يونس2

يونس 11

عشقك كسكرات الموت، يدبّ في أوصالي فتختنقُ أنفاسي، وتتمزّق روحي، ويتركُني ما بين المو,ت والحياة فاقدة لإحساسِي

إلتفت يونس على إثر الصوت ليجدها تندفع إليه كـ الصاروخ وترتمي في أحضانه..حتى أنه تراجع خطوة من شدة الإصطدام..لم يأخذ الأمر سوى ثوان لتلتف يده حولها بـ قوة يضمها إليه في شوقًا جارف وكأن روحه قد عادت إلى جسده مرة أخرى..دفن رأسه في خُصلاتها القصيرة وأخذ يرتوي من عبقها المُسكر..يروي روحه العطشى بها ومنها…

كان الجميع يقف فارغًا لفاهه لما يحدث..حتى عدي تدلى فكه لأسفل مما تفعله هذه الصغيرة…

إبتعدت بتول عن أحضانه وأخذت تضر,به في صدره بـ قبضتيها الصغيرة وظلت تهدر بـ شراسة وعتاب

-ليه؟..ليه عاوز تسبني وتمشي!!..هونت عليك تسبني كدا يا يونس؟!..أنت قولت أنك مش زيه فـ متبقاش زيه…

أمسك قبضتيها وعاد يضمها إليه رابتًا على خُصلاتها بـ حنو وإشتياق

-هششششش…خلاص يا بتول أنا أهو جمبك ومش هسيبك…

إستكانت في أحضانه ولكنها ظلت تبكي..رفع أنظاره إلى عواد والذي رفع منكبيه بـ قلة حيلة وهتف

-لما عرفت إنك راح تسافر..ركضت وما إتنظرتني..وما كان يصير إتركها وحدها..لهيك چبتها معي لهون..ما جدرت يا صجر..صدقني كانت عم تبكي دم مو دمعات…

أماء بـ رأسه وإبتسم دون أن يرد ولكنه إستمر في تهدئتها ولم يُبالي بـ من معه..فها هى بين أحضانه بـ كامل قواها العقلية..تُعاتبه على تركه إياها..ماذا يُريد أكثر من ذلك!!..

تقدم منه عدي وأشار بـ رأسه أن يأتي..هز رأسه بـ موافقة وأبعد بتول عنه..ثم هتف وهو يُزيل عبراتها بـ إبهاميه

-خليكي هنا هكلم عدي وهجيلك
-زمت شفتيها وقالت:مش هتسافر و تسيبني!!
-ضحك وقال:هسافر إزاي وأنتي ورا الطيارة؟
-لتقول هى بـ إصرار:خلاص هقعد فـ الطيارة وهلزق نفسي بـ أمير عشان متسبنيش وتمشي
-ضر,ب كفًا على أخر وقال:طيب إلزقي نفسك بـ أمير وأنا جايلك

وبلا تردد صعدت إلى الطائرة تحت نظراته التي تعلقت بها..إتجه يونس إلى شقيقه الذي يبدو على معالمه عدم الرضا عما يحدث..وقبل أن يتحدث يونس كان عدي يسبقه بـ إمتعاض

-هتعمل إيه دلوقتي!
-رفع منكباه بـ بساطة:هخدها معايا
-إرتفع حاجبي عدي بـ إستنكار وقال:تاخدها معاك!!..هى رحلة يا يونس!..دي مهمة فيها حياه أو مو,ت وأنت أصلاً حياتك على كف عفريت
-وضع يونس كفه في خصره وتساءل بـ ملل:عاوزني أعمل إيه!..أديك شايف هى جت ورايا وقعدت فـ الطيارة قبلي..عاوزني أمشيها إزاي؟
-معرفش إتصرف

زفر يونس بـ يأس ولم يتحدث..بالطبع يعي النيران التي سيُقذف بها ولكنه لا توازي مقدار النيران التي تتآكل قلبه وهو بعيد عنها..تشدق يونس بعد مدة…

-هاخدها يا عدي وفـ أقرب فرصة هرجعها قبل ما يحصل أي حاجة
-تقدم منه عدي ودفعه في صدره وتحدث بـ عنف:غبي..غبي مفكر إنهم لما يشوفوها معاك مرة هيسبوها..دول لو لمحوا قطة أنت أكلتها عطف عليها هيقتولها..ما بالك بـ بني أدمة…

*************************************

وضع قدح القهوة الخاص به على الطاولة الصغيرة أمامه ثم وضع ساق على أخرى وهتف بـ جمود

-دلوقتي يا عز شغلنا واقف بسبب اللي حصل..هنفضل متعطلين كدا كتير!!
-رفع عز حاجبيه وقال بـ برود:يوقف مش أخر الدنيا..إنما أنا مش همد إيدي ع شغل إلا لما خطيبتي ترجع
-أشار الأخر بـ سبابته مُحذرًا إياه:الناس اللي معانا هيزعلو وهما زعلهم وحش
-وأنا زعلي أوحش…

نظر لها الرجل الأخر شزرًا ولم يرد..فـ أكمل عز حديثه

-وبعدين من غيري ممكن تعملوها دي صفقة أدوية فاسدة مش هتاخد فـ إيديكوا حاجة..دي مش حاجة قصاد اللي عملنا قبل كدا..فاكر!!
-إمتعضت ملامحه وقال:متفكرنيش باليوم دا..إحنا قضينا ع فرقة كاملة عشان نداري ع اللي حصل…
-رمقه عز بـ سخرية وقال:وأدي واحد منهم لسه عايش..
-ليقول رفعت بـ نبرة ذات مغزى:ومعاه حاجات توديك ورا الشمس
-رمقه بـ شرر وقال:مش توديني لوحدي يا سيادة العقيد..تودينا كلنا
-مط رفعت شفتاه وقال:مش فارقة مصلحتنا واحدة وكلنا بندور عليه

تأفف عز الدين كثيرًا..ليسأله بـ نفاذ صبر

-وبعدين حتة ظابط زي دا مش عارفين تجيبوه!
-دا مش أي ظابط يا سيادة الوزير..أنت مفكر أنه مش عارف بـ وساختي حتى لو ممعاهوش دليل ملموس ضدي!!..لأ عارف وفاهم عشان كدا اللي بيساعده عدي أخوه..والأتنين دماغ وبيعرفوا إزاي يتحركوا وهما قاعدين…

صمت يُتابع إمتعاض ملامح الأخر ليُكمل حديثه بلا مبالاه

-إحنا بتنعامل مع أتنين أذكى من بعض واحد فـ المخابرات والتاني شرطة..والأتنين ليهم سلطة كبيرة ومحدش يقدر يقول بم معاهم
-صاح عز الدين بـ عنف:ما خلاص يا رفعت عرفت إنه چيمس بوند مش محتاج كلامك دا..أنا كل اللي يهمني بتوووول..بتول ترجعلي وبعدها أنا هعرف أربيه بطريقتي..لو فكر يلمس منها شعرة
-ضحك رفعت بـ صوته كله ثم قال بعدما هدأت ضحكاته:وأنت متخيل إن يونس لو عاوز يلمس شعرة منها مش هيعمل كدا!!..وخصوصًا أنها تخصك!..بس دي مش أخلاق يونس..هو مش زيي ولا زيك..ودا اللي بيميزه يا سيادة الوزير…
-إبتلع عز الدين ريقه وهتف بـ جمود:كويس إن دي أخلاقه وإنه مش هيلمسها وإلا هيدوق عذابي اللي بجد

نهض رفعت وهو يرمقه بـ إزدراء وأغلق أزرار حلته..ثم تقدم منه وقال بـ فحيح أفاعي

-بس تعمل إيه لو هو قال لخطيبتك على وساختك وجرايمك يا..يا سيادة الوزير!!!

ثم تركه ورحل..وكأن أحدهم سكب دلو ماء بارد عليه ليجعله يتجمد في مكانه..هذا هو السؤال الذي لم يطرأ بـ باله قط..ماذا لو علمت بتول بما فعله!!…

************************************

كانت بتول تُتابع ما يحدث بـ أعين حادة كالصقر..وما أن رأت عدي يتعدى على يونس حتى ركضت إليه و وقفت بجانبه وتساءلت

-إيه اللي بيحصل!
-أمسك يونس يدها يُبعدها عن مرمى أخيه وقال:تعالي بعيد يا بتول..عدي الظاهر أنه مش فـ وعيه..
-إهتاج عدي من شقيقه وقال:وعي إيه يا يونس!!..اللي أنت بتعمله دا غلط وهى اللي هتدفع التمن..أنا ماشي يا يونس وخلي بالك من نفسك..وآآ…منها

قال الأخيرة بـ سخرية ثم رحل..صعد سيارته وقال قبل أن يُغادر

-لو إحتجت لحاجة كلمني…

وتحرك دون أن يتفوه بـ حرفًا أخر..زفر يونس بـ ضيق لتأتي بتول من خلفه وتساءلت

-في حاجة!!..هو زعلك فـ حاجة؟
-حدق بها مُطولاً وسألها بـ نبرة غامضة:عاوزة تيجي معايا ليه يا بتول!

صُدمت من سؤاله وإبتعدت خطوتان إلى الخلف دون حديث..ليقترب منها يونس مرة أخرى هاتفًا بـ حدة من بين أسنانه..

-ردي عليا يا بنتي؟..عرفيني ليه!!..مستعدة تغيبي عن أهلك مدة الله يعلم هتكون أد إيه مع واحد مبتثقيش فيه؟!!
-أخذت نفس عميق ثم قالت بلا تردد:عشان مش عاوزة أرجعله..عشان لو شوفته مش عارفة هيكون رد فعلي إيه..عشان أنا خايفة أكون مصيري زي البنات اللي شوفتها دي..

إرتجف جسدها بـ قوة عقب أن تذكرت تلك المشاهد المُشينة..أغمض يونس عيناه بـ ضيق وأخذت أنفاسه الحارة تعلو..وعلا معها وجيب قلبه عندما هتفت بـ نبرتها البريئة

-عشان إخترت إني أثق فيك..وأنك هتحميني..مش كدا يا يونس؟
-رد عليها وهو يُمسك يدها:أنتي بتسألي يا بتول…
-إبتعلت ريقها وقالت بـ إبتسامة:طب مستني إيه يلا بينا
-يلا..

وأمسك يدها ثم توجها إلى الطائرة..يعلم أنها مُجازفة ولكن لابد منها..لن يتركها لحظة..لن يستطيع العيش بدونها كيف وهى من تتيح له التنفس..وإرتفعت الطائرة لتُغادر أرض مصر مُتجهه إلى السويد…

****************************************

إنقضى نصف الوقت اللازم للوصول إلى ستوكهولم عاصمة الدولة السويدية وهى نائمة على منكبه كـ الأطفال..تتشبث بـ ذراعه كمن يخشى فقدانه..إبتسم يونس وهو يُتابع إنتظام تنفسها..لكم يشعر بـ لذة وهو يُتابع ملامحها الملائكية وبراءتها التي تسلب العقول..تنهد بـ قوة عندما أتى بـ مخيلته ما سيمر به وما هو مُقبل عليه..وأخذ يردد في نفسه بـ تضرع

-يارب إحميها وإحرسها يارب..عارف إني غلطت لما أخدتها معايا بس مكنتش هقدر أسيبها لوحدها..قلبي هو اللي مش هيقدر..

شعر بها تُحرك رأسها كـ الهرة فـ عاودت الإبتسامة الظهور على محياه..وبعد ثوان وجدها تفرك عيناها كـ الأطفال وهتفت بـ نعاس

-صباح الخير
-صباح النور
-تثاءبت ثم قالت:نمت أد إيه!!

نظر في ساعته ثم قال بـ إبتسامة

-نمتي تقريبًا نص الوقت
-حركت رأسها وتساءلت بـ غباء:اللي هو أد إيه!
-زفر يونس بـ نفاذ صبر:خمس ساعات يا بتول..نمتي خمس ساعات كنت مستريح فيهم والله
-تشدقت وهى تشيح في وجهه:جرى إيه يا جدع أنت!!
-هش..هش..أسكتي أنتي إبتلاء..أقسم بالله إبتلاء

ذمت شفتيها بـ ضيق و عقدت ساعديها أمام صدرها ولم ترد عليه..تبدلت ملامح يونس إلى الجدية وهو يقول

-بتول!..بصي أنا هتكلم معاكي ع اللي إحنا داخلين عليه..فـ لازم تكوني على علم بـ اللي هيحصل
-إزدردت ريقها بـ خوف ثم أستدارت بـ رأسها وتساءلت:هو..هو اللي داخلين عليه صعب!
-ضحك يونس وقال بـ مرح:جوي جوي يا بوي
-بطّل رخامة ورد

-إرتسمت الجدية على ملامحه وقال:بصي..التنقل هيكون بـ إستمرار يعني مش هنقدر نقعد فـ مكان أكتر من أريعة وعشرين ساعة..لأن ناس كتير هيكونوا بيطردونا..مش هتكون ع الحكومة وبس..لأ دي عصابات ومرتزقة وليلة سودة

إزدردت ريقها بـ خوف أكبر ثم تشدقت بـ نبرة مُرتعشة

-هو أنا مينفعش أغير رأيي وارجع مصر!..أنا بحب مصر
-أمسك يونس يدها بـ حنو وقال:متخافيش أنا معاكي..

نظرت إلى يده التي تحتويها بـ حنان ثم إليه..لا تنكر شعور الأمان الذي تسلل إليها من إحتوائه لها سواء كانت نظراته أو يده..لتبتسم بـ توتر..وأكمل هو

-أهم حاجة هوياتنا الحقيقية متتعرفش..لا اسمك ولا سنك ولا أنتي منين..أنا جواز سفري وهويتي الجديدة جاهزة..أنتي اول بما نوصل هتصرفلك فـ واحدة..
-إتسعت إبتسامتها وقالت بـ حماس مُتناسية خوفها:إيه دا بجد!!..ويبقى تزوير في أوراق رسمية!!..الله حلو جو الأكشن دا
-ضيق عيناه وهتف بـ غيظ:بقى دا منظر واحدة كانت مرعوبة من شوية!
-رفعت منكبيها وقالت:أنت قولت أنت هتحميني

ربتت على كتفه عدة مرات وهتفت بـ بساطة

-وأنا بثق في يا صقر أو فهد أو أسد أي حيوان يمشي

نظر لها بـ غضب لتتنحنح وتقول

-قصدي حيوان مفترس و قوي يعني..متاخدش الأمور قفش كدا..take it easy man )خذ الأمور ببساطة يا رجل)

صمت..هو من الأساس لا يعرف كيف يُجيب عليها..تتفوه بـ كلمات حمقاء تُشبهها تمامًا..أدار وجهه عنها حتى لا يفقد ما تبقى من عقله..ليصدح صوتها وهى تسأله

-وبعدين كمل خططك!
-نظر لها بـ إزدراء وقال:أما يبقى يجي وقتها يحلها ربنا..أما حاليًا مش عاوز أسمع صوتك..إرجعي نامي
-لتقول بـ هدوء:بس أنا مش عاوزة أنام
-أغمض عيناه وقال:خلاص أنام أنا…
-لوت شدقها بـ ضيق وسألته:طب سؤال قبل ما تنام
-زفر بـ ضيق:أووووف..قولي وإرحميني
-فاضل أد إيه ونوصل!!
-ست ساعات..أحسنلك ناميهم

عقد هو ساعديه أمام صدره وتجاهلها كُليًا..تجاهل ثرثرتها المُزعجة ليستشف منها أنها طريقتها في إزالة التوتر وحالة الخوف التي إنتابتها ما أن أخبرها بما هم مُقبلين عليه..وفي خضم حديثها شهقت عندما إلتفت يد يونس حولها جاذبًا إياها إلى صدره وقال بـ صوتٍ رخيم

-نامي يا بتول وحاولي تسترخي..شيلي الخوف من دماغك أنا وعدتك إني هحميكي وربنا يقدرني وأقدر…

توردت وجنتيها مما يفعله ولكنها لم تعترض..بل والعجيب أن جفونها خانتها وأُغلقت لتنعم بـ نومٍ هادئ تحت نبضات قلبه الهادئة والمُستمتعة بـ قربها منه..ونام كِلاهما وعلى ثغريهما إبتسامة وكُلاً لنفس السبب..أو ربما ليس…

***************************************

بعدما تنعم بـ حمام دافئ يُزيل عن رأسه فكرة إكتشاف بتول لقذارته ولكن لم يفلح..إستدار بـ جسده وهو يُجفف خُصلاته..ليجد سيف يجلس على أحد المقاعد وبـ يده كأس نبيذ فاخر..لم تهتز شعرة واحدة لدى عز وتساءل بـ جفاء

-عملت إيه!!
-تلاعب سيف بـ كأس النبيذ وقال:يونس كان فـ الواحات..بس هرب برة مصر
-إلتفت إليه بـ جسده وهتف بـ صدمة وغضب:وملحقتوش ليه قبل ما يسافر!..وراح فين الـ*** دا؟
-رد عليه سيف بـ إستفزاز:أعصابك يا باشا..وبعدين أنت لسه قايلي أول إمبارح..عاوزني ألحقه إزاي!!

تحرك عز في إتجاهه وقد بلغ غضبه الذروة..ليجذب سيف من تلابيبه بـ عنف ليقع كأس النبيذ و لوث الأرضية..نظر لها سيف ثم قال بـ أسف مُصطنع

-كدا الكاس وقع!!..دا حتى طعمه حلو لأ وغالي
-هزه عز بـ عنف و زمجر:سيف!!..بقولك إيه أنا ع أخري..فـ أقصر
-أبعد يده عنه وتشدق بـ إبتسامة:وماله أقصر

عاد يجلس على مقعده و وضع ساق على أخرى ثم قال وهو يحك طرف ذقنه

-كل اللي قدرت أوصله..إنه راح الواحات بعد أما خطف السنيورة..ولما رحت كان فص ملح وداب
-كز عز على أسنانه وقال بـ ضيق:طب مهددتش الناس دي ليه..#حد وهما زي الكلا,ب هيعترفوا!
-الأمور متتاخدش كدا..عمومًا محدش عارف هو فين..ومن الأساس محدش إتعرف عليه..أو هما قالوا كدا..الظاهر بيعزوه جدًا..لدرجة إن مفيش حد قال أنه يعرفه..

ضحك بـ سخرية وقال

-والعجيب أنهم قالوا نفس الكلام..محدش جه بـ الاسم دا ولا حتى تعرفوا ع الشكل..طلع محبوب سيادة المقدم دا
-سيف..بتول ترجع..أنا هروح الناس دي بنفسي وهخليهم يعترفوا حتى لو #كلهم
-نهض سيف وقال:هتعملها تاني!!..طب مش لما تتخلص من الدليل اللي ضدك فـ الأولى..عمومًا متوسخش إيدك فـ ناس لو قطعت لحمهم بالحتت مش هيقولوا حرف..أحسنلك أستخدم علاقاتك القذرة مع المافيا وهما هيجبولك رقابته..تشاو يا نجم

تشدق بـ الأخيرة بـ تهكم ورحل..تاركًا عز يقبض على كفه بـ شراسة وقال بـ وعيد قاتم

-#يا سيف..#بس أخلص من يونس الكلب الأول

*************************************

-سيادة المقدم!!..سيادة المقدم؟

فتح يونس عيناه على ذلك الصوت والهزات الصغيرة..ليعتدل في جلسته وتساءل

-وصلنا!!
-أماء قائد الطائرة وقال:أيوة وصلنا..حضرتك هتاخد عربية من هنا هتوصلك ستوكهولم ومن هناك ع الفندق..لأننا مش هنقدر ندخل أكتر من كدا
-رد عليه يونس بـ تفهم وقال:خلاص تمام..

إلتفت إليها ليجدها تنام بـ عمق..ليربت على وجنتها بـ رفق هاتفًا

-بتول!..يلا قومي

تململت بتول ومن ثم فتحت عيناها وتشدقت بـ نعاس

-وصلنا إزاي!
-حل عنه وعنها حزام الأمان الخاص بها وقال:زي الناس..يلا عشام مينفعش نتأخر…
-طيب!!

ونزلت من الطائرة..لتلفحها نسمات الهواء الرائعة فـ السويد تتنعم بـ جوها المُعتدل طوال أشهر العام..وضع يونس الحقيبة على ظهره ونزل..أمسك يدها وتحرك بها من المحيط..لتقول بتول

-هو إحنا فين!
-رد عليها يونس ولا يزال يتحرك:على حدود السويد..هنركب عربية توصلنا ستوكهولم…
-ردت عليه بـ خفوت:طيب

وتحركا في خفة حتى وصلا إلى السيارة والتي كانت فارهه إلى حد غير معقول..فغرت بتول فاها وقالت بـ إستنكار.

