حتى ارى بسمة تمردك 2

الحلقة (6):

عندما إستعادت وعيها كانت مستلقية علي فراش صغير يلفها غطاء قطني رقيق ، حاولت أن تتذكر ما حدث ، تحركت قليلا ، أحست بأوجاع تضرب رأسها و بحبيبات من العرق البارد تتجمع بقوة علي جبينها ، لكنها إستجمعت قواها و فتحت عيناها ، كانت غارقة في الظلام و الرؤية مشوشة ، فعادت تغوص من جديد بغيبوبتها حيث توالت الأحداث و التفاصيل علي عقلها ، أخذت تسترجع كل ما حدث ، كل الأشياء إجتمعت بحلم ، حلم سيء ، حلم مجنون ..
تأملت فكرة وفاة والدتها فأعتراها ألم قوي و بدأت تجهش بالبكاء و رأسها علي الوسادة بينما سمعت همس بأذنيها:
داليا .. سلامتك يا حبيبتي .. قومي يا داليا .. قومي بقي متتسبينيش لوحدي انتي كمان.
فتحت عيناها من جديد مع توالي شهقاتها المستمرة فوجدت شقيقتها”ياسمين”تجلس قربها علي حافة الفراش ، كانت ترتدي الثياب السوداء بينما إنتفضت “ياسمين”بعنف و هي تهرع إلي حضن شقيقتها باكية ثم قالت:
-ماما .. ماما ماتت يا داليا .. ماتت .. و انتي غيبتي عني يومين انا كنت لوحدي يا داليا .. كنت خايفة اوي ماتسيبينيش تاني.
هدأت”داليا”قليلا إذ إستطاعت أن تكف عن البكاء من أجل شقيقتها و بجهد كبير إنتصبت نصف جالسة علي الفراش ثم إحتضنت شقيقتها قائلة:
-خلاص يا ياسمين اهدي .. انا هنا .. انا معاكي خلاص.
تركتها”داليا”تبكي علي سجيتها فيما أطلقت لدموعها العنان في صمت و لما هدأت شقيقتها إبتعدت عنها قليلا فسألتها”داليا”بثبات:
– ايه اللي حصل ؟؟
أجابتها”ياسمين”و شفتاها ترتجفان:
-رجعت من الكلية .. و دخلت اوضتي غيرت هدومي بسرعة و بعدين روحت لـ ماما عشان اغديها و عشان اديها الدوا .. كنت فاكراها نايمة.
قالت بوهن دامعة العينين ثم تابعت:
-حاولت اصحيها كتير لكن .. لكن ماصحيتش .. كشفت عليها و انا خايفة تكون.
صمتت قليلا ثم هتفت باكية:
-اتصلت بيكي و قلتلك لكن لما سمعتي الخبر مني سكتي و ماتكلمتيش.
-انا جيت هنا ازاي يا ياسمين ؟؟
قالت”داليا”متسائلة فأجابت شقيقتها:
-لما كنت بكلمك و ماردتيش عليا زي ما قلتلك رد عليا واحد عرفت بعد كده انه مديرك سألته عنك فقالي انك وقعتي و اغم عليكي فجأة حاول بفوقك لكن الاغماءة كانت شديدة عرفت بردو بعد كده من دكتور زميلي هنا في المستشفي انك اتعرضتي لضغط نفسي شديد عشان كده فضلتي فاقدة الوعي الكام يوم دول.
تابعت”داليا”سؤالها قائلة:
-قصدك يعني ان مديري هو اللي جابني بنفسه هنا ؟؟
أومأت”ياسمين”رأسها ثم قالت:
-ايوه .. انا قلتله يجيبك هنا و اديته العنوان بصراحة هو ماقصرش خالص .. لما جابك اصر انه يقعد شوية لحد ما يطمن عليكي و كمان دفع مصاريف المستشفي.
ما أن تفوهت”ياسمين”بجملتها الأخيرة حتي إندفعت”داليا”في إنفعال قائلة:
-ازاي يا ياسمين ؟ ازاي تخليه يدفعلي مصاريف المستشفي ؟؟
-يعني كنت هعمله ايه بس يا داليا كان مُصر.
تنهدت”داليا”بثقل و عندما قفزت صورته برأسها أغمضت عيناها بشدة محاولة طرده من ذهنها …

*******************************************************************

-امك عايزة تشوفك.
قال”عمر”ذلك لشقيقته عندما كانا يجلسان علي مائدة الطعام يتناولان الغداء بينما جلجلت ضحكة”عبير”ثم قالت:
-انت اتجننت يا عموري .. طب و لما عز يكتشف اللي بيحصل بقي .. بقولك ايه المشرحة مش ناقصة قتلي كفاية انت ده يعني باعتبار ما سوف يكون ههههه.
حدق أخيها بوجهها في حنق ثم قال متهكما:
-بطلي الظرف ده شوية .. و بعدين بقولك امك .. امك عايزة تشوفك.
فقالت بضجر:
-عمر .. من فضلك اقفل علي السيرة دي بقي مش ناقصين احنا وحياتك انت عارف عز و جنانه و انا بصراحة مش مستغنية عن عمري.
ثم تابعت متسائلة:
-و بعدين يعني هي ايه اللي فكرها بيا دلوقتي ؟ و اشمعنا انا ؟ ليه ماتروحش لـ عز مثلا و تحاول معاه يمكن .. يمكن يسامحها.
-انتي اتجننتي و لا ايه ؟ بقي عايزاها تروح تاني لـ عز ! انتي مش فاكرة عمل فيها ايه اخر مرة ؟؟
إبتسمت شقيقته رغما عنها قائلة:
-اه فاكرة .. لما راحتله الشركة و طردها قدام الموظفين.
رمقها”عمر”بنظرة مستهجنة ثم قال منفعلا:
-تصدقي انك ماعندكيش دم .. مالك مبتسمة كده ليه ؟ هي مش امك يعني ؟؟
فأجابته”عبير”بجمود:
-اسمع يا عمر .. انا من يوم ما وعيت علي الدنيا و فتحت عيني مالاقتش قدامي غير عز الدين يعني ماشفتهاش هي .. افهم بقي هي اللي اختارت تبعد عننا عشان مصلحتها لكن عز الدين هو الاصل هو اللي يستحق مننا الشكر و الحب رغم تصرفاته.
ثم تابعت ساخرة:
-ماتقوليش خالص بقي دلوقتي انها عايزة تكون انانية اكتر و تاخد كل حاجة علي الجاهز.
ثم تابعت بتمهل:
-انا .. مع عز .. عيشت معاه و هفضل معاه .. هو اللي رباني و اخد باله مني من وقت ما كنت طفلة صغيرة لحد دلوقتي مش هي .. سامع ؟؟
-ماشي يا عبير .. براحتك.
قال”عمر”ذلك ثم نهض و تركها بينما زفرت”عبير”في ضيق …

*******************************************************************

-لا ده انتي بقيتي تمام خالص الحمدلله اعصابك راقت.
قال الطبيب المشرف علي علاج”داليا”ذلك بينما قالت”ياسمين”:
-طب اظن بقي انه كده ينفع تخرج معايا و لا ايه يا دكتور يا ايمن ؟؟
إلتقط”أيمن”من”ياسمين”لوحة تسجيل حالة”داليا”اليومية ثم قال:
-ينفع جدا يا دكتورة هي اصلا تمام مافيهاش حاجة بس اعصابها كانت تعبانة شوية.
منحت”ياسمين”شقيقتها إبتسامة واسعة ثم تطلعت إلي”أيمن”الذي راح يدون التقرير باللوحة بينما شكرته”داليا” برقة قائلة:
-انا متشكرة اوي يا دكتور و اسفة لو كنا تعبناك معانا.
-انتي بتقولي ايه بس يا انسة داليا ده اقل واجب ممكن اعمله معاكي و مع الدكتورة ياسمين.
قهقهت”ياسمين”بمرح قائلة:
-يسمع منك ربنا و اتخرج علي خير عشان ابقي دكتورة رسمي.
ضحك”أيمن”بخفة ثم قال:
-ماتقلقيش يا دكتورة هتتخرجي بس ساعتها ..
قاطعته”ياسمين”قائلة:
-عارفة و الله .. اكيد يعني ان شاء الله هاجي اشتغل معاك.
كانت”داليا”تتابع ما يحدث بين الطرفين و هي تنقل نظراتها بينهما في صمت ثم أشرق وجهها بإبتسامة بسيطة …

