حتى اقتل بسمة تمردك 3

الحلقة (12):

إتسعت عيناها في ذهول بالغ عندما رأته أمامها ، في حين تسارعت ضربات قلبها عندما سمعته يحيها بصوته العميق:
-صباح الخير يا داليا.
عقد لسانها و لم تعرف ماذا تقول ، و بصعوبة خرج إسمه من بين شفتيها:
-مستر عز الدين !!
كان”عز الدين”يقف أمامها بثقة و كبرياء و حزم كما عرفته دائما و قد أضفت عليه ملابسه الداكنة قسوة و تمرد بالغين ، فهو لم يكن يرتدي بذلته السوداء الرسمية التابعة لعمله بل كان يرتدي سروالا أسود و قميصا رماديا أسفل كنزة سوداء صوفية ضاقت حول ذراعيه حيث أبرزت عضلاته القوية و بنيته العريضة الصلبة ، حتي في أبسط إطلالاته لم يتخلي عن هيبته و عنفوانه اللتين لطالما تمتع بهما ..
كانت تطل من عينيه نظرة متفحصة شملت كل جزء من ملامحها المصدومة ثم أخيرا نطق فقال بهدوء:
-مش هتقوليلي اتفضل ؟ و لا هتسيبيني واقف علي الباب كده ؟؟
لم تستطع التفكير بسؤاله إذ سألته مذهولة:
-حضرتك عرفت عنواني ازاي ؟؟
إبتسم بخفة ثم أجابها:
-انتي ناسية انك موظفة عندي ؟ و ان كل بياناتك تحت ايدي ؟؟
صمتت تماما ، فقط ظلت تنظر إليه في دهشة بينما جاءت”ياسمين”فجأة و وقفت إلي جانب شقيقتها عاقدة حاجبيها في تساؤل لدي رؤيتها الضيف الغريب فهتفت متسائلة:
-داليا ! مين ده ؟؟
إنتفضت”داليا”منتبهة ثم إستدارت بسرعة نحو شقيقتها و أجابتها في إرتباك و تعلثم واضح:
-أاا أاا ياسمين د ده ده مستر .. مستر عز الدين نصار.
عند ذلك حولت”ياسمين”نظرها إلي”عز الدين”في سرعة و سرعان ما تذكرته علي الفور ثم رمقته بعداء سافر و صاحت قائلة:
-هو حضرتك بقي ؟ اهلا بيك.
رمقها”عز الدين”بهدوء كما ثبت بمكانه بنفس الهدوء و البرود أيضا بينما كان الغضب و الإنفعال يملآن كيان”ياسمين”كلما نظرت إليه و تذكرت معاملته لشقيقتها و ما فعله بها فيما تابعت بحدة قائلة:
-امرك يا استاذ ؟ اي خدمة ؟ عايز ايه ؟ لو كنت جاي لغرض سافل من اغراضك اللي سمعت عنها من اختي و ربنا في سماه لهخرجك من هنا بفضيحة و مش كده و بس جيراننا موجودين حوالينا بردو احسن تكون فاكرنا لوحدنا لأ و اقل واحد هنا يقدر يتصرف معاك كويس اوي فانا بقول احسنلك يعني تاخد بعضك و منغير مطرود يـ …
-ياسمين !
هتفت”داليا”بغضب جامح مقاطعة شقيقتها ثم تطلعت إلي”عز الدين”بأسف و إضطراب قائلة:
-أ انا انا اسفة .. انا اسفة جدا يافندم اختي ماتقصدش.
-لأ اقصد.
عارضت”ياسمين”بقوة ثم تابعت في غضب يكاد يعميها:
-الاستاذ غلط معاكي كتير و لانك طيبة يا اختي و انا عارفاكي متسامحة كنتي بتنسي اهاناته فطيبتك دي شجعت حضرته علي التمادي في تصرفاته لدرجة انه افتكرك رخيصة يقدر يشتريكي بفلوسه بس لحد هنا و عندك بقي .. انا اللي هقفلك.
-ياسمين اسكتي قلتلك اياكي تتكلمي تاني سامعة ؟؟
هتفت”داليا”بإنفعال هش معنفة شقيقتها ثم عادت تنظر إلي”عز الدين”بوهن متسائلة:
-حضرتك جاي ليه يافندم ؟ انا سيبت الشغل خلاص عايز مني ايه تاني ؟؟
تنهد”عز الدين”بعمق ثم قال بصرامة هادئة:
-انا عايز اتكلم معاكي علي انفراد يا داليا .. و لو وجودي مش مرغوب فيه في بيتك ممكن تيجي معايا و نتكلم بهدوء في اي مكان تاني.
-تيجي معاك فين يا استاذ انت ؟؟
تدخلت”ياسمين”في حدة ثم تابعت:
-لأ طبعا مش هتروح معاك في حتة.
نظر”عز الدين”أرضا ثم ضم قبضتيه في غضب بينما نظرت”داليا”إلي شقيقتها في حدة ثم أشارت لها برأسها بأن تتواري بأي غرفة الأن حتي تنهي حديثها معه ، عارضتها”ياسمين”في بادئ الأمر إلا أنها رضخت بالنهاية تحت إصرار شقيقتها ، حيث زفرت في حنق ثم إستدارت علي نفسها و توارت بعيدا عن نظريهما ..
إنتظرت”داليا”حتي غابت”ياسمين”في الداخل ثم حولت نظرها إلي”عز الدين” و قالت مترددة:
-اتفضل !
عند ذلك رفع”عز الدين”رأسه فلاحظت ملامحه الجامدة التي تبدلت لتصبح واجمة و أكثر حدة جراء ما تلقاه من شقيقتها للتو ، بينما خطي إلي داخل المنزل و هو يتفحص كل ركن و كل زاوية بفضول بالغ ، كان ينظر حوله بإهتمام و إستغراب فتساءلت”داليا”بإنزعاج .. بماذا يفكر الأن ؟ هل يقارن ؟ بالطبع لا شيء هنا يمكن مقارنته بقصره العظيم غير أن الشقة فارغة أساسا !!
و لهذا إستدار إليها بسرعة و راح يحدق فيها بقوة جعلتها تفقد توازن عقلها فتعلثمت قائلة:
-اسفة بقي .. مش عارفة اقولك اتفضل فين ؟؟
-انتي كنتي بتعزلي و لا ايه ؟؟
سألها بفضول فهزت رأسها في إضطراب قائلة:
-حاجة زي كده.
-كويس اني لحقتك بقي.
-خير يافندم كنت عايزني في ايه ؟؟
سألته في جمود بينما رمقها بنظرة ثاقبة ثم سألها:
-بقالك كام يوم مش بتيجي الشركة .. ليه ؟؟
أجابته في هدوء:
-سبق و قلت لحضرتك اني مستقيلة.
هز رأسه في لامبالاة قائلا:
-عموما مش مهم .. انا عمري ما كنت هسمح لمراتي انها تشتغل اساسا.
-مراتك !!
هتفت في صدمة فأجابها باسما:
-اه مراتي .. انا جاي اطلبك للجواز تاني .. بس المرة دي رسمي يا داليا.
إتسعت عيناها في دهشة و ذهول ثم سألته بصوت مختنق:
-رسمي ؟؟
-ايوه .. ايوه يا داليا انا هتجوزك رسمي اظن بالطريقة دي اكيد هتوفقي !
تسارعت أنفاسها و جف حلقها فقالت لاهثة:
-ايوه بس .. بس حضرتك .. انت نسيت اخر مرة لـ …
-اه نسيت.
قاطعها في سرعة ثم تابع:
-و عايزك انتي كمان تنسي.
حدقت فيه غير مصدقة و قد أربكها تناقضه الغريب ، فتساءلت .. أين مجابهته ؟ أين إسترساله في إهانتها ؟ و لماذا يعاملها الأن برقة و إحترام ؟ ماذا حدث له ؟ أيطلبها للزواج حقا ؟ ..
أفاقت من تأملاتها مذعورة و كادت تجزم بأنها في حلم و يجب أن تستيقظ منه في الحال !
و لكن لا .. هذا
حقيقي .. كل شيء حقيقي ، هاهو ذا يقف أمامها تراه يحدق فيها بعيناه البراقتين ، و لا شعوريا إسترسلت في تأمله ، ما أوسمه ، بالتأكيد إذا إقتربت منه أي إمرأة لابد و أن تفقد صوابها بسبب تلك الجاذبية التي ينطق بها وجهه و جسده القوي ، فيما تركزت عيناها علي عنقه الصلب تحديدا في المنتصف ، حيث شعرت برغبة غريبة في أن تلمس تفاحة آدم و ذاك العصب الجانبي البارز بوضوح !
هذه الرغبة المفاجئة جعلتها تنتفض مرتبكة فسألته بلهجة جامدة شوبها إرتباك بسيط:
-حضرتك جاي عادي كده و فاكرني هوافق علطول ؟؟
سألها دون أن يبالي بنبرتها الجامدة:
-و ليه لأ ؟ ايه اللي يخليكي ترفضي ؟؟
هدأت قليلا ثم أجابت:
-في اسباب كتير تخليني ارفض.
-زي ايه مثلا ؟؟
إلتقت عيناهما طويلا قبل أن تخفض”داليا”نظرها هاربة من سؤاله الثاقب ، كالعادة تذوب شخصيتها تماما ما أن يتكلم أو عندما يوجه سؤالا صارم .. ثم أخيرا رفعت رأسها و نظرت إليه بقوة قائلة:
-اسفة يافندم .. انا برفض طلبك.
همهم في هدوء ثم إقترب منها حتي وقف أمامها مباشرة لا يفصله عنها سوي سنتيمترات قليلة بينما حدقت به في توتر عندما سمعته يقول:
– و انا كمان اسف اني مش بقبل جوابات بالرفض علي طلباتي.
ثم تابع في ثقة:
-انا متأكد انك هتفكري تاني .. و لما اشوفك تاني المرة الجاية و اسألك هتبلغيني بموافقتك .. مش برفضك.
هزت رأسها عابسة ثم سألته:
-حضرتك عايز تتجوزني ليه ؟؟
صمت قليلا ثم أجابها في هدوء:
-معجب بيكي .. عايزك .. و الوسيلة الوحيدة اللي هتوصلني ليكي الجواز .. الا اذا كان عندك اقتراح تاني !
تراجعت و هي ترتجف و قد أخافتها كلماته و نظراته الجريئة ، عند ذلك تيقنت بأن هذا هو السبب الرئيسي الذي يدفع رجلا مثل”عز الدين”للزواج منها و ربما بل و حتما أنه سيطردها من حياته ما أن ينال منها مآربه !
كانت هذه هي المرة الأولي التي تلمح فيها الرغبة الخالصة بنظراته ، عادة كان ينظر إليها بسخريته المعهودة و إزدراءه كلما أحب إثارة غيظها أو أشعارها بالإهانة ، بينما إرتجفت رفضا و نفورا ثم تمتمت بخفوت كاذبة:
-بس انا مش عايزة اتجوزك.
-هتتجوزيني يا داليا.
كان يحدثها بهدوء كمن يخاطب طفل صغير فيما تابع بإبتسامة خبيثة:
-للأسف .. ماعندكيش اختيار تاني.
ضاقت عيناها و هي تنظر إليه في شك ثم سألته:
-قصدك ايه ؟؟
تجاهل سؤالها و عوضا عليه قال:
-هديكي يومين عشان تفكري و هبقي اكلمك.
و دون أن ينتظر جوابها تجاوزها متجها صوب باب المنزل ثم فتحه و إلتفت إليها ، ألقي عليها نظرة فاحصة خاطفة ثم إبتسم في خبث و رحل مسرعا ..
بينما وقفت جامدة ، غير قادرة علي التفكير ، حتي سمعت صوت شقيقتها آت من خلفها:
-داليا.
إنتفضت منتبهة ثم إلتفتت في مواجهة شقيقتها قائلة بنصف وعي:
-ايوه يا ياسمين ؟؟
-هتعملي ايه ؟ بعد ما طلب ايدك رسمي ؟ انتي موافقة ؟؟
تهدجت نبرة صوتها و هي تقول:
-مش عارفة .. مش عارفة … !

******************************************************************
وقفت”عبير”وسط حديقة القصر ، تراقب دخول تلك السيارة السوداء الفارهة و التي توقفت بصورة تدريجية عند فناء الساحة المتوسطة ، ترجلت منها فتاة ذات جمال ناعم تتألق بثوب زهري رائع و قد إعتنت بمظهرها إلي أقصي حد من أعلي رأسها حتي أخمص قدميها ..
إبتسمت الفتاة لدي رؤيتها”عبير”فلوحت لها بيدها ثم تقدمت صوبها بخطي واثقة حتي وصلت إليها ، فإصطحبتها”عبير”بسرعة و من دون كلام إلي طاولة خشبية بإحدي زوايا الحديقة الشاسعة ، و بعدما جلسا قبالة بعضهما بدا التعجب و الذهول علي وجه زائرة”عبير”حين رأتها كالوردة الذابلة فبادرتها قائلة:
-ايه ده يا بيرو ! مالك يابنتي ؟ شكلك عامل كده ليه ؟ انتي تعبانة و لا ايه ؟؟
رمقتها”عبير”بنظرة ذابلة و سرعان ما تجمعت الدموع بعيناها ليتطور بها الأمر فيتعالي صوت بكائها المرير ، بينما صاحت صديقتها في قلق:
-ايه ده مالك يا عبير ؟ في ايه اتكلمي مالك ؟؟
بجهد كبير إستطاعت”عبير”أن تكف عن البكاء فهدأت قليلا ثم نظرت إلي صديقتها بإنكسار و ألم قائلة:
-حسيت اني هتخنق لو فضلت ساكتة كده يا ريم .. كان لازم اتكلم مع اي حد و كنتي اول واحدة جت علي بالي .. مالاقتش حد غيرك ينفع اتكلم معاه و احكيله سري.
إنحنت”ريم”عبر الطاولة نحو صديقتها ثم ربتت علي يدها بلطف قائلة:
-اتكلمي يا حبيبتي .. اتكلمي يا عبير انا سمعاكي و اوعدك ان اي حاجة هتقوليهالي هتفضل سر بينا.
خيم الصمت قليلا في حين كانت”عبير”تنظر إلي صديقتها بأسي ، و بعد تردد كبير بدأت”عبير”بالتحدث ، فقصت عليها كل شيء ، أطلعتها علي كافة التفاصيل و الأسرار ..
كانت تحكي و هي في حالة يرثي لها و قد أضناها العذاب ألما لا مثيل له ، بينما إستمعت”ريم”للقصة في صدمة و ذهول بالغين حتي إنتهت”عبير”فصاحت بها:
-يانهار اسود يا عبير ! ايه اللي هببتيه ده ؟ كان فين عقلك ؟ انتي متخيلة حجم الكارثة اللي وقعتي نفسك فيها ؟؟
إنفجرت”عبير”باكية ثم قالت واهنة:
-كنت بحبه و كنت فكراه بيحبني .. ماكنتش اعرف ان كل ده هيحصل .. ماكنتش اعرف.
-لأ .. لأ يا عبير الموضوع ده من اوله لاخره غلطتك انتي .. انتي غلطانة يا عبير محدش عليه اللوم غيرك.
-غلطانة ؟ غلطانة عشان حبيته يا ريم ؟؟
-ايوه يا عبير .. اولا انتي و من قبل ما تعرفيه مخطوبة يعني ملتزمة بعلاقة و كنتي لازم تحترمي حاجة زي دي .. ثانيا انتي اللي روحتي للباشا ده و بمنتهي البساطة قولتيله بحبك ! متخيلة هيقولك ايه غير و انا كمان ! و هو شايفك بنت جميلة و دلوعة و فوق ده كله يعتبر شغال عندك.
ثم سألتها فجأة:
-قوليلي يا عبير .. هو كان بياخد منك فلوس ؟؟
أومأت”عبير”رأسها المتعبة ثم قالت بصوت ضعيف متهدج:
-ساعات .. ساعات كان بياخد مني اه.
-لعبها بذكاء الحيوان.
قالت”ريم”بعنف هادئ ثم تابعت:
-من ناحية كان بيتسلي بيكي و من الناحية التانية كان بيستغلك .. واطي.
ثم صمتت قليلا و قالت:
-بس انتي دلوقتي حامل يا عبير و ماينفعش حضرته يتخلي عنك طبعا لازم يصلح غلطته ..
توقفت فجأة و تعمدت تقول:
-اقصد غلطتك انا لسا مُصرة انك انتي اللي غلطانة مش هو .. لكن خلينا في المهم دلوقتي .. انتي تكلميه حالا و تخليه يجي يقابل اخوكي في اسرع وقت و لازم اخوكي يوافق يا عبير لازم.
إبتسمت”عبير”بمرارة قائلة:
-مش راضي .. مش راضي يا ريم .. انتي فاكرة اني ماقولتلوش يجي يقابل عز الدين ؟ قلتله .. بس رفض.
-يعني ايه رفض ؟ هي لعبة و لا ايه ؟؟
-ده اللي حصل .. و عايزني انزل البيبي كمان.
-كمان !!
علقت”ريم”في صدمة ثم تابعت:
-الندل ! لأ ده طلع جبان و واطي بجد.
ثم أضافت في حيرة غاضبة:
-المشكلة ان مافيش في ايدك اي حاجة ضده .. و لا حتي ورقة جواز تنسب الطفل ليه !!
قطبت”عبير”حاجبيها في وهن بينما قالت”ريم”بلوم:
-ورطتي نفسك يا عبير .. ورطتي نفسك مع واحد واطي و للأسف الطرق مسدودة في وشك و انا مش عارفة اعملك ايه ؟!
حجبت”عبير”وجهها بكلتا يديها ثم راحت تجهش بالبكاء المُر ، كانت تبكي بحرارة حتي كادت أنفاسها تنقطع ، بينما تأثرت”ريم”بتلك الحالة التي إستبدت بصديقتها و أشفقت عليها فقالت بلطف:
-خلاص يا عبير .. اهدي من فضلك .. العياط مش هو الحل دلوقتي خلينا نفكر بهدوء احسن و نشوف هنعمل ايه.
أنزلت”عبير”يديها عن وجهها و سألتها:
-هنعمل ؟!
أومأت”ريم”رأسها قائلة:
-اه .. انا مش هسيبك تواجهي كل ده لوحدك يا عبير .. ماتقلقيش .. انا هفضل جنبك لحد ما تخرجي من الكابوس ده المهم دلوقتي اهدي عشان نعرف نفكر زي ما قلتلك.
ضغطت”عبير”علي شفتيها بقوة محاولة كبت صيحات بكائها ببنما سألتها”ريم”:
-قوليلي بقي .. انتي عايزة تنزلي البيبي ؟؟
أجابتها”عبير”في مرارة:
-مافيش قدامي حل تاني.
تنهدت”ريم”بأسف قائلة:
-طيب احنا كده بقي لازم نشوف دكتور كويس يعملك العملية و في نفس الوقت يوافق يعملهالك.
ثم طرفت حائرة و هي تفكر .. و بعد لحظات صاحت:
-في واحدة قريبتي عملت عملية زي دي .. اجهضت نفسها لما اتطلقت من جوزها انا هكلمها و هسألها علي عيادة الدكتور و علي التكاليف و التفاصيل كلها و هبقي اكلمك عشان نروح سوا.
-معقول هتيجي معايا يا ريم ؟؟
-طبعا يابنتي قلتلك انا هفضل جنبك للأخر و مش هاسيبك و خصوصا و انتي بتعملي العملية .. مش هسيبك يا عبير.
توقفت”ريم”عن الكلام و إبتسمت في وجه صديقتها بلطف و حنان ، و سرعان ما حلت إبتسامة بسيطة مفعمة بالإمتنان علي وجه”عبير”الذابل الحزين … !