-هو دا التخفي فـ مفهوم الجاسوسية؟
-رد عليها بـ عدم فهم:اللي هو إزاي!
-أشارت إلى السيارة بـ إستنكار:العربية دي مُلفتة أوي..وهتفضحنا

ضر,ب بـ باطن كفه مقدمة رأسه وقال بـ نفاذ صبر

-والله شكلك أنتي اللي هتفضحينا..يلا يا ختي

ودفعها في إتجاه السيارة..وهى تتأفف بـ ضيق..وجد المفاتيح الخاصة بـ السيارة في إطارها ثم دلفا وأدار يونس السيارة وتحركت..لتتساءل بتول

-المفروض دلوقتي هنتصرف إزاي؟..وع أي أساس؟
-تفهم يونس ما تريد قوله ورد عليها دون الإلتفات:حاليًا هنتصرف ع أساس إننا مُرتزقة..بنحاول نبيع معلومات عن البلد لناس معينة وفـ المقابل هتتكشفلنا هويات جواسيس فـ مصر و دول عربية
-شهقت بتول وقالت بـ صدمة:وهو أنت هتعمل كدا فعلاً!!
-كظم غيظه وقال بـ هدوء حاول إظهاره:بتول..أنا من رأيي تسكتي عشان أنتي هتلبسيني البدلة الحمرا بـ اللي بتقوليه

لوت شدقها بـ إمتعاض ولم تتحدث..عقدت ساعديها أمام صدرها ولم تتحدث..بينما هو أخذ يزفر بـ ضيق منها..وهتف في نفسه بـ لوم

-غلطة عمري إني أخدتك معايا يا بتول…

إستدارت بتول له ورسمت معالم البراءة على وجهها جعلت يونس يقطب ما بين حاجبيه بـ توجس وقال

-مبرتحش للبصة دي
-زمت شفتيها بـ عبوس وقالت:والله أنا طيبة أنت اللي ظالمني!

تحرك فاه يونس يمينًا ويسارًا..وتشدق بـ سخرية

-أه ظالمك..أنا واحد ظالم ومفتري يا بتول الكلب..إخلصي وقولي الكلمة اللي هتقف فـ زورك و هتموتك دي
-قطبت حاجبيها بـ غضبها طفولي وقالت:والله هعيط
-أخذ يرتطم بـ رأسه بـ مقعده ثم هاتفًا بـ نفاذ صبر:يا تقولي عاوزة إيه يا تحطي لسانك جوة بوقك ومسمعش صوتك..
-ضيقت عيناها بـ لؤم وقالت بـ نظرات زائغة:أنا جعانة

أوقف السيارة فجأة فـ أصدرت صرير عالي..وإلتفت بـ جسده إليها وصفق بـ يده مرة واحد مُتشدقًا بـ حدة

-نعم يا روح أمك!
-إلتفتت إليه هى الأخرى وقالت بـ غضب:الله منا بسببك مكلتش…
-وأنا ذنبي إيه إن شاء الله!
-وضعت يدها في خصرها وقالت:قعدت من إمبارح مكولش لما صدمتني وقولت أنك مسافر
-مسح على وجهه بـ قوة وقال بـ ضجر:طب المطلوب مني إيه دلوقتي!
-عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت:هاتلي أكل
-#إبتسامة صفراء على وجهه وقال:تحبي تاكلي إيه؟

إستدارت له بـ تلك النظرة التي يكرهها وهتفت بـ إبتسامة واسعة

-حواوشي..
-اااه

وكانت تلك الصرخة مصدرها يونس..تبعها سباب لاذع أغدق مسامعها به..تفاجأت بتول بـ ذلك الغضب والصراخ الذي لا حد له ولا أخر..لتنكمش على نفسها بـ خوف مُبتلعة لسانها من التفوه بـ أي حرف

وبعد مدة عاد يونس بـ وجه عابس قاذفًا الحقيبة البلاستيكية في وجهها المُمتعض..جلس في مقعده أمام المقوّد..وتحرك بـ السيارة في صمت..وبدأت هى في تناول الطعام بـ نهم..قربت الشطيرة من فمه وقالت بـ براءة

-تاكل!
-نظر لها بـ إزدراء وقال:لأ
-رفعت منكبيها بلا مبالاه وقالت:أنت الخسران..الهوت دوج دا لذيذ
-تمتم هو بـ إمتعاض:تك دوج أما يبقى يهبشك…

وأكمل رحلته في صمت معها فـ هو يعلم ما أن تشحذ طاقتها ستبدأ وصلة ثرثرة تُفقده وعيه..ولكن لا يستطيع التخلي عنها فهى تُضيف نكهه لذيذة ومرحة إلى حياته…

يونس 12

هكذا أود أن أموت

في العشق الذي أكنه لك.

كقطع سحب

تذوب في ضوء الشمس.

وصلا إلى بوابة سوداء حديدية..ذات إرتفاع شاهق..ليصطف يونس بـ سيارته وترجل منها هاتفًا

-إنزلي يا بتول

ترجلت هى الأخرى وتقدمت من يونس الذي وقف يتفرس الأمور قليلاً ثم تشدقت بـ تعجب

-هو أحنا هنقعد هنا!
-اه
-عقدت ما بين حاجبيها وتساءلت:هو أنت كل الأماكن اللي بتستخبى فيها فخمة أوي كدا!
-نظر لها بـ هدوء حاول التسلح به:هتفهمي كل حاجة..أنتي دلوقتي اسمك ديانا..ومتفتحيش بوقك بـ أي حرف..هويتك هتوصل كمان نص ساعة أنا كلمت عدي وهو إتصرف…
-هزت منكبيها بـ لا مبالاه وقالت:أوكيه..مفيش أي مشكلة..بس ربنا يستر
-هتف بـ إطمئنان:هيستر إن شاء الله لو سمعتي كلامي وحطيتي لسانك اللي طول مترين دا جوة بوقك..ويلا بينا…

ومن ثم أمسك يدها وتوجه ناحية البوابة..تحدث مع الحارس والذي بدا وكأنهم على معرفة تامة بـ بعضهما ..ليُشير بعدها إليها وتحركا إلى الداخل…

كانت بتول تُشاهد تلك المناظر الخلابة..أشجار الفواكه ذات الرائحة الرائعة..والأزهار التي تنشر بهجه في المكان..وحمام السباحة ذاك الذي يُعد قطعة فاخرة أخرى..وبعدها حوّلت أنظارها إلى ذاك المبنى الشاهق ذو طراز كلاسيكي قديم يبدو من القرن التاسع عشر..تصميم غاية في الروعة والذوق الرفيع..فغرت هى فاها وكأنها في بلاد العجائب…

كان يونس ينظر لها من طرف عيناه ليجدها على تلك الحالة المشدوهه..إرتسمت إبتسامة صغيرة على فاه من عفوية هذه الجنية..ثوان والجميع كان في الداخل ولم يقل ذلك المبنى رفاهيه من داخله عن خارجه..فـ كِلاهما غاية في الفخامة..وتلك الأرض الرُخامية ذات الألوان المُبهجة…

صوت خُطوات كعب أنثوي أخذ يصدح في هذا الصرح الهادئ..لتطل عليهم سيدة في عامها الثلاثون..ذات بشرة بيضاء كـ بياض الثلج يتناسب مع خُصلاتها الحمراء..جسدها ليس بالممشوق ولا بـ السمين ولكنه يتفجر بـ أنوثة مُهلكة..وجهها يخلو تمامًا من مستحضرات التجميل..نظرت بتول إلى يونس فـ وجدته يُحدق بها بـ تمعن..فـ قالت في نفسها

-ليه حق والله..إذا كان أنا بنت وهمو,ت وأتجوزها..

إتقربت منهم هذه السيدة وإبتسامة تُزين ثغرها المُمتلئ وقالت بـ لغة إنكليزية

-مرحبًا جون..إشتقت إليك عزيزي

ثم إقتربت وقبّلت كِلتا وجنتيه..وإبتعدت عنه لتجده يُبادلها الإبتسام ثم تشدق بـ نبرته الرجولية

-وأنا أيضًا إشتقتُ إليكِ عزيزتي…

نظرت السيدة إلى بتول و تساءلت

-جون..من تلك الفتاه؟
-إلتفت يده حول خصر بتول وقال:خليلتي..ديانا

إلتفتت إليه بتول بـ صدمة من فعلته و تصريحه الذي جعل لونها يبهت..ولكنها لم تتفوه بـ حرف كما أخبرها..لتسمع صوتها يقول

-حقًا!!..يا لها من فتاه جميلة..

إلتفتت إلى بتول وقالت بـ إبتسامة

-تشرفت بـ معرفتكِ..ديانا
-هزت رأسها بـ خفة وقالت:وأنا أيضًا
-أنا أُدعى أنجلي
-ردت بتول بـ إبتسامة صغيرة:مرحبًا

إبتسمت هى الأخرى وإلتفتت مرة أخرى إلى يونس وتشدقت بـ جدية

-هل هى على عِلم بـ كل شئ!

كاد يونس أن يرد ولكن بتول لم تستطع أن تصمت وتتركها تتحدث مع يونس

-إنه يثق بي عزيزتي

نظرت أنچلي إلى يونس الذي رمق بتول بـ غيظ وتشدق

-أنا لا أثق بها بتاتًا
-لتقول بتول بـ تشفي:أرأيتِ إنه لا يثق بي

عض يونس على شفتيه بـ غيظ بينما صدحت ضحكات أنچلي على ما تفوهت به تلك الحمقاء..قطبت بتول ما بين حاجبيها وسألت يونس بـ صوتٍ خفيض

-وهى بتضحك ليه إن شاء الله!
-نظر لها شزرًا وقال:يعني هبلة وقولنا ماشي..كمان غبية ومبتفهميش!

كادت أن تصرخ حانقة إلا أن يده ضغطت على خصرها بـ قوة كي تصمت..إرتسمت إبتسامة على وجه يونس وقال بـ نعومة

-نُريد أن ننال قسط من الراحة ونتحدث فيما بعد عن العمل
-هزت رأسها بـ تفهم وقالت:لا بأس…

أشارت إلى إحدى العاملات وتحدثت معها بـ اللغة السويدية لتومئ العاملة بـ رأسها..لتقول أنچلي

-ستدلكما إلى الغُرفة التي ستقطنان بها
-حسنًا..شكرًا لكِ أنچلي

وتبعها قُبلة رقيقة على ظاهر كفها..كانت بتول تنظر لهما بـ إمتعاض ولم تُعلق على ما يحدث..تحرك يونس ولا يزال يقبض على خصرها وصعدا إلى غُرفتهما…

***************************************

دلفت إلى غُرفة المكتب ظنًا منها أنها فارغة..أغلقت الباب بـ هدوء وتوجهت إلى جهاز الحاسوب وفتحته..أخذت تتفقده علها تجد ما يُساعدها ولكن كل الملفات مُغلقة بـ كلمة سر..حاولت نسخ هذه الملفات ولكنها سمعت صوت أحدهم يدلف من خارج المرحاض..هوى قلبها في قدميها وبـ يد مُرتعشة وسريعة أغلقت الجهاز في نفس الوقت الذي خرج منه سيف من المرحاض يُجفف وجهه بـ منشفة صغيرة..إتسغلت روضة عدم رؤيته لها وتصنعت البحث في الأدراج عن بعض الأوراق الهامة لإحدى الصفقات…

أجفل سيف عندما سمع صوت الأدراج تُفتح وتُغلق ليُبعد المنشفة وما أن رأى روضة حتى هتف بـ تعجب

-روضة!!

تصنعت الفزع واضعة يدها على صدرها..وساعدها في ذلك إرتجاف يدها وجسدها إثر خوفها..فـ قالت بـ عتاب ممزوج بـ دهشة مصطنعة

-سيف؟..حرام عليك خضتني!
-نظر لها بـ شك وقال بـ حدة طفيفة:بتعملي إيه هنا!!
-أخذت نفس عميق ثم قالت:كنت بدور على ورق أخر صفقة لأني مش فاكرة إذا كان معاك أو معايا ومش لاقياه فـ مكتبي

نظر لها مُطولاً يحاول سبر أغوارها ولكن تلك الثقة والهدوء اللتان تتحدث بهما جعلت ملامحه ترتخي..إقترب منها وأمسك يدها ثم قال بـ حنو

-معلش يا حبيبتي..رجعت من عند عز ع هنا وبصراحة مكنتش مقابلة حلوة..وأسف إني خضيتك
-جاهدت في الإبتسام ثم قالت:لأ عادي محصلش حاجة..قولي عملت إيه!
-طب تعالي نقعد…

وتحركا ليجلسا على أريكة ذات لون أبيض وبدأ في سرد ما حدث..لتقول بعدها بـ ذهول

-يعني هرب وملحقتهوش!..عشان كدا رجعت بدري!
-تنهد ثم قال:أيوة يا ستي..وعز هيمو,ت وي# يونس دا

إستدارت روضة بـ كامل جسدها..تنحنحت ثم قالت بـ توتر

-ممكن أسألك حاجة!
-إبتسم وقال:إسألي
-إبتلعت ريقها وتساءلت بـ خفوت:هو إيه سبب العدواة بين يونس وعز وبينك وبين عز؟

ضحك سيف بـ صوته كله فـ تعجبت روضة من ضحكاته..هتف هو بعدما هدأت ضحكاته وقال

-عاوزة تعرفي بجد!!
-أماءت بـ تردد وقالت:آآ..أيوة…
-طيب يا ستي أنا هقولك عشان بثق فيكي..ومش عاوز نتكلم فـ الموضوع دا كتير

أماءت بـ رأسها وإنتظرت سرده..أغمض عيناه وتذكر ما حدث مُنذ خمس سنوات

“عودة لوقتٍ سابق”

في إحدى القرى النائية..كان يقف هو يُشاهد ما يحدث بـ ملامح جامدة لا تشي بـ تحرك مشاعره قيد أنملة..توجه يونس وكان حينها رائد على أعتاب الترقية إلى عز والذي كان في ذلك الوقت عضوًا في مجلس الشعب..وقال بـ إبتسامة

-باش مهندس عز!

إلتفت إليه عز بعدما رسم إبتسامة أخفى خلفها ملامحه الجامدة

-أيوة يا سيادة الرائد!
-رد عليه يونس وهو يُشير إلى إحدى البقاع:إحنا طوقنا المنطقة زي ما حضرتك طلبت..تحب نطلب دعم؟
-أشار بـ يده وقال بلا مبالاه:لأ ملوش لزوم
-حك يونس جبهته وتساءل:طب سؤال معلش..هو ليه حضرتك نازل معانا مخصوص!..كان ممكن ننزل بعد ما سيادة العقيد رفعت طلب

أخرج عز الدين لُفافة تبغ بُنية اللون وقام بـ إشعالها وقال بـ توضيح

-لأني وعدت الناس لما دخلت إنتخابات مجلس الشعب إني هخلصهم من الموضوع دا..وكان لازم أوفي بـ وعدي
-إبتسم يونس وقال:ياريت الناس كلها زي حضرتك

وإبتسم عز بـ غموض..أو إبتسامة سخرية..سخرت من ذاك الرائد الذي يظنه أخر الرجال المحترمين..شيطان في هيئة رجل كان ولا زال يظنه الجميع أن نزاهته لا عليها غُبار..وإنخدع الجميع به…

وبعد الإنتهاء من المهمة والتي كانت عبارة عن التخلص من بعض العصابات التي تُهدد أمن هذه القرية والقُرى المجاورة..إندفعت النيران من حولهم..جميع الجهات تنطلق منها رصاصات..وبعدها يخرج العديد من المُلثمين ويقوموا بـ حصار الجميع..حاول يونس كثيرًا حل تلك الأزمة ولكن كثرة العدد أحبطت محاولاته…

جثى الجميع على رُكبيته واضعًا يديه خلف عنقه ومجموعة من المُلثمين تصوب أسلحة تجاه رأسهم..وظهر ما جعل يونس يبهت وجعل وجه شاحبًا كـ شحوب الموتى..كان عز الدين وسط تلك الجماعات يتحدث معهم و يُعطي الأوامر..وقف أمام يونس وإنحنى إلى مستواه وقال بـ نبرة قاتمة

-إتعلم ديمًا متسبش أثر وراك..أنا أسف يا حضرة الرائد هتضطر تشوف مشاهد مش هتستحملها..

وأشار إلى المُلثمين وبدأو في تخريب القرية ونهبها..الإعتداء على نساء وفتيات القرية..#أطفال ورُضع..شيوخ وشباب..أقل ما يُقال أنها “مجزرة”..وبعدها أمر عز الدين بـ #يونس وفرقته رميًا بـ الرصاص…وإختفى الجمع وساد الصمت الموحش في المكان…

“عودة إلى الوقت الحالي”

-بس يا ستي وشاء القدر إن يونس يعيش ويهد المعبد على أصحابه…

لم ترد عليه روضة ولكنها ركضت إلى المرحاض تُخرج ما في جوفها فـ هى في أعظم كوابيسها لا تستطيع ان تتخيل أن هناك بشر مثلهم…

*************************************

-أخبريهم أن هناك حفل ويجب عليهم الإستعداد

قالها شخصًا ما على الهاتف والذي كان يُحادث أنچلي..لتقول هى

-وتلك الفتاه!
-رد عليها بـ فتور:يجب أيضًا أن تستعد..أريد أن أعلم من هى وما هى هويتها…
-يبدو أنه يثق بها كثيرًا ليأتي بها هنا
-أعتقد أنها تعمل مثله مرتزقة لصالح أحدهم

صمتت أنچلي قليلاً ثم قالت

-وماذا عن ما معه!
-رد عليها بـ جدية:سنأخذها منه بـ المفاوضة..أنتي تعلمي جون يعمل لمن يقوم بـ الدفع أكثر
-تشدقت هى بـ برود:لا يهم..سأبدأ في التحضير وأرجو أن تحضر بـ ميعادك
-لا تقلقي..أخبريني ما أن تنتهي من الأستعداد لها وأنا سأكون عندك في غضون خمسة عشر دقيقة
-حسنًا..وداعًا سيدي…

**************************************

أزالت بـ يدها بخار الماء العالق على مرآه المرحاض..و أخذت تُمشط خُصلاتها القصيرة..وذهنها يعمل بما ستمر به..تساءلت بـ نبرة خفيضة

-يا ترى يونس عرف يتصرفلي فـ هويتي ولا هيودينا فـ داهية؟

رفعت منكبيها بـ فتور..وما أن خطت بـ قدميها إلى الخارج حتى إصطدمت بـ حائط بشري بـ قوة كادت أن تُسقطها أرضًا..لولا يد صلبة إلتفت حول خصرها يحيل دون سقوطها..رفعت عيناها بـ إضطراب لتجد يونس يُحدق بها بـ طريقة أرعبتها..حاولت الإبتعاد عنه ولكنه أبى..لتقول بـ توتر

-آآ..أسـ..فة…ممكن..آآ..إيدك
-إقترب من أذنيها وهمس:أنتي عارفة إنك مش لوحدك فـ الأوضة..طالعة كدا ليه!
-رددت بـ ذهول:اللي هو إزاي!
-دا

وأشار بـ عينيه إليها..لتشهق بـ خجل مصحوب بـ إضطراب من هيئتها..فـ كانت ترتدي منشفة تصل إلى رُكبتيها..وتُظهر منكبيها بـ سخاء..حاولت إزاحة يده بعيدًا عنه علها تستطيع الهرب من نظراته التي تلتهمها..إلا أنه لم يتحرك قيد أنملة..هتفت مرة أخرى وكادت على وشك البكاء

-يو..يونس..آآ..إيدك

ترك يدها ولكن عيناه لم تتزحزح بعيدًا عن خاصتها..تقدم خطوة لترجع أختها..تقدم أخرى وهى تعود حتى إلتصقت بـ طاولة مُستديرة خلفها..هتفت بـ تلعثم و خوف

-يونس..ميـ..مينفعش كدا..
-مال عليها وقال:وطالما هو مينفعش..طالعة كدا ليه!..أنا وأنتي والشيطان تالتنا..عاوزني أكون راهب وأنتي بهيئتك دي

مد يده يتلمس وجنتيها..لتُغمض عيناها بـ قوة حتى كادت أن تعتصرهما..ضمت يديها إلى صدرها في محاولة بائسة من أجل إخفاء مفاتنها..ومن ثم هطلت عبراتها وهى تقول

-أنا نسيت إني خرجت كدا..و و مكنتش مفكرة إنك هترجع بسرعة كدا..

ولكنه لم يرد..شعرت بـ أنفاسه تقترب منها أكثر..لتقول بـ نبرو هلعة

-يونس..أنت مش كدا

وأيضًا لا رد..ولكنها شعرت بـ شيئًا ما يُوضع على جسدها..فتحت عيناها..لتجده قد نزع عنه قميصه ومن ثم وضعه عليها وأغلق أزاراه..وقف أمامها بـ جذعه العلوي عار وعلى وجه إبتسامة عذبة…

رمقته بتول بـ عدم فهم وذهول..ليجذبها في أحضانه بـ حنو..وضع يده على خُصلاتها وهمس بـ نبرته الرجولية العذبة

-حبك أكبر من أني ألمسك بالطريقة الرخيصة دي..

أبعدها عنه يُحيط وجهها بـ راحتيه وقال بـ صوتٍ رخيم

-أنتي غالية أوي..غالية عليا أوي يا بنت السلطان…

وقبل أن يُكمل حديثه..سمع صوت طرقات خفيفة ليذهب ويفتح الباب..وجدها أنچلي التي حدقت به بـ ذهول وإعجاب..لتقول بـ خبث

-لم أعتقد أنك تحتاج إلى ذاك النوع من الراحة
-رد عليها يونس بلا مبالاه:هذا لا يعنيكِ أنچلي..لما جئتِ؟
-إبتسمت وقالت:سيدي سيقوم بـ إعداد حفل من أجلكما..ويُشرفه أن تحضران
-قطب يونس ما بين حاجبيه وقال:ولكن لم أره مُنذ أن أتيت!!
-كان يعمل..الآن إستعدا من أجل الحفل

نظر يونس إلى بتول التي هزت كتفيها بمعنى لا أعلم..ليعود وينظر إلى أنچلي ثم قال وهو يضع يده على وجهه

-ولكننا لا نملك ثياب
-ردت عليه بـ بساطة:ليست بـ مشكلة..سأتدبر الأمر عزيزي
-إبتسم من جانب فمه وقال:إذًا لا مفر

هزت رأسها بـ لا..ليومئ بـ رأسه وقال

-حسنًا..لا بأس
-إذًا إستعدا..سيأتي بعد قليل من يقوم بـ مساعدتكما…

وبعدها رحلت..أغلق يونس الباب وجلس على الفراش واضعًا رأسه بين يداه..قطبت بتول مُتعجبة من حالته..تقدمت منه وسألته بـهدوء

-مالك في إيه!!
-هتف وهو لا يزال على وضعه:إتدبسنا فـ حفلة
-خلاص يا يونس..هندبرها خمس دقايق نتحجج إننا تعبانين وكدا

لم يرد عليها يونس بل كان بـ وادٍ أخر..فـ هو يخشى عليها من ذاك الرجل..يعلم أنه ما أن تقع عيناه عليها فـ هو لن يتركها إلا أن تكون له..ذهبت خططه في إخفاءها عنه أدراج الرياح..نهض يونس بغتة أجفلت بتول..ليقول لها بـ ملامح صارمة ونبرة لا تقل عنها

-بعد الحفلة دي لا يمكن نقعد دقيقة واحدة هنا..هنختفي فورًا
-هتفت هى بـ تعجب:ليه؟

نظر لها يونس بـ عمق..ثم تقدم منها وإنحنى يُقبل جبينها بـ طريقة جعلت دماؤها تسري كـ العسل الدافئ في أوردتها..وقال بـ نبرة عاشقة

-لأني خايف عليكي..