*******************************************************************

كان يجلس وراء مكتبه ، مستندا بظهره علي مقعده ، معطفه مفتوح و قد مد ساقيه أمامه كي يرتاح ،فك ربطة عنقه بعصبية ثم عاد يفكر من جديد .. تذكر لحظة سقوطها أرضا أمام عينيه ، لم يدعها تسقط بل إندفع نحوها مسرعا قبل أن تلمس رأسها الأرض ، حملها بسرعة إلي أريكة عريضة من الجلد الأسود توسطت حجرة مكتبه ثم عاد إلي هاتفهها ، تحدث إلي شقيقتها و علم بأمر وفاة والدتها و عندها نظر إليها من موضعه يستوضح تعابير وجهها الهاديء البريء ثم أفاق علي صوت شقيقتها المضطرب ، طلبت منه إحضار”داليا”إلي إحدي المستشفيات و التي تعمل بها بين الحين و الأخر فأطاع أمرها حيث أغلق الخط معها ثم توجه إلي”داليا” ..
ظل يرمقها طويلا ثم أخيرا حملها بين ذراعيه ، كانت متراخية كليا بينما خطي بها إلي خارج المكتب غير آبه بنظرات العاملين إليه الذين إجتمعوا دفعة واحدة في صمت لمشاهدة ذاك المشهد المثير للدهشة و الإهتمام ..
وضعها بسيارته في المقعد الخلفي بروية حيث مددها جيدا ثم أخذ مكانه في المقعد الأمامي ثم أدار عجلة القيادة و أنطلق سريعا إلي المشفي تبعا لإرشادات شقيقتها ، لم يجد تفسيرا حتي الأن لسبب بقائه بجوارها حتي أطمئن عليها ، و لكن أمر توليه دفع رسوم المشفي كان واجبا .. :
-الشركة كلها مالهاش سيرة غير حضرتك.
أفاق”عز الدين”من شروده علي صوت “خالد”الذي أقتحم المكتب فجأة و جلس قبالته ثم تابع:
-سيرتك بقت علي كل لسان .. انت عملت ايه ؟؟
فأجابه في هدوء:
-ما انت عارف كل حاجة هتستعبط !
-و الله انا كل اللي اعرفه ان داليا تعبت فجأة و اغم عليها و ان حضرتك اللي وديتها المستشفي بنفسك.
-بس .. هو ده كل اللي حصل.
-ممم .. طب و هي تعبت من ايه ؟ ايه اللي حصل يعني ؟؟
هز كتفيه قائلا:
-اصل والدتها اتوفت و لما جالها الخبر علي التليفون من اختها وقعت من طولها فجأة.
-اه .. طب و انت عملت ايه اديتها اجازة و لا لأ ؟؟
– ايوه يا سيدي بلغت اختها وقت ما تتحسن خالص تبقي ترجع علي مهلها.
أومأ”خالد”رأسه مهمهما ثم قال متسائلا:
-طب انت مالك كده ؟ شكلك ..
-شكله ايه ؟ ماله شكلي ؟؟
قال”عز الدين”ذلك مقاطعا فقال”خالد”:
-مش عارف بس شكلك مش عاجبني متغير كده او مرهق مش عارف.
صمت”عز الدين”قاطبا حاجبيه في استغراب بينما أسرع”خالد”إلي القول:
-عموما خد بالك من نفسك يا عز مش عايزينك ترجع تتعب تاني.
أومأ”عز الدين”رأسه ثم تنهد بعمق فيما نهض”خالد”تاركا إياه لأفكاره ، ثم توجه إلي مكتبه ..
ثم فجأة قفزت برأسه صورتها ، فأبتسم ثم أمسك بهاتفهه و أجري الإتصال بها ليأتي صوتها بعد لحظات:
-الو.
-حبيبتي .. وحشتيني عاملة ايه يا بيرو ؟؟
-كويسة .. تمام .. و انت ازيك يا خالد ؟؟
أجابها بصوت هاديء و ناعم:
-انا كويس طبعا يا حبيبتي طول ما انتي كويسة.
تأخر ردها قليلا فتسائل:
-عبير ! انتي معايا ؟؟
-اه اه يا خالد معاك.
سألها بقلق:
-مالك يا حبيبتي انتي كويسة ؟؟
-اه .. اه كويسة.
فقال في شك:
-لأ .. شكلك مش كويسة .. يلا قوليلي مالك في ايه ؟؟
-مافيش حاجة يا خالد.
فقال بإصرار:
-قولي .. انا متأكد ان في حاجة مضيقاكي.
-صدقني مافيش حاجة انا بس شديت انا و عمر شوية في الكلام.
-ليه كده ؟ ايه اللي حصل طيب ؟؟
تمهلت قليلا ثم قالت:
-اصله بصراحة بيروح لـ كوكو من ورا عز و كان عايز …
-لحظة لحظة.
قاطعها”خالد”مسرعا ثم تابع:
-مين كوكو ؟؟
فأجابته:
-كوكو دي تبقي مامي.
فهتف”خالد”بدهشة:
-يانهار اسود .. عمر بيروح لـ مدام كاميليا ؟ يخربيته الواد ده مش هايجبها لبر مع اخوه.
ثم إستدار بمقعده فجأة ليري”عز الدين”واقفا أمامه فحدق به في فزع ، بينما إندفع”عز الدين”بخطوات واسعة جدا تاركا الشركة بأكملها فتبعه”خالد”راكضا و هو يقول:
-يا عز .. استني طيب .. الله يخليك اصبر .. طب هتعمل قولي ؟؟
فيما قفز”عز الدين”أمام مقود سيارته التي كانت تقف أمام الشركة مشغلا محركها بعصبيته الجنونية ليحولها علي الفور إلي آلة مجنونة مثله راحت تلتهم الطرق بوحشيه و هي تصرخ عاليا كشيطان هائج مسعور ، حتي أنه في أقل من ساعة كان يقتحم ساحة قصره .. المنزل الذي شهد ولادته و طفولته و صباه و مطلع شبابه و الذي شهد أيضا علي .. خيانة والدته لوالده ..
ما أن تذكر ذلك حتي جن جنونه أكثر و كأن شيطاين العالم مسته ، فأسرع يصعد درجات السلم الرخامية المؤدية لباب منزله قفزا يسبقه صراخه الهستيري الذي كاد يرج المنزل ذا البناية الصلبة:
-عمررررر .. عمرررررر.
فتحت له إحدي الخادمات فزعه فيما جاءت”عبير”راكضة و قد علت وجهها علامات الخوف و الفزع ، فقد علمت للتو من” خالد”أن شقيقها أصبح علي علم بكل شيء ، بينما رفع”عز الدين”وجهه إلي الطابق العلوي صارخا بأعلي صوته:
-عمرررررر .. عمررررر.
ثم صعد بنفسه بعض الدرجات فإذا بـ”عمر”يهبط الدرج بسرعة مقبلا عليه بدهشة قائلا:
-ايه يا عز مالك بتزعق كده ليه ؟؟
فأسرع”عز الدين”يتلقاه بسخرية جنونية:
-اهلا .. اهلا بأخويا الصغير .. اهلا بأبن ابويا .. اهلا بأبني اللي ماخلفتوش .. ماكنتش اعرف انك قادر بالشكل ده .. ماكنتش اعرف انك ممكن تستغفل اخوك الكبير اللي رباك طول السنين دي و كبرك ماكنتش اتوقع منك كده ابدا .. بس برافو يا عمر.
و راح يصفق بكفيه في عنف و هو يحدق في وجه أخيه بغضب بينما هز”عمر”رأسه بإستفهام قائلا:
-انا مش فاهم حاجة يا عز ! ما تتكلم بوضوح عشان اعرف ارد عليك كويس !!
فزمجر”عز الدين”في غضب قائلا:
-بتروحلها يا عمر ؟ بتروح للست اللي خانت ابوك ؟ اللي رمتك انت و اختك لما كنتوا لسا عيال صغيرة و لا سألت فيكوا.
ثم تابع بدهشة متسائلا:
-معقولة ؟ معقولة بتروحلها و بتسأل عليها ؟ ايه ! للدرجة دي ماعندكش دم ! ماعندكش نخوة ! .. انا حقيقي هتجنن .. انت مش راجل ؟؟
-ايوه بروحلها .. عشان هي مهما كانت امي و انا ابنها .. انت فاكرني انسان اناني معقد زيك ؟ و بعدين انت يعني عايز ايه اكتر من كده ؟ ابوك و مات راضي عنك فلوس و كتبها كلها باسمك قال ايه عشان حضرتك الكبير العاقل اللي عارف مصلحتنا .. قولي بقي عايز ايه تاني ؟ ناقصك ايه ها ما تتكلم ؟؟
قال”عمر”ذلك و هو يحدق بوجه أخيه في نظرة إستفزازية مهينة بينما إقترب”عز الدين”من شقيقه و قد تحولت عيناه إلي جمرتي نار من هول غضبه ثم أجابه:
-ناقصني ده.
و مع نطقه بها كانت لكمته الهائلة تطيح بـ”عمر”فوق درجات السلم ، فأنفجر صراخ”عبير”التي كانت تقف أسفل الدرج و هي تشاهد”عمر”يتدحرج فوق درجات السلم بينما أسرع”عز الدين” يلحق به ، ثم أمسكه من ثيابه و أوقفه لينهال عليه باللكمات و الركلات حتي انبثق الدم من وجه أخيه و شفتيه فيما إنهمرت دموع”عبير”الصادقة علي خديها ثم هرعت نحو شقيقاها و أخذت تتوسل لـ”عز الدين”و تستجديه قائلة:
-خلاص يا عز سيبه .. عشان خاطري .. طب و رحمة بابا سيبه خلاص سيبه حرام عليك.
و لكن لا حياة لمن تنادي فقد مسه الجنون و كأنه شخص أخر غيره حيث ظل يبرحه ضربا قاسيا حتي تراخي جسده تماما ، فأسرع يجره علي الأرض من ذراعه حتي قذف به خارج المنزل قائلا:
-و رحمة ابوك ما انت معتب هنا تاني و مالكش عندي حاجة روحلها بقي خليها تنفعك.
بينما كادت”عبير”أن تخرج إليه فمنعها”عز الدين”بعنف قائلا:
-ادخلي جوااا .. اياكي تقربي منه فاهمة ؟؟
إزداد بكاء”عبير”فأمسكت بهاتفهها و توارت عن نظر شقيقها الغاضب ثم أجرت الإتصال بـ”خالد”:
-الخقني يا خالد … !!

الحلقة (7):

وصل”خالد”إلي القصر ليجد”عمر”أمام باب المنزل مطروحا أرضا مخضب بالدماء فهرع نحوه مسرعا و جثي علي ركبتيه بجانبه ثم أخذ يهزه قائلا:
-عمر ! عمر انت سامعني ؟؟
ثم تمتم بقلق:
-يا نهار اسود عمل فيك ايه المجنون ده !!
ثم نهض و إتجه نحو باب المنز ، دق الجرس عدة مرات ففتح له”عز الدين”بنفسه ، فصاح به في غضب:
-ايه اللي انت هببته ده ؟ ازاي تعمل كده في اخوك انت اتجننت يا عز ؟ و سايبه مرمي برا كمان !!
رمقه”عز الدين”ببرود ثم إستدار و خطي داخل المنزل في هدوء بينما قبض”خالد”علي رسغه بعنف ليوقفه ثم قال:
-استني هنا انا بكلمك.
فألتفت إليه غاضبا ثم قال:
-خالد ! .. لو سمحت ماتدخلش انت نهائي.
-يعني ايه ؟؟
أجابه صارخا في إنفعال ثم تابع:
-يعني ايه ما اتدخلش دي ؟ ده اخوك .. اخوك يا عز ده انت كمان اللي مربيه يعني ابنك ازاي تعمل فيه كده و ترميه بالشكل ده برا بيته ؟؟
-ياريت كانت طمرت فيه التربية.
قال”عز الدين”بمرارة ثم تابع:
-انا حسيت في لحظة ان كل اللي بنيته طول السنين دي اتهد يا خالد .. البيه كان بيستغفلني كان بيروح للست اللي خانت ابويا و فضحتنا و خلت سيرتنا علي كل لسان لحد انهاردة .. اد ايه حاولت احميه هو و الهانم اخته منها طول السنين دي .. اد ايه حاولت ابعد عنهم كلام الناس عشان يقدروا يمارسوا حياة طبيعية زي باقي البشر اد ايه تعبت عشان اعيشهم في هدوء بعيد عنها اد ايه تعبت عشان اقدر اوفرلهم حياة نضيفة .. كنت باجي علي نفسي عشانهم و بتحمل افكاري و ذكرياتي و كلام الناس اللي اوقات بسمعه بوداني .. انا ماقصرتش معاهم يا خالد ماقصرتش و انت عارف .. و مش هي دي شكرا اللي انا مستنيها منه مش هي دي.
لانت نبرة”خالد”قليلا حين قال:
-طيب اهدا يا عز من فضلك .. المهم دلوقتي خلينا متفقين ان اللي عملته في اخوك ده غلط و غلط كبير كمان .. احنا دلوقتي لازم ندخله و …
-خالد.
قاطعه”عز الدين”بلهجة صارمة لا تقبل الجدل او النقاش ثم تابع:
-مش هيدخل .. خلاص مابقاش ليه مكان في بيتي و بيت ابويا بعد انهاردة.
-يا عز ما هو بيته هو كمان و بعدين ماينفعش كده .. مابنفعش تسيبه مرمي برا كده.
-خلاص .. هي كلمة مش هيدخل يعني مش هيدخل.
هز”خالد”رأسه في يأس ثم تنهد قائلا:
-يعني ده اخر كلام عندك ؟؟
-و ماعنديش غيره.
ثم تركه و صعد إلي غرفته بينما إستدار”خالد”عائدا إلي”عمر”فلحقت به”عبير”في سرعة و هدوء قائلة:
-اتاخرت كده ليه ؟؟
ثم شهقت بألم عندما رأت أخيها منسدحا أمامها علي الأرض الباردة و الدماء تسيل من جروح وجهه ،ترقرقت الدموع بعيناها ثم قالت:
-انا .. انا السبب .. انا اللي قلتلك و انت روحت قلت لـ عز حرام عليك شفت عمل فيه ايه ؟!
-انا ماقلتش حاجة يا عبير بقي دي حاجة تتقال بردو ! هو اللي سمعني و انا بكلمك.
قال ذلك ثم أخرج هاتفهه ليطلب سيارة إسعاف ببنما ركعت”عبير”علي ركبتيها بجانب شقيقها و هي تجهش بالبكاء المُر ..
لم تمر دقائق حتي إقتحمت سيارة الإسعاف ساحة القصر فيما توجه”خالد”بالحديث إلي”عبير”قائلا:
-عببر .. انتي ادخلي جوا يلا لازم تفضلي هنا مش ناقصين مشاكل اكتر من كده مع اخوكي انا هروح معاه.
-انت بتقول ايه ؟؟
صاحت غاضبة ثم تابعت:
-انا مش هسيب اخويا لوحده طبعا مش كفاية ان انا اللي كنت السبب في اللي حصله.
-ماقلتلك انا هاروح معاه و مش هسيبه ماتقلقيش انتي بس خليكي هنا عشان نتفادي اي مشاكل مع عز و يا ستي انا هبقي اتصل كل شوية و اطمنك عليه.
صمتت”عبير”مستسلمة و هي ترمق شقيقها بأسف …

******************************************************************

إجتازت”ياسمين”فناء المشفي العام التي بنيت حديثا و تميزت بأروقتها النظيفة الملساء و المروج المحيطة بها ..
حيت”ياسمين”العاملين بالبهو ثم إنخذت طريقها إلي مكتبها فيما لفت إنتباهها ذلك الضجيج الذي أتي من أخر الرواق ، فألتفتت ثم تتبعت أثر الأصوات حتي أدي بها الطريق إلي الجناح الغربي للمشفي حيث توجد حجرة الكشف ، دلفت إلي هناك فوجدت تجمع بسيط حول شخصا ما فهتفت قائلة:
-ايه اللي بيحصل هنا ؟ ايه الدوشة دي ؟؟
إلتفت إليها الجميع فإندفعت إحدي الممرضات قائلة:
-في مريض يا دكتورة لسا واصل حالا مصاب بشوسة جروح.
أومأت”ياسمين”رأسها بتفهم ثم قالت:
-اوكي فهمت بس من فضلكوا فضولي اللمة دي عشان ماينفعش كده خالص.
ثم تقدمت صوب الفراش الصغير حيث يرقد المريض و تساءلت:
-في حد جه معاه ؟؟
-انا.
حولت نظرها إلي مصدر الصوت فوجدت رجلا كان يقف إلي جانب المريض و علامات القلق تعلو وجهه بينما تابعت سؤالها:
-و حضرتك صاحبه و لا قريبه و ايه اللي حصله بالظبط ؟؟
-انا خالد نصار ابن عمه و هو بس كان بيتخانق مع واحد صاحبه.
هزت رأسها ثم قالت:
-طيب من فضلك انتظر برا شوية و ماتقلقش انا هقوم باللازم .. و بعدين انا شايفة ان الاصابات بسيطة يعني الحمدلله.
أطاع”خالد”أمرها فيما نزعت عن المريض قميصه بمساعدة إحدي الممرضات ثم بللت قطعة قماش نظيفة و أحضرت ما يلزم لتضميد الجروح ، أجرت عليه كشفا سريعا ثم بدأت تضمد جروحه بعناية بالغة حيث كانت لمساتها قوية و حازمة و لكنها أيضا رقيقة و ناعمة ، إنتهت”ياسمين”من عملها في فترة وجيزة ثم خرجت من حجرة الكشف ليتلقاها”خالد”بقلق متسائلا:
-ها يا دكتورة .. لو سمحتي طمنيني هو عامل ايه دلوقتي ؟؟
إبتسمت”ياسمين”بخفة قائلة:
-ماتقلقش اوي كده حضرتك الاستاذ بخير تماما هو بس عنده شوية كدمات و في كسر بسيط في الرجل الشمال غير كده هو احسن مني انا شخصيا شكله بس قلبه خفيف شوية عشان كده فقد الوعي.
-يعني هو بخير يا دكتورة ؟ كويس يعني ؟؟
-و الله كويس اوي و عشان اطمنك اكتر ممكن يمشي معاك لما نجبسله رجله و لو حب يقعد معانا لحد ما نفكله الجبس مافيش مشكلة بردو اللي يريحه.
قال”خالد”مسرعا:
-لالا خليه خليه لحد ما يفك الجبس احسن.
ثم قال في نفسه”خليه لحد ما اشوفله حل مع اخوه” …

******************************************************************
تأفف في ضيق إزاء تلك الأجواء المشحونة بالكآبة التي صنعتها فتقدم نحوها ثم جلس إلي جانبها علي الأريكة الصوفية التي توسطت حجرة نومه ثم أمال رأسها علي صدره قائلا:
-خلاص .. خلاص بقي يا حبيبتي مش كده .. خلاص يا عبير اهدي.
-مش قادرة يا حسام.
قالت”عبير”باكية ثم تابعت:
-لو كنت شفته هو بيضربه ! اول مرة اشوف عز الدين بوشه التاني بصراحة تخيلت نفسي مكان عمر .. تخيلت انه عرف بعلاقتنا من ساعتها و انا مش قادرة اتلم علي اعصابي.
-يا حبيبتي اهدي كده بس و هو هيعرف منين ؟ ماتخافيش طول ما سرنا بينا احنا الاتنين و بس ماتقلقيش.
كفكفت”عبير”دموعها في سرعة ثم رفعت وجهها و نظرت إليه قائلة:
-ما هو عشان كده يا حسام انت لازم تتصرف و بسرعة لازم تطلب ايدي عشان نرتبط رسمي بقي و الكل يعرف احسن زي ماقلتلك من ساعة اللي حصل لـ عمر و انا اعصابي تعبانة.
تأفف”حسام”في ضيق قائلا:
-و بعدين يا عبير .. احنا كام مرة اتكلمنا في الموضوع ده ؟؟
-اتكلمنا كتير يا حسام بس المرة دي غير اي مرة انا فعلا جبت اخري بقولك اعصابي تعبانة خايفة و عايزة اطمن.
أمسك يدها بين يديه ثم ضغط عليها برفق قائلا:
-اطمني يا حبيبتي انا جنبك اهو و مش هسيبك ماتخافيش المهم انك تحاولي تظبطي اعصابك عشان محدش يشك فيكي و ينبش وراكي لحد ما ارتب اموري ساعتها هنقعد مع بعض و نقرر كل حاجة علي مهلنا بس هدي نفسك انتي و ماتقلقيش عشان محدش يشك فيكي زي ما قلتلك .. اتفقنا يا حبيبتي ؟؟
أومأت رأسها بالموافقة بينما إبتسم بخفة و هو يحتضنها ثم تنهد بثقل و قد علت وجهه ملامح الضيق و الضجر …

*******************************************************************
شعر”عمر”بالضيق الشديد خلال الأيام التالية لبقائه بالمشفي ، كان أمرا مملا بالنسبة له بالإضافة إلي غيظه و غضبه من شقيقه الذي كان هو السبب الأكبر و الأساسي بوجوده هنا في تلك المشفي و تلك الغرفة الموحشة بين الجدران الباردة لم يسبق لـ”عمر”أن تكبد عذاب الوحدة كما الأيام السابقة ..
كان جالسا علي فراشه ، شارد الذهن كم ضايقه ذلك الشعور بالعجز حيث ذاك الكسر بقدمه ، يعلم أن ذلك سينتهي بعد فترة وجيزة و لكنه لا يملك فضيلة الصبر ،تنهد في ضيق ثم أطرق بعينيه إلي الأرض الرخامية كاظما حنقه الذي أوشك أن يفقده رباطة جأشه ، فإذا بـ باب الحجرة يُفتح لتدخل”ياسمين”في هدوء و قد علت وجهها إبتسامة بسيطة ، ثم أخذت تقترب منه بينما كان يحدق فيها من موضعه ، إنتابه شعور بأنه رأها من قبل ..
وصلت إليه فظل يرمقها عن كثب بينما قالت:
-صباح الخير .. ها ياتري حاسس بتحسن إنهاردة ؟؟
أجابها بشرود و هو يتفحصها بإمعان:
-اه تمام.
ثم سألها:
-هو انتي مين ؟ انا شفتك قبل كده ؟؟
تبادلا النظرات لفترة وجيزة فقالت:
-انا دكتورة ياسمين عبد المجيد بشتغل هنا بس مش بإستمرار و علي فكرة انا اللي اسعفتك اول ما وصلت المستشفي من كام يوم.
ثم قطبت حاجبيها و تابعت:
-بس غريبة .. انا كمان حاسة اني شفتك قبل كده !
هز”عمر”رأسه و هو يحاول أن يتذكر أين رأها .. أين ؟ ثم هتف فجأة:
-إفتكرتك.
إبتسم و هو يرمقها بخبث فنظرت إليه بإمعان ، و علي الفور تعرفت عليه …

******************************************************************

عادت أخيرا إلي عملها بعد تفكير عميق ، كانت تود لو تترك العمل بعد أخر مواجهة بينهما ، فمنذ ذاك الحين و هي تشعر بأنه ترك بداخلها شعلة بثت فيها نارا لا تخمد ، تداهمت أفكارها عنه فما عادت قادرة علي طرد صورته من ذهنها ، فقد سحرها بطريقة لم تشعر بها من قبل ، و هاهي الأن تجد صعوبة كبيرة في إيجاد أعذار مناسبة لتصرفاته معها ، تري لماذا تحول فجأة في المرة الماضية حيث عمل علي ملاطفتها و التودد إليها بطريقة وقحة ، الفسير الوحيد المنطقي الذي قفز برأسها حينذاك بمنتهي السرعة ، كان انه يود أن يتسلي بها قليلا و ليس أكثر ..
كانت جالسة وراء مكتبها تعمل بجد و نشاط ، و بتركيز بالغ راحت تتصفح بعض الأوراق و الملفات حتي أنها لم تشعر به حين دلف إليها و وقف أمامها:
-أحم !
إنتفضت في إنتباه ثم حولت نظرها إلي مصدر الصوت فوجدته يقف أمامها كما الوحش البشري الأسود ذا العينان الذهبيتان ، حاولت أن تقاوم مشاعر الإضطراب و الفوضي التي إستبدت بها ، فنظرت إليه في ثبات ثم وقفت لتحيه قائلة:
-صباح الخير يافندم.
-صباح الخير يا داليا.
رد لها التحية بهدوء بينما سمرتها نظراته في مكانها ، فظلت صامتة لحظات طويلة سادها التوتر و العصبية ، أرادت أن تصرخ بوجهه متوسلة له بأن يدعها و شأنها تكفي همسات و غمزات الموظفين عليها فجميعهم مازالوا يسردون قصة توعكها المفاجئ و ما حدث لها بالتفصيل ذلك اليوم و خاصة ما شاهدوه بأعينهم و بالطبع مع بعض الإضافة الكاذبة السخيفة الناتجة عن كثرة النميمة و الثرثرة .. :
-طلبت منك عقود الإندماج !
قال ذلك بهدوء و هو يغرز نظراته بها ببنما أومأت رأسها قائلة:
-و انا بعتهملك يافندم .. مش عم كامل وصلهم لحضرتك ؟؟
هز رأسه ثم قال متجهما:
-ورق مهم زي ده يا أنسة المفروض تسلميهولي يدا بيد مش تبعتيهولي مع عم كامل الساعي.
شعرت بوخز كلماته و لهجته العنيفة الهادئة فأبعدت وجهها عنه بسرعة ، كان يجب أن تتوقع ذلك ، يريد الإنتقام مازال يذكر صفعتها ، غير ذلك من المحتمل جدا أنه يشعر بشيء من السرور و الترفيه عن النفس عندما يغازل قليلا السكيرتيرة البسيطة ، و لكنه بالتأكيد لا ينوي مغبة الإستمرار في فعل ذلك ، ثم فجأة سألها بلهجة هادئة جدا:
-يا تري صحتك اخبارها ايه دلوقتي ؟؟
-الحمدلله بقيت كويسة جدا .. متشكرة.
-العفو.
تأججت غضبا حينما وجه إليها نظرته المعتادة المفعمة بالإهانة و السخرية ، فتقدمت صوبه في غضب ثم وقفت أمامه مباشرة و قالت بشيء من الخوف:
-اسمع حضرتك .. انا اتحملت منك اهانات كتير من يوم ما بدأت شغل هنا لكن انا عايزة اقولك اني من دلوقتي مش هسمحلك تهني تاني سامع ؟؟
-بجد !
هتف ساخرا ثم تابع:
-طب و لو ماسمعتش هتعملي ايه ؟ هتديني بالقلم زي المرة اللي فاتت ؟ انصحك ماتكرريهاش لانه هيبقي صعب عليا جدا اني ماردش القلم بأقوي منه.
أضطربت كثيرا فقالت:
-انا ماعملتش كده من نفسي يافندم .. حضرتك اللي اضطرتني لكده لما .. لما ..صمتت فجأة ، كانت خجلة من الإسترسال في الحديث و ذكر التفاصيل فتنهدت بعمق ثم إستدارت عائدة إلي مكانها لكنه سارع إلي جذبها نحوه فشعرت بذراعيه القويتين تطوقانها بقوة حيث قتل لها كل أمل بالفرار منه ثم قال متسائلا:
-كملي .. لما ايه ؟؟
كان يكبلها بشدة فما إستطاعت التملص حتي بينما نظرت إلي عيناه فإذا بتلك اللمعة الخبيثة تشتعل بهما ، لا شك أنه يريد الإنتقام لرجولته ، يحاول إذلالها و تحطيم كبريائها ، إذن فلتدافع عن نفسها مرة أخرة و لتلقنه درسا أخر لن ينساه ..
و لكن لم يطل تفكيرها بالأمر حتي ، إذ أنه أطلق سراحها و دفعها عنه بحركة مفاجأة ناظرا لها بقسوة ساخرة فقدحت عيناها نارا و رفعت يدها لتسدد له صفعة لكنه أمسك معصمها بقوة فرفعت يدها الأخري محاولة مجددا صفعه و لكنه أمسكها كما الأولي ثم قال يحذرها في غضب هائ:
-قلتلك اياكي تعملي كده تاني .. احسنلك.
فصرخت بوجهه دامعة العينين:
-انت عايز مني ايه حضرتك .. و ليه دايما بتعاملني بقلة احترام انا عملتلك ايه ؟؟
قهقه بخفة ثم تحولت نبرته لتصبح أكثر حدة:
-انا محترم اوي علي فكرة .. بس للأسف لسا ماقبلتش واحدة تستاهل احترامي و مش هقابل .. انا لسا مانستش اللي عملتيه اخر مرة بس هحاول انسي .. لكن خدي بالك كويس اوي بعد كده.
ثم تابع محذرا:
-اوعي تنسي الكلمتين دول .. افتكري كلامي كله كويس يا قطتي و الا هعرفك ايه هو دور الستات الوحيد في حياتي.
إبتلعت ريقها بصعوبة عندما قال لها ذلك بينما أفلت يديها فجأة ثم إستدار و غادر مكتبها تاركا إياها مضطربة و قد تسارع وجيب قلبها من تهديده الصريح …

*******************************************************************
-تعرفي انك كنتي سبب كبير في معظم مشاكلي يا حلوة انتي.
قال”عمر”ذلك يغازل”ياسمين”التي تجاهلته كليا و هي تعيد تضميد جروحه بينما قال:
-اول حاجة ارفدت من الكلية بسببك .. و تاني حاجة نزلت الشغل مع اخويا غصب عني و انا ماليش في الجو ده اساسا .. شفتي بقي انتي عملتي فيا ايه !
إنتهت”ياسمين”من عملها ثم تنهدت و نظرت إليه في برود قائلة:
-ياريت بس تكون اتعلمت من اغلاطك يا استاذ .. و علي فكرة انا مبسوطة اني كنت السبب في انك تنزل و تشتغل مع اخوك اكيد الشغل هيحسن منك و من اخلاقك شوية بحيث تبقي راجل.
-اومال انا ايه يعني ؟؟
سألها مقطبا جبينه فأجابت:
-بالنسبة لتصرفاتك الطايشة مش راجل طبعا.
ضحك بخفة ثم حدق بوجهها قائلا:
-و الله طيشي مابيطلعش لأي حد و لا في اي وقت .. اصلك بصراحة كرفتيني اوي و انا عمر ما واحدة بصتلي بس بالطريقة اللي بصتيلي بيها ماستحملتش طريقتك فصممت اني اضايقك .. و بصراحة لسا عايز اضايقك.
ثم قبض علي يدها و أطبق عليها بقوة قائلا:
-بس تعرفي ان الدنيا صغيرة ماتخيلتش ابدا اني اشوفك تاني و هنا !
ثم تابع متسائلا:
بتقولي بقي انك دكتورة صح ؟ علي كده بتعرفي تدي حقن ؟؟
سحبت يدها في عنف من قبضته ثم قالت بجمود حازم:
-و بعرف ادي بالجزمة كمان كعلاج بردو للزيك.
-حرام عليكي.
قال بنعومة خبيثة ثم تابع:
-هو انا ناقص !!
فقالت بصرامة:
-قول لنفسك.
ثم فجأة إنفتح باب الغرفة لتدخل … !!

الحلقة(8):

و إذا بـ باب الحجرة يُفتح لتدخل”كاميليا”التي ركضت صوب إبنها و قد علت وجهها علامات الخوف و اللهفة:
-يا حبيب قلبي .. مالك يا عمر ؟؟
قالت ذلك و هي تحتضن إبنها بقوة بينما قال”عمر”مهدئا إياها:
-بس بس اهدي يا مامي ماتخافيش انا تمام.
-ايه اللي حصلك يا حبيبي ؟ صحيح عز الدين هو اللي عمل فيك كده ؟؟
صمت”عمر”مترددا بينما إستأذنت”ياسمين”باسمة:
-طب عن اذنكوا.
منحها”عمر”إبتسامة ناعمة فإستبقلتها”ياسمين”ببرود ثم رحلت فيما حدقت”كاميليا”مليا لإبنها و هي تحتضن وجهه بكفيها قائلة:
-قولي يا عمر .. اتكلم يا حبيبي صحيح اخوك عز الدين هو اللي عمل فيك كده ؟؟
لم يجد”عمر”مفر من سؤالها فأومأ رأسه بالإيجاب بينما قطبت أمه حاجبيها ثم قالت بصوت حزين:
-قاسي و عنيف ماعندوش قلب.
ثم تابعت متسائلة:
-قولي يا حبيبي عمل فيك كده ليه ؟؟
تنهد”عمر”ثم أجاب:
-اصله عرف اني بروحلك و اني علي تواصل معاكي فجن جنونه و عمل فيا اللي انتي شايفاه ده .. بس علي فكرة انا كنت قادر اقف قصاده و ادافع عن نفسي لكن بردو مش انا اللي اقف في وش عز الدين هو مهما كان اخويا اللي رباني و انا عارف انه بيحبني.
منحته أمه إبتسامة دافئة ثم قالت:
-انت ولد طيب يا عمر .. و الله لأروحله و هبهدله هو فاكر نفسه ايه يعني يقدر يعمل اي حاجة علي مزاجه و اخرتها كمان يمد ايده عليك و يأذيك بالشكل ده ! الولد ده زودها اوي و انا سكتت عليه كتير.
-يا مامي اهدي بس و اوعي تفكري تروحيله عشان خاطري اوعي .. و اذا كان عليا فأنا بأكدلك اني تمام اوي و الله و بعدين كلها كام يوم و هخرج من هنا.
ثم أضاف باسما:
-و شكلي هخرج من هنا عليكي بقي .. اصله حالف عليا مادخلش البيت.
-كمان !!
هتفت”كاميليا”في صدمة ثم قالت:
-اتجنن ده ؟ بأي حق يمنعك من دخول بيتك ؟؟ -ماتنسيش يا مامي ان بابا قبل ما يموت كتب لـ عز كل حاجة.
-مش ناسية اللي عمله ابوك .. بس كنت متوقعة ان اخوك ممكن يصلح الغلطة دي و يديك حقك انت و اختك.
هز كتفيه بلا إكتراث قائلا:
-عموما انا مش مهتم بالموضوع ده حاليا و متأكد كمان انه مش هياكل علينا حقنا انا فاهم دماغه.
ثم تابع متسائلا في إستغراب:
-بس صحيح انتي عرفتي منين اني هنا ؟؟
-اختك.
أجابته في هدوء ثم تابعت:
-اصل مش عادتك تسيبني الفترة دي كلها و متسألش عليا فقلقت .. حاولت اكلمك موبايلك دايما مقفول ماكنش قدامي غير اني اتصل باختك عبير .. و فعلا كلمتها فقالتلي كل حاجة قالتلي اخوك عمل فيك ايه و انك في المستشفي انا بجد ماكنتش مصدقاها لحد ما جيت و شفتك.
أومأ رأسه مرارا ثم إبتسم بمرح قائلا:
-بس احلي حاجة هتحصل اني هاجي اقعد معاكي يا كوكو يا جميلة .. ابسطي ياستي هيبقي معاكي راجل في البيت و مش اي راجل وحياتك.
أطلقت”كاميليا”ضحكة عنج خفيفة ثم قالت:
-اخرس يا مجرم .. مش هتتغير ابدا هتفضل كده علي حالك مشاكس.
ثم تابعت في حب:
-بس هي فعلا احلي حاجة يا حبيبي .. ان ابني حبيبي هيجي يعيش معايا و لو حتي لفترة قصيرة.
إبتسم”عمر”بخفة ثم تناول يد أمه و طبع عليها قبلة رقيقة …

*******************************************************************
خلال الأيام التالية كانت تجد”داليا”مع مرور كل يوم عليها صعوبة في الإستمرار بعملها ، حيث كانت تري بعينيها نظرات الموظفين الخبيثة الساخرة ، و تسمع بأذنيها همساتهم التي توحي بوجود علاقة خفية بينها و بين رئيسهم المبجل ..
كم أثار ذلك حنقها و ودت لو تواجه الجميع دفعة واحدة كي تضع حدا لتلك السخافات و لكي تنفي كل الإشاعات التي تحوم حولها من كل جانب ، سألت نفسها .. هل هذا كله من أجل ما حدث لها يوم وفاة والدتها ؟ هل فسروا مساعدته لها علي هذا النحو ؟ هل يعتقدون حقا انها طائشة و سهلة إلي تلك الدرجة ! ربما و لكن هل يعتقدون أيضا أن رب العمل سيترك الجميلات اللواتي يحومن حوله طوال الوقت من أجل تبديد وقته مع سيكيرتيرة بل مع بنت بسيطة متشبثة بأخلاقها و كرامتها ؟ .. النفوس فسدت !
كان هذا جوابها علي الأسئلة التي طرحتها علي نفسها ، أفاقها من شرودها صوت رنين هاتف مكتبها ، فرفعت السماعة في سرعة و أجابت:
-الو !
ليأتي صوت قوي عرفته فورا:
-عز الدين نصار بيتكلم .. تعاليلي.
ثم أغلق الخط بوجهها ، إنتفضت ثم نظرت إلي سماعة الهاتف قائلة:
-انسان معقد !!
ثم تنفست بعمق و تبعا لأوامره ذهبت إلي مكنبه ، طرقت الباب مرتين دلفت إليه بعدما أتاها صوته القوي سامحا لها بالدخول ، تقدمت صوبه بخطي جامدة حتي وقفت أمامه مباشرة ، كان يجلس وراء مكتبه منشغلا يتصفح حاسوبه في تركيز بالغ فهمهمت:
-احم.
بقي علي وضعيته للحظات ثم حول نظره إليها و تفحصها في هدوء قائلا:
-اعملي حسابك بكرة عندنا Dinner work مع ناس مهمة جدا.
قطبت حاجبيها متسائلة:
-هو انا المفروض بحضر الاجتماعات اللي زي دي حضرتك ؟؟
أومأ رأسه ساخرا و هو يحدق فيها من خلال نصف عينيه المقفلتين ثم قال:
-اكيد طبعا .. مش حضرتك السكيرتيرة العام اللي بتابعي الصغيرة قبل الكبيرةفي الشركة .. يعني تحتي علطول.
أومأت رأسها ثم قالت في تردد:
-ايوه يافندم بس ..
-بس ايه ؟؟
قاطعها بحدة فأجابت:
-اولا مش محضرة نفسي لحاجة زي كده ثانيا حضرتك بتقول عشا و انا مش هينفع اتأخر علي اختي خالص ده غير اني عمري ما اتأخرت برا البيت قبل كده.
-اولا هتاخدي انهاردة باقي اليوم و بكرة كمان اجازة عشان تقدري تجهزي نفسك براحتك ثانيا لو علي التأخير ماتقلقيش .. العربية الليهتيجي تاخدك من قدام باب بيتك هي نفسها اللي هترجعك تاني بعد ما نخلص شغلنا.
أرادت أن تحتج و لكن دون فائدة ، بينما سارع إلي القول و هو يمد يده لها ببعض الأوراق النقدية:
-خدي الفلوس دي .. يمكن تحتاجيها في حاجة.
رمقته في غضب قائلة:
-شكرا لكرم حضرتك .. بس انت عارف موقفي ناحية الامور دي كويس ده غير اني مش محتاجة فلوس معايا اللي يكفيني و زيادة.
هز كتفيه بلا إكتراث و ألقي النقود بإهمال فوق المكتب ثم تناول علبة سكائره قائلا:
-براحتك.
ثم تابع في نظرة ثاقبة بعدما سحب نفس عميق من عبق سيكارته البيضاء:
-كانك متعصبة انهاردة شوية يا داليا ؟ في حاجة و لا ايه ؟؟
أجابته في جمود:
-لأ .. مافيش حاجة حضرتك.
-بجد ! اومال ليه شايف العصبية بتنط من عيونك ؟؟
كان صوته ساخرا و كأنه يعلم سبب توترها و عصبيتها ببنما قالت:
-حضرتك بيتهيئلك انا مش عصبية و لا حاجة.
ضحك”عز الدين”بقوة لسماع نبرة صوتها الغاضبة ثم حدق فيها و قال:
-انتي بتخافي مني يا داليا ؟؟
-لأ .. لأ طبعا .. و هخاف ليه يعني ؟؟
إبتسم من جديد ثم قال ساخرا:
-مش عارف من امتي اتعلمتي الكدب و الله اعلم ايه كمان غيره .. عموما زي ما قلتلك لازم تكوني جاهزة بكرة باليل السواق بتاعي هيجيلك علي الساعة 8.
ثم تابع منبها:
-ضروري تكوني جاهزة قبل الميعاد و ماتنسيش تظبطي مظهرك علي اد ما تقدري.
و كأن موجة من الغضب سحقتها كليا فأغمضت عيناها بشدة في ألم و تساءلت في نفسها بحنق .. تري إلي متي سوف تستمر إهاناته لها ؟؟
إنتفضت”داليا”في ذعر عندما إنفتح باب المكتب فجأة لتدخل سيدة سبقها صوتها الصاخب الغاضب فيما لحقتها”إنجي”في إنفعال مسرعة و هي تحاول منعها من الدخول و لكن بلا جدوي بينما إنتصب”عز الدين”واقفا ثم إستدار في غضب حول مكتبه قائلا:
-ايه ده ؟ ايه التهريج اللي بيحصل هنا ده ؟ في ايه ؟؟
-يافندم حاولت امنعها بس زقتني و دخلت بالعافية.
قالت”إنجي”مبررة موقفها فيما نظرت إليها السيدة في عداء ثم قالت بإعتلاء:
-انتي اتجننتي و لا ايه ؟ بتقصديني انا بكلامك ده !!
عندها إلتفتت”داليا”و حدقت بوجه السيدة الغاضبة التي كانت تقف خلفها فتعرفت عليها فورا بينما صاحت متابعة:
-انتي مش عارفة انا مين ؟ انا جومانة خطاب يعني تلزمي حدودك معايا في الكلام و ماتنسيش نفسك.
أطرقت”إنجي”رأسها في أسي بينما تدخل”عز الدين”في عنف قائلا:
-جوماانة .. اظن ان انتي اللي لازم تلزمي حدودك هنا .. بصفة ايه توجهي كلام زي ده لواحدة من الموظفين بتوعي ؟؟
-هي اللي بنت مش محترمة ازاي تمنعني اني ادخلك ؟ انت لازم تمشيها.
-امشيها !!
ثم حول نظره إلي”إنجي”و قال:
-معلش يا انجي ياريت تنسي اللي حصل.
ثم تابع بحدة:
-انسة جومانة اكيد ماكنتش تقصد .. اتفضلي انتي علي مكتبك.
أومأت”إنجي”رأسها فيما تبعتها”داليا”إلا أن صوت”عز الدين”إستوقفها:
-استني يا داليا .. رايحة فين انا لسا ماخلصتش كلامي معاكي.
تنهدت”جومانة”في ضيق ثم تقدمت صوبه و أحاطت عنقه بذراعيها ثم قالت بغنج:
-انا شايفة انك لسا زعلان مني بسبب سوء التفاهم اللي حصل بينا .. بس انت هتنسي يا بيبي انا متأكدة.
-جومانة لو سمحتي !
قال ذلك في حزم و هو يبعدها عنه في قوة ثم تابع بقسوة:
-انتي ايه اللي جابك ؟ عايزة ايه ؟ الشغل اللي كان بينا خلص خلاص و كمان كل حاجة كانت بينا انتهت جاية عايزة ايه بقي ؟؟
لا شعوريا إرتجفت”داليا”فجأة جراء ما سمعته للتو ، فحتما إذا تحدث إليها”عز الدين”أو غيره بهذه اللهجة لماتت من شدة الأسي ، و لكن كان واضحا أن”جومانة”إعتادت تلك اللهجة فلم تتحرك شعرة منها بل نظرت إليه في سخرية و قالت:
-انت شكلك فعلا لسا زعلان .. بس انا بردو متاكدة انك هتنسي .. و عموما انا همشي دلوقتي لكن اكيد راجعة تاني.
و ضحكت قليلا فرمقها بنظرة باردة ، فتنهدت بحنق ثم إتجهت إلي باب المكتب في بطء ، و قبل أن تخرج رمقته مودعة فأشاح بوجهه عنها للجهة الأخري فأسرعت إلي الخارج غاضبة يتآكلها الغيظ ..
بينما زفر “عز الدين”في ضيق ثم حول نظره إلي”داليا”التي أجبرت نفسها علي إستيعاب ما حدث منذ دقائق:
-كنا بنقول ايه ؟؟
سألها فأنتفضت منتبهة ثم قالت:
-هاه .. أاا .. حضرتك .. حضرتك كنت بتقول اني لازم اكون جاهزة بكرة باليل الساعة 8 عشان السواق بتاع حضرتك هيجي ياخدني.
أومأ رأسه ثم قال:
-تمام .. و اتمني بردو ماتنسبش باقي التعليمات لازم تك ..
و قبل أن يكمل جملته قاطعته قائلة:
-ماتقلقش يافندم انا حفظت كلام حضرتك كله خلاص.
-عظيم.
هتف بقوة ثم أضاف:
-اتمني تنفذيه بقي.
-ان شاء الله.
قالت ذلك مقتضبة ثم إستدارت و غادرت المكتب و هي تشتعل حنقا …

*******************************************************************

عند منتصف النهار ، إستيقظت حينما شعرت بأحدهم يمرر أنامله علي وجهها ، ففتحت عيناها في ضيق ثم حدقت بوجهه المبتسم قائلة:
-خالد !
هتفت بدهشة غاضبة ثم سألته:
-انتي ايه اللي دخلك اوضتي ؟؟
إبتسم و هو يمسح بيده علي شعرها قائلا:
-اعمل ايه طيب ؟ ما انتي لسا زعلانة مني و مش بتردي عليا لما بكلمك .. ده غير انك بتتجنابيني اوي بقالك فترة من ساعة خناقة عز الدين و عمر.
ثم تابع في لطف مبررا:
-انا ماليش ذنب يا حبيبتي .. قلتلك عز هو اللي سمعني لما كنت بكلمك اكيد يعني مش هروح اقوله حاجة زي دي.
تأففت”عبير”في ضيق ثم قالت و هي تبعد يداه عنها:
-طيب يا خالد .. خلاص مصدقاك.
-خلاص بجد يا حبيبتي ؟ يعني مش زعلانة مني ؟؟
-لأ.
قالت بضجر ثم أضافات:
-ممكن بقي تخرج برا دلوقتي ؟ مايصحش تكون معايا في اوضتي مش كده و لا ايه ؟؟
ضحك بخفة و أجابها:
-تمام .. عندك حق ياستي .. انا بس كنت هتجنن انك مابتكلمينيش و كنت مستعد اعمل اي حاجة عشان اصالحك.
-طيب طيب خلاص انا مش زعلانة .. ممكن بقي تخرج.
-ماشي يا عبير خارج و الله .. بس سؤال بعني .. انتي هترجعي تكملي نوم تاني و لا ايه ؟؟
-عندك مشكلة في كده ؟؟
سألته في تهكم فأجابها باسما:
-اه عندي .. انا جاي اقضي اليوم معاكي بقالي فترة ماشفتكيش وحشتيني .. فمش معقول يعني هتسيبيني قاعد تحت مع نفسي و تفضلي نابمة انتي هنا !!
زفرت في ضيق ثم قالت:
-طيب يا خالد خلاص انزل انت دلوقتي و انا هحصلك.
-ماشي يا عمري.
قال ذلك و قبلها علي جبينها ثم نهض و هم بترك الغرفة إلا أنه توقف فجأة عندما أطلقت”عبير”آهات متتالية حين إنتصبت نصف جالسة علي فراشها ، فإستدار و عاد إليها مسرعا:
-مالك يا حبيبتي ؟؟
قال ذلك في قلق و هو يزيح خصلات شعرها عن وجهها كي يتفحصها بإمعان بينما أجابت بوهن:
-ماليش ما انا كويسة اهو .. انا بس انا بس دايخة شوية.
-دايخة ؟ من ايه يا حبيبتي ؟ انتي نمتي امبارح منغير عشا ؟؟
-لأ اتعشيت.
-اومال جتلك من ايه الدوخة دي يا عبير ؟؟
-عادي يا خالد ساعات من كتر النوم لما بقوم ببقي دايخة شوية .. عموما ماتقلقش انا هبقي كويسة بعد شوية.
أومأ رأسه و هو يداعب وجنتها قائلا:
-طيب .. هاسيبك دلوقتي عشان تفوقي علي مهلك بس ماتتأخريش لازم افطرك بنفسي عشان انتي مش عجباني خالص.
-مش عجباك ؟؟
هتفت متسائلة ثم تابعت:
-و مش عجباك ليه ان شاء الله ؟؟
-يا حبيبتي ماقصدش اللي فهمتيه .. انا قصدي انك بقيتي ضعيفة شوية خسة كده و وشك مرهق .. شكلك بتهملي في نفسك اليومين دول يا عبير.
قطبت حاجبيها مستغربة بينما قال:
-يلا انا نازل .. هستناكي تحت متتأخريش.
هزت رأسها و إصطنعت إبتسامة ثم تنفست الصعداء ما أن غادر و تركها …

*********************************************************************

في المساء جلست”داليا”هي و شقيقتها علي مائدة الطعام البسيطة ، لم تجد شهية للطعام ، كانت لا تزال تحت تأثير الغضب الذي إجتاحها جراء كلماته الإستفزازية المهينة بينما إنتبهت”ياسمين”إلي أختها فرمقتها في قلق قائلة:
-داليا .. انتي كويسة ؟؟
-هاه .. اه .. اه يا ياسمين كويسة .. كويسة طبعا.
نظرت إليها في تشكك ثم قالت:
-اومال مش بتاكلي يعني ؟؟
-باكل اهو يا حبيبتي.
أجابتها باسمة ثم تابعت:
-انا بس مرهقة شوية من كتر الشغل.
-عموما لازم تخلصي عشاكي كله عشان تستردي نشاطك و بعدين تدخلي تنامي و بكرة الصبح هتبقي زي الفل.
ثم أضافت في شيء من الإنفعال:
-بس لازم تعرفي ان صحتك بقت في النازل من يوم بدأتي شغل في الشركة المهببة بتاعتك دي .. بيديرها بني ادم مفتري .. حيوان.
عنفتها”داليا”في حزم قائلة:
-خلاص بقي يا ياسمين .. كل مرة لازم تهزئيه كده ؟ مايصحش تعيبي في شخص اساسا و خصوصا و هو مش موجود.
-يسلام يا ست دودو ! متضايقة عشانه اوي ؟ ماشي يا حبيبتي انا اسفة و ربنا يا رب يخليه و يبارك فيه و يفضل بفتري اكتر و اكتر اتبسطي بقي اوي بالاستاذ هتلر بتاعك.
إنفجرت”داليا”ضاحكة حينما أطلقت”ياسمين”ذلك اللقب علي”عز الدين”ثم قالت:
-يخرب عقلك .. تصدقي اللقب لايق عليه جدا هههههه .. بس بردو مش عايزة اسمعك بتغلطي فيه تاني عيب.
-ماشي ياختي سكتت خالص اهو و لا تزعلي.
ضحكت”داليا”من إسلوب شقيقتها ثم شردت فجأة ، حيث أخذت تفكر بمعني تصرفات”عز الدين”اليوم معها ، تري هل هو ماكر إلي هذا الحد ؟ هل يحاول التلاعب بعواطفها للوصل إلي هدفه ؟ و هو الحصول عليها كما حاول أن يفعل من قبل ؟ رفض قلبها هذا الإحتمال البغيض لكن عقلها أبي أن ينكره ..
فلماذا أبقاها اليوم بمكتبه فيما كان يوبخ”جومانة”بغطرسة وقحة ؟ .. “جومانة”تلك السيدة التي تفوقها جمالا و أناقة و أنوثة ، لا بد أنه يسعي وراء هدف ما و عليها أن تكون حريصة ..
جعلتها هذه الأفكار أن تستعيد إتصالها بالواقع فشرعت تتناول طعامها مدركة أهمية الإعتناء بصحتها و قوتها الجسدية للمثابرة في عملها كي لا تعطيه فرصة تؤهله من الإقتراب منها بأي شكل من الأشكال إنها تحبه حقا ، أدركت ذلك مع مرور الوقت ، و لكنها تعلم أنه بلا قلب لذا تعلمت أن تحبه في صمت ..
جلست”داليا”بعد العشاء في غرفتها ، إحتاجت للإختلاء بنفسها قليلا لتفكر ، إذ ربما توضحت لها عواطفها المضطربة ، تذكرت أيام الدراسة حين كانت ترتاد الصفوف الثانوية ، كانت تستمع إلي صديقاتها يتحدثن عن مغامراتهن المختلفة مع الشباب ، و كم شعرت أنها تختلف عنهن ، فهي كانت تفضل الدراسة علي كل هذه الأشياء ، كان الحب بالنسبة إليها شعورا لا تعلم عنه شيئا ، إذ كانت منهمكة بأمور أخري لا علاقة لها بالعواطف إطلاقا .. و لكن الأن ماذا حل بها ؟؟
فقد أوقظ”عز الدين”بداخلها تلك المرأة التي حنت للشعور بأنوثتها الضائعة وسط زحمة الحياة و المسؤوليات ..
لأول مرة تشعر بتلك الخفقة المضطربة عندما تنظر إليه أو عندما تفكر فيه ، أدركت أنها أحبته رغم معرفتها بأن الوصول إليه بسلامة مستحيل غير ممكن ..
أفاقت”داليا”من شرودها حيث طردت صورته من ذهنها لفترة وجيزة ، ثم نهضت و هرعت علي خزانة ملابسها ، وقفت تفكر ماذا تنتقي من أجل ميعاد غدا ؟
ثم فجأة مدت يدها و تناولت من الخزانة ثوب مميز جدا ، كان لجدتها ، رائع الجمال ورثته أمها ليكون ملكها أخيرا ، نزعت ثيابها و أرتدته بسرعة ، ثم راحت تتأمل نفسها بالمرآة .. الثوب يلائم قامتها النحيلة و خصرها الرشيق ، كان حريريا ذا لون أحمر قاتم أضفي عليها جمالا غير عادي و قد أبرز مفاتنها .. كادت لا تصدق أن لها جسدا جذاب كهذا الذي راحت تتأمله في إعجاب و دهشة ، غير أن الثوب جعلها تشعر بأنوثة لم تألفها من قبل … !

******************************************************************
كانت تجلس علي مقعد بجواره ، حين شعرت ببرودة تحتل أطرافها و بدوار يغزو رأسها جاهدت بقوة كي لا يظهر التوعك علي محياها فتحاملت علي نفسها و نهضت من موضعها فسألها:
-ايه يا حبيبتي علي فين ؟؟
إستجمعت قواها دفعة واحدة و أجابته في ثبات:
-طالعة اوضتي.
-ليه يا عبير ؟؟
-نعسانة يا خالد مانمتش كويس امبارح.
زم شفتيه بإستسلام ثم قال:
-ماشي يا حبيبتي .. اطلعي نامي بس من فضلك بقي لما اكلمك ياريت تردي عليا.
-طيب يا خالد.
ثم هتفت بإسم إحدي الخادمات فأتت”فاطمة”مهرولة فأمرتها”عببر”قائلة:
-اعمليلي اي عصير و طلعهولي علي اوضتي بسرعة.
-حاضر يا ست عبير.
ثم إنسحبت في هدوء بينما إلتفتت”عببر”و ودعت”خالد”ثم أخذت تجر خطاها بجهد حتي وصلت إلي غرفتها ..
أغلقت الباب وراءها ثم إستندت عليه بظهرها ، إزدادت البرودة و إزداد الدوار فوضعت يدها علي رأسها و هي تترنح بضعف ، كانت تلك الفكرة بعيدة جدا عن ذهنها حتي فاجأها الغثيان فركضت تجاه الحمام مسرعة … !

********************************************************************
إستقل”خالد”سيارته و شغل محركها ثم فجأة سمع طرق خفيف علي زجاج نافذة سيارته ، فحول نظره إلي جانبه ثم فتح زجاج النافذة قائلا:
-اهلا يابن عمي.
-اهلا يابن عمي !!
هتف”عز الدين”في دهشة ثم أضاف:
-ايه اللهجة دي يا خالد ؟ من امتي ؟؟
-من ساعة ما ردتلي طلبي يا عز.
-بتتكلم في ايه يا عبيط انت ؟ انت عمرك طلبت من حاجة و عزتها عليك ؟!
-عز الدين.
قال في خبث ثم تابع:
-انت عارف انا قصدي ايه.
فهمهم”عز الدين”ثم أومأ رأسه قائلا:
-قصدك علي موضوع البيه ؟؟
ثم تابع بجمود:
-اسمع يا خالد .. اظن انك اكتر واحد عارفني في الدنيا دي كفاية .. عشان كده ماتحاولش تلعب في اعصابي .. مش عايز اخسرك .. يابن عمي .. مش عايز اقطع صلتي بيك.
فقال”خالد”بصوت حزين:
-كل ده عشان بحاول اصلح بينك و بين اخوك يا عز ؟؟
فإنفعل قائلا:
-ماتجبليش سيرته من فضلك .. انا مش طايق اسمع اسمه حتي و لاخر مرة هقولك يا خالد ماتدخلش في الموضوع ده نهائي.
أومأ”خالد”رأسه يأسا ثم قال دون أن ينظر إليه:
-ماشي يا عز الدين .. سلام.
لانت نبرة”عز الدين”فقال:
-رايح فين ؟؟
فأجاب في هدوء جامد:
-ماشي .. هروح.
-لأ انزل اقعد معايا شوية.
-معلش مش هقدر انا هنا من الصبح ابقي اجي وقت تاني.
ثم أدار عجلة القيادة و غادر بينما تنهد”عز الدبن”بثقل ثم ولج إلي منزله ، ليتفاجأ بصراخ”فاطمة”التي هبطت الدرج مسرعة ثم أقبلت عليه فصاح بها:
-ايه في ايه ؟ ايه اللي حصل ؟؟
أجابت في توتر و عيناها تدمعان:
– الـ الـ .. الست .. الست عبير.
إتسعت حدقتاه فسألها:
-مالها عبير ؟؟
-بـ بخبط عليها و هي في الحمام بس مش بتفتح و شكلها تعبانة أوي.
لم يسمع”عز الدين”المزيد بل ترك كل ما كان يحمله بكلتا يديه يسقط أرضا ثم أسرع راكضا إلي غرفة شقيقته ، لم تمر ثوان إلا و كان أمام باب الحمام الملحق بغرفتها يقرع عليه و هو ينادي بإسمها بينما كانت تغسل وجهها لتمحي أثار بكائها و ما أن سمعت صوت أخيها حتي إنتفضت مذعورة ثم أجابت متعلثمة:
-أ ايوه .. ايوه يا عز ثواني .. ثواني يا حبيبي.
تحاملت علي نفسها و جاهدت كي تبدو أمامه في مظهر طبيعي ثم تقدمت صوب الباب و أدارت المقبض فيما سارع”عز الدين”و جذبه فأرتعدت لدي رؤيته أمامها:
-مالك يا عبير ؟؟
سألها في قلق فأجابت بشحوب:
-مافيش يا عز بس شكلي اخدت برد في معدتي.
ثم حولت نظرها إلي”فاطمة”التي كانت تقف خلف أخيها ثم رمقتها بعداء لأنها هي من جلبه إلي هنا بينما قال”عز الدين”بقلق ظاهر:
-طيب خلاص .. ارتاحي انتي دلوقتي و هنجيب دكتور.
فهتفت مسرعة:
-لأ …. !!

الحلقة(9):

-لأ.
هتفت مسرعة فقطب حاجبيه مستغربا فسارعت إلي القول:
-مالوش لزوم يا عز انا كويسة هو اكيد بس زي ما قلتلك عندي شوية برد في معدتي ممكن يكون سبب سوء تغذية.
هز رأسه عابسا ثم قال بعصبية:
-سوء تغذية ازاي يعني مش فاهم ! عايزة تقولي انهم بيطبخوا سم هنا ؟؟
-لأ لأ يا حبيبي مش قصدي.
قالت في توتر ثم تابعت:
-انا اصلي ساعات لما بكون في الكلية باكل برا مع صحابي.
-و بتاكلي برا ليه ؟ تلاقيكي كنتي كمان بتاكلي في حتت رديئة الاكل اللي فيها مش نضيف عجبك اللي حصلك دلوقتي ؟؟
-يا حبيبي اهدا .. انا عارفة انك خايف عليا و عموما انا اسفة هاخد بالي بعد كده و مش هبقي اكل برا تاني.
تنهد في حدة ثم قال:
-طب بردو نجيب دكتور يشوفك ماينفعش ماتخديش علاج.
-يا عز قلتلك مالوش لزوم و الله انا هبقي كويسة.
صر علي أسنانه بغضب ثم قال بنفاذ صبر:
-انتي ممانعة ليه ؟ قلتلك هجيب دكتور عايز اطمن عليكي.
-اطمن يا حبيبي ماتقلقش .. بص انا هنام شوية دلوقتي و لما اصحي هتلاقيني قدامك زي الحصان و هتشوف.
ثم خطت تجاه فراشها فتعثرت و كادت تسقط لولا أيدي أخيها التي أسندتها ، نظرت إليه في إرتباك فرمقها بغضب قلق و قبل أن يتفوه بحرف سارعت في لطف مضطرب قائلة:
-ربنا يخليك ليا يا حبيبي ماكنتش اعرف انك بتحبني و بتخاف عليا اد كده.
ثم تابعت بإبتسامة متوترة:
-كمل جميلك بقي و وصلني لسريري عشان انام.
تنهد في ضيق و أسندها حتي إستلقت علي فراشها بمساعدته فيما وقف أمامها جامدا ثم قال:
-طيب .. انا هسمع كلامك و مش هطلب الدكتور .. بس هشوفك باليل لو لاقيتك زي ما انتي ماتحسنتيش هجيبلك الدكتور يا عبير.
إبتلعت ريقها في إرتباك ثم أومأت رأسها بينما ألقي عليها نظرة متفحصة ثم غادر الغرفة في هدوء ، فتنفست الصعداء و إنتبهت لوجود الخادمة فرمقتها في حدة قائلة:
-انتي لسا هنا ؟ غوري من وشي يلا .. غوري.
إرتععدت”فاطمة”ثم قالت في أسي:
-سلامتك يا ست عبير.
ثم إنسحبت مسرعة تبعا للأمر الذي تلقته، ببنما بحثت”عبير”عن هاتفهها في سرعة حتي وجدته فأجرت الإتصال بـ”حسام”في سرعة ليأتي صوته العابس بعد لحظات:
-ايوه يا عبير خير في ايه ؟؟
فأجابته بوجل:
-حسام .. انا لازم اشوفك في اسرع وقت ضروري يا حسام.
-تشوفيني ضروري ازاي يعني ؟ انا مش قلتلك اني مشغول في الشغل اليومين دول !!
-الموضوع مهم جدا يا حسام.
-طب معلش آجليه شوية انا مشغول اوي و مش فاضي.
-لأ .. لأ يا حسام ماينفعش الموضوع خطير و مابنفعش يتأجل.
-قلقتيني يا عبير ايه الحكاية ؟؟
-هتعرف لما نتقابل ماينفعش اقولك علي التليفون كده.
صمت قليلا و كأنه يفكر ثم قال علي مضض:
-طيب خلاص .. هستناكي بكرة الصبح في الشقة بس ياريت يكون الموضوع مهم فعلا.

*******************************************************************

في صباح اليوم التالي قامت”ياسمين”بدورة مرور عامة علي المرضي بالمشفي ، حتي وصلت إلي غرفة”عمر” ، كان جالسا علي فراشه الصغير كالعادة و قد علت وجهه علامات الضيق و الضجر ، لكن لدي رؤيته إياها تقف أمامه أشرق وجهه بإبتسامة ناعمة ثم قال:
-اهلا اهلا .. صباح الفل.
زمت شفتيها في برود ثم تقدمت صوبه بخطوات ثابتة و قالت:
-صباح الخير .. هاه .. عامل ايه انهاردة ؟؟
تقلص وجهه في حزن ثم أجابها:
-كويس.
-قول الحمدلله .. و بعدين مالك مهموم كده ليه ؟؟
-زهقت ! زهقت من القاعدة دي انا مش متعود علي كده .. الله يسامحه اخويا بقي .. لأ منه لله هو السبب.
-لكل فعل رد فعل .. اكيد عملت مصيبة او غلطت غلطة خليته يكون السبب في الحالة اللي انت فيها دلوقتي.
نظر إليها بإستكانة و ضعف مصطنع ثم قال:
-انا ! و ربنا ده انا غلبان الناس هي اللي ظلماني.
هزت كتفيها بلا إكتراث قائلة:
-عموما مش موضوعنا.
ثم سألته:
-تحب تمشي تقوم تمشي شوية ؟؟
أومأ رأسه بقوة فإبتسمت بخفة و قالت:
-طيب همشيك في الاوضة شوية و المرة الجاية ان شاء الله هبقي انزلك تتمشي في الجنينة اكون فاضية وقتها.
ثم إقتربت منه و ساعدته علي النهوض من الفراش ، بينما إستند إليها حيث تعكز علي مرفقها الرقيق القوي فخطت به في تمهل بإرجاء الغرفة فيما سألها فجأة:
-الا قوليلي صحيح يا حلوة .. يا تري انتي مصاحبة و لالأ ؟؟
رمقته بإشمئزاز قائلة:
-اولا انا مش حلوة انا دكتورة ياسمين .. ثانيا مابردش علي اسئلة مش مهذبة بالشكل ده.
أطلق”عمر”ضحكة مرحة ثم قال:
-اسف يا دكتورة ياسمين .. و اه ياتري حضرتك عمرك ما ارتبطتي بحد قبل كده ؟؟
حلو الاسلوب ده ؟؟
سألها في تهكم بينما تجاهلت نبرته الساخرة ثم قالت:
-انا ماعنديش وقت للارتباط نهائي يا حضرة .. انا بدرس طب .. عارف يعني طب ؟؟
-اه عارف عارف .. كلية مابيدخلهاش الا الدحيحة المتفوقين اللي هما نفسهم بردو لما بيتخرجوا بيقعدوا علي القهوة او في البيت.
رمقته في إستنكار قائلة:
-ايه ده مش صحيح ابدا مين اللي قال كده ؟؟
-الواقع هو اللي بيقول كده دي مسألة حظوظ يا حبيبتي و مش كل الناس محظوظين عشان كده لازملك حظ كبير لحد ما توصلي للي انتي عايزاه ده لو وصلتي.
إبتسمت في سخرية ثم أجابت بهدوء:
-مش صح يا استاذ عمر .. الانسان اللي عنده اراده لو حب يحقق شيء هيحققه بالقوة .. ده غير ان الطموح مش بينتهي و النجاح كمان مش بينتهي و كله بإيد الانسان لو استمر هيتقدم و لو وقف هيتاخر و علي فكرة مافيش حاجة اسمها حظوظ او نصيب اللي بيحصل في الحياة بايد الانسان انما المقدر و المكتوب بايد ربنا و في فرق كبير بين الاتنين.
حملق فيها لبرهة ولم يجد ما يضيفه فأبتسم قائلا:
-انتي فظيعة.
قهقهت بخفة ثم قالت:
-اتمني بس اكون افادتك و تكون اقتنعت ان الصلاح و الفساد من صنع الانسان مش من صنع ربنا ابدا.
ثم أضافت:
-و انا بقول كفاية مشي كده عشان رجلك ماتتعبكش و عشان انا كمان خلصت شغلي هنا و المفروض اروح بقي.
– ليه بس ؟ ماتخليكي قاعدة معايا شوية بدل الزهق اللي بعيش فيه ده.
أجابته في حزم:
– اولا قلتلك انا واحدة مشغولة باستمرار .. ثانيا انا دكتورة و مش هنا عشان اسليك انا هنا عشان اعالجك و بس .. و يلا لو سمحت ساعدني عشان ارجعك مكانك.
لكنه لم يحرك ساكنا فنظرت إليه مستغربة ثم قالت بلهجة حادة:
-بقولك لو سمحت ساعدني عشان ارجعك مكانك ايه ماسمعتنيش ؟؟
-لأ سمعتك.
أجابها ثم نقل يده التي كانت تستند إلي مرفقها علي خصرها فشهقت في صدمة ثم قالت غاضبة:
-شيل ايدك يا محترم .. احسنلك.
-احسنلك ! ايه احسنلك دي ؟ وراها ايه يعني ؟؟
فقالت تحذره في حده:
شيل ايدك بقولك .. انا لحد دلوقتي مش عايزة آذيك.
-تآذيني !
هتف باسما في سخرية ثم تابع:
-طب مش شايل.
هزت كتفيها بلا إكتراث قائلة:
-اوكي انت حر بس خليك فاكر اني حذرتك.
قالت ذلك بهدوء ثم رفعت يدها إلي صدره و بحركة بسيطة جدا دفعته ، فمال جسده إلي الخلف ليسقط أرضا فإنفجر صوته:
-آااااااه .. آااه يا بنت المؤذية حرام عليكي ليه كده ؟؟
-احترم نفسك يا استاذ و بعدين انا حذرتك بمنتهي الذوق بس انت اللي مش محترم لأ و بتتمادي في قلة الادب اكتر كمان تستاهل.
رمقها في حنق ثم قال:
-طب قوميني.
فقالت بحزم:
-انت تقدر تساعد نفسك حاول تقوم لوحدك.
-مش قادر .. مش قادر اقف.
قال بألم مصطنع ، فلان قلبها و أشفقت عليه ، ثم خطت تجاهه و مدت يدها لتساعده علي النهوض ، و هنا تكمن الخدعة !
إبتسم بخبث و هو يمسك يدها ثم جذبها إليه بقوة حتي سقطت أرضا بجانبه فجثم عليا و كبل حركتها بذراعيه ..
تألمت ، فزعت ، و أدركت خدعته ، فصاحت به:
-يا حيوان .. بتضحك عليا ؟ صدقتك دي غلطتي.
ضحك ملء صوته بشكل هستيري ثم قال بلهجة المنتصر:
-ده رد اعتبار يا حلوة .. و انتي لسا قايلة من شوية لكل فعل رد فعل مش كده ؟؟
رمقته بغضب شديد و صممت علي ايذائه مهما كلف الأمر ، و في اللحظة التي شعرت بيده تتسلل إلي خصرها غرزت أصابعها بالسجادة السميكة و إستعدت للحظة المناسبة في محاولاتها لإبعاده عنها ، و ما أن تحرك قليلا حتي جذبت قدمها و وجهت إليه بركبتها ضربة قوية مؤلمة دونما أي إهتمام أو وخز في الضمير ..
كان صراخه عندها كوحش جريح موسيقي جميلة لأذنيها الغاضبتين فإبتسمت بإنتصار و تشفي ، و حين تراخت قبضته عنها قليلا إنسلت من بين ذراعيه بسرعة البرق و هبت واقفة فيما تأوه بشده قائلا:
-الله يخربيتك .. مش قادر حرام عليكي .. منك لله.
أجابته في جمود:
-اتمني تحترم نفسك بعد كده .. ياريت يعني بجد .. و عموما انا همنع الممرضات انهم يدخلولك من هنا و رايح نظرا لأخلاقك اللي زي الزفت دي و ابقي استمتع بوقتك مع عم راضي التمرجي بقي.
ثم رحلت و تركته فهتف و هو لا يزال علي وضعيته:
-و هتسيبيني كده طيب .. منك لله … !

*******************************************************************

دلف إلي منزله في هدوء ، ثم أخذ يبحث عنها بالأرجاء حتي وجدها بحجرة نومه مستلقية في إرهاق مغمضة العينين فإقترب منها قائلا:
-عبير !
إنتفضت منتبهة و نظرت إليه بينما تابع متسائلا و هو يجلس إلي جانبها:
-ايه يا عبير مالك ؟ و ايه الموضوع المهم اوي اللي اصريتي نتقابل بسرعة عشانه ؟؟
تأوهت”عبير”بصوت خافت و هي تنتصب نصف جالسة علي الفراش ، ثم حدقت فيه يعينان ذابلتان و قالت:
-حسام .. انا حامل.
إتسعت حدقتاه و تجهم وجهه في ثانية ثم قال:
-ايه ! قلتي ايه ؟؟
-بقولك .. انا حامل .. حامل يا حسام.
-نعم ! انتي بتهزري ؟ انتي اكيد بتهزري يا عبير صح ؟ قولي انك بتهزري.
قال ذلك في توتر غاضب فيما أجابته مؤكدة:
-لأ يا حسام انا مش بهزر .. انا حامل فعلا .. في الاول كنت شكة لكن انا لسا راجعة من عند الدكتور و هو اكدلي الحمل .. انا حامل في شهرين يا حسام .. و كويس اني اكتشفت المصيبة دي بدري عشان نلحق نتصرف.
لم يحتمل”حسام”سماع المزيد فهب واقفا في غضب ثم قال بإنفعال:
-لالالا مش انا يا عبير .. مش انا اللي تلعبي معاه لعبة رخيصة و قديمة زي دي انسي مش هتورطيني غصب عني.
حملقت فيه بذهول ثم سألته:
-ايه اللي انت بتقوله ده ؟ انا بلعب عليك ؟ لأ و بورطك كمان ! انت ازاي تقولي كده يا حسام ؟؟
-اسمعي يا عبير !
هتف بحدة ثم تابع:
-لو كنتي فاكرة انك ممكن تقدري تضغطي عليا بموضوع الحمل ده عشان اروح اطلب ايدك من اخوكي زي ما كنتي دايما بتزني عليا تبقي غلطانة .. انا محدش يقدر يلوي دراعي .. فاهمة ؟؟
هزت رأسها في ذهول و هي تكاد لا تصدق ما سمعته ثم قالت:
-انت بتقول ايه ؟ بقي انت فاكر اني ممكن افكر بالطريقة دي ؟ متخيل اني ممكن اعرض نفسي لعقبات خطيرة زي دي عشان اضغط عليك و يا صابت يا خابت ! ايه .. هو انت ماتعرفش اخويا ؟ مش عارف هو ممكن يعمل فينا ايه احنا الاتنين لو اكتشف اللي ببنا ؟ ثم انا اتفاجئت بخبر الحمل زبك بالظبط.
فسألها في تهكم:
-لا و الله ! اتفاجئتي ؟ مش علي اساس كنتي بتقوليلي دايما انك بتعملي حسابك عشان مانقعش في الغلطة دي !
أومأت رأسها في توتر ثم قالت نع سقوط الدموع علي خديها:
-ايوه .. ايوه فعلا و الله كنت بعمل حسابي لكن .. لكن ده قدر .. ربنا عايز كده !
-يا حبيبتي انا ماليش في الكلام ده .. اسمعي يا بنت الناس انا لسا شاب في اول عمري ظروفي زي الزفت و لازم اشتغل كويس عشان اقدر