********************************************************************
تحت آشعة الشمس المحرقة ، بدت شوارع القاهرة القديمة كبيرة و مخيفة و هادئة علي غير العادة حين ترنحت”داليا”تحت ثقل الحقائب التي تحملها فمالت صوب شقيقتها تعبة ثم قالت لاهثة:
-اقفي شوية يا ياسمين .. تعبت.
فقالت”ياسمين”بثبات مشجعة شقيقتها:
-معلش يا داليا .. استحملي قربنا خلاص.
-قربنا من ايه بس ؟؟
سألتها بنفاذ صبر فأجابت”ياسمين”:
-قربنا من الفندق اللي هنقعد فيه.
-فندق ! علي اساس اننا معانا فلوس للفندق يا ياسمين ؟ ثم فندق ايه ده اللي في منطقة زي دي ؟؟
قالت أخر كلماتها و هي تتلفت حولها ناظرة بخوف و قلق إلي المكان العشوائي الذي بعث بجسدها القشعريرة ، بينما توقفت”ياسمين”أخيرا ثم أشارت برأسها باسمة:
-خلاص .. وصلنا ياستي.
صوبت”دالبا”نظرها تلقائيا إلي حيث تنظر”ياسمين”فشاهدت ذاك البناء المهترئ أثر مرور السنين و الذي عُلقت عليه لافتة متآكلة بالكاد إستطاعت”داليا”قراءة ما كتب عليها”بانسيون السعادة”:
-لأ.
هتفت”داليا”بذعر و إعتراض بالغين فسألتها”ياسمين”:
-لأ ايه يا داليا ؟؟
-لأ يا ياسمين .. مستحيل نقعد في المكان ده .. لأ مش ممكن.
تأففت”ياسمين”في ضيق قائلة:
-مافيش قدامنا حل تاني يا داليا .. ده المكان الوحيد اللي هنقعد فيه علي اد فلوسنا.
هزت”داليا”رأسها في بطء ثم قالت بتردد:
-المكان شكله مريب يا ياسمين .. انا مش مطمنة !!
-ياستي ماتقلقيش انا سألت عليه قبل ما نيجي و بعدين ده في وسط منطقة مليانة ناس و بيوت يعني امان ماتقلقيش بقي .. تعالي يلا.
ثم مشت أمامها متوجهة إلي داخل المسكن الرديء ، فتبعتها”داليا”بخطي قلقة مترددة حتي وافتها أمام مكتب الإستقبال الذي كان بجلس وراءه رجلا بدين ذو بنية ضخمة ، ملامحه خشنة قاسية ، نظراته فظة أقلقتها أكثر .. قطعت”ياسمين”الصمت بقولها:
-السلام عليكم.
برقت عيني الرجل
الخبيثتين بوميض أثار الخوف بنفس”داليا”و لكنها أبت إظهار خوفها حياله ، بينما أجاب بإبتسامة صفراء:
-و عليكم السلام .. امرك يا انسة ؟؟
مضت”ياسمين”إلي القول في بساطة و إيجاز:
-عايزين اوضة بسريرين من فضلك.
-بس كده ؟ انتي تؤمري .. كام ليلة يا قمر ؟؟
رمقته”داليا”بإزدراء و كم أشعرتها كلماته بالغثيان فيما أجابت شقيقتها بجمود:
-لأ خلي الحساب مفتوح احنا ان شاء الله مش مطولين هنا بس لسا مش عارفين هنمشي امتي.
– انشالله تقعدوا العمر كله يا حلوة و الله هتنورونا.
قال ذلك بلهجة أثارت قلق و إشمئزاز”داليا”أكثر فأكثر بينما أطلق ضحكة خشنة مجلجلة ثم هتف بإسم أحد العاملين لديه ليأتي صبي صغير عمره لا يتجاوز الثانية عشرة عام:
-ايوه يا عم فتحي ؟؟
أجابه بإحترام فأمره المدعو”فتحي”بفظاظة أن ينقل حقائب الزائرتين إلي إحدي الغرف بالطابق العلوي ، أطاعه الصبي في هدوء مسالم بينما كانت عيناه تتفحصان الجسدين اليافعين بوقاحة فضبطته”داليا”و قطبت حاجبيها بغضب ، فمنحها إبتسامة زادتها نفورا و إشمئزازا … !

*******************************************************************

أسدل الليل ستاره علي قصر الـ”نصار”بينما كان هناك بالحديقة ثمة ضؤ متوهج إنعكس علي وجه”خالد”الذي هتف قائلا:
-انا مش فاهم بس ايه سر مدي اصرارك انك تخلينا نطبخ بايدينا لأ و كمان مذنبني من ساعتين قدام الصهد ده !!
قال”خالد”ذلك متذمرا و هو يباشر شي اللحوم فوق ألسنة اللهب الحديدية بينما عنفه”عز الدين”قائلا:
-اسكت شوية بقي و ركز في اللي بتعمله.
فيما كان يقف إلي جانبه منهمك بإعداد الأطباق المجهزة للطعام ، فإمتقع وجه”خالد”بحنق و قال:
-لما اتصلت بيا و قولتلي تعالي نتغدا سوا قلت و ماله الغدا عندكوا بيبقي حاجة كده ما شاء الله فجيتلك جري عشان توقفني من ساعتها قدام البتاعة دي و تخليني اهوي عليها لو كنت اعرف كده ماكنتش جيت.
رمقه”عز الدين”في حدة قائلا:
-خالد ! بلاش صداع بقي خلاص قربنا نخلص.
تنهد”خالد”مستسلما فيما إنتهي”عز الدين”من إعداد الأطباق فوقف ساكنا يتابع”خالد”في صمت حتي شرد ذهنه وسط الخيوط النارية المتوهجة ..
ما أروع منظر النار الدافئة ، و ما أشهي نكهة اللحم المشوي و عبق الفحم المتوهج .. :
-صحيح يا عز هي داليا بقالها كام يوم مش بتيجي الشركة ليه ؟ في شغل كتير متعطل هي واخدة اجازة ؟؟
أفاق”عز الدين”من شروده علي صوت”خالد”فنظر إليه في هدوء ثم قال:
-اه واخدة اجازة.
-طب لحد امتي ؟ بقولك في شغل كتير متعطل.
قطب”عز الدين”حاجبيه قائلا:
-طب معلش هنتصرف .. من بكرة هننزل اعلان في الجرايد و نعمل مقابلات شخصية لحد ما نلاقي السكيرتيرة المناسبة.
-ليه ؟ انت فصلتها و لا ايه ؟؟
سأله”خالد”بإستغراب بالغ ببنما أجاب”عز الدين”متملصا من إبداء رأي قاطع:
-مش بالظبط كده.
-طب فهمني ايه اللي حصل ؟؟
صمت”عز الدين”مترددا لكنه بالنهاية أعلن في هدوء:
-انا هتجوز داليا عشان كده خليتها تسيب الشغل.
جحظت عينا”خالد”و إتسعت في ذهول و كأن صدمة عنيفة أصابته ، و بجهد إستطاع أن يقول:
-قلت ايه يا عز ؟؟
-قلت انا هتجوز داليا عشان كده خليتها تسيب الشغل.
خيمت لحظة من الصمت كان”خالد”يحاول فيها إستيعاب ما سمعه للتو بأذنيه و لكن الأمر بالنسبة له كان أكثر صعوبة علي التصديق بل أن تصديقه محال !
يبنما قرأ”عز الدين”في ملامح”خالد”علامات الشك و الإرتياب في كل كلمة تفوه بها فضحك بخفة مستمتعا بحيرته و عدم تصديقه ثم قال:
-ايه يا خالد مالك ؟ للدرجادي مصدوم ؟ مش انت دايما اللي كنت بتقولي لازم اتجوز عشان يبقالي ولاد يشيلوا اسمي و اسم العيلة من بعدي ؟؟
أجابه”خالد”بوجوم أثر صدمته و إندهاشه:
-بس ماتخيلتش انك هتعملها ابدا ! لأ و داليا ؟!
– مالها داليا ؟؟
عاد اللون إلي وجه”خالد”فأجابه بلهجة هادئة:
-مالهاش .. بس .. اشمعنا هي بالذات يعني ؟؟
-صدقني مافيش اسباب معينة .. انا بس فكرت في كلامك و فكرة ان يكونلي ولاد هي اللي اثرت عليا عشان كده كانت هي اول واحدة جت في بالي .. اولا هي حلوة اوي ثانيا و ده الاهم انها هتكون مطيعة و بتسمع الكلام هقدر اسيطر عليها بعني.
عند ذلك همهم”خالد”بتفهم قائلا:
-هممم قول كده بقي .. انت اختارتها عشان حلوة يبقي اكيد عرضت عليها عرض من عروضك و رفضت فرفضها زاد من تصميمك عليها ده اول سبب و تاني سبب عشان تفرض سيطرتك عليها لانك متاكد ان شخصيتها ضعيفة و مش هتقدر تقف قصادك.
لم يظهر أي تعبير علي وجه”عز الدين”الجامد و كأنه يعترف بصدق قول”خالد”الذي قال بصوت يخالطه الإعتراض و الإعجاب الدفين:
-اد ايه انت ذكي يابن عمي .. مش سهل ابدا.
رمقه”عز الدين”بإبتسامة خبيثة ثم قهقه بخفة بينما سأله”خالد”:
-طب سيبك من الكلمتين اللي قولتهم في الاول عن الولاد اللي هيشيلوا اسمك و قولي الحقيقة .. الجواز ده مدته اد ايه ؟؟
زم”عز الدين”شفتيه بخبث ثم قال:
-قصدك ايه يا خالد ؟؟
-عز الدين ! عز .. ماتعملهومش عليا ده انا اكتر واحد فاهمك.
-ماشي ياسيدي بس سيب السؤال ده دلوقتي عشان ماعنديش اجابة محددة عليه.
أومأ”خالد”رأسه ثم تابع سؤاله:
-طب الجواز هيتم امتي ؟؟
تنهد”عز الدين”بعمق ثم قال و هو يحك مؤخرة رأسه:
-لسا مش عارف.
-مش عارف ازاي يعني ؟؟
-لسا محددتش يا خالد.
أجابه بلهجة حادة فزم”خالد”شفتيه في عدم رضا … !

*******************************************************************
إنتهت”ياسمين”من توضيب ملابسها داخل الخزانة الخشبية القديمة ثم إستدارت نحو شقيقتها التي جلست علي فراشها تحاول بدورها توضيب أغراضها بذهن مشوش ، فإقتربت منها ثم جلست إلي جانبها و خاطبتها بلطف قائلة:
-ايه يا دودو .. مالك سرحانة في ايه ؟؟
نظرت”داليا”إلي شقيقتها متخاذلة ثم أجابت:
-سرحانة في وضعنا الجديد يا ياسمين .. مش مصدقة اللي حصل معانا لحد دلوقتي .. معقول ! معقول احنا اتطردنا من بيتنا ؟؟
تنهدت”ياسمين”بأسي ثم ربتت علي كتف شقيقتها بحنان قائلة:
-معلش يا داليا .. معلش .. ده اختبار من الحياة .. اختبار صعب بس بإذن الله هننجح فيه سوا و الازمة هتعدي ان شاء الله .. صدقيني.
منحتها”داليا”إبتسامة لم تصل إلي عينيها ، بينما نهضت”ياسمين”و توجهت نحو فراشها ثم تمددت عليه في هدوء و قبل أن تخلد إلي نومها أطفأت الأنوار و صاحت قائلة:
-تصبحي علي خير يا داليا.
-و انتي من اهله يا ياسمين.
قالت”داليا”بلهجة دافئة ثم راحت تتأمل محتويات الغرفة الصغيرة التي تضمها هي و أختها تحت الضؤ الخافت المنبثق من نافذة الغرفة الحديدية ، كانت الغرفة متواضعة للغاية ، مكونة من سريرين صغيرين ، بالإضافة إلي منضدة زينة صغيرة و خزانة خشبية قديمة ..
تنهدت”داليا”بثقل ثم تمددت بدورها علي فراشها ، لم تكن قادرة علي التفكير بأي شيء إذ كان إرهاقها عظيما ، لذا إنتظمت أنفاسها سريعا و غطت في سبات عميق !
إلا أنها بعد قليل تحركت بقلق و فتحت عيناها ما أن سمعت صوت أزيز باب الغرفة ، حملقت في الظلام الدامس أمامها علها تتبين شيئا و لكن سرعان ما تسرب ضؤ خافت من الخارج عندما إنفتح باب الغرفة قليلا فإتسعت عيناها بذعر حين …

بقلم مريم غريب.

رواية حتى أقت*ل بسمة تمردك.

الحلقة (13):

إتسعت عيناها في ذعر حين إقترب ذلك الجسد الضخم أكثر فأكثر حتي سطع ضؤ مصباح الرواق الخارجي علي وجهه الفظ الذي علته إبتسامة مفزعة ، فلا شعوريا أطلقت”داليا”صرخة عالية قفزت”ياسمين”علي أثرها من فراشها مذعورة ثم أشعلت الأنوار و هي تصيح:
-في ايه يا داليا مالك أ …
و لكنها ما لبثت أن تكمل جملتها حتي رأت ذاك البدين”فتحي”يقف في برودة و وقاحة علي بعد خطوات قليلة من فراش شقيقتها و قد أطلقت عيناه شرارة خبيثة:
-انت بتعمل ايه هنا يا عم انت ؟؟
سألته”ياسمين”في عنف غاضب و هي تنهض واقفة لمواجهته بينما إبتسم بخبث و أجابها:
-ايه يا حلوة مالك ؟ اهدي كده انا بس حبيت اجي اطمن عليكوا قلت يمكن تحتاجوا حاجة يعني.
-شكرا لكرم اخلاق حضرتك احنا مش محتاجين حاجة.
أجابته مستهجنة ثم تابعت:
-و لو محتاجين دي هتبقي مشكلتنا احنا و مش هنطلب تدخل حضرتك و لا تدخل اي حد تاني.
عند ذلك إنتقلت”داليا”بسرعة البرق من فراشها إلي جانب شقيقتها حيث إلتصقت بها في وجل ، بينما تبدلت ملامح الرجل و هو يتمعن جسد”داليا”البض من خلال رداء نومها الرقيق ، فأضأت وجهه إبتسامة شريرة ثم قال و هو لا يزال بتأمل قوامها المتناسق:
-طيب انا عملت اللي عليا و جيت اشوفكوا لو كنتوا محتاجين حاجة.
جابهته”ياسمين”في حدة قائلة:
-كتر خيرك يا سيدي قولنا مش محتاجين حاجة يلا بقي اتكل من هنا.
إبتسم”فتحي”ثم إسترسل في خبث:
-طيب مش الاصول بردو تشوفوني انا محتاج ايه ؟؟
إنطلق الشرر من عيني”ياسمين”و هي تصيح بغضب:
-نعم ! تقصد ايه يا راجل انت ؟؟
خنق قهقهته الشريرة بقوله:
-اظن الموضوع مش محتاج شرح يعني يا قمر ! ايه اللي ممكن يحتاجه راجل زيي في ساعة زي دي ؟؟
رمقته”ياسمين”في حدة سافرة ثم صاحت ملء صوتها:
-اما انك راجل زبالة و قليل الادب.
-ال ال ال طب ليه الغلط ده بس ؟؟
-غلط ؟ هو انت لسا شفت غلط ! ده الغلط جاي.
-لا ان شاء الله مش هيكون في غلط و لا حاجة احنا بس نتفاهم براحة و كله هيبقي تمام.
قال ذلك بلهجة مثيرة للإشمئزاز ثم أخذ يقترب منهن في بطء ، فقفزت”داليا”هي و شقيقتها فوق الفراش فبما صاحت”ياسمين”محذرة:
-خليك عندك يا راجل انت عارف لو قربت …
-هتعملي ايه يعني يا حلوة ؟؟
قاطعها بفظاظة ثم تابع:
-لو صرختي عادي خدي راحتك الناس هنا متعودين علي الاصوات دي.
إتسعت عيناها حنقا و ذهول ثم إندفعت بغضب قائلة:
-تصدق بالله شكلي هديك حاجة كنت بستحرم اديها للعيانين بتوعي.
قهقه”فتحي”بقوة ثم صفق بيديه بوقاحة قائلا:
-ام*وت انا في الحرام.
-و الله ! ماشي يبقي انت اللي جبته لنفسك بقي.
قالت ذلك مطلقة أخر سهم بجعبتها ، ثم توجهت بسرعة قصوي نحو حقيبتها الطبية و أخرجت منها حقنة حديدية ، ثم إلتفتت إليه و هي تلوح بها أمام وجهه فضحك بسخرية قائلا:
-بتهدديني بحقنة يا حلوة ؟ انا بقول ارميها من ايدك احسن ملهاش لازمة و تعالي نتفاهم زي ما قلتلك.
قال ذلك و هو يهم بالإقتراب منها إلا أن ركلة”داليا”كانت مؤثرة حيث إستدار إليها موجها ظهره إلي”ياسمين”التي ركضت صوبه مسرعة ثم غرزت الحقنة بأسفل قدمه ، فأطلق صيحة ألم حادة و ما هي إلا ثوان حتي كان طريح الأرض جسده يتنفض بتشنجات قوية ، نظرت”داليا”إلي شقيقتها في ذعر قائلة:
-ياسمين .. انتي عملتيله ايه ؟ ادتيه ايه ؟؟
-متخافيش يا داليا .. دي حاجة بسيطة كده.
أجابتها”ياسمين”و هي ترمق المدعو”فتحي”شزرا و إزدراء بينما ألحت”داليا”في توتر متسائلة:
-بردو قوليلي ادتيه ايه ؟؟
حولت”ياسمين”نظرها إلي شقيقتها ثم تنهدت قائلة:
-اديته حقنة بتشنج عضلات الجسم زي ما انتي شايفة كده .. كنا بنضطر نستعملها احيانا و احنا بنتدرب في مصحات الادمان و العلاج النفسي عشان نقدر نسيطر علي المريض و دلوقتي بردو اضطريت اديهاله عشان اوصله للحالة دي و كان حظه حلو و الله الحقنة كانت متعمرة علي اخرها.
-بس ده كده ممكن يم*وت يا ياسمين ؟؟
-لا ماتقلقيش .. كلها كام ساعة و هيقوم الهي ما يقوم الحيوان.
-طب هنعمل ايه دلوقتي ؟؟
-هنلم حاجتنا و هنسيب المكان ده بسرعة طبعا.
-و هنروح فين دلوقتي ؟ انتي عارفة الساعة كام ؟؟
-يعني لو قعدنا هنا هنبقي محمين مثلا ؟!
قالت”ياسمين”متهكمة فقطبت”داليا”حاجبيها بوهن قائلة:
-طب بس هنروح فين يا ياسمين ؟ هنروخ فين ؟؟
و خذلتها دموعها فأخذت تبكي بمرارة ، بينما أسرعت”ياسمين”و إحتضنت أيدي شقيقتها في حنان قائلة:
-ايه يا داليا بتعيطي ليه بس ؟ ماتعيطيش مش المفروض انتي اللي تعيطي ده انتي الكبيرة يعني .. و بعدين انا معاكي متخافيش.
إستطاعت”داليا”بصعوبة أن تكف عن البكاء ، فرفعت وجهها الغارق بدموعها ثم سألتها بهدوء:
-طب هنروح فين ؟؟
زاغت”ياسمين”ببصرها تفكر ثم صاحت بعد ثوان:
-المستشفي .. مافيش قدامنا مكان تاني نبات فيه لحد الصبح غير المستشفي.
-المستشفي !!
هتفت”داليا”مستغربة ثم تابعت سؤالها:
-و حاجة زي دي مسموح بيها يا ياسمين ؟؟
ضكت”ياسمين”بخفة ثم أحابتها ممازحة:
-جري ايه يا دودو انتي فاكراني قليلة هناك ؟ دول يتمنوا اني اعيش معاهم مش ابات ليلة.
حامت علي ثغر”داليا”إبتسامة شاحبة بينما قالت”ياسمين”:
-المهم دلوقتي يلا نلم حاجتنا بسرعة عشان نلحق نمشي قبل ما الحيوان ده يفوق.
أومأت”داليا”رأسها ثم أسرعت و أرتدت ملابسها ثم راحت تجمع حوائجها و كذلك فعلت”ياسمين”حتي إنتهيا في زمن قصير ، فغادرا المسكن الرديء معا في روية و هدوء ..
كان القمر شاحبا باعثا آشعة باهتة واهنة ، فيما ترامي الفضاء الشاسع المرصع بالنجوم فوق الشقيقتين صافيا تمتزج في رحابه ألوان إلهية مبهمة ، ألوان الليل الذهبية المشتعلة ، في حين خيم هدوء شامل يخبئ في طياته حشرجة أغصان الأشجار و خفيف أوراقها و أسرار الليل الوليد ..
تابعت الشقيقتين سيرهن و الخوف و القلق يستبدان بهن حتي وصلا أخيرا إلي المشفي ، أسرعت”ياسمين”إلي الداخل تتبعها”داليا”بخطي حزينة واجمة .. :
-دكتورة ياسمين !!
إلتفتت”ياسمين”خلفها مسرعة ما أن سمعت أسمها ، فأشرق وجهها بإبتسامة ودودة ثم إقتربت من محدثها قائلة:
-دكتور ايمن .. مساء الخير لأ اسفة اقصد صباح الخبر بما اننا بقينا الفجر.
ساد صمت غريب كان يتأملها”أيمن”خلاله مستغربا ثم أخيرا نطق فقال:
-انتي ايه اللي جابك المستشفي في وقت زي ده ؟ حد طلبك و لا ايه ؟؟
إبتسمت”ياسمين”بخفة ثم أحابته:
-لأ محدش طلبني يا دكتور .. هو بس في مشكلة حصلتلي انا و اختي داليا.
ثم أشارت نحو شقيقتها التي كانت تقف شاردة في حزن علي بعد خطوات منهم ثم تابعت:
-احنا دلوقتي سيبين البيت و للاسف مافيش عندنا اي مكان تاني نقعد فيه و بعد ما سيبنا الفندق اللي كنا قاعدين فيه من شوية فكرت مع نفسي قلت مافيش قدامي غير المستشفي بس ان شاء الله هنمشي الصبح مش مطولين يعني.
علت وجه”أيمن”علامات الدهشة و الحيرة فسألها بإلحاح:
-خير يا ياسمين ؟ قوليلي ايه اللي حصل بالظبط ؟؟
رمقته”ياسمين”في تردد ، إن طبيعتها قوية منذ نعونة أظافرها و تعرف كيف تضع حدا لتمادي بعض الرجال من دون أن تجرح مشاعرهم و إذا زاد التمادي فلا بأس من جرح المشاعر و لكن”أيمن”ليس ككل الرجال إنها تعتبره من أعز أصدقائها لذا تنهدت بعمق ثم راحت تطلعه علي كافة التفاصيل حتي إنتهت فسألها بإهتمام:
-طب و هتعملوا ايه دلوقتي ؟؟
هزت كتفيها قائلة:
-و لا حاجة .. هنقعد هنا لحد الصبح زي ما قلتلك و بعدين هنمشي.
-هتروحوا فين يعني ؟؟
-هندور علي اي مكان نعيش فيه بقي فندق شقة بالإيجار اي حاجة.
إزدادت ملامح”أيمن تجهما فقال بإعتراض:
-بس ماينفعش تقعدي انتي و اختك هنا في المستشفي يا ياسمين و كمان بعد ما حكيتيلي اللي حصل معاكوا في الفندق الزبالة ده مش لازم تكرري الغلطة تاني و تروحي برجلك لمكان شبهه.
-طب هنروح فين دلوقتي بس ؟؟
-هتيجوا عندي.
-نعم !!
تجهمت ملامحها بلحظة فسارع”أيمن”إلي التحدث فقال في إرتباك:
-اقصد هتيجوا تقعدوا في بيتي مع امي و انا مش هكون موجود ماتقلقيش هروح ابات عند واحد صاحبي عايش لوحدة.
عارضت”ياسمين”بقوة قائلة:
-لأ لأ يا دكتور ايمن .. كتر خيرك طبعا و شكرا انك عايز تساعدنا بس مش لـ …
-انا مش ممكن اسيبكوا تقعدوا هنا في المستشفي يا ياسمين.
قاطعها بحزم ثم تابع:
-انا هكلم امي تنزل بنفسها عشان تستقبلكوا قدام باب البيت و بعدها همشي علطول.
-انت بتقول ايه بس يا دكتور ايمن انا مش قصدي.
قالت”ياسمين”بإحراج ثم تابعت:
-انا عارفاك كويس و من زمان و اكيد بثق في اخلاقك.
-يبقي خلاص لازم تسمعي كلامي.
نظرت إليه في تردد بينما عبس قائلا:
-ماهو انا مستحيل اسيبك هنا لوحدك .. قصدي مستحيل اسيبك هنا انتي و اختك لوحدكوا.
إبتسمت”ياسمين”بخجل و بساطة فبادلها”أيمن”إبتسامة دافئة … !

*********************************************************************
في صباح اليوم التالي ، كان يجلس بحجرة الطعام ، يترأس المائدة ، كم إشتاق لأن يجتمع بإشقائه و لو لفطرة وجيزة أثناء الفطور ، إنتظر كثيرا و لم يأتي أحد ، فشعر بالملل و هتف بإسم إحدي الخادمات فأتت”فاطمة”مهرولة:
-امرك يا بيه ؟؟
أجابته بإحترام فأمرها في لطف حازم:
-اطلعي يا فاطمة شوفيلي عمر و عبير لو كانوا نايمين صحيهم و قوليلهم اني مستنيهم هنا عشان نفطر سوا.
-انا هطلع اشوف الست عبير حاضر بس عمر بيه طلب فطاره في اوضته من شوية .
أومأ”عز الدين”رأسه ببطء ثم تنهد قائلا:
-طب شيلي الاكل ده من هنا.
ثم نهض و صعد إلي حجرة شقيقه ، طرق الباب ثم دلف حين أتاه صوت أخيه سامحا لمن يطرق بالدخول ..
كان ممدا علي فراشه مغمض عينيه في إسترخاء عندما سمع صوت شقيقه العميق:
-صباح الخير يا استاذ.
فتح عيناه في سرعة ثم حدق بوجه أخيه الذي جلس إلي جانبه علي حافة الفراش ، بينما إستوي في جلسته قائلا:
-صباح الخير يا عز.
حملق”عز الدين”بوجهه لبرهة ثم قال:
-ايه .. من ساعة ما رجعت و انت قاعد في اوضتك و قافل علي نفسك بتفطر و بتتغدا و بتتعشا هنا لوحدك .. ليه ؟ انت زعلان من حد هنا في البيت و لا حاجة ؟؟
منحه”عمر”إبتسامة باهتة لم تصل إلي عينيه ثم أجاب:
-لا ابدا مش زعلان من حد.
-اومال مش بشوفك ليه ؟؟
-عادي يا عز .. بكون قاعد مع نفسي زي العادة.
ثم سأله:
-بس من امتي يعني بتهتم بتفاصيلي كده ؟؟
صمت”عز الدين”قليلا ثم ضحك ملء فمه في سخرية قائلا:
-ده علي اساس ان حد غيري كان بيهتم بيك اساسا طول السنين اللي فاتت دي كلها !!
-مش قصدي يا عز .. انا بس مش متعود علي اهتمامك الزايد ده.
أومأ”عز الدين”رأسه بتفهم ثم جال بنظره علي شقيقه و سأله:
-قولي رجلك بقت عاملة ايه دلوقتي ؟؟
وضع”عمر”يده في تلقائية علي ساقه ثم أجاب:
-خفت الحمدلله.
-المستشفي اللي كنت قاعد فيها كانت كويسة ؟؟
-اه.
كان يجيب”عمر”علي الأسئلة في إيجاز و هو مطرق الرأس ، فقد كان يتحاشي النظر بعيني أخيه الثاقبتين ، بينما هتف”عز الدين”بعد صمت:
-مش تباركلي ؟؟
-اباركلك علي ايه ؟؟
سأله”عمر”و هو لا يزال علي وضعيته ، فإبتسم”عز الدين”ثم أعلن بعد صمت:
-انا هتجوز.
عند ذلك رفع”عمر”رأسه في سرعة و راح يحدق بأخيه في صدمة و ذهول بالغين حتي تمكن بعد لحظات من التحدث فسأله:
-انت قلت انك هتتجوز ؟؟
أومأ”عز الدين”رأسه في هدوء فرمقه”عمر”بشك قائلا:
-عز الدين ! انت بتتكلم جد و لا بتهزر ؟؟
-هو في حد بيهزر في الامور اللي زي دي ؟؟
هز”عمر”رأسه غير مصدق ثم سأله:
-و تبقي مين اللي هتتجوزها ؟؟
تمهل”عز الدين”قليلا ثم أجابه:
-داليا.
-داليا !!
هتف”عمر”مقطبا جبينه ثم طرف يفكر من تكون”داليا” ؟ .. إنتفض فجأة ثم عاد ينظر إلي شقيقه بقوة و سأله:
-انت قصدك داليا ؟ داليا السكيرتيرة بتاعتك ؟؟
إبتسم”عز الدين”متلذذا بدهشة أخيه ، بينما تصاعد رنين هاتقهه فأخرجه من حيب سترته و أجاب:
-الو .. كل ده مستنيك عشان تجبلي الاخبار ؟ .. اه .. و بعدين ؟ .. مشيت وراهم امبارح لما سابوا البيت ؟ .. و راحوا فين ؟ .. بانسيون ؟ .. ماله ؟ .. بتقول ايه ؟؟ … !

******************************************************************

إستيقظت”داليا” قلقة نحو منتصف النهار ، سمحت لنفسها بعشر دقائق من الترف تقضيها تفكر مستلقية علي الفراش البسيط ، تذكرت تعب الليلة الماضية و زوالها ، فلولا إقتراح”أيمن”زميل”ياسمين”بالمشفي و إصراره علي جلبهن إلي منزله ليقضيا ليلتهن تحت سقف آمن لكان توقف عقلها من كثرة التفكير بمصيرها هي و شقيقتها ، و لألاف المرات و بدون إرادة منها تراقصت صورة”عز الدين”بذهنها ..
إسترسلت بالتفكير فيه ، إنها تحبه و لا يمكن أن تنكر ذلك ، و لكن فكرة الزواج منه تثير الخوف و القلق بنفسها ، صحيح أن العيش بجواره هو حلمها الوحيد الذي تتمني بكل جوارحها أن يتحقق و لكن ماذا لو تحول ذلك الحلم إلي كابوس حين تراه يطردها ذات يوم من حياته شر طرده بعد حصوله علي هدفه المنشود الذي يتوق إلي تحقيقه بأي شكل ، فكرت يجوز أن إصراره هذا مبني علي العناد فهو حتما لا يستطيع تقبل فكرة أن هناك إمرأة رفضته و بهذه القوة !
ثم فجأة تذكرت جملته التي أشغلت تفكيرها”هتتجوزيني يا داليا .. للأسف ماعندكيش اختيار تاني” .. تري ماذا كان يقصد ؟ كرهته وقتها قليلا بسبب قسوته و في الوقت نفسه عجزت عن نفي الصخة بكلامه ، لقد نجح ربما في تبديد شيء من حيرتها الذهنية لكن ذلك لم يخفف قلقها حياله ..
تململت بالفراش في ضيق و إتسعت عيناها و هي تنظر حولها إلي الغرفة البسيطة ، بحثت عن شقيقتها بالفراش المجاور فلم تجدها ، إستنتجت أنها ربما ذهبت إلي الجامعة ، عند ذلك إنتصبت نصف جالسة تتلفت يمينا و يسارا باحثة عن هاتفهها ، ثم فجأة تذكرت أين تركته ، شهقت بهلع و تساءلت ..ماذا الأن ؟ عليها إسترجاع الهاتف طبعا ، هكذا أجابت نفسها ، و لكن كيف ؟ .. لم تجد إجابة علي هذا السؤال سوي أنها سوف تغامر و تذهب لإعادته ، و طمئنت نفسها بإن ذهابها الأن في وضح النهار بين الناس و الجموع سيكون آمن و بالتالي لن يجرؤ ذاك البدين علي النيل منها ..
بعد أن توصلت إلي تلك الفكرة نهضت من الفراش بسرعة ثم إرتدت ملابسها متعجلة و خرجت من الغرفة ، لتصطدم بسيدة المنزل و هي تجتاز الرواق الصغير:
-صباح الخير يابنتي.
حيتها السيدة المسنة ببشاشة فمنحتها”داليا”إبتسامة بسيطة ثم حيتها بدورها:
-صباح النور يافندم.
قهقهت السيدة بخفة قائلة:
-ايه يافندم دي يابنتي ؟ انا اسمي سوسن و ممكن تناديني بيه كده عادي منغير ألقاب زي ما بيعمل ايمن ابني.
إبتسمت”داليا”قائلة:
-ربنا يخليهولك.
ثم تابعت في إستحياء:
-و انا بعتذر لحضرتك لو كنت انا و اختي اتسببنا في اي ازعاج.
-كلام ايه ده يابنتي عيب ماتقوليش كده طب و الله انا قلبي اتفتحتلكوا اول ما شفتكوا ده غير ان ايمن علطول بيكملني عن اختك ياسمين لما خلاني هتجنن و اشوفها و ماتتخيليش بقي انا مبسوطة اد ايه بوجودكوا معايا حساكوا بناتي و الله تقومي انتي تقوليلي ازعاج ! ده لو ماشالتكمش الارض اشيلكوا في عنيا.
-ربنا يخليكي شكرا.
-انا بتكلم جد علي فكرة مش بقول اي كلام لكن خلينا في المهم دلوقتي .. بما انك صحيتي بقي يبقي تعالي يلا افطري معايا انا لسا مافطرتش.
-معلش حضرتك مش هقدر انا عندي مشوار مهم و لازم انزل دلوقتي.
-هتنزلي منغير فطار يابنتي ؟؟
فإبتسمت بلطف قائلة:
-معلش بقي .. عن اذنك.
ثم تركتها و غادرت مسرعة ، و في غضون نصف ساعة كانت أمام”بانسيون السعادة” .. بلعت ريقها بتوتر فيما تسارع وجيب قلبها ، فكرت في أن تتراجع بأخر لحظة ، لكن عقلها أجبرها علي الإستمرار في خين خاطبتها نفسها الشيطانية”كفاياكي جبن بقي .. ادخلي” .. قطبت حاحبيها بإستياء ثم شمخت برأسها في شجاعة شوبها إرتباك بسيط ، ثم إتجهت بخطي ثابتة نحو المسكن الرديء ، كم كانت فرحتها عارمة حين دلفت و لم تجد المدعو
“فتحي”، تنهدت بسعادة و قد زادت شجاعتها فصعدت الدرج الخشبي بحذر حتي وصلت إلي الطابق العلوي ثم توجهت إلي الغرفة ، دلفت إليها في هدؤ و تمهل ، ثم تقدمت صوب الفراش و أخذت تفتش عن هاتفهها حتي وجدته بين طيات الأغطية ، تناولته بسعادة بالغة ثم إستدارت عازمة علي الرحيل ، لكنها إنتفضت مذعورة و إمتدت يدها إلي شفتيها تطبق عليهما و تكبت صرخة الهلع التي إندفعت من أعماقها حين رأته أمامها ..
كان”فتحي”يقف علي بعد خطوات منها ، يحدق فيها بغضب و عداء بينما إختنقت الكلمات بحنجرتها فلم تستطع التفوه بحرف ، إستبد بها الخوف و هي تري ذاك البريق الخبيث الغاضب يتراقص بعينيه بينما قال و هو يقترب منها ببطء:
-اهلا اهلا يا قمر .. شرفتي.
ثم تابع بلهحة حادة:
-بقي بنتين زيك انتي و اختك يعملوا فيا انا كده ؟ كنتي فاكراني هيسيبكوا ! بس كويس انك انتي اللي جيتي برجلك يا حلوة.
إرتعش صوتها و هي تقول:
-بقولك ايه يا استاذ انت احسنلك تبعد عن طريقي و تخليني امشي انا مش جاية اعمل مشاكل انا بس نسيت حاجة هنا و رجعت عشان اخدها و اديني ماشية اهو.
و تقدمت صوب الباب إلا أنه سارع يقف بوجهها حيث بدا جسده الضخم سدا منيعا يلغي أمامها كل المنافذ ، فألحت بخوف قائلة:
-لو سمحت .. خليني اعدي.
-ابدا .. هو دخول الحمام زي خروجه يا قمر انتي ؟؟
قال ذلك بإبتسامة شريرة ، بينما تراءي لها أن هذا الرجل الضخم خفيف الحركة سريعا ، و ما أن حاولت تجاوزه حتي أمسك بها و جذبها نحوه ، فأطلقت”داليا”صرخة ألم و هو يغرز أصابعه الغليظة بذراعها الرقيق ..
قاتلته بعنف و ضراوة ، لكن دون جدوي ، طوقها بذراعيه بقوة حيوانية خانقة فكادت تفقد وعيها من شدة هلعها ، بينما رفع وجهه ليتنشق بعض الهواء فإنتهزت”داليا”الفرصة لتلكمه علي وجهه بجماع قبضتها ، فأصابت أنفه ، ثم رأت الشرر يتطاير من عينيه و هو يصيح:
-هتندمي .. هندمك علي اللي حصل امبارح منك انتي و اختك و علي اللي حصل منك دلوقتي.
و ألقاها أرضا ف
في عنف و هي ترتجف ذعرا ، انه ينوي علي إخضاعها عنوة .. ماذا تفعل ؟ هل تقاومه ؟ و لكن كيف ؟
دمعت عيناها بوهن و تصاعدت من أعماقها صرخة حادة لكن لا حياة لمن تنادي ، هاهو ينحني عليها ، رفسته بقدمها فلم يرتدع بل إزداد عنفا و إصرارا ، ثم أخذ يمزق ثيابها ، حاولت”داليا”بيأس مقاومته لكنه كان أقوي و أكبر حجما منها حيث ثبت جسدها جيدا محبطا بذلك أي محاولة لها بالفرار ، لكن فجأة أطلق”فتحي”صيحة عالية و لشدة دهشتها رأت”عز الدين”يمسك به في عنف من ثيابه و يلقيه علي الأرض بعيدا عنها ، ثم إنهال عليها بالركلات و اللكمات القاسية ، أبرحه ض*ربا عنيفا ، حيث بدا غضبه العارم و بنيته القوية دافعا صلبا يضارع وزن ذاك البدين الثقيل ..
و لم يتركه”عز الدين”إلا عندما إنبثق الدم من وجهه و جسده المتراخي ، تسارعت إنفاس”عز الدين”بقوة هائلة من فرط إنفعاله ثم إستدار إلي”داليا”التي أخذت تتراجع للخلف زاحفة علي مرفقها و هي تتطلع إليه باكية ، بينما كانت عيناه تتفحصانها في غضب ، حاولت بيأس إخفاء عريها و لكن أعصابها المحطمة لم تسعفها علي ذلك ، فأحنت رأسها بخجل واهنة فيما إقترب منها و أمسك بذراعيها بقوة حتي أوقفها أمامه ، إرتجفت ساقاها و كادت تسقط عندما رفع يده عنها إلا أنه خلع سترته بعنف غاضب ثم وضعها علي كتفيها كي تخفي ذاك الشق الذي أصاب قميصها ، تشيثت بسترته و ضمتها حولها بقوة بينما أسندها إليه ثم جذبها بقسوة قائلا:
-اتحركي قدامي !