صمت وهو يضمها إلى صدره مُستنشقًا عبيرها المُسكر

-لأني بحبك…

يونس 13

هو الحب ذا يستهزئ بي…ها قد جعلني سخرية…

وقادني حيث الآمال تُعد عيوبًا…والأماني مذلة…

جففت وجهها بـ منشفة صغيرة من قطرات الماء ولم يُمحى عن وجهها ملامح الإشمئزاز..ما حدث كان بـ مثابة صدمة قوية أن هؤلاء البشر..عفوًا ليسوا بشر..أن يفعلوا شيئًا كهذا..تسابقت عبراتها بـ الهطول تزامنت مع إرتجافة جسدها كُلما تذكرت تلك المشاهد البشعة في حق آدميتهم…

طرق سيف الباب بـ قلق وبـ نبرة لا تقل قلقًا عليها

-روضة حبيبتي..أنتي كويسة!!

وإندفعت كـ الصاروخ وفتحت الباب بـ طريقة أفزعت سيف وجعلته ينظر لها بـ إضطراب..نظرت هى له بـ شرر ثم قالت بـ إهتياج

-متقولش حبيبتك يا شوية قتّالين..أنا مش حبيبتك..أنا مش حبيبتك
-تقدم منها سيف في مُحاولة يائسة لتهدئتها:طب إهدي بس يا حبيبتي
-أشارت بـ سبابتها وهتفت بـ غضب:قولتلك متقوليش يا زفت..فاهم

ثم إندفعت تأخذ حقيبتها وتبعها سيف وهو يقول بـ هدوء ليمتص موجة غضبها

-طب تعالي أوصلك!
-دفعته من منكبه وصرخت:لأ..أنا هروح لوحدي
-ليقول سيف بـ حدة طفيفة وقشرة بروده بدأت تتصدع:تروحي لوحدك إزاي وأنتي فـ الحالة دي!..يلا يا بتول هوصلك وأعملي بعدها اللي أنتي عاوزاه

لكزته في صدره بـ قوة وكادت أن تُعيدها ولكنه أمسك يدها وقربها منه ثم همس من بين أسنانه

-لحد دلوقتي أنا متفهم لحالتك دي يا روضة..لكن أقسم بالله لو زودتي فيها لكون موريكي وش مش هيعجبك
-حدقت به بـ صدمة ومن ثم قالت بـ حدة:يا برودك يا أخي..وليكو عين بعد كل دا عاوزين #..أنا كنت عارفة أنك *** بس مش بالطريقة دي
-رووووضة؟!!

صرخها سيف بـ صوتٍ هادر أرعبها وجعل قلبها ينتفض من بين ضلوعها..أبعدها هو بـ حدة عنه ثم أمسك يدها جاذبًا إياها خلفه وهدر بـ قوة غاضبة

-كلمة كمان وهنسى أني بحبك..ويلا عشان أوديكي فـ داهية…

وتحرك بها في إتجاه الخارج..وهى تسير خلفه كاتمة شهقات كادت أن تنلفت وتجعله يثور أكثر مما هو ثائر…

***************************************

رفت بـ عينيها عدة مرات علها تستوعب ما قيل مُنذ ثوان..لتبتعد عنه على حين غُرة وتساءلت بـ تعجب مُتجاهلة إنقباضة قلبها

-بتحبني إزاي..إزي يعني!
-قطب ما بين حاجبيه وشعر بـ غصة تضر,به في مُنتصف فؤاده:زي..زي الناس يا بتول..بحبك من أول أما شوفتك..بحبك وقلبي دقلك من غير أما أحس..بحبك وملهاش غير المعنى اللي وصلك…

إبتعلت ريقها بـ صعوبة وقد بدأ وجيب قلبها يعلو من فرط الخوف وهول الصدمة..تقدمت منه خطوة وحاولت التحدث بـ هدوء

-ودا معناه إيه!..لحقت تحبني أمتى!..أنت لسه عارفني من كام يوم
-أمسك ذراعيها وقال بـ حدة:ودا اللي هيجنيني..مش عارف إزاي وقعت فيكي..مش فاهم يا بتول..أنتي زي شهاب عدى قدامي فـ لمح البصر وأنا زي الطفل إتعلقت بيه وبتمناه كل يوم

أغمضت عيناها بـ قوة تتحاشى نظراته التي تخترقها كـ السهام #..ثم أبعدت يده عنها وقالت دون النظر له

-يونس صدقني مينفعش..أنا قلبي مش ملكي..مقدرش أقولك بحبك وأنا بضحك عليك
-أمسك معصمها بـ قوة كادت أن تُهشم عظامها وهدر بـ غضب:إنما ملك واحد #وفاسد..مِلك واحد #قرية كلها..أطفال وشباب وستات..شيوخ كانوا بيصلوا فـ الجامع..كانوا بيصلو لربنا وإ# غدر..مِلك واحد خاين لبلده وأهله وآآآ

تراجعت إلى الخلف بما يُسمح لها..قاطعته بـ صراخ وهى تضع يدها على أُذنيها

-بس كفاية..فكرك مش عارفة كل دا..عارفاه ومش فاهمة إزاي قلبي بيدق لواحد زي دا

أمسك يدها اليُمنى ورفعها أمام عيناها وصرخ بـ حدة

-وهتنسيه إزاي وأنتي لسه لابسه خاتمه!
-سحبت يدها منه وقالت بـ غضب:وهو دا اللي مضايقك!!

نزعت الخاتم من يدها ثم قذفته في أحد أركان الغُرفة..فتحت ذراعيها وقالت بـ نبرة إمتزج بها الضحك والبُكاء

-أديني قلعته..شوفت قلبي بطّل يدقله!..شوفتني نسيت حبه!

تقدمت منه خطوات وهتفت ساخطة

-أنا قلبي مش آلة عشان أدوس ع الزرار وأقوله بطّل تحبه فـ يبطّل..عمرنا ما قدرنا نتحكم فـ قلبنا ولا مشاعرنا..بالدليل أهو

أشارت بـ يدها إليه من رأسه إلى قدميه..وهو يقف أمامها يشعر بـ الخذلان والألم..الكثير من الألم..ماذا كنت تتوقع!..أن ترتمي بـ أحضانك وتُخبرك أنها تُبادلك الحب؟!..أغمض يونس عيناه يمتص غضبه وحزنه ومن ثم هتف بـ جمود

-لتاني مرة بقولك أنتي صح..أنا فعلاً مش لاقي الزرار اللي أوقف مشاعري ليكي..مش هقدر أقول لقلبي يبطّل يحبك..أسف إني قولتلك ع اللي جوايا..وأسف أني هنت نفسي بالطريقة دي..وأسف أني إتعشمت فيكي بـ زيادة..وأسف ع حاجات كتير..بعد إذنك…

ودلف إلى الخارج دون الإهتمام أن يرتدي ما يخفي جذعه العلوي العار..وتحرك بـ خطوات أشبه إلى الركض عله يستطيع التنفس بـ حرية وعله يستطيع لملمة شتات نفسه…

**************************************

-في ناس يا باشا عاوزين يقابلوا حضرتك
-إعتدل عدي في جلسته وتساءل:مين!
-أهل خطيبة سيادة الوزير
-تأفف عدي بـ نفاذ صبر ثم قال بـ فتور:دخلهم خليني أشوف أخرتها

أدى له العسكري التحية الرسمية ثم خرج وبعد ثوات عاد ومعه إسماعيل وإسلام..أمر عدي العسكري بـ عدم الإزعاج..فـ إمتثل الأخير إلى أوامره وأغلق الباب خلفه..أشار عدي للآخران وقال بـ صلابة

-إتفضلوا إقعدوا

جلسا بـ صمت الذي ساد دقائق..فـ قطعه إسماعيل بـ نبرة مُنهكة

-إيه الأخبار عن بنتي يا حضرة الظابط!
-رد عليه عدي بـ برود وهو يتلاعب بـ القلم بين يديه:والله أدينا بندور عليها ومستنين
-كور إسلام قبضة يده وهتف من بين أسنانه:مستنين إزاي يعني يا باشا!..مش المفروض دي خطيبة الوزير!!..يعني ع الأقل قوموا بـ شغلكم

توقف عدي عن التلاعب بـ القلم ورمقه بـ نظرة نارية جمدته..ومن ثم تشدق عدي بـ تحذير وهو يُشير إليه بـ سبابته

-مش أنت اللي هتعلمنا إزاي نقوم بـ شغلنا..وإذا كان ع سيادة الوزير فهو قايم بالواجب وزيادة..

مال عدي بـ جسده إلى الأمام وهمس بـ خبث

-هو أنتوا مش ناسيب برضو والمفروض يقوم بالواجب!..ولا شكله كدا موراكوش وشه من بعد اللي حصل!!

ثم تراجع إلى الخلف وعلى وجهه إبتسامة شامتة.. بينما إسماعيل كان على وشك البُكاء من أجل طفلته الضائعة..وإسلام ينظر إليه بـ غضب أسود..وقبل أن يتحدث سبقه والده بـ نبرة راجية

-يا بني كل اللي عاوزه بنتي وبس..دا رجاء أب مش أكتر..ربنا ما يكتب عليك يا بني تفقد أبنك

أغمض عدي عيناه..هو يعلم تمام العلم كيف تشعر عند فقدان أحدهم..إنتابه هذا الشعور لمدة ستنان أثناء غياب أخيه..إختبر أن تعلم أنه على قيد الحياه ولكن لا تستطيع الوصول إليه..مسح عدي على وجهه وقد لمس إسماعيل فيه وترًا حساسًا ثم قال بـ هدوء

-يا حاج إحنا بنعمل اللي علينا وإن شاء الله هترجع بخير
-رد عليه إسماعيل بـ تلهف وقال:وأنا مش عاوز غير إنها ترجع
-إبتسم عدي وقال:هترجع يا حاج..بس أنت قول يارب..
-رفع يده إلي أعلى وهتف بـ تضرع:يارب

ثم نهض وكذلك إسلام…فـ تشدق عدي بـ إطمئنان

-متقلقش هنكون ع تواصل وأي جديد هبلغك
-متشكر يا حضرة الظابط..نستأذن إحنا

تحركا إلى الخارج. ليضع عدي يداه في جيبي بنطاله وزفر بـ ضيب ثم تشدق بـ عبوس

-قولتلك يا يونس مينفعش تاخدها معاك…

**************************************

توجه إلى حديقة القصر دون أن يلتفت إلى النداءات خلفه..دفع الباب بـ كِلتا ذراعيه وركض إلى الخارج..إستند على رُكبتيه وأغمض عيناه بـ قوة مُعتصرًا لجفناه..دقائق وظل على وضعه ثم عاد ليتعدل..نظر إلى أعلى وقال بـ تضرع

-يااارب

ثم تمدد على الأرض العُشبية فاردًا لقدماه ويداه على حد سواء..ظل يُحدق في السماء الصافية وهو بـ عالم أخر..شرد في ذكرياتهما معًا..لسانها السليط الذي يُفقده عقله..تصرفاتها العفوية والمُحببة إلى قلبه..إبتسامتها الرائعة والتي تتغلغل إلى قلبه لتجعله يهيم بها أكثر..ركضها إلى أحضانه وعتابها له على تركها..كلمتها التي أخذت ترن في أُذناه

“أنا أخترت أثق فيك يا يونس”

لا يعلم تكرار هذه العبارة ألتؤلمه! أم لتجعله يتمسك بـ بذور الأمل التي تنبتُ في خبايا هذه العبارة!!..يكاد رأسه ينفجر من كثرة التفكير..حزن كثيرًا وتألم أكثر عندما باحت له أن قلبها لا يزال ينبض لذلك الخائن..يُريد أن يذهب وقتلع فؤاده من بين ضلوعه..يريد أن يُجبر قلبها على حبه..أن يضخ في عروقها نبضه هو..يُريد أن يتردد اسمه من بين شفتيها..اسمه وحده..ولكنها تظل أحلام..أو كابوس واقعه الأسود…

إستيقظ على شيئًا ما يُداعب أنفه بـ رقة..فتح جفنيه لتظهر بنيته الناعسة..لينتفض جالسًا وهو يراها تجلس أمامه وعلى وجهها أروع إبتسامة قد يراها يومًا..هتف بـ عدم تصديق

-أنتي..آآ
-وضعت إصبعها على فاها ثم قالت بـ صوتٍ ناعم:هششش..ممكن تسكت شوية وخليني أتكلم

إبتلع ريقع بـ صعوبة وهو يؤمئ بـ رأسه عدة مرات ولا تزال الصدمة تضر,ب مراكز عقله فـ تمنعه من الإستيعاب..إبتسمت وهى تهتف بـ نبرة حانية

-أنا عملت كدا عشان أشوف رد فعلك..قولت كدا عشان أتأكد من حبك ليا..
-حدق بـ زيتون عيناها وقال:مش فاهم..يعني أنتي عملتي كدا عشان خاطر تتأكدي من حبي ليكي!!

عضت على شفتيها وأماءت بـ رأسها ثم هتفت بـ حرج

-أسفة
-أسفة إيه بس!!

وقالها وهو يجذبها إلى أحضانه بـ صورة جعلت قلبه يرتج داخل قفصه الصدري..أحاطت خصره بـ دورها وهمست في أُذنها بـ عذوبة

-بحبك…

وإنتفض من نومته على صدى تلك الكلمة “بحبك”..دار بـ رأسه باحثًا عنها كـ المجنون ولكنه لم يجدها..تيقن أنه لم يكن سوى منام وردي يُريده عقله وقلبه..مسح على وجهه بـ عنف بالغ أدى إلى إحمرار وجهه ثم هتف بـ يأس

-الظاهر عدي كان عنده حق..محدش هيتوجع غيري…
-ما بك أيُها الوسيم!!

تشدقت بها أنچلي التي تتهادى في ثوبها الأسود والذي يصل إلى كاحلها..ذو فتحة ظهر واسعة أظهرت ظهرها كاملاً..و كذلك فتحة صدر أبرزت جمال نحرها البض وذراعيها المكشوفان بـ بذخ فـ ظهر وشمها الذي يُزين أعلى منكبها الأيسر..تركت خُصلاتها حُرة تُداعبه نسمات الهواء…

نهض يونس عن الأرض العُشبية ومن ثم رسم إبتسامة خالية من الروح وقال

-لا شئ..ديانا تستعد وأردت أن أترُكها تأخذ مساحتها..تعلمين النساء
-إقتربت منه وهى تضحك ثم قالت:أعلم جيدًا..لذلك أمل ألا تعتقد أنني كنت أتلصص عليكما ولكني سمعت صوت عراك ولم أفهم شئ..كُنتما تتحدثان العربية كما أعتقد
-رد عليها يونس بـ هدوء:نعم..ديانا تنحدر من أصل عربي..جدها الأكبر ذو أصل شامي..وهى تتحدث العريبة وقد تعلمتها من أجلها
-وضعت يدها على الفاها المُلطخ بـ لون بني وهتفت بـ إعجاب:أوووه حقًا..ياله من حب!!..تتعلم العربية من أجل خليلتك..إنه لشيئًا رائع

إبتسم بـ سخرية وهو يؤمئ بـ رأسه..تقدمت منه مرة أخرى وسارت بـ يدها على صدره بـ نعومة وهتفت

-هيا لتستعد..سيدي على وشك الحضور
-أمسك يونس يدها وقال:حسنًا سأذهب

تحرك خطوتان ليسمع صوت أنچلي يصدح بـ دلال

-إن أردت مواساتي فـ سأكون أكثر من سعيدة لذلك
-رد عليها دون أن يستدير:أشكرك عزيزتي..أعلم جيدًا..سأذهب كي لا أتأخر
-وضعت يدها في خصرها وقالت:ستجد من يدُلك على غُرفتك

أماء بـ رأسه ثم رحل..تنهدت أنچلي بـ حرارة..ثم عضت على شفتيها قائلة

-متى ستعلم أني أعشقك إلى النخاع..جون!!

**************************************

كانت جالسة على طرف الفراش تضع رأسها بين يديها..لا تدري لما تشعر بـ تلك الغصة التي تنهش في صدرها..تشعر بـ قلبها ينقبض بـ قوة آلمتها..حديثها تتيقن من صحته وأنه الأصح لهما..فـ بعدما ما علمته عن عز الدين وقلبها حُطام..لا تُريد التورط في الحب والشعور بـ الخذلان مرة أخرى..ولكنها من قررت الوثوق به..ولكنها أيضًا لم تعده بـ الحب…

زفرت بـ ضيق عدة مرات..ثم نهضت تبحث عن خاتم خطبتها..وجدته في أحد الأركان..توجهت إليه ثم إلتقطته وعادت ترتديه..حدقت به مليًا وتشدقت بـ شرود

-مش لابساك ذكرى أو عشان أحنلك..لأ دا عشان أفكر نفسي ديما بـ وساختك…

سمعت طرقات رتيبة على باب الغُرفة ثم دلفت بعدها أنچلي بـ خطواتها المتهادية..رمقتها بتول بـ غيظ ولم تتحدث…

تبع دخول أنچلي عدد من الفتيات وشاب..نظرت لهم بتول بـ تعجب وتشدقت

-لما هم هنا!
-أشارت أنچلي إليهم وقالت:من أجلك عزيزتي
-أشارت بتول إلى نفسها وهتفت:لي أنا!!
-أماءت بـ رأسها وقالت بـ لطافة:نعم عزيزتي..هيا لا وقت لدينا..الحفل على وشك البدء

ثم أشارت إلى الشاب أن يقوم بـ عمله..تحرك الشاب في إتجاه بتول وهى تتأهب لما سيفعله..لتجده تمتد يداه لينزع عنها قميص يونس..أبعدت يده عنها بـ حدة وقامت بـ صفعه شهق الجميع على إثرها..ثم تشدقت بـ غضب

-ماذا يفعل هذا الوغد؟
-تفاجئت أنچلي من رد فعلها وقالت:سيقوم بـ مساعدتك في إرتداء ثوبك
-رفعت أحد حاجبيها بـ إستنكار وقالت بـ لغتها الأم:الستات عندنا مبتكشوفش ع رجالة..ولو أني أشك أنه رجالة أصلاً

تعذر على أنچلي فهم ما تقول لتهتف بـ عدم فهم

-عذرًا ديانا..لم أفهم ما تقولين
-إبتسمت بتول بـ إصفرار وقالت:لا أحتاج إلى مساعدته..سأرتدي ثيابي بـ نفسي..أين هو!

تقدمت منها الفتاه ثم أعطتها ثوبها..أخذته بتول منها وقبل أن تدلف إلى المرحاض وقالت

-لا داعي لهم هنا..سأتدبر أمري جيدًا
-رفعت أنچلي منكبيها بـ خفة وقالت بـ إبتسامة:لكِ ما تُريدين..هيا بنا

قالتها وهى تُشير إلى الفتيات والشاب الذي رمق بتول بـ غضب وهو يتحسس وجنته إثر الصفعة..لتُخرج بتول لسانها له وهى تقول بـ تشفي

-أحسن..أحسن

دلفت إلى المرحاض وشرعت في إرتداء ثوبها الذي يصل إلى كاحلها من اللون الأزرق الداكن اللامع..ذو أكمام تصل إلى ما بعد مرفقيها بـ إنشات قليلة..وفتحة صدر مُثلثية صغيرة ولكنه فتحة الظهر على النقيض تمامًا حيث أظهرت نصف ظهرها ولكن يُغطيه بضع طبقات من الأقمشة الشفافة..يلتف على جسدها بـ نعومة مُظهرًا رشاقة قدها..

خرجت من المرحاض ووقفت أمام مرآة طويلة لتتأمل مظهرها..والذي حاز على إعجابها..أمسكت فرشاةً ما وصففت خُصلاها المُتداخلة ما بين الأسود والبني بـ طريقة كلاسيكية..وتركت بعض الخُصلات تُحيط بـ وجهها وكأنه لوحة فنية..أنهت تزينها بـ وضع لمسات خفيفة من مستحضرات التجميل..حيث وضعت أحمر شفاة بـ اللون الأحمر القاني ليتماشى مع ثوبها..وحددت عيناها بـ كحل أسود ليُبرز لونهما الزيتوني…

كانت بـ حق لوحة فنيةغاية في الفتنة والأنوثة..دلف يونس على حين غُرة..ليتسمر قليلاً أمام جمالها الإلهي الفتاك..إرتعفت ضربات قلبه تدريجيًا حتى ظن أنها وصلت مسامعها..هز رأسه لكي يفيق من تلك الخيالات وأبدع حقًا في رسم الجمود واللا مبالاه على وجهه..تقدم منها بـ خطى هادئة..إلتفتت هى على إثرها..فغرت فاها وهى تتأمل وسامته التي أظهرتها حلته الرمادية اللامعة والذي ترك أول أزراره مفتوحة لتُظهر صلابة عضلات صدره وذراعيه القويان اللذان يعقدهمت أمام صدره..وخصلاته القصيرة المُصففة بـ عناية وكذلك شُعيرات لحيته التي زادته جاذبية…

إبتعلت ريقها وهى تتقدم ناحيته في محاولة منها أن تتخطى ماحدث مُنذ قليل..ثم هتفت بـ إبتسامة بلهاء

-حلوة البدلة
-نظر لها من طرف عيناه وقال بـ جفاء:شكرًا

إبتعلت غصة جفاء صوته التي لم تعتاد عليه..لتقترب أكثر منه وأمسك يده بـ رقة جعلت جسده يقشعر بـ قوة وكأن كهرباء سرت فيه ولكنه أثر إخفاء تأثيرها عليه فـ يكفيه ما يشعر به من ألم وكرامته التي أُهدرت في إعترافه لها بما يكنه لها..تشدقت بـ نبرة حزينة

-أسفة يا يونس لو كنت جرحتك..مكنش قصدي

نظر لها بـ سخرية ولم يرد..لتُكمل حديثها وهى تُحاول الإبتسام

-أسفة بجد..أنا مش عاوزاك تحس إنك إتسرعت فـ اللي أنت قولته
-إنتشل يده من يدها بـ قسوة ورد عليها بـ جمود:وهو أنا قولت إيه!!..أنا نسيت أصلاً..وأنتي كمان أنسي ومتشغليش بالك بيه كتير..دا كان لعب عيال…

وتقدم خطوتين في إتجاه المرحاض وأغلق بابه بـ قوة جعلتها تنتفض..تعلم أنها جرحته في كرامته كـ رجل..وأكثر ما يكرهه يونس أن تُدعس كرامته..فـ هو عزيز النفس كثيرًا..وإن شعر أن كرامته ستُهدر..يُخرج قلبه من بين ضلوعه ويدهسه بـ قدميه ثم يرحل وكأن شيئًا لم يكن

وقفت بـ الخارج تُحارب دموعها من الهطول..فـ يونس لا تستطيع وصف ما تشعر به تجاهه..ولكن ما باتت تتيقنه أنها تتألم بـ قوة لألمه وكأنها هى من أُصيبت بـ تلك الوغزة في قلبها…

طرقات على الباب تبعها دلوف خادمة والتي تشدقت وتُخفض رأسها إلى أسفل

-بدأ الحفل والسيدة أنچلي تطلب وجودكما
-ردت عليها بتول بـ لامبالاه:حسنًا..خمس دقائق فقط

هزت الخادمة رأسها ثم رحلت وأغلقت الباب خلفها..أخذت بتول عدة أنفاس عميقة وتوجهت إلى المرحاض..كادت أن تطرق الباب ولكنها وجدته يفتح الباب بـ وجهه الجامد..عادت خطوتان إلى الخلف وهتفت بـ تلعثم

-آآ..أنچلي..آآ
-قاطعها بـ يده وقال بـ صلابة:سمعت..يلا..
-ردت عليه بـ خفوت:يلا..

تحركت عدة خطوات أمامه..ليجذبها بـ يده إليه..توترت بتول وقبل أن تتحدث تشدق هو

-مينفعش تسبقيني كدا..هنطلع زي ما دخلنا

ولم يتسنى لها الفهم..حيث قام بـ لف يده حول خصرها بـ نعومة تُخالف صلابته..تضرجت وجنتي بتول بـ خجل ولكنها لم تُبدي أي رد فعل..فـ هى باتت تعشق قربه لها تستمد منه الأمان والقوة..وأصبح يونس لغز جديد بات يُثير حيرتها….

يونس 14

كانت الأجواء رائعة والجميع يستمتع..إقتربت أنچلي من أحدهم وأمسكت ذراعه..إلتفت إليها ذاك الرجل الأربعيني وقال

-أين هم ضيوف الحفل!
-ألقت أنچلي بـ نظرها تجاه الدرج وهي تقول بـ إبتسامة:ها هم

وإلتفت مرة أخرى بـ كامل جسده يتطلع إلى تلك الفتاه التي تتهادى في ثوبها ذو اللون الأزرق الداكن..لم يستطع إزاحة عيناه السوداوتين عنها..كانت جميلة بـ طريقة أبهرته..هى بالفعل نوعه المُفضل…

ولم تكن أنچلي بـ أقل منه وهى تتفرس يونس بـ نظراتها وكأنها ستأكله بـ عينيها..جاذبيته الرائعة..هدوءه الرزين..إبتسامته وااااه من إبتسامته التي تُذيب قلوب المُراهقات…

كانت بتول تُمسك كف يده وما أن لاحظت نظرات ذاك الأربعيني والذي يتفرسها بـ سوداوتيه القاتمة..بشرته السوداء..هيئته الكلاسيكية بـ حلته الرمادية..وتلك القُبعة العجيبة التي تُخبئ خُصلاته..زادت في تمسكها بـ قبضته..جعلته يقطب بـ قلق ومال عليها سائلاً

-مالك يا بتول!!
-أشارت بـ رأسها إلى الرجل ومن ثم تشدقت بـ خوف:الراجل اللي شبه بتوع العصابات دا بيبصلي بـ طريقة مش مريحة

نظر إلى مقصدها من طرف عيناه والتي ما لبثت وأن إحتقنت حتى تجمعت شُعيرات حمراء حول حدقتيه..ومن دون وعي منه قبض بـ قوة أكبر على يدها جعلتها تتأوة مُتألمة..لم يلتفت إليها وقال من بين أسنانه

-إياكي ثم إياكي ثم إياكي يا بتول تسيبي إيدي..فاهمة؟!
-إبتعلت ريقها وقالت بـ نظرات زائغة:حـ..حاضر
-أخذ نفسًا عميق وقال بـ غموض:أسف مضطر أعمل كدا

عقدت ما بين حاجبيها..لتجده يلتف بـ يده حول خصرها مرة أخرى كما دلفا خارج الغُرفة..وقربها منه بـ طريقة تُوحي بـ تملكه لها وكأنها موّشمة بـ اسمه..ثم مال يُقبل أسفل صدغها مُطولاً حتى يُثبت لكليهما أنهما مُكبلان بـ عشق وهمي بـ بعضهما..إرتجف بدنها بـ قوة وإزدادت ضر,بات قلبها أيضًا..ولكنها أثرت الصمت فـ قُرب يونس أهون من نظرات ذلك القذر التي تشي بما يكنه لها…

إبتعد يونس عنها بـ مضض..ولكن في تلك الثوان شعر بـ بعثرة مشاعره وروحه ذهب جموده أدراج الرياح وإحتل مكانه شغف..إختل توازن هدوءه ورزانته فهى بعيدة كل البُعد عن الهدوء والرزانة…هبط بها الدرج ومع كل خطوة يخطوها تجاههم كانت قبضته تحكم عليها أكثر خشية أن يسرقها منه..وقفا أمام أنچلي والتي كانت تثور بـ داخلها براكين..وقبل أن يتحدث أحدهم قال الرجل

-مرحبًا بكم في منزلي المتواضع…

**************************************

هبطت من السيارة ولم تلتفت إليه أو ترد على ندائاته المُتكررة..ليهبط سيف هو الأخر بـ غضب ثم أسرع يُمسكها من مرفقها مُجبرًا إياها على الإلتفات إليه..ومن ثم هتف من بين أسنانه وعيناه تحولت إلى القتامة

-روضة!..بلاش الأسلوب دا معايا عشان متزعليش مني

تجاهلت رعبها منه وتحاملت على نفسها قبضته التي كادت تُهشم مرفقها وتشدقت بـ حدة

-إحنا فـ الشارع يا سيف..سيب إيدي وأقف حلو أحسنلك
-إقترب خطوة منها وقال بـ صوتٍ يشبه فحيح الأفاعي:بتهدديني يا روح أمك!!..إتقي شري أنتي أحسنلك

تصاعد خوفها حتى وصل إلى عينيها فـ إستطاع سيف قرائته..ليترك يدها ثم إبتعد خطوة عنها وتشدق بـ صوتٍ هادئ ولكنه حاد

-روضة متجبرنيش أوريكي وش أنا ذات نفسي بكرهه

أشاحت بـ وجهها بعيدًا عنه تحبس قدر الإمكان عبراتها التي تُهددها بـ النزول..ليعود ويقترب تلك الخطوة والتي سبق أن إبتعدها..ثم هتف بـ حنان

-متعيطيش يا روضة..مش قصدي أزعلك..أنتي عارفة أني بتعصب بسرعة..ومبحبش الأسلوب دا

ولكنها لم ترد عليه..زفر هو بـ ضيق ثم أمسك وجهها وأداره إليه ثم أزال عبراتها بـ إبهاميه وقال بـ إبتسامة

-خلاص بقى ميبقاش قلبك أسود أوي كدا..خليه ملون

إبتسمت رُغمًا عنها لتتسع إبتسامته معها وهتف بـ مرح

-أيوة كدا خلي الشمس تنور
-جارته المُزاح:أكتر من كدا هتتحرق
-إقترب وهمس في أٌذنها:لو هتحرق منها أنا مستعد ليها

توترت من قربه وخجلت من كلماته..لتبتعد عنه سريعًا ثم هتفت بـ تلعثم

-آآآ..أنا..هطـ..هطلع عشان..كدا آآآ..غلط

ثم ركضت من أمامه..بينما هو وضع يديه في جيبي بنطاله وظل يُتابعها حتى إختفت عن ناظريه..تنهد بـ حرارة وقال

-إمتى أسمعها منك يا روضة..تعبتيني…

ثم إتجه إلى سيارته وأدار المُحرك ومن ثم إنطلق..وعلى الجانب الأخر كان عدي يُشاهد ما يحدث بينهما من غزل و مزاح..و ذلك التقارب الذي جعله يقبض على المقوّد حتى إبيضت مفاصله..أدار وهو الأخر مُحرك سيارته وإنطلق بها بـ سرعة جنونية حتى أصدرت إطارات السيارة صوت إحتكاك عنيف على الأرض الأسفلتية…

**************************************

ظل يونس يرمقه بـ قوة فتاكة دون أن يرد..والأخر مشغول بـ مُطالعة بتول والتي كادت يُغشى عليها من فرط الخوف..رفع يونس يده الحرة وأدار وجهه إليه ومن ثم تشدق بـ إبتسامة صفراء

-لما لا تنظر لي وأنت تُحدثني!
-إبتسم بـ مكر وقال:لك الحق أن تغار..فـ جمالها فتنة لـ الناظر إليها..ألن تُقدمها إليّ؟!

زاد من ضمه لها وأدار رأسه إليها ثم تشدق وهو يُحدق بها

-ديانا..زوجتي المُستقبيلة

إرتفع كِلا حاجبي الرجل بـ دهشة..بينما أنچلي تدلى فكها إلى أسفل وتشدقت بـ عصبية

-ألم تقل أنها خليلتك!
-إبتسم يونس بـ خبث ثم قال وهو يرمقها بـ نظرات خبيثة كـ إبتسامته:عرضتُ عليها الزواج عندما دلفتي إلى الغُرفة

ثم غمزها بـ عينه اليُسرى..ليحتقن وجهها غيظًا ولكنها لم ترد ثم أشاحت بـ وجهها بعيدًا عنه..مدّ الرجل يده إلى بتول والتي ترددت قبل أن ترفع يدها..ولكن بـ النهاية رفعتها..إلتقط كفها ثم رفعه ألى ثغره وقال بـ إبتسامة

-مُبارك لكما..أُدعى سام أنستي
-إبتسمت بـ إصفرار وقالت:تشرفتُ بـ معرفتك سيدي
-إتسعت إبتسامته وهو يتشدق بـ خبث:دعكِ من الألقاب..نادني سام فقط إتفقنا!!

أماءت بـ رأسها ولم ترد..أشار سام إلى أنچلي أن تتبعه..ليقول قبل أن ينصرف

-أعتذر منكما..يجب أن أهتم بـ الضيوف الأخرون
-تفضل..

قالها يونس من بين أسنانه قبل أن يبتعدا عنهما..تنفست بتول الصعداء..وهى تقول بـ خفوت

-أنا كان قلبي هيقف
-لأ إجمدي للنهاية يا بتول..لما نغيب عن نظرهم هنختفي
-طيب..

قالتها بـ يأس..ويونس أخذ يُراقب الوضع بـ عينان حادة كـ الصقر…

وعلى الجانب الأخر وقفت أنچلي أمام سام والذي تشدق

-أُريد منكِ أن تُبعدي جون قدر الإمكان عنها..أُريدها وحدها قليلاً..يجب أن أستمتع بـ جمالها..
-إبتسمت أنچلي بـ مكر وقالت:كما تأمر سيدي…

صدح صوت هاتف سام فـ أخرجه وما أن حدق بـ هوية المتصل حتى أشار إلى أنچلي أن تبدأ فيما أمرها به..إنصرفت ليضغط هو على زر الإيجاب وقال

-مرحبًا…

*************************************

وضع الهاتف على أُذنه مُنتظر الرد على الجانب الأخر..لحظات وإستمع إلى رد الجانب الأخر..ليقول عز الدين بـ صوتٍ هادئ

-مرحبًا..كيف حالك؟
-بخير سيد عز..ولكن ما سبب هذا الإتصال؟..لا أعتقد أنه عمل
-حك عز طرف أنفه وقال:ليس كذلك..إنه مطلب شخصي…

صمت قليلاً والأخر أيضًا..ليُكمل عز الدين حديثه

-هل تستطيع تنفيذه!!
-رد الأخر بـ هدوء:إن كان بـ وسعي..فـ لمَ لا؟!
-تنفس عز الدين بـ عمق ثم قال:حسنًا..سأبعث لك بـ صورتين أحدما لخطيبتي والأخرى لـ مُخطتفها…
-وماذا بعد!!
-أُريدك أن تُرسل رجالك في جميع بقاع العالم..وتعثر عليهما..أتستطيع!!
-مط الأخر شفيته وقال:لا بأس..ولكن من هو؟..وعلى ماذا إختلفتما ليخطتف خطيبتك؟!
-كور عز الدين قبضتيه وقال بـ غضب:أحدهم كان يجب أن أتأكد أني #ولكن لا بأس..أعثر أنت عليه وأنا سأتكفل بما يبتقى
-حسنًا..أبعث لي بـ صورتيهما وأنا سأقوم بما يجب
-أغمض عز عيناه بـ راحة وقال بـ جدية:أشكرك..سأبعثهما فورًا…

أغلق عز الدين الهاتف وقام بـ بعث صورتي يونس و بتول..وما أن وضع الهاتف في جيب بنطاله حتى رأى إسلام شقيق خطيبته يندفع كـ الصاروخ وهو يهدر بـ عنف

-هى فين يا عز!!..كل دا بسببك..مش لاقيين أختي بـ سببك

إندفع الحرس خلفه وقبل أن يتدخل أحدهم..أشار عز لهم بـ يده..ثم أمرهم بـ صلابة

-محدش يتدخل..خليكوا برة ومحدش يدخل

إمتثل الجميع إلى أوامره ودلفوا إلى الخارج..بينما إتجه هو إلى إسلام المُحتقن..ثم قال بـ جدية

-إهدى يا إسلام عشان نتفاهم
-جأر بـ صوته:نتفاهم دا إيه!..إحنا مش لاقيين أختي ولا أنت ع بالك..قاعد فـ بيتك ومستريح فـ وزارتك

رفع عز الدين سبابته في وجهه بـ تحذير ثم تشدق بـ غضب

-حاسب فـ كلامك..بتول أغلى عندي من الوزارة والكلام الفارغ دا..وأنا مش ساكت يا إسلام..أنا بعمل كل حاجة ممكن تيجي فـ بالك عشان أرجعها…

صمت قليلاً ثم أكمل بـ غضب أكبر

-بتول هترجع يا إسلام..أختك هترجع وأنا بـ إيدي هخلص عليه قدامكوا..هشرب من دمه لو فكر يأذي منها شعرة

لم ترتخي ملامح إسلام ولو إنش ولكنه قال قبل أن يدلف إلى الخارج

-أحسنلك بتول ترجع يا سيادة الوزير وإلا أقسم بالله ما هتشوفها تاني..

ثم أضاف بـ سخرية و وعيد في ذات الوقت

-أصلاً أنت مش هتشوفها تاني..لأن خطوبتكم من دلوقتي إتفسخت

ورحل تاركٌا عز الدين غارقًا في صدمته…

**************************************

وضع الهاتف في جيب بنطاله ثم رفع أنظاره إلى بتول وقد إرتسمت إبتسامة شيطانية على وجهه وهو يقول

-إنها ليلة حظي..أنستي…

كان يونس يقف بـ جانبها ولم يتحرك خطوة واحدة بعيدًا عنها..لم يندمجا في الحفل..بل كانت بتول في حالة يُرثى لها ويونس في حالة تأهب وأستعداد…

تقدمت أنچلي منهما بعدما أخبرت مُنسق الأغاني أن يختار أحد الأغنيات الهادئة لتتراقص معه عليها..وضعت يده على منكبه ثم قالت بـ دلال

-ما رأيك بـ أن نرقص قليلاً!
-نظر لهل يونس شزرًا وقال:لا أريد..وإن كنتُ سأرقص فـ سيكون مع ديانا
-إقتربت أكثر وهمست بـ خبث:المُشتري حضر ويجب أن نتحدث قبل أن نتفق
-رفع حاجبيه بـ برود:يُمكنك التحدث هنا إن شئتي

إمتعضت ملامحها ولكنها أخفتها جيدًا..ومن ثم قالت بـ إبتسامة زائفة

-صدقني..لن يزعجها أحد وسام ليس هنا..هيا يجب أن نتحدث قبل أن يرحل

ولم تدع له فرصة لكي يعترض بل جذبته بـ قوة فـ إضطر أسفًا أن يتركها وطمأنته هى بـ نظراتها…

أمسكت يده وإتجهت به ناحية ساحة الرقص..وتراقصا بـ هدوء..كان يونس جامد الملامح نظراته كلها منصبة التركيز على مُعذبة فؤاده..تأففت أنچلي بـ ضيق فـ هى تُريد أن تحظى بـ إقترابه..أدارت وجهه إليها وهمست بـ إغراء

-تطلع إليّ قليلاً..لا تقلق عليها إلى هذا الحد
-تحدث يونس بـ جفاء:ألم تقولي أننا سنتحدث بشأن العمل!..هيا تحدثي

أغمضت عيناها لكي تتفادى نوبة غضب قادمة..ثم رفعت يدها على صدره وأخذت تتسحب يدها أسفل سترته..ولكنه أمسك يدها وأبعدها عنه بـ قسوة..ثم إقترب من أُذنها وهمس بـ خبث

-لن تجدي ما تبحثي عنه..فـ أنا لستُ بـ أحمق لكي لا أعرف بما تُفكرين

إبتعد لينظر إلى معالمها المشدوهه..فـ إبتسم بـ إنتصار ثم أكمل وقد توقف عن الرقص

-ولن تجديه في غُرفتي..لذلك أخبري رجالك بـ أن يتوقفوا عن البحث…

ثم أبعدها عنه ورحل..أخذ يبحث عنها في أوجه الموجودين ولكنه لم يجدها..هوى قلبه وإرتعدت فرائصه مما قد يحدث لها..ظل يبحث عنها كـ المجنون..ولكن أيضًا لا وجود وكأن الأرض قد إنشقت وإبتلعتها..دلف إلى الحديقة والتي يُخيم عليها الظلام..لا وجود لها صمت ثم الصمت..والظُلمة المُوحشة..رفع رأسه إلى أعلى وصرخ بـ صوتٍ قد بدى عليه الألم

-بتووووول

يونس 15

الحب يستأذن المرأة في أن يدخل قلبها، وأما الرجل فإنه يقتحم قلبه دون استئذان، وهذه هي مصيبتنا.

تملك اليأس قلبه..وضع يده على عيناه وصرخ مرة أخرى

-بتوووول!!!

أبعد يده عن عيناه ونظر إلى المبنى الكلاسيكي وعند غُرفةً ما..شعر بـ إنقباضة قوية في قلبه..حتى أنه وضع يده على صدره من الألم..لا يعلم لِما يشعر بـ ذلك الألم..حدق بـ قوة ليرى شبح شخصان أحدهما يتراجع إلى الخلف وذراعه وكأنهما تُبعدان شيئًا عنه..الأخر يتقدم منه..لم يعدْ هناك مجال شك أنها مُعذبة فؤاده…

لم يُفكر مرتان..وإنطلق ناحية المبنى وأستغل تلك الأحجار البارزة في صعود المبنى..وبـ مهارة وإحتراف صعد سريعًا إلى أعلى..لم يهتم إلى جروح يده التي بدأت تتناثر منها الدماء..وأكمل وقلبه كـ مضخات تتقافز خوفًا..ليس عليه بل على تلك الجنية التي بين براثن صقر جارح…

صعد إلى الغُرفة ومن خلال النافذة إستطاع أن يرى ما في الداخل..كانت عيناه تقدحان بـ شرر يحرق الأخضر واليابس وحروق نحره البارزة أنبأت بـ وقوع كارثة مُفجعة..كور قبضته وبـ عنف بالغ حطّم النافذة…

*************************************

في الداخل كانت تقف ما بينه وبين الحائط..يضع يداه حول عنقها ويقترب بـ بطئ مُتخابث..وبـ نبرة ماكرة تشدق

-حقًا عز الدين أوفر الرجال حظًا بكِ..يمتلك الحق في إحراق العالم من أجلك

إسترعى إنتباهها عبارته التي بدت غامضة في الثوان الأولى ولكن ما لبثت أن توضّح معناها..لتقول بـ ملامح مشدوهه

-أنت تعمل لدى عز!!
-أشار بـ سبابته نافيًا وقال:لا..بل أعمل معه

إقترب من أُذنها فـ أغمضت عيناها..فـ تشدق بـ نبرة تُشبه فحيح الأفاعي

-أتعلمين أنه تواصل معي من أجل إعادتكِ له!!

ثم إبتعد يتفرش ملامحها المبهوتة..ثم أكمل حديثه وهو يضحك

-وأنا سوف أُعيدكِ له..ولكن بعد أن أتسلى قليلًا

تصاعدت دقات قلبها وبدأت تتلوى من أسفله حتى تتخلص من براثنه..ولكنه كان قد أحكم قيده عليها..أمسك يدها وقيدهما أعلى رأسها ومن ثم أخذ نفسًا عميق وهو يقول بـ نبرة قد ملأتها الرغبة

-رائحتك رائعة..تُشه الأطفال في نعومتها..أُريد تذوقها

شحب وجهها تدريجيًا ومن ثم صرخت..وعلى إثر صرختها..سمعا صوت تحطُم زجاج..إلتفت سام ولكن لم يُسعفه الوقت..فـ وجد من ينقض على عنقه..يُمسك حنجرته وكأنه على وشك إقتلاعها..تحول وجهه سام إلى كُتلة زرقاء..باغته يونس بـ لكمة عنيفة أدت إلى كسر أنفه..وهدر بـ صوتٍ قاتم

-أُيها الوغد..#

كانت بتول مُنكمشة على نفسها خوفًا..وعبراتها تتسابق في النزول..نهض سام وهو يترنح ليُباغته مرة أخرى بـ ضر,بة من قبضته إلى قفصه الصدري..أدت إلى كسر عدد من أضلعه..كاد يونس أن يُكمل ما يفعله ولكنه سمع وقع أقدام كثيرة…

وجهه نظره إلى بتول المُنكمشة على نفسها..ليشعر بـ غصة قوية في فؤاده..ولكنه تقدم منها سريعًا وما أن أمسك يدها حتى إنتفضت فزعة..ليقول هو بـ تهدئة

-هششش..أنا يونس متخافيش

هزت رأسها ليجذبها هو بـ يده ثم قال وهو يتجه إلى أحد النوافذ

-مقدمناش وقت..لازم نهرب قبل أما الحرس يوصلوا
-هتفت بـ خوف:هنهرب منين!!
-هنّطْ

ولم يدع لها فرصة ليقوم عقلها بـ تحليل ما قاله..ليقوم بـ تحطيم زجاج النافذة في الجهه المُعاكسة..ومن ثم قفزا من النافذة..وبتول تصرخ..وكان أسفلهما حوض سباحة..ليسقطا به…

***********************************

تمدد عدي على فراشه وهو يشعر بـ ألم في صدره..تنهد أكثر من مرة ومشهد إقتراب سيف منها يتكرر أمامه..إعتدل جالسًا بـ عنف وأخذ يفرك وجهه بـ قوة..همس مُستغفرًا

-أستغفر الله العظيم..أستغفر الله العظيم يارب

أغمض عيناه وهو يزفر بـ ضيق..صوت طرقات خفيفة على باب غُرفته وتبعها دلوف والدته والتي كانت تبتسم بـ بشاشة..رفع وجهه ليرى والدته وتلقائيًا إبتسم وقال بـ سعادة

-ست الكل منورة أوضتي!!..تعالي يا صفوة قلبي
-إبتسمت صفوة وقالت:إزيك يا عدي!!
-ضحك عدي وقال بـ مزاح:أنتي أول مرة تشوفيني ولا إيه!!

تقدمت منه وجلست بـ جانبه..ولا زالت تبتسم ثم قالت

-أنا فعلًا حاسة أني أول مرة أشوفك من سنتين
-أمسك عدي يدها بـ حنو وقال:عاوزك تنسي السنتين دول يا ماما..يونس هيرجع بس لما يرجع الحق لأصحابه…
-ربتت على وجنته ثم قالت بـ دعاء:ربنا يرجعهولي بالسلامة ويخليكوا ليا..
-ويخليكي لينا يا ست الكل

ثم مال على يدها يُقبلها لتبتسم بـ رضا وهى تربت على خُصلاته السوداء..إرتفع بـ رأسه وسألته بـ جدية

-ها قولي بقى مالك!!
-عقد ما بين حاجبيه وقال:مش فاهم..أنا كويس
-إبتسمت مرة أخرى وقالت:عيب تكون شحط كدا وتكدب عليا

ضحك عدي وهو ينظر إلى والدته..ثم قال بـ هدوء

-أولًا أنا مبكدبش..ثانيًا أنا فعلًا كويس ومفيش حاجة
-أنا أمك يا عدي ومهما كبرت هفضل فهماك

صمتت قليلًا..وعدي يُحدق بها بـ جمود..عادت لتُكمل حديثها قائلة

-واللي فيك دا حب..وحي من طرف واحد

إتسعت حدقتي عدي بـ قوة..ليقول بـ تلعثم

-آآ..أنا..مبحبش..آآ..حد

قهقهت صفوة بـ قوة..ثم ربتت على يده وقالت بـ هدوء

-أمشي ورا قلبك..وقول اللي جواك..الحياه مش هتعيشها مرتين..وبدل الوجع والهم دا روح قولها
-تنهد عدي وقال بـ خفوت:ولو رفضتني!!
-تبقى ع الأقل حاولت عشان متندمش لما تروح منك..الحاجة اللي بتحبها عافر عشان توصلها..

صمتت ثم قالت

-“وما نيل المطالب بالتنمي ولكن تُؤخذ الدنيا غِلابا”..الحاجة مش هتجيلك لحد عندك..لأ لازم تتعب عشان تحس بـ حلاوتها…

نهضت صفوة ثم قالت بـ نبرة ضاحكة

-أما أروح أعمل الأكل لسيادة العقيد زمانه جي

وتحركت في إتجاه باب الغُرفة..وقبل أن تدلف إلى الخارج هتف عدي

-ماما!!

إلتفتت إليه صفوة فـ إبتسم عدي وقال

-شكرًا يا حاجة صفوة..عقبال لما تفرحي بيا
-فرحتك هتكمل بـ وجود أخوك معاك…

ثم خرجت وتركت عدي..وبداخله شُعلة أمل وحماس قد إشتعلت..جعلته يأخذ مفاتيحه وهاتفه..ثم دلف إلى الخارج عازمًا على الذهاب إليها…

*******************************************

طفى على سطح الماء..وأخذ يدور بـ رأسه بحثًا عنها..ليجدها تشق الماء وتخرج من أسفله مُخرجه شهيق قوي من فاها..إتجه يونس إليها وأمسك يدها ثم سحبها قائلًا بـ جدية

-يلا بسرعة مفيش وقت…

وخرج من الماء ثم مد يده لها وسحبها..وقد بدآ في العدو وبدأ معها صوت طلقات الرصاص التي أُمطرت عليهم كـ الأمطار..صرخت بتول خوفًا وكادت أن تقف ولكن يونس لم يسمح لها وأكملا الركض…

أوقفه ثلاث رجال ذوي بنية ضخمة وقد أشهروا أسلحتهم في وجهه..إتسعت عينا بتول هلعًا..وأمسكت يد يونس بـ قوة تستمد منه الأمان..بينما يونس قد إصطنع الإستسلام واضعًا يده خلف رأسه..وما أن تقدم منه أحدهم حتى لكمه في أنفه وأخذ السلاح منه..أتخذه كـ درع يتلقى الرصاصات في جميع أنحاء جسده ويونس يُصوب فوهه سلاحه إلى الأخران..وفي ثوان كانت الرصاصات تخترق جسديهما لتهوى جثتيهما على الأرض..دفع من معه أرضًا..وأمسك يد بتول مرة أخرى والتي كانت تنتفض بـ خوف..وسحبها خلفه راكضان بـ أقصى سرعتيهما…

وبعد مدة من الركض لم تتخطى الدقائق..توقف يونس عند إحدى حاويات القُمامة الضخمة وأخرج منها حقيبة ظهر متوسطة الطول..إرتداها سريعًا ثم إلتفت إلى بتول التي لم تتوقف عن النحيب..أحاط وجهها بين راحتيه وقال بـ جدية

-بتول مش وقت خوف وعياط..إحنا لازم نتحرك بسرعة ونفكر كويس..وأنا مش هعرف أفكر طول ما أنتي خايفة..خليكي قوية

أماءت بـ رأسها ولا زالت تبكي..ليمد يداه ويُزيل عبراتها هاتفًا بـ حنو

-طول ما أنتي معايا بعد ربنا مش عاوزك تخافي..أنا هنا عشان أحميكي..فاهمة!!

هزت رأسها بـ موافقة بلا وعي وكأن لنبرته العذبة صدى ساحر في روحها جعلها ساكنة..تشعر بـ كم هائل من الأمان في وجوده..إبتسم يونس وقال

-يلا…

وعادا يركضان مرة أخرى..لتظهر سيارة من العدم..تُمطرهم بـ وابل من الرصاص..كان يونس يعمل كـ درع لحماية بتول من خدش قد يُصيبها..إتجه إلى أحد الزوايا وقد بدى على وجهه الإنهاك..خبأ بتول في تلك الزاوية ثم نزع عنه الحقيبة وأعطاها إياها وقال بـ نبرة لاهثة إثر الركض

-أنا هشتتهم وأنتي حاولي تهربي

ولم ينتظر ردها..وقبل أن يتحرك أمسكت يده هاتفة بـ توسل وبكاء

-مستبنيش عشان خاطري أنا خايفة
-أغمض يونس عيناه وقال دون أن يستدير:لو فضلت معاكي #..وأنا مش مستعد أخسرك يا بتول..مش مستعد أخسر قلبي..

حاول أن يُبعد يدها ولكنها تشبثت به أكثر ثم هتفت بـ نبرة مُتحشرجة

-خايفة معرفش ألاقيك

هنا وإستدرا لها..أمسك يدها وقال بـ هدوء خارجي

-أنا هلاقيكي..قلبي هيعرف زي ما عرف أول مرة…

أنهى حديثه ثم طبع قُبلة رقيقة على جبينها..أغمضت عيناها وكذلك هو فعل..إبتعد عنها وقال بـ جدية

-أول لما أجري فـ أي إتجاه..أجري أنتي عكسه..أهم حاجة متجريش في الطريق العمومي..خليكي فـ الطرق الجانبية والضلمة..خلي بالك من نفسك…

ثم ركض بعيدًا عنها قبل أن تتحطم مقاومته ويبقى معها..يُفضل أن يمو,ت بـ أحضانها..تابعته حتى إختفى عن ناظريها..لتبدأ هى بـ العدو في الإتجاه المُقابل كما قال..كانت عبراتها تهطل بـ غزارة وهى تدعو في نفسها

-يارب رجعهولي بالسلامة..يارب يلاقيني..أنا خايفة أوي…

***************************************

ترجل من سيارته ودلف إلى البناية..توقف أمام المصعد وما هى إلا ثوان وحضر..إستقل عدي المصعد وبـ داخله كم هائل من الحماس المشحون بـ طاقة عجيبة تُسمى بـ الحب..سيمو,ت دفاعًا عنها..سيمو,ت دفاعًا عن عشق هو بـ الأساس ملكه ولن يدعه لأي شخصًا كان…

وصل المصعد إلى الطابق المنشود..دلف خارجه وتوجه إلى منزلها..قام بـ دق الجرس عدة مرات بـ تواصل دون إنقطاع..إلى أن سمع صوتها المُنزعج يقول

-أيوة..ثواني

أخفض يده عن الجرس و وقف مُبتسم الثغر..فتحت هى الباب بـ عنف ثم هدرت بـ ضيق

-أظن دي قلة آآآ….

وبترت عبارتها وهى ترى عدي يقف أمامها وعلى ثغره إبتسامة عذبة والتي كانت ولا تزال السبب في جعل خافقها كـ مضخات قوية..إبتعلت ريقها بـ توتر ثم همست بـ نبرة مُتلعثمة

-عـ..عدي..با..شا
-رد عليها وهو لا يزال يبتسم:ممكن أدخل
-أتفضل…

قالتها وهى تُشير بـ يدها إلى الداخل..ليدلف هو بـ خطوات واثقة هادئة..إلى أن وصل إلى غُرفة الصالون..أشارت له بـ الجلوس وقبل أن تتحدث هتف هو

-أنتي بتحبي سيف؟!

ضيقت عيناها بـ إستغراب..ثم إتسعت بـ صدمة..رافعة حاجبيها بـ تعجب..كانت ملامح وجهها تشي بـ صورة مضحكة عما تمر به..أجاء إلى هنا لكي يسألني إذ كنتُ أحب سيف أم لا!!..بـ الطبع هو معتوه..هتفت بـ صدمة

-هو..هو حضرتك قولت إيه!!

نهض عدي عن مكانه وإتجه إلى مكانها..إنحنى بـ جذعه العلوي..وعاد سؤاله بـ صوته الرخيم

-سألتك إذا كنتي بتحبي سيف ولا لأ!!
-أعادت رأسها إلى الخلف بـ توتر من قربه وقالت:دا ليه علاقة بـ الشغل؟!
-همس بـ :أيوة

صمتت تستشف جديته من نبرته ونظراته وكِلتاهما أكدتان على جديته الصارمة بـ نعومة وجاذبية تجعلها تذوب..هتفت بـ شرود وهى تُحدق بـ عيناه

-مقدرش أحبه وأنا فـ قلبي حد تاني

إمتعضت ملامحه بـ درجة كبيرة..وقد بدى الغضب جليًا على صوته الذي زأر به

-هو مين!!

لم تهتم بـ إمتعاض ملامحه..ولم تلتفت إلى صوته الغاضب وأكملت تحديقها به وهتفت بما يجيش في قلبها مُذن سنون

-واحد بشتغل معاه من سنتين..هو رائد..من أول أما شوفته وأنا عشقاه..كل اللي بفكر فيه من زمان إني لما أخلص اللي بعمله..هو إزاي أعترفله بحبي..كانت أكتر حاجة مخوفاني أنه ميقبلش حبي ويرميه..بحبه ومش هقدر أحب غيره

إرتخت معالم وجهه المُمتعضة وحل مكانها دهشة ثم سعادة..أشرق وجهه بـ إبتسامة وبدأت نبضاته في الإرتفاع ثم قال بـ حماس

-واسمه عدي!!
-أماءت بـ رأسها وأكملت بـ شرود:وأخوه اسمه يونس

لم يستطع عدي الإحتمال أكثر ليجذبها من ذراعها إلى أحضانه..لتستفيق هى على ذلك الإرتطام ونبرته الساحرة وهى تهتف

-بحبك يا روضة..بحبك يا روضة قلبي
-إلتفت بـ يدها حول خصره وقالت:وأنا كمان بحبك

هتفتها وقلبها يتراقص فرحًا على معذوفة كلمة “بحبك” التي لحنتها شفتاه بـ عذوبة لم تكن لتذوب بها مع أحدًا أخر..فـ في أعظم أمانيها لم تكن لتتمنى أن يُبادلها العشق الذي تكنه له مُذ أن رأته…

ولم يكن عدي بـ أقل طربًا منها..فـ قلبه كان يتآكله الخوف من الرفض..أو تصريحها بـ أنها تعشق سيف..ولكن صدى كلمات والدته هى من حمسته إما أن تكون له أو إما أن تكون له..فـ هو لن يترضي أن تكون لغيره..لن يدعها تهرب من بين أنامله مهما طال الزمن…

**************************************

كانت تركض بلا هوادة وعيناها لا تتوقفان عن ذرف العبرات..تذكرت أنه ما أن إبتعد عنها يونس حتى جاء ذلك الذي يُدعى سام ثم سحبها من يدها بـ قوة مُستغلًا إنشغال يونس عنها مع أنچلي..حاولت الحديث ولكنه لم يكرن ليرد عليها..حاولت الفكاك منه ولكن قبضته إعتصرت معصمها..وكل ما حدث في ثوان كان وهو يُدخلها الغُرفة وحديثه الغامض عن عز الدين..والذي أكدّ أنه رجل فاسد..حسمت أمرها أنه صفحة لن تطويها فحسب بل ستقوم بـ تمزيقها إربًا..كان تتأمل أن يكون كل ما شاهدته كذب أو تلفيق..ولكن بعد ما حدث مُنذ قليل وتبخرت أمالها وذهبت أدراج الرياح…

سمعت صوت أقدام تقترب منها..لتعود وتركض مرة أخرى وهى تشعر بـ خوفٍ لا حد له..ظلت تُناجي ربها

-يارب..يارب

سمعت صوت الأقدام تقترب منها بـ سرعة..ليُصيبها الهلع بـ درجة أكبر..وأخذت تعدو..ولكن صوت الأقدام يقترب أكثر..حتى شعرت بـ يد تُوضع على منكبها فـ صرخت بـ خوف

-يوووونس
-إهدي يا بتول

وما أن سمعت صوته ولم تُفكر مرتان..إرتمت في أحضانه بـ خوف..كان جسدها يرتعش بـ صورة مُقلقة..طوقها هو بين ذراعيها..ليجدها تدفن رأسها في صدره..ثم سمعها تُهمهم بـ تبعثر

-أنا..كنت خايفة..وأنت..جيت..وخفت..خفت…

أبعدها يونس عن أحضانه وقال بـ إطمئنان

-هششش..خلاص أنا أهو جمبك..ومفيش داعي تخافي
-هزت رأسها بـ نفي ثم تشدقت بـ نحيب:كنت خايفة يجرالك حاجة مش خايفة ع نفسي

إبتسم يونس بـ سعادة..وطرب قلبه لما قالته..ليعود ويجذبها في أحضانه مرة أخرى مُربتًا على ظهرها بـ حنو..ثم قال بـ هدوء

-أنا كويس..وبقيت كويس أكتر لما شوفتك بخير..وهكون كويس أكتر لما تبطلي عياط

إبتعدت عنه ومسحت عبراتها بـ ظهر يدها وقالت بـ نبرة طفولية

-أهو..بطلت عياط
-إبتسم وأكمل:أيوة كدا..يلا بقى نمشي عشان محدش يحصلنا..
-يلا

ثم تحركا بـ خطوات أشبه بـ الركض..تجمد يونس وهو يشعر بـ أناملها تتخلل أنامله لتُمسك بـ كفها الرقيق كفه الغليظ..نظر لها يونس بـ صدمة..لتقول بـ خجل

-ببقى مطمنة لما بتمسك إيدي

أحاط بـ أنامله أناملها الصغيرة ولم يرد عليها..لم يُرِد إفساد سحر تلك اللحظة وما شعر به قلبه من خفقان..نزع حبها من قلبه أمر بات مستحيل الآن..وجموده! لم يعد له وجود فـ جميع مشاعره تتحرك في وجودها تبعث في نفسه بعثرة..تُشتته..تجعله كمن يُحلق في باطن الأرض..ألم أقل أنها تُشيّع في نفسه فوضى!!..

سمع صوتها يهمس بـ تساؤل

-إحنا هنروح فين دلوقتي!!
-أجابها بـ شيئًا من الغموض:ثواني

أوقفها ثم سحب يده على مضض وإتجه خلفها..فتح الحقيبة وأخرج منها جهازًا ما..أخذ يعبث به ثوان..ثم وضعه مرة أخرى بـ مكانه..عقدت حاجبيها وهى تسأله بـ غرابة

-أنت بتعمل إيه!!
-أمسك يدها وتحرك مرة أخرى:هنروح بيت على بعد أتنين كيلو
-طب إزاي؟!..والبيت دا فيه ناس زي دول ولا إيه!!..ممكن تفهمني يا يونس!
-رد عليها بـ هدوء:بصي أي ظابط بيسافر فـ مهمة بره البلد..بيكون ليه كذا بيت بنسميه “بيت أمن”..يقدر يستخدمه مرة واحدة بس وبعدين البيت دا بنخفيه..فهمتي؟!

أماءت بـ رأسها بـ تفهم وقد ظهر على معالم وجهها الإنبهار..لتقول بـ تعجب

-مكنتش أعرف إن كل دا بيحصل وإحنا منعرفش!!
-ضحك يونس وقال:المشكلة أن الناس شايفة الصورة من إتجاه واحدة وبتبتدي تحكم وتحل..مع إنهم لو شافوا الصورة من كل الإتجاهات هيشوفوا أبعاد الصورة كاملة وهيشوفوا برضو الحقيقة كاملة…
-ضحكت هى الأخرى وقالت:وأنا اللي فكرت أن دا كلام أفلام..طلع بجد..وبحق وحقيقي..ربنا يكون فـ عونكوا

أماء بـ رأسه ولم يرد .. ثم أكملا طريقهما وكِلاهما هائم في أفكاره..فـ يونس يُفكر بـ بتول وحبه الذي نهش قلبه وعقله على حد سواء..وبتول تُفكر بـ عز الدين وأنه حان وقت كشف الحقيقة ومعرفة الصورة كاملة كما قال يونس..رفعت رأسها ثم هتفت وهى تبتلع ريقها بـ صعوبة

-يونس!!
-همهم يونس دون أن ينظر لها:هممم

أغمضت بتول عيناها كي تتغلب على ترددها..ثم قالت بـ جمود

-أنا عاوزة أعرف حقيقة عز الدين…

يونس 16

لم يخذلني أحد…
أنا من خذلت نفسي…
عندما راهنت أنهم أوفياء…

هبط الدرج وهو يضع يداه في جيبي بنطاله..يُطلق الصفير من بين شفتيه بـ سعادة..فـ قد نال أخيرًا عشق كان يحسبه مستحيل..وأمام البناية إصطدم بـ أحدهم بـ الخطأ فـ قال مُعتذرًا

-أسف مخدتش بالي

وتحرك خطوة دون أن يرى من الذي إصطدم به..ولكنه لم يستطع أن يخطو أخرى وهو يسمع ذاك الصوت الذي قال بـ سخرية

-متعتذرش يا سيادة رائد عدي..مش عدي برضو ولا أنا نسيت!!

إستدار عدي بغتةً ورمق ذاك المُتحدث بـ نارية..ثم دنى منه تلك الخطوة التي إبتعدها وقال بـ غضب

-لأ عدي يا سيف بيه..مش سيف برضو ولا لما سِبت الخدمة غيرته!
-إبتسم سيف بـ إستفزاز ثم قال:لأ مغيرتوش يا سيادة الرائد..مغيرتوش زي ما الزمن مغيركش

رمقه عدي بـ أشمئزاز وما كاد أن يتحرك حتى أمسكه سيف من معصمه وهتف بـ مكر

-الله الله..رايح فين بس يا سيادة الرائد..إحنا مخلصناش كلامنا
-أبعد عدي يده عنه بـ حدة ومن ثم قال بـ جفاء:مفيش بينا كلام..ولا هيكون

ثم تحرك خطوتان..عدل سيف وضع سترته وقال بـ نبرة ذات مغزى

-ولا حتى إذا كان بخصوص سيادة المقدو يونس؟!
-إستدار عدي إليه وهتف بـ عصبية:أنت عاوز إيه بالظبط!!
-مط سيف شفتيه بـ برود:مش عاوز حاجة خالص..دا أنا كنت عاوز أقولك أن عز أول ما هيلاقيه #…

إقترب منه ثم همس بـ نبرة تُشبه بل هى كـ فحيح أفعى

-خبيه..وخليه يخبي خطيبة عز..أصله حالف #لو لمسها…

ثم ربت على منكبه..ورحل مُطلقًا هو الأخر صفير..بينما عدي يكاد تنطلق النيران من أُذنيه..كور قبضته وضر,ب تلك البوابة الحديدية بـ عنف..رحل وهو يُتمتم بـ وعيد

-نهايتكوا قربت يا كلاب…

*************************************

توقف عن السير ورمقها بـ ذهول ..ثم هتف

-أنا شكلي مسمعتش كويس..أنتي قولتي إيه!!
-أعادت حديثها بـ جمود:قولت عاوزة أعرف كل حاجة عن عز

وقف يونس أمامها..يحدجها بـ نظرات حائرة..بينما هى بادلته نظرات واثقة ولكنها مُذبذبة..وضع يونس كِلتا يداه على مِنكبيها ثم تشدق بـ جدية

أنتي واثقة من اللي بتقوليه!!
-إزدردت ريقها بـ توتر وقالت:آآ..أيوة

أبعد يونس يد عن أحد منكبيها ومسح بها على وجهه..ثم قال بـ تأكيد

-متأكدة!!..لأنك ممكن أصلًا متصدقنيش
-أغمضت عيناها وقالت بـ خفوت:بعد اللي حصل من شوية!!..أه متأكدة
-أمسك يدها وقال:طب نمشي من هنا عشان محدش يشوفنا

هزت رأسها بـ موافقة وقبضت على يده ثم تحركت بـ سرعة…

بعد نصف ساعة من السير بين الأشجار في إحدى غابات ستوكهولم..وصلا إلى كوخ خشبي..وقفت بتول أمام الكوخ وقالت بـ عفوية

-أول مرة أشوف بيت هنختفي فيه ويكون بسيط كدا
-ضحك يونس وقال:خشي يا بتول..أديكي شوفتي مظهر من مظاهر التمويه..

أخذ يونس ذلك المفتاح المُثبت داخل أخشاب الباب وفتحه..دلف هو أولًا ثم تبعته هى..أضاء يونس الأضواء..فـ بدأت بتول في مُشاهدة الكوخ..كان بسيط جدًا..هناك أثاث خشبي وأخرى مُبطن..ومطبخ على الطُراز الأمريكي يُمثل مربع صغير في أحد أركانه وفراش يكفي لفردٍ واحد..تشدقت بـ ذهول

-أومال فين الحمام!!
-جلس يونس على أريكة بنية وقال بـ ضجر:بتوووول..أنتي من إمبارح مصدعتنيش بـ غباءك..فـ أبوس أيدك أنا مش قادر للكلام دا..

زمت شفتيها بـ ضيق ولم ترد..بل أغرقته بـ وابل من السباب في سرها..سمعت صوته الغاضب يقول

-بطّلي طولة لسان يا بتول الكلب..عشان بعدها بتقلبي قطة

تحركت بـ خطى سريعة ووقفت أمامه مُشيرة بـ سبابتها إلى وجهه وسألته بـ عصبية مشدوهه

-نفسي أعرف أنت بتعرف منين..ها!..ها!..ها!..هـ…
-قاطعها يونس بـ صياح:بسسس..أفصلي..أنا اللي جبته لنفسي

همت بـ التذمر..ولكن عوضًا عن ذلك صرخت بـ جذع أجفله..فـ سألته بـتوجس

-في إيه يا بتول!!

قفزت أعلى الأريكة بـ جانبه ثم قالت بـ خوف وهى تُشير إلى ذراعه

-دا..دا دم..آآ..أنت متعور

زفر يونس بـ ضيق..وحاول يونس إسكاتها ولكنها أكملت حديثها بـ خوف وتوتر

-أكيد بتوجعك!!..أنت مش حاسس بيها!!..طب..طب فيه مطهر أو أي حاجة!..أنا..آآ…
-قاطعها بـ نفاذ صبر:أهمدي يا بت..أنتي اللي متوراني
-ردت عليه بـ نبرة مُرتعشة:أصل…

وضع يونس يده على فاها وتحدث بـ صرامة

-أكتمي يا عملي الأسود..ممكن!

هزت رأسها عدة مرات..فـ أكمل هو حديثه

-دلوقتي فـ دولاب دا هتلاقي علبة صغيرة..هاتيها..

أماءت بـ رأسها ثم إبتعدت عنه..وبحثت بـ رأسها عن تلك الخزانة الصغيرة..لتجده عند أحد الأركان..توجهت إليه وأخرجت منه تلك العُلبة ثم عادت إليه مرة أخرى…

كان هو في تلك الأثناء قد نزع عنه قميصه وقذفه بـ إهمال على الأرضية..وما أن إلتفتت هى حتى شهقت..تخضبت وجنتيها بـ حُمرة خجل ثم هتفت بـ تذمر

-هو ليه مش مراعي إن في بنت معاه…
-معلش المرة الجاية

كان هذا صوته الذي خرج ساخرًا من حديثها..لتقول بـ ذهول وهى تمد بـ يدها العُلبة

-أنت سمعت!!
-نظر لها من طرف عيناه ثم قال:أقعدي يا بتول عشان تساعديني…

جلست بـ جانبه على مضض وهى تتحشى النظر إلى عضلات صدره البارزة..بينما هو لم يهتم إلى ذلك الخجل الذي يتلذذ به وأخرج من العُلبة مطهرًا ما وبعض القطن ولاصقة طبية كبيرة..مد يده لها بـ ذلك المطهر وقال

-خدي طهري الجرح
-درت عليه بـ بلاهة:أطهر إيه!!
-وضع بـ يدها الأشياء وقال بـ نفاذ صبر:إخلصي…

أخذت المطهر وسكبت منه القليل على قطعة من القطن..قربت يدها المُرتعشة من ذراعه وأخذت تمسح على جرحه بـ رقة خشية أن تؤلمه..كانت يونس في أعلى درجات الإنتشاء وهو يراها بـ ذلك القُرب منه..كانت لمساتها سحرية ورقيقة كـ أجنحة فراشة..ظل يُتابع تعابير وجهها المُتقلصة بـ إبتسامة عاشقة…

كانت غافلة عن عيناه التي تُحدقان بها بـ هيام واضح..إنزلقت خُصلات على وجهها أزعجتها..لتجد يده تمتد وتُبعدها خلف أُذنها..رفعت رأسها لتتقابل خضراوتيها مع بنيتاه المُتوهجه عشقًا لها قرأته بسهولة..إزدردت ريقها الجاف..وأخفضت رأسها مرة أخرى حتى تمنع عيناه من إكمال مهمتها في إختراق روحها و الوصول إلى أعماق قلبها…

أنتهت مما تفعله لتقذف ما بـ يدها بـ إشمئزاز..ليقول لها وهو يمد يده بـ إبرةٍ ما

-يلا عشان تخيطيلي الجرح

إنتفضت كـ من لدغتها أفعى ثم قالت بـ فزع حقيقي

-على جثتي يحصل الكلام دا…

***************************************

أنتهى الطبيب من لف ذلك الشاش الطبي حول قفصه الصدري وقال بـ عملية

-سنقوم بـ عمل أشعة على قفصك الصدري خشية أن تكون الرئة قد تأذت
-هز سام رأسه بـ فتور ثم قال:حسنًا لا بأس..أنا أشعر بـ أنني بخير
-لم يهتم الطبيب لما قاله وأكمل:أتمنى ذلك..ولكنني سأقوم بـ واجبي لا غير..أُعذرني

ثم تركه ورحل..لتنهض أنچلي وجلست على طرف الفراش ثم تشدقت بـ إهتمام

-هل أنت بخير؟!
-حدق بها سام بـ جمود ومن ثم هتف بـ غضب:أُقسم أنني سأُنهي حياته بـ يداي..لن أدعه يُفلت مني..
-ربتت على منكبه وقالت:إهتم بـ صحتك أولًا ثم قُم بما تشاء..ولكن الآن يجب أن نُفكر جيدًا فيما سنقوم به…

صمت لمدة قصيرة ثم قال لها بـ غموض

-أعطني الهاتف

أذعنت إلى أمره دون أن تسأل..وأخرجت هاتفها من حقيبتها ثم أعطته إياه

-تفضل

أخذه من يدها وإتصل بـ أحدهم..وضع الهاتف على أُذنه وأنتظر الرد الذي أتاه سريعًا..فـ سمع صوت عز الدين يقول بـ تلهف

-هل عثرت عليه!
-رد عليه بـ جمود:بلى عثرت عليه
-أين؟..هيا أجبني
-إعتدل سام في جلسته ثم قال بـ جدية:تعال إلى ستوكهولم..وما أن تصل..إتصل بي كي نتحرك..أعتقد أنه لن يبقى هنا كثيرًا
-عاجله عز الدين بـ السؤال عنها:وماذا عن تلك الفتاه التي معه؟..أهى بخير!
-حك سام مُقدمة رأسه وقال بـ هدوء:هى بخير لا تقلق..تحدثت معها ولكنه أكتشف الأمر وقام بـ إختطافها

كور عز الدين قبضته بـ غضب..ثم هتف من بين أسنانه

-ذلك الحقير..يبدو أن عقابه لن يكون بـ هين

ثم أكمل حديثه

-هيا..سأستعد الآن وما أن أصل..أُريد أن أتحرك حتى لا يهرب
-حسنًا سيد عز..لا تتأخر سأكون بـ الإنتظار

أغلق الهاتف وألقى به إلى أنچلي التي هتفت بـ تعجب

-من هذا؟!
-وضع يده على عيناه وقال بـ برود:لا شأن لكِ…

نظرت له شزرًا وأخذت تُهمهم بـ كلمات غير مفهومة..وبعدها هتف هو

-هيا أنهضي وأخبري الطبيب أنني سأقوم بعمل الأشعة الآن
-تأففت وهى تنهض ثم قالت:حسنًا…

*************************************

-على جثتي يا يونس..من عاشر المُستحيلات أني أعملها…

وبعد عشر دقائق كانت يدها تُمسك تلك الإبرة التي عقمتها بـ إستخدام شُعلة..وقربتها من ذراعه..أخذت تُتمتم بـ تبرم

-منك لله..يارب حاسة إن قلبي هيقف
-هو أنتي بتعملي عملية زرع قلب..دا يدوب هتخيطي حرج صغير..أعملي زي ما علمتك من شوية
-نظرت له بـ حدة وتشدقت:بس..أسكت..أنا ممسكتش إبرة عشان أخيط فردةشراب..ولما أجي أمسكها أكون بيخط فـ جلد بني آدم!..

ضحك يونس كـ المعتاد وهو يهز رأسه بـ يأس منها..تشدق بـ هدوء كي يُلهي عقلها عما تقوم

-قوليلي بقى..أنتي خريجة كلية إيه!!

وبالرغم من أنه يعلم الجواب إلا أنه أراد أن يُشغل عقلها عن ذلك الخوف..أجابته بـ شيئًا من التوتر

-دار علوم
-أبدى يونس إندهاش مصطنع وهو يقول:بجد!!..أكيد ع كدا شاطرة فـ النحو…
-ردت عليه بـ عفوية:ولا أعرف الألف من كوز الدرة

قهقه يونس بـ قوة حتى أدمعت عيناه..تلك الفتاه تتفوه بـ كلمات لم يتوقع أنها تخرج من فتاه..لم تهتم بتول لضحكاته فـ عقلها مُنشغل بـ تقطيب الجُرح..بالرغم من إرتعاشة يدها وتعرقها..إلا أنها أبلت بلاًء حسنًا في تقطيب الجُرح…

إنتهت مما تفعله لتزفر بـ إرتياح وهى تمسح حبات العرق عن جبينها..ثم قالت

-أخيرًا
-مدّ بـ يده بعض الشاش الطبي قائلًا:طب كملي جميلك وحطي الشاش عليها…
-زفرت بـ ضيق وقالت بـ تذمر:كانت لازم تتعور فـ إيدك اليمين؟
-حاضر المرة الجاية هختار..أخلصي يا بلائئ

نفخت بـ قوة مُبدية حنقها من حديثه بـ تلك الطريقة..وبدأت في لفّ الشاش حول ذراعه..وما أن إنتهت حتى سمعت صوته الرخيم يقول

-شكرًا يا بتول..بجد عملتي إنجاز كبير
-قالت بـ فخر:خليك عارف إن دي أول مرة أعمل كدا…

ثم أشارت بـ سبابتها بـ تحذير

-وأعمل حسابك أخر مرة
-ضحك قائلًا:حاضر يا ستي

إعتدلت في جلستها وبدأ هو في إرتداء قميصه مرة أخرى..تجمدت يده عند أخر زر وهو يسمعها تقول

-يلا بقى أحكيلي…

*************************************

طرق عدي بـ خفة على الباب..ليسمع من خلفه صوت رجولي عميق يسمح له بـ الدخول..دلف عدي وأدى التحية العسكرية ثم قال بـ جدية

-سيادة العقيد سعد..ممكن أخد من وقت حضرتك!!

رفع سعد رأسه ونزع عن عيناه الرمادية نظارته الطبية..ثم أشار إلى عدي بـ يده وقال بـ هدوء

-إتفضل يا حضرة الرائد..أخبار يونس إيه؟!
-جلس عدي وقال:منا كنت جاي لحضرتك فـ كد
-أبدى سعد إهتمامه وقال:خير يا عدي!

إعتدل عدي في جلسته ثم تنحنح قائلًا

-سيف الكردي!
-عقد سعد حاجبيه وتساءل:ماله!..مش دا اللي إتسرح من وظيفته
-أيوة هو..سيف كان ظابط تحت التدريب مع يونس فـ أخر مهمة..

مط سعد شفتيه ثم أكمل حديثه

-أنا فاكر أنه إتعرض لصدمة مـ اللي حصل…
-هز عدي رأسه بـ نفي وأكمل بـ غيظ:الحيوان دا خاين..لا إتعرض لصدمة ولا دياوله..الكلب دا بيشتغل مع عز
-ردد سعد بـ ذهول:نعم!!..شغال مع عز؟..عرفت الكلام دا أمتى وليه مقولتليش؟!!
-الموضوع دا عارفه من سنتين وكل اللي فاكره أنه بيشتغل شغل ***مع عز..لكن لما قابلته النهاردة..عرفت أنه يعرف أكتر من كدا
-إزاي!!!

تنفس عدي عدة مرات..ثم عقد ذراعيه أمام صدره وأكمل بـ توضيح

-في بنت بتشتغل معانا..كانت بتجبلي أخبار سيف وعز..شغل وصفقات وحاجات من اللي قلبك يحبها..النهاردة قابلته ولاقيته عارف إن يونس عايش…
-سأله سعد:وهو عرف منين!!..أعتقد أنه ميعرفش من زمان
-رد عليه عدي:فعلًا هو ميعرفش من زمان..أنا قبل أما أجي لحضرتك راجعت التسجيلات والملفات اللي جابتهم البنت..و فـ وسط تسجيل سمعته بيتكلم معاها وبيحكي إن عز قاله يحاول يلاقي يونس…
-الكلام دا من أمتى!
-إبتلع عدي ريقه وأكمل:لما كان فـ الواحات..والناس هناك بصراحة قالوا اللي وصيتهم بيه..لا شافوه ولا يعرفوه

حك سعد ذقنه وقال بـ جدية وصلابة

-لازم تبلغ يونس وتعرفه إنه ميقعدش فـ السويد كتير..لازم يسافر أي بلد تاني
-عقد عدي حاجبيه وتساءل:طب ليه؟..المفروض يوصل لناس معينة هناك..وكدا مش هيعرف يكمل المهمة لو مشي
-وضح له سعد قائلًا:هنبلغ رجالتنا بـ معرفتنا إزاي يستدرجوا المشتري لنفس البلد اللي هيسافرلها يونس…

صمت قليلًا..وبعدها أكمل حديثه

-عز له معارف كتير فـ المافيا وأنه يفضل فـ نفس البلد مدة طويلة..دا خطر عليه وع اللي معاه..لازم يونس يسيب السويد خلال تمانية وأربعين ساعة..وجوده هناك هيتكشف..خصوصًا أنه أستخدم بيت أمن من بتاعنا
-جحظت عينا عدي وهتف بـ خوف:يعني إيه!!..وجوده إتكشف!..طب إزاي؟!
-مش مهم إزاي..المهم تتصرفله فـ هويات جديدة ومكان جديد نقدر نأمنله حماية..يونس ذكي أنا عارف..بس في أكتر من مؤسسة بتدور عليه..

نهض عدي من مكانه وقال بـ جدية

-أنا هبعت ناس ورا سيف فـ كل حتة..وهبدأ فـ الإجراءات فورًا

تحرك عدي وقبل أن يدلف..أوقفه صوت سعد هاتفًا بـ صلابة صارمة

-قول ليونس يرجع البنت..وجودها معاه خطر عليها وعليه..مش هينفع تفضل أكتر من كدا
-أغمض عدي عيناه وقال بـ جمود:حاضر يا فندم…

ثم أدى التحية العسكرية ورحل..أعاد سعد رأسه إلى الخلف وقال بـ شرود

-يا ترى يا عز أنت خايف من يونس أوي كدا ليه!..أكيد مش مجرد قرية #أهلها..أكيد في سبب تاني…

***************************************

ضمت ساقيها إلى صدرها وظلت تنظر إلى الفراغ..تابعها يونس بـ أعين حزينة لما آلت إليه الأمور..هو لم يُخبرها الحقيقة كاملة وقد أُصيبت بـ تلك الحالة..فـ ماذا إن أخبرها حقيقة الأمر!!..مدّ يده يُملس على خُصلاتها بـ حنو ثم هتف بـ حزن

-عشان كدا مكنتش عاوز أقولك..كنت خايف على زعلك يا بنت السلطان

ولكنها لم ترد عليه..تنهد بـ ضيق..ثم أكمل حديثه وهو يُدير رأسها إليه

-بتول..مينفعش كدا..إدي رد فعل..سكوتك دا غلط..عيطي..كسري..أعملي أي حاجة..بس متفضليش كدا

أزاحت يده عن وجهها وبعدها تمددت توليه ظهرها..وتشدقت بـ جفاء

-عاوزة أنام
-لوى يونس شدقه بـ خيبة أمل..ولكنه قال بـ هدوء:طيب نامي جايز أعصابك ترتاح…

ثم نهض وجذب الغطاء عليها..دثرها جيدًا قبل أن ينحني بـ جذعه العلوي يُقبل رأسها بـ حنو..وتركها لكي ترتاح قليلًا..يعلم أن ما علِمته ليس بـ هين ويُصعب عليها تقبله..تنهد عدة مرات ثم دلف خارج الكوخ مُتجه إلى المدينة ليستطلع على بعض الأمور…

بعد مدة عاد ودلف إلى الكوخ..وجدها لا تزال نائمة..تنهد بـ إرتياح ثم إتجه إلى المطبخ ليُعد بعض الطعام فـ هو يعلم أنها جائعة…

نهضت هى بعد وقتٍ طويل..فركت عيناها بـ نُعاس ولكن قسمات وجهها كانت مُتجهمة..أزاحت عنها الغطاء ثم أنزلت قديمها عن الفراش..بحثت عنه بـ عينيها لتجده يقف موليها ظهره بالمطبخ…

عقدت ما بين حاجبيها وتوجهت ناحيته بـ خطًا خفيفة..وقفت خلفه ثم وضعت يدها على منكبه وتساءلت بـ خفوت

-بتعمل إيه!

إستدار يونس لها وعلى وجهه إبتسامة جذابة..ثم قال بـ سعادة

-أخيرًا صحيتي!!..
-هزت منكبيها بـ فتور ثم أعادت سؤالها:بتعمل إيه!
-بعمل أكل..أنا عارف إنك جعانة..

نظرت لذلك القدر على الموقد وتساءلت

-تحب أساعدك؟!
-رد عليها وهو يستدير:لأ أنا أصلًا خلصت
-براحتك

قالتها بـ فتور ثم رفعت نفسها وجلست على طاولة خشبية في أحد أطراف المطبخ..كان يونس مُتعجب من رد فعلها..نعم يشعر بـ جمودها وفتور حديثها ولكنه كان يعتقد أنها ما أن تفيق سوف تبكي كـ المرة السابقة..تنهد بـ يأس وهتف في نفسه

-هتجننيني يا بتول…

إنتهى من طهو الطعام وإستدار لها..ليجدها تُحدق بـ خاتم خطبتها..لم يتحرك ساكنًا وظل يُشاهدها مُنتظرًا لرد فعلها…

كانت تُحدق بـ خاتمها وعدة مشاعرة جمة تتزاحم في جوفها..تشعر بـ سواد في قلبها تجاهه..وكأنها لم تعرفه يومًا..من عشقته وظنت أنه أخر الرجال المحترمين لم يكن سوى شيطان..شيطان لم تتوقع أن يكون بـ هذا السوء..مشاعر وذكريات تدفقت في نفسها ولكنهم جميعًا إشتركوا في أحساس واحد..ألا وهو الكره..تغلظت ملامحها بـ قوة ونزعت خاتم خطبتها ثم قذفته بـ عنف في سلة المُهملات بـ جانبها…

رفعت أنظارها إلى يونس..لتجده يُحدق بها بـ عمق ومشاعر تعلمها جيدًا ..حدقت في بنيتاه بـ عمق وقالت

-معتش ينفع إيدي تتوسخ بـ وساخته..كان لازم أعملها من زمان..مكنش لازم أصدق حرف من اللي قاله…

وتسابقت عبراتها في النزول ولكنها كانت صامتة..لم ينتفض جسدها ولم تشهق روحها..فقط عبرات ملكومة بـ طعنات الخيانة..تقدم يونس منها وأزال عبراتها بـ إبهاميه..ثم قال بـ نبرة عذبة

-هو خدعني زي ما خدعك..أنتي طيبة وعشان كدا صدقتيه
-هزت رأسها نافية وقالت بـ سخرية مُتألمة:قصدك كنت غبية..

جذب رأسها إلى أحضانه..ليجدها تتشبث به كـ طفل يخشى فُقدان والدته..ثم همست من بين عبراتها

-يارتني قابلتك قبله..يارتني عرفتك قبله…

يونس 17

الحب هو تلك اللحظة التي يحس بها المرء بأنه إنسلخ عن العالم…

ليعيش وحده مع الحبيب في عالمٍ بُني من الكلمات..وصُنع من أحاسيس..ورُصع بالأضواء

أزاحها بعيدًا عنه دون إستيعاب لما قالته بـ همس..أمسك وجهها بين راحتيه ثم تشدق بـ عذوبة

-كلنا بنغلط..كلنا بنغلط وبنتعلم..بس فـ حالتك أنتي مغلطتيش..أنتي وثقتي يا بتول..
-تنهدت بـ تعب ثم قالت بـ حزن:بس أنا وثقت فـ واحد مش بني أدم أصلًا..
-تحدث بـ صلابة مُصطنعة:خلاص بقى..إرمي ورا ضهرك عشان تعرفي تعيشي..

هزت رأسها بـ بطئ وهى تتنهد بـ حزن..حاول يونس تلطيف الأجواء فـ هتف بـ مرح

-وبعدين يلا الأكل اللي تعبت فيه هيبرد…
-ردت عليه بـ فتور:مليش نفس

جذبها من يدها دون الإلتفات إلى إعتراضها..وأجلسها بالخارج ثم تركها وإتجه مرة أخرى إلى المطبخ..وبعد مدة عاد ومعه صحنان متوسطان العمق وجلس أمامها..مدّ يده بـ الصحن الخاص بها وهتف بـ صرامة دون أن يلتفت لها

-الطبق دا كله يخلص..ومن غير إعتراض
-ردت بـ إستسلام:طيب

وشرعت في تناول الطعام دون شهية..كان يونس يُتابعها من طرف عيناه آسفًا لما آلت إليه الأمور..زفر بـ ضيق وألقى بـ ملعقته داخل الصحن بـ قوة جعلتها تعقد ما بين حاجبيها بـ تعجب..لتسمعه يصيح بها بـ حدة

-بتووول..كلي أحسنلك وشيلي أي هاجس من دماغك
-هتفت بـ حدة:أنا..آآآ

قاطعها وهو يُشير بـ كف يده ثم أكمل بـ شراسة

-فكرك أنا مش عارف بتفكري فـ إيه!!..

ترك صحنه ثم وضعه على الطاولة الخشبية أمامه..ثم ألتفت إليها وقال بـ جدية وحزم

-بصي يا بنتي..أنا عارف إن اللي عرفتيه مفيش حد يقدر يتحمله بس أحنا فـ وضع ميسمحلناش إننا نحط إيدينا ع خدنا زي المطلقين ونندب حظنا…

صمت يستشف نظراتها المُنكسرة..ليزفر بـ ضيق وغضب حارق..ألا تعلم أن تلك النظرات تحرقه!..تبعث في نفسه شعور بـ أن #كل من يُؤذيها ويُظهر تلك النظرات التي يمقتها!!..أخفض نظراته يُخفي ذاك الغضب الممزوج بـ الحزن..ثم رفعها مرة أخرى وقد تحولت نظراته إلى الصلابة..ثم هتف بـ نبرة توازيها صلابة

-أسمعيني كويس..أنتي لما رميتي نفسك فـ حضني وقولتي هتيجي معايا وأنتي عارفة هنقابل إيه..خلتيني أحس أنك تقدري تساعديني..قولت أنها هتقدر تكون قوية..ودا اللي شوفته فـ الواحات…

نظرت إلى بحر عيناه بـ عمق تبحث عن صدق كلماته ولكنها لم تكن بحاجة..فـ حقًا من ينظر إليه الآن يرى نظراته العاشقة بـ وضوح..أكمل هو حديثه بـ جدية زائفة

-لو هتقعي فـ نص الطريق..لأ يبقى مع السلامة هنزلك مصر..أنا عايز لما مقدرش أحمي نفسي..ألاقيكي موجودة تحميني…

أغمضت عيناها لبرهة ثم فتحتهم مرة أخرى..كانت عيناها مزيجًا من العزم الذي شابهُ الإنكسار..هتفت بـ نبرة تكاد تكون قوية

-عشان خاطرك هحاول..

إنفرجت أساريره بـ شدة وإرتفع وجيب قلبه بـ حماس ليرد عليها بـ إبتسامة

-يلا بقى ناكل..دا أنا أول مرة أعمل أكل لواحدة
-أمالت رأسها إلى اليمين قليلًا ثم سألته بـ تعجب:أول مرة!!..أول مرة!!
-أماء بـ رأسه وقال بـ نفس الإبتسامة:أول مرة..أول مرة
-يعني محبتش قبل كدا؟!

هز رأسه نافيًا..ليجذب يدها ويُقبل باطن كفها بـ رقة أسارت في جسدها رجفة عنيفة جعلت مشاعرها تتأرجح في دوامة قربه الذي يبعث في نفسها إنذارات تُنبئها أنه يُشكل خطر عليها..بينما يونس أكمل حديثه وذلك اللئيم يعلم ما يحدث في نفسها

-لأ..أنتي أول واحدة قلبي دقلها…

**************************************

-ألو..أيوة يا سيف!
-رد عليها سيف بـ هدوء:أنزلي يا ورضة..عاوزك شوية
-سألته بـ توجس خفيف:خير في حاجة؟!
-إبتسم وقال بـ حب:لأ مفيش..بس وحشتيني وعاوز أتكلم معاكي

أغمضت عيناها بـ غضب..مُنذ قليل كانت في أعلى درجات سعادتها..والآن تدحرجت على درج الواقع..همست من بين أسنانها

-حاضر يا سيف..بس مش هينفع أتأخر
-وأنا مش هأخرك
-تمام

ثم أغلقت هاتفه وشرعت في إرتداء ثيابها المُكونة من كنزة ذات لون قُرمزي وأسفلها بنطال أسود من القُماش..خُصلاها عكصتها على هيئة جديلة فرنسة وضعتها على مكنبها الأيمن..أخذت هاتفها ودلفت إلى الخارج…

كان هو يجلس في سيارته يُفكر في لقاء عدي..ما الذي أتى به إلى هنا؟..قطع إسترسال باقي أسئلته..صوت طرقات على نافذة السيارة..لتشرق على وجهه إبتسامة..ترجل من سيارته و وقف أمامها..جذب يدها وقبل ظاهر كفها ثم قال بـ غزل

-كل مدى بتحلوي
-إبتسمت بـ إصفرار وقالت:مرسيه..مش يلا عشان وقفتي كدا غلط
-أماء رأسه بـ طاعة وقال:طيب يا ستي..يلا

صعدت إلى السيارة..رغم بُغضها مما يحدث وأنها تمقته..ولكن لا يحب إثارة الشكوك حولها..ستستمر بما تقوم به من أجل والدتها وعدي وقبلهم نفسها التي ضاعت في المُنتصف…

وبعد مدة وصلا أمام مطعم فاخر..ترجلا من السيارة وأستدار سيف ناحيتها ثم أمسك يدها..فـ تساءلت بـ تعجب

-أول مرة نيجي مكان زي دا..شكله غالي
-مفيش حاجة تغلى عليكي يا روحي..

أغمضت عيناها في محاولة لكبت غضبها..ونجحت بـ صوعبة في ذلك..وقبل أن يخطو بـ قدمه إلى الداخل..أوقفته بـ كلماتها الجافة

-متفكرش أنك كدا هتنسيني اللي عرفته..لأ دا قرف مقدرش أنساه…
-#إبتسامة على شفتاه وقال:مش القصد يا روضة..أنا بس آآآ..
-قاطعته بـ جمود:خلاص يا سيف..صدقني أنا مش قادرة أستوعب اللي حكيته..ويلا ندخل عشان متأخرش…

وسحبت يدها منه ودلفت أمامه..كان سيف يعض على شفتيه بـ غيظ وغضب..ظل يلعن غباءه الذي قاده إلى تلك الحالة التي وصل بها إليها..هى مُحقة لا يُنكر ذلك ولكنه يعشقها..ألا تستطيع أن تكون هينة معه!!!

*************************************

بعد أن تفحص العديد من الأوراق..وبعد وقتٍ طويل من العمل..إستطاع التوصل إلى أكثر الأمور أمنًا وأصعبها سهولة..ترك بعض الأوراق من يده ثم رفع سماعة الهاتف..ضغط عدة أزرار ث وقال بـ إقتضاب

– خلي الرائد يجي مكتبي

ثم أغلق الهاتف..أراح رأسه على ظهر المقعد وأخذ أنفاسًا عديدة..بعد دقائق دلف محمد الذي هتف بـ تعجب

-خير يا عدي !!
-أشار إليه عدي ثم قال:تعالَ بس إقعد

تقدم محمد من مكتبه وجلس على المقعد المُقابل لعدي..الذي إستطرد حديثه

-دلوقتي يونس يعتبر إتكشف..ولازم يسافر برة السويد
-إرتفع حاجبي محمد بـ دهشة وتشدق:بالسرعة دي!!..طب هتعمل إيه؟

شابك عدي أصابعه ثم وضعهم على المكتب وتشدق بـ جدية

-هقولك..دلوقتي لازم ندبرله طيارة يسافر بيها ألاسكا..تعرف تدبرلي واحدة!
-حك صدغه مُفكرًا ثم قال:هو فيه..بس من غير طيار
-أشاح عدي بـ يده وقال بـ لهفة:وهو دا اللي عاوز

عقد صديقه حاجبيه بـ عدم فهم ليوضح له عدي قائلًا

-هفهمك..أنا عاوز الموضوع يتم بعيد أصلًا عن أي حد..موضوع سفره ميعرفوش غيري وأنت والعقيد سعد..ومفيش حد رابع…
-هز رأسه مُتفهمًا ولكنه تساءل:طيب دي وفهمناها..أما الطيار هنجيبه منين!
-إبتسم عدي وقال:ما هو أنت اللي هتسوق
-ردد خلفه بـ بلاهه:أنا اللي هسوق؟!
-أه وليه لأ!..أنت واخد دورات فيها..فليه لأ!
-مش حكاية كدا..أنا بقالي كتير من ساعة أما كنت فـ الأكاديمية وأنا حتى مركتبش طيارة عادية..

تنهد عدي بـ نفاذ صبر ثم تشدق بـ نبرة هادئة ولكنها حادة

-يا بني أفهم..الموضوع مش عاوز حد يعرفه كتير..أنا مش هقدر أثق غير فيك..
-زفر محمد بـ ضيق ثم قال:حاضر يا سيدي..حاجة تانية!

حك عدي طرف ذقنه ثم قال بـ تريث

-أه..عارف خطيبة الكلب!!
-رفع مكنبيه وقال:ومين ميعرفهاش
-ضر,ب عدي على سطح مكتبه وقال:حلو..عاوزك تقنع يونس بـ أي شكل أنها لازم ترجع مصر…
-إتسعت عيناه بـ دهشة وقال:يعني هى معاه؟!.
-زفر عدي بـ حرارة وقال:أيوة يا سيدي..معاه من ساعة أما سافر..ولازم ترجع عشان وجوده إتكشف والوضع مش أمن خالص وهى هتروح فـ النص
-غمزه محمد بـ مكر وقال:إيه خايف عليها يا برنس!
-أشاح بـ يده وقال بـ نبرة غير مُكترثة:أخاف على مين..هى بس تهم يونس وعشان خاطره لازم أحميها وأحميه قبلها…
-إبتسم محمد وقال:ماشي يا عم..أنا تحت أمرك أنت وأخوك
-تسلم يا صاحبي…

نهض محمد ثم قال بـ جدية

-هروح أنا عشان أظبط حكاية الطيارة..والخروج من مصر من غير أما نعمل مشاكل..الموضوع ممكن ياخد يوم كدا..المفروض أتحرك أمتى؟
-مش أكتر من كدا..حياتهم مهددة فـ أي وقت
-رد عليه محمد بـ عزم:خلاص تمام..وأنا لو عرفت أخلص قبل كدا هبلغك…

ولم ينتظر رده ودلف إلى الخارج لكي يقوم بـ تلك الأمور..أراح عدي رأسه إلى الخلف وإبتسم بـ سعادة فـ صاحبه محمد يُعَد نعم الصديق..لم يخذله مرة بـ حياته…أخذ نفس عميق ثم قال

-كدا أنا لازم أفضى لعز الكلب دا..أما أشوف هيعملوا إيه ….

***************************************

إبتعدت عنه سريعًا..عن عيناه التي تأسرانها..عن لمساته الشقية التي تُلملم شظايا روحها المُفتتة..عن صوته العذب كـ السلسبيل..نهضت بـ توتر ثم قالت بـ نبرة مُتلعثمة

-آآ..أنا..أحم..هروح أعمل..شا..ي..أعملك!
-إبتسم من جانب فمه وقال:أعمليلي..عاوز أدوق الشاي من إيدك يا بنت السلطان…

تحركت بـ خطى مُتعثرة سريعة بعض الشئ..تزفر بـ ضيق ومن ثم همست

-هو إيه اللي عمّال يقوله دا!..ما يبطل يلعب بيا كدا…

ودلفت إلى المطبخ تحت نظراته المُستمتعة..عاد قلبه ينبض بـ حماس أنها ستكون له..سيأسرها كما أسرته..سيجعل حبه يغزو كل أنش بها كما غزته..يعلم أن الطريق طويل..أو ربما قصير وهى أمامه وبين يداه…

نهض خلفها بـ خفة رجل مخابرات..ثم دلف إلى المطبخ..سمعها تتأفف لأكثر من مرة وهو يُحاول كبح ضحكاته..كانت تبحث السكر..تفتح ذاك وتغلق هذا ومعهما تُطلق السباب..همهمت مع نفسها بـ تذمر

-يعني أنا لاقيت كل حاجة ما عدا السكر!..وبعدين إيه البيت العجيب دا!!

إقترب خلفها بـ هدوء ثم همس بـ جانب أُذنها بـ عبث

-وماله البيت العجيب دا!

صرخت بـ جزع..إلتفتت إليه وكادت أن تقع..إلا أن يداه الصلبة أحالت دون ذلك..إذ قبض على ذراعيها يجذبها بـ خفة إلى الأمام..لتقف على بعد ملليمترات منه..ثم قال بـ مرح

-اسم الله عليكي…
-عقدت ما بين حاجبيها بـ غضب ثم نهرته بـ حدة:ينفع كدا!!..إبقى أعمل صوت وأنت داخل..ولا قول أحم ولا دستور
-رفع حاجبيه بـ صدمة:أحم ولاّ دستور!!..أنتي منين!

إزدادت عقدة حاجبيها بـ غضب..ليقول هو بـ مزاح

-وبعدين أنا عملت صوت وأنتي عمّالة تشتمي ومخدتيش بالك مني
-أشارت بـ سبابتها بـ تحذير ثم قالت:عيب كدا..متكدبش عشان الكداب بيروح النار..

هم أن يتحدث ولكنها قاطعته قائلة

-أنا بسمع كويس حتى شوف
-إبتعد عنها بـ ذهول:أشوف إيه يا منيلة!..يلا يا بت أعملي الشاي
-عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت:مفيش سكر

إستدار خلفه وإقترب من تلك الطاولة..أمسك العُلبة ثم عاد إليها رامقًا إياها شزرًا

-خدي يا أسوّد أعمالي…

لوت شدقها بـ ضيق ثم جذبت منه العُلبة بـ حدة..وإلتفتت تُكمل ما بدأته..بينما هو يرمقها بـ نظرات تسلية..ثوان وكان هاتفه الآمن يدق..أخرجه من جيب بنطاله..ليجده شقيقه..دلف خارج المطبخ والكوخ بـ أكمله ثم ضغط على زر الإيجاب وتشدق بـ توجس

-خير يا عدي فيه حاجة!
-رد عليه عدي بـ جدية:يونس أنت لازم تسيب السويد فورًا..كشفوك

أغمض يونس عيناه ثم مسح على خُصلاته بـ عصبية..وقال بـ حدة

-قدامي أد إيه!!
-زفر عدي بـ ضيق وقال:مش كتير..بس لازم تتحرك من البيت اللي أنت فيه دلوقتي وتروح أي بيت تاني..بس بعيد عن المنطقة
-ومين اللي هيخفي البيت!
-أجابه عدي بـ هدوء:العقيد سعد هيتصرف..أما دلوقتي لازم تمشي من عندك..

حدث ما كان يخشاه..تم إكتشافهم بسهولة..كان يعلم أنها ستُمثل خطرًا كبير على قلبه قبل نفسه..أخذ نفس عميق يطرد تلك الهواجس ثم قال

-طيب هروح فين؟..
-حاليًا هتروح من السويد على ألاسكا..دا أأمن مكان عرفت أوفره
-والمشتريين؟!
-أجابه بـ نفس النبرة الهادئة:هنتصرف متقلقش..أهم حاجة تخرجوا بخير من السويد الأول وبعدين نتكلم فـ الموضوع دا…

وضع يونس يده في خصره بـ عصبية وهو يستمع إلى حديث شقيقه

-هبعتلك محمد كمان أربعة وعشرين ساعة كحد أقصى وهقولك قبلها ع المكان المناسب…

إستدار يونس ليجدها تقف خلفه تُحدق به بـ تساؤل..ليقول على عجالة

-طيب يا عدي..إتصرف وطمني..سلام دلوقتي…

ثم أغلق الهاتف وإتجه إليها..فـ عاجلته بـ سؤالها القلق

-في إيه يا يونس!
-أمسك يدها يجرها خلفه إلى داخل الكوخ:لازم نمشي من هنا حالًا…

**************************************

دلف سيف خارج المطعم يتأفف بـ ضيق..فهو كان يعمل على كسر ذاك الحاجز الذي بُني بينهم ولكنها كانت تُعامله بـ جفاء مخيف..صعدت السيارة وهو كذلك..أدار المحرك ثم قال بـ غيظ

-يعني لسه زعلانة!
-رمقته بـ غضب ثم قالت:أنت مسرقتش مني عشرة جنيه عشان تقولي لسه زعلانة…سيف أنا مش طايقة أتكلم عن الموضوع دا..قفل السيرة أحسن..

وأدارات رأسها ناحية النافذة تاركة إياه وعقله يكاد ينفجر من الغضب والإحباط معًا…

صدح صوت هاتفه ليجد عز الدين هو المُتصل..تأفف عدة مرات..جعلتها تلتف إليه بـ تعجب..وضع الهاتف على أُذنه ثم تشدق بـ فتور

-عاوز إيه!
-أتاه صوت عز الغاضب:حالًا يا سيف تكون عندي..حالًا
-عقد ما بين حاجبيه وتساءل بـ ثقل:خير!
-صرخ عز الدين بـ عصبية:مش خير..فيه إن يونس الـ*** دا ستوكهولم..ولازم نلحقه قبل ما يختفي

إرتفع حاجبيه بـ دهشة وإستدار بـ رأسه إلى روضة التي طالعته بـ إستفهام..ليُكمل هو حديثه بـ تساؤل

-عرفت منين!
-أجابه الأخر بـ نفاذ صبر:مش مهم عرفت منين..لازم تيجي دلوقتي..خلينا نتهبب نلحقه
-أخرج سيف زفيرًا من فمه وقال:طيب..هوصل روضة وأجيلك
-يوووووه…متتأخرش

ثم أغلق الهاتف في وجهه..قذف سيف الهاتف بـ عصبية..تابعته روضة بـ فضول ولكنها آثرت الصمت حتى لا تُثير شكه..إلتفت إليها ثم قال بـ إعتذار

-معلش يا روضة..هضطر أنزلك هنا عشان رايح لعز
-هزت رأسها بلا مُبالاه وقالت:عادي..هاخد تاكس وأروح…

ثم أكملت بـ تساؤل

-هو فيه حاجة!

صف سيارته بـ جانب أحد الأرصفة ثم قال بـ فتور

-عز عرف يونس فين..وهنسافر دلوقتي

شحب وجهها وإتسعت عيناها دهشة..إبتلعت ريقها بـ توتر ثم سألته بـ نبرة ثابتة نسبيًا

-طب وهتعملوا إيه!
-رد عليها بـ شيئٍ من البرود:يا #..يا عز هيتصرف معاه
-أنتوا عصابة…

قالتها بـ عدم تصديق ثم ترجلت من السيارة مُسرعة..ولحسن حظها وجدت سيارة أجرة فارغة..أشارت لها ثم أستقلتها..لم تنظر في أثره ولم تُعقب…

أخرجت هاتفها ثم هاتفت عدي بـ صوتٍ خفيض فقد تعلمت منه ألا تثق بـ أحدٍ بتاتًا..ثوان وأتاها صوته العميق

-أيوة يا حبيبتي خير!
-همست روضة بـ خوف:مصيبة يا عدي..
-إنتفض عدي من مجلسه وتساءل بـ قلق:في إيه فهميني!
-عز عرف مكان يونس..وأخد سيف وهيسافروا دلوقتي…

****************************************

تركها في مُنتصف الصالة وأخذ يُلملم حاجياته..وهى تقف تُتابعه بـ أعين خائفة..وقف أمامها ثم أعطاها حقيبةً ما وقال

-غيري هدومك دي بـ الهدوم دي عشان لو جرينا..وهتلاقي فيها كوتشي..يلا مستنيكي بره…

ولم ينتظر حديثها ودلف إلى الخارج..كانت تنظر إلى الحقيبة تارة وإليه تارة..هزت منكبيها بـ قلة حيلة ثم شرعت في إرتداء ثيابها..والتي كانت عبارة عن كنزة طويلة تصل إلى بداية فخذها من اللون الرمادي الداكن وبنطال رياضي أسود..وإرتدت الحذاء الرياضي..ثم خرجت إليه وقالت

-أنا جاهزة..

كان هو الأخر أنتهى من إرتداء ملابسه التي شابهتها..تقدم منها ثم قال بـ جدية

-ناسية حاجة؟
-هزت رأسها بـ لا وقالت:دا أنا حتى جبت فستاني
-كويس..يلا…

ثم جذبها من يدها وتحركا وسط الأشجار بـ خفة ومهارة..كانت تتبعه بـ سكون..ظلا أكثر من ساعتين يسيران حتى قالت وهى تستند على رُكبتيها

-خلاص نستريح شوية..أنا تعبت
-أماء بـ رأسه وقال:طيب بس مش أكتر من عشر دقايق

هزت رأسها بـ موافقة ثم جلست على صخرةٍ ما..وجلس هو بـ جانبها تشدقت هى لكسر هذا الصمت

-هو أحنا سبنا البيت دا ليه!..إحنا مكملناش يوم
-زفر هو بـ ضيق:وجودي إتكشف ولازم نتحرك بسرعة

نظرت له بـ عدم فهم..ليوضح لها قائلًا

-بعد اللي حصل فـ الحفلة أظن أنهم كشفوني

نظرت بتول إلى الفراغ بعض الوقت ثم هتفت بـ شرود

-مش أنت اللي إتكشفت
-نظر لها بـ عدم فهم:يعني إيه!!
-إبتلعت ريقها بـ صعوبة ثم قالت:لما..اللي اسمه سام دا أخدني الأوضة..قالي..قالي..أن عز محظوظ بيا

إنتفض يونس بـ قوة وتشدق بـ غضب

-أنتي بتقولي إيه!
-أدمعت عيناها وقالت بـ نشيج:قالي أنه يعرف عز..مش سام دا واحد مش كويس!!

سباب لاذع خرج من بين شفتيه وأخذ يزفر بـ غضب..جلس بـ جانبها مرة أخرى وأمسك يدها..ثم هتف بـ نبرة حادة

-خلاص يا بتول متعيطيش..أكيد عز عرف أنتي فين دلوقتي

رفعت عيناها إليه بـ صدمة وقد إرتفع وجيب قلبها بـ رعب..شهقة عنيفة خرجت منها وهى تهتف بـ يونس

-هو..هو هيجي ياخدني!!

إنطلقت من عيناه شرارات غاضبة..كور قبضته بـ حنق حتى برزت عروقه..بينما هى لم تتوقف عن البكاء..نظر إليها ليجد جسدها يرتعش بـ قوة والتي لم تكن تلك الإرتجافة إلا ومصدرها الخوف..لم ينتظر ثانية أخرى وجذبها في عناق حنون يُهدئ روحها المُلتاعة..ثم قال بـ نبرة تحمل العزم

-مش هسمحله يلمس منك شعرة..مش هسمحله ياخدك مني..
-لفت يدها حوله وقالت بـ بكاء:مستبنيش يا يونس..أنا خايفة أوي..خايفة منه أوي
-مسد على خُصلاها بـ حنو وهتف بـ دفئ:مش هسيبك..أنا روحي إتعلقت بيكي…

يونس 18

والقلب يهواكي
والعين تعشق رؤياكي
انتي نبض قلبي
انتي نور عيني
انتي رفيقه دربي
انتي نصفي الاخر
سأظل احميكي حتى اخر عمري حبيبتي
انتي نبض به احيا
انتي من أفقد أمامها عقلي ويصبح قلبي من يقودني …
كل الطرق توصلني إلى طريق عشقك
يا اسم اجمل من الجمال نفسه

رغمًا عنه غفى..فقد نال منه التعب مبلغه..بينما بقيت هى تُشاهده..إتخذت وضع القُرفصاء تستند بـ مرفقيها على رُكبيتها وراحتي يدها أسفل وجنتيها..كانت تبتسم وهى تتأمل معالمه الساكنة بـ الرغم من التعب والإجهاد الواضح على ملامحه..إلا أنها إحتفظت بـ سيمتها الرجولية..ذقنه النامية التي نبتت بها بعض الخُصلات البيضاء جذبتها لكي تتلاعب بها فـ مدت يدها وأخذت تعبث بها…

كان يشعر بـ تلك اللمسات الرقيقة على وجهه..ولكن أنبأه عقله أنها حُلم..أو ربما أجمل حُلم قد يراه وهى تعبث بـ ذقنه والتي من المؤكد بات يعشقها الآن..ومع إستمرار تلك اللمسات إرتخت معالمه المُتعبة وإستغرق في نومٍ أعمق..إبتسمت هى بـ راحة ما أن لاحظت إرتخاءه ومن ثم همست بـ لطف

-نام يا يونس..أنا هفضل جمبك وأحميك زي ما أنت بتعمل بالظبط..دا أقل شئ أقدمه ليك…

إعتدلت في جلستها وإتجهت جانبه..جذبت رأسه لتُلقيها فوق منكبها..وبـ يدها وضعتها على خُصلاته القصيرة..وأراحت هى الأخرى رأسها فوق رأسه وغاصت معه في ذلك الحُلم الذي عاد يجمعهما بـ مشاعر يونس الواضحة ومشاعر بتول التي بدأت تُزهر في قلبها له…

**************************************

هبّ واقفًا ما أن سمع عبارتها وردد خلفها بـ ذهول غلفه الغضب

-أنتي بتقولي إيه!..عرفتي منين ياروضة؟!
-ردت عليه روضة بـ خفوت:لما كنت معاه من شوية..هو قالي

ضر,ب بـ قبضة يده على سطح مكتبه ثم هتف بـ صوتٍ جهوري

-نعم ياختي!..كنتي معاه فين إن شاء الله!
-إرتبكت روضة ولكنها تشدقت بـ تأفف زائف:أنت فـ إيه ولا فـ إيه!..إتصرف قبل ما يحصل لأخوك حاجة
-كز على أسنانه بـ حنق ثم قال بـ صلابة:ماشي يا روضة..حسابنا بعدين..أما بخصوص سيف الكلب دا..مفيش شغل ولا هتشوفيه تاني…

و دون أن ينتظر ردها أغلق الهاتف بـ وجهها..نظرت هى إلى الهاتف بـ ذهول وتمتمت بـ سخط

-إيه هو دا!..دا بدل ما يشكرني!!..

وضعت يدها في خُصلاتها وأخذت تعبث بها بـ عنف وأخذت تُحدث نفسها بـ غيظ

-وبعدين مش هينفع أسيب كل حاجة وأهرب..زي ما بدأت لازم أنهي…

وبعد ثوان وجدت هاتفها يصدح..أخذته سريعًا وقد ظنت أنه عدي. لتفتح الخط دون النظر ثم قالت بـ نبرة ظافرة

-أكيد إتصلت عشان تعتذر!
-أفندم!!

وصلها ذاك الصوت الرجولي الغريب عن صوته العميق..لتتنحنح بـ حرج وقد تخضبت وجنتيها بـ لونٍ ورديٍ باهت وقالت

-أحم..سوري. مين معايا؟
-رد عليها الأخر بـ هدوء:أنا دكتور رضا..المشرف على حالة والدتك
-هبت واقفة وهى تتساءل بـ خوف:ماما جرالها حاجة؟!
-نفى الطبيب قائلًا:لأ أبدًا مفيش حاجة..بالعكس دي صحتها إتحسنت

تنفست روضة الصعداء وهى تُتمتم بـ الحمد..ثم تساءلت

-طب خير يا دكتور!
-أجابها بـ جدية:والدتك طالبة تشوفك..تقدري تيجي!!

جذبت حقيبتها وإتجهت ناحية الباب ثم قالت

-أنا جاية أهو…

*************************************

ترجل سيف من السيارة وإتجه ناحية المنزل الخاص بـ عز الدين..تركه الحرس يدلف فـ قد أمرهم عز الدين ما أن يصل حتى يدعوه يدلف..كان يتفحص المنزل وحرسه بـ نظرات هازئة وأستخفاف…

تتطلع أمامه ليجد عز الدين يتوجه إليه وهتف به بـ غضب

-أتأخرت كدا ليه!
-وضع يديه في جيبي بنطاله وقال بـ برود:كلمتني..جيت..متأخرتش بمزاجي يعني..أنا مش راكب طيارة

تأفف عز الدين ثم جذب سيف من مرفقه إلى الداخل..دلف سيف ليجد العقيد رفعت جالسًا..ليفتح سيف كِلا ذراعيه وقال بـ ترحيب ساخر

-باشا…رفعت بيه ذات نفسه هنا..لالالالا الموضوع كبير بقى

رمقه رفعت بـ إشمئزاز ولم يرد..بينما دفعه عز الدين ليجلس ثم تشدق بـ تحذير

-إتكلم عدل أحسنلك يا سيف
-جلس سيف واضعًا قدم على أخرى وقال بـغرور:والله أنتو اللي عاوزيني مش العكس..فـ أتكلم براحتي

تجاهله رفعت والذي يمقته سيف كثيرًا فـ هو أحد الأسباب الرئيسية في زجه بـ تلك الهوة القذرة..توجهت نظرات الأول إلى عز ثم قال بـ جمود

-حاليًا مقدامكش غيره عشان تطلعوا من البلد بدون علم حد

رفع سيف أحد حاجبيه ولم يتحدث..فـ أكمل رفعت حديثه

-مش هقدر أتواصل مع السفارة فـ السويد..أو أي حد مهما كان عشان يمنع يونس أنه يتحرك بره البلد…
-يعني إيه!

كان هذا السؤال صادرًا عن سيف فـ أوضح رفعت حديثه

-يعني يونس فـ نظر الكل ميت وشبع مو,ت من سنتين..ولما أطلع أنه عايش فجأة يبقى أكيد في حاجة غلط..يونس مش ظابط مخابرات عادي ولما يتمسك ويتعمل معاه تحقيق كامل..ودا من مصلحته ع فكرة
-تشدق عز الدين بـ عبوس:مصلحته من حيث إيه!
-تولى سيف الرد قائلًا بـ نبرة ساخرة:معاه كل الأدلة اللي توديك فـ داهية..أو تودينا بمعنى أصح..وبـ كدا إنقلب السحر على الساحر

حك عز الدين صدغه بـ عنف ثم هتف بـ إنفعال

-يعني إحنا محصورين فـ خانة السفر السري..
-أماء رفعت بـ رأسه وقال:بالظبط كدا..ولازم تتحرك عشان لو عرف مش هتلحقه..

نهض رفعت وتبعه الأخرين..ليقول وهو يتحرك بـ جدية وصرامة

-لما توصل السويد ولو عرفت تمسك يونس..هاته هنا حي..فاهم يا عز!..أنا عاوزه حي…

ثم رحل ليبقى سيف و عز الدين..نظر سيف إلى الأخير ثم قال

-هو أنت ليه مفكرتش تختطف حد من أهله!..مثلًا أخوه أو أي حد تجبره يرجع!
-كور عز الدين قبضته وتشدق بـ قتامة:مش عاوزه يجيلي مجبور..أنا عاوز أستمتع بـ نصري وأنا بجيبه من قفاه وأفرمه تحت رجلي…

****************************************

إستيقظت من إغفاءتها الصغيرة على صوت هاتف يصدح من تلك الحقيبة..أزاحت رأسه عنها بـ بطئ..ثم توجهت سريعًا لتلتقط الهاتف على عجالة حتى لا يستيقظ..وأجابت بـ خفوت

-أيوة!!
-أتاها صوت عدي المُتعجب:مين معايا!

إبتعدت عدة خطوات حتى تتحدث بـ الهاتف..وقفت على مسافة صغيرة وتساءلت

-أنت عدي!

أغمضت عدي عيناه بـ ضيق فـ لم تكن سوى تلك المدللة في نظره..ثم قال بـ توبيخ

-فين يونس!..وأنتي بتردي عليا بصفتك إيه؟
-نفخت بـ حنق وقالت بـ عصبية:يونس نايم تعبان ومرتضش أصحيه..ثانيًا أرد بصفتي إيه!..أرد بصفة إن أخوك بيثق فيا…

صمتت تستعيد أنفاسها فـ قد تحدثت بـ عجالة ودون توقف..ثم أكملت بـ فظاظة

-عاوز تقول أنت عاوز إيه أهلًا و سهلًا..مش عاوز وريني جمال قفلتك..
-هدر بـ حدة:أتلمي يا شبر ونص أنتي..وأحترمي نفسك
-صرخت هى الأخرى:أنا شبر ونص يا ظابط على متفرج!!

تأفف عدة مرات بـ صوتٍ عال مُشبع بـ الغضب..أغمض عدي عيناه وأخذ يستدعي الهدوء..ثم تشدق بـ صلابة

-بلغي يونس إنه مفيش وقت..لازم تتحركوا على موقع هبعتهوله كمان شوية..سمعاني!
-تساءلت بـ خوف:ليه؟!
-تجاهل نبرتها الخائفة وقال:عشان عز جايلكم حالًا..ومش ناوي خير

رُغمًا عنها إرتعشت يداها هلعًا..وقد تيبست قدميها بـ مكانها فلم تقدر على الحركة..تشدق عدي بـ جدية دون أن ينتبه إلى سكونها وصوت تنفسها الذي إرتفع

-دلوقتي تتحركوا وتخليكوا بعيد عن العين..

لم ترد عليه..لتسمع صوته يُكمل بـ جفاء

-إبعدي عنه..أنتي هتتسببي فـ موته..إرجعي لخطيبك وسيبه فـ حاله عشان لو حصله حاجة مش هتفكيني فيكي روحك…

وأغلق الهاتف في وجهها دون أن ينتظر حديثها..وكأنه لم يقتلع روحها من جسدها بـ كلماته..تهدلت يدها عن أُذنها ليسقط الهاتف من يدها..تبعته وهى تسقط على رُكبيتها تبكي بـ قهر وخوف..ماذا إن وجدها عز!..وماذا إن أخبرته أنها تعلم عنه ما إقترفته يداه من آثام؟..بالطبع سيكون مصيرها مثل يونس المسكين..ولكنها ستُعاقب بـ #فـ شخص مثل عز لا يعرف الرحمة…

ظلت تبكي لمدة لا تعلم طولها..ولكنها حسمت أمرها أنها ستبتعد عنه..هو لا يستحق أن يمو,ت فداءً لها..نهضت تمسح عبراتها عن وجنتيها ثم إتجهت إليه..كان لا يزال غافيًا أو هكذا خُيل إليها..وضعت الهاتف بـ الحقيبة وأعادتها مكانها بـ جواره..إنحنت بـ جذعها العلوي لتتأمل ملامحه عن كثب..تعلم أنها ستشتاق إليه..ذاك الحاجز الأمني الذي يذرع بـ داخلها الأمن في كل أوقاتها سيكون كـ الشوكة التي تنغرز في صدرها فـ يُصيب قلبها بـ نزيف..سقطت عبرة من عينيها لتتخذ سبيلها على صدره..ثم هتفت هى بـ صوتٍ مبحوح

-لازم أبعد عشان سلامتك..عز مش هسيبك عايش..أنت متستاهلش كدا…

ضحكت من وسط بُكاءها الحار وأكملت بـ همس

-أنا بلاءك الأسود زي ما بتقول..بس مش عاوزة سوادي دا يتسبب فـ دمك..أنت غالي على قلبي أوي يا يونس…

ملست على وجنته بـ رقة غافلة عن ضر,بات من تُحدثه التي أخذت تتراكض في قفصه الصدري..تشنج جسده أسفلها وتصلبه..لتُكمل حديثها

-أكتشفت أني ولا حاجة من غيرك..حسيت ناحيتك بـ الأمان من أول مرة شوفتك..أنت أمان لأي حد..الأصل اللي ملوش صورة..أنا مش عارفة أفسر مشاعري اللي قلبتها فـ كام يوم ناحيتك بـ إيه..بس كل اللي أقدر أقوله أنها أكبر بكتير من اللي حسيته لعز…

أنهت حديثها ثم إعتدلت بـ جذعها وركضت سريعة…

فتح هو جفنيه بغتةً..ثم نهض واقفًا..لا يكاد يستوعب نصف ما قالته تلك الصغيرة..وضع يده على رأسه يشد على خُصلاته بـ عنف حتى كاد يقتلعه..تأتي وتقول بما يقلي رأسه على عقب ثم تهرب…

وعن تلك النقطة توقفت حواسه..أهربت وتركته حقًا!..شعر بـ أن روحه قد أُنتزعت عنوة عنه وهو يُجاهد في الإحتفاظ بها..وضع الحقيبة على ظهره..ثم ركض خلفها في إتجاه ما إتخفى صوت شهقاتها فيه…

ظل يركض وحدقتيه تبحث عنها كـ المجنون..حتى وجدها تتكوم على نفسها أسفل شجرة تبكي بـ نشيج..قذف الحقيبة بـ عنف وإتجه إليها وقد بدى على وجهه إمارات الغضب..تفاجأت به وقبل أن تُبدي أي رد فعل..وجدته يقبض على ذراعيها بـ قوة آلمتها ومن ثم سمعت صوته الجهوري يهدر

-عاوزة تسبيني يا بتول وتمشي!..عاوزة تسبيني لوحدي بعد ما لاقيتك!..

كان يسألها وهو يهزها بين يده بـ عنف حتى تناثرت خُصلاتها وتحول وجهها إلى كُتلة من الإحمرار..ولم تكد تتحدث حتى وجدته يُكمل حديثه بـ نبرة شرسة

-متفكريش ولو للحظة بينك وبين نفسك أنك تسيبني..فاهمة؟!..مش هتسبيني يا بتول

وضعت يديها على ذراعيه توقفه عما يفعل..ومن ثم هتفت بـ ضعف

-خايفة عليك..خايفة #..وساعتها مش عارفة أنا هعمل إيه

أغمض عيناه بـ غضب ومن ثم جذبها إلى صدره يطوقها في عناق حنون عكس موجة الغضب والضياع التي هاجمته مُنذ قليل..ليهتف وهو يضع رأسه في خُصلاتها

-بعادك عني هو اللي #…
-إلتفت يديها حوله وهى تقول بـ نشيج:أنا مش عيزاه يأذيك

أبعدها عنه وأخذ يزيل عبراتها التي تسيل على وجنتيها كـ سيل..ثم قال بـ نبرته العذبة

-خليكي جمبي ومتفكريش فـ حاجة تانية..ممكن!!

أماءت بـ رأسها وهى تبتسم..حدق هو بـ بنيتاه في غاباتها والتي بدت أكثر صفاءًا عما قبل بـ الرغم من تجمع تلك الشعيرات الدموية..كانت عيناه تتحدث حديث أبلغ من أي لغة..وهى فهمته على الفور فـ ذلك القلب اللعين قد تناسى حب أو ربما ما يُقال بـ أنه حب..وخفق من جديد لأجل ذلك اليونس الذي إقتحمها على الفور دون سابق إنذار…

وفي ثوان لا يعلم ما حدث كانت الرصاصات تنطلق من حولهم وكأنها أبواب جهنم…

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *