عن العشق والهوى 4

~ الفصل العاشر ~

﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾

قال ادهم لمريم : لو عايزه ابنك يفضل في حضنك يبقى لازم تتجوزيني من تاني.

فأتسعت عيناها المحمرتين وقالت : ايه !

رد عليها قائلاً : اللي سمعتيه يا مريم ؛ لو عايزه ابننا يفضل معاكي يبقى لازم تتجوزيني مرة تانية وترجعي معايا مصر…وانا بقصد اننا نتجوز بجد المرة دي يعني الناس كلها هتعرف انك مراتي وهنعيش كلنا في بيت واحد وهتعملي كل اللي بقولك عليه يا اما تنسي ادهم الصغير لاني مش هسمحلك تشوفيه مرة تانية .

فنزعت مريم يديها من قبضته وقالت بنبرة صوت غاضبة : نجوم السما اقرب لك من انك تبعدني عن ابني وبحب اقولك ان البنت الضعيفة اللي عرفتها زمان ماتت وجت بدالها وحده تانية ومش هتقدر تخوفني المرة دي ابداً يا ادهم بيه لاني انا وابني معانا الجنسية الأمريكية ومتقدرش تجبرنا اننا نرجع مصر معاك ابداً .

فابتسم ادهم بثقة كبيرة وقال : صدقيني يا مريم انا لو عايز كنت سحبتك من ذراعك دلوقتي ورجعتك مصر بالعافية ومش ح يهمني لا حكومة ولا اي حد تاني ، وخليكي فاكرة اني مستحيل اسيب ابني يتربى في بلد اجنبية وينسى اصله.

مريم : مش هينسى اصله… انا هعرف اربيه لوحدي ومش محتاحينك معانا.

فتغيرت ملامح وجه ادهم من الابتسامة الى الانزعاج…. وبحركة واحدة امسك فك مريم بيده القوية وقال بعصبية : جايز انتي مش محتجاني وانما ابني اه… لان مفيش طفل في الدنيا دي مش هيحتاج بباه يفضل جنبه وخصوصاً لما يبقى متعور كدا زي ابني اللي مقدرتيش تخلي بالك منه !

ارتعدت مريم من هذا الرجل الذي كان يمسك بفكها لدرجة انها شعرت بعظامها تسحق تحت قبضته القوية فنزلت دمعتها وقالت بتلعثم : ط.. طيب انا مطلوب مني ايه دلوقتي ، انت.. انت متقدرش تبعدني عن ابني لاني هم*وت لو عملت كدا.

فعادت ابتسامة الانتصار تعلو وجه ادهم وترك فكها ثم مسح دموعها بلطف وقال بصوت حنون اشبه للهمس : المطلوب منك انك تجهزي نفسك علشان نتجوز من تاني وبعدها نرجع مصر وهتبقي مراتي المره دي بجد…يعني هعرفك على عيلتي وهتبقى جزء منها وهيبقى ليكي مكانتك الخاصة .

في تلك اللحظة كادت مريم ان تضعف امام حنيته وكانت على وشك رمي كل شيء خلف ظهرها وتعانقه وتبكي في حضنه ولكنها فكرت انها لو فعلت ذلك فسوف تعترف بالهزيمة امامه بعد ان عزمت على عدم الاستسلام والخضوع له مجدداً ، لذا تماسكت وابعدت يده عن وجهها ثم مسحت اثار دموعها التي نزلت عندما امسك بفكها وضغط عليه بقوة وقالت : موافقة بس عندي شرط .

فابتسم ادهم وكتف ذراعيه قائلاً : اللي هو…

مريم : هفضل اشتغل .

ادهم : وانا مش همنعك .

فنظرت اليه مطولاً وهي ترفع حاجبها ثم اردفت : يبقى اتفقنا .

فتقدم ادهم منها بخطوة واحده حتى اصبح قريب جداً مما جعلها ترتبك ثم احنى رأسه بالقرب من اذنها وهمس لها قائلاً : قريب جداً…هتنوري بيتك الجديد يا…. مريم .

قال ذلك وسرعان ما ابتعد عنها وهو يبتسم وعاد ليجلس بجابن ابنه كما لو انه لم يفعل شيئاً ؛ اما هي فشعرت بأنه كان يقصد شيئاً اخر بكلامه ولكنها لم تعرف قصده فابتلعت ريقها وغمغمت : انا هطلع اشم شوية هوا.

قالت ذلك وارادت ان تخرج فأوقفها ادهم بقوله : استني.

التفتت اليه وسألته : عايز ايه كمان ؟

فنهض دون ان يعلق بشيء ثم خلع سترته واقترب منها والبسها اياها قائلاً : الجو في نسمة ساقعه … لو خرجتي وانتي لابسه هدومك الخفيفة هتاخدي برد علشان كدا البسي دي .

اما هي فكادت تذوب كالزبده عندما عبقت رائحة عطره الرجولية في انفها وهو يلبسها سترته وكادت ان تفقد وعيها من شدة التوتر ولكنها استطاعت كبح نفسها واحنت رأسها قائلة بصوت خافت : متشكره.

ثم ابتعدت عنه بسرعة وخرجت من الغرفة… وما ان خرجت حتى وضعت يدها في على صدرها وشعرت بقلبها يخفق بشدة كما لو ان احدهم حقنها بحقنة أدرينالين ، فاخذت تتنفس بصعوبة وصدرها يعلو ويهبط بسرعة… رفعت يديها ولمست وجنتيها اللتان كانتا تحترقان وقالت في نفسها : مالك يا مريم ؛ مينفعش تسيبي مشاعرك تسيطر عليكي والا هيكتشف انك بتحبيه ساعتها هيقدر يهزمك وهيبقى شكلك وحش قدامه.

اما في الغرفة…..

فكان ادهم جالساً بجانب ابنه الصغير على السرير وبينما كان يمسح على شعره بحنان كان يبتسم بلطف وهو يفكر بمريم وانها ستعود اليه مرة أخرى فقال محدثاً ابنه النائم : عارف ان مامتك عذبتني اوي…هي وصلتني لمرحلة اني كنت هتجنن من غيرها بس دلوقتي خلاص… هي رجعتلي مرة تانية و مستحيل اسيبها ابداً وهنعيش كلنا مع بعض وانت هتبقى الشمس اللي بتنور حياتنا يا حبيبي.

قال ذلك ثم قبل يد ابنه واخذ يتأمله وهو نائم بعمق فتحرك الصغير وحرك فمه بشكل لطيف مما جعل ابتسامة ادهم تتسع اكثر .

في فجر اليوم التالي….

كانت مريم نائمة على الاريكة في غرفة ابنها في المستشفى وكانت تغطي نفسها بسترة ادهم الذي كان نائماً على الكرسي بجانب سرير ابنه …اما الصغير فاستيقظ اخيراً وبدأ يبكي لان جرح العملية قد سبب له الالم فاستيقظ والداه على صوت بكائه وهرعت مريم نحوه واخذته في حظنها قائلة : ششش… متخفش يا حبيبي… ماما هنا .

ولكن ادهم الصغير لم يتوقف عن البكاء فجلس والده بجانبه على السرير ولكنه لم يعرف كيف يتصرف فأدركت مريم ذلك لذا قالت لابنها : بص مين هنا يا ادهم… لو هتفضل تعيط كدا بابا هيزعل منك اوي وهيرجع يسافر ومش هيقعد معاك ابداً .

في تلك اللحظة توقف الطفل عن البكاء وكأن مريم القت عليه تعويذة سحرية فالتفت الى والده وسرعان ما ابتسم لتظهر اسنانه الصغيرة التي كان بعضها مفقوداً وقال بصوته المبحوح : بابا… انت رجعت من السفر !

قال ذلك واقترب منه ثم عانق ذراعه بقوة وهو يبتسم اما ادهم فأستغرب لان ابنه تعرف عليه فنظر إلى مريم التي تنهدت وقالت : متستغربش…انا كنت بكلمه عنك كل يوم وكمان هو شاف صورتك وحفظها كويس وعارف انك بباه.

فابتسم ادهم ابتسامة مشرقة ونزلت دمعته وسرعان ما احتوى ابنه بين ذراعيه وكاد ان يسحق عظامه الصغيرة وهو يعانقه بقوة قائلاً : ايوا يا حبيبي… انا رجعت من السفر ومش هسيبك بعد كدا ابداً.

ذرفت مريم الدموع بدورها وهي تنظر اليهما لذا اشاحت بنظرها بعيداً ومسحت وجنتيها ثم عادت لتراقب لم شمل الاب والابن وهي تبتسم ؛ اما ادهم الصغير فكان يصدر ضحكات رنانه وهو بين احضان ابيه وكأنه نسي كل الألم الذي كان يشعر به فابعده والده عنه ثم نظر إلى وجهه وهو يبتسم واخذ يقبل وجنتيه بعمق بينما كانت دموعه تنهمر ، فقال الصغير بلهجته المكسرة : انت هتفضل معانا انا وماما مش كدا يا بابا ؟

لم يستطيع ادهم ان يجيبه بل امسك بيده الصغيرة وقبلها ثم أومأ له برأسه دليلاً على نعم فأتسعت ابتسامة الطفل ورفع يده الصغيرة الناعمة ثم مسح دموع والده وقال : طب انت ليه بتعيط دلوقتي ؛ خالو خالد قال ان الرجالة ما ينفعش يعيطوا ابداً والا مش هيبقوا رجاله.

فضحك ادهم ومسح اثار دموعه وقال : انا مش بعيط…بس في حاجة دخلت في عيني .

اما مريم فعادت واحتضنت ابنها بقوة واخذت تبكي بصمت عندما رأته بخير فاقترب ادهم منها ثم مسح دمعتها بلطف وبعدها نهض قائلاً : هروح انادي الدكتور.

أومأت له برأسها ثم قبلت رأس ابنها الذي كان سعيداً بعودة والده فامسك يده وسأله : انت رايح فين يا بابا ؟

فابتسم ادهم ثم قرب يد ابنه من فمه وطبع عليها قبله قائلاً : مش هروح على اي مكان ..انا بس هطلع انادي الدكتور وبعد كدا هرجعلك على طول .

هز الصغير رأسه والابتسامة تعلو وجهه فقبله والده على جبينه بينما كان في حضن أمه وبعدها ذهب لكي ينادي الطبيب بالفعل ، وما ان خرج حتى سأل الطفل امه : هو بابا هيفضل معانا على طول يا ماما ؟

ابتسم مريم ابتسامة دافئة وهي تمسح على شعر ابنها بحنان وقالت : ايوا يا حبيبي .

قالت ذلك ثم شردت بفكرها وغمغمت : الظاهر ان بباك قرر يفضل معانا على طول المرة دي بجد ومش هيسيبك ابداً.

– وما هي الا دقيقة قد مرت حتى عاد ادهم برفقة احد الاطباء وممرضة جميلة فنظر الطبيب الاجنبي الى الصغير الذي تعلق بذراع امه عندما رأى الحقنة بيد الممرضه وقال بخوف : هما هيدوني حقنه يا ماما ، انا مش عايزها.

فابتسمت مريم وقالت : متخفش يا روحي.. هي مش هتوجعك ابداً .

لكنه دفن رأسه في حضنها واعترض قائلاً : لأ مش عايز…. ارجوكي بلاش الحقنة.

فنظرت مريم الى ادهم واشارت له لكي يتصرف فنظر إلى الطبيب وطلب منه ان ينتظر قليلاً ثم توجه نحو ابنه وجلس بجانبه على السرير وامسك بيده قائلاً : متخفش يا حبيبي… انا وماما هنفضل جنبك ومش هنخليك تحس بالوجع ابداً.

فنظر الطفل إلى والده وسأل وهو يلوي فمه بطريقة لطيفة : بجد مش هتوجعني ؟

ابتسم ادهم ووضع يده على خد ابنه قائلاً : ايوا…بص انا هعلمك طريقة مش هتخليك تحس بالوجع ابداً تمام ….انت هتمسك ايدي دلوقتي وايد ماما كمان وهتغمض عينيك وتعد للعشره وبكدا مش هتحس بالوجع ابداً.

فابتسم الصغير وقال : تمام.

فنظرت مريم الى ادهم الكبير بتعجب لانها كانت تعاني الأمرين عندما يتعلق الامر بأعطاء ابنها حقنة حيث كان يرفض ذلك بشدة كلما مرض ولكن بمجرد ان والده قد اخبره بخدعة سخيفة جعلته يتحلى بالشجاعة وقبل ان يخوض ذلك التحدي المرعب بالنسبة لطفل في مثل سنه… فقالت : هايل..اديك طلعت أب شاطر وبتعرف تتعامل مع العيال كويس…جايز عندك ولاد غير ادهم علشان كدا تعرف ازاي تتعامل معاهم.

فنظر ادهم اليها وقد لمس شيء من السخرية في كلامها ولكنه لم ينزعج ابداً بل ابتسم بخبث وقال بهدوء : مع الاسف انا متجوزتش في حياتي كلها غير مره وحده وكمان ملمستش غير ست وحده واللي هي انتي…يبقى اكيد معنديش ولاد غير ادهم علشان كدا اطمني .

في تلك اللحظة تمنت مريم لو ان الارض تنشق وتبتلعها ، فهو قد وجه لها ض*ربة مباشرة جعلت الدم يحرق وجنتيها من شدة الخجل فاخذت ترمش كثيراً واشاحت بنظرها عنه بسرعة الامر الذي جعله يدرك انها شعرت بالخجل لذا ابتسم ابتسامة صفراء ونظر إلى الطبيب والممرضة ثم تحدث معهما باللغة الإنجليزية لكي يباشرا عملهما في فحص ابنه ؛ فاقترب الطبيب وهو يبتسم ثم تحدث بالانجليزية قائلاً : يا لكم من عائلة لطيفة.

وابتسمت الممرضة وقالت : ان الطفل يشبه اباه كثيراً …اقصد انه ورث نفس الوسامة كما ان لون العينين نفسه.

قالت ذلك واخذت تنظر إلى ادهم بنظرات اعجاب واضحة الامر الذي ازعج مريم كثيراً ولكنها حاولت ان تخفي انزعاجها بينما ابتسم ادهم قائلاً : هل الشبه بيننا واضح لهذه الدرجة ؟

قال ذلك ونظر الى مريم وكأنه كان يحاول ان يجاكرها لان ابنهما يشببه هو وليس هي فأبتسمت الممرضة وقالت بغنج : طبعاً… انكما متشابهين للغاية وانا متأكد من ان الصغير سيصبح رجلاً وسيماً ومفتول العضلات عندما يكبر مثلك تماماً.

أتسعت ابتسامة النصر على وجه ادهم الذي قال : انا اعتقد انه يشبه امه اكثر.

فقالت الممرضة : لا ابداً… قد تكون بشرته نفس لون بشرة امه ولكنه يشبهك انت .

قالت جملتها الاخيرة بنبرة صوت مغرية جعلت مريم تنزعج اكثر لذا نظفت حلقها وقالت بنبرة جافة : من فضلكِ باشري بعملكِ ؛ ان ابني يتألم ولا وقت لمثل هذا الكلام الان.

فقال الطبيب : حسناً… لا تقلقي يا سيدتي ، سوف نعطيه حقنة لتخفيف الألم .

اما ادهم فكتم ضحكته وهو يدرك ان موضوع الشبه بينه وبين ابنه قد ازعج مريم التي رمقته بنظرة ذات مغزى وكأنها تعنفه لان الممرضة كانت تغازله ، فرفع حاجبه وتنحنح ثم اقترب من ابنه وجلس بجانبه وابتسم قائلاً : متخفش.

– وبالفعل تمكن الطبيب من اعطاء ادهم الصغير حقنة مسكنة للآلام فابتسمت مريم وقبلت جبين ابنها قائلة : شاطر يا بطل… انا مبسوطة منك اوي لانك معيطش النهاردة.

فابتسم الطفل وقال : انا مخفتش ابداً لانك انتي وبابا كنتوا جنبي.

ابتسم ادهم بدوره ثم عبث بشعر ابنه وقال : قولتلك ان الحقنة مش هتوجعك ابداً ومن هنا ورايح مش هسيبك تاخد اي حقنه من غير مكنش جنبك .

ادهم الصغير : دا وعد ؟

ادهم : وعد يا حبيبي .

قال ذلك ثم نظر إلى الطبيب وسأله : اخبرني ايها الطبيب… كيف حال ابني ؟

فابتسم الطبيب وقال : حمداً لله ان الاصابة كانت بعيدة عن عضلات فخذه والا لكانت ستسبب له اعاقة في قدمه .

فقالت مريم : اذاً هو بخير الان اليس كذلك ؟

الطبيب : لا نستطيع الجزم في هذا الامر حتى يشفى الطفل لذا يجب ان يبقى في المشفى لعدة ايام لكي نراقبه جيداً.

ادهم : وكم من الوقت سيتطلب علاجه ؟

الطبيب : يمكنكم اخراجه بعد ثلاثة ايام فحالته مستقرة ، ولكنه بحاجة للعلاج الفيزيائي حتى يتمكن من السير بشكلٍ أفضل لذا سأحدد لكم موعداً مع الاخصائي.

ادهم : نحن سنعود الى موطننا في اقرب فرصة وسنجعله يتلقى العلاج الفيزيائي هناك لذا لا داعي بان تحديد موعد .

فنظرت مريم الى ادهم وقالت : مينفعش نفضل هنا لغاية ما ادهم يخف ، على الاقل نسيبه يستريح شوية وبعد كده نسفره.

فنظر إليها وقال بنبرة حاسمة : لأ احنا هنقعد هنا اسبوع واحد بس علشان اجهز لكوا اوراق السفر وبعدها هننزل مصر.

مريم : بس احنا ممكن….

قاطعها ادهم بقوله : مش عايز اسمع اي مناقشه في الموضوع دا.. احنا هنقعد هنا اسبوع واحد وبعدها هنرجع مصر ودا قرار نهائي.

تأفأفت مريم بضيق ولم تعلق بشيء لانها كانت تدرك بأن لا طائل من المجادلة مع حبيبها العنيد والذي ان عزم على امر سينفذه بكل تأكيد… لذا فضلت الجلوس بصمت بجانب صغيرها واخذت تنظف له انفه بمنديل ورقي بينما رفع ادهم رأسه بكل شموخ وغرور لانه تمكن من فرض سيطرته عليها وجعلها تمتثل لأوامره كما في الماضي ، اما الممرضة الاجنبية فكانت وقحة جداً وسمحت لنفسها بأن تتعمق في مغازلته حيث قالت : يبدو ان شخصيتك قوية جداً يا سيدي… لقد لاحظت انك المسيطر في هذه العلاقة اكثر من السيدة .

فضحك ادهم ونظر إلى مريم التي كانت على وشك الانفجار من شدة الغضب وقال : لطالما كنت انا المسيطر في كل شيء… حتى في قرار زواجنا ومن الان فصاعداً لن اتخلى عن عائلتي ابداً .

فاحنت مريم رأسها وادعت عدم الاهتمام به اما الممرضة فشعرت بأنه وضع لها حداً بكلامه فابتسمت بخيبة أمل ثم قالت : ارجو لكم التوفيق.

قالت ذلك وبعدها خرجت من الغرفة وبقيت العائلة الصغيرة لوحدها ، فكانت مريم تمسح على شعر ابنها الذي غفى بسرعة بعد ان اخذ الحقنة وكانت تبدو منزعجة بينما وقف ادهم يراقبها وهو يلوي شاربيه بطريقة مغرية فابتسم بخبث وسألها : هو انتي غرتي ولا ايه ؟

رفعت رأسها ببطء ونظرت اليه بطرف عينها ولكنها لم تقل اي شيء لمدة خمس ثواني وبعدها تنهدت وقالت : وهغير من ايه ؛ اساساً مفيش حد يستاهل اني اغير عليه.

رفع ادهم حاجبه واراد ان يقول شيئاً ولكن صوت قرع الباب اسكته فالتفت وقال : تفضل .

فَفُتح الباب ودخل كل من خالد وكمال ومعهما الهام التي ركضت نحو مريم بسرعة وعانقتها قائلة : ازيك يا حبيبتي ؟

فابتسمت مريم وقالت : الحمد لله.

اما ادهم فتغيرت ملامح وجهه إلى الانزعاج عندما رأى خالد الذي سأل : ايه الاخبار يا مريم ؟

مريم : كلها تمام والحمد لله…من شوية الدكتور كان هنا وقال ان حالة ادهم الصغير مستقرة وقال اننا نقدر نخرجه من المستشفى بعد تلات أيام.

ابتسم خالد وغمغم : طب الحمد الله.

اما كمال فقال : حمد لله على سلامته يا مريم.

مريم : الله يسلمك يا استاذ كمال.

فنظر ادهم الى كمال وقال : كمال… انا عايز اكلمك برا .

أومأ كمال برأسه واردف : اوك .

ثم خرجا من الغرفة وسأله : ايه اللي بيحصل يا ادهم ؛ امبارح مقدرتش اسألك لان الوضع مكنش بيسمح بس مقدرتش انام طول الليل وانا بفكر في الحكاية دي…هو انت اتجوزت مريم بجد !

فتنهد ادهم وقال : ايوا… وابنها يبقى ابني.

كمال : طيب ليه محدش يعرف حاجة عن الموضوع دا ، وبعدين انت ازاي وافقت ان ابنك يبعد عنك كل المدة دي ؟

فتنفس ادهم بعمق واردف : الحكاية معقدة يا كمال… انا مكنتش اعرف ان عندي ابن لحد امبارح .

كمال : يعني ايه .. هي خبت عليك حملها ولا ايه وازاي قدرت تخبي الحمل وهي مراتك ؟

ادهم : انا طلقتها من اربع سنين.

فعقد كمال حاحبيه وقال : استنى… استنى …انت عايز تفهمني انك اتجوزت مريم وبعد كدا طلقتها وهي خبت عليك حكاية حملها لغاية ما اكتشفت دا امبارح !

فتنهد ادهم ولم يقل اي شيء بل اكتفى بهز رأسه دليلاً على نعم اما كمال فسأله : بس ليه عملت كدا ؟؟

ادهم : دي حكاية طويلة وانا هحكيلك على كل حاجة لما نبقى وحدنا بس دلوقتي عايزك تجهز كل الاوراق الازمه علشان مريم وادهم يرجعوا مصر معايا.

كمال : هما هيرجعوا !

ادهم : امال عايزني اسيب ابني يفضل في البلد الاجنبية وميعرفش هو مين ؟

كمال : طيب ومريم… رأيها ايه في الموضوع دا ؟

ادهم : هتجوزها.

فسأله كمال بانفعال : هتتجوزها مرة تانية بجد ؟

ادهم : اساساً انا مكنتش ناوي اطلقها ابداً بس الظروف اجبرتني اني اعمل كدا.

نظر كمال اليه مطولاً ثم قال : بتحبها يا ادهم ؟

فنظر ادهم اليه ثم اشاح بنظره وقال بصوت حزين : اكتر من روحي يا كمال…عمري ما حبيت حد زيها ومش هتقدر تتخيلش انا تعذبت قد ايه وهي بعيدة عني وخصوصاً بعد ما طلقتها…حسيت ان روحي طلعت مني لما سبتها .

كمال : طيب وهي بتحبك كمان ولا ايه ؟

ادهم : على الاغلب لأ…انا اذيتها اوي وجرحت مشاعرها كتير ومظنش انها بتحبني… اساساً هي وافقت تتجوزني من زمان لان الظروف اجبرتها تعمل كدا زي ما حصل المرة دي كمان… يعني لو مكنتش هددتها اني هبعدها عن ابنها ماكنتش وافقت ابداً…بس هفضل وراها لغاية ما تحبني زي ما بحبها والايام هتثبت كلامي.

كمال : طيب وهتعمل ايه مع العيلة ؛ دي هتبقى صدمة كبيرة بالنسبة لهم.

ادهم : مش صدمة وانما مفاجأة…بص …بما ان موضوع الشغل اللي جينا هنا علشانه مكتملش يبقى انا عايزك ترجع مصر وتقول للكل ايه اللي حصل واكيد ماما هتفرح اوي لما تعرف ان عندها حفيد.

كمال : طيب…انا هعمل كل اللي انت عايزه بس عايزك توعدني الاول انك مش هتخبي عني اي حاجة بعد كدا ماشي.

فابتسم ادهم ثم ربت على كتف كمال بخفة وقال : خلاص…مش هخبي عليك اي حاجة بعد كدا ابداً بس الاول عايزك تبعتلي شنطة هدومي لاني زهقت وانا لابس نفس الهدوم من امبارح.

كمال : حاضر ، هكلم محمود وهو هيبعتها.

ادهم : تمام… يلا خلينا نرجع لاني بصراحة مش مستريح لصاحبك اللي اسمه خالد نجم دا ابداً .

قال ذلك ثم عاد الى غرفة ابنه قبل كمال الذي تنهد بقلة حيلة ولحق به… وعندما دخلا وجدا مريم جالسة بجانب ابنها بينما كانت الهام جالسة في الطرف الآخر من السرير اما خالد فكان مستنداً بجسده على الحائط بالقرب من الهام ؛ رمقه بنظرة مرعبة ولكنه لم يقل اي شيء بل توجه نحو مريم ووقف بجانبها قائلاً : كنتوا بتتكلموا عن ايه ؟

فارادت مريم ان تتحدث ولكن خالد سبقها بقوله : هي حكتلنا انك اجبرتها علشان تتجوزك من تاني.

رفع ادهم حاجبه ونظر اليه ببطء ثم قال بهدوء مميت : اظن اني سألت مراتي مش حضرتك… يبقى متدخلش.

فنهضت مريم وقالت : لسه بدري على الكلام دا ، احنا لسه مكتبناش الكتاب يعني انا مش مراتك دلوقتي .

فابتسم ادهم بخبث واردف : اولاً واخيراً هتبقي مراتي يعني المسألة مسألة وقت مش اكتر…يعني من دلوقتي انتي بتاعتي وممنوع حد يبصلك انتي سامعه ؟ .

قال ذلك ثم نظر إلى خالد وكأنه يوجه له تحذير بعدم الاقتراب منها اما هي فقالت بانزعاج : ايه انتي بتاعتي دي ؛ هو انت فاكرني قطعة أرض عندك وخايف حد يسرقها منك ولا ايه !

نظر اليها بنظرة اسكتتها وقال : على فكرة انا ما بحبش اكرر كلامي اكتر من مرة وانتي عارفه عشان كدا لازم تتعودي انك تسمعي الكلام على طول .

فعقدت مريم حاجبيها وكتفت ذراعيها ولم تعلق بينما تدخل خالد بقوله : مش ملاحظ انك زودتها شوية ؛ يعني مفيش راجل محترم بيتكلم مع ست رقيقة بالطريقة دي.

فابتسم ادهم بثقة وقال : عايز تعلمني ازاي بتكلم مع مراتي يا… استاذ خالد ؟

خالد : مش عايز اعلمك اي حاجة بس يكون في علمك ان مريم تبقى اختي الصغيرة ومش هسمح لاي حد يدوس لها على طرف .

فابتسم كمال واخذ يراقب الوضع بصمت بينما كانت الهام تراقب نظرات خالد التي تحولت من نظرات هادئة الى نظرات جادة اما ادهم فرفع يده ببطء ولوى شاربيه ونظر إليه بصمت جعل مفاصله ترتعش من تلك النظرة ولكنه تمالك نفسه ولم يظهر ارتباكه بل قال : الهام… احنا لازم نمشي دلوقتي..اظن ان مريم كويسه ومش محتجانا حاليًا.

الهام : تمام.

اما مريم فقالت : معليش يا لولو هتعبك معايا بس تقدري تجهزيلي شوية هدوم ليا ولادهم الصغير لما ترجعي البيت ؟

فامسكت الهام بيدها واردفت : ولا يهمك… انا هبعتلك الشنطة وهتلاقي فيها كل حاجة وانتي ابقي طمنيني عنكوا.

أومأت مريم برأسها ثم نظرت إلى خالد وقالت : خالد… انا عايزه اكلمك لوحدنا.

فقال : اوك.

ولكن ادهم قال : اتكلموا هنا.

فنظر الجميع اليه اما مريم فتنهدت واردفت : عايزه اكلموا عن الشغل.

ادهم : كويس… تقدروا تتلكموا هنا …اظن ان مفيش حد غريب.

فتدخل كمال بقوله : خلاص يا ادهم… سيبهم يتكلموا لوحدهم.

ولكن ادهم قال بنبرة حادة : انا قولت هنا ، غير كدا مفيش كلام.

فتنهد خالد قائلاً : خلاص يا مريم ؛ بما ان حضرته مش عايزك تكلميني لوحدنا يبقى قولي اللي عندك هنا .

نظرت مريم الى ادهم بانزعاج وقالت بتحدي : وانا غيرت رأي وهبقى اتصلك وقولك اللي كنت عايزه اقوله في التليفون .

ادهم : بقى كدا.

في تلك اللحظة تدخلت الهام وحاولت ان تلطف الجو فضحكت بسذاجة وقالت : يا خبر…انتوا نسيتوا ان ادهم الصغير نايم هنا يا جماعة ولا ايه ؛ يالا بينا يا خالد قبل ما نعلق في الزحمة ساعتها مش هنقدر نروح الشغل .

قالت ذلك ثم سحبت خالد من يده وخرجا من الغرفة فقال كمال : وانا كمان همشي ومتقلقش يا ادهم ؛ انا هزبط كل حاجة ومحمود هيجيبلك شنطتك علشان تبقى هنا مع…حبايب القلب.

فقال ادهم بصوت يملؤه الوقار : كمال…امشي قبل ما… تعلق بالزحمة انت كمان.

فابتسم كمال وقال : تمام عن اذنكوا .

قال ذلك ثم لحق بخالد والهام اما مريم فنظرت إلى ادهم بطرف عينها ولم تقل اي شيء بل اخذت تغطي ابنها جيداً بينما قال هو : هروح اشتريلك حاجة علشان تفطري.

فقالت بدون ان تنظر اليه : متشكره بس مش عايزه منك حاجة.

ادهم : مش بمزاجك يا مريم… وهتفطري يعني هتفطري.

قال ذلك وخرج من الغرفة اما هي فقالت بصوت عالٍ حتى يسمعها : هنشوف.

ثم ابتسمت تلقائياً وتنفست بعمق وكأنها كانت تستمتع بتحكم ادهم بها فقالت مخاطبة ابنها النائم : شفت يا حبيبي… بباك عامل سي السيد عليا ومش عايزني اقرب من اي راجل… دا حتى مكنش عايزني اكلم خالك خالد لوحدنا !

وسرعان ما تغيرت ملامح وجهها وقالت : بس يا ترى دي غيرة بجد ولا هو عايز يمتلكني زي ماكون حاجة من ممتلكاته فعلا ًوعايز يعدمني شخصيتي بسبب الجوازه دي ؟؟

تسارع في الاحداث……….

مرت ثلاث ايام وخرج ادهم الصغير من المستشفى برفقة امه وابوه الذي لم يتركهما ولو للحظة واحدة , فتوجهوا نحو ردهة المستشفى وكان ادهم يحمل ابنه بيد واحده وكان الطفل مستمتع كثيراً لان والده بدى له قوياً كما لو انه احد الابطال الخارقين وخصوصاً لانه كان يحمله هو والحقائب معاً بينما كانت مريم تسير خلفه وقلبها يخفق بشدة خوفاً من الاتي.

وعندما خرجوا من المستشفى قالت : تمام لحد كدا… انا وادهم هنركب في تكسي ونرجع البيت وانت تقدر ترجع الفندق علشان تستريح .

فقال ادهم : انا هقعد معاكوا.

فصرخت مريم بدون وعي : ايه ، تقعد معانا فين ؟!

رفع ادهم حاجبه وقال : في الشقة طبعاً… ولا انتي كنتي فاكرة اني هسيبك تقعدي انتي وابني في شقة الراجل اللي اسمه خالد نجم لوحدكوا.. لا يا ماما دا انتي هتبقي تحلمي لو افتكرتي كدا.

مريم : وانت عرفت منين ان الشقة اللي قاعدين فيها تبقى لخالد ؟

ابتسم ادهم باستهزاء واردف : عيب…دا انا ادهم عزام السيوفي ومفيش حاجة تخفى عليا ، يعني مفيش تقعدي لوحدك في شقة الراجل دا.

فقالت مريم : بس احنا مش لوحدنا والهام عايشه معانا في الشقة… وبعدين احنا لسه ماتجوزناش يعني ازاي هتقعد مع اتنين ستات في شقة وحده بالساهل كدا !

ادهم : متقلقيش.. انا حسبت حساب الموضوع دا .

فقطبت مريم حاجبيها وسألته بقلق : قصدك ايه ؟

رد عليها : يعني احنا هنروح السفارة المصرية دلوقتي وهنتجوز رسمي وبعدها هتبقى قعدتي معاكي في مكان واحد شرعية اما بالنسبة لألهام فانا سمعت ان بيت عمها عايشين هنا علشان كدا طلبت منها انها تبقى عندهم لغاية ما الاسبوع يخلص ونرجع مصر ، يعني مفيش اي مشكلة الا لو غيرتي رأيك ومش عايزه تتجوزيني فانا مش هجبرك بس هاخد ابني وارجع مصر واسيبك تعيشي هنا براحتك خالص.

مريم : الكلام دا على جثتي ؛ انتوا مش هتروحوا على اي مكان من غيري .

فنظر ادهم اليها وقال ببروده المميت : يبقى قرري بسرعة لان الجو حر اوي النهاردة ومينفعش نفضل واقفين في الشارع كدا والا الشمس هتحرقنا .

قال ذلك واخذ يداعب ابنه وهو يبتسم بينما كان الطفل سعيداً للغاية اما هي فكادت ان تفقد وعيها بسبب بروده الذي كاد ان يشلها فتنهدت وقالت : طيب خلاص… احنا هنروح السفارة علشان نتجوز.

فابتسم ادهم بخبث وقال : انا كنت متأكد انك هتقبلي…علشان كدا جهزت كل حاجة والشهود كمان جاهزين وعماله يستنوا في السفارة.

فنظرت اليه وقالت : بقى كدا… انت كنت مخطط لكل حاجة وانا اخر من يعلم !

ادهم : انتي مسمعتيش المثل اللي بيقول ” لا تؤجل عمل اليوم الى الغد ” يعني ما دام احنا متفقين اننا نتجوز وابننا يكبر في وسطنا يبقى ليه التأخير اللي ملوش لازمة ؟

مريم : طيب مين الشهود ؟

ادهم : كمال ومحمود.

مريم : مش على اساس انهم رجعوا مصر !

ادهم : هما هيرجعوا النهاردة بعد ما يشهدوا على الجواز.

فتنهدت مريم ثم اخذت ابنها من بين يديه وقالت : طيب ايه رأيك اننا مانستعجلش كدا… يعني خلينيا نستنى لما ننزل مصر وبعدها نكتب الكتاب.

ادهم : لأ… احنا هنتجوز النهاردة وبكدا مش هيبقى عندك اي عذر لما اقعد معاكي في الشقة لغاية ما الاسبوع يخلص.

قال ذلك ثم اوقف سيارة أجرة اما هي فقالت في نفسها : وبعدين مع الورطة دي ؛ هو مستعجل على ايه ؟

فنظر اليها وسألها : مش هتركبي ؟

فقالت : بصراحة انا… ممعيش الباسورد بتاعي دلوقتي يعني مش هينفع اتجوزك.