*******************************************************************
ترجلت من سيارتها في ضيق ، ثم إستندت إلبها و أخرجت هاتفهها من حقيبة يدها ثم أجرت الإتصال به .. ليأتي صوته البغيض بعد لحظات:
-اهلا يا بيرو .. معلش قبل ما نتكلم في اي حاجة قوليلي .. عملتي ايه ؟ نزلتي الحمل ؟؟
إبتسمت”عبير”بمرارة ثم أجابته متجهمة:
-اي حاجة من واحد واطي و ندل زيك ماتلزمنيش .. انا انا بس بتصل بيك دلوقتي عشان اقولك اني فعلا هنزل البيبي و عشان اقولك حاجة تانية كمان.
-ايه هي ؟؟
سألها بإصغاء فأمطرته بعدد هائل من الشتائم المتنوعة ، و لما أكتفت أغلقت الخط بوجهه و تنفست الصعداء و قد تصاعدت الدماء إلي وجهها الشاحب ، هدأت ثورتها قليلا ببنما تصاعد رنين هاتفهها بنغمته الصاخبة ، نظرت إلي الهاتف لتجد المتصل صديقتها”ريم” ، أجابت في لهفة:
-الو .. ريم .. ها عملتي ايه ؟ .. كلمتي قريبتك ؟ .. و عملتي ايه ؟ .. خدتي منها عنوان عيادة الدكتور ؟ .. طب هنروحله امتي ؟؟
-هتروحي لمين يا عبير ؟؟
تجمدت بمكانها عندما سمعت صوته المستفهم آت من خلفها … !

الحلقة (14):

إلتفتت إليه ببطء و حدقت به في توتر ثم خرج إسمه من بين شفتيها في إرتباك:
-خالد !!
نظر إليها مستفهما ثم تابع سؤاله:
-ماقولتليش هتروحي لمين ؟ بيتهيئلي اني سمعت اسم دكتور !!
جف حلقها فأجابته بثبات متلعثم:
-أاا ايوه فعلا انا هروح مع واحدة صحبتي عند الدكتور.
-ليه ؟؟
هتف بقلق ثم سألها:
-انتي مالك فيكي ايه ؟؟
إبتسمت في توتر ثم قالت:
-انا كويسة يا خالد ماتقلقش انا كويسة خالص.
-اومال بتقولي هتروحي للدكتور ليه ؟؟
أجابت بإضطراب:
-يا خالد بقولك هروح مع واحدة صحبتي انا اللي هروح معاها مش هي اللي هتيجي معايا.
-قصدك ان صحبتك هي اللي تعبانة ؟؟
-اه يا حبيبي بالظبط كده.
تجمد”خالد”بمكانه حين تسللت تلك الكلمة إلي سمعه ، ثم حملق فيها غير مصدق و سألها:
-انتي قولتي ايه يا عبير ؟؟
تنهدت”عبير”تعبة ثم وضعت يدها بلطف علي ذراعه و قالت مبتسمة:
-قلت يا حبيبي.
ظل”خالد”يرمقها برهة من الزمن في عدم تصديق ثم إحتضن يدها برقة قائلا:
-ياربي ! .. مش مصدق نفسي يا عبير .. تعرفي ان دي اول مرة في حياتي اسمع منك الكلمة دي ؟!
كانت عيناه تلمعان بحب و كاد يطير فرحا مما جعلها تشعر بوخز الضمير و لم تجد مبررا لشعورها المفاجئ فيما إبتسمت بشحوب قائلة:
-خلاص طالما اتبسطت من الكلمة اوي كده هفضل اقولهالك كل شوية.
إبتسم بشغف ثم إجتاز المسافة القصيرة التي كانت تفصل بينهما ثم جذبها إليه و عانقها بحرارة قائلا:
-انا من هنا و رايح مش هخليكي تقوليلي غير الكلمة دي اساسا.
تهدجت أنفاسها و هي تكاد تلمس مشاعره المتيمة بها ، في حين دمعت عيناها لشعورها بالذنب تجاهه و تساءلت ..كيف تجاهلت ذلك الحب الكبير ؟ كيف فضلت سعادة حالمة قصيرة الأمد علي سعادة حقيقية كانت لتدوم العمر بأكمله !
كبتت إنفعالها و إستعادت رباطة جأشها ثم دفعته عنها برفق قائلة:
-طيب هنفضل واقفين كده ؟تعالي ندخل جوا.
كان لايزال محتفظا بها بين ذراعيه ، حيث كان يطوق خصرها برقة ، فيما هز رأسه قائلا:
-لأ ما انا كنت جوا .. اخوكي كلمني من ساعتين كده و قالي تعالي عايزك فجيت بس مالقتوش و انا ورايا شغل و لازم امشي دلوقتي.
ثم صاح فجأة:
-صحيح عرفتي انه هيتجوز ؟؟
حامت علي ثغرها إبتسامة شاحبة ثم قالت:
-اه عرفت من عمر و ماكنتش مصدقة خالص.
-و لا انا و الله و لحد دلوقتي مش قادر اصدق بس اخوكي ده ليه دماغ لوحده و محدش عارف هو بيفكر في ايه بالظبط .. عموما انا مضطر امشي دلوقتي بقي.
-ماشي .. بس ابقي تعالي تاني.
رمقها في دهشة بالغة في حين أنه إبتسم مبديا فرحه بتحولها الكبير ، حيث أنها أغدقته بمشاعر و تصرفات لطالما كان ينشدها بينما أومأ رأسه قائلا:
-حاضر .. هاجي تاني.
ثم طبع قبلة رقيقة علي جبهتها … ظلت”عبير” واقفة بمكانها تراقبه باسمة و هو يرحل حتي إختفي عن نظرها تماما ، فإستدارت و ولجت إلي المنزل ثم أسرعت إلي غرفتها و أمسكت بهاتفهها ثم أجرت الإتصال بـ”ريم” .. ليأتي صوتها الهادئ المستفهم بعد لحظات:
-ايه يا عبير روحتي فين ؟ قفلتي فجأة ليه ؟؟
-معلش يا ريم خالد كان معايا و ماعرفتش اكلمك .. المهم قوليلي ايه الاخبار عملتي ايه ؟؟
-كله تمام يا حبيبتي.
-ايه اللي حصل يعني ؟؟
سألتها”عبير”بنفاذ صبر فأجابت ببساطة و إيجاز:
-انا روحت للدكتور بنفسي بعد ما خدت عنوان عيادته من قريبتي اللي حكيتلك عنها.
-و بعدين عملتي ايه ؟؟
-كلمته عنك و شرحتله وضعك و وافق انه بعملك العملية و حدد الميعاد كمان.
-امتي ؟؟
سألتها”عبير”في وجل قلقة فأجابت”ريم”:
-بكرة.
-بكرة !!
رددت”عبير”بصوت مبحوح و قد شعرت بالوهن يتسرب إلي قدميها ، فسقطت علي فراشها و الدماء تتجمد في عروقها بينما قالت”ريم”:
-ايوه يا عبير هو قال اننا جيناله متاخر لما قلتله انك داخلة في الشهر الرابع قالي لازم تروحيله في اسرع وقت و الا بعد كده العملية هتبقي خطر علي حياتك.
خفق قلبها بسرعة فائقة لدي سماعها تلك الكلمات ، و لوهلة تراءي لها كابوسها المزعج الذي لازمها منذ مدة طويلة حتي إعتادت عليه ..
ذلك الكابوس المخيف و الذي مثل صورة م*وتها بطريقة مجازية خرافية حيث غمرتها المياه و هي تسارع مستنجدة بشقيقاها الإثنان و بـ”خالد”و لكنهم تجاهلوا ندائها و توسلاتها و حدجوها بقسوة ثم مضوا في سبيلهم بعيدا عنها ..
أفاقت”عبير”من شرودها علي صوت إضطراب أنفاسها ، ثم بكت و أجابت صديقتها:
-بكرة الساعة كام ؟؟

*****************************************************************
لم نقاوم”داليا”غضب”عز الدين”الجامح ، كما لم تقاومه أيضا عندما دفعها إلي خارج المسكن الردئ و أدخلها إلي سيارته ، بينما هي ذاهلة تماما و مرتبكة مما حدث ، و فور أن تحركت السيارة صاح بها في غضب متهكم:
-اد ايه انتي طلعتي واحدة غبية يا انسة داليا و انا اللي كنت فاكرك ذكية ! تقدري تتخيلي دلوقتي بقي ايه اللي كان ممكن يحصلك لو ماكنتش وصلت في الوقت المناسب.
ثم هز رأسه بحنق و ض*رب المقود بقبضته قائلا:
-لو كنت اتاخرت شوية كمان …
توقف عن الكلام كابتا حنقه و عصبيته إلا أنه إنفجر غاضبا:
-ما هو لو ماكنش عنادك و تمثيلك اللي مالوش لازمة كنتي وفرتي علينا نتايج تصرفاتك الساذجة دي.
كان جسدها يرتعد بقوة كلما تفوه بكلمة غاضبة من كلماته ، فيما تطلعت إليه دامعة العينين ثم قالت متوترة:
-انا ماعملتش حاجة .. انا ماليش ذنب .. انا كنت مضطرة انا و اختي اننا نقعد في المكان ده بدل ما نترمي في الشارع بعد ما اتطردنا من بيتنا .. و ماكناش نعرف اصلا ايه اللي ممكن يحصلنا فيه.
صر علي أسنانه غاضبا ثم قال بعنف حانق:
-طبعا لانك ماتعبتيش نفسك من البداية و سألتي علي المكان اللي هتقعدي فيه انتي و اختك كنتي عرفتي بسهولة انه مكان مشبوه و ان اللي مدوره راجل سمعته وسخة.
سألته بإضطراب:
-انت .. حضرتك عرفت ازاي ؟ عرفت ازاي اني موجودة في المكان ده ؟؟
إمتعض وجهه قليلا إلا أن ملامحه بقت جامدة فأجابها بثبات:
-انا عرفت في اليومين اللي غيبتي فيهم عن الشركة انك هتسيبي بيتك بسبب مشاكل مع صاحب العمارة تقريبا في دفع الفلوس .. و لما جيتلك من يومين و خبيتي عني مشكلتك كلفت واحد من الرجالة اللي شغالين عندي بمراقبتك عشان يجبلي اخبارك.
-مراقبتي !!
هتفت في صدمة ثم تابعة متسائلة:
-حضرتك كنت بتراقبني ! ليه ؟؟
ضحك بسخرية غاضبة ثم قال:
-احمدي ربنا اني عملت كده و الا ماكنتيش هتلاقي اللي ينقذك من ايد الراجل الـ *****.
إحمرت وجنتاها بخجل لدي سماعها كلمته الأخيرة ، لكنها تابعت سؤالها في إضطراب متعلثم:
-طب و حضرتك جيت ليه بالذات في الوقت ده ؟ ليه ماجيتش امبارح مثلا ؟؟
أجابها بجمود فيما كان يركز بصره علي الطريق أمامه:
-للأسف ماجتليش اخبارك الا انهاردة من ساعة تحديدا و حاولت اتصل بيكي كتير بس ماكنتيش بتردي و في الاخر موبايلك اتقفل فقلت اكيد في حاجة و لازم اجيلك بنفسي و من حسن حظك اني جيت.
أغاظتها نبرته القاسية و إزدراءه الذي ملأ صوته فهتفت محتدة:
-عموما شكرا لحضرتك و خلاص ماعدتش مضطر تتدخل في حياتي اكتر من كده ماتقلقش مش هزعجك تاني.
-و الله !!
هتف منفعلا ، ثم أوقف السيارة بعنف إلي جانب الطربق ، ثم إلتفت نحوها ، بينما إعترتها رجفة قوية جراء نظراته الغاضبة ، فأخفضت رأسها بخوف ، لكنه أمسك ذراعها بقسوة ثم أخذ يهزها هزا عنيفا و صاح:
-اسمعي .. انا صبرت عليكي كتير بس خلاص مليت و مبقاش عندي صبر زي ما انتي مابقاش قدامك اي اختيار تاني غير انك تتجوزيني.
لهجته الحادة أوقفت عقلها ، فما عادت قادرة علي التفكير ، فقط ظلت تنظر إليه كالمسحورة ببنما تابع بقسوة:
-بعد ما خسرتي وظيفتك و بيتك مابقاش في ايدك اي حاجة تعمليها.
رمقته بوهن .. لقد عاد إلي قسوته مرة أخري ، ها هو يتعمد إصابة أوتارها الحساسة .. :
-اتجوزيني.
هتف في هدؤ هذه المرة ثم أضاف:
-اتجوزيني و اوعدك اني هرجعلك كل حاجة زي ما كانت و بيتك كمان ..هرجعهولك.
رمشت ذاهلة ثم قالت:
-انا مش مصدقة انك عايز تتجوزني يافندم ! اللي اعرفه عن حضرتك انك واخد موقف من الستات كلها عموما و مش من السهل انك تقع في شبكة الجواز ! وبعدين لو كنت حابب انك تتجوز علي اي حال اشمعنا انا ؟ ليه اختارتني انا بالذات ؟؟
نظر إليها بطريقة جعلتها تجفل مضطربة ثم أجابها:
-اخترتك يا داليا لاني عايزك طبعا .. انتي بنت جميلة و عجباني .. عجباني اوي و زي ما قلتلك قبل كده مافيش طريقة توصلني ليكي الا الجواز.
تشابكت نظرتهما طويلا قبل أن يتابع بهدؤ:
-الجواز هو شرطك عشان تسمحي بعلاقتنا زي ما فهمت منك .. و اديني اهو بعرض عليكي الجواز.
هزت رأسها غير قادرة علي التفكير ، الزواج من”عز الدين نصار”كان أخر حلم لها توقعت حدوثه !
فيما سألته بإرتباك:
-طب و اختي ؟!
تنهد بإنتصار لرضوخها أخيرا ثم أجابها:
-اختك مُرحب بيها في بيتي طبعا اكيد هتعيش معانا بعد الجواز و اوعدك اني هوفرلها كل احتياجاتها و طلباتها بردو و هتكون بالنسبة لي زي اختي عبير بالظبط.
كان يتحدث بثقة بهدوء و روية ، بينما لم تجد”داليا”ما تضيفه فصمتت ، فيما مد يده و أمسك بذقنها ليجبرها علي النظر إليه قائلا:
-انا هحققلك كل شروطك و طلباتك زي ما وعدتك .. بس انا كمان ليا شروط و طلبات في المقابل.
رمقته في تساؤل فأجابها بلهجة صارمة:
-بعد جوازنا مش هتكوني مضطرة للشغل ده غير اني مستحيل اسمحلك بكده اصلا يعني ماتجيش في يوم تقوليلي عايزة اشتغل.
حاولت أن تحتج علي أحكامه المتسلطة ، و لكن القوة في عينيه إكتسحتها و تركتها عاجزة عن قول أي شيء ،فيما تابع بصوت أجش:
-و كمان انا احب انك تكوني مطيعة .. يعني تسمعي كلامي لاني مش هقبل اي اعذار او اعتراضات علي طلباتي .. فهماني ؟؟
تركزت نظراته علي شفتيها ، ففهمت مقصده مما جعلها تنتفض و تبتعد بوجهها عن أصابعه القاسية ، بينما رمقها بتفحص ساخر ثم تنهد قائلا:
-الجواز هيتم بسرعة .. بكرة .. بكرة هنتجوز.
إنتفضت بمكانها ثم قالت بصوت ضعيف:
-بكرة !!
-ايوه.
هتف مؤكدا ثم تابع:
-هحتاج اوراقك الشخصية عشان اتمم كل الاجراءات ضروري تجمعيهملي و معلش بقي من ضمن شروطي مافيش فرح .. انا ماحبش ابدا اكون فرجة للناس.
إبتلعت ريقها بتوتر ثم تساءلت في نفسها .. لا يريد حفل زفاف ؟ .. إذن هذا القول يؤكد شكوكها تجاهه ، هل ممكن أن يدوم هذا الزواج لفترة قصيرة كما توقعت ؟ هل …
أفاقت من شرودها علي صوته العميق:
-اوراقك فين صحيح ؟ اوعي تقوليلي في المكان الزبالة اللي جبتك منه !!
هزت رأسها نفيا ثم قالت:
-لأ لأ مش هناك.
-اومال فين ؟؟
سألها بإصغاء فأجابته بهدوء:
-انا و اختي سيبنا المكان ده من امبارح و خدنا كل حاجتنا مافيش اي حاجة هناك.
عبس قليلا ثم سألها:
-سيبتوا المكان من امبارح ؟ روحتوا فين ؟؟
لقد وقعت بمأزق ، تري ماذا تقول له ؟ إذا صارحته بالحقيقة و قالت أنها نزلت ضيفة برفقة شقيقتها في منزل زميلها بالعمل .. ماذا ستكون ردة فعله ؟ .. تغاضت عن هذا الفعل و عوضا عليه إختلقت كذبة بيضاء فقالت:
-روحنا نقعد عند واحدة زميلة ياسمين في الكلية.
أومأ رأسه بغضب دفين ثم تابع سؤاله:
-و ايه اللي خلاكوا سيبتوا المكان ده امبارح ؟؟
ها مأزق أخر ، و لكنها عند ذلك صارحته بالحقيقة و لم تكذب عليه .. و لما إنتهت كان غضبه قد بدأ يتقافز من عينيه من جديد فعاد يقول بعصبية:
-و لما انتوا مشيتوا من امبارح ايه اللي رجعك تاني انهاردة ؟؟
إنتفضت جراء صوته المنفعل فأجابته بثبات شوبه إرتباك بسيط:
-نسيت موبايلي هناك و كان لازم ارجع اجيبه.
-نعم !!
هتف في ذهول بالغ و كاد لا يصدق ما قالته ، ببنما أجفلت و عضت علي شفتها بقوة حبن سمعته يقول بإنفعال ساخر:
-ماغلطتش لما قلت عليكي غبية .. بقي بعد كل اللي حصل رجعتي عشان حتة موبايل ؟ انا بجد مش مصدق !!
تنهد في حنق ثم قال متعمدا إغاظتها و إثارة ضيقها:
-بس واضح ان اختك شديدة و بتعرف تتصرف احسن منك .. ابقي اشكريهالي انها حافظتلي عليكي و خليتك سليمة عشاني.
إستشاطت غضبا من جملته ، بينما نظر إليها شزرا و إزدراء قائلا:
-بكرة الصبح هعدي عليكي تكوني جاهزة من بدري و محضرة اوراقك كلها بعد ما نكتب الكتاب هرجعك بيت زميلة اختك دي تاني عشان تجهزي انتي و اختك براحتكوا و بكرة بالليل هاجي بنفسي عشان اخدكوا للمكان الجديد اللي هتعيشوا فيه .. بيتي.
تسارعت نبضات قلبها بشكل جنوني و هي تنظر إلي عينيه ، لقد حاصرها تماما ، باتت لا تستطيع رفض أوامره من الأن فصاعدا ، نعم فهي ما عادت تملك معينا سواه ، كرهته قلبلا بسبب تلميحاته المهينة بأنه سوف يعيلها هي و شقيقتها و انها يجب ان تحون ممتنة لذلك ، و لكنها إتخذت قرارها ..ستتزوجه ، أولا لأنها تحبه ، و ثانيا لأنه وعدها بإسترداد منزلها الذي طردت منه عنوة … !

*******************************************************************
في مساء اليوم التالي ، ذهبت”عبير”برفقة صديقتها”ريم”إلي عيادة الطبيب الذي سيجري لها العملية ..
ما أن خطت إلي داخل قاعة الإنتظار إعترتها رجفة قوية ، فقبضت علي ذراع صديقتها في وجل و قد شحب وجهها ، فيما ربتت”ريم”علي كتفها برفق قائلة:
-بس يا عبير ماتخافيش .. كله هيبقي تمام ان شاء الله.
هزت”عبير”رأسها متوجسة ، ببنما أجلستها”ريم”بأحد المقاعد الوثيرة حتي يحين ميعادها ..
بعد مرور عدة دقائق قليلة أتت الممرضة لهن و قالت:
-الدكتور جاهز و منتظر حضرتك جوا.
إرتعدت”عبير”في خوف ثم إستقامت ببطء بمساعدة”ريم”و إزدادت تشبثا بها ، فعلقت الممرضة:
-لأ يا مدام انتي هتدخلي لوحدك.
رفضت”عبير”بقوة قائلة:
-لأ .. لأ ريم هتكون معايا انا مش هدخل لوحدي.
فأصرت الممرضة:
-ماينفعش حضرتك لازم تدخلي لوحدك.
إنهمرت دموع”عبير”بغزارة و هي تنظر إلي صديقتها تستجديها بإقناع الممرضة ، فما كان من”ريم”إلا أنها ربتت علي كتفها بحنان و هدئت من روعها قائلة:
-اهدي بس يا عبير ماتخافيش كده .. ادخلي يا حبيبتي و ماتقلقيش كلها شوية و هتخرجي بالسلامة ان شاء الله.
-انا هم*وت يا ريم .. ماتسيبينيش ادخل لوحدي ماتسيبينيش.
قالت”عبير”باكية ، فتأثرت”ريم”للغاية و دمعت عيناها ثم أمسكت يدها بقوة قائلة:
-لأ يا عبير ماتقوليش كده انتي هتبقي كويسة و هترجعي زي الاول و احسن كمان و ماتخافيش ان هنا اهو جنبك و مش هتنقل من مكاني ان شاء الله مش هتطولي يا عبير و اول ماتخرجي هتلاقيني و هنمشي سوا .. اهدي بقي.
أومأت”عبير”رأسها و دموعها تتساقط كالشلال علي وجنتيها ، ثم إستدارت نحو الممرضة التي أمسكت بيدها الباردة كالثلج و قادتها إلي حجرة الطبيب ..
بينما جلست”ريم”علي أحد المقاعد تنتظر خروج”عبير” ، و ماهي إلا دقائق حتي سمعت صوت صراخها آت من الداخل ، فهبت واقفة ثم هرعت إليها ، عندما دلفت إلي الحجرة المخصصة للعمليات كان الطبيب يفف إلي جانب”عبير”التي كانت راكعة علي الأرض تبكي بمرارة حادة ، فيما جثت”ريم”علي ركبتيها و أمسكت بكتفيها قائلة:
-مالك يا عبير ؟ مالك في ايه ؟؟
رفعت”عبير”وجهها المغطي بالدموع ثم أجابت بصوت ثائر و ضعيف:
-مش عايزة .. مش عايزة يا ريم مش عايزة اعمل حاجة انا عايزة امشي خديني من هنا مش عايزة اعمل حاجة مش عايزة اقعد هنا عايزة اروح.
بكت”ريم”بصدق لإنهيار صديقتها ثم إحتضنت يديها قائلة:
-طيب حاضر حاضر بس اهدي .. اهدي لو سمحتي.
بدأ جسدها يتشنج بعنف و هي تقول:
-عايزة امشي .. وديني البيت رجعيني لاخواتي مش عايزة اعمل حاجة.
أومأت”ريم”رأسها ثم قالت:
-حاضر يا عبير حاضر هرجعك بيتك بس اهدي .. عشان خاطري اهدي.

*******************************************************************

لقد أصبحت زوجته أخيرا ، منذ أن رافقته هذا الصباح إلي مكتب المأذون الشرعي و قد تم كل شيء بسرعة فائقة كما أراد ، ما زالت لا تصدق بأنها وقعت حقا علي وثيقة زواجهما ، مازالت لا تصدق بأنها باتت زوجته أساسا !
أخذت”داليا”تتذكر ما حدث باليوم الماضي بينما كانت تقف أمام نافذة الغرفة التابعة لشقة”أيمن”و التي نزلت فيها ضيفة هي و شقيقتها لفترة مؤقتة ..
لقد كانت”ياسمين”ثائرة و قلقة للغاية حين عادت من الجامعة و إكتشفت غياب أختها ، غير أنها ظلت تحاول الإتصال بها دون فائدة فإستبد بها القلق و أصرت علي إنتظارها بالشارع أمام منزل”أيمن” .. ليزداد غضبها و حنقها أضعاف مضعفة عندما رأتها تترجل من سيارة”عز الدين” ، تشاجرا في البداية و لكن حينما أعلنت”داليا”قبولها الزواج من”عز الدين”هدأت ، هدأت لدهشتها فقط ، ثم تداركت الأمر فيما بعد ، و لكن ما أن أطلعتها”داليا”علي كافة التفاصيل حتي عادت تثور من جديد لأمر الزفاف ، تذكرت”داليا”قول شقيقتها حينذاك”يعني ايه تتجوزي بالطريقة دي ؟ ازاي توافقي علي كده ؟ انتي بسهولة كده سلمتيله و قولتي حاضر علي كل حاجة ! لحد امتي هتفضلي ضعيفة و ماعندكيش شخصية ؟ ” !
أفاقت”داليا”من شرودها و قد شعرت بألم طفيف جراء كلمات شقيقتها اللاذعة و لكنها أقرت و الأسي يملأ قلبها بصدق قولها ، فهي تعلم جيدا مدي ضعفها و هشاشتها و لكن هذا أمر لطالما حاولت إصلاحه بنفسها مرارا و لكنها فشلت .. تنهدت بثقل ثم هزت رأسها عابسة و توجهت نحو الفراش البسيط حيث ذلك الفستان مُلقي عليه ، إبتسمت فجأة عندما تذكرت وجه شقيقتها العابس حين دلفت إليها هذا الصباح و أعطتها إياه قائلة”قلت مش هقدر اشوف اختي بتتجوز منغير فرح و منغير فستان كمان .. فنزلت اشتريتلك ده .. مبروك” ..
إزدادت إبتسامة”داليا”إتساعا ثم تنهدت و أمسكت بالفستان ، نظرت إلي ساعة الحائط فوجدتها السابعة و النصف مساءً ،سرت رعشة خفيفة بأوصالها كلما شعرت بإقتراب اللحظة الموعودة ، اللحظة التي لطالما تمنتها و خشتها بنفس الوقت ، حاولت أن تخفف من حدة توترها فبدأت بتجهيز نفسها ، كان قد إغتسلت منذ قليل ، و قد تطوعت شقيقتها أيضا و صففت لها شعرها ، فيما وقفت هي أمام المرآة الكبيرة و نزعت ثوبها القطني الرقيق ، ثم إرتدت فستانها الأبيض البسيط الذي إمتاز بالرقة و الأناقة ، بدا رائعا علي بشرتها البيضاء الناعمة ، و قد إلتف حولها ملفتا النظر إلي جمال و تناسق جسدها النحيل مبرزا منحنياتها و مرتفاعتها ، كان أيضا محتشما بشكل خادع ، فالذراعين و أعلي الصدر و الظهر كاملا كان مغطي بالدانتيل الشفاف المطرز بنعومة ،
وضعت”داليا”قليلا من مساحيق التجميل علي وجهها فيما زينت عنقها بعقد زواج والدتها الذي ورثته عنها كما زينت أذنيها بالقرط التابع للعقد و الذي تدلي ملفتا النظر إلي عنقها الطويل المثير ، ثم أعادت تصفيف شعرها بتأن ، حيث جعلت خصلاته الحريرية متموجة محيطة بوجهها في إثارة ، بدت مثيرة إلي أقصي حد ، بل جميلة ..
في تلك اللحظة دلفت شقيقتها إلي الغرفة من دون إستإذان ، ثم تقدمت صوبها ببطء و عيناها تلمعان و لم تستطع منع إبتسامتها فقالت:
-ما شاء الله .. ايه الجمال ده كله يا ست دودو ؟؟
إبتسمت”داليا”بخفة ثم سألتها:
-بجد حلوة ؟؟
-حلوة ! يابنتي انتي عديتي المرحلة دي ما تبصي لنفسك.
فيما تأملتها”داليا”بتفخص بالغ ، لقد صففت شعرها بعناية و عقصته برقة و نعومة إلي الخلف مبدية معالم وجهها الرقيقة التي أضافت إليها قليلا من مساحيق التجميل خاشية تشويه جمالها الطبيعي ، و ثوبها الرقيق أيضا الذي أحاط بجسدها النحيل و أضفي عليها أنوثة أكيدة ، لونه أحمر قان و نادرا ما إرتدت”ياسمين”هذا اللون ، و لكن حتما هي فاتنة بثوبها الأنيق و جهها الرقيق … :
-انتي اشتريتي الفستان ده انهاردة بردو ؟؟
سألتها”داليا”فأومأت رأسها باسمة ثم قالت بهدوء:
-مبروك يا داليا .. و لو اني مش راضية عن حاجات كتير في الجوازة دي .. بس اهم حاحة اني اشوفك مبسوطة .. و انا حاسة و شايفة انك بتحبيه .. مبروك يا دودو.
إبتسمت”داليا”بحرارة ثم عانقت شقيقتها التي صاحت منبهة:
-حسبي يا ستي مش وقت احضان مكياجك يبوظ.
قهقهت”داليا”بخفة من إسلوب شقيقتها ، بينما تصاعد رنين هاتفهها لتجد إسمه يملأ شاشة الهاتف الصغيرة ، حبست أنفاسها ثم أجابت بتوتر:
-الو !
-انا قدام باب البيت .. ياتري جهزتي ؟؟
أصابتها رعشان متتالية عندما أتاها صوته العميق فيما أجابته متعلثمة:
-أ ااه .. ايوه جاهزة .. دقيقة مش هتأخر.
ثم أغلقت الخط و نظرت إلي شقيقتها قائلة:
-يلا يا ياسمين.
-وصل ؟؟
سألتها”ياسمين”فأومأت رأسها متوترة ثم قالت:
-يلا بقي عشان منتأخرش عليه .. حضرتي الشنط و كل حاجة ؟؟
أجابتها بوجوم:
-اه.
-طب يلا.
ثم خرجا معا من الغرفة ، ليجدا”أيمن”و السيدة”سوسن”يقفان بالردهة المؤدية إلي باب المنزل و الإبتسامة تعلو وجهيهما ، بادلتهم”داليا”بمثل البسمة الودودة ثم شكرتهما بحرارة لإستضافتهم الكريمة لها و شقيقتها ، بينما تبادلت”ياسمين”بعض الكلمات مع”أيمن”ثم ودعته و رحلت برفقة شقيقتها ..
علي الجانب الأخر عندما ظهرتا أمامه ، كان واقفا أمام سيارته الفارهة اللامعة و كم بدا وسيما في حلته السوداء الأنيقة التي مثلت قسوته الظاهرة ، فيما تركزت عيناه علي”داليا”التي بادلته النظرات بدورها ، تخضبت وجنتاها بحمرة الخجل و هي تري عيناه تمسحان جسدها ببطء شديد بدءً من رأسها حتي أخمص قدميها ، إلي أن إقتربت منه
فأجفلت بإستيحاء بينما إكتفي بهزة من رأسه و بتحيتها هي و شقيقتها ..
تطلعت إليه في دهشة بالغة ، توقعت أن يمتدحها ، أو أن يعلق علي مظهرها و لكن خابت ظنونها تماما حين تصرف ببرود و فتح لها الباب الأمامي للسيارة داعيا إياها بالدخول كما فعل مع شقيقتها حيث دعاها للجلوس بالمقعد الخلفي ، ثم إستقل السيارة بدوره جالسا بكرسي القيادة و أدار المحرك مطلقا العنان لسيارته السريعة ..
طال الطريق لساعات قليلة نظرا لموقع بيته القريب من الطرق الصحراوية ، بينما كان القلق و التوتر يعصفان بنفس”داليا”كلما إختلست النظر إليه و هو يقود في هدوء و جمود … توقفت السيارة أخيرا أمام بوابتا القصر الخرافي اللتين توسطتهما أسوارا ضخمة تحيط بمساحة كبيرة ..
أعطي”عز الدين”إشارة إلي الحارس الذي أسرع بفتح البوابة و هو يلقي التحية بحرارة و إحترام مع نظرات فضولية نحو تلك المرأة الجالسة إلي جوار رب عمله ، دخل”عز الدين”بالسيارة عبر البوابة الكبيرة ، ثم أكمل طريقه علي وتيرة هادئة ، لم تذهل”داليا”كثيرا لجمال القصر بإعتبارها زارته من قبل ، بينما إتسعت عينا”ياسمين”و هي تتأمل بإعحاب المساحة المحيطة بالسيارة ، كان المكان أشبه بالجنة بالنسبة لها و قد تزاحمت به الأشجارذات الطول الفارع و أيضا أحواض الزهور التي ملأت الحديقة الشاسعة بعبق منعش ناعم ..
فكرت”ياسمين”أنه من الواضح أن مالك ذلك القصر قد أنفق عليه ببذخ كبير إذ أن الترف ينطق من كل زاوية فيه ، من كل قطعة حجر أعمدته .. توقفت السيارة أخيرا وسط ساحة المنزل ذا البناية الضخمة هولندية الطراز ، فترجل”عز الدين”منها اولا ثم إستدار كي يساعد”داليا”علي الخروج ، بينما خرجت”ياسمين”بمساعدة نفسها دون أن تفيق من ذهولها و إعحابها بالمكان .. :
-اتمني البيت يكون عحبكوا.
هتف”عز الدين”بصوته العميق ثم تابع:
-ده بقي بيتكوا من انهاردة.
رمقته”داليا”بنظرة غريبة جمعت فيها مشاعر كثيرة أربكتها و زادت من توترها بينما طلب منهن أن يتبعوه ..
تحت دعائم الحجارة المنحوتة ، فجأة برز بعض الخدم الذين إرتدوا بذلة العمل البيضاء ، و قد إصطفوا إلي جانب بعضهم بداية من أسفل الدرحات القليلة المؤدية إلي باب المنزل و حتي إلي الداخل ، إنحنوا أمام”عز الدين”و رفيقتاه في إحترام ، ببنما إثنان منهم ذهبا ليحملا الحقائب من السيارة ، أما الثالث الذي كان وجهه الأسمر يميزه عن الباقين بقي يتحدث بخفوت إلي”عز الدين”الذي كان يعطيه الأوامر في هدوء حازم حتي إنسحب سريعا تبعا للتعليمات التي تلقاها ..
فيما دعا”عز الدين”الشقيقتين إلي الدخول و هو بلفظ بإيجاز الكلمات التقليدية المرحبة ، عبروا الردهة المؤدية إلي باب المنزل ثم تتبعوا خطوات”عز الدين”الواسعة التي قادتهم إلي قاعة الجلوس الفخمة ذات الأثاث العاجي القاتم و الأضواء الذهبية المشعة ، شعرت”داليا”بقلقها يزداد و كأنها مقبلة علي معركة ، بينما ظهر”خالد”فجأة حيث هرول إليهم سريعا قائلا بإبتسامة لطيفة:
-اهلا .. وصلتوا اخيرا.
ثم أخذ ينقل نظراته بين”داليا”و”عز الدين”قائلا:
-مبروك يا داليا .. مبروك يا عز.
إبتسمت”داليا”في خجل بينما هتف”عز الدين”عابسا:
-انت كنت فين ؟؟
أجابه”خالد”بهدوء:
-انا هنا من بدري يا عز ماتنقلتش في حتة بس كنت بتمم علي شوية حاجات.
أوما”عز الدين”رأسه متفهما ثم تابع سؤاله:
-و فين عمر و عبير ؟ مش شايفهم يعني !!
توتر”خالد”قليلا لكنه أحابه في ثبات:
-عبير راحت مشوار صغير كده مع واحدة صاحبتها و عمر خرج من الصبح هو ماقاليش هو فين لما كلمته من شوية بس قالي انه في الطريق و مش هيتأخر.
تنهد”عز الدين”في حدة فيما تقلصت عضلات وجهه بغضب فقال:
-هما يعني مش عارفين في ايه انهاردة و ايه اللي هيحصل ؟ ازاي يتصرفوا بالشكل ده ؟؟
-اهدا يا عز زمانهم جايين.
هدئه”خالد”قليلا بينما جذب فجأة إنتباههم ذلك الضجيج البسيط الذي أحدثته”عبير”و صديقتها ..
دقق”عز الدين”بنظره نحو شقيقته فإتسعت عيناه في وجل عندما شاهدها تستند بوهن إلي صديقتها ، كان”خالد”أسرع منه إذ أنه إقترب منها بسرعة البرق قائلا:
-عبير ! ايه ده مالك ؟ حصلك ايه ؟؟
تطلعت”عبير”بخوف إلي عيني”خالد”و شقيقها ، ثم حبست أنفاسها و لكنها تمكنت أن تقول بثبات:
-انا كويسة يا خالد .. مافيش حاجة.
-مافيش حاجة ازاي ؟؟
هتف”عز الدين”بقوة ثم قال:
-راجعة البيت في الحالة دي و بتقولي كويسة و مافيش حاجة ! اتكلمي و قولي ايه اللي حصلك ؟؟
ضغطت”عبير”علي يد صديقتها و كأنها تستجديها بإنقاذ الموقف فسارعت”ريم”إلي القول:
-يا جماعة مافيش داعي للقلق ده هي فعلا كويسة و مافيهاش حاجة .. احنا بس عملنا حادثة صغيرة بالعربية عشان كده هي مخضوضة شوية مش اكتر.
ثباتها بالكلام أقنعهم ، بينما إجتاز”خالد”المسافة القصيرة التي فصلته عن”عبير”ثم مد يده و مسح علي شعرها بحنان قائلا:
-خلاص يا حبيبتي جت سليمة .. اهدي بس دلوقتي عشان اعصابك ماتتوترش زيادة.
-انا هوصلها لاوضتها عشان ترتاح شوية.
قالت”ريم”ذلك بينما نظرت”عبير”إلي شقيقها بأسف قائلة:
-معلش يا عز سامحني مش هقدر استني معاكوا.
ثم حولت نظرها إلي”داليا”التي كانت تقف خلف”عز الدين”مباشرة تتابع ما يحدث أمامها في صمت ثم إبتسمت بشحوب قائلة:
-انتي اكيد داليا صح ؟؟
إبتسمت”داليا”في هدوء ثم أومأت رأسها مرتبكة فتابعت”عبير”باسمة:
-مبروك.
-يلا يا عبير.
هتفت”ريم”منبهة ، فهزت”عبير”رأسها ثم إستندت إليها و فيما كانت تعدو بمحازاة”ياسمين”التي تنشقت رائحتها فهتفت قائلة:
-ايه ده انتي ريحتك كلها بينج ! انتي كنتي في المستشفي و لا ايه ؟؟

الحلقة (15):

تجمدت”عبير”بمكانها و قد شحب وجهها ، فسارعت”ريم”و أجابت عنها قائلة:
-ايوه طبعا روحنا المستشفي .. كان لازم اوديها عشان اطمن عليها بعد ما شوفتها مخضوضة زي ما قلت.
أومأت”ياسمين”رأسها في هدوء و هي ترمقهن بنظرة مبهمة ذات مغزي ، بينما إستئنفت”ريم”سيرها أخذة”عبير”إلي غرفتها ، فيما خيم صمت ثقيل لثوان قليلة قبل أن يقطعه”عز الدين”بصوته العميق حين هتف بإسم إحدي الخادمات ، فحضرت”فاطمة”سريعا:
-امرك يا بيه ؟؟
أجابت”فاطمة”بإحترام فسألها:
-العشا جاهز ؟؟
-ايوه حضرتك .. تؤمر بحاجة تانية ؟؟
هز رأسه نفيا ثم أصرفها بحزم ، فإنسحبت بهدوء ، بينما قاد”عز الدين”الجميع إلي حجرة الطعام حيث تلك المائدة الفخمة التي إصطف عليها أثمن الأواني الفضية و الزجاجية ، و التي تحتوي أيضا ما لذ و طاب من الكلاء و الشراب ..
أثناء تناول العشاء لم تجد”داليا”شهية للطعام ، إذ كانت أفكارها تشغل حيزا كبيرا من كافة حواسها ، غير أن قلقها كان كافٍ جدا بأن يشعرها بعدم الرغبة في تناول أي شيء ، إلا أن إهتمامها كان مركزا علي ذلك الرجل الذي جلس بالقرب منها ، لم يشترك إلا نادرا فقط في الأحاديث الشيقة و المثيرة التي طرحها”خالد”بمرح قاصدا تلطيف الأجواء ، كان أيضا يأكل طعامه بهدوء بالغ ، و قد بدا متحفزا متأهبا و متيقظا لكل حركة ، فيما تألمت”داليا”قليلا و شعرت بالإنزعاج لأنه كان لا ينظر إليها إلا بشكل عابر و كأنها ليست تلك الفتاة التي كان يتحرق للحصول عليها ، و كأنها ليست زوجته ، تحول سحره الذي تتذكره بوضوح إلي برودة مزعجة ، فأشاحت بنظرها عنه و بقيت تعبث في طعامها ،بينما أخضر الخادم الحلويات المغطاة بطبقة سميكة من القشدة الشهية ، فإمتنعت”داليا”حتي عن النظر إليها تجنبا لحساسية صدرها التي قد تمرض بها إذا تناولت و لو القليل من هذه الحلويات ، إلا أن”ياسمين”قبلت الحلويات بصدر رحب ، حيث غرزت ملعقتها في القشدة و الفاكهة اللذيذة ثم راحت تأكل بشهية ، فعلق”خالد”ضاحكا:
-حاجة نادرة و ممتعة اننا نشوف واحدة بنت بتاكل بالشهية دي منغير خوف من زيادة الوزن.
إبتسمت”ياسمين”بخفة ثم قالت ممازحة:
-اي انسان عادي مستحيل يتمالك نفسه قدام حلويات زي دي.
ثم تابعت في هدوء:
-علي اي حال انا مريضة بالغدد الدرقية من و انا طفلة يعني مش ممكن اتخن اوي مهما اكلت.
مضت بقية السهرة علي وتيرة هادئة مرحة ، بفضل مشاركات”خالد”و”ياسمين”لبعض الموضوعات و المواقف الطريفة ، مضت السهرة و لم يأتي”عمر” .. كان يود”عز الدين”إنتظاره لأخر لحظة ، لكنه شعر بالملل و الإنزعاج ، فأهمل أمره ثم وقف فجأة معلنا أن الوقت قد حان للإنفراد بعروسه ..
إنصاع الجميع لأمره ، فإستأذن”خالد”بهدوء و رحل ، كما أن”ياسمين”إصطحبتها”فاطمة”إلي الطابق العلوي تبعا لأوامر”عز الدين”خيث قادتها إلي الغرفة التي خصصت لها ..
بينما وقفت”داليا”قي مواجهة”عز الدين”مطرقة الرأس و هي تشعر بأنها تكاد تسمع ضربات قلبها العنيفة ،فيما مد يده و أمسك بيدها فشعرت بكهرباء تسري بأوصالها جراء لمسة يده ، كانت”داليا”تخشي هذا الرجل بقدر ما تحبه ، لكنها تخشي أكثر ضعفها أمامه ..
عندما وصلا إلي الفرفة تذكرت”داليا”تلك الذكري القصيرة العابرة التي وقعت لها هنا ، إلا أنها بدأت تتأملها بصمت ، لم يغير”عز الدين”فيها الكثير فقط أضاف بعض الأشياء البسيطة التي فطن من خلال معرفته بها بأنها ستعجب بها ، كتلك السجادة الوثيرة ذات الألوان الزاهية التي غطت الأرض الرخامية اللامعة ، و أيضا تلك الستائر الرقيقة التي تهادت أمام النوافذ العريضة التي سمحت للشمس بغمر الغرفة بوفرة في كل صباح ..
جالت”داليا”ببصرها أكثر بإرجاء الغرفة الواسعة ، فلاحظت تلك الخزانة الكبيرة المصنوعة من الخشب السميك القاتم ، و زجاجات العطر الغالية الثمن التي توزعت علي منضدة الزينة ، و جذب إنتباهها أيضا صدر الغرفة الذي كان به باب مفتوحا ظهر من خلفه حمام مترف ..
إرتعش جسدها توترا و هي تفكر بهذه الليلة التي ستشارك فيها زوجها غرفته و فراشه لأول مرة !
إنتفضت فجأة حين شعرت بيديه تقبضان علي كتفيها من الخلف ، إضطربت كثيرا فلا شعوريا إنهمرت الدموع غزيرة من عينيها بدون أن تحاول إيقافها أو مسحها ، إنها امرأة متزوجة الأن و بدلا من أن تتمتع بحياتها الجديدة ها هي في عذاب نفسي أليم ، تعذبها فكرة زواجها من”عز الدين”فهي تشعر بإن زواجهما سوف ينتهي قريبا عندما يمل منها ليعود و يبحث عن إمرأة أخري تمنحه مزيدا من الإثارة ، إمرأة كـ”جومانة خطاب”مثلا !!
شعرت بالخوف الشديد من إمكانية حدوث تلك الفكرة، فعزمت علي القرار بأنها لن تمنحه أي شيء حتي تتبين لها الحقائق كاملة ، إذن لا مجال لإقامة علاقة طبيعية معه .. فهو يريد كل شيء أو لا شيء ..
إتفضت مرة ثانية عندما شعرت بحرارة أنفاسه علي عنقها ، فإبتعدت عنه متوترة قبل أن يسترسل في تصرفاته ، بينما رفع أحد حابيه مستغربا ثم سألها:
-مالك ؟ في ايه ؟؟
أجابته بإضطراب دون أن تلتفت إليه:
-مافيش .. مافيش حاجة.
سمعته يتنهد بثقل ، ثم شعرت به يقترب منها حتي وقف إلي جانبها ، فأمسك بكتفيها و ادارها نحوه لتكون في مواحهته ، فأغمضت عيناها متجنبة النظر اليه فسألها بهدوء:
-داليا .. انتي خايفة مني ؟؟
أجابته بمرارة مستسلمة:
-لأ .. لأ طبعا و هخاف ليه ؟ انت بقيت جوزي و انا لازم اثق فيك.
-طيب افتحي عنيكي.
قال بخشونة ، ففتحت عيناها ببطء لتجده أمامها آسرا و جذابا و مسيطرا ، بدا وجهه تحت أضواء الغرفة الخافتة مثيرا ، كان جماله شيطاني آنذاك ، و كانت ترتجف تحت يديه ، لكنها جاهدت كي تظل عينيها في مواجهة عينيه الحادتين ، بينما مسح شفتيها بأصبعه ثم قال بلطف ناقض تلك القسوة في عينيه:
-عندي هدية ليكي .. هو صحيح جوازنا تم بسرعة بس انا مستحيل كنت انسي اجيبلك شبكتك.
لم تقل شيئا فقط ظلت تحدق به ، بينما إبتسم بخبث فظهرت أسنانه البيضاء المتناسقة ثم تركها فجأة و توجه نحو طاولة صفيرة توسطت الغرفة الكبيرة ، ثم عاد إليها حاملا علبة كبيرة مغطاة بالمخمل الأسود و قال:
-الطقم ده عليه توقيع Graff .. انا ماحبتش ابدا اقدملك اي حاجة.
ثم فتح العلبة أمام عينيها المندهشتين ، و أخرج عقدا من الماس المرصع بالزمرد علي إطار من الذهب و البلاتين مع قرطين مماثلين ..
ثم وقف خلفها و قام بنزع العقد الذي كان يطوق عنقها و الذي لا يساوي شيء مقارنة بالعقد الكامن بيده ، ثم ألبسها المجوهرات الثمينة و أدارها إليه كي يتمعنها أكثر ، فقربها إليه ثم قال هامسا:
-شكلهم بقي احلي عليكي.
إرتجفت”داليا”ثم أبعدت يده عن عنقها ببطء ثم قالت متعلثمة:
-شـ شكرا.
-شكرا بس ؟؟
هتف بصوت أجش ، فإضطربت و دمعت عيناها بلحظة ثم قالت:
-مش دلوقتي .. كل حاجة جديدة عليا .. ياريت تقدر ده و تصبر عليا يافندم.
رفع حاجبيه الكثيفين في دهشة و قال:
-يافندم ! .. داليا احنا اتجوزنا خلاص .. لسا بتقوليلي يافندم ؟!
إشتعلت وجنتاها تحت وطاءة نظراته فقالت:
-دي حاجة من ضمن الحاحات الجديدة عليا .. مش هقدر انطق اسمك عادي كده.
-ليه ؟ هو صعب اوي كده ؟؟
هزت رأسها نفيا فعبس قائلا:
-طيب .. طالما مش صعب اتفضلي سمعيني .. انا اسمي ايه ؟؟
تطلعت إليه في توتر ، فرفع حاجبه يحثها علي الكلام ، فإرتجفت شفتها و هي تحاول نطق إسمه:
-عـ .. عز .. عز الدين.
بعد ذلك ظلت تتنفس بعمق و كان صدرها يعلو و يهبط بسرعة و كأنها إنتهت للتو من سباق طويل ، فيما إنعكس إضطرابها الداخلي في الإحمرار الذي خضب بشرتها البضة ، فرمقها بنظرة غريبة لم تستطع فهم مغزاها ، ثم راح يلتهمها بعينيه بدءً من وجهها و حتي صدرها ، و بضمة قوية ألصقها به إلي أقصي حد ممكن ، فأطرقت برأسها توجسا ، إلا أنه شدد قبضته عليها في قسوة و إصرار و عناقها عناقا طويلا حارا ..
إسترخت و هي تشعر ببعض الدفء و الحرارة بأحضانه ، كانت تذوب بين ذراعيه كقطعة ثلج ، حتي أفاقت من غيبوبتها الحالمة فجأة حين إبتعد عنها قليلا كي يري تأثير ما فعله بها بتعابير وجهها ، فإبتسم بسخرية خفية عندما لاحظ التجاوب بعينيها و اللوم أيضا علي توقفه ، فربما لو كان إسترسل في أفعاله لكانت رضخت له كليا ، و لكنه أعادها إلي رشدها حينما أبعدها عن دفء حضنه فجأة ..
فيما إصطنع إبتسامة لطيفة و قال:
-انا مابحبش اخد حاجة بالغصب يا داليا .. لازم تكوني راضية و عايزة زيي بالظبط .. و عشان كده بس .. انا هحاول اظبط اعصابي علي اد ما اقدر و هصبر عليكي .. بس ماتراهنيش علي صبري كتير.

*******************************************************************
عاد”عمر”إلي المنزل في ساعة متأخرة من الليل ، و بينما و هو يصعد الدرج المؤدي إلي طابق الغرف ، قابل”فاطمة”فإبتسم بخفة ثم سألها بفظاظة:
-ايه يا بطوط .. صاحية لحد دلوقتي ليه ؟ و جاية من عند مين كده ؟؟
رمقته”فاطمة”بنظرة غاضبة ، لكنها تمالكت نفسها و أجابته بجمود:
-انا مش جاية من عند حد يا عمر بيه .. انا كنت بوصل الانسة ياسمين لاوضتها زي امر عز الدين بيه.
قطب حاجبيه متسائلا:
-مين الانسة ياسمين دي ؟؟
-دي تبقي اخت داليا هانم.
– مين داليا هانم ؟؟
رفعت”فاطمة”حاجبيها بذهول قائلة:
-داليا هانم ..مرات عز الدين بيه.
تأوه”عمر”و هو يض*رب جبينه بباطن كفه قائلا:
-اه اه اه صح .. داليا مرات عز.
ثم تابع في خبث:
-بس هي طلعت عندها اخت ؟ .. حلو حلو.
-نعم !!
إلتفت إليها منتبها ثم عنفها قائلا:
-ايه انتي لسا واقفة ؟ يلا روحي نامي .. يلا.
رمقته”فاطمة”بإزدراء و كادت تغرب عن وجهه إلا أنه إستوقفها قائلا:
-استني هنا.
عادت تنظر إليه من جديد فسألها:
-هي فين ؟؟
هزت رأسها مستفهمة فعبس قائلا:
-اوضتها فين ؟؟
-جنب اوضة حضرتك علطول.
إزدادت إبتسامته إتساعا و هو يسألها:
-قوليلي يا بطوط .. هي حلوة ؟؟
-اه يا بيه .. حلوة.
-طب خلاص امشي يلا.
هزت”فاطمة”رأسها في عدم رضا ثم هبطت الدرج مبتعدة عنه ، بينما إستئنف”عمر”صعوده حتي وصل إلي تلك الغرفة المجاورة لغرفته ، فطرق الباب بخفة ثم أدار المقبض و دخل بعدما سمع صوتا أنثويا يأذن له بالدخول ، كانت تعطيه ظهرها فيما إنهمكت بترتيب أغراضها داخل خزانة الملابس الكبيرة ، فأمال رأسه و راح يدقق فيها بإمعان و إبتسامته الخبيثة لاتزال تحتل ملامح وجهه حتي سمعها تقول:
-رجعتي تاني يا فاطمة ؟ عايزة حاجة ؟؟
-لأ انا مش فاطمة.
هتف باسما ، بينما إرتعدت بقوة جراء المفاجأة ، ثم إلتفتت لتواجه صاحب العبارة ،ليتجمدا هما الإثنان بنفس اللحظة ، إتسعت عيناهما بشدة و هما يحدقان ببعضهما في عدم تصديق ، خيم الصمت لدقائق طويلة حتي تكلمت”ياسمين”أخيرا فقطبت حاجبيها قائلة:
-انت ! .. انت ايه اللي جابك هنا يا بني ادم انت ؟؟
إستغرق”عمر”ثوان حتي تدارك الأمر فعادت بسمته إلي وجهه مجددا ثم قال:
-انا اللي المفروض اسألك السؤال ده .. انتي ايه اللي جابك هنا ؟ ده بيتي.
-بيتك !!
هتفت في صدمة ، فأومأ رأسه ببطء و عيناه تتفحصان وجهها الذاهل بينما سألته:
-بيتك ازاي ؟!
ضحك بخفة ثم أجابها:
-اقولك ازاي ..البيت ده اساسا كان بيت فريد نصار .. ابويا .. قبل ما يم*وت الله يرحمه .. ابويا بقي قبل ما يم*وت بردو خلفني و بعد ما مات البيت بقي بيتي و بيت اخواتي في نفس الوقت .. فهمتي ازاي ؟؟
أومأت”ياسمين”رأسها في هدوء ، و قد توضحت الأمور بعينيها ، و تذكرت أيضا حين أبلغتها شقيقتها بأن”عز الدين”له أشقاء ، و لكن كانت هذه المفاجأة بعيدة كل البعد عن خيالها !
-طيب .. تشرفنا ياسيدي .. اتفضل اطلع برا بقي.
قالت بلهجة حادة ، فإبتسم بقوة قائلا:
-زي ما انتي يا دكتورة .. ماتغيرتيش لسا قاسية .. بس تعرفي احلي حاجة ان اوضتك جنب اوضتي.
أغمضت عيناها بحنق قائلة:
-انت ماسمعتنيش و لا ايه ؟ بقولك اطلع برا.
تمهل قليلا قبل أن يقول بإبتسامة واسعة:
-حاضر .. حاضر يا دكتورة طالع.
ثم إستدار كي يذهب ، إلا أن صوتها إستوقفه:
-استني.
إلتفت إليها مجددا و قد لمعت عيناه خبثا فرمقته بحدة قائلة:
-انا عايزة مفتاح الاوضة دي.
هز رأسه بأسف مصطنع ثم قال:
-للاسف .. الاوضة دي مالهاش مفتاح.
-يعني ايه مالهاش مفتاح ؟؟
أجابها بتهكم:
-يعني مالهاش مفتاح .. ضاع .. احنا ساعات كنا بنستقبل ضيوف عندنا هنا في الاوضة دي و اخر حد جه ضيعه.
أومأت رأسها مغتاظة ثم قالت:
-بس اكيد ممكن يتعمل واحد
جديد مش كده ؟؟
إبتسم ثم قطب حاجبيه قائلا:
-للدرجة دي المفتاح مهم بالنسبة لك ؟ و لا انتي خايفة مني ؟؟
رمقته بإستنكار قائلة:
-انا .. اخاف منك .. انت !!
ثم قهقهت بقوة ، بينما إصطنع إبتسامة باهتة ثم قال ساخرا:
-عموما بردو ماتخافيش .. و لو قلقانة اوي .. حطي كرسي ورا الباب .. مش ده بيحصل منكوا ساعات بردو ؟؟
-واضح انك عارف ده .. ممكن تكون اتمنعت من دخول اوضة قبل كده بالطريقة دي.
إنفجر ضاحكا ثم رمقها في إستهزاء قائلا:
-يا حبيبتي انا لو عايز ادخل اوضة مش هيمنعني شيء صغير زي كرسي.
-في الحالة دي انا مصممة علي وجود مفتاح.
نظر إليها في إزدراء لبرهة ثم قال:
-يا دكتورة .. انا ذوقي ارقي من كده.
ثم إقترب منها قليلا و همس:
-اوضتك .. هي اخر اوضة ممكن احب ادخلها.
ثم خرج و أغلق الباب خلفه ، تاركا إياها واقفة بوسط الغرفة و قد أحمر وجهها حنقا و غيظا … !

********************************************************************
لم تنم .. ظلت ساهرة ملء جفنيها فيما عيناها لم تكف عن سفح الدموع ، كانت تبحث في محاولات يائسة عن حل لمشكلتها و لكن كل محاولاتها باءت بالفشل ، و كالعادة لم تجد وسيلة للتعبير عن ضيقها و ندمها إلا البكاء … و بعد تفكير طويل إستقرت علي قرار أخيرا ، رغم ذعرها من تلك الفكرة إلا أنها كانت تفضلها عن نظرات الكره و الإتهام بأعين أحب الأشخاص إليها ، و بالأخص”خالد” .. الحبيب المسكين ، كم كرهت نفسها ، كم أرادت أن تنتقم من نفسها آلاف المرات علي ما فعلته بنفسها ، لا بل علي ما فعلته بهم !
سكتت عن البكاء فجأة ثم كفكفت دموعها و تناولت هاتفهها ، ثم أجرت الإتصال به … ليأتي صوته الناعس بعد لحظات:
-الو.
جاهدت كي تبقي تبرتها طبيعية و هي تجيبه:
-خالد.
-عبير !!
هتف بقلق ثم سألها:
-ايه يا حبيبتي خير ؟ في حاجة ؟؟
-لأ يا خالد مافيش حاجة.
-اومال بتكلميني ليه في الوقت ده ؟؟
-اتضايقت اني كلمتك ؟؟
-لا لا يا حبيبتي ابدا .. بس قلقت عليكي .. انتي كويسة ؟؟
-اه كويسة .. انا بس اتصلت بيك عشان اسألك سؤال.
-سؤالين يا عمري .. اتفضلي ؟؟
صمتت قليلا ثم سألته بتمهل:
-خالد .. انت بتحبني ؟؟
-بم*وت فيكي يا حبيبتي .. بعشقك.
عضت علي شفتها بقوة و هي تحارب دموعها ثم خرج صوتها بصعوبة فقالت:
-طيب يا خالد .. انا عايزة اطلب منك طلب.
-آمريني.
-انا عايزاك تسامحني.
-اسامحك ؟!!
سألها بإستغراب بالغ ثم تابع:
-اسامحك علي ايه يا عبير ؟؟
-علي اي حاجة عملتها و ضايقتك.
-يا عبير انتي مش متخيلة انا مبسوط و مندهش ازاي من التفيير اللي حصلك في اليومين دول .. لكن عموما انا عمري لا زعلت منك و لا اتضايقت .. عارفة ليه ؟؟
-ليه ؟؟
-عشان انا كنت متاكد ان هيجي اليوم اللي اسمع منك فيه كلامك ده .. عشان كده كنت مسامحك من البداية يا حبيبتي.
لم تستطع كبت انفعالها أكثر ، فوضعت يدها علي فمها و راحت تبكي بصمت ، و لكنها سارعت تقول بصوت متهدج:
-تصبح علي خير يا خالد.
ثم أغلقت الخط و أخذت تجهش بالبكاء المُر … !

********************************************************************
إستيقظت”داليا”في الصباح التالي قلقة ، فقد أزعحها ضؤ الشمس المنخلل من بين ستائر الغرفة ، ففتحت عيناها ببطء و هي تتمطي في الفراش الدافيء المريح بكسل ، و كم كانت فرحة ، حين نظرت إليه ، حيث كان نائما في سلام تام ، إبتسمت قليلا و تأملته مليا ، قشعرت برغبة جامحة في أن تدفن وجهها بصدره ، لكنها تغاضت عن هذا الفعل و عوضا عليه راحت تتذكر تفاصيل الليلة الماضية ..
بعد حديثهما الطويل الذي ختمه بعناقه الحار ، دلف إلي الحمام كي يبدل ملابسه ، بينما وقفت وحيدة بوسط الغرفة ، فمدت يدها إلي سحاب الفستان لتنزله لكنه علق بعناد ، و لم تفلح كل محاولاتها ، فصرخت بنفاذ صبر ، و إذا به يأتي من خلفها فجأة قائلا:
-حسبي .. خليني افكلك السوستة.
كان قد نزع ملابسه باكملها حيث لم يكن يرتدي سوي سروالا أسود ، مما ضاعف إرتباكها ، فأجابته و هي تواصل محاولاتها الفاشلة:
-شكرا .. انا هتصرف.
قاطعها بحزم:
-و بعدين بقي .. لفي بقولك هتقطغي الفستان.
و بقوة غير متوقعة ، أدارها و أنزل لها السحاب حتي نهايته ، فتشبثت بأطراف الفستان لئلا يسقط و يكشف عن جسدها ، فيما قالت مسرعة:
-شكرا.
-مش هتقلعي الفستان ؟؟
سألها و هو يحدق فيها بحرأة فأحابت بصوت متهدج:
-مش قدامك.
ضحك بخفة ثم قال:
-ماشي .. هدخل اجيب هدومي من الحمام تكوني غيرتي .. بس بسرعة.
ثم إستدار و عاد إلي الحمام ، و ما أن أغلق الباب من خلفه حتي أفلتت الفستان ليسقط أرضا حول قدميها ، فأسرعت نحو حقيبة ملابسها و أخرجت قميصها الأبيض الحريري الذي كشف عن معظم أجزاء جسدها و كان فضفاض بالوقت ذاته !
أفاقت”داليا”من شرودها باسمة ، ثم راحت تحدق فيه أكثر و أكثر حتي إمتدت يدها دون إرادتها بإتجاه وجهه ، و كادت تلمسه إلا أنه تحرك بقلق ثم تقلب بالفراش برشاقة حتي إستقر علي جانبه الأيمن ، حيث وجه لها ظهره العاري ، إستاءت لذلك ، فهي كانت تريد لمس وجهه ، فنهضت بعناد و إستدارت حول الفراش حتي وقفت أمامه ، فجثت علي ركبتيها أمامه في هدوء ، ثم مدت يدها بحذر كي تلمس وجهه ، ثم فجأة و بدون مقدمات فتح عيناه ثم قال باسما:
-اد كده مش قادرة تبعدي عني ؟؟
صرخت بفزع بينما أطلق ضخكة مجلجلة و هو يتسطح علي ظهره ، ثم نظر إليها و تابع قائلا:
-ماكنتش اعرف ان شكلي بيبقي حلو اوي كده و انا نايم.
وثبت قائمة في سرعة ثم سألته متعلثمة:
-انت .. حضرتك صاحي من امتي ؟؟
رمقها بخبث قائلا:
-من ساعة ما كنتي سرحانة قي وشي لدرحة اني لما فتحت عنيا ماخدتيش بالك.
ثم إنفجر ضاحكا من جديد ، فكادت تم*وت من شدة خجلها و حاولت أن تجد أي مبرر أو أن تقل شيئا علي الأقل ، لكنه سارع إلي القول:
-خلاص يا داليا .. هدي اعصابك .. انا مابقتش غريب عنك يعني.
ثم ترك الفراش و إتجه نحو الخزانة فسألته:
-حضرتك خارج ؟؟
أجابها دون أن يلتفت إليها:
-ايوه حضرتي خارج.
سألته في تردد:
-رايح .. رايح فين ؟؟
-رايح الشركة.
-رايح الشركة !!
رددت في دهشة بالغة ، فإلتفت إليها ثم أجابها:
-اه رايح الشركة .. قعدتي في البيت مش هتأكلنا عيش .. لازم اروح اشوف شغلي.
تمتمت مرتبكة:
-ايوه بس .. بس . امبارح ..
قاطعها بصوته العميق قائلا:
-كان ممكن اقعد يا داليا لو كنا بدأنا شهر العسل.
ثم هز كتفيه و أضاف:
-بس للأسف لسا مابدأناش .. و انا بقول خلي الاجازات للوقت ده احسن.
أطرقت برأسها و عضت علي شفتها بقوة ، بينما تنهد بعمق ثم قال:
-انهاردة هلبس علي ذوقك .. حضريلي هدوم بقي.
ثم ألقي عليها أخر نظرة و توجه إلي الحمام ، فيما إبتسمت بخفة و إتجهت صوب الخزانة الكبيرة ، راحت تتفقد ملابسه الثمينة غالية الثمن ، جميع الملابس فريدة و أيا منها سوف يناسبه و لكنها إستقرت علي بذلة رمادية داكنة تناسب نفسه و تقلبات مزاجه ، و عندما سحبت البذلة من موضعها سقطت منها ورقة بيضاء مطوية ، إنحنت”داليا”و إلتقطتها .. لوهلة ترددت و إمتنعت بشدة عن التطلع إليها ، لكنها لمحت فجأة …

الحلقة (16):

لمحت فجأة أسم الحي الذي كانت تقطن به ، فلا شعوريا فتحت الورقة ، فإذا بها وثيقة بيع منزلها !
إتسعت عيناها في ذهول بالغ و هي تحدق بالورقة الكامنة بيدها ، تداهمت الأفكار بعقلها و أخذت تتساءل .. هل فعل ذلك حقا ؟ .. هل حقا هو من تسبب بتجريدها من بيتها عنوة ؟ .. هل فعل ذلك كي يجبرها علي الزاوج منه ؟ .. لا مستحيل ! قالت لنفسها ثم راحت تحدق بالورقة جيدا ، فرأت التاريخ ، لقد تم البيع منذ ثلاثة أسابيع ، أي حتي من قبل علمها بخبر الإخلاء !
هذا يعني أنه هو .. هو من فعل كل ذلك ، كل شيء تم كان بتخطيط مسبق منه ..
هزت رأسها بعدم تصديق و الوهن يغلي بصدرها ، إذ تذكرت كل الإهانات التي تعرضت لها في الأيام السابقة ، أخر ما توقعت حدوثه هذا الفعل الذي بدر منه ، دمعت عيناها بشدة و لكنها منعت دموعها من الفرار من عينيها ، و أقسمت بأغلظ الإيمان بأنه سوف يدفع الثمن و لكن بالطريقة التي سلكها من أجل حصوله عليها ، سوف يدفع الثمن ..
أفاقت من نوبة صدمتها سريعا ثم عادت ترتب له ملابسه ، ليخرج هو من الحمام قي تلك اللحظة و قد لف منشقة بيضاء عريضة حول خصره ، فصوبت نظرها إليه و قد رسمت بسمة ناعمة هادئة علي وجهها ، فبادلها البسمة عينها ، ثم أخذ يقترب منها و الماء يقطر من شعره الأسود الغزير اللامع علي صدره القوي الصلب حتي وقف أمامها .. :
-لأ ذوقك حلو .. انا بحب الغوامق بردو.
قال ذلك و هو يتناول البذلة من بين يديها ، في حين تعلقت عيناه علي تلك الورقة البيضاء التي إنكمشت بكف يدها ..
لاحظت”داليا”نظراته فرفعت يدها ثم إبتسمت في إرتباك قائلة:
-و انا باخد البدلة من الدولاب وقعت منها الورقة دي.
ثم تابعت بنظرة ثاقبة و بلهجة هادئة:
-و غصب عني لمحت اسم الشارع اللي فيه بيتي !!
تجهم وجهه قليلا و لكن ملامحه بقت جامدة ، فأجابها بصوته العميق:
-انا مش قلتلك اني هشتري بيتك و هكتبه باسمك ؟ اشتريته فعلا يوم ما كتبنا الكتاب بس لسا ماسجلتوش باسمك.
رمقته بغضب دفين لكذبه ، بينما خطف الورقة من يدها و كذلك أخذ البذلة ثم إستدار مبتعدا عنها ، فتخضبت وجنتاها بحمرة الخجل حين رأته يهم بإرتداء ملابسه ، فبسرعة أدارت له ظهرها ، ثم راحت تذكر نفسها بالقسم الذي قطعته منذ قليل … !

*******************************************************************
ذات ليلة كانت جالسة بإسترخاء علي تلك الأريكة التي توسطت الغرفة الفسيحة ، تطالع كتاب تاريخي علي الأضواء الخافتة ، بينما “عز الدين”مستلقي علي الفراش و قد بدا واضحا إستغراقه في النوم ..
حانت منها نظرة عابرة نحوه ، ثم زفرت في ضيق و أخذت تقلب بذهنها الأفكار .. فكرت في أن”عز الدين”يشاركها الفراش منذ أسبوع كامل ، و لكنه لم يحاول يوما أن يلمسها ، بقدر ما سبب لها هذا من راحة بقدر ما أزعجها أن ينام هو قرير العين إلي جانبها بينما هي تقضي هب الليل كله متوترة ، متحفزة تصارع وحدها تلك المشاعر المتضاربة داخلها ..
إنتابها قلق مفاجئ حول إنجذابه لها ، ثم تذكرت بأنه قد تزوجها لهذا السبب أساسا ، تزوجها فقط لأنه يرغبها و ليس أكثر ، لطالما أراد الحصول عليها منذ وقت طويل ، و لكن ما الذي يمنعه ؟ ما سبب تأجيل هذا الفعل لكل تلك الأيام ؟ ..
رفعت يديها فجأة وصقت بهما أذنيها في محاولة لإسكات صوت عقلها دون فائدة ، ثم أدركت بأن النوم هو خير وسيلة للهروب من تلك الأفكار المرهقة ، فنهضت و تقدمت صوب الفراش و لكنها قبل أن تندس بمكانها ، وقفت إلي جانبه حيث مدت يدها كي تطفئ نور المصباح القائم علي الطاولة الصغيرة قربه ، إلا أنها و من دون أن تدري شعرت بذراعيه تلتف حول خصرها ، فصرخت بذعر جراء المفاجأة ، فيما سحبها بقوة لتجد نفسها خلال لحظة ممدة علي الفراش بمكانه و هو منحني عليها بثقله مكبلا حركتها .. خفق قلبها بسرعة جنونية و هي تري عيناه تلمعان كعيني صقر جاثم و هو يحدق فيها بقوة و بجرأة ، إبتلعت ريقها بصعوبة بالغة ، و قبل أن تتمكن من قول أي شيء ، أطبق شفتيه علي شفتيها بقبلة طويلة متسلطة ، متملكة .. إرتعدت كل خلية في جسدها و هي تشعر بملمس شفتيه القاسيتين ، و بقبلته تزداد حرارة و تملكا ، فلا شعوريا وجدت نفسها هادئة و مستسلمة تماما ، فقد كان يقبلها بطريقة أطاحت بصوابها ،ثم فجأة إستجمعت قواها متذكرة أفعاله و القسم الذي قطعته مسبقا ، فوضعت كفيها علي صدره و دفعته عنها بعنف جاهدة في التخلص منه ، و لوهلة قاوم محاولتها الضعيفة للهرب ، ثم أفلتها ، فإبتعدت عنه مسرعة حيث إلتصقت بحائط الفراش و هي ترتجف ذعرا و قد تهدجت أنفاسها جراء هجومه الغير متوقع ، بينما إعتدل جالسا ثم حدق فيها بإنزعاج قائلا:
-و بعدين يا داليا ؟؟
هتف بخشونة ثم تابع:
-لحد امتي هنفضل كده ؟ انا سيبتك لأيام طويلة عشان تقدري تتعودي عليا و علي وضعك الجديد بس انا شايف انك لسا زي ما انتي و انك مش عايزة علاقتنا تطور.
شعرت”داليا”بالرعب يملأ أوصالها جراء نظراته الغاضبة ، لم تكن قادرة علي تحديه في تلك اللحظة ، فقد كان صوته مليئا بالعنف و نفسه مليئة بالإرادة ، و بدا و كأنه مشمئز من المماطلة و التسويف اللذين تمارسهما بحقه ، فوجدت”داليا”أن أفضل إسلوب للتعامل معه هو اللين و الدبلوماسية ، فقالت بخفوت مضطرب:
-انا اسفة يافندم .. بس انا حاسة اني مش مناسبة ليك .. و مش قادرة .. مش قادرة اديك اي حاجة.
قال بحدة:
-اولا كلمة يافندم دي مش عايز اسمعها منك تاني ابدا.
ثم تابع بقسوة ساخرة:
-ثاتيا المسألة بسيطة جدا .. اي حاجة مش هتقدري تديهالي هاخدها انا بنفسي.
ثم أمسك بذراعها و جذبها إليه بقوة فقالت بصوت متهدج:
-انت قلت انك مابتحبش تاخد حاجة بالغصب !!
-و اظن اني كنت صبور بما فيه الكفاية.
أجاب بجمود ثم أضاف:
-و علي اي حال احنا اتنين متجوزين و انا بطالبك بحقوقي مش اكتر و ماتنسيش اني لبيتلك كل طلباتك و احتياجاتك فمن واجبك انتي بقي دلوقتي انك تلبيلي كل طلباتي و احتياجاتي.
إستطاعت أن تنطق بصعوبة من بين مشاعر الخوف التي إجتاحتها بعد أن لاحظت إصراره العنيف:
-طيب .. اديني فرصة تانية .. انا .. انا مش جاهزة دلوقتي.
أغمض عيناه في حنق و زفر بتفاذ صبر ثم عاد ينظر إليها و قال:
-ماشي يا داليا .. هديكي فرصة تانية .. بس ماتفتكريش اني هاسيبك اد المدة اللي فاتت.
ثم أفلتها بحزم ، فتنفست الصعداء و هي تراقبه يعود إلي مكانه كما كان ، بينما تمددت في هدوء و حذر ، شعرت بالعرق يبلل جسدها و وجهها من فرط التوتر الذي عصف بها ، فيما كان الغضب يملأ كيانها .. فها هي ضعيفة مجددا أمام الرجل الذي يملك كل شيء ، و في الواقع يملكها هي أيضا .. تصورت بأنها قادرة علي تلقينه درسا لن ينساه و لكنها كانت مخطئة تماما .. إذ تلاشت كل تصوراتها بمجرد أن نظر إليها بعينيه الحاديتين ، و بينما كانت تتخبط في أفكارها غفت مضطربة الأعصاب … !

*******************************************************************
في الصباح التالي ، إستيقظت”ياسمين”علي فراشها العريض المظلل ، و بصعوبة إستطاعت أن تنزع نفسها من الدفء المغري و الإرتياح الغامر اللذين شعرت بهما في موضع نومها ، ثم نهضت و توجهت إلي الباب الزجاجي الذي يطل علي الشرفة ففتحته و راحت تتأمل بسحر المنظر من أمامها ، حيث حديقة القصر الخضراء بأشجارها و أزهارها ، و خاصة تلك الأزهار البيضاء التي عبقت المكان بشدة ، لم يسبق أن رأت أزهار بهذا الجمال الكامل ، و لا أن تنشقت عطرا لذيذا كهذا ، فأغمضت عينيها و تنفست بقوة مرات عديدة لتملأ رئتيها بالنسيم المنعش و برائحة الزهور الغنية العطرة .. مرت بضع دقائق قبل أن تلاحظ أن رائحة مزعجة إختلطت برائحة الزهور ، إنها رائحة تبغ محترق !
نظرت إلي جانبها فرأته يقف بالشرفة المجاورة لشرفتها يدخن إحدي سكائره ، و قد لاحظت بإنه كان يراقبها منذ فترة ، بينما إنفرج ثغره بإبتسامة خفيفة و هو يمعن النظر فيها إلي أن حياها قائلا:
-صباح الخير يا دكتورة .. ايه مافيش مستشفي و لا كلية انهاردة و لا ايه ؟؟
رمقته بهدوء ساخر ثم قالت:
-صباح الخير يا استاذ .. و جمعة مباركة انهاردة اجازة.
ض*رب جبينه بباطن كفه قائلا:
-اه صحيح .. انهاردة الجمعة .. معلش اسف.
و عاد ينظر إليها ثم قال بإبتسامة مرحة:
-بقولك ايه يا دكتورة .. ايه رأيك لو نعقد هدنة بينا ؟؟
رفعت أحد حاجبيها قائلة:
-مش فاهمة .. قصدك ايه ؟؟
-قصدي خير و الله .. بصي انا عارف اني بني ادم سافل و مش متربي.
-عظيم كويس انك عارف ده غير ان الاعتراف بالحق فضيلة.
صر علي أسنانه بحدة خفيفة ثم عاد يقول بنبرة هادئة:
-انا بقول يعني بما اننا بقينا عايشين تحت سقف واحد يبقي لازم نصفي كل الخلافات اللي بينا و نبدأ صفحة جديدة.
قطبت حاجبيها و هي ترمقه بشك ، لكنها إبتسمت فجأة ثم قالت ببساطة:
-من قلبي بتمني فعلا اننا نبدأ صفحة جديدة .. بس ياريت تفتكر كلامك ده باستمرار و ماترجعش تتصرف بقلة احترام.
ضحك بخفة ثم قال:
-اوعدك اني مش هخيب ظنك يا دكتورة.
بينما جلجلت بداخله تلك الضحكة الخبيثة … !

*******************************************************************
بعد أن أخذت حماما كاملا ، إتجهت صوب الخزانة الكبيرة ، ثم راحت تفكر بما سترتديه ، لو لم تكن زوجة”عز الدين نصار”الأن لأرتدت سروالا و قميصا عاديا كعادتها ، لكن في قصر زوجها العزيز ، تبدو هذه الملابس غير لائقة ، و لكنها إختارت ذلك الثوب الوردي القصير الذي إشترته منذ عدة أعوام و لم تجربه يوما ، أمسكت به في تردد و فكرت .. هل ترتديه أم لا ؟ .. فهو كان قصير بعض الشيء ، بحيث يصل إلي ركبتيها علي الأقل ، غير أنه عاري الكتفين يتمتع بالضيق الشديد أيضا ، ودت لو تعيده إلي مكانه و لكن ما من إختيارات أمامها ، جميع ملابسها مهترئة لا تناسب مكانة زوجها الحياتية أو الإجتماعية حتي ..
إرتدت الثوب القطني الرقيق الذي أظهر نحافة و جمال ساقيها الرشيقتين ، و إنتعلت صندلا من الفلين ثم جلست أمام منضدة الزينة تمشط شعرها ، فتركته ينسدل بحرية علي كتفيها و خلف ظهرها ، ثم وضعت في عنقها سلسلة ذهبية كانت لوالدتها و زينت وجهها أيضا بقليل من مساحيق التجميل البسيطة ، و قبل أن تغادر الغرفة ألقت نظرة فاحصة علي نفسها بالمرآة الكبيرة ، إن أرادت هي أن تدفعه الثمن كما أقسمت ، فعليها بأن تتسلح بأقوي أسلحتها .. جسدها ، جسدها هو العامل المؤثر الذي سوف يخضعه و لكن مع قليل من الحذر ، فهو حاد الذكاء و ليس من السهل إطلاقا أن يتلاعب به أحدهم !
إستدارت أخيرا و خرجت من الغرفة ، ثم هبطت إلي الطابق الأرضي سالكة سلالم الرخام مستندة إلي الدرابزين الحديدي المصقول الذي يشكل تحفة فنية صغيرة ..
راحت”داليا”تسمع صوت خطواتها علي الأدراج و حفيف ثوبها فوق ساقيها الناعمتين ، ثم إقتربت ببطء من البهو و هي تعي كل الروائع المحيطة بها .. كانت تبحث عنه هنا و هناك في هدوء شديد ، فاليوم عطلته و هو علي حد علمها يقضي يوم العطلة بالمنزل ، و كما توقعت عثرت عليه بحجرة المكتب حيث كان جالسا وراء مكتبه منكبا علي بعض الأوراق ، فلم يرفع رأسه لتوه ، بل مرت لحظة مشحونة بالتوتر قبل أن تتنحنح لتنبهه لوجودها ، فرفع رأسه عابسا و رأته ينظر إلي قامتها المتوسطة بعينين متفحصتين:
-صباح الخير.
هتفت”داليا”بثبات متوتر ، بينما إكتفي بهزة من رأسه ثم قال بهدوء آمر:
-تعالي .. تعالي يا داليا.
وقفت لحظة جامدة أمام مصراعي الباب و عيناها تحدقان في النوافذ العالية و الأبواب الزجاجية التي تطل علي ساحة القصر ، جميع المنافذ مقفلة و لا مجال للهرب منه ، فيما أطاعته بصمت حيث تقدمت صوبه بآلية ..
حجرة المكتب مريحة و مليئة بالكتب المرصوصة علي رفوف عريضة و سبق أن زارتها”داليا”مرة في الأيام السابقة .. قرب النافذة يقع مكتبه الخشبي الوثير الذي إعتلته بعض المستندات و الأوراق المختلفة ، كراسي و مقاعد جلدية كملت أثاث الحجرة أيضا .. :
-انا توقعت وجود حضرتك هنا بما ان انهاردة يوم الاجازة.
قالت”داليا”ذلك و هي تجلس في أحد المقاعد الجلدية الواقعة قرب مكتبه ، بينما رفع أحد حاجبيه متنهدا ثم قال متجاهلا تحفظها الرسمي معه:
-حبيت اخلص شوية حاجات مهمة قبل بليل.
ثم صمت قليلا و أخذ يحدق فيها بهدوء قائلا:
-انهاردة مش عايزك تسيبي اوضتنا خالص .. ماتخرجيش منها لاي سبب من الاسباب .. فهماني ؟؟
تطلعت إليه في دهشة عارمة ثم سألته:
-ليه ؟ ايه اللي هيحصل انهاردة ؟؟
-فاكرة مناقصة المراكب اللي دخلنا فيها؟؟
أومأت رأسها شاردة و هي تتذكر التفاصيل ، ثم عادت تحدق فيه قائلة:
-اه فاكرة.
ثم سألته باسمة:
-ايه رسيت علينا ؟؟
إبتسم بدوره ثم أومأ رأسه قائلا:
-ايوه .. رسيت علينا.
أطلقت ضحكة قصيرة ثم قالت مبتهجة:
-هايل .. هايل جدا .. حضرتك كنت مستني الخبر ده من فترة .. مبروك.
هز رأسه في هدوء ثم قال:
-عشان كده بقي انا قلت لازم احتفل بالمناسبة دي مع العملا و الموظفين يعني الليلة دي في حفلة كبيرة هنا في القصر .. و مش عايزك تظهري نهائي.
أومأت رأسها موافقة ، بينما قطع حديثهما مجئ أحد الخدم:
-عز الدين بيه .. مهندس الاضاءة وصل.
نظر”عز الدين”إلي الحارس قائلا:
-طيب شوفوه يشرب ايه و انا جاي حالا.
أطاعه الحارس بتهذيب ثم إنسخب فجأة كما آتي خلسة ، بينما أغلق”عز الدين”ذلك المستند الذي كان يتصفحه ثم نهض من خلف مكتبه قائلا:
-زي ما اتفقنا يا داليا .. مش عايزك تخرجي من الاوضة خالص انهاردة.
ثم غادر المكتب مسرعا ، بينما شردت هي و أخذت تحلل كلامه .. لماذا لم يدعوها إلي حضور الحفلة برفقته ؟ أليست زوجته الأن ؟ لماذا يريد إخفاءها عن الناس ؟
ثم فجأة أطلق هاتفهه الملقي علي المكتب نغمة صاخبة قصيرة معلنا عن وصول رسالة جديدة ، لوهلة ترددت عن الإقبال علي تلك الخطوة و لكنها أجبرت نفسها بدافع الفضول فتناولت الهاتف بسرعة ثم فتحت الرسالة ، فإذا هي من”جومانة خطاب” !
قرأت السطور الوجيزة بفتور”كده بردو يا عز .. نسيتني و اتجوزت ؟ بس علي اي حال انت ليا انا بردو ماتفتكرش اننا خلصنا لحد كده يا بيبي .. اشوفك انهاردة بقي” ..
عندما إنتهت من قراءة الرسالة ، بدت و كأنها تلقت صفعة علي وجهها ، حيث تلاحقت أنفاسها و تصاعدت الدماء إلي وجهها .. ثم أخذت تتساءل .. ألهذا السبب لا يريد إعلان خبر زواجه بها ؟ ألهذا السبب رفض إقامة حفل زفاف ؟ .. من أجل عبثه مع النساء ! فعل كل ذلك لهذا السبب ، و لتكون هي نوع جديد من الألعاب و الدمي التي لم يحصل عليها من قبل و لدي حصوله عليها سيحطمها بين يديه المدمرتين !
صرت علي أسنانها بقوة ، و لكنها إتخذت قرارها سريعا ، سوف تتجاوزه هذه المرة ، سوف تعصي أوامره و ليكن ما يكون … !

*******************************************************************
-لأ يا عبير انتي اتجننتي ؟ اوعي تعملي كده طبعا اوعي.
قالت”ريم”ذلك مخاطبة”عبير”عبر الهاتف بينما أجابتها”عبير”باكية:
-مافيش قدامي حل تاني يا ريم.
-عبير !
هتفت”ريم”بحدة ثم تابعت:
-ماتبقيش مجنونة كل مشكلة و ليها حل ده غير ان ماينفعش نهائي اننا نصلح غلطة بغلطة اكبر فاهمة يا عبير ؟ عشان خاطري اوعديني انك مش هتتهوري في تصرفاتك .. اوعديني يا عبير.
إرتفع صوت نشيجها و هي تقول:
-حاضر .. حاضر يا ريم.
ثم فجأة سمعت طرقا خفيفا علي باب غرفتها ، فأغلقت الخط مع صديقتها ثم كفكفت دموعها سريعا و أذنت بالدخول قائلة:
-ادخل.
دلفت”داليا”في هدوء و قد علت وجهها إبتسامة لطيفة:
-صباح الخير .. ازيك ؟؟
حيتها”داليا”بلطف فأبتسمت”عبير”بشحوب قائلة:
-صباح الخير يا داليا .. انا تمام الحمدلله تعالي ادخلي.
أغلقت”داليا”الباب من خلفها ، ثم تقدمت صوب”عبير”حيث جلست إلي جانبها علي الفراش ، ثم حدقت بملامحها لبرهة و سألتها:
-عيونك حمرة اوي كده ليه يا حبيبتي ؟ انتي كنتي بتعيطي ؟؟
إرتبكت”عبير”قليلا ثم أجابت متلعثمة:
-لأ .. لأ ابدا ماكنتش بعيط انا بس لسا صاحية من النوم.
أومأت”داليا”رأسها بتفهم بينما سألتها”عبير”باسمة:
-اول مرة من ساعة جيتي تزوريني في اوضتي ! يا تري في سبب ؟؟
ضحكت”داليا”بخفة”ثم قالت:
-بصراحة اه.
-في ايه ؟؟
سألتها في إصغاء ، فأطلعتها”داليا”علي تفاصيل الحفلة التي ستقام الليلة بالقصر .. :
-حفلة !!
هتفت”عبير”مستغربة ثم أضافت:
-عز الدين بقاله سنين ماعملش حفلة زي دي هنا في البيت.
ثم صمتت قليلا و قالت:
-المهم يعني في مشكلة بالنسبة لك و لا حاجة ؟؟
تخضبت وجنتا”داليا”و هي تقول:
-ايوه في مشكلة صغيرة.
-ايه هي ؟؟
كم وجدت صعوبة في ذلك و لكنها إستطاعت النطق أخيرا فقالت بثبات:
-انا ماعنديش فستان مناسب لحفلة زي دي .. و فكرت في انك ممكن تساعديني يعني !
رحبت”عبير”بحرارة قائلة:
-اكيد طبعا اساعدك اوي انتي بتهزري ؟ بصي دولابي قدامك اهو اختاري اللي يعجبك.
إبتسمت”داليا”بإمتنان و شكرتها ثم نهضت متجهة صوب خزانة”عبير”المكتظة بأثمن الملابس الغالية … !

******************************************************************
في المساء ، و عندما أسدل الليل ستاره علي قصر الـ”نصار” ..
كانت”داليا”بالغرفة تقف قرب النافذة المطلة علي الحديقة ، تراقب ما يحدث بعصبية داخلية ، كانت الموسيقي الصاخبة هي أول شيء لاحظته ، ثم ذلك الجمع الهائل من الناس ، بينما أدركت بأن الوقت قد حان لتنفيذ مخطتها ، فهي كانت حريصة حيث أنتظرت خروجه من الغرفة أولا بعد إنتهاءه من تجهيز نفسه لكي تبدأ هي بتجهيز نفسها ..
تركت موضعها مسرعة ثم تقدمت صوب الخزانة الكبيرة و أخرجت منها الثوب الذي إعارتها إياه”عبير” .. كان فستانا أسود قصير جدا و قد تعمدت”داليا”اختياره كنوع من أنواع العناد الذي و لابد و أن يثير غضب”عز الدين”بل أنه سيتحول إلي وحش كاسر لدي رؤيته إياها علي تلك الشاكلة .. نظرت إلي المرآة لتري النتيجة النهائية ، و بالكاد تعرفت علي تفسها ، فقد مشطت شعرها بطريقة غجرية حيث جعلته متموج في خصل حريرية ، و وضعت مكياجا جريئا و طلت شفتاها بلون أحمر داكن كلون الدماء .. كانت تبدو أكثر إغراء من أي وقت مضي بحياتها ..
و أخيرا نزلت إلي الحديقة و هي تتمايل بخطي رشيقة ، و كم ذهلت من نفسها و تساءلت .. من أين أتت بتلك القوة المدمرة ؟ .. ماذا سيفعل بها الليلة يا تري ؟
إرتعش بدنها و هي تفكر في النتائج لكنها إنتفضت بلا إكتراث ، ثم إبتسمت بثقة و تابعت سيرها وسط الجموع الغفيرة ..
أخذت تتجول ببصرها هنا و هناك ، بينما إزدادت قاعة الرقص بأفخر الزينات من أجل إستقبال المدعوون الكثر ، ذوات الطراز الذي يرتاح إليه سيد المنزل ، فهم من عُلية القوم و العوائل العريقة بإستثناء الموظفين الذين إتخذوا جانب فاصل عن الضيوف الأساسيين للحفلة ..
كانت الموسيقي الكلاسيكية تصدح و كان المدعوون منتشرين علي طول الحديقة ، يتحدثون ، و يضحكون ، و يشربون مما أضفي علي المكان جوا من المرح بينما حاولت”داليا”إيجاد”عز الدين”بين هذا السيل البشري ، فبقيت تمرر عينيها حتي رأته ، رأته في وضع مخزي جرح قلبها و جمد الدماء بعروقها ، فقد كانت المفاجأة الكبري و المذهلة أنه كان يرقص مع”جومانة خطاب”علي نغمات موسبقية هادئة ، كانا يرقصان بحميمية شديدة ، حيث كانا يحتضنان بعضهما البعض بقوة و كأنهما لا يشعران بوجود أحد !!
كادت”داليا”تقرص جلدها كي تتأكد بأن هذا حلم أو كابوس مزعج ، و لكن لا .. كل شيء حولها أكد لها أنها الحقيقة ، بقيت واقفة بمكانها حتي إنتهت الرقصة ، بينما كان يضحك بوقار كعادته حين إستدار و رأها أمامه ، تجهم وجهه و إتسعت عيناه لدي رؤيته إياها .. ترك ضيوفه فجأة و سار نحوها بخطي واسعة ، غاضبة حتي إقترب منها و وقف أمامها وجها لوجه:
-ايه اللي انتي عملاه في نفسك ده ؟؟
قال بغضب جامح ثم تابع بحدة:
-انا مش قلتلك تترزعي في الاوضة و ماتسيبيهاش خالص ؟ بتكسري كلامي ؟؟
رمقته بمرارة شديدة بينما أضاف بعنف ليزيد من خوفها المعدوم أساسا:
-اوعدك بعد الحفلة و لما افضالك .. حسابك معايا هيكون عسير .. الحركة دي مش هتعدي علي خير ابدا يا داليا.
ثم أمرها بحدة:
-ارجعي البيت فورا .. حسابنا بعدين زي ما قلتلك.
عند ذلك ضحكت”داليا”بقوة ثم قالت:
-انا نزلت بس عشان اتأكد من حاحة صغيرة يافندم .. و خلاص اتأكدت.
قطب حاجبيه مستغربا ، بينما إقترب منها نادل فإبتسمت لأنها وجدت الفرصة المناسبة للإنتقام منه ، فأخذت من الطبق الذي يحمله كأسا معبأ بالشراب ، ثم إقتربت من”عز الدين”بخطوات ثابتة ، و فحأة رمت محتوي الكأس بوجهه ..
تجمد بمكانه من الصدمة فأستغلت هي الفرصة و صرخت به باكية:
-اه يا ظالم يا مفتري .. ازاي تعمل فيا و في بنات الناس كده ؟؟
توقفت الموسيقي فجأة و ساد الصمت المطلق ، ثم أخذ الجميع ينقل نظراته بينهما فرفعت نحيبها قائلة:
-بعد ما صدقتك و قبلت اني اتجوزك اكتشف انك خاين و بتعرف عليا ستات و بنات كتير !!
سمعت همهمات المدعوون تتعالي من كل إتجاه ، فأختلست النظر إليه ، لتجد وجهه متجمدا من الغضب .. هذه علامة سيئة و لكنها لا تأبه فقد نال ما يستحقه !
بينما أقترب منها بخطوة واحدة و أمسك بذراعها و هو يقول للحضور:
-اسف .. راجع حالا.
ثم جذبها بعنف حتي وصل إلي داخل المنزل ، فحملها علي كتفه حيث كانت رأسها خلف ظهر و قدمها أمام صدره بينما أخذت تصرخ بقوة:
-نزلني .. نزلني يافندم .. نزلني.
و لكنه ظل صامتا حتي وصل بها إلي الغرفة ، فأغلق الباب بقدمه ثم توجه بها نحو الفراش و ألقاها بعنف قائلا بهدوء مرعب:
-من الواضح يا حبيبتي انك محتاجة لجلسة تأديب و هكون سعيد جدا و انا بقوم بيها.

بقلم مريم غريب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *