد سواها
زفرت بضيق عندما تذكرت ترك ثيابها بالسيارة
ضغطت بأسنانها على أناملها
-وبعدين ، اروح أقوله عايزة هدوم..جذبت المنامة وارتدها ثم أرتدت فوقها مأزرها، جلست بمكانها ولم تقو على الخروج بتلك الحالة
تراجعت على الأريكة ثم سحبت نفسًا قويا لتثبط نوبة بكاء مرة أخرى كانت على وشك انهيارها ..استمعت إلى طرقات على باب الغرفة مرة اخرى، ثم دفع الباب وولج بهيئته المؤذية لقلبها
منعت تنفسها من رائحته التي ملأت رئتيها، تحرك بخط سلحفية متجهًا إلى جلوسها
-قاعدة كدا ليه!! قولتي خلصتي ومخرجتيش ،سحبت بأناملها مأزرها القصير للأسفل ..ذهب ببصره لحركتها ثم اقترب منها :
-متخافيش ولو خلعتيهم كلهم قولت لك مش انا اللي اخد واحدة غصب عنها، تحرك إلى النافذة وأكمل ماشق صدرها:
-لو عليا مش قادر اتقبل وجودك، لكن لازم منه..استدار برأسه ورمقها
-تفتكري لو أنتِ مكاني ممكن تعملي إيه في عدوك علشان تنتقمي منه
خطت للخارج وهدرت به:
-تموتني علشان ترتاح بعد ماتاخد حقك
-مخبيش عليكي فكرت فيها، لكن محبتش؛ ليه علشان كدا هريحك، وانا مش عايز اريحك
كانت إجابة واهية معدومة الصدق، لو نظرت لعمق عيناه لهرب منها
-تمام ياسيادة المتر المبجل، أنا قدامك اعمل اللي انت عايزه، دنت منه خطوة وتوقفت تغرز امواج بحرها بسواد ليله وهتفت
-ومتنساش وانت بتاخد حقك مني
بسط كفيه إليها
-قومي علشان نصلي، تحركت من أمامه هاربة، ابتسامة شقت ثغره على حركاتها الطفولية ..توقفت بمنتصف الغرفة وهتفت بتقطع
-هدومي في العربية، مفيش حاجة ألبسها علشان كدا لبست البتاع دا
اتجه إلى الخارج، رجع بعد دقائق وبيده إسدالا ثم بسط يديه إليها
-إلبسي دا، علشان نصلي، والصبح هجبلك هدومك من العربية ، أصلها مش هنا، مفيش غير عربيتنا اللي جينا فيها
ومش معنى هصلي بيكي يبقى حياتنا عادية متحلميش بكدا، تحرك إليها ومازال يضع كفوفه بجيب بنطاله وتابع :
-دي سنة للعروسين ممكن تعتبريها كدا..دنى برأسه وتعمق بعينها
-تعرفي اكتر حاجة بتكسر الست ..همس بجوار أذنها
-لما الراجل يبقى مضطر يقبل يعيش مع اكبر حد بيكرهه في حياته، ويعاملها وكأنها مش موجودة
لف ذراعه حول خصرها وجذبها بقوة يقربها إليه، حتى وضعت كفيها على صدره، ودنى أكثر من اللازم حتى اختلطت أنفاسها
-اجهزي ياعروسة علشان تنفذي شرطي بعد مانصلي ، هتنزلي الشرف دا يابنت مالك المحلاوي وتكوني ام لابن بدر القاضي
توقف مجرى الدم بعروقها وهي تسأله بصدمة:
-إنت قولت مش هتقرب مني دون اذني
عقد حاجبيه بغرور رجل متجبر:
-هو أنا قولت هقرب بدون اذنك، انا قولت هتكوني ام لابن بدر القاضي، وقت ما تكوني مستعدة تبعدي عني، أما بقى لو عجبك حياتي ودا اكيد انتي عايزة تفضلي جنبي اكبر وقت فبكدا هتمنعي نفسك علشان هتخافي ان الشرط يتنفذ وتبعدي عن بدر القاضي..أغمضت جفونها من إهانته المتعمدة لها
استدارت للمغادرة ولكنه أوقفها قائلاً:
-اجهزي علشان نصلي أنا تعبان وعايز ارتاح
اومأت له دون حديث ودلفت للداخل، خرجت بعد دقائق معدودة، كان يقف بالشرفة يواليها ظهره، شعر بخطواتها، استدار ينظر لها، احتقن داخله من جمالها الذي هز كيانه، وذهب بخيالاته لتلك الأيام ..همست بصوتها الرقيق
-انا جاهزة ..استدار للجهة الاخرى واغمض عيناه للحظة محاولا تمالك أعصابه من هيئتها فقد كانت
ندية مثل قطرة الماء،
-بدر..همسات بها بعدما وجدت صمته
هنا شعر بدقات عنيفة بشقه الأيسر، لهمسها لاسمه أول مرة ، كور قبضته لابعاد ذاك الشعوروتحرك مقتربًا منها
اتجها لركنيهما الخاص بالصلاة، وقاموا متجهين للحي القيوم
انتهى بعد قليل ..جلست تسبح ربها تهرب منه، نهض متجهًا إلى الفراش، قام بخلع كنزته وألقاها على المقعد
-استدارت بوجهها تصيح غاضبة
-ايه دا، انت ناسي إني معاك في الأوضة، وبعدين هنام فين
أشار على الفراش وتحدث:
-احنا لسة مخلصين صلاة، مش عايز كلام كتير، ومبحبش أعيد الكلام مرتين، إنتِ مراتي هتنامي جنبي هنا على السرير، ودا آخر كلام
نهضت تشيربسبباتها محذرة إياه:
-أكيد بتهزر أنام جنبك إزاي، انكمشت ملامحها بألم وظهر غضبها على وجهها فأردفت:
-هروح انام في أوضة تانية
تسطح على ظهره واضعا كفيه تحت رأسه ينظر لسقف الغرفة، ثم تحدث:
-يبقى اعمليها، وشوفي هعمل إيه
ظلت متسمرة بمكانها لا تعلم ماذا تفعل، اخذت تمرر يديها التي ارتجفت كحال جسدها على خصلاتها وهي تراه بتلك الحالة ، تحركت إلى الأريكة وهتفت موبخة إياه:
-إلبس حاجة مينفعش تقعد كدا، نهض من نومه متجها إليها ، فيكفي ماصار طيلة اليوم، يريد أن يريح ذهنه،
توقف أمامها وبفظاظته المعهودة معها تحدث محذرًا إياها:
-انا قولت مبحبش اعيد كلامي، ايه مش شيفاني راجل قدامك، ولا شايفة جايبك من الشارع علشان تنامي في مكان وانا في مكان ..
انحنى يجذبها من عنقها حتى جلست بمقابلته بجسد مرتجف:
-طول ماانتِ على ذمتي هتنامي جنبي حتى لو غصب عنك ، قالها ثم
حملها رغمًا عنها واتجه بها إلى الفراش، انزلها محاوطًا إياها بذراعيه بقوة رغم محاولتها الفاشلة من التملص من بين ذراعيه
قام بنزع مأزرها مردفًا:
-هننام في ليلتك دي، ولا اعمل حاجات مش هتعجبك، قالها بنظرات نارية، جعلتها تتراجع متجهة إلى الفراش
تسطحت تجذب ذاك الغطاء لتخفي جسدها عن أعينه الأختراقية التي لأول مرة تراه بها
والته ظهرها مبتعدة عنه على طرف الفراش..تلقى بجوارها، ثم قام بإغلاق الأضاءة الخافتة، اغمض عيناه محاولا السيطرة على دقات قلبه التي بدأت تنبض بعنف من رائحتها الشهية، فمنذ إقترابه منها، وبدأت مشاعره تتحكم به، ظل يتقلب بنيران مشاعره التي خرجت عن السيطرة، كلما تذكر أن غيره يمتلك قلبها
تعاقبت ساعتين وهو بنفس الحالة، ولا يختلف الأمر لديها، لم يغفو لها جفنًا بسبب انحباس النفس بصدرها، ورائحته التي طاردت رئتيها بقوة، ابتلعت غصتها كلما تذكرت أن هذه ليلتها التي كانت تحلم بها مع من يمتلك قلبها، ولكن أتى هذا ليحطم أحلامها، بسبب ماضي مأسوي يحاصرها لم ترتكب به شيئًا سوى إنها ابنة الرجل الذي اتُهم بقتل والده، وتمر عدة سنوات وتقع فريسة له بسبب إتهاماته الباطلة بقتل جده
حدثت نفسها، هل هذا الشخص الذي أول من دق له قلبها، انسابت عبرة كلما تذكرت طفولتها معه، ذهبت بذاكراتها
Flash
استيقظت من نومها مهرولة للخارج
-ماما فيه أخبار عن النتيجة، حيث كانت بالصف الثالث الأعدادي، كانت كوثر تذهب ذهابًا وإيابا منتظرة إتصال هاني القاضي، لحظات واستمعت إلى زنين جرس المنزل
هرولت لتفتح الباب، وجدته واقفًا بطلته البهية لعينها والخاطفة لقلبها
-بدر!!..أشار بعينيه
-ينفع تطلعي تفتحي الباب وانتِ كدا
نظرت إلى منامتها الصيفية فهرولت للداخل بعدما شعرت بالخجل
ولج للداخل : صباح الخير ياطنط كوثر
-صباح الخير ياحبيبي، معدتش على مدرسة رهف النهاردة نتيجتها
ابتسم وهو يعانق الأخرى ببصره فهتف:
-مبروك الأستاذة نجحت الأولى على مدرستها
صرخت كالأطفال
-نجحت ياماما، نجحت بتفوق، هرولت إليه
-احلى خبر من احلى بدر في الدنيا..استمعوا إلى طرقات على باب المنزل
فتحت الخادمة ..ولج مالك يوزع نظراته بينهما
-مالكم واقفين كدا ليه !!ثم اتجه بنظره الى بدر قائلا:
-شايف جيتك بقت كتير يابن هاني القاضي
استدار متحرك فهتف:
-كنت ببارك لبنتك، تحركت رهف إليه
-بدر هتمشي..وضع كفيه بجيب بنطاله مردفًا
-رايح الجامعة أشوف النتيجة، ثم رفع بصره إلى مالك وصنع تواصل بصريا بينه ثم تحدث بمغذى
-عيلة القاضي هضيف محامي عنده ضمير..اقترب منه مالك يطالعه بوجوم
-تقصد ايه يالا..تحركت كوثر إليه سريعا
-يبقى طمني ياحبيبي على النتيجة
تحرك ولكنه توقف عندما استمع إلى صوت مالك
-اه ياريت تعرفوا نتيجته ايه قبل ماتسافروا
ارتجف جسد رهف من حديث والدها، فذهبت ببصرها إلى بدر، الذي تصنم بوقفته فهتف متسائلا:
-هتسافروا!!..اقترب مالك بخط سلحفي واستفهم بإستهجان :
-ايه عندك مانع ولا إيه !!.
هز رأسه رافضا ثم ذهب ببصره الى كوثر
-هتوحشوني ياطنط كوثر يبقى طمنوني عليكم
ربتت كوثر على ظهره
-إن شاءالله حبيبي، شكرا على كل حاجة
تحرك بعدما ألقى تلك المتصنمة نظرة وداع
ارتفعت حرارة جسد مالك بعد خروجه
-نفسي اعرف ليه بتقابلوا الولد دا هنا
انسابت عبراتها بقوة وتحدثت بنبرة شجية
-أنا مش عايزة أسافر..اقترب والدها غاضبا
-هتسافري تكملي تعليمك برة، زيك زي أختك، مش مستعد تدخلي ثانوي هنا وتطلعي فاشلة، هتسافري مع والدتك وأخوكي ودا آخر كلام عندي
دفع ذراعه عن ابنتها وهتفت غاضبة
-ابعد عن البنت يامالك، احنا مش عايزين نسافر، ايه هتجبرنا ولا ايه
تجعدت حواجبه بإنزعاج وزمجر غاضبا بوقوع عاصفة قوية بينهما
-قولت هتسافروا، وجهزوا نفسكم ..استدارت لأبنتها
-رهف ادخلي جوا حبيبتي،عايزة اتكلم مع بابا
تحركت ودموعها تفرش الأرض أمامها
-عايز ايه يامالك، جاي بتجبرنا على حاجات مش عايزينها ليه
قبض على ذراعها هاتفا بنبرة قوية :0
-متخلنيش اندم اني سبت الولاد معاكي، احترمي نفسك ياكوثر، وابعدي بولادك عن عيلة القاضي، بدل وحياة أغلى حاجة لأحرمك منهم، اجهزي على بكرة الصبح هتسافروا امريكا، بنتك تكمل تعليمها هناك وابنك كمان كبرلازم تفكري في الولاد
انسدلت عبراتها على خديها بعجز
-هو فين ابني دا، ابني اللي حرمتني منه عشر سنين، ربنا ينتقم منك يامالك
دنى يضغط على ذراعها بعنف، حتى شعرت بغرس أظافره بلحمها وهتف بنبرة غاضبة دون جدال
-ومستعد احرمك منه تاني، ومش بس كدا مستعد اخد منك بنتك، وانتِ عارفة إني اقدر
عودة للحاضر
خرجت من ذكريات مؤسوية ، تتذكر ذاك اليوم الذي قابلته بعد خمسة عشر عاما ..
كانت تدلف لداخل المشفى تتحدث بهاتفها
-حاضر ياماما، لو جه مش هتناقش معاه، واحاول اخلص بدري علشان حضرتك قلقانة على بنتك الدكتورة اللي كملت 30سنة، كدا كويس
-رهف حبيبتي متتريقيش على مامتك..زفرت بقوة بعدما شعرت بتأنيب الضمير
-خلاص ياماما وعد احاول اخلص شغل بدري ، كدا كويس ياست الكل
ابتسمت كوثر قائلة:
-ربنا يبارك لي فيكي ياحبيبتي..أغلقت الهاتف مع والدتها وتحركت وهي تضع الهاتف بحقيبتها ولكن اصطدمت بحائط بشري، توقفت معتذرة بعدما سقط الهاتف من كفيها، وامالت بجسدها تلتقطه قائلة:
-آسفة يافندم، انحنى قبلها والتقطه يبسط كفيه إليها
-أنا كمان اسف، كان المفروض اخد بالي …ذبذبات اخترقت جسدها من صوته، رفعت رأسها سريعا لتتأكد من مصدر الصوت أنه هو..ابتسامة لمعت بعيناها عندما وجدته، فهمست بصوت كاد أن يسمع:
-“بدر”..نزع نظارته بعدما همست اسمه، يحدج بها ورغم معرفته بها، لكنه أنكرها، وتحمحم
-عفوًا، مين حضرتك..اختفت الابتسامة متذكرة مافعله بها قبل سفرها بيومًا، فتراجعت متأسفة وهي ترتدي نظارتها قائلة:
-آسفة يافندم شبهتك بواحد معرفة قديمة، سوري..قالتها واستدارت متحركة للداخل، لاحت ابتسامة ساخرة على وجهه ثم أردف:
-حاولي تتذكري كويس، علشان مش كل الناس هتكون محترمة وتوقف تتكلم معاكي بأسلوب راقي، إلا إذا كان الموضوع متكرر ووخداه تسلية..قالها وهو يشيعها بنظرة مشمئزة، ثم انزل نظارته على وجهه وتحرك من أمامها بعنجهية..انسابت دمعة غادرة تحرق وجنتيها ليتها لم تنتظره كل هذا الوقت
قبضت بكفيها على الفراش لحظات لتنظم من تتفسها ثم استدارت بجسدها إليه ..وبأنفاسًا هادرة ودقات قلبها التي تقرع كالطبول تحدثت بهدوء رغم عواصفها الداخلة:
-أنا جاهزة، لكن عندي شرط
اعتدل بجسده على ظهره ينظر لسقف الغرفة، والتوى فاهه بإبتسامة ساخرة:
-مالكيش شروط عندي، انا شرط وانتي وافقتي..هبت من نومها تطالعه بغضب وصاحت بصوتا متقطع:
-لو ربنا رزقني بطفل مستحيل أتنازل عنه، سمعتني ولا لا ..
-لا ..قالها ببروده المستفز..نظرت إليه بعيون عاجزة ماذا ستفعل لهذا المغرور ..لحظات صمت مميتة أرادت بها قتله حتى تريح من دقات ذاك الضعيف، من أنفاسه ورائحته حتى صوته المزعج ..نهضت من فوق الفراش وتحركت لداخل غرفة أخرى تصفع بابها بقوة صارخة من خلفه
-يبقى مش هيحصل بينا حاجة حتى لو هتموتني ..انا بكرهك يابدر سمعتني بكرهك وبكره كل حاجة بتفكرني بالماضي اللي جمعنا
تعاظم الغضب بداخله حتى ارتفعت أنفاسه فهب من مكانه متجهًا اليها، دفع الباب ودلف وجدها تجلس على الفراش تبكي بصمت ..ارتجف جسده من حالتها، عيناها التي تورمت وانسياب دموعها بكحلها حتى أصبحت وجنتيها بها خيط اسود، أنفها الذي ازداد احمرار من كثرة شهقاتها..خصلاتها الهاوية على وجهها بشكل عشوائي، حقًا من يراها يزعم بإنهيارها للحد الذي يصل بها لفقدان الحياة
زفر غاضبًا ثم اقترب منها يجلس بجوارها ثم أردف:
-احنا مش اتفقنا ليه جاية تغيري رأيك كدا
رفعت عيناها الباكية:
-إنت امتى بقيت شخص عدواني كدا، ليه مش عايز تصدقني، انا ماليش ذنب بتاخد طارك مني ليه
أوقفها يضم أكتافها ثم تحرك لغرفته:
-رهف انا تعبان ممكن نتكلم بعدين ، بقالي كام يوم منمتش وماليش خلق للكلام دلوقتي..ممكن تأجلي أي حاجة لبعدين
طالعته بأعين حزينة تريد أن تعرف ماذا حدث له، تخيلت سيخبرها ، تخيلت قسوته وهما أمام والدها فقط، ولكن ذهب هباء بعد حديثهما ..تحركت بهدوء للغرفة فصوته المتعب لا تنال منه اي حديث..تسطحت على الفراش تواليه ظهرها ..تمدد بجوارها ثم اقترب منها يجذبها لأحضانه ومرر أنامله يزيل عبراتها وهمس لها:
-رهف الليلة دخلتنا، مش عايز اغصبك على حاجة
أغمضت عيناها ورجفة اخترقت جسدها من همسه وانفاسه التي ضربت عنقها
جذبها أكثر حتى لم يفصل بينهما شيئا، بعدما وجد صمتها ، وبدأ يمرر أنامله بخصلاتها يستنشق رائحتها
، انتفض جسدها بين ذراعيه بقوة ، حتى شعرت بتصلب جسدها، الذي انتابته قشعريرة
همس بجانب أذنها:
-اشش ، أهدي هاخدك في حضني بس ..أطبقت على جفنيها تحاول السيطرة على عبراتها التي تجمعت بعيونها مرة اخرى، ابتلعت ريقها بصعوبة قائلة بألمًا تجلى بصوتها :
انت مش عايز تتكلم، رافض تتكلم، انت قولت لي انا بنت عدوك، ودلوقتي بتاخدني في حضنك
-وينفع تاخد بنت عدوك في حضنك، البنت اللي قتلت جدك ..أدارها بهدوء،وتنهيدة عميقة غادرت ضلوعه، فتحدث بأسى:
-عارف إنك مظلومة، لكن دا ميمنعش إنك غلطي، ودلوقتي فكري انك مراتي وبس، والليلة دخلتنا
رفعت موج عيناها تعانق سواد ليله :
-ليه عملت فيا كدا، ليه سرقت فرحتي مني، عملت فيك ايه، مع إنك أكتر واحد أذتني
أشار على نفسه عاقدا حاجبه:
-أنا ..أنا أذيتك، طيب أقول ايه وحياتي اتسرقت مني، بسبب مالك بيه، ردي عليا ابوكي اللي حرمني من أحب حاجة لقلبي، موت أبويا بحسرته بعد ما بخس بسمعته الأرض
رفع ذقنها وحاوطها بنظراته
-تعرفي حاولت اكرهك وانتقم منك بس مش عارف..انسابت عبراتها على وجنتيها بصمت، ازالها بإبهامه وأكمل
-أنا كنت شاكك انك تكوني بالأجرام دا، لكن دا ميمنعش إنك اذيتيني
أطبقت على جفنيها، ممكن تبطلي عياط، دنى منها وهمس بجوار أذنها
-ألف مبروك ايه مش هنكمل المباركة !!
شعرت برجفة من اقترابه الزائد عن الحد، ومضمون حديثه ناهيك عن أنفاسه التي لافحتة وجهها، تراجعت برأسها بعيدا متمتمة
-دا مش إتفاقنا، متنساش إن جوازنا إتفاق، وانت قولت مش هتقرب لي
جذبها بقوة لصدره:
-إنسي أي كلام قولته، المهم لازم تنفذي الشرط، وكان من ضمن إتفاقنا يكون ليا طفل…مرر أنامله على عنقها
-عايز طفل منك يارهف، الليلة دخلتنا اتمنى تكوني جاهزة
ذبذبات عنيفة انتابت بجسدها بالكامل، فعانقته بعيناها
-تقصد إيه؟!
ارتفعت درجة حرارة جسده من همسها وقربها ورائحتها الشهية حتى فقد السيطرة وعصرها بأحضانه ناسيا وعده محاولا الأنسياق وراء رغبته بها بعدما فقد سيطرته الكاملة ..تشابكت عيناه بعيناها، ثم اقترب قائلا
-أقصد كدا…قالها وهو يثبت رأسها ليتذوق شهدها ويغزو قلبها ويخترق أسوارها بصك ملكيته بعد فترة من همساته ولمساته الخبيرة، حتى وقعت صريعة بعشقه المدفون لسنوات بقلبها، لتصبح زوجته قولا وفعلا
دفنت نفسها بأحضانه بعد فترة اجتاحت كلا منهما، غفت بسبب إنهاك جسدها، ظل لفترة يطالع نومها بهدوء، رغم شعور جديد اجتاح كيانه إلا أنه غضب من نفسه بسبب انسياقه وراء رغبة شهوانية لأول مرة، كيف سيبرر لها بالصباح، بعدما اشعرها بقوة حبه
اشتعل صدره ودقات قلبه العنيدة تدق بعنف عندما رسمتها عينيه بتقلبها وابتسامتها البريئة، كم كانت جميلة بنومها
لمس وجنتيها بأنامله هامسًا لنفسه:
-فيكي ايه خليتني أفقد نفسي..زفرة حارقة من جوفه كلما تذكر همسه له وانسياقه خلف قلبه الذي بدأ يعزف بقربها
اعتدل ناهضا إلى المرحاض، خرج بعد اغتساله، ثم تحرك إلى الشرفة وقام بإشعال سيجاره وذكريات الماضي تصفعه بقوة ..كور قبضته بعنف حتى شعر بتمزق أوردته
-ازاي قدرت تقرب منها، من إمتى وانت ضعيف كدا، ظل يحرق تبغه إلى أن شعربنيران تحرق صدره
اتجه إلى الأريكة وألقى بجسده عليها ينظر لسقف الغرفة وذكرياته المتألمه تشق صدره، ظل على ذاك الحال إلى أن غفى
مرت عدة ساعات، نهض متجها إلى مرحاضه، وخرج بعد فترة وجدها قد استيقظت، أرجعت خصلاتها المتمردة على وجهها، ثم رفعت نظرها إليه
-صباح الخير..وقف أمام المرآة واجابها دون أن يعريها إهتمام
-صباح النور..كانت تطالع ظهره الذي يواليها به، بحثت عن روبها ثم جذبته، أورتدته ناهضة من فوق الفراش
-هنسافر دلوقتي؟!تسائلت بها وهي تقف خلفه تنظر لأنعكاس صورته
ارتدى ساعة يديه، بعدما قام بتصفيف خصلاته، ثم استدار متجها إلى أشيائه الخاصة وهتف بنبرة هادئة
-مفيش سفر غيرت رأيي
ابتسمت بمرارة بينما تكونت الدموع بعينها لتقول بصوت مختنق
-طيب معرفتنيش ليه، مش كنت قايل هنسافر، حتى كنت جبت هدومي
لم يجد كلمات تعبر عن أسفه عندما شعر بحزنها من خلال نبرتها
استدار يطالعها بصمت للحظات ثم تحدث:
-مش فاضي عندي شغل، ومتنسيش إتفاقنا، واللي حصل إمبارح كان علشان الأتفاق، دنى خطوة ثم رفع ذقنها بأنامله وتعمق النظر بعينها، عايز طفل، مفيش حاجة أكتر من كدا، تجمدت بوقوفها تنظر إليه بأعين زائغة، غير مستوعبة
ابتلعت غصة وخزت جوفها بمرار إهانته، فرفعت موج بحرها تريد إسترداد كرامتها فأجابته بنبرة باردة:
– عارفة..انتقلت أنامله لخصلاتها يزيحها بعيدًا عن عيناها قائلًا:
-أكيد أنتِ مش زعلانة، لأننا عارفين الغرض من الجواز دا
ابتلعت نيران بجوفها وأردفت بصوت يكاد يسمع
-ربنا يوفقك، قالتها واستدارت تعض أناملها ندما على تفريطها بكبريائها له ليلة أمس
اتجهت بخطوات بطيئة، كأنها تحمل فوق عاتقها حمل الجبال، ولجت المرحاض، ثم أغلقت بابه خلفها، وهوت جالسة تضع كفيها على فمها تمنع شهقاتها
سطر الحزن ملامح وجهها الجميل، حتى دفع الدمع بالدمع يحرق وجنتيها حرقًا، ونزيف روحها يخنقها
ظلت فترة تبكي بصمت حتى شعرت بجفاف دموعها
أغمضت عيناها متألمة على ماصار لها، نهضت متخبطة، وولجت للداخل لتنهي حمامها
بعد فترة انتهت واتجهت للواحد القاهر الذي يذيب آلم روحها
فردت سجادتها ثم اتجهت للحي القيوم لتؤدي فريضتها، ركعت بخشوع وانسابت عبراتها داعية الله المولى أن يريح قلبها ويرزقها الراحة والأطمئنان والسعادة، أنهت صلاتها بعد فترة، ثم جلست تسبح ربها، ثم نهضت متجهة إلى فراشها، والقت نفسها عليه بإسدالها..استنشقت رائحته على الفراش شعرت بإختناقها، نهضت سريعا تبحث عن غرفة أخرى حتى تقيم بها الأيام القليلة التي تجمعهم
ولجت لداخل الغرفة اتجهت للفراش وتمددت عليه لتذهب بنومها هاربة من مستقبل لا تعلم ماذا سيكون قدرها به
الفصل السابع
اللهم استرنا فوق الارض وتحت الارض ويوم العرض عليك
قدراً ساقني إليكِي
و كأني خلقتُ لهذا القدر
أمطارُ عشقٍ أغرقتني
كإنسان إرتكبٓ ذنباً لا يُغتفر
فمن لم يعشق قلبكِ
فلا يرى نور القمر
عاد بدر بعد عدة ساعات، دلف الغرفة يبحث عنها، شعر ببرودة تجتاح جسده عندما شعر بفقدانها
بحث عنها بالغرف، اخيرا وجدها تغفو بهدوء كطفلة ذات الخمس أعوام
جلس بجوارها يرسمها بعينيه، وبخيلاته ليلة أمس
تنهد متألمًا هامسا لنفسه
-معرفش قدرنا هيعمل فينا ايه، رجع جمعنا بعد السنين دي كلها، بس بطريقة مؤذية اوي، ياترى لسة فيكي البراءة ولا اخدتي طباع ابوكي
سحب نفسًا وزفره ثم نهض متحركًا للخارج، استمع إلى رنين هاتفه:
-أيوة ياكريم..أجابه كريم على الجانب الآخر
-مبروك ياحضرة القاضي، لسة عارف من شوية أنك اتعينت قاضي
جلس على مقعده ..ثم أطلق صوتًا اعتراضيا تردد في حلقه وأخرجه من أنفه قائلاً:
-مكنش في بالي اصلًا، ومش فاضي لكن المستشار سامي العمدة أصر .. المهم سيبك إنت من موضوع القضاة دا، وبكرة الصبح عايزك تعمل اجتماعات للمحامين
نهض كريم ينظر للخارج ثم تحدث متسائلا:
-بدر إنت كويس، ليه مسافرتش شهر العسل
أطلق ضحكة ساخرة وأجابه دون الدخول بتفاصيل:
-هو أنا كل شوية هعمل شهر عسل ولا إيه، امشي ياله لسة راجع من برة وعايز ارتاح
قالها ثم أغلق هاتفه
اغمض عيناه متراجعًا للخلف، وأصوات كثيرة متداخلة بعشقه الصامت لها، اقنع نفسه ماهي إلا نزوة وستنتهي بعد فترة، سحب كم من الهواء وطرده غاضبًا من سيطرتها عليه، نصب عوده وتوجه إلى المرحاض، خرج بعد قليل متجهًا إلى غرفتها، وقف يطالعها للحظات بصمت ثم اقترب يمسد على خصلاتها
-رهف ..رهف..كررها عدة مرات حتى فتحت عيناها المنتفخة من البكاء، وهمست بصوت متحشرج من النوم
-أيوة.. فيه حاجة، هيئتها سحبته رغمًا عنه، فقد صفعه قلبه بعدم إتزانه، فانحنى يتذوق شهد شفتيها للحظات، أفاقت من نومها على قبلته التي أدمت قلبها، عاجزة عن ابتعاده، ضاع الأثنين بخضم مشاعرهما المتناقضة، فصل قبلته ومازال محاوط جسدها
-ليه نايمة هنا!!
اخيرا فاقت على واقعها المرير، فابتعدت بجسدها عنه وأجابته:
-أنا هكون مرتاحة هنا، ياريت تحترم رغبتي، جوازنا اتفاق، حضرتك تلتزم بيه، وياريت بعد كدا متقربش مني بدون أذني
دفن وجهه في حنايا عنقها النقي الذي يشبه الثلج، يستنشق رائحتها الندية لقلبه الصحراوي هامسًا إسمها من بين شفتيه
-إنسي، مفيش اللي بتقوليه دا مفيش ست بتبات بعيد عن جوزها
انتفض قلبها من حديثه، نعم لقد خصها بزوجته، فكيف له إهانتها البشعة
تجمد جسدها بين ذراعيه، محاولة السيطرة على قلبها الخائن فهمست قائلة:
-بدر إنت مقتنع باللي بتعمله، رفع رأسه وتعانقت النظرات، تائه بعيناها لا يعلم ماذا عليه قوله، قلبه يعاقبه بما يفعله، وعقله يصفعه
حمحم متجليًا صوته:
-عايزة توصلي لأيه؟! قالها مبتعد بنظره عنها
احتضنت كفيه وتلألأت عبراتها بخط من الدموع، قائلة بنبرة حزينة:
-إنت تصدق إن رهف ممكن تأذي جدو عثمان، فين بدر بتاع زمان
نهض كالملسوع عندما ذكرت الماضي ونبرة حارقة لروحها أردف قائلا:
-الماضي ماضي يا مدام، وانا معرفكيش غير انك رهف المحلاوي، فبلاش تستعطفيني بشوية الدموع دول، احنا الاتنين قدام معادلة صعبة ولازم نحلها بهدوء علشان كل واحد مننا يطلع خسران اقل حاجة، أنهى كلماته الموجعة بنظرات حاسمة
نهضت من مكانها وهي بحالة مأسورة خلف نيران عشقه الذي اشعله القدر مرة اخرى، فهمست قائلة:
-الظلم ظلمات يابدر ياقاضي، وهعملك اللي أنت عايزه، لكن افتكر إنك لتاني مرة بتكسرني، اقتربت وغرزت عيناها بعينه قائلة:
-هيجي الوقت اللي يأكدلك إنك أكبر ظالم ليا، حتى انك ظلمتني أكتر من بابا، هو بنفيه ليا دون وجه حق، وانت بظلمك وتماديك معايا ، ولو بدور على مين فينا اللي المتهم في نظر التاني، فأنت المتهم الأول يابن القاضي، لأنك في الاول بعدت بدون وجهه حق، ولتاني مرة تبعدني بذنب مش ذنبي، كدا النهاية اتكتبت بينا، وحاضر همشي على بنود عقد الجواز اللي حضرتك عملتها، اقتربت أكثر حتى اختلطت أنفاسهما، ثم رفعت كفيها تلكزه قائلة:
-علشان اكدلك إنك المتهم الوحيد والظالم في حياتي..قالتها وتحركت للخارج
مرت الأيام سريعا بينهما والحال كما هو عليه، بدر الذي يهرب من قربها بعمله، وهي التي تعودت على حياتها الجديدة
ذات مساء يجلسان بصمت كعادتهما يتتناولان العشاء، في جو لا يخلو من النظرات ولجت لميس ووالدته
-مساء الخير..رفعت رهف نظرها إليهما
-مساء النور، تحركت والدتها وجلست بمقابلتها
-عاملين ايه، رجعتوا إمتى
اتت رهف لأجابها ولكنه سابقها قائلاً:
-احنا مسافرناش غير يومين ورجعنا، رهف عندها شغل في عيادتها الجديدة ومحبتش اقف قدام شغلها
جذبت لميس مقعد ووجلست بجواره وهتفت بمغذى:
-بس دا شهر عسلكم يعني المفروض تنسى كل حاجة وتتفرغ لجوزها، بسطت كفيها تتلاعب بزر قميصه واقتربت منه قائلة بنبرة إغوائية:
-فاكر يابدر في شهر عسلنا، كنت مش عايز ترجع، ثم استدارت بنظرها للرهف التي تأكل بصمت
-معرفش ليه مااتحملتش يومين عسل، يمكن الجوازة دي لحاجة تانية
نادت نهال على العاملة ثائلة بأمر
-جهزي أوضة لميس هانم، وطلعي شنطها، ثم استدارت لأبنها مردفة:
-خالتك سافرت الصبح لجوزها فطبعًا مينفعش لميس تقعد لوحدها
نهض من مكانه قائلًا:
-البيت بيتها، ثم التقت عيناها الصامتة قائلا:
-يالة حبيبتي علشان ننام عندي شغل بدري، نهضت لميس وعانقت ذراعه
-بدور حبيبي عندي مشكلة ومحدش هيحلها غيرك، ممكن نتكلم شوية
رمقها بتحذير عن قربها، ولكن ذهب ببصره على رهف التي ألقت الشوكة من يديها
امسك كف لميس وتحرك قائلا:
-طبعا يالميس تعالي على المكتب، ثم صاح بالخادمة
-هاتي قهوتي على المطبخ
نظرت نهال بتشفي لغيرة رهف الظاهرة على وجهها فأردفت بخبث
-رغم أنهم اطلقوا، لكن تفضل لميس الأولى عند بدر، اوعي تغيري منها يارهف، هي دلوقتي بنت خالته وبس، وهي بتعتبره اخوها، ياريت متعملش مشكلة
نهضت رهف وأجابتها بهدوء رغم نيران قلبها
-لأ متخافيش مش هتأثر بعلاقاتي مع جوزي، مش معقول تأثر على بدر ماهي كانت قدامه
استمعت لصوت ضحكاتهما، وجدت الخادمة تحمل إليه القهوة، فتحركت قائلة:
-استني عندك..تقدمت منها وحملت عنها قهوته، ثم أشارت بعينيها على قهوة لميس
-حطي دي لمدام لميس مع طنط نهال، يشربوا قهوتهم مع بعض
قالتها وتحركت للداخل، وجدته جالسًا خلف مقعده ينفث تبغه، وتلك اللميس تجلس تتحدث إليه، ولكن كأن عقله مشغولًا بشيئا آخر
اقتربت منهما، ورسمت ابتسامه تطالعه بها
-جبتلك القهوة حبيبي، ثم اتجهت بنظرها إلى لميس قائلة:
-أما قهوة مدام لميس برة مع طنط نهال، قولت اكيد زمانها خلصت كلامها، وهتخرج برة، ماهو ماينفعش تبقى عزول مع راجل ومراته
تراقص قلبه فرحًا من كلماتها، ودّ لو نهض وعانقها عناقا آذبها داخل أحضانه، يكفي هذا البعد الذي اتخذته منذ آخر لقائهما الوحيد
رفعت لميس حاجبها ساخرة وأردفت:
يعني حضرتك بتطرديني بالذوق ..تحركت رهف متجهة إلى بدر الذي راقه فعلتها، ثم جلست أمامه على المكتب بجرأة لم تعهدها
-مقولتش كدا حبيبتي، أنا قصدي إننا عرسان جداد ومحبتكيش تتحرجي مش اكتر..بسطت كفيها على ياقة قميصه ونظرت لعيناه السعيدة بحركاتها فدنت منه
-مش كدا ياحبيبي، هو أنا غلطت
دنى بها وبنظرة خبيثة ابتسم يجذبها حتى جلست على ساقيه، وفعل بشفتيه صوته معترضًا
-لأ طبعًا ياحبي، إنتِ مبتقوليش غير الصح
نهضت لميس تضرب قدمها بالأرض ثم خرجت ونيران نظراتها ترمقهما تريد إحراقهما
هبت من مكانها عندما استمعت لأغلاق باب المكتب، تراجعت للخلف وطالعته بألمًا
-المفروض تراعي مشاعري قدام الناس، وتحفظ كرامتي، زي ماأنا بعملك حساب
قالتها واستدارت، نصب عوده واتجه إليها
-استني عندك!! توقفت تواليه بظهرها ودقات عنيفة. تكاد تخترق اضلعها
وصل إليها وجذبها حتى أصبحت بأحضانه
أدارها ورفع ذقنها لامسًا وجنتيها بأنامله:
-مين قالك أن محفظتش كرامتك، على ماأعتقد باب المكتب كان مفتوح، وأنتِ دخلتي وشوفتينا قاعدين إزااي، يعني بلاش كلامك اللي بتحاولي تبيني فيه اني راجل خاين ومفتري
تراجعت ثم نفضت كفيها من فوق وجنتيه قائلة
-شكل حضرتك متعرفش أن من الأصول ماينفعش تختلي بيها
تحركت سريعًا من أمامه..وقف متنهدًا يحدث نفسه
-وبعدهالك يابدر، هتفضل كدا لحد إمتى..تحرك خلفها وعزم قراره
وصل إلى غرفتهما وجدها تخرج من غرفة الملابس، بعدما أبدلت ثيابها، تحركت ولم تعريه إهتمام متجهة لغرفتها
أوقفها عندما اعترض مكانها وتحدث بنبرة جيلدية
-هتنامي معايا الليلة قالها وتحرك متجها المرحاض
فهمت معنى كلماته، فجلست بمكانها وقلبها ينزف من حقيقة زواجهما
مر شهرين على زواجهما، والحال كما هو
ذات مساءًا خرجت من غرفة العمليات بعدما اعتذرت عندما شعرت بالغثيان وعدم انتظام تنفسها، ناهيك عن الدوران الذي أصاب جسدها
هوت على المقعد تحاول لمام شتات نفسها عندما فقدت القدرة على الحركة
استمعت إلى طرقات على باب مكتبها، ولجت انجي اختها
-ممكن ادخل..اومأت برأسها
ولجت ثم جلست بمقابلتها
-عاملة إيه واخبار جوزك ايه
تراجعت مغمضة عينيها وهمست :
-الحمد لله..نهضت متجهة إليها ثم جلست أمامها على سطح المكتب
-كنت عايزة أقولك حاجة علشان متزعليش مني
فتحت عيناها منتظرة حديثها فهمست قائلة:
-خير فيه حاجة؟!
ضغطت على شفتيها بأسنانها ثم اردفت :
-أيوب..اعتدلت تطالعها بصمت فاستأنفت انجي حديثها
-أيوب انا معجبة بيه، وهو خايف تكون عندك مشكلة يعني في ارتباطنا
نهضت رهف بجسدًا واهن، ثم ربطت على كتفها
-لأ حبيبتي، لو فعلا شايفة أنه بيحبك متفكريش فيا، أيوب عمره ماكان في قلبي، ثم صمتت لبعض اللحظات وأسترسلت بإبانة
-علاقتي بأيوب كانت عابرة ، ومتعلقتش بيه ولا حاجة..رسمت ابتسامة على وجهها واحتضنت وجهها
-الشخص اللي طول عمري بحلم بيه وحبيته فعلا، هو اللي انا ملكه دلوقتي
صاعقة أصابت انجي فتسائلت بتيه:
-كنتي بتحبي بدر قبل أيوب تقصدي
اتجهت لمقعدها مرة أخرى وإجابتها بنبض قلبها الذي نبض بعنف من مجرد ذكره
-أيوب مكنش في حياتي ياأنجي، بدر حب طفولتي، ولولا اللي حصل زمان كنا زمان متجوزين
ضيقت مابين حاجبيها
-وبدر كان بيحبك، انطفأت لمعة عيناها وأومأت برأسها
-لو ماكنش بيحبني مكناش اتجوزنا ياانجي
هزت انجي رأسها مردفة
-بس هو مقاليش كدا
قطبت رهف جبينها متسائلة :
-تقصدي ايه..نزلت برأسها اسفًا قائلة:
-كنت مضايقة من جوازه منك، وروحت لعنده، فقالي أنه متجوزك إنتقام
شعرت بأنقباص بأحشائها من حديثه الذي شق صدرها، ورغم ذلك ابتسمت
-مش يمكن قالك كدا علشان شايف إعجابك بيه، وضعت كفيها على أحشائها وأسترسلت بإبانة:
-تفتكري واحد مبيحبش مراته هيبقى عايز يجيب منها اطفال
ابتسمت بحبور ممسكة كفيها
-إنتِ حامل ..هزت رهف رأسها وابتسمت
-وانتِ أول واحدة تعرفي، احتضنتها ودمعت عيناها
-رهف أنا آسفة، آسفة على كل حاجة وشكرا على وقوفك جنبي
ضمتها رهف بمحبة ثم اتجهت إلى متعلقاتها الخاصة، بعدما نزعت بالطوها الطبي واردفت
-يالة نعمل كبسة لحضرة الظابط، لازم اكدله أن مفيش حاجة تربطنا غير الصداقة مش أكتر
تحركت الفتاتان للخارج، انجي التي تغيرت كثيرا ووعدت نفسها بالتغير للأفضل بعد قربها من رهف وعلمت بمدى نقاء قلبها
ورهف التي تحركت بجوارها بقلبًا متألمًا كلما تذكرت حديثه عن الانتقام ..وصولوا لذاك المكان الذي ينتظرهم أيوب به، ولكن هناك من العيون من تقوم بمراقبتهما
جلسوا بعض الوقت، بعدما أخرج الثلاثة كل مايعتليه قلوبهما…نهضت رهف مبتسمة
-أنا هروح بقى، مش عايزة ابقى عزول، اتمنى تحافظ على انجي ياأيوب، واعرف لو حاولت تزعلها هقفلك
ابتسم ونهض قائلا:
-هوصلك للعربية، تحركت بجواره وهي تشعر بالدوران يحاوطها، توقفت عندما انتابتها غمامة سوداء، ولم تشعر بنفسها إلا حينما سقطت هاوية تلاقها بين اذرعه يصيح بصوته على انجي، التي وصلت إليهما سريعا
حملها ووضعها بجوار اختها متجها إلى المشفى
بعد فترة وصلت إلى منزلها بعد مكثوها فترة تحت الرعاية الطبية والأطمئنان على الجنين، والطبيب الذي اوصاها ببعض النصائح
ولجت للداخل بجسد مرهق واهن، كان ينتظرها وصدره يشتعل بنيران جحيمية يريد التهمام كل ما يقابله
نهض عندما وجدها تدلف من باب المنزل..اتجه إليها سريعا ثم أمسك رسغها بعنف:
-كنتي فين دا كله..
-بدر..سيب ايدي بتوجعني
ضغط بقوة يغرز أظافره برسغها حتى شعرت بتمزقها فهتفت بألم
-اتجننت، ابعد عني، قالتها غاضبة بعد الفكاك من محاصرته
دفعها وصاح بغضب
-مبترديش ليه، المدام كانت فين دا كله، ياترى كانت معزومة على قعدة حلوة
دفعته بقوة صارخة ، ثم أشارت بسبباتها
-هنا وألزم حدك، الخوض بشرفي كدا جبت اخرك، مش علشان ساكتة هتتخطى حدودك، أشارت على نفسها وصاحت مزمجرة
-إياك ثم إياك تتخطى حدودك، اللي قدامك دي رهف المحلاوي
قالتها واستدارت متجهة للأعلى سريعا، هرول خلفها يحذبها بعنف، فنيران الغيرة اكلت أحشائه كلما تذكر صورتها وهي بأحضان ذاك الأيوب يريد أن يحطم كل مايقابله، يريد إحراقها لما فعلته بقلبه
-لما اكلمك توقفي قدامي وإياكي تسبيني وتمشي
دفعته عندما اشتد آلامها وهتفت بنبرة متألمة
-لو سمحت نتكلم بعدين ..استدارت لتحرك ولكنه عرقل طريقها وجذبها بعنف صارخ عندما فقد السيطرة على نفسه:
-لأ يامدام لازم تجوبيني وتقوليلي كنتي فين، ايه مش عارفة الإجابة ولا خايفة
رفعت نظرها إليه بذهول
شكلك مش واعي لكلامك، جز على أسنانه مزمجرا من بين أنفاسه وهناك غيرة حارقة تحكمت به فهتف بفحيح
-مش واعي ،لما اشوف مراتي في حضن غيري مستنية اصقفلك يامدام
هنا فاق آلامها وصمتت عندما عجزت عن الرد، استدارت هاربة، ولكنه أوقفها بنيران جحيمية بصوته الذي افزعها ودفعها بغضب يود أن يلقيها صريعة، فكيف لرجلُ الصمود أمام نيران الغيرة القاتلة
-مش هتمشي يارهف غير لما تجاوبيني، كنتي بتعملي ايه مع الظابط، وازاي تسمحي لنفسك أنه يشيلك، هو لدرجة دي قدرتي تخدعيني ببرائتك المرسومة ببراعة
أطبقت على جفنيها متألمة من اتهاماته التي اخترقت صدرها كالسهام القاتلة
ظلت تطالعه بوجه اصابه الألم والخيبة، فلقد تأقلمت على اوجاعها التي سكنت روحها ..أصابه الجنون من صمتها فهزها بعنف صارخًا
-هتفضلي خرصة كدا، ردي على جوزك وجاوبيه ليه روحتي تقابلي حبيبك القديم ليكون عشيق في السر يامدام
هنا انهارت قواها واظلمت الأرض بدورانها حولها حتى هوت فاقدة للوعي مرحبة بتلك الغامة تدعو الله بقلبها ألا تصحو مرة أخرى
هوت مدحرجة على الدرج بصرخة اهتز لها جدران منزله، وهو يراها بتلك الحالة
وقفت والدته ولميس ينظرون بذهول لتلك التي وصلت لأخر الدرج والدم أسفلها
توقف بجسد شاحب كشحوب الموتى وهو يراها كأنها فارقت الحياة، تكورت العبرات بعينيه يهز رأسه رافضا ماصار، توقف لسانه عن الحديث وكأن أصابه الشلل
صاحت والدته غاضبة:
-ألحق البنت يابدر، شكلها كانت حامل
كتم صرخة مصعوقة جاشت بها حنجرته مما استمع إليه من كلمات والدته ..صمتا مقتولا يصاحبه رجفة قوية اجتاحت جسده كالزلزال
ووالدته تصرخ
-البنت حامل بالفعل وشكلها سقطت الحمل
هنا فاق من صدمته واسرع يحملها بين يديه يضمها إلى صدره متجها إلى المشفى
خرجت الطبيبة بعد قليل وعلامات الأسى على وجهها
-المريضة فقدت الجنين ربنا يعوض عليكم
شهقت نهال تنظر لأبنها بحزن، ربتت على ظهرها
-متزعلش بكرة ربنا يعوضك..بينما لميس التي تجلت السعادة على ملامحها، بعدما نجح مخططها، رسمت الحزن واقتربت تحتضنه
-معلش يابن خالتي ملكش نصيب في البيبي ، بس ايه اللي حصل
كان واقفًا كأن على رأسه الطير، وصفعة قوية تضرب قلبه دون رحمة، وضميره الذي يعاقبه
-قتلت ابنك بإيدك، تحرك متجها إلى غرفتها ، كأنه طفلا يتعلم السير، فتح باب الغرفة ودلف للداخل بهدوء، وجدها تستغرق بنوم هادئ بسبب تلك العقاقير، كفيها المغروز به الإبر، والمحاليل، رفع كفيها يحتضنها ثم طبع قبلة عليه
-آسف..قالها بآه مؤلمة خرجت لتحرق جوفه، تكورت عبراته بعينيه فأردف كأنها تسمعه
-عارف إني ظلمتك معايا، اتمنى تسامحيني
ظل لبعض الوقت حتى رفرفت بآهدابها متأوة فتحت عيناها وصورته البعيدة ترودها بسبب المواد المخدرة بالعقاقير
همست اسمه وهي تضع كفيها على احشائها
-ابني، ابني يابدر أنا حامل انحنى بانفاسًا ملتهبة وقلب محترق يمسد على خصلاتها ، ثم ابتلع جمرة حارقة بجوفه هامسًا لها
-ربنا يعوض علينا، المهم تكوني كويسة ..تعلقت عيناها بعينيه إثر سماعها كلماته التي اخترقت صدرها
فانهمرت عبراتها ممزوجة بآلامها قائلة بنبرة حزينة
-ابني مات قبل ماالمسه، قبل مااحس بنبضه، موت ابني يابدر، وصل بيك عقابك لموت ابني
احتضن كفيها وأطلق تنهيدة مرتعشة وهو يهز رأسه
-لأ يارهف ، مالناش نصيب فيه، انا مكنتش اعرف ولا كنت قاصد
-اطلع برة عايزة اكون لوحدي..
كلماتها نزلت على قلبه ادمته، يكفي أن صدره يحترق كمرجل جف ميائه من كثرة الغليان ..اتسعت عيناه حينما استمع ماحطمه كاملا
-طلقني ياحضرة القاضي..الاتفاق انتهى ، حملت وربنا عاقبنا، كفاية لحد كدا، لا انا هقدر اسامحك ولا إنت هتقدر تسامحني
-رهف ممكن نأجل كلام دلوقتي
صرخت به قائلة:
-طلقني واطلع برة ..قالتها بأعين يتطاير منها الشرر، رغم شحوب وجهها
نزلت كلماتها كسهام مسمومة أصابته بعدم القدرة على الحركة..ظل لفترة وهو يرى عبراتها التي سقطت على صدره تكويه بنيران الندم
انفرطت الايام واحد تلو الأخر والحال تفاقم بينهما، رهف التي استقلت بمنزل والدتها وبدر الذي غادر البلاد لبعض الأيام حتى تهدئ الأمور بينهما
ولجت والدتها بطعامها، وضعته على الطاولة بجوار الفراش، وجلست بجوارها تمسد على خصلاتها
-هتفضلي لحد امتى كدا، ناوية على ايه، وقبل ما تقولي حاجة
-بدر بيحبك، صدقيني يابنتي انا أعرفه اكتر منك
تمددت على الفراش
-ماما عايزة انام، ممكن تاخدي الأكل وتسبيني لو سمحتي
تنهدت والدتها ، ثم تحدثت بهدوء:
-كفاية لحد كدا يارهف، من إمتى وإنتِ ضعيفة يابنتي، قومي خدي شاور، وفوقي جوزك كلمني وقالي هيجي بعد شوية، ينفع يرجع يلاقي حالتك كدا، كفاية أنه بعد علشان ترتاحي
-ماما لو سمحتي لو بتحبيني سبيني أنام، ومش عايزة أشوف حد لو سمحتي
بفيلا القاضي بعد وصول بدر بعدة ساعات ..استمع على طرقات غرفته، فتح عيناه من نومٍ متقطع
-ادخل، دلفت العاملة قائلة بإحترام:
-الاستاذة انجي تحت وبتقول مش هتمشي غير لما تقابل حضرتك
أطبق على جفنيه، ثم زفر الهواء المكبوت بداخل صدره
فأشار بكفيه لتحركها قائلاً:
-تمام قوليلها شوية ونازل
هبط بعد القليل ..كانت تجلس بجوار أيوب، وصل إليهما ولكنه تسمر بوقفته عندما وقعت أنظاره على أيوب، واصل خطواته إليهما
حتى توقف أمامهما، وعقله يرسم سنيورهات
-خير، ايه سبب الزيارة الكريمة دي !!
توقفت انجي أمامه وهتفت
-جاية علشان حاجتين ، أشارت على أيوب
-اعرفك أيوب خطيبي وفرحنا بعد شهر ..ثم تحركت خطوة وهي تنظر إلى مقلتيه بغضب
-أنا ممكن كنت شاركت معاك في ضياع حياة اختي في الأول ورضيت انك تتجوزها وانا عارفة ومتأكدة إنك واخدها انتقام، وجيت هنا رمتها بالباطل قولتلك أنها على علاقة بأيوب، لكن رهف عمرها ماحبت أيوب، هما قربوا فترة وهي ماارتحتش، وللأسف أنا شاركتك كسرتها ووجعها ،لكن اعمل حسابك ياحضرة القاضي انك المتهم الأول اللي وصل اختي لحالتها دي، انت في المقام الأول وبابا كمان مشترك معاك، بس لحد هنا وكفاية بقى، عايز توصل لأيه، انت عارف ومتأكد من حب رهف بس حضرتك عملت ايه، كنت السبب في ضياع حياتها
أمسكت الهاتف وقامت بفتحه بعدما وجدت الذهول بملامحه التي تجلت على وجهه
-أنا اتجوزت الأنسان اللي طول عمري بتمناه ياانجي، أيوب مجرد صديق ، لكن بدر حبيبي اللي بجد ولو مش مصدقة تعالي نروح لأيوب ياستي
هنا شعر بإنسحاب أنفاسه حتى فقد توازنه وجلس على المقعد، استأنفت انجي حديثها
-أنا كنت معاها يوم مااغمى عليها وأيوب شالها وخدنها المستشفى، بس شكل اللي وصلك الأخبار كان عايز يفرق بينكم ياحضرة القاضي العادل
قالتها وتحركت بجوار أيوب الذي بسط كفيها وتعانقت اناملهما أمام ناظريه
نهض متحركا لسيارته فيكفي بعدها عن حضنه إلى آلان، هو كان يشعر بتبادل المشاعر، ولكن كرامته وكبريائه منعته من الأعتراف بحبها، نعم حبها الذي نبت بشبابه وكبر وترعرع إلى أن أصبحت زوجته قولا وفعلا..وصل لمنزل خالته ، دلف للداخل قابلته والدته
-رجعت إمتى حبيبي..تحرك يبحث بعينه متسائلا:
-هي فين؟!..ضيقت والدته عيناها متسائلة
-هي مين !!
استمع الى خطواتها وصوتها
-بدر حبيبي، ايه المفاجأة الحلوة دي، قالتها وهي تلقي نفسها بأحضانه
صفعة قوية هوت على وجنتيها، ثم زمجر كأسدًا جريح
-بقى إنتِ ياحقيرة تلعبي بيا، مين اللي سلط الممرضة تقتل جدي وتتهم في رهف
جذبها من خصلاتها التي أصبحت بقبضته، جذبها يتحرك بها وسط صرخات والدته وصرخاتها
بكت من قوة آلامها عندما شعرت بتمزق خصلاتها
رفعها من خصلاتها
-عمري مافكرت اني امد ايدي على واحدة ست وخصوصا انها بنت خالتي
ودلوقتي لازم تتعاقبي يالميس
-بدر.. وحياة ربنا ماكنش قصدي يموت، الممرضة الغبية معرفتش تتصرف، أنا قولت تعمل حاجة تتهم في رهف بس وحياة ربنا ماكان قصدي
جز على أسنانه وتحدث بفحيح:
-ليه ياحيوانة هي كانت عملت فيكي ايه، إذا كان أنا مكنتش بكلمها وكنت ببعدها انت مالك ومالها..قالها وهو يدفعها بقوة حتى اصطدم جبينها بالجدار
نهضت تصيح ترمقه بغضب
-كنت عايزة اتخلص منها وخصوصا بعد ماعرفت أن جدك ناوي يجوزهالك بوصية سرقتها من المحامي، اقتربت تغرز عيناها بعمق عيناه وهتفت
-اه مالك مصدوم، جدك ربنا ينتقم منه لا رحمني وهو عايش ولا هو ميت
صفعها بقوة
-إنت واحدة مجرمة زبالة، لازم تتعاقبي يالميس
توقفت نهال تهز رأسها لم تستوعب حديث لميس، اقتربت منها
-اتجننتي يالميس تلوثي ايدك بالدم ليه يابنتي
تراجعت تهز رأسها كالمجنونة
-علشان ابنك يبعد عنها ويرجعلي ايه مش دا اللي كنتي عايزاه ياخالتو، ولا دلوقتي أنا بقيت وحشة، أشارت بسبباتها
-لأ فوقي ياخالتوا، انا عملت كدا بعد مااقنعتيني أن بدر بيحبني بس جدو اللي مسيطر عليه
نظر إلى والدته بذهول
-ازاي تقولي كدا وانت عارفة لولا الظروف اللي اتحطيت فيها كنت عمري مااتجوزتها
وصلت الشرطة بعدما أخبرهم بدر بمكان الممرضة التي اخفتها لميس منذ خروج رهف من السجن
تم القبض عليها في وسط صرخاتها، بينما والدته التي جلست بصدمة بعدما استمعت إلى اعترافات لميس
أشار لوالدته
-دي اللي كنتي عايزاها أم لأولادي ..قالها وتحرك متجها إلى حبه الدفين بأعماق روحه
استقل السيارة وقادها بسرعة، ظل يضرب على المقود كاد أن يكسر معصمه، ويزأر بغضب كلما تذكر ماصار لها، اعتصر قلبه من فراقها ودقات قلبه تعلن عن عصيانها بالنبض العنيف، كلما تخيل له اقترابها منه مرة أخرى
وصل بعد فترة وجيزة، دلف للداخل يبحث عنها
-لسة فاكر عليك يابدر، استدار إليها بلهفة قائلا
-فين مراتي ياطنط كوثر..أشارت بعينيها على غرفتها بعدما وجدت لهفته بعينيه
ولج للداخل بهدوء، كانت تغفو كحورية بحر، انتفض قلبه عندما وجد شحوب وجهها وفقدانها الكثير من الوزن، لمست أنامله وجنتيها..ظل يمرر أنامله يرسمها إلى أن وصل إلى ثغرها واحتضنه بقبلة مشتاقة ، فتحت عيناها بعدما سحب نفسها بقبلته
وضع جبينه فوق خاصتها
همست بإسمه
-بدر..وزع قبلات متناثرة على وجهها بالكامل قائلاً :
-روح بدر..
نهضت تدفعه بقوة وصوت بكائها أصاب نياط قلبها
-ابعد بقولك اياك تقرب مني
قامت بتحطيم كل ماتطاله يديها صارخة بجنون
– طلقني
الأخير
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم
قدراً ساقني إليكِي
و كأني خلقتُ لهذا القدر
أمطارُ عشقٍ أغرقتني
كإنسان إرتكبٓ ذنباً لا يُغتفر
فمن لم يعشق قلبكِ
فلا يرى نور القمر
دلف للداخل قابلته والدته :
رجعت إمتى حبيبي؟..تحرك يبحث بعينه متسائلًا:
هي فين؟!..ضيقت والدته عيناها متسائلة :
هي مين ؟! استمع الى خطواتها وصوتها :
بدر حبيبي، إيه المفاجأة الحلوة دي ! قالتها وهي تلقي نفسها بأحضانه .
صفعة قوية هوت على وجنتيها، ثم زمجر كأسدٍ جريح :
بقى إنتِ ياحقيرة تلعبي بيا، مين اللي سلط الممرضة تقتل جدي وتتهم رهف ؟..
جذبها من خصلاتها التي أصبحت بقبضته، جذبها يتحرك بها وسط صرخات والدته وصرخاتها ..
بكت من قوة آلامها عندما شعرت بتمزق خصلاتها ،
رفعها من خصلاتها :
عمري مافكرت إني أمد إيدي على واحدة ست وخصوصًا إنها بنت خالتي ؛
ودلوقتي لازم تتعاقبي يالميس .
بدر.. وحياة ربنا ماكنش قصدي يموت، الممرضة الغبية معرفتش تتصرف، أنا قولت تعمل حاجة تتهم فيها رهف بس وحياة ربنا ماكان قصدي .
جز على أسنانه وتحدث بفحيح:
ليه ياحيوانة هي كانت عملت فيكي إيه ..إذا كان أنا مكنتش بكلمها وكنت ببعدها انتِ مالك ومالها..قالها وهو يدفعها بقوة حتى اصطدم جبينها بالجدار
نهضت تصيح ترمقه بغضب :
كنت عايزة أتخلص منها وخصوصًا بعد ماعرفت إن جدك ناوي يجوزهالك ، بوصية سرقتها من المحامي، اقتربت تغرز عيناها بعمق عيناه وهتفت :
أه مالك مصدوم، جدك ربنا ينتقم منه لا رحمني وهو عايش ولا هو ميت
صفعها بقوة :
إنت ِ واحدة مجرمة زبالة، لازم تتعاقبي يالميس .
توقفت نهال تهز رأسها لم تستوعب حديث لميس، اقتربت منها :
اتجننتي يالميس تلوثي إيدك بالدم ليه يابنتي ؟!
تراجعت تهز رأسها كالمجنونة :
علشان ابنك يبعد عنها ويرجعلي إيه مش دا اللي كنتي عايزاه ياخالتو، ولا دلوقتي أنا بقيت وحشة ؟..أشارت بسبباتها :
لأ فوقي ياخالتو ، أنا عملت كدا بعد ماأقنعتيني إن بدر بيحبني بس جده اللي مسيطر عليه .
نظر إلى والدته بذهول :
إزاي تقولي كدا وانتِ عارفة لولا الظروف اللي اتحطيت فيها كنت عمري مااتجوزتها ؟!
وصلت الشرطة بعدما أخبرهم بدر بمكان الممرضة التي أخفتها لميس منذ خروج رهف من السجن .
تم القبض عليها في وسط صرخاتها، بينما والدته التي جلست بصدمة بعدما استمعت إلى اعترافات لميس ..
أشار لوالدته :
دي اللي كنتي عايزاها أم لأولادي ..قالها وتحرك متجهًا إلى حبه الدفين بأعماق روحه .
استقل السيارة وقادها بسرعة، ظل يضرب على المقود كاد أن يكسر معصمه، ويزأر بغضب كلما تذكر ماصار لها، اعتصر قلبه من فراقها ودقات قلبه تعلن عن عصيانها بالنبض العنيف، كلما تخيل له اقترابها منه مرة أخرى .
وصل بعد فترة وجيزة، دلف للداخل يبحث عنها ..
لسة فاكر يابدر، استدار إليها بلهفةٍ قائلًا :
فين مراتي ياطنط كوثر..أشارت بعينيها على غرفتها بعدما وجدت لهفته بعينيه
ولج للداخل بهدوء، كانت تغفو كحورية بحر، انتفض قلبه عندما وجد شحوب وجهها وفقدانها الكثير من الوزن، لمست أنامله وجنتيها..ظلَّ يمرر أنامله يرسمها إلى أن وصل إلى ثغرها واحتضنه بقبلةٍ مشتاقة ، فتحت عيناها بعدما سحب نفسها بقبلته ؛
وضع جبينه فوق خاصتها
همست بإسمه :
بدر..وزع قبلات متناثرة على وجهها بالكامل قائلًا :
روح بدر..
نهضت تدفعه بقوةٍ وصوت بكائها أصاب نياط قلبه :
إبعد بقولك إياك تقرب مني .
قامت بتحطيم كل ماتطاله يديها صارخةً بجنون :
جاي ليه ؟! خلاص انتقمت وأخدت حقك..اقتربت منه وغرزت عيناها بمقلتيه تلكمه بصدره :
انتقمت وارتحت ..موّت ابني وكسرتني، أشارت على قلبها :
دبحت دا..هز رأسه واقترب، ولكن قاطعهما دلوف والدها كالمعتوه :
جاي هنا ليه يابن القاضي ؟..
رفع سلاحه أمام وجه بدر:
إرمي عليها يمين الطلاق وبالتلاتة يابن القاضي .
هزة عنيفة أصابت جسدها وهي توزع نظراتها بينهما، شعرت بإنسحاب روحها بعدما اقترب بدر :
يبقى كتر خيرك ياأستاذ مالك، وكدا يبقى عيلة القاضي كلها ريحتك .
اقترب والدها وعاصفة انتقامية تجلّت على ملامحه حتى وضع السلاح برأسه وهتف بنبرة قوية :
هقولهم إنك اتهجمت على بنتي، وحاولت تقتلها..خطت إلى أن توقفت أمام بدر :
بابا إنت بتعمل إيه ،مستحيل اللي ناوي تعمله دا، إيه هتلوث إيدك بالدم ..رمقت بدر ونطقت بلسان ثقيل :
هو كدا كدا هيطلقني ، مش محتاجة إنك تلوث إيدك بالدم يابابا..
استدارت إليه وهتفت وهي تطالعه بعيناها التي انطفأ بريقها اللامع :
طلقني يابدر، مبقاش بينا حياة تاني .
جذبها من رسغها بقوةٍ وزمجر معنفًا إياها:
بقولك فوقي واسمعي اللي بقولك عليه طلاق مش هطلق واخبطي دماغك في الحيطة ..ثارت زعابيب والدها ، ودفعه يبعده عن ابنته :
أنا لازم أخلص منك ، إنت إيه ، ايه كمية الشر دي..
لم يكترث لحديثه، واتجه يجذبها للخروج ولكن توقف عندما أطلق مالك رصاصته لتستقر بصدر بدر ..
شهقة خرجت من فمها مع إنسياب عبراتها حينما وجدت دمائه التي لوَّنت قميصه ..احتضنت رأسه وبكت بنحيب تصرخ بدخول والدتها المصدومة .
هرولت والدتها تجذب منشفة لكتم الدماء ، وابنتها في حالة انهيار تام
صرخت كوثر بمالك :
اتصل بالإسعاف، إنت مش شايفه عمال ينزف ازاي ؟!
نظر إلى بدر الملقى على الأرض بصدمة ، كيف وصل لتلك المرحلة من الإجرام ..ارتجفت يديه، ليهوى على فراش ابنته ، فيما نهضت كوثر مهرولة للخارج تبحث عن هاتفها لمهاتفة الإسعاف ..
قبض على كفيها يهمس بألم تجلى بملامحه :
أنا كويس متبكيش..شهقات مرتفعة وهي تضم رأسه لقد فقدت السيطرة متناسية أنها طبيبة، صاحت والدتها بعدما جذبت حقيبتها :
حبيبتي ياله شوفي جوزك واعملي له إسعافات أولية .
شهقت تنزل برأسها تمنعه من الحديث :
أسكت يابدر ماتتكلمش ، ضغط على كفيها :
أنا بحبك..قالها وأغلق عيناه، لتنهض كالمجنونة، تنزع قميصه الذي تلطخ بدمائه، وتحاول إيقاف النزيف ، مع رجفة بكفيها وهي تحاول إنقاذه، بعد فترة وصلت سيارة الإسعاف متجهة إلى المشفى، هرولت خلف المسعفين المتجهين به إلى غرفة العمليات التي تُجهز بعدما هاتفتهم رهف بالحالة ..
توقفت تنظر إلى دخوله الغرفة إلى أن أُغلق الباب ..ضمتها والدتها واتجهت تجلس بها على المقعد .
وصلت والدة بدر بعد إبلاغها من استعلامات المشفى، توقفت أمام رهف متسائلة :
بدر فين يارهف ،ومين ضربه بالنار ؟..
دفنت رأسها بأحضان والدتها تبكي بقوة كلما تذكرت كلماته القليلة .. أجابتها كوثر
أقعدي يانهال هو في العمليات دلوقتي شوية ويطلع ..
يعني هو عايش …قالتها بقلبٍ مكلوم
هزت كوثر رأسها بإيماءة حزينة على تلك السيدة ..
جلست وقلبها ينتفض بعنف وكأنه سيفارق الحياة، مرت ساعات والحال كما هو عليه، توقفت رهف بعدما شعرت بانصهار صدرها لتغيّب الأطباء بالداخل …واتجهت تقتحم باب الغرفة إلّا أن خرج الطبيب يزيل الماسك من فوق وجهه قائلًا :
إحنا عملنا اللي علينا والباقي على ربنا .
جلست تحتضن رأسها بين راحتيها مطبقة الجفنين، اقتربت والدتها تربت على ظهرها ..
سحبت نفسًا قويًا لتثبط نوبة البكاء التى أخنقت جوفها ، مع ارتجاف شفتيها ..
بابا قتل جوزي ياماما ..
ضمت كوثر رأسها تهمس لها ببعض الآيات القرآنية مردفة :
إهدي حبيبتي كله هيعدي إن شاءالله .
مرَّت الساعات كالسيف على الرقاب والكل في حالة ترقب إلى أن استمع الطبيب إلى إنذار الأجهزة ، توقفت والدته تبكي حينما وجدت استنفار من الأطباء باتجاه غرفة العناية..نصبت عودها وتحركت بجسدٍ مرتجف تقف تنظر من الزجاج الشفاف وهم يحاولون إنعاش قلبه..دلفت رهف بساقين هشة تكاد تحملنها إلى أن وصلت إليه..
دنت تهمس باذنه :
بدر فوق علشان خاطري، أنا مسمحاك، أرجوك متعملش فيا كدا ..مرت لحظات وهي تحتضن كفيه ودموعها تنساب كالشلال على وجنتيها، تراجع الطبيب بعدما استمع الى نبضات قلبه مرة أخرى ؛
ضغطه مش مساعد يادكتور..قالتها إحدى الطبيبات ..
أومأ وهو يقترب منه يفحص مؤشراته الحيوية ..بسط كفيه الى رهف :
رهف قومي هيكون كويس صدقيني، دا عادي في العمليات اللي ذي كدا، متنسيش الرصاصة كانت قريبة أوي من منطقة القلب .
تشبست بكف زميلها عندما داهمتها تلك الغمامة تهمس له :
حسن متخبيش عليا حاجة ، هيكون كويس ؟..
تحرك بها بعدما أشار للممرضة :
اهتمي بشغلك وأي تطور بلغيني ..
تمام يادكتور .
خرجت رهف..هرولت ناهد إلى الطبيب :
طمني يادكتور ، بدر عامل إيه ؟..
ابتسم بعملية :
الوضع مستقر يامدام ناهد مفيش قلق .
تنهدت بارتياح وعيناها على رهف التي تحركت بخطى مترنحة حتى كادت أن تسقط ..
وصل ضابط الشرطة للتحقيق ، جلست بوهنٍ شديد وعيناها على والدها الذي توقف أمام الضابط ، وأردف بما حدث .
مرَّت عدة ساعات والوضع كما هو عليه، نهضت مرةً أخرى متجهةً إلى غرفته، وجدت والدتهُ تخرج من عنده .
توقفت ناهد أمامها تمنع دخولها بعدما علمت بما صار:
أنا مش هنكر إني حبيتك بعد جوازك من إبني ، وقتها فيه حاجات كتير رجعت له بعد ماكنت يئست، بس لحد إن أبوكي يرجع ويحاول يقتله ..فأنا هقفلك حتى لو هو رفض، و النهاردة بس عرفت إن جوازكم غلطة، أنتوا زمان قتلتوا هاني مش هستنى لما تموتوا إبنه ،خدي كرهك لابني وامشي ..
مش عايزة الحفيد اللي كنت هموت عليه من واحدة بتكره إبني ..
أغمضت عيناها تشعر وكأنَّ أحدهم يقبض على عنقها ، هزت رأسها ودفعت الباب للدخول :
أول مايفوق هبعد عنكوا، متخافيش..فتحت الباب ودلفت إليه ، خطت إلى أن وصلت إلى جسده المسجَّى ، جلست بجوارهِ ورفعت كفه تحتضنه ثمَّ انحنت تطبع قبلة بباطن كفيه ..
أول شخص قلبي دق له، حبيتك أوي يابدر..أطلقت زفرة قوية خرجت بتألم قلبها وهي تتذكر حياتها المأساوية بعد سفره ..توقفت الكلمات على أعتاب شفتيها للحظات، رفعت كفيها تملس على وجههِ ثمَّ نهضت وطبعت قبلةً مطولة فوق جبينه قائلة :
اطمن عليك وبعد كدا نبعد علشان منكرهش بعض أكتر من كدا، عارفة إنك بتكرهني، ما أنا بنت الراجل اللي قتل باباك ، وحاول يقتلك كمان ..
احتوت راحتيه وطبعت قبلة بداخلهما
لتستدير كي تغادرَ الغرفة إلا أنه ضغط على كفيها يهمس :
“بحبك”..قالها بصوت خافت متقطع .
انحنت كي تستمع إلى ماقاله، ولكنه ذهب بنومه مرةً أخرى .
ابتسمت حينما استيقظ، وضعت جبينها فوق خاصته وسحبت نفسًا طويلًا مختلطًا بأنفاسه :
أهم حاجة إنك كويس، الحمد لله كنت هموت من الخوف عليك، ألف سلامة عليك .. ظلَّت للحظات على حالتها ثم دنت من شفتيهِ تجذب تنفسه وتقبله ثم اعتدلت وطالعته لبعض اللحظات ثم تحركت للخارج ..وصلت إلى الخارج، توقفت أمام ناهد وأردفت :
بدر فاق ..شوية وهيصحى وينقلوه غرفة تانية ..قالتها واستدارت إلى والدتها :
ماما ياله علشان نمشي .
ألف سلامة على بدر يانهال ..طالعتها متهكمة ثم أشارت إلى رهف :
أتمنى مشفهاش تاني ..تعلقت رهف بكفِّ والدتها وتحركت دون حديث ..ظلت نظراتها عليهما إلى أن اختفوا..دلفت تجلس بجوارِ ابنها لبعض الوقت ، استمعت الى همسه باسمها
مسدت على رأسه بحنان أمومي :
حمد الله على سلامتك حبيبي.. مرَّر لسانهِ على شفتيه وحاول التحدث بصوتٍ متعب :
ره..ف ، فين ؟..
سحبت نفسًا قويًا وظلت على صمتها تطالعه إلى أن دلف الطبيب وقام بفحصه ثم أردف بعملية :
-لااا عال العال..حمد الله على السلامة ياحضرة القاضي .
شكرًا لحضرتك..ظلَّ لبعضِ الوقت إلى أن استعاد وعيه كاملًا ..دلف كريم :
ياااه ياراجل أنا كنت فقدت الامل إنك تصحى تاني .. حمدالله على سلامتك يا صاحبي .
الله يسلمك ..قاطعهم دلوف الضابط المكلف بالقضية :
حمد الله على سلامتك يابدر .
الله يسلمك يا اسامة ..
طبعًا مش محتاج أقولك أنا هنا ليه، بس قبل الشغل كنت عايز اطمن عليك .
أومأ له دون حديث ..
أشار للكاتب المسؤول معه :
جاهز ناخد أقوالك ..هزَّ رأسه وعيناه على كريم :
مفيش قضية اصلًا يااسامة، الأستاذ مالك كان بيوريني المسدس بتاعه ومأخدتش بالي وأنا باخده إنه جاهز على الاطلاق، والرصاصة صابتني .
توسَّعت أعين كريم مدهوشًا، فلقد قصت له رهف عن ما صار، فقاطع حديثه : بدر إيه اللي بتقوله ؟!
استدار بوجهه قائلًا :
إنت كنت معايا وشوفت اللي حصل !!
هزَّ رأسه بالنفي فأردف بدر :
يبقى متدخلش، ثم توجه إلى أسامة :
اللى حصل قولتهولك .
بس كلام مدام رهف غير كدا !!
شعر بنبضاتِ قلبه تتقاذف بين ضلوعه حينما ذكر اسمها ، ذهب بشروده و ابتسامة تسللت عبر شفتيه متذكرًا حديثها ، إلى أن قطع شروده :
ماجاوبتش ، دكتورة رهف مقالتش نفس الكلام !..
حمحم معتذرًا :
دكتورة رهف ماكنتش موجودة دخلت على صوت المسدس واللي شافته أوحى لها غير كدا .
بعد فترة من أسئلة وكيل النيابة خرج وتركه بعد نفي تهمة مالك ، جلس كريم بجواره بدلوف والدته :
ليه نفيت التهمة عن مالك يابدر ؟! هرولت والدته إليه :
طلعت الراجل اللي كان عايز يقتلك يابدر !..وقبل كدا قتل باباك .
ماما اللي حصل أنا قولته، مفيش حد كان عايز يقتلني، وممكن أعرف مراتي فين ؟..ليه لما فوقت مالقتهاش رغم إني كنت حاسس بوجودها .
البنت دي هطلقها خلاص مابقتش عايزاها .. أنا طردتها من هنا لازم تبعد عنك .
تأجج صدره صعودًا وهبوطًا من حديث والدته الذي شقَّ صدره متألمًا فوق آلامه فقال:
كريم ساعدني عايز أقوم .
هاجت والدته ونيران الحقد على رهف ازدادت فهتفت موبخة :
اتجننت عايز تخرج وجرحك لسة بينزف علشان إيه دا كله !..اعتدل متألمًا ، اقترب منه كريم :
بدر ممكن تهدى، طيب استنى نشوف الدكتور هيقول إيه ..
نهض ولكن لم يستطع مقاومة الدوران الذي استولى على جسده ..جلس محاولًا أخذ أنفاسه التي اضطربت بعدما ضغط على جرحه ..ساعده كريم بالتسطح
إهدى وأنا هروح لها لو دا يرضيك .
تشبث بكفيه :
عايز مراتي ياكريم ..
مرَّت عدة أيام بعدما رفض الطبيب تحركه بسبب جرحه الذي نزف، مما جعله راقدًا بفراشه ولم يعد لديه القدرة على التحرك .
عند رهف جلست بشرفتها تضع رأسها فوق ركبتيها وذهبت بشرودها إلى لحظاتهما معًا، انسابت عبراتها عبر وجنتيها وقلبها يأنُّ وجعًا، كيف تتخلى عن مشاعرها التي اقتحمت دواخلها و أعلنتهُ عاشقها حد النخاع .
همست لنفسها :
هتقدري تعيشي بعيد عنه !.. طيب ماهوَّ مابيحبنيش إيه اللي يخليني أفضل معاه !..دافعي عن كبريائك يارهف، لازم تبعدي حتى لو بتحبيه، تأكدي لو حبك كان مستحيل يبعد عنك .
زفرت مختنقة ، تتراجع بجسدها تنظر لقطراتِ المطر خلف الزجاج ودعت ربها :
يارب أخرج حبه من قلبي، يارب ريَّح قلبي من عذابه .. دقائق من الوقت وهي تتابع بعيناها الباكية وقلبها المتألم قطرات المطر ، ولسان حالها يريح قلبها إلى أن استمعت إلى صوت والدتها وهي تملس على رأسها :
قومي نتعشى حبيبتي بقالك كام يوم و إنتِ قافلة على نفسك ..
رفعت رأسها لوالدتها بعيونها الباكية ..
ماما عايزة نسافر ونرجع زي ماكنا، مابقتش عايزة أقعد هنا .
جذبت والدتها المقعد وجلست بمقابلتها :
وبدر يارهف، هتقدري تبعدي عنه ؟..
زي ماهو قدر زمان ياماما، لازم أبعد ، أنا مش في قلبه كفاية وجع بقى ..
احتضنت كفيها تنظر بداخل مقلتيها :
غلطانة ياحبيبة ماما، بدر بيعشقك مشِفتهوش لما كنتي في المشفى، دا كان هيولع في الدكاترة ، قطعت حديث والدتها متوقفة :
ماما ممكن توافقي على طلبي، لازم نمشي من هنا، وبالنسبة لطلاقي هو أكيد هيطلقني، أنا كلمت كام مستشفى برة وقبلوني كمان، وقررت نسافر بعد يومين بعد موافقة حضرتك، آسفة اتصرفت من غير ماأقولك ، بس حقيقي أنا قررت ومش هتراجع ..استمعوا الى طرقات الخادمة :
دكتورة رهف أستاذ كريم عايز يقابل حضرتك .
نظرت لوالدتها مستفهمة، ثم نهضت متحركة متجهةً للخارج بعدما ارتدت رداء صلاتها :
أهلًا أستاذ كريم .
توقف بمحاذاتها وأردف :
أهلًا دكتورة رهف، أنا جاي أخدك ، بدر عايز يشوفك ..
جلست تشيرُ إليه بالجلوس :
اتفضل ..ماقالش عايز إيه ؟..
إنتِ حتى مسألتيش عامل إيه !،،
طالعته بصمتٍ للحظات ثم أردفت :
بدل فاق أكيد هيكون كويس، وصَّله سلامي وحمد الله على سلامته، أتمنى يطلقني بهدوء ، إحنا ناس كبار وعاقلين بما فيه الكفاية مش مضطرين نوقف قدام بعض في المحاكم ..قالتها وتوقفت بعد وصول والدتها ثم تابعت حديثها وعيناها على والدتها :
ماما أنا قولت كل اللي عندي للأستاذ كريم .
حتى بعد مابدر اتنازل عن القضية ونفى التهمة عن الاستاذ مالك ..استدارت سريعًا غير مستوعبة ماتلفظ به قطبت جبينها :
وليه يعمل كدا ..اقترب منها وعيناهُ تخترق وقوفها :
السؤال دا إجابته مش عندي ..
تحركت للداخل دون حديثٍ آخر ..
أردفت كوثر قائلة :
رهف هتسافر بعد يومين، بلغ بدر هيَ خلاص قررت إنها ماتقعدتش هنا .
أومأ لها وتحرك مغادرًا المكان .
بعد يومين وهو اليوم المقرر لسفرِ رهف ..توقفت كوثر تحاوطُ المكان بوداعٍ من نظراتها ، بخروج رهف من غرفتها تحمل أشياءها الخاصة بحقيبةٍ صغيرة ، استمع الى صوت الباب ..فتحت رهف ،توقفت تنظر لوالدها بعتابٍ ثم تراجعت للخلف لدلوفه ..اتجه للداخل يبحث عن طليقته :
كوثر خلاص هتسافروا؟..لو مضايقين مني وعد مش هتشوفوا وشي .
أومأت له قائلة :
-أنا هسافر علشان بنتي يامالك، هيَ مش مرتاحة، والمكان اللي بنتي ترتاح فيه هكون معاها فيه .
بعد إذنك يابابا لازم نتحرك باقي نص ساعة يادوب نلحق الطيارة .
بعد قليل توقفت لتنهي اجراءت سفرها هي ووالدتها ..وضعَ كفيه فوق جواز سفرها ..
ينفع تسافري من غير إذن جوزك ؟! حتى لو بالواسطة ياست الدكتورة ..
تراقص قلبها فرحًا وهي تراه بهيئتهِ الرجولية الخاطفة للأنفاس ، لتهمس اسمه :
“بدر”..لم يدعها تكمل حديثها ليجذبها بقوةٍ لأحضانه :
روحه وحياته ..دفن وجههُ بحجابها :
عايز أشيلك وأدور بيكي ينفع ..
جنون شغف عشق ينازع روحها يفوق انتزاع الروح من الجسد..
حاولت التملص من بين يديه بعدما حاول حملها :
بدر ، إبعد إنتَ صدرك مجروح .
ضمَّها بقوةٍ حتى شعرت بإذابة ضلوعها بين أحضانه من قوة ضمته :
فداكِ بدر وحياته كلها ..
خرجت من أحضانه مع انسياب عبراتها :
ليه دا كله ؟!..
احتضن وجهها يضع جبينهُ فوق جبينها يسحب أنفاسها بقبلته المجنونة أمام الجميع، لقد سحبت عقله ولم يعد لديه سوى دقات قلبه المرتفعة بجنون عشقها ، هامسًا بتقطع من قبلته :
بحبك ..بحبك ..بحبك قالها وهو يحملها ويدور بها تملصت منه خوفًا عليه وبكت بشهقاتٍ وهي ترى آلامه على ملامح وجهه :
كفاية صدقت .. أنزلها بهدوء يضغط على خصرها بعدما شعر بانسحاب أنفاسه ..
رفعت كفيها على وجههِ تنظر إليه :
ينفع كدا، أخدت إيه !..
ضمها متحركًا ينظر إلى كوثر :
نرجع بيتنا ياروحي ..بسطت كفيها تحاوط خصره :
نروح المستشفى الأول ياحضرة القاضي اطمن عليك .
تلفت حوله يهمسُ بجوارِ أذنيها :
حضرة القاضي هيتجنن ويبوسك تاني ..دفنت رأسها بصدرهِ بعدما جذبها بقوةٍ يجاهد الكثير والكثير بداخله من مشاعره التي سيطرت عليه لتذوق شهدها المسكر ..ليعلمها إتقانها لفنون العشق من جولاته :
هتمشي ولا نتاخد بوضع مخل ..
رفعت رأسها تنظر إليه :
مش عيب تبقى قاضي وتتاخد بفعل فاضح ياحضرة القاضي!..
داعب أنفها قائلًا :
عادي ياروحي ماأنا القاضي المتهم
“بحبك”
هنا اسدلت الستار لتنتهي قصتنا .