فابتسم ادهم ثم وضع يده في جيبه واخرج جواز سفرها قائلاً : متقلقيش.. انا اخدته من شنطتك وانتي نايمة لاني كنت عارف انك هتكذبي وتقولي انك نسيتيه.

قال ذلك وصعد في السيارة قبلها اما هي فوقفت تحدق به وهي تحمل ابنها دون حراك وقالت بدهشة : عفريت دا ولا ايه ؟؟

ثم تنهدت باستسلام وصعدت الى جانبه ووضعت ابنها في حضنها دون ان تنظر اليه او ان تقول اي كلمة اما هو فارتسمت على وجهه علامة الرضا وقال للسائق : السفارة المصرية من فضلك.

وما هي الا مدة زمنية معينة قد مضت حتى وصلوا إلى السفارة حيث كان كمال ومحمود ينتظرون بالفعل ، فنزل ادهم من سيارة الاجرة اولاً ثم فتح الباب لتنزل مريم وابنها ايضاً فنزلا وتوجها الى الداخل بينما قام محمود باخذ الحقائب من السيارة …اما كمال فقال : كل حاجة جاهزه يا ادهم.

ادهم : كويس.

قال ذلك ثم نظر إلى مريم التي كانت تحمل ابنها وسألها : جاهزه ؟

أومأت له برأسها وسألته : بس هنخلي ادهم الصغير فين !

فنظر ادهم الى ابنه الذي نام اثناء طريقهم إلى السفارة بعد ان تناول الدواء وقال : سيبيه في حضنك…وجوده مش هيأثر على اي حاجة.

مريم : ماشي.

ثم دخلوا جميعاً الى القنصلية المصرية حيث سيتم الزواج… وقبل ان يبدأوا امسكت مريم بذراع ادهم وقالت : استنى..

فنظر اليها وسأل : في ايه تاني ؟

فسحبته بعيداً وقالت بهمس : هو احنا مش هنحتاج وثيقة الطلاق ولا ايه ؛ يعني لو كنا عايزين نتجوز مرة تانية فاكيد هما هيحتاجوا وثيقة تثبت اننا مطلقين واحنا اساساً مسجلناش جوازنا في المحكمة بس كتبنا الكتاب عند المأذون وبعدها انت رميت عليا يمين الطلاق من غير وثيقة .

فاثار ذلك الموضع فضول ادهم فقال : استني… خلينا نسأل.

وبالفعل قام بالسؤال عن امر وثيقة الطلاق وهل يصح زواجهما بدونها فابتسم الموظف الذي سأله وقال : في الحالة دي انتوا مش مطلقين اساساً .

فنظر كل من ادهم ومريم الى بعضهما لمدة خمس ثواني وبعدها قال ادهم بفضول : ازاي مش مطلقين ؛ انا رميت عليها اليمين قبل اربع سنين وخمس شهور يعني طلقتها.

فابتسم الموظف وقال : انتوا اطلقتوا شرعاً وانما قانوناً لأ… يعني لازم توثقوا الزواج في وزارة الداخلية الاول وبعدها تتطلقوا في المحكمة وهي تديكوا وثيقة الطلاق… وبما انكوا اتجوزتوا عند مأذون وطلقتها قبل ما توثقوا الزواج في وزارة الداخلية فانتوا مش محتاجين وثيقة طلاق ابدا ً، يعني مفيش مشكلة وهتقدروا تتجوزوا مرة تانية بشكل قانوني طبعاً لو العروسة موافقة .

فالتفت ادهم الى مريم وقال : طبعاً موافقة مش كدا ؟

فقالت بتلعثم : ا.. ايوا.

الموظف : يبقى على بركة الله.

– فابتسم ادهم بأشراقة لان الأمور سارت على نحو جيد وخصوصاً لان موضوع وثيقة الطلاق لم يشكل عائقاً امام زواجه من حبيبة قلبه وام ابنه مريم ، فتم الزواج بشكلٍ قانوني وعلى اكمل وجه بتوفير الامكانيات اللازمة لإتمام الزواج بالقنصلية ؛ وبعد ان تزوج ادهم مجدداً من المرأة التي يعشقها حد الجنون والتي تكون ام طفله شعر وكأنه امتلك العالم بأسره من شدة الفرحة والسعادة بينما كانت هي على عكسه.

نعم كانت سعيدة للغاية في داخلها لانها عادت له مجدداً ولكنها كانت خائفة من فكرة الزواج بهذا الرجل الذي تعتبره غامضاً جداً وخصوصاً بعد كل ما حدث بينهما في ما مضى ، كما ان فكرة غبية قد راودتها وجعلتها تخاف من الدخول الى عالمه الخاص بصفتها زوجته حيث انه يُعتبر شخصية مهمة للغاية في موطنهم وانها هي الفتاة البسيطة قد اصبحت زوجته الشرعية ، واكثر ما اخافها هو ادراكها بأنه اصبح حلالها ويحق له ان يملي عليها كل ما يرغب وانه اصبح المسؤول الأول عنها وعن ابنها ولا يجب ان تفعل شيئاً دون الرجوع إليه اولاً .

فكانت تسير بجانبه وهي تحمل ابنها بينما كانت مخطوفة اللون بسبب الافكار السلبية التي تسللت إلى رأسها واخذت تعث السم في عقلها وتبث الرعب في قلبها خصوصاً عندما تذكرت الليلة المرعبة التي قضتها معه في السابق ، فانتبه عليها عندما خرجا من السفارة لذا طرقع لها باصابعه مما جعلها تستيقظ من شرودها ونظرت اليه دون أن تقل اي شيء اما هو فحمل ابنه بالنيابة عنها لكي يجعلها تستريح وقال : انتي رحتي فين ؛ شكلك تعبانه مش كدا ؟

فنظرت مريم الى الساعة في يدها وكانت قد تجاوزت الرابعة عصراً فقالت : خلينا نرجع البيت .

ثم اخذت ابنها النائم من والده مجدداً وتوجهت نحو السيارة التي استأجرها كمال لهم قبل ان يتوجه إلى المطار برفقة محمود من اجل العودة إلى مصر ، فصعدت في المقعد الخلفي دون ان تنبس ببنت شفة اما هو فأبتسم وقال : ومالو… نرجع البيت.

قال ذلك ثم صعد امام المقود وقبل ان يشغل محرك السيارة عدل المرآة فنظر إلى مريم التي كانت جالسة خلفه وتحتضن ابنها ، فنظرت اليه بدورها وسرعان ما اشاحت بنظرها فابتسم ثم شغل محرك السيارة وقادها نحو العنوان الذي اعطته ايه ، وعندما وصلا الى البناية نزل هو اولاً من السيارة ثم فتح الباب الخلفي لتنزل هي وقبل ان تفعل ذلك حمل الصبي عنها وقال : انا هحمله عنك.

فتنهدت ثم فتحت صندوق السيارة واخذت الحقائب وقالت دون ان تنظر اليه : الشقة في الدور الخامس.

قالت ذلك ثم سارت امامه فلحق بها وعندما وصلا إلى الطابق الخامس ابتسم ادهم بسخرية وقال : الظاهر ان اخوكي المحترم غني حبيتين ولا انا غلطان ؛ البناية دي بتاعته مش كدا ؟

فنظرت اليه وهي تفتح باب الشقة وقالت : اطمن… مش اغنى منك.

هز ادهم رأسه بثقة وهو يحمل ابنه ثم اردف : كويس انك عارفه.

فتنهدت مريم وحركت عينيها بشكل دائري ثم دخلت الى الشقة فدخل ادهم خلفها وسرعان ما وضعت الحقائب من يدها والتفتت اليه ثم اخذت ابنها منه وتوجهت به إلى غرفتها حيث لم يكن في الشقة سوى غرفتين نوم احدهما لصديقتها الهام والاخرى كانت لها ولأبنها كما كانت غرفة المعيشة واسعة ومريحة وبجانبها المطبخ والحمام ، فقامت بوضع الصغير على السرير بينما وقف ادهم عند عتبة باب غرفتها يحدق بها فسألها : هي دي اوضة نومك ؟

اجتبته بدون ان تنظر : ايوا.

فابتسم وقال : كويس.. يبقى انا هنام هنا اصلي تعبان وعايز استريح شوية.

قال ذلك وخلع سترته ولكن مريم التفتت اليه بسرعة وصاحت به قائلة : استنى !

توقف ادهم في مكانه وسأل : في ايه ؟

فنظرت هي الى ابنها الذي ظنت انه استيقظ بسبب صراخها وعندما وجدته ما يزال نائماً بهدوء تنفست الصعداء واقتربت من ادهم ثم سحبته من يده الى خارج الغرفة وقالت بهمس : انت عايز تنام في أوضتي بجد !

ادهم : امال هنام فين لو منمتش في اوضة مراتي ؟

فقالت بتلهثم : م… معرفش… لاقي حته تانية بس اوعى تفتكر اني هسيبك تنام في الاوضة بتاعتي لان نجوم السما اقرب لك .

قالت ذلك ودخلت إلى غرفتها بسرعة واغلقت الباب بوجهه حتى قبل ان تترك له مجالاً لقول اي شيء ، اما هو فرفع حاجبه ونظر الى باب غرفتها فوضع يديه على خاصرته وقال : بقى كدا… طيييب يا مريم…عايزه تبني سد بينا بما ان الشقة بتاعتك مش كدا ؛ استني عليا اما نرجع مصر ساعتها هعرفك ازاي تقفلي الباب في وشي .

قال ذلك ثم اخذ ينظر في ارجاء الشقة بينما كانت مريم تدور في غرفتها ذهاباً وإياباً وكان التوتر يسيطر عليها فقالت بصوت خافت جداً : هعمل ايه دلوقتي … ازاي هقعد انا وهو في نفس البيت لمدة خمس ايام والهام ليه سمعت كلامه وراحت تبات عند بيت عمها ؟!

ثم بعثرت شعرها واضافت بتذمر : اااه ايه الورطة اللي رميت نفسي فيها دي ؟

تسارع في الاحداث…….

مر الوقت سريعاً وحل المساء فكانت مريم ما تزال في غرفتها بينما استيقظ ابنها الصغير بعد زوال تأثير الدواء الذي اعطته ايه لكي يخفف الألم فنظر اليها وهي واقفه امام النافذة وتحدق من خلالها وقال بصوت ناعس : ماما…

التفتت اليه ثم اقتربت منه وقبلته على جبينه وقالت : صح النوم يا بطل .

فسألها : بابا فين ؟

تنهدت وقالت في نفسها : صحيح…هو راح فين ؛ انا مسمعتش صوته من ساعة ما قفلت الباب في وشه.. معقول يكون مشي !

ثم نظرت الى ابنها وابتسمت قائلة : هروح ادور عليه حالاً بس عايزاك توعدني انك مش هتقوم من على السرير لغاية ما ارجعلك والا رجلك هتوجعك واحنا مش عايزين حيصل كدا اتفقنا.

أومأ لها برأسه فابتسمت وامسكت باحدى الدمى واعطته ايها لكي يسلي نفسه بينما تذهب وتتفقد اين ذهب والده …فتحت باب غرفتها ببطء كما لو كانت لصه اتت لكي تسرق ثم خرجت من الغرفة على رؤوس اصابع قدمها ومشت بخطوات خافتة واخذت تتلفت وهي تبحث عنه فتساءلت في نفسها : هو فين يا ترى ؟

في تلك اللحظة شعرت بيد رجولية تربت على كتفها فالتفتت واذ بادهم واقفاً خلفها فسألها ببرود : بدوري على حد ؟

اما هي فعادت للواء بسرعة ونظفت حلقها قائلة : ل.. لا وهدور على مين عيني ؟

رفع ادهم حاجبه وقال : مش عارف.

فاشاحت بنظرها عنه ثم استجمعت افكارها المشتتة ونظرت إليه قائلة : ادهم صحي.. روح اقعد جنبه وخلي بالك منه لغاية ما احضر العشا .

فتنهد ادهم وقال : مفيش داعي انك تتعبي نفسك.. انا جبت اكل جاهز .

مريم : وليه عملت كدا ؛ احنا متعودين اننا ناكل اكل البيت لانه صحي اكتر.

فكتف ادهم ذراعيه وقال موضحاً : ليه عملت كدا ؛ انا هقولك …لان في وحده خافت اني اعمل لها حاجة زي ما تكون اتجوزت مجرم هربان من الحكومة وسجنت نفسها في أوضتها من اربع ساعات ونسيت تعمل عشا لابنها اللي خرج من المستشفى النهاردة.

تنحنحت مريم واردفت : على العموم…انا هعديها المرة دي لانك لسه متعرفش نظامنا بس انت لازم تعرف اني ما بأكلش ابني اكل جاهز ابداً لان دا مش كويس لصحته .

ادهم : كويس…اساساً انا كمان ما بكُلش اكل جاهز ابداً بس بما ان حضرتك قفلتي على نفسك الاوضه من ساعة ما جينا هنا ومخرجتيش منها ابداً فهضطر اني استحمل الليلة دي.

فاعادت مريم خصلة من شعرها وقالت : طيب انا هروح اجهز الاطباق وانت روح وخليك جنب الواد.

قالت ذلك ثم دخلت إلى المطبخ اما هو فابتسم وقال بصوت منخفض : حاضر يا ست هانم… من عينيا.

ثم دخل إلى غرفتها حيث كان ابنه جالساً على السرير ويلعب بلعبته الالية التي كانت عبارة عن الرجل الحديدي ” ايرون مان ” فابتسم وسأله بصوت مفعم بالحيوية : ازيك يا بطل ؟

فنظر الصغير اليه وابتسم تلقائياً وقال بلهجته المكسرة : انت كنت فين يا بابا ؟

جلس ادهم بجانبه وقبله على رأسه قائلاً : كنت بستناك اما تصحى .

فقال الصغير : طيب ليه مكنتش بتستننى مع ماما في الاوضه ؟

– في تلك اللحظة لمعت فكرة خبيثة في رأس ادهم فرسم شبح ابتسامة على وجهه وامسك اللعبة قائلاً : انا كنت عايز اعمل كدا بس ماما منعتني وقالت اني لازم انام في حتة تانية لان الاوضه دي بتاعتك انت وهي .

ادهم الصغير : يعني انت مش عايز تنام جنبي على السرير النهاردة ؟

ادهم : طبعاً عايز انام جنبك يا حبيبي بس ماما قالت لأ ..

ادهم الصغير : طب انا هقولها اني عايزك تنام معانا هنا.

فاتسعت ابتسامة ادهم وعبث بشعر ابنه قائلاً : شاطر يا حبيبي… اديك طالع لبباك ذكي وبتعرف تتصرف صح .

في تلك اللحظة دخلت مريم الى الغرفة وقالت : العشا جاهز .

قالت ذلك ثم اقتربت من ابنها وارادت ان تحمله ولكن الطفل ابى ان تقترب منه فقال : مش عايز.

قطبت حاجبيها وسألته : ليه يا حبيبي ؟

نظر اليها وقال : علشان انتي قلتي ان بابا ما ينفعش ينام جنبي النهاردة.

فنظرت مريم الى ادهم الذي كانت الابتسمة الخبيثة واضحة على وجهه وضوح الشمس وسألته بدهشة قالت : انت قولتله ؟!

حرك ادهم كتفيه الى الاعلى ولم يعلق فتنهدت وقالت : فاكر اني هسيبك تعمل اللي يريحك لانك استغليت النقطة دي ؟

فاجابها بابتسمة صفراء : هنشوف.

اما الطفل فقال : انا عايز بابا ينام جنبي هنا .

فنظرت مريم الى ادهم وقالت بحنق : ماشي يا ادهم… انت اللي كسبت .

~ الفصل الحادي عشر ~

﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾

– قال ادهم الصغير لأمه بنبرة امرة : انا عايز بابا ينام جنبي هنا النهاردة.

ثم كتف ذراعيه بطريقة لطيفة وكأنه اصدر حكم قضائي يجب ان تنفذه مريم دون مناقشة ، اما هي فنظرت الى زوجها ادهم وقالت بحنق : ماشي يا ادهم… انت اللي كسبت ، انت وابنك برطعوا في الأوضة وانا هروح انام في أوضة الهام الليلة دي .

رسم ادهم ابتسامة صفراء على زاوية شفتيه وقال بهدوووء مميت : وهتنامي هناك ليه ؛ مهي أوضتك موجوده وتقدري تنامي فيها .

فلم تحتمل مريم بروده الذي كاد ان يسبب لها ازمة قلبية لذا تنهدت وقالت باستسلام : لو عايز تتعشا انا جهزت الاكل… ادهم الصغير لازم ياكل علشان ياخد الدوا.

قالت ذلك ثم حملت ابنها واضافت : يلا يا شقي ؛ جيه وقت الاكل.

– ثم خرجت من الغرفة وتركت ادهم خلفها فضحك بخفة حتى لا تسمعه ثم اخذ ينظر في ارجاء غرفتها… وبينما كان يفعل ذلك وقع نظره على زجاجة عطر كانت على طاولة التزين الخاصة بها ؛ نهض بسرعة ثم امسك بها ونزع الغطاء ومن ثم قربها الى انفه ولكن سرعان ما ابعدها وعقد حاجبيه قائلاً : هي ليه غيرت الپارفان بتاعها ؛ انا فاكر ان ريحته كانت اجمل من دا.

في تلك اللحظة سمع صوتها قادم من خارج الغرفة تقول : لو مش عايز تتعشا انا هشيل الطبق بتاعك.

فاغلق زجاجة العطر واعادها الى مكانها ثم خرج من الغرفة وذهب حيث كانت مائدة الطعام فوجد ابنه جالساً في حضن امه ووجهه ملطخ بالصلصة بينما كانت هي تطعمه ؛ ابتسم تلقائياً عندما رأى ذلك المنظر وجلس مقابلاً لهما وقال بصوت مرح : انتي بتأكليه ولا ايه ، بصي على وشه ازاي اتبهدل !

فنظرت مريم اليه لمدة ثواني ثم عادت لتكمل اطعام ابنها قائلة : هو ميعرفش ياكل غير كدا…بيحب يوسخ وشه في الاكل وانا هبقى احممه بعدين .

فنظر ادهم الى ابنه وقال : ها يا بطل… الاكل عجبك ؟

أومأ الطفل برأسه وهو يمضغ الطعام بسعادة اما مريم فقالت : حتى لو عجبه مش هياكل الاكل دا مره تانيه لانه مش صحي.

ادهم : وانا بقول كدا برضو بس للضرورة أحكام .

قال ذلك ثم امسك طبقه ووضع بعض الطعام فيه ولكنه لم يأكل بل اكتفى بمراقبة مريم وهي تطعم ابنها وتأكل بهدوء فاخذ يلوي شاربيه وهو يبتسم بلطف … اما هي فكانت تحاول جاهدة ان لا تنظر إليه وكانت تتمنى ان يمر الوقت سريعاً حتى يأتي الصباح لأنها لم تكن تتخيل فى أقصى أحلامها بأن تجلس مع حبيبها البارد ذات يوم على نفس المائدة ولكن ها هي قد اصبحت زوجته مجدداً وجمعهم سقف واحد ولا احد يعلم كيف ستمر هذه الليلة .

وبينما كانت تفكر سمعته يسألها : انتي ليه غيرتي الپارفان بتاعك ؟

أندهشت عندما سمعت ذلك ونظرت اليه مباشرةً ثم سألته : وانت ازاي عرفت اني غيرت الپارفان بتاعي !

فاسند ادهم ظهره إلى الكرسي وامسك كأس الماء الخاص به ثم قربه من فمه وقال : انا فاكر ان ريحته كانت غير ريحة الپارفان الجديد …. كانت قوية وناعمة في نفس الوقت.

قال ذلك ثم شرب رشفة صغيرة من الكأس اما هي فقد شعرت بسعادة غامرة في قلبها لان ادهم لم ينسى كيف كانت رائحة عطرها ولكنها لم تظهر سعادتها بل قالت بهدوء : انت لسه فاكر ؟

فنظر اليها وقال بجدية : هو في حد يقدر ينسى حاجة علقت في دماغه ؟

في تلك اللحظة بدأ قلب مريم يرتعش من شدة التوتر فاخدت ترمش كثيراً لانها لم تفهم قصده وما حيرها انه قال جملته الاخيرة وکأنه كان يحاول ان يوصل لها رسالة ، فادرك انها استغربت من كلامة لذا قال : بس كويس انك غيرتي الپارفان …لان ريحته كانت قوية جداً وكانت بتجيبلي صداع لما كنتي بتشتغلي معايا .

تنفست مريم بعمق وقالت : انا غيرت الپارفان بتاعي لما كنت حامل … اصل ريحته كانت بتدوخني ومن ساعتها اتعودت على الپارفان الجديد… بس الظاهر اني هرجع اجيب من القديم لان الريحة بتاعته اجمل وبتعجبني .

قالت ذلك وكأنها كانت تحاول ان تستفزه بكلامها فخيب ظنها عندما ابتسم وقال بهدوء : كملي اكلك.

فاشاحت بنظرها عنه ثم تابعت تناول طعامها بصمت ولكن قلبها كان يرقص فرحاً لان ادهم كان يتذكر رائحة عطرها القديمة والتي كادت هي نفسها ان تنساها لذا قررت ان تعاود شراء نفس العطر علها تلمس قلبه ولو قليلاً و لا تعلم بأنه لا يحبها بل مهوساً بها الى حد الجنون وقد تخطى مرحلة الحب منذ امد بعيد ، اما الطفل فكان منهمكاً في تناول الطعام الغريب الذي لم يتناوله من قبل وكأنه استغل الفرصة بينما كان والداه منهمكين في الكلام .

تسارع في الاحداث………

بعد ان انتهوا من تناول العشاء ذهبت مريم وجهزت الحمام من اجل ابنها الذي وضعته بلطف في حوض الإستحمام وبدأ فوراً يلعب بفقاعات الصابون وهو يصدر ضحكات رنانه تسر كل من يسمعها ، اما هي فكانت تفكر بأمر زوجها الذي ادهشها لانه لم ينسى رائحة عطرها طوال ما يقارب الخمس سنوات … اما بالنسبة له فكان جالساً في غرفة المعيشة يراجع بعض الاعمال المهمة على حاسوبه المحمول ولم يشعر بالوقت يمضي الا حين خرجت مريم من الحمام وهي تحمل ابنهما الذي كانت تلفه بمنشفة كبيرة ولم تلتفت اليه بل ذهبت الى الغرفة والبسته ملابس النوم النظيفة ثم وضعته في السرير فقال : انا عايز بابا ينام جنبي يا ماما.

فتنهدت مريم وقالت : نام يا حبيبي… بابا عنده شغل دلوقتي ومش هينفع ينام جنبك.

في تلك اللحظة سمعت صوت ادهم يقول : الشغل يقدر يستنى لان ابني اهم من كل حاجة.

فالتفتت اليه ورأته يتقدم نحو السرير بخطوت رزينة بينما ابتسم الصغير وهتف بمرح… وسرعان ما جلس ادهم بجانبه على السرير من الجهة الأخرى وامام نظر مريم التي ارتبكت ونهضت بسرعة ثم ادارت ظهرها واعادت علبة كريم الاطفال الى مكانها فابتسم وقال : تحب اقرالك حدوته يا حبيبي ؟

أومأ الطفل برأسه وامسك يد ابيه قائلاً : عايز حدوتة سوبر مان يا بابا .

في تلك اللحظة صدرت ضحكة صغيرة عن مريم التي تخيلت منظر ادهم عزام السيوفي وهو يقرأ قصص الاطفال فنظر هو اليها وعرف انها ضحكت عليه ولكنه لم يبالي بل نظر إلى ابنه وابتسم قائلاً : لا ياحبيبي….انا عايز اقرالك حدوتة الجميلة والوحش لاني معرفش الحدوته التانية .

اما مريم فالتفتت اليهما وقالت وهي تكتم ضحكتها : هروح اغسل الاطباق.

قالت ذلك ثم خرجت من الغرفة وتركت ابنها مع والده الذي بدأ يقص عليه قصة الحسناء والوحش بطريقة كوميدية وهو يقلد صوت الوحش فكان الطفل يضحك بسعادة غامرة وخصوصاً عندما كان والده يدغدغه ، وبقيا على تلك الحال حتى غط ادهم الصغير بنوم عميق فقام والده بتغطيته وقبل جبينه ثم نهض من جانبه وخرج من الغرفة بخطوات بطيئة حتى لا يستيقظ الصغير وبعدها ذهب إلى غرفة المعيشة ، فالتفت ناحية المطبخ ولم يجد مريم بل وجدها نائمة على الاريكة بينما كان التلفاز مشغلاً ، فابتسم ابتسامة دافئة واقترب منها رويداً رويداً حتى لا تستيقظ ثم انحنى بجسده وجلس القرفصاء امامها بعدها وضع يده على خدها بلطف وقال بصوت حنون : وحشتيني يا روحي…انا مش مصدق انك رجعتيلي بجد .

فتحركت مريم قليلاً مما جعله يرتبك خوفاً من ان تستيقظ ولكنها لم تفعل بل اتكأت برأسها على ذراع الأريكة وتابعت نومها ، فابتسم ثم وضع يديها حول عنقه وحملها بلطف واخذها الى الغرفة فوضعها على السرير بجانب ابنهما وقام بتغطيتها ايضاً ومن ثم جلس بجانبها واخذ يتأملها بعيون عاشقة … ولكن سرعان ما اعتلت محياه ملامح الحزن عندما تذكر انه قام بصفعها في الماضي فاخذ يمسح على شعرها براحة يده وقال بصوت خافت : انا اسف يا قلبي… مكنش قصدي اض*ربك بس كنت اعمى وقتها ومعرفش ازاي تجرأت وعملتها.

قال ذلك ثم قبل خدها الذي صفعه سابقاً وابتعد عنها وبعدها اطفأ الضوء وخرج من الغرفة فتوجه نحو الأريكة التي في غرفة المعيشة واستلقى عليها واضعاً ذراعه اليمنى خلف عنقه وما هي الا دقائق معدودة حتى استسلم للنوم ايضاً.

تسارع في الاحداث……..

– انطوى الليل بعتمة ظلامه منسدلاً خلف أستار الكون الفسيح … ودبت الأرض ضياءً حين أرسلت الشمس شعاعها الذهبي بعد أن غاصت في أغوار المحيط معلنة عن صباح يوم جديد ، فتسللت خيوطها الذهبية من نافذة غرفتة مريم وانعكست على وجهها واعطته لوناً ذهبياً زادها جمالاً ؛ شعرت بدفء لطيف يغزو بشرتها الصافية وجعلها تفحت عيونها ببطء ولكن سرعان ما اغمضتهما ورفعت يدها لتحجب ذلك الوهج الذهبي عن عيناها ثم التفتت الى جانبها ووجدت ابنها مايزال نائماً بجانبها وهو كالحمل الوديع ، ابتسمت باشراقة وقبلت وجنته بكل حنان ولكن سرعان ما ادركت انها في غرفتها فهبت جالسة على السرير وقالت : انا جيت هنا ازاي ؟؟

ثم اخذت تبحث عن ادهم بنظرها في ارجاء الغرفة ولكنها لم تجده فنهضت عن السرير ثم توجهت نحو الباب وفتحته لتخرج الى غرفة المعيشة ؛ وجدته ما يزال نائماً بعمق على تلك الاريكة وسرعان ما أرتسمت ابتسامة صغيرة على وجهها فتحركت نحوه بخطوات بطيئة حتى اصبحت واقفة بالقرب منه ؛ انحنت قليلاً واخذت تتأمل قسمات وجهه الذي لطالما أحبته… فلم تشعر بنفسها عندما انحنت بجسدها وجلست القرفصاء مقابلاً لوجهه الوسيم ووضعت يدها على خدها الأيسر بينما كانت تنظر اليه بتمعن وكأنها تحاول ان تشبع من رؤيته فقالت بصوت اشبه للهمس : وزنك نقص عن اخر مرة شفتك فيها… وكمان بقى عندك شنب بس كدا اجمل .

قالت ذلك وسمحت ليدها اليمنى ان تتسلل الى شعره الاسود ونزلت بها الى حاجبيه فابتسمت عندما عقدهما تعبيراً عن انزعاجه من يدها التي عكرت صفو نومه فسحبتها بسرعة وهبت واقفة ثم استدارت وحاولت الابتعاد عنه وهي تتسلل على رؤوس اصابع قدميها حتى لا يستيقظ ولكنها تجمدت في مكانها عندما سمعت صوت رجولي تعرفه جيداً يقول لها : كنتي كملي اللي بتعملي…انا مش همنعك.

في تلك اللحظة تجمد الدم في عروقها واتسعت عيناها على وسعهما وبدأ صدرها يعلو ويهبط وشعرت بالبرودة تسري في جسدِها بالرغم من دفء المكان ؛ ابتلعت ريقها وحاولت ان تلتفت ولكن حركتها شُلت تماماً عندما سمعت صوت خطوات رجولية تقتربت منها وفجأة وقف خلفها …. وما زاد الطين بلّة شعورها بيد قوية دافئة امسكت ذراعها بلطف فأغمضت عيناها بشدة اما هو فابتسم وهمس في اذنها بصوت شجي قائلاً : صباح الخير يا مريم .

في تلك اللحظة شعرت مريم بجسدها يذوب كقطعة سكر تذوب في فنجان شاي بسبب ذلك الصوت الرجولي الذي اخترق مسامعها وتسللت كلماته لتصيب قلبها الذي كان ينبض بسرعة كما لو كان طبل واحدهم يقرعه بقوة … فقالت بصوت يكاد يختفي وبدون ان تتحرك شبراً واحداً : ص.. صباح النور.

فاتسعت ابتسامة ادهم وسمح ليده التي كانت تمسك بذراعها ان تصعد إلى كتفها فادارها ليصبح وجهها مقابلاً لوجهه ولكنها احنت رأسها ولم تنظر إليه فلم يشاء ان يخجلها اكثر لذا ابتعد خطوتين للوراء وقال : اكيد اتفجأتي لاني نمت هنا مش كدا ، يعني احنا قررنا اني هنام جنب ادهم بس شفتك نايمة على الكنبة فقلت مينفعش اسيبك تنامي هنا وانا انام على السرير علشان كدا شلتك وسبتك تنامي جنب ابننا .

نظرت مريم اليه وقالت بدهشة : ش.. شلتني !

فابتسم بخبث وقال : ماتخفيش مكنتيش تقيله… بصراحه استغربت اوي لما شلتك لاني كنت فاكر ان وزنك اتقل من كدا .

فاشاحت بنظرها عنه واستطردت قائلة : هروح اعمل شاور ؛ عن اذنك.

قالت ذلك ثم تحركت بخطوات سريعة نحو الحمام فدخلت واغلقت الباب خلفها ثم وضعت يدها على صدرها وشعرت بأن قلبها كان على وشك الفرار من بين ضلوعها ، اما هو فحاله لم يكُن يختلف عن حالها ابداً.. بل حتى انه كان متوتراً اكثر منها. لأنه اراد ان يعانقها ويقبلها بكل قوته تعبيراً عن حبه العظيم لها ولكنه استطاع ان يسيطر على مشاعره ويكبح نفسه عن احتضانها حتى لا يجعلها تجفل فهو كان يدرك انها مضطربة للغاية بسبب كل ما حدث وانها تخاف منه بعد تلك الليلة التي قضتها معه منذ خمس سنوات تقريباً… فرفع يده ومررها في شعره المشعث وتنفس بعمق وقال في سره : انا اسف يا حبيبتي… عارف انك بقيتي تخافي مني بعد كل اللي حصل بينا زمان بس بوعدك اني هنسيكي كل حاجة وهحاول اخليكي تحبيني زي ما بحبك علشان نقدر نكمل حياتنا مع بعض ونربي ابننا احسن ربايه.

في الحمام…..

كانت مريم ما تزال جالسة على كرسي المرحاض تفكر بأمر ادهم الذي صدمها بتصرفاته التي لم تستطيع ان تستوعبها ابداً…. فهي كانت تعتقد بأنه لا يحبها وانما تزوجها حتى يتحمل المسؤولية لانها ام طفله بالإضافة إلى الرغبة في تملكها فقالت في سرها : طيب هو ليه اتغير كدا ؛ دا بقى لطيف اوي وكمان حسيت ان نظرته ليا اتغيرت ، معقول يكون ادهم الصغير هو السبب ؟

قالت ذلك واخذت تفكر وسرعان ما اضافت : معتقدش … معقول بقى… بيحبني !

وبعد تفكير طويل هزت رأسها بنفي وقالت : متوهميش نفسك يا مريم… دا اتجوزك علشان ابنه وبس وجايز بقى لطيف معاكي علشان يبان كويس قدام ادهم الصغير ولو افتكرتي انك بقيتي مهمة بالنسبة له تبقي مجنونة .

قالت ذلك ثم نزعت دبوس شعرها فانسدل على كتفيها ثم ملئت حوض الاستحمام بالماء وغسول الجلد الذي برائحة الورد ومن ثم خلعت ملابسها وجلست في الحوض ، ولكي تبعد الافكار من رأسها انزلقت بجسدها حتى غمرتها المياه وبقيت على تلك الحال لمدة ثواني ولولا حاجتها للأوكسجين لما اخرجت رأسها ابداً فاخذت تفرك شعرها بالشامبو وتحاول جاهدة ان تبعد ادهم عن اطار تفكيرها.

وبعد مدة زمنية محددة …..

انتهت من الاستحمام فارادت ان ترتدي ملابسها ولكنها لم تجدها فاتسعت عيناها عندما تذكرت انها دخلت إلى الحمام بسرعة دون ان تاخذ ملابسها فوضعت يدها على فمها وقالت : يا نهار اسود…. ازاي نسيت الهدوم ؛ هعمل ايه دلوقتي ، ازاي هطلع من هنا وهو في البيت ؟

فاخذت تتلفت حولها ووقع نظرها على منشفة كبيرة كانت معلقة بجانب الباب… اخذتها ولفت جسدها بها ولكن بالكاد اخفت قدميها وكتفيها بينما كانت قطرات الماء تتساقط من شعرها ووجهها ، فأمسكت بمقبض الباب ثم فتحته وعندما ارادت ان تخرج اصطدمت بصدر ادهم وتفاجأت بوجوده امامها مما جعل عيناها تتسع وسرعان ما عادت واغلقت الباب في وجهه فوراً وصاحت به قائلة : انت جيت هنا ليه ؛ متعرفش اني هنا !!

اما هو فرمش عدة مرات محاولاً استيعاب ما حدث فقال : انا…. جيت اطمن عليكي…. اصلك بقالك كتير في الحمام .

فابتلعت مريم ريقها وقالت بتلعثم : ا… انا كويسه ومش محتاجة حد يطمن عليا …

ادهم : طيب مادام انتي كويس يبقى اطلعي علشان انا كمان عايز اعمل

مريم : انا كنت هطلع بس…

فعقد ادهم حاجبيه وقال من خلف الباب : بس ايه ؟

فاغمضت مريم عيناها بشده وقالت بأندفاع : انا نسيت هدومي.

فتنهد ادهم وقال : طيب ….تحبي اجيبلك الهدوم ؟

فصرخت به من خلف الباب : لاء… اوعى تعمل كدا.

ادهم : امال عايزه تفضلي جوا يعني ؟

فابتلعت مريم ريقها وقالت بتلعثم : انا… انا .

فتنهد ادهم قائلاً : خلاص … انا هروح اقف في البلكونة لغاية ما تطلعي.

قال ذلك ثم توجه نحو الشرفة بالفعل اما هي فلم تخرج فوراً بل انتظرت قليلاً حتى سمعت خطواته تبتعد ومن ثم فتحت باب الحمام قليلاً فلم تجده فتنهدت وخرجت بسرعة متوجها إلى غرفتها… وعندما دخلت اغلقت الباب خلفها وتنفست الصعداء قائله : الله يخرب بيتك يا مريم… في حد عاقل يخش يستحمى من غير ما ياخد هدومه معاه ؛ لأ والألعن انك مش لوحدك في البيت !

قالت ذلك ثم فتحت خزانتها واخرجت ملابسها… اما ادهم فكان واقفاً في الشرفة واضعاً يديه في جيوب بنطاله وارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة عندما تذكر ذلك الموقف المحرج بالنسبة لكليهما فقال : مجنونة ، قلقانه على ايه يعني ما انا شفت كل حاجة قبل كدا .

صرح بذلك بينه وبين نفسه وبعدها عاد إلى الداخل فتوجه نحو حقيبته التي كانت في غرفة المعيشة ومن ثم فتحها واخرج منها منشفة وبعض الملابس و الشامبو الخاص به ثم توجه نحو الحمام ؛ اما هي فانتهت من تسريح شعرها ونظرت الى ابنها النائم فتوجهت نحوه ، قبلت جبينه وذهبت الى المطبخ لتعد الفطور .

اما في مكان اخر من نيويورك……

فكان خالد يعد الفطور من اجل عمته سحر كالعادة فنزلت هي وتوجهت نحو المطبخ ثم ابتسمت قائلة : صباح الخير يا حبيبي.

فالتفت خالد اليها وابتسم بدفء قائلاً : صباح الفل…ثواني والفطار هيجهز.

جلست سحر وقالت : اخبار مريم وابنها ايه ، انا سمعت ان الواد اتعور .

فتغيرت ملامح وجه خالد وقال وهو يتابع تحضير الفطور : مريم اتجوزت امبارح.

في تلك اللحظة دهشت سحر للغاية وسألت بتعجب : اتجوزت…اتجوزت مين وازاي ؟!

التفت خالد اليها واجاب : رجعت لجوزها… قصدي الراجل اللي خلفت منه ابنها.

سحر : هو هنا ، طب يطلع مين دا ؟

ابتسم بسخرية واردف : لو قلتلك مش هتصدقي.

سحر : قلقتني يا خالد…مين الراجل دا ؟

خالد : ادهم عزام السيوفي.

اتسعت عينا سحر وسألته بدهشة : قصدك امبراطور التجارة الإلكترونية !

فتنهد خالد قائلاً : ايوا… هو.

سحر : معقول… ادهم عزام السيوفي يبقى جوز مريم اللي منعرفش عنه حاجة !

جلس خالد وقال : ايوا هو…وباين عليه راجل خطير اوي ومش سهل ابداً .

سحر : والله دي مفاجأة كبيرة… يعني هي كانت متجوزه مليونير مشهور جداً في مصر وثروته متتقدرش ابداً بس سابت كل حاجة وجت تعيش هنا !

خالد : اهو دا اللي حصل بقى.

فنظرت سحر بشك اليه وسألته : لسه بتحبها يا خالد ؟

اجابها بصدق : الموضوع دا اتقفل من زمان اوي يا عمتي يعني انا بقيت اعتبرها اختي الصغيرة وبس وكمان انا بحب وحده تانية .

فابتسمت سحر وقالت : الهام مش كدا ؟

ارتبك خالد وسألها : وانتي عرفتي ازاي انها هي ؟

امسكت سحر بيده وقالت : عيب يلاه… انا سوسو اللي تعرفك اكتر ما انت تعرف نفسك.

فابتسم خالد وقال : ايوا…انا بحبها هي… بصراحة انا بحبها من زمان يعني بعد ما قررت اني ابقى اخ مريم حسيت ان الهام هي البنت المناسبة ليا واللي حببني فيها اكتر تضحيتها يعني هي سابت اهلها وكل حاجة علشان مريم ودي تُعتبر صاحبه مخلصة وانا بحب الناس المخلصين.

سحر : طيب ومستني ايه ؛ ليه ما تتقدم لها ؟

فتنهد خالد وقال : بصراحة مش عارف…يعني انا حاسس انها كمان بتحبني بس خايف يبقى احساسي غلط وكمان مش عايز افرض نفسي عليها لانها بتعتبرني زي اخوها .

سحر : لا يا حبيبي…انا متأكدة انها بتحبك ، انا شفت دا في عينيها.

خالد : قصدك ايه ؟

سحر : انا ست كمان واقدر افرق بين نظرة الحب عند الستتات من النظرة العادية… والهام بتبصلك بنظرة حب يابني ومش من دلوقتي وانما من زمان اوي.

شرد خالد بتفكيره واخذ يتذكر المواقف التي جمعته مع الهام خلال السنوات التي عرفها بها وكيف كانت تنزعج كلما رأته يقترب من فتاة اخرى في الشركة وكيف كانت تقلق عليه عندما يمرض و تشعر بالخجل كلما اثنى على جمالها او عندما كانت تصطدم به عن غير قصد فابتسم وقال : عندك حق يا سوسو… انا دلوقتي اكتشفت انها بتحبني كمان.

فابتسمت سحر وقالت : يبقى اسمع كلامي يا خلوده وروح اتقدم لها قبل ما اهلها يجوزوها لواحد تاني.

خالد : خلاص… انا هعمل كدا في اقرب فرصة.

تسارع في الاحداث……….

مر نصف النهار وكانت مريم برفقة ابنها في الشقة بينما عادت الهام ايضاً لتطمئن عليهما اما ادهم فخرج منذ الصباح ولم يعد بعد ذلك مما جعل زوجته تتساءل عن سبب تأخره بالعودة ، فكانت جالسة هي وصديقتها في الشرفة بينما كان الصغير يحظى بقيلوله صغيرة في الغرفة وقالت الهام : قوليلي بقى يا ميمي… ايه اللي حصل ؟

فنظرت مريم اليها وقالت : وهيحصل ايه يعني ؛ محصلش حاجة.

الهام : انتي فاهمة قصدي كويس يبقى متعمليش نفسك عبيطه.

فتنهدت مريم وقالت : اطمني… ملمسنيش… اساساً هو نام على الكنبة وانا وابني في الاوضه.

رفعت الهام حاجبها وقالت بدهشة : معقول ادهم عزام السيوفي ينام على الكنبة !

مريم : وفيها ايه يعني ؛ مهو انسان زينا زيه ومش هينقص حته لو نام على الكنبة وبعدين متفكريش في حاجات مش هتحصل ابداً لان الراجل دا اتجوزني علشان ابنه وبس.

الهام : بس انتي بتحبيه يا مريم.

فقالت مريم بنبرة حزينة : بحبه اه بس مقدرش اسامحه على اللي عمله فيا … هو جرحني اوي يا الهام .

الهام : متزعليش مني يا مريم بس الحق عليكي انتي… يعني لو كنتي قولتي للراجل انك عايزه الفلوس علشان اختك الله يرحمها تعمل العملية جايز محصلش كل دا وكان من الممكن ان نظرته ليكي تبقى مختلفه بس انتي اللي اخترتي مصيرك بنفسك.

فنزلت دمعة مريم وقالت : انا عارفه اني غلطت لما رخصت نفسي قدامه بس والله العظيم انا كنت عايزه اقوله قبل ما…. بس هو ض*ربني ألم ومسمعش انا كنت عايزه اقول ايه.

قالت ذلك وتذكرت كيف صفعها ادهم في قبل سنوات عندما تزوجته اول مرة ؛ اي عندما كانوا في الفيلا الخاصة به ؛ وقتها كانت تريد ان تخبره انها تريد النقود لأجل انقاذ اختها ولكنه صفعها في غرفة النوم قبل ان تتمكن من اكمال جملتها وذلك ما جرحها كثيراً .

انتشلتها الهام من افكارها حين قالت : بس دلوقتي الوضع اتغير يا مريم… يعني انتي تقدري تقوليله انك عملتي كل حاجة علشان اختك مش علشان الفلوس وانا متأكدة انو هيصدقك لانك رجعتي الفلوس قبل ما نسافر.

هزت مريم رأسها نفياً ومسحت دموعها ثم قالت : لأ .. خلاص مابقتش فارقة معايا لو كان فاكر اني بعت نفسي علشان الفلوس او علشان حاجة تانية… اساساً هو مش بيحبني وانما كان عايز يمتلكني وبس.

الهام : ايه اللي بتقوليه دا ؟!

مريم : متستغربيش لان هو اللي قال الكلام دا.

فتنهدت الهام وقالت : انتي غلطانه يا مريم… يعني لو تفكري شوية تعرفي ان ادهم عزام السيوفي بيعتبرك مميزة وغير عن كل الستات والدليل على كلامي انه جيه هنا من اربع سنين علشان انتي طلبتي تقابليه وجايز لو مكنتيش طلبتي الطلاق مكنش طلقك ابداً.

في تلك اللحظة اخذت مريم تفكر بكلام الهام وشعرت في اعماق قلبها ان ما تقوله صديقتها صحيح ولكنها لم تشاء ان تصدق الامر لان ادهم طلقها بالفعل وغادر بكل برود ولو كان يحبها حقاً لما فعل ذلك او كان اتصل بها ولو لمرة واحدة على الاقل خلال السنوات الماضية ولكنه لم يفعل… فتنهدت وقالت : خلاص… اقفلي على الموضوع دا دلوقتي وقوليلي هتعملي ايه بعد ما انا ارجع مصر ؟

تنهدت الهام بعمق واردفت : هرجع معاكي انا كمان.

اتسعت عينا مريم عندما سمعت ذلك وسألتها بدهشة : وتسيبكي كل حاجة هنا ؟

الهام : انتي عارفه اني مقدرش ابعد عنك انتي وادهم الصغير… وبعدين يعني لحد امتى هفضل متغربه عن اهلي بالشكل دا ، اظن ان جيه الوقت علشان ارجع بقى.

مريم : طيب وخالد يا الهام… عايزه تتخلي عنو بجد دا انتي بتحبيه اوي .

الهام : ايوا بحبه وبم*وت فيه كمان بس الظاهر ان هو مش هيحس بيا ابداً ويعني مقدرش استناه لغاية ما يحس بيا يعني العمر ماشي بسرعة ولو كان ليا نصيب مع خالد فهو هيعرف يلاقيني في مصر .

فتنهدت مريم وقالت : فكري يا الهام… معقول تسيبي كل حاجة تعبتي علشانها وترجعي بالسهولة دي ؟

ابتسمت الهام ابتسامة مريرة واجابت : ما انا عملت كدا من زمان وسبت كل حاجة في مصر علشان اجي هنا وهقدر اعمل كدا مرة تانية علشان ارجع بلدي…اساساً بابا كلمني امبارح وحسيت من طريقة كلامه انه عايزني ارجع مصر وبصراحه انا زهقت من البلد دي.

فامسكت مريم بيدها وغمغمت : طيب يا حبيبتي… انا مش هقولك غير اسمعي صوت قلبك لانه هيدلك على الصح دايماً.

الهام : وقلبي بيقولي اني لازم ارجع بلدي.

في تلك اللحظة سمعن صوت باب الشقة يُفتح فابتسمت الهام واستطردت قائلة : الظاهر ان جوزك رجع.

أنكمش قلب مريم ونهضت من مكانها عندما سمعت ذلك ثم دخلت إلى غرفة المعيشة فوجدت ادهم قد عاد بالفعل اما هو فنظر اليها وقال بدون مقدمات : احنا هنرجع مصر بكرا.

اتسعت عيناها وسألته : مش على اساساً هنحتاج اسبوع لغاية ما الاوراق تجهز ؟

ادهم : متشغليش بالك انتي في الحجات دي لاني زبطت كل حاجة وهنرجع بلدنا بكرا.

في تلك اللحظة دخلت الهام ايضاً وسألته : ازاي حضرتك يا ادهم بيه ؟

فنظر إليها وقال : الحمد لله.

ثم اضاف قائلاً لمريم : معندناش وقت كتير علشان كدا وضبي شنطتك وشنطة ادهم واعملي كل اللي انتي عايزه قبل ما نرجع .

فسألت الهام : هترجعوا امتى ؟!

نظرت إليها مريم وقالت : حضرتوه عايزنا نرجع بكرا.

الهام : يبقى انا هقدم استقالتي النهاردة علشان اقدر ارجع معاكي.

فنظر ادهم اليها بتعجب وسألها : هترجعي انتي كمان ؟

الهام : ايوا يا فندم…اصلي بصراحة مقدرش ابعد عن مريم.

أعجب ادهم بالصداقة القوية التي تجمع بين مريم والهام وقال : كويس.

ثم نظر إلى زوجته وسألها : فين ادهم ؟

فتنهدت وقالت : نايم جوا.

ادهم : هروح اطمن عليه.

قال ذلك ثم دخل إلى الغرفة اما الهام فنظرت إلى مريم وقالت : وانا هروح الشركة بقى علشان اقول لخالد اننا هنرجع مصر بكرا وبعدها هرجع علشان اوضب شنطتي.

أومأت لها مريم برأسها قائلة : اوك.

– وبالفعل خرجت الهام من الشقة وذهبت إلى الشركة فكتبت استقالتها ثم توجهت نحوه مكتب خالد ، وقبل ان تدخل اخذت نفساً عميقاً ثم طرقت الباب ودخلت فابتسم هو فوراً عندما رأها ونهض قائلاً : والله انتي بنت حلال… من شوية كنت هتصلك.

ابتسمت الهام بحزن وقالت : خير ..في حاجة ؟

خالد : اقعدي علشان نتكلم.

فجلست الهام مقابلاً له وقال : بصراحة عايز اكلمك في موضوع مهم.

قاطعته الهام : من فضلك خليني اتكلم الاول.

فابتسم واردف : اوي اوي.. اتفضلي.

وضعت استقالتها امامه وقالت : دي الاستقالة بتاعتي.

في تلك اللحظة تغيرت ملامح وجه خالد وسألها بدهشة : عايزه تستقيلي يا الهام ، طيب ليه ؟!

الهام : عايزه ارجع مصر مع مريم وهنسافر بكرا.

خالد : ه.. هترجعي مصر !

الهام : بصراحة جيه الوقت علشان ارجع عند اهلي واكمل حياتي معاهم .

خالد : انتي متأكدة انك عايزه ترجعي ؟

الهام : ايوا…اساساً انا مقدرش ابعد عن مريم وابنها وبما انها هترجع فانا هرجع معاها لانها هي السبب اللي خلاني اجي هنا يعني لا مؤاخذة لولا مريم كنت رجعت مصر من زمان ، وكمان بابا عايزني ارجع وقال ان مش كويس افضل قاعدة لوحدي هنا بما اني بنت وانا لاقيت ان كلامه صح.

شعر خالد بخيبة أمل كبيرة عندما قالت له الهام ان سبب تواجدها في نيويورك هو مريم فحسب لذا تراجع عما كان سيقوله وابتسم ابتسامة مريرة ثم اردف برباطة جأش : بما انك قررتي انك ترجعي فانا هحترم قرارك ومش هقولك غير اني بتمنالك كل خير في مصر .

فنظرت اليه بنظرة حزينة ولكنها ابتسمت وقالت : متشكره… قولي بقى انت كنت عايز تقولي ايه ؟

خالد : متشغليش بالك…. كنت هسألك عن مريم لاني مشفتهاش بعد اخر مرة كنا فيها في المستشفى.

الهام : هي كويسه… ما انت عارف انها بتحب جوزها بس بتكابر وانا متأكدة انها هتبقى احسن بعد ما ترجع مصر.

خالد : ان شاء الله.

وحملت الهام حقيبتها ثم نهضت قائلة : يبقى انا همشي دلوقتي لان لازم اروح اجهز نفسي .

فنهض خالد ايضاً ثم قال : اوك.

ومد يده لكي يصافحها قائلاً : بتمنى انك اتخذتي القرار الصحيح يا الهام.

صافحته قائلة : انا متأكدة ان اللي بعمله هو الصح.

فابتسم حتى يخفي حزنه وقال : يبقى خلاص ، بتمنالك التوفيق والنجاح في حياتك.

فبادلته الهام الابتسامة وقالت : متشكره… ودلوقتي عن اذنك.

قالت ذلك ثم غادرت مكتبه وهي تشعر بألم كبير في قلبها كما كان حال خالد كذلك حيث انه شعر بقلبه يتمزق ولكنه قرر ان يحترم قرارها الذي اتخذته .

تسارع في الاحداث…….

مر الوقت سريعاً واخيراً عادوا إلى مصر …فنزلوا من الطائرة وكانت مشاعر مريم مضطربة للغاية حيث انها شعرت بالحزن الشديد فوراً عندما تذكرت كيف هاجرت هذه البلد منذ ما يقارب الخمس سنوات وكيف انها هربت إلى الجهة الأخرى من العالم فقط لتتخلص من حزنها ؛ ذرفت الدموع بصمت وهي تحمل ابنها الذي كان مستمتعاً بعد نزوله من الطائرة التي استقلها لأول مرة بينما كان والده ينظر إليها بتمعن وشعر بحزنها وادرك انها تذكرت اختها التي ماتت وهي برعم صغير لم يشبع من الحياة ، اما الهام فكانت سعيدة برجعتها وفي نفس الوقت كانت حزينة لانها تخلت عن خالد وقررت بدأ حياة جديدة في بلدها .

وعندما خرجوا من المطار كانت سيارة ليموزين سوداء بأنتظارهم وكان سائقها سمير ابن العم محمود واقفاً والبسمة ظاهرة على وجهه ، فركض نحوهم بسرعة وقال : حمد لله على السلامه يا ادهم بيه.

ثم التفت إلى مريم التي كانت تحدق به وعرف انها هي زوجة ادهم التي حدثهم كمال عنها لانها كانت تحمل طفلاً فقال بنبرة سعيدة : نورتي يا ست هانم.

مريم : متشكره.

سأله ادهم : اهلي عاملين ايه يا سمير ؟

فابتسم سمير قائلاً : دول هيطيروا من الفرح يا فندم خصوصاً بعد ما كمال بيه قال لهم ان حضرتك عندك ابن.

فلاش باك…….

عندما عاد كمال الى مصر توجه فوراً إلى منزل عائلة السيوفي فرحبت به زوجته رغد بسعادة حيث عانقته قائلة : نورت يا حبيبي.

ابتسم وعانقها بدوره قائلاً : بوجودك يا روح قلبي… عامله ايه ؟

فابتسمت رغد وابتعدت عنه قائلة بغنج : بقيت كويسه بعد ما شفتك.

فامسك يدها وطبع عليها قبله ثم لمس بطنها المنتفخ قليلاً وسألها : اميرتي الصغيرة اخبارها ايه ؟

ابتسمت واجابت : هي كمان كويسه بس بقت شقية شوية وبتعذبني.

قبلها على جبينها واردف : معلش يا روحي ، استحملي مفضلش غير خمس شهور وهتنورنا بنتنا الحلوة.

رغد : ان شاء الله.

كمال : قوليلي بقى فين طنت كوثر ومعاذ ؟

فاحاطت رغد يديها حول ذراعه وقالت : جوا… تعالى خلينا ندخل.

وعندما دخلوا المنزل حيث كان افراد العائلة جالسين قال كمال : مساء الخير.

فابتسمت السيدة كوثر وقالت : كمال ؛ ارجعت امتى يا حبيبي وفين ادهم ؟!

فجلس كمال قائلاً : ادهم فضل في نيويورك يا طنت وانا رجعت النهاردة.

عقد معاذ حاجبيه وسأله : وهو فضل هناك ليه ؟

كمال : يا جماعة في حاجة حصلت وانا رجعت علشان اقولكوا عليها.

فقالت السيدة كوثر بقلق : خير ان شاء الله…

فابتسم كمال قائلاً : متخفيش يا طنت ، خير .

فقالت سلوى : شوقتنا يا كمال.

رغد : ايه اللي حصل يا روحي ؟

كمال : يا جماعة ادهم اتجوز.

فقال الجميع في آن واحد : ايه !

ثم انهالوا عليه بالاسئلة فضحك قائلاً : اهدوا وانا هحكيلكوا على كل حاجة.

– ثم اخبرهم ان ادهم كان متزوجاً من قبل ولكن الظروف قد اجبرته على ان يطلق زوجته وانه اكتشف حديثاً بأن لديه ابن لذا تزوج الفتاة مجدداً وسوف يعودون إلى مصر في القريب العاجل… فكانت فرحة العائلة لا توصف وخصوصاً السيدة كوثر التي كادت ان تطير من الفرح لمعرفة ان لديها حفيد من ابنها البكر فلم تتمالك نفسها لذا نهضت وزغردت بأعلى صوتها بينما كانت البسمة تعلو وجوه الاخرين…. وسرعان ما اصدرت اوامرها بتجهيز غرفة لحفيدها بأسرع مايمكن.

نهاية الفلاش باك…….

كانت مريم جالسة في سيارة الليموزين بجانب صديقتها الهام وهي تحتضن ابنها بينما كان ادهم جالساً على المقعد الاخر… فقال : هنوصل الهام الاول وبعدها نروح البيت.

فقالت الهام : متشكره يا ادهم بيه… تعبتك معايا.

اجابها ببرودة اعصاب : مفيش تعب… اساساً مش انا اللي بسوق العربيه.

اما مريم فقالت : ابقي سلمي على مامتك وبباكي يا لولو… اصلي مش هقدر اروح اسلم عليهم دلوقتي.

فابتسمت الهام واردفت : متقلقيش يا حبيبتي… انا هوصل لهم سلامك.

تسارع في الأحداث …….

وبالفعل اوصلوا الهام الى منزلها فكانت فرحة والديها بعودتها لا توصف اما هم فذهبوا الى قصر عائلة السيوفي العريق حيث كان الجميع ينتظرون قدوم ادهم وزوجته على احر من الجمر… وعندما نزلوا من السيارة.. فتحت مريم فمها لشدة فخامة المنزل فهو كان اشبه بالقصر حرفياً تتحوطه الاشجار والورود وكاميرات المراقبة في كل مكان وقد اعجبها كل شيء فيه ابتداءً من البوابة الرئيسية حتى الحديقة الكبيرة وحمام السباحة الى مدخل المنزل .

اما عائلة ادهم فقد استقبلوها هي وابنها بترحيب لا يمكن وصفه فهرعت السيدة كوثر نحوهم وقالت وهي تبكي بسعادة غامرة : الف حمد الله على السلامة… نورتي يا بنتي.

ابتسمت مريم فوراً عندما رأت هذه السيدة الطيبة التي كان وجهها يشع نوراً وقالت : الله يسلمك يا طنت.

فنظرت السيده كوثر الى ادهم الصغير الذي كان نائماً في حضن امه وسألت : هو دا حفيدي مش كدا ؟

فابتسم ادهم وقال : ايوا يا ماما… دا ابني ادهم ودي مريم… مراتي.

قال ذلك ثم نظر إلى مريم واضاف : مريم… دي امي واللي جنبها دي تبقى اختي الصغيرة رغد مرات كمال ودا اخويا معاذ ومراته سلوى.

فابتسمت مريم قائلة : اتشرفت بمعرفتكوا يا حضرات.

فقالت رغد : الشرف لينا يا مريم..

اما سلوى فابتسمت قائلة : بسم الله ما شاء الله…. انتي حلوه اوي.

مريم : تسلمي يا سلوى هانم.

سلوى : لأ بلاش هانم دي.. قوليلي بس سلوى احنا بقينى عيلة وحده خلاص .

اما معاذ فقال : سلوى عندها حق… يعني انتي بقيتي وحده مننا.

اما السيدة كوثر فاقتربت منها وقالت : من فضلك يا بنتي ؛ اديني الواد اصلي هم*وت على ما احضنه.

فابتسمت مريم قائلة : متقوليش كدا يا طنت… دا ابن ابنك ومن حقك تشيليه زي ما انتي عايزه.

قالت ذلك ثم اعطتها ادهم الصغير فحملته جدته وسرعان ما بدأت تقبله وهي تذرف الدموع بينما كان الجميع ينظر إليها… اما رغد فقالت : قوليلي بقى يا مريم انتي عندك كام سنه باين عليكي صغيرة.

ارادت مريم ان تجيبها ولكن ادهم سبقها قائلاً : عندها 25 سنه.

فنظرت اليه ولكنها لم تعلق اما معاذ فقال : في فرق عشر سنين بينكوا !

ادهم : ايوا.

واردفت السيده كوثر : قولولي بقى انتوا ليه خبيتوا موضوع زواجكوا عن الكل ؟

ارتبكت مريم ونظرت إلى ادهم اما هو فنظر اليها وتنهد قائلاً : انا السبب يا ماما…بصراحة دي حكاية قديمة وانا هحكيهالكوا.

في تلك اللحظة شعرت مريم بالتوتر الشديد بينما قال ادهم : مريم كانت موظفة في شركتي من خمس سنين تقريباً يعني لما كان عمرها 21 سنه ولانها كانت شاطره اوي في شغلها انا عينتها السكرتيرة بتاعتي وبعد كدا لاقيت انها البنت المناسبة علشان كدا طلبت ايدها بس هي كانت خايفه ان الناس تنتقدها لو اتجوزتني عشان كدا قررنا اننا نتجوز من غير محدش يعرف وفعلاً اتجوزنا بس حصل سوء تفاهم بينا وبسببه طلقتها وهي سابت الشغل في الشركة وسافرت نيويورك ومكانتش تعرف انها حامل بس لما عرفت مكانتش عايزه تحملني المسؤولية علشان كدا خبت موضوع حملها عني وهو دا الغلط الوحيد اللي عملته .

قال ذلك ثم نظر اليها حيث كانت تحدق به بغرابة دون ان تقول اي شيء ثم اضاف قائلاً : وبعد كدا هي خلفت ادهم الصغير في الشهر السابع وقدرت تربيه لوحدها ومكانتش متخيله انها هتقابلني تاني وانا اكتشفت ان عندي ابن من كام يوم بس… وبعدها قررنا اننا نتجوز مرة تانية علشان ابننا يكبر في وسطنا وهي دي كل الحكاية.

فتنهدت السيدة كوثر وقالت : مكنش لازم تخبي حملك عن ادهم ابداً يا بنتي بس اللي حصل حصل بقى واهم حاجة انكوا عملتوا الصح لما رجعتوا لبعض لان زي ما قال ادهم ان ابنكوا لازم يتربى وسطكوا.

فقالت مريم : انا….

لم تكمل لان ادهم امسك يدها وضغط عليها ؛ نظرت اليه بتساءول فهز رأسها بالنفي لذا عرفت انه لا يريدها ان تقول الحقيقة لذا تنهدت وقالت : انا اسفه يا طنت… بس كنت صغيرة وقتها وافتكرت اني بعمل الصح.

السيدة كوثر : ولا يهمك يا حبيبتي واهم حاجة انك قررتي تخلفي وما نزلتيش الجنين زي ما بيعملوا معظم البنات.

فقالت سلوى : طنت كوثر عندها حق واهم حاجة ان عيلتنا زادت اتنين دلوقتي.

فابتسم معاذ قائلاً : فعلاً يا مريم انتي متتخيليش احنا فرحانين قد ايه لانك خلفتي ابن اخويا.

فقالت مريم : انا عمري مفكرتش انزله لان… لان بصراحة هو كان الامل اللي بعيش علشانوا.

فسألتها رغد : طيب وعيلتك رأيهم ايه في الموضوع دا ؟

في تلك اللحظة تغيرت تعابير وجه مريم وغمغمت : بابا وماما…. تعيش انتي.

رغد : انا اسفه.

اما السيدة كوثر فقالت : البقاء لله يا بنتي وربنا يرحمهم.

مريم : تسلمي.

فاراد معاذ ان يغير الموضوع إذ قال بمرح : بس تصدقوا يا جماعة ؛ انا مكنتش متخيل ان ادهم هينسى ميرا ويتجوز …برافو عليكي يا مريم قدرتي توقعيه .

في تلك اللحظة شعرت مريم بيد ادهم تضغط على يدها بينما قال هو بحدة : معاذ… متجبش سيرة البنت دي تاني كلامي واضح ؟

فقال معاذ بتوتر : انا اسف يا ادهم.

اما مريم فنظرت إلى زوجها الذي بدى عليه الغضب من شقيقه بعد ان نطق اسم تلك الفتاة ” ميرا ” فقالت في نفسها : ميرا.. تطلع مين البنت دي وهو ليه مش عايز يسمع اسمها ؟

وبينما كانت تفكر سمعت صوت السيدة كوثر تقول : خلاص يا ولاد… ادهم انتوا لازم تستريحوا دلوقتي علشان كدا خد مراتك واطلعوا الاوضه وانا هبقى انيم ادهم الصغير في الاوضة بتاعته .

هب ادهم واقفاً وقال : ماما عندها حق… انتي تعبتي اوي علشان كدا خلينا نطلع نريح شوية.

فنظرت اليه مريم وابتلعت ريقها من شدة التوتر لمجرد انها تخيلت نفسها معه في نفس الغرفة فلم تعرف كيف تتصرف وخصوصاً لانه امسك بيدها واضاف : يلا بينا.

شعرت بجسدها يخونها ولم تستطيع الحراك الامر الذي جعله يدرك انها متوترة لذا اقترب منها وهمس في اذنها قائلاً : لازم نقعد في نفس الاوضه لاننا متجوزين يا مريم ولو معملناش كدا اكيد عيلتي هيسألوا عن السبب وانا مش عايزهم يعرفوا ايه اللي حصل.

فنظرت اليه وسرعان ما اشاحت بنظرها وقالت : عن اذنكوا يا جماعة.

ثم ذهبت برفقة ادهم الى غرفته وكان قلبها ينبض بسرعة فائقة من شدة التوتر…. وعندما دخلا الى الغرفة اغلق ادهم الباب ثم التفت اليها ….

~ الفصل الثاني عشر ~

﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾

– ذهبت مريم برفقة ادهم الى غرفته وكان قلبها ينبض بسرعة فائقة من شدة التوتر ، وعندما دخلا الى الغرفة اغلق هو الباب ثم التفت اليها حيث كانت تعطيه ظهرها وتفرك يديها بتوتر شديد فابتسم ولم يقل شيئاً بل خلع سترته ومر من جانبها قائلاً : من هنا ورايح احنا هنقعد في الاوضة دي مع بعض ، يعني دي بقت أوضتك انتي كمان وتقدري تعملي فيها كل اللي انتي عايزه .

قال ذلك بينما كان جالساً على الاريكة الفاخرة يفك رباطات حذائه فنظرت اليه وقالت بتلعثم : م.. ممكن اعرف انت ليه خبيت الحقيقة على عيلتك ؛ كنت تقدر تقولهم السبب الحقيقي اللي اتجوزنا علشانه ومكنش في داعي انك تكدب عليهم وتخترع حكاية ملهاش اساس .

فنهض ادهم ثم نظر اليها بجدية وقال : اولاً انا مخترعتش اي حكاية يعني انا قولت ايه اللي حصل بس بطريقة غير مباشرة وبعدين انا عارف بعمل ايه علشان كدا متفتحيش السيرة دي قدام اي حد انتي سامعه ؟

قال ذلك ثم فك اول زرين من قميصه فظهرت في عنقه سلسلة فضية ولكن مريم لم تتمكن من رؤيتها لانها اشاحت بنظرها عنه بسرعة بينما تابع هو قائلاً : ودلوقتي هخش اعمل شاور وبعدها … هنكمل كلامنا.

قال جملته الاخيرة بصوت هامس وكأنه يحاول ان يوصل لها رسالة بكلامه المعقد فارتبكت ورمشت عدة مرات ثم اخذت تحرك نظرها في ارجاء الغرفة بينما ابتسم هو وخلع قميصه ثم دلف الى الحمام ، وما ان اغلق الباب حتى تنفست بعمق ووضعت يدها على صدرها قائلة في سرها : يا دي المصيبة… هعمل ايه دلوقتي ؛ ازاي هقدر اقعد معاه تحت سقف واحد ؟!

– وبينما كانت تتحدث مع نفسها سمعت صوت انسياب الماء صادر من الحمام المرفق بالغرفة ، فاستغلت الفرصة ثم تابعت استكشاف غرفة نومه التي تغيرت تغيراً جذرياً بأمر من السيدة كوثر لتصبح عش زوجية بعد أن كانت غرفة كئيبة وقد كانت واسعة جداً تتميز بديكور أنيق وهاديء تغلب عليه لمسة كلاسيكية واثاث ومنسوجات تأخذ الطابع الإمبراطوري العثماني العريق حيث كان السرير كبير ومصنوع من اغلى انواع الخشب ” خشب المهوجاني ” وظهره من الجلد الاصلي باللون البني الغامق الفاخر وعليه مفروشات حريرية مطرزة باللون الكريمي الممزوج بالذهبي وكانت في غاية الجمال والروعة ، اما الخزانة فكانت عملاقة تغطي معضم الحائط مصنوعة من نفس نوعية الخشب وفي الجهة الأخرى كانت مرآة طويلة مزخرفة ملتصق بها طاولة تزين باربعة ادراج كان عليها عدة زجاجات من العطور بانواع واشكل مختلفة وبعض الكريمات الخاصة بالرجل ، كما ان الستائر كانت طويلة وتتمتع بأناقة وفخامة وترف ألوان الاحمر البرغندي الغني کلون النبيذ المعتق لتعطي الغرفة اجواء رومانسية مع ثرية كريستالية ضخمة معلقة في السقف ينبعث منها شعاع ذهبي ساحر ينعكس على تلك السجادة الخمرية العملاقة التي اتخذت من ارضية الغرفة الرخامية موقعاً لها وحولها ثلاث أرائك مصنوعة من نفس نوعية خشب السرير بمفروشات مخملية فاخرة باللون الكريمي الممزوج بالذهبي وطاولة خشبية مربعة الشكل عليها اناء زهور فاح عبيرها في ارجاء المكان ، كما كانت الجدران ملبسة باجود وافخر انواع ورق الحائط الذي تغلب عليه عذوبة اللون الفضي الفاخر الذي يتعانق مع اللون الابيض معلقاً على احداها تلفاز كبير شاشتة رقيقة جداً ، بالاضافة إلى الشرفة الواسعة والتي عليها ارجوحة ومقاعد مريحة مصنوعة من القش وطاولة زجاجية .

فاخذت تجوبها بنظراتها التي غلبت عليها الدهشة لفخامة الديكور وقالت : بسم اللّه ما شاء الله… ايه العز دا كله ؛ دي أوضة نوم ولا متحف ؟!

– وبينما كانت تستكشف الغرفة التي ستعيش فيها منذ الان فصاعداً وقع نظرها على طاولة التزين فاقتربت منها ثم امسكت احدى زجاجات العطر الخاصة بزوجها ادهم ؛ رفعت الغطاء عنها ثم قربته من انفها فأغمضت عينيها وابتسمت ابتسامة واسعة وكأنها مدمن مخدرات اخذ حقنة وسببت له النشوة ، فابعدت غطاء الزجاجة عن انفها ثم اعادتها مكانها وبعدها اقتربت من الخزانة … فتحتها واخذت تحدق بملابس حبيبها الفاخرة والتي كان معظمها باللونين الأبيض والأسود فمررت اصابعها على القمصان المرتبة حسب درجات الالوان ابتداءً من الابيض مروراً بالازرق الفاتح يليه الكحلي ثم الاسود … وبعدها فتحت الشقة الاخرى حيث كانت البدلات الرسميّة المصنوعة من افخم انواع الاقمشة ومن تصمصم اشهر المصممين المحترفين وتساءلت بصوت خافت : هو ما بيلبسش غير الالوان الغامقة ولا ايه ؟

في تلك اللحظة سمعت مقبض باب الحمام يدور لذا انتابها التوتر فوراً فاغلقت الخزانة بسرعة ولم تعرف الى اين تذهب وسرعان ما خطرت على بالها فكرة غبية حيث انها استلقت على السرير وادعت النوم ؛ اما ادهم فخرج من الحمام وهو يرتدي روب الاستحمام الذي كان باللون الكحلي بينما كان ينشف شعره بمنشفة اخرى فابتسم تلقائياً عندما رآها مستلقية على سريره وتعطيه ظهرها ، ادرك على الفور انها تكذب فلم يعلق بل فتح خزانته واخذ يرتدي ملابسه بينما كانت هي تغمض عينيها بشدة وقد شعرت بقلبها يهوي خصوصاً لانه رمى المنشفة بجانبها على السرير فبدأت دقات قلبها تخفق بسرعة فائقة .

سرعان ما ارتدى ادهم ملابس عادية ومريحة مكونة من بنطال اسود وتيشرت رمادية ضيقة تبرز عضلات بطنه وكانت بأكمام طويله ثم امسك زجاجة العطر التي امسكتها مريم سابقاً ورش منها رشتين ثم اعادها الى مكانها والتفت الى تلك الكاذبة التي كانت تستلقي على سريره وتتنفس بسرعة فابتسم ثم قال بصوت رزين : انا هطلع دلوقتي علشان تعملي شاور براحتك والعشا هيبقى الساعة تمانيه ؛ متتأخريش .

قال ذلك ثم تحرك نحو باب الغرفة بخطوات رزينه وما ان خرج حتى فتحت مريم عينيها ثم اعتدلت بجلوسها على السرير وتنفست الصعداء قائلة : يا دي الكسفة… دا كان عارف اني مكنتش نايمة بس كدا احسن بكتير دلوقتي هقدر اتصرف على طبيعتي وهخش اعمل شاور بقى .

قالت ذلك ثم توجهت نحو حقيبة سفرها التي كانت في الزاوية بالقرب من الباب ثم حملتها ووضعتها على السرير وبعدها فتحتها واخذت تحدق بملابسها محتارة ما الذي يجب ان ترتديه على العشاء برفقة عائلته زوجها فهي ارادت ان تظهر امامهم بمظهر لائق ومحترم ، لذا اخرجت فستان اسود بسيط يصل الى حد الركبة باكمام طويلة مخرمة بالاضافة الى ملابسها الداخلية والشامبو الخاص بها ثم دلفت إلى الحمام الفاخر ؛ وضعت ملابسها جانباً واخذت تحدق بأرجاء المكان كما لو انها لم ترى حماماً من قبل فقالت بدهشة : هو دا حمام ولا ايه بالزبط ؟

وفي الاسفل حيث كان افراد عائلة السيوفي مجتمعين في غرفة المعيشة اقترب ادهم منهم وجلس مقابلاً لامه قائلاً : مريم هتنزل بعد ما تعمل شاور.

فابتسمت السيدة كوثر وقالت : مراتك باين عليها بنت حلال.. برافو عليك يا ابني عرفت تنقي .

اما رغد فقالت : قولي يا ادهم …ايه شعورك بعد ما اتجوزت اخيراً وبقى عندك ابن ؟

فتغيرت تعابير وجه ادهم واصبحت جدية حيث قال : عارفه الشعور الحلو اللي يبقى معاه شعور الخوف والقلق.. هو دا شعوري دلوقتي ، انتي اكيد تعرفيه لأنك هتبقي ام بعد خمس شهور.

فسأله معاذ بقلق : ليه بتقول كدا يا ادهم ؟

اجابه ادهم : لان ابني خلق قبل آوانه يا معاذ يعني النمو عنده بطيء علشان كدا حجمه صغير اوي ، وكمان هو عمل عملية من كام يوم بس وكان من الممكن يجراله حاجه علشان كدا انا خايف عليه جداً اما مريم… فهي عاشت برا مصر لفترة طويلة وانا خايف انها مش هتقدر تتأقلم هنا وخصوصاً لانها لسه صغيرة .

فابتسمت سلوى قائلة : خوفك دا شيء طبيعي يا ادهم علشان انت اكتشفت ان عندك ابن من فتره قصيرة بس وكمان بقيت راجل متجوز دلوقتي و مسؤوليتك كبرت يعني طبيعي انك تقلق …بس انا متأكدة ان الجاي هيبقى احلى لان مريم باين عليها بنت طيبة اوي ، دي حتى سمت ابنكوا على اسمك ودا لوحده دليل على انها بتحبك جداً .

في تلك اللحظة شرد ادهم بفكره واخذ يفكر بكلام سلوى فقال في سره : اه صحيح… هي مريم ليه سمت ابننا على اسمي ؛ كانت تقدر تسميه اسم تاني يبقى ليه اختارت تسميه بنفس الاسم ؟

وبعد تفكير تساءل : معقول تكون بتحبي زي ما قالت سلوى ؟!

وبينما كان يفكر قطع حبل افكره صوت امه التي قالت : متقلقش يا ابني…وزي ما قالت سلوى ان قلقلك دا شيء طبيعي واهم حاجة دلوقتي ان اخيراً بقى عندي حفيد هينور حياتنا .

في تلك اللحظة شعرت سلوى بالحزن حيث انها لم تنجب اي طفل خلال سنوات زواجها الستة فظهر ذلك على وجهها بينما كان حال زوجها معاذ كحالها وقد انتبه عليها فامسك بيدها قائلاً بهمس : متزعليش يا روحي.. دا امر ربنا وانتي مالكيش ذنب .

فقالت بصوت خافت : ونعم بالله.

بينما سأل ادهم اخته : امال فين جوزك انا مشفتوش من ساعة ما جينا.

فقالت رغد : هو قال ان عنده شغل وجايز يتأخر عشان كدا قال لي افضل عندكوا الليلة دي وهو هيجي يروحني بكرا الصبح.

وفي تلك الاثناء نزلت مريم من الغرفة وكانت جميلة كالعادة بذلك الفستان الأسود البسيط وتسريحة شعرها الناعمة كما انها لم تضع اي مستحضرات تجميل بل تركت جمالها الطبيعي يُظهر أنوثتها وبرائتها ؛ توجهت نحوهم بخطوات بطيئة وقالت بصوت مرتبك : مساء الخير يا جماعة.

فنظر الجميع اليها وابتسموا بينما ردت عليها السيدة كوثر قائلاً : مساء النور يا حبيبتي… تعالي اقعدي جنبي علشان ابصلك كويس .

شبكت مريم يديها ببعضهما ثم نظرت تلقائياً إلى ادهم الذي كان يحدق بها بهدوء وبنظرات تحمل الكثير من التساؤلات مما جعلها ترتبك اكثر لذا اشاحت بصرها عنه بسرعة ونظرت الى السيدة كوثر وابتسمت بلطف قائلة : حاضر يا طنت.

قالت ذلك ثم جلست بجانبها باحترام فاخذت السيدة كوثر تثني على جمالها وامسكت ذقنها بلطف قائلة : بسم اللہ ما شاء الله…ايه الحلاوة دي كلها يا حبيبتي انتي تاكلي ايه علشان تبقي حلوه بالشكل دا ؟

شعرت مريم بالخجل يعتلي وجنتيها فابتسمت وغمغمت : ربنا يكرمك.. دي عينيكي الحلوه علشان كدا بتشوف كل حاجة حلوه .

ابتسمت رغد وقالت ممازحة : ايه دا ايه دا…الظاهر ان ست الكل نسيتني انا وسلوى بعد ما قابلتك يا مريم .

فضحكت السيدة كوثر وسألت : هي الغيرة اشتغلت ولا ايه ؟

اما سلوى فابتسمت بلطف واردفت : ماما كوثر عندها حق ؛ انتي حلوه اوي يا مريم واكيد بناتك هيبقوا حلوين زيك .

فنظرت مريم الى ادهم وارتبكت بعد قول سلوى وسرعان ما التفتت اليها قائلة : ميرسي يا سلوى دا انتي اللي حلوه بس بصراحة انا مبفكرش اني اخلف تاني.

في تلك اللحظة سمعت صوته الرجولي يقول : بس انا عايز كمان ولاد .

التفت الجميع اليه حيث كان جالساً على نفس الوضعية واضعاً قدمه اليمنى فوق اليسرى ويكتف ذراعيه ولم يتحرك شبراً واحداً ، ونظرت مريم اليه بصدمة شديدة بينما اضاف قائلاً : يعني ابني لازم يبقى عنده اخ او اتنين علشان يلعب معاهم وميحسش بالوحده مش كدا يا ماما ؟

ابتسمت السيدة كوثر وصفقت بيدها مرة واحده قائلة بحماس : طبعاً يا حبيبي …دا هيبقى على قلبنا احلى من العسل.

قالت ذلك ثم امسكت بيد مريم واضافت : علشان كدا عايزاكي تخلفيلنا بنوته حلوه زيك يا حبيبتي ماشي.

احنت مريم رأسها لان الخجل وصل بها الى ذروته فاحمرت وجنتيها وضاق تنفسها فابتلعت ريقها ولم تعلق بينما قالت رغد : مخلاص بقى يا جماعة… انتوا مش شايفين ان مريم مكسوفه ؟

فابتسم معاذ قائلاً : وتتكسف ليه دا شيء طبيعي بما انها متجوزه .

في تلك اللحظة اتت وفاء ابنة العم محمود وقالت : العشا جاهز يا طنت كوثر .

فنظرت السيدة كوثر اليها وقالت : ماشي يا وفاء.. يلا بينا يا جماعة .

– فنهض افراد العائلة بمن فيهم مريم التي كانت ما تزال مصدومة بسبب ما سمعته من ادهم بشأن انجاب المزيد من الاطفال ثم توجهوا جميعاً الى غرفة المائدة حيث كانت مرتبة بشكلٍ جميل وعليها أشهى المأكولات والمشروبات بانواع مختلفه ؛ جلست السيدة كوثر على رأس الطاولة بينما جلس ادهم مقابلاً لها وبجانبه من جهة اليمين جلست مريم اما على جهة اليسار فجلس معاذ وبجانبه زوجته سلوى ومعهما رغد وكانت مريم تشعر بالتوتر يسيطر عليها ولم تستطيع رفع رأسها ابداً فنظر الجميع اليها وقال معاذ : متتكسفيش يا مريم.. انتي بقيتي وحده من عيلتنا دلوقتي يعني اتصرفي على طبيعتك.

فنظرت اليه وقالت : متشكره.

اما رغد فقالت : يلا يا جماعة اتفضلوا.

وبدأوا يتناولون طعامهم بينما كانوا يتحدثون بأمور مختلفه ويضحكون الا مريم وادهم حيث كانا يتناولا طعامهما بصمت… فهو كان يفكر بما قالته سلوى وان كانت مريم تحبه حقاً ام لا اما هي فكانت تشعر بالرعب بسبب ما قاله بشأن انجاب أطفال اخرين حيث ان الفكره ارعبتها جداً خصوصاً لان علاقتهما كانت معقدة للغاية.

وبعد العشاء جلسوا في غرفة المعيشة فقالت رغد : قوليلي بقى يا مريم… انتي خريجة ايه ؟

مريم : انا خريجة برمجة تطبيقات وهندسة إلكترونيّة بس محصلتش على فرصة علشان اشتغل في البرمجة لغاية دلوقتي .

معاذ : ازاي يعني ؟

فقال ادهم : هي كانت متدربه في شركتي بس اقبل ما تبقى مبرمجة عينتها السكرتيرة بتاعتي وبعدها هي سافرت نيويورك وبقت تشتغل في شركة تجارية .

نظرت مريم اليه ثم ابعدت نظرها واضافت قائلة : ايوا…انا اشتغلت مدققة حسابات في شركة صديق ليا وبعد كدا بقيت مديرة قسم المالية في الشركة بس اضطريت اني اقدم استقالتي علشان ارجع مصر.

فسألتها سلوى : ومش ناويه تشتغلي هنا ؟

ارادت مريم ان تتحدث ولكن ادهم سبقها بقوله : هي هترجع تشتغل في شركتي وهتبقى السكرتيرة بتاعتي مرة تانية .

نظرت مريم إليه وقالت بدون وعي : عايزني ارجع وابقى السكرتيرة بتاعتك ؛ احنا متفقناش على كدا.

فرمقها بنظرة حادة لانها نسيت نفسها وقال بصوت يغلبه الجمود : هنتكلم في الموضوع دا بعدين.

في تلك اللحظة انتبهت الى الاخرين الذين كانوا يحدقون بها ورمشت عدة مرات ثم نهضت قائلة : هروح اطمن على ادهم الصُغير ، هي فين الاوضة بتاعته ؟

فقالت السيدة كوثر : جنب الاوضه بتاعتك انتي وادهم.

فنظفت مريم حلقها لان وقالت : متشكره ، عن اذنكوا يا جماعة.

قالت ذلك ثم تحركت بخطوات سريعة نحو السلالم وصعدت الى الطابق العلوي بينما كان في قلبها امواج تسونامي تتخبط في جدران صدرها… اما ادهم فنهض ايضاً وقال : وانا كمان هطلع انام اصلي تعبان اوي… تصبحوا على خير.

رد البقية عليه : تلاقي الخير.

– ثم صعد إلى غرفة ابنه حيث كانت مريم جالسه بجانب الصغير على السرير بينما كان هو نائماً بعمق في ذلك الفراش المبهج بالنسبة للاطفال حيث كان عليه رسومات لأبطال خارقين كما ان غرفته كانت مليئة بالألعاب بأشكل وانواع مختلفه وكان يغلب عليها اللون الازرق السماوي والابيض ؛ وقف عند عتبة الباب يحدق بها وهي تربت على صدر ابنها بلطف بينما كانت شاردة الذهن وكأنها سافرت بخيالها الى مكان بعيد ولم تسمعه عندما تحدث سألها : عجبك البيت ؟

بل استمرت بشرودها بينما كان يتحدث معها الى حين اقترب منها ووضع يده القوية على كتفها… وحين شعرت به شهقت شهقة صغيرة وسرعان ما انتفضت من مكانها ونظرت اليه وقالت باندفاع : خضيتني يا ادهم !

سحب ادهم يده وقال : بقالي ساعة بكلمك وانتي مش سمعاني !

قالت بارتباك : انا …انا… كنت…

فقاطعها حين امسك معصمها فجأة وقال : خلاينا نتكلم في الاوضه بتاعتنا لان ادهم ممكن يصحى لو سمع صوتنا .

قال ذلك وسحبها خارج غرفة ابنهما ثم دخلا الى غرفتهما فاغلق الباب وقال : لو عايزه تسألي عن حاجة فانا هجاوبك دلوقتي.

نظرت اليه بينما كان نفسها على وشك الانقطاع من شدة التوتر ولكنها استجمعت رباطة جأشها وسألته : ممكن اعرف كان لازمته ايه هزارك البايخ اللي قولته قدام اهلك ؟

رفع ادهم حاجبه الايسر وقال : هزار ، بس انا مهزرتش خالص.

مريم : قصدي موضوع الخلفة دا… حضرتك كنت تقصد ايه لما قولت انك عايز ولاد غير ادهم ؟

كتف ادهم ذراعيه واجابها بثقة : انتي كنتي فاكره اني بهزر ، لا يا مريم انا كنت بتكلم جد وجد اوي كمان.

قطبت مريم حاجبيها وقالت بتلعثم : ق.. قصدك… انت عايز …

فقاطعها بقوله : ايوا..

فقالت باندفاع : بعينك ، انا مش هسمحلك تلمسني مرة تانية ابداً… علشان كدا متقربش مني خالص انت فاهم !

قالت ذلك وهي ترتجف اما هو فشعر بالحزن لانها كانت تخاف منه فسألها بصوت تشوبه الحسرة والندم : لسه بتخافي مني بعد اللي حصل ؟

ذرفت الدموع وقالت : وانت نسيت اللي عملته فيا ؛ انا مش هقدر اسامحك ابداً ولا هسيبك تقرب مني وحط كلامي دا حلقه في ودانك.

ادهم : بس اللي حصل زمان كان اتفاق بينا وانا اتجوزتك علشان تبقى علاقتنا شرعية ولا انتي نسيتي الكلام دا ؟

اجابته بصوت مجروح وينزف ألم : انسى … انا عمري ما هنسى ازاي عاملتني زي الـ … المجرمين علشان كدا انا مش هسامحك ابداً ولا هسيبك تقرب مني خالص .

فاقترب ادهم منها بخطوة واحدة وقال : بس دا حقي الشرعي بما انك مراتي .

اما هي فعادت خطوتين للوراء وقالت بنبرة متألمة : حقك الشرعي وانا مش عايزه اديهولك… ايه رأيك بقى واعلى ما في خيلك اركبه يا ادهم بيه .

بعد قولها ذاك شعر ادهم بقلبه يتمزق لان محبوبته بدت خائفة منه للغاية لذا لم يريد ان يضغط عليها اكثر فتنهد وقال : ماشي يا مريم… عاندي ﺑﺮﺍﺣﺘﻚ دلوقتي بس مصيرك ﻫﺘوقعي ﻓﻰ ﺍﻳﺪي ساعتها هتديني كل حقوقي انا بوعدك .

قال ذلك ثم خرج من الغرفة كلها بوجه متألم وملامح حزينة وذهب الى غرفة ابنه ، جلس بجانبه ثم قال بصوت خافت : هتسامحيني يا مريم… وبكرا هتشوفي .

اما هي فجلست على احدى الارائك وبدأت تبكي بصمت فوضعت يدها على صدرها وقالت : انا اسفه يا ادهم.. بس عمري ما هقدر انسى معاملتك القاسية اللي عاملتني بيها… انت جرحتني اوي حتى انك ض*ربتني ومسبتنيش اكمل كلامي ولا سمعت مني .

في منتصف الليل….

عاد ادهم الى غرفته فاغلق الباب بهدوء ثم التفت فوجد زوجته نائمة على الاريكة بعد ان بدلت فستانها بملابس النوم ، وقف يحدق بها بتمعن ثم تنهد واقترب منها بخطوات هادئة وسرعان ما حملها بلطف ووضعها على السرير ثم استلقى بجانبها واخذ يتأمل وجهها الذي يعشقه بتمعن وبعدها حرك يده اليمنى ليبعد خصلة من شعرها الناعم حيث التصقت على جبينها فتنهدت اثناء نومها وسرعان ما اقترب منها ثم خطف قبلة صغيرة من شفتيها واستمر بالنظر إليها حتى غلبه النعاس وسقط في النوم .

اما في مكان اخر وبعيداً عن قصر عائلة السيوفي…..

كانت الهام مستلقية في سريرها ولكن لم يغمض لها جفن طوال الليل لانها كانت تفكر بحبيبها الذي فارقته فنزلت دمعة مريرة من عينها وقالت في سرها : معقول هقدر انساك يا خالد ؛ ازاي هقدر انسى حب دام اربع سنين ويا ترى انت هتفتكرني لو تقابلنا تاني في يوم من الايام ؟

وفي صبيحة اليوم التالي …..
ً
اشرقت الشمس لتملأ الكون نوراً وضياء معلنة عن بداية صباح يوم جديد تنبعث منه رآئحة الاشتياق يمتلىء بالحنين ، ففتحت مريم عيونها ببطء حتى أستقر نظرها على سقف الغرفة وسرعان ما بدأت تتذكر احداث اليوم السابق ولم تستوعب بعد انه كان نائماً الى جوارها ، ولكنها ادركت اخيراً ان ذراعاً قوية مألوفة كانت تعانق خصرها وتتشبث بها فتجمدت مكانها واتسعت عيناها على وسعهما دون أن تجرؤ على الاستدارة الى الجانب الآخر من السرير ؛ حركت رأسها ببطء لتتوقف عينيها على التيشرت الرمادية التي كانت ملتصقة بصدره العريض وفتحتهما أكثر لترتفع بنظرها الى عنقه ثم ذقنه حتى توقفت اخيراً عند وجه حيث كان نائماً بعمق وهو يحتضنها .

كتمت شهقتها بيدها بينما كاد قلبها يفر هارباً من بين ضلوعها لشدة تسارع نبضاته حيث بدأ صدرها يعلو ويهبط جراء تنفسها الغير منتظم واخذت تحدق به بغير تصديق ؛ ارادت ان تنهض بسرعة ولكن سرعان ما لفتت نظرها السلسلة الفضية التي كانت معلقة حول عنقه ، فرمشت عدة مرات ثم استجمعت شجاعتها وحركت يدها ببطء شديد وامسكت السلسلة بينما كانت عيونها تراقب وجهه بترقب وحذر شديدين .

وما ان اصبحت بيدها واخرجتها من تحت التيشرت حتى تغيرت ملامح وجهها واتسعت عيناها وعقدت حاجبيها وسرعان ما فتحت القلادة الملتسقة بها لتصبح صدمتها اكبر حيث ظهرت امامها صورتها هي وشقيقتها مرام عندما كانتا اصغر سناً ، فتجمدت حركتها تماماً وشل لسانها عن الكلام محاولة ان تستوعب ما الذي تفعله قلادتها حول عنق ادهم عزام السيوفي فهي فقدتها منذ خمس سنوات تقريباً حتى انها نسيت امرها تماماً لذا حركت نظرها نحو ذلك الرجل الذي كان يعانقها وهو نائم بهدوء واخذت تحدق به وعلامات الاستفهام تعلو وجهها ولكن ليس لوقت طويل ؛ فهو تحرك اثناء نومه وابعد يده التي كانت تحتجزها وسرعان ما فتح عيناه ببطء ليجدها جالسة بجانبه على السرير تحدق به بصدمة واضحة الامر الذي جعله يرسم ابتسامة صغيرة على شفتيه وقال : صباح الخير .

ثم ابعد الغطاء عنه وانتصب واقفاً بينما كانت هي تلاحقه بنظراتها بصمت مرعب وهو يتوجه نحو الحمام ، وسرعان ما انتفضت من مكانها كما لو ان افعى سامة قد لدغتها ثم لحقت به ووقفت امام باب الحمام بينما كان هو يغسل وجهه ودون أي مقدمات سألته : ايه اللي جاب السلسة بتاعتي لرقبتك يا ادهم ؟

في تلك اللحظة توقف ادهم عن غسيل وجهه لمدة ثواني ولكن سرعان ما تابع فعل ذلك دون ان يعلق اما هي فقالت مجدداً : انا سألتك سؤال يبقى جاوب عليه بسرعة !

اغلق ادهم صنبور المياه ثم امسك بالمنشفة الصغيرة ونشف وجهه وبعدها التفت اليها وقال بهدوء : دي بقالها معايا تقريباً خمس سنين وعمري ما شلتها عن رقبتي ابداً .

فنظرت اليه بغير تصديق وسألته بتلعثم : لاقيتها فين ؟

نظر اليها مطولاً ثم تحرك نحوها بخطوات ثابتة قائلاً : دي وقعت منك في الفيلا بتاعتي لما….

فقاطعته بقولها وهي تعود بخطواتها للوراء : طيب ليه احتفظت بيها ؛ ليه مارجعتها لي في اليوم اللي طلقتني فيه !

اجابها وهو يتقدم نحوها بخطوات بطيئة قائلاً بصوت ينبعث منه ألم الحنين والأشتياق : لاني كنت عايز حاجة تفكرني فيكي على طول .

فسألته بصوت يكاد يختفي : ليه ؟

أقترب منها اكثر وبحركة واحدة امسك بخاصرتها مما جعل قلبها يهوي ثم شدها اليه حتى اصبحت قريبة منه جداً وهمس لها بصوت عاشق ولهان : عشان بحبك يا مريم.

في تلك اللحظة اتسعت عيناها بشدة واخذت البرودة تسري في جسدِها بالرغم من دفء المكان وشعور مخيف تسلل الى اعماق قلبها عندما سمعت ما قاله فسبب لها دوار شديد وبالكاد حملتها اقدامها مما جعلها تمسك بالتيشرت التي كان يرتديها وعيونها المصدومة لا تفارق عيناه فقالت بصوت كاد ان يختفي : ق.. قولت… ايه !

لم يعلق بل امسك وجهها بكلتا يديه وجذبها نحوه دون ادنى اعتراض منها ووضع شفتيه على شفتيها مقبلاً اياها في عناق طويل ، وكل ما شعرت به بعد ذلك رعشة عنيفة ض*ربت اوصال جسدها وكأن النار اشتعلت فيها فحاولت ابعاده عنها ولكنه امسك بمؤخرة رأسها وغرس اصابعه بين خصلات شعرها الطويل ثم تابع تقبل شفتيها بتملك اوهنها واضعف ساقيها وكأنه عطشان منذ سنوات وجد ضالته اخيراً ليرتوي من شهد شفتيها دون توقف ؛ في تلك اللحظة اغمضت عيناها بشدة ونزلت دموعها ثم سمحت لمشاعر الحب ان تتحكم بها لذا ضغطت بيدها على التيشرت التي كان يرتديها بقوة ولولا حاجتهما للأوكسجين لما حرر شفتيها ، فابتعد عنها قليلاً ليعطيها مجالاً للتنفس بينما كان صدره يعلو ويهبط بسرعة ، بينما احنت رأسها بصمت واخذت الدموعها تنساب على وجنتيها فامسك بذقنها ثم رفع رأسها لتنظر اليه ومسح دموعها قائلاً بهمس : بحبك يا مريم… مش بس بحبك وانما بم*وت فيكي والكلام دا مش من دلوقتي …انا حبيتك من اول مرة شفتك فيها وعارف انك طاهرة و بريئة وانك عملتي كل حاجة علشان تنقذي اختك الله يرحمها وكنت هقولك اني بحبك بس انتي سافرتي من غير ماتقوليش اي حاجة .

فاستمرت دموع مريم بالانهمار غزيرة وهي تنظر إلى عيناه وتستمع الى كلامه فقالت بصوت مبحوح : بتحبي ؛ امال ليه جرحتني يا ادهم … ليه عاملتني بقسوة وسبت جرح كبير في قلبي ؟

فعانقها بقوة كادت ان تسحق عظامها وقال بنبرة متألمة : غصب عني… مكنتش اعرف الحقيقية وقتها وافتكرت انك… عملتي كل حاجة عشان الفلوس بس قلبي مقبلش يصدق اي حاجة علشان كدا اتجوزتك ومطلقتكيش لاني كنت عايز اعرف السبب اللي خلاكي ترخصي نفسك يا حبيبتي .

بعد قوله ذاك اجهشت مريم بالبكاء الشديد وانهمرت الدموع من عينيها كالسيل الجارف فغسلت وجهها وبللت جسمه وهو يحتضنها بقوة ولم تستطيع التحدث او قول اي شيء فقط تعالت أصوات شهقاتها لتخترق قلبه كما لو انها سهام ملتهبة اشعلت النار في صدره فانسابت دمعة من عينه جعلته يحكم عناقها بقوة اكبر وهمس في اذنها قائلاً : ششش… متعيطيش ، انا اسف .. والله العظيم اسف.

ولكن مريم استمرت بالبكاء في حضنه حتى اخرجت كل الألم والحزن الذان كانا يعتصران قلبها منذ سنوات ، واخذت تعبر عما في نفسها من لوعة وحسرة لذا بكت وبكت وبكت حتى احمرت عيناها وانفها واغرقت التيشرت التي كان يرتديها بالدموع… وبعد ان هدأت قليلاً ابعدها عنه لمسافة قصيرة ثم امسك ذقنها ورفع رأسها لتنظر اليه ثم مسح اثار دموعها عن وجنتيها قائلاً : انا اسف… اسف على كل حاجة….اسف لأنك سبتي مصر بسببي ، واهم حاجة اسف لاني طلقتك وسبتك تتعذبي لوحدك.

تدحرجت دمعة حارة من عينها اليسرى وهي تنظر اليه ثم رفعت يدها وابعدت يده عن وجهها ببطء قائلة بصوت مبحوح : لما انت بتحبني زي ما بتقول وكنت عارف الحكاية من الاول يبقى ليه اتعمدت تجرحني مرة تانية لما طلقتني في نيويورك .. ليه جرحتني بكلامك يا ادهم ؟

في تلك اللحظة احنى ادهم رأسه ولأول مرّة في حياته كلها وقف صامتاً لا يعلم ماذا يقول…عجز لسانه عن الكلام ووقف يحدق بالارض كوقفة سجين ينتظر حكم اعدامه ولم يبقى من عمره الا القليل واصابعه تعد ايامه فلم يقل اي شيء سوى كلمة واحدة مجروحة متوسلة نطق بها لتخترق قلب مريم وتصل إلى اعماق اعماقها ” سامحيني ”

قال ذلك ثم رفع رأسه ونظر اليها بعيون حمراء اغرقتها الدموع وسرعان ما انسابت على وجهه فذهلت مريم عندما رأت ان ذلك الرجل القوي البارد الجبار قد بكى من اجلها هي ..لقد كانت تظن انه اقوى شخص قابلته في حياتها ومن المستحيل ان يذرف الدموع في يوم من الايام امام اي احد ولكنه بشر ايضاً بالاضافة لكونه رجل قوي… واذا بكى رجل مثله لاجل امرأه فهذا يعني انه يحبها ولا يعيش الا لاجلها ..اذا بكى لاجل الحب فهذا هو الحب الصادق النبيل الذي يسمو فوق الكرامة وفوق كل الكلمات التي نصوغها عندما نقرر الفرار من الحب… نعم يبكي ليس ضعفاً ولا خذلان وانما لانه بشر فليس البكاء كما يقال دوماً هو للنساء فقط ، بل يبكي الرجل لان له قلبا ًوروحاً واحاسيس ، يبكي لان البكاء يريح القلب وقلبه هو ارهقته مآسي الحب‏ …حبه لها اصبح هوس بل اكثر وقد تعدى الجنون حيث انه احبها اكثر من نفسه واكثر من اي شيء في الوجود والشخص الوحيد الذي من الممكن ان ينافسها على حبه لها هو ثمرة حبهما الصغيرة ابنهم الذي زرع برعم الفرح والسرور في حياتهما الكئيبة.

– فلم تشعر بيدها الناعمة عندما ارتفعت ببطء لتمسح دموعه النادرة التي كانت اغلى من الماس بالنسبة لها وسرعان ما احتوته بين ذراعيها واخذت تربت على ظهره بلطف مما جعله يجهش بالبكاء قائلاً من تحت انفاسه الملتهبة : سامحيني يا مريم.. سامحيني يا حبيبتي.

احكمت مريم عناقه وكأنها نسيت كل شيء حدث او فقدت ذاكرتها وقالت : ششش متعيطش… معقول انت تعيط يا ادهم .. ليه … مفيش حاجة في الدنيا دي كلها تستاهل انك تعيط علشانها.

فابتعد عنها قليلاً ثم نظر إلى وجهها قائلاً : لأ في… انتي يا مريم ، انتي وابني نقطة ضعفي الوحيدة وانا ممكن ام*وت لو جرالكوا حاجة وحشة … انتي ما تتخيليش ازاي كنت عايش وانتي بعيدة عني… كنت شبه الميت لا بعرف انام ولا بعرف اصحى من غير ما افكر فيكي .

فنزلت دمعة اخرى من عيون مريم وقد شعرت بسعادة غامرة حيث ارتسمت علامات الفرح على محياها وانقشع عنها الشعور بالهزيمة وأصبحت تشعر بالنخوة والانتصار وكاد قلبها يقفز من بين ضلعوعها فرحاً وسروراً فملأ كيانها فرح فريد لم تعرفه من قبل وفيض من السعادة لا يوصف لان حبيبها الازلي الذي ظنت انه تزوجها من اجل ابنه قد اعترف بحبه لها واتضح أنه كان مغرماً بها منذ زمن بعيد فابتسمت ابتسامة غمرتها السعادة وتهللت أساريرها وبرقت عيناها وقد فاضتا دموعاً فازدادت جمالاً وقالت متلعثمة بكلماتها : للدرجة دي بتحبني يا ادهم ؟

شعور مفرح استوطن في قلب ادهم عندما رأى ابتسامتها الجميلة التي افقدته عقله فابتسم لها بدوره وگأنه مراهق صغير منفعل سيخرج مع حبيبته في أول موعد غرامي وامسك يدها مقبلاً اياها وكأنها ترياق خلصه من تأثير سم الاشتياق لها واردف قائلاً : حب ايه دا … انا عديت المرحلة دي من زمان اوي وبقيت بعشق كل تفاصيلك مش بس بحبك… ضحكتك.. شعرك عينيكي الحلوه .. صوتك ، حتى ريحة الپارفان بتاعك لسه فاكرها وبتقوليلي حب !

فاحمرت وجنتاها خجلاً بعد سماع ذلك وتهدجت انفاسها وطاطات بنظرها الي الارض وقالت بينما كانت تبتسم : وانا كمان..

اتسعت ابتسامة ادهم واقترب منها اكثر قائلاً : قولتي ايه ؛ مسمعتش انتي قولتي حاجة ؟

ازدادت مريم خجلاً ولكن ذلك لم يمنعها من تكرر ما قالته فاردفت قائلة بينما تحني رأسها : وانا كمان… بحبك.

في تلك اللحظة صدرت ضحكة رنانه عن ادهم عندما اخذها في حضنه وقال بنبرة تملؤها السعادة : واخيراً…دا اسعد يوم في حياتي كلها.

قال ذلك وهو يعتصرها بين ذراعيه بينما كانت هي سعيدة ايضاً ولكن ليس لوقت طويل فلا بد للقدر من ان يلعب لعبته المعتادة حيث رن هاتف ادهم فتجاهله تماماً لكنها قالت له : موبايلك بيرن يا ادهم.

اجابها وهو يحكم عناقها : انسيه وخلينا في اللي احنا فيه دلوقتي.

فابتسمت وابتعدت عنه قليلاً ثم اردفت : لازم ترد… جايز مكالمة مهمة.

تأفأف ادهم وقال بتذمر : طيب هرد بس هنرجع نكمل كلامنا تاني ماشي .

قال ذلك وغمزها فاحمرت خجلاً وابتسمت اما هو فتوجه نحو هاتفه وعندما قرأ الاسم اجاب قائلاً : ايوا يا كمال .. عايز ايه من الصبح كدا ؟

فقال كمال بدون مقدمات وبنبرة جادة : احنا في مشكلة يا ادهم…

بقلم نونا المصري.

رواية عن العشق والهوى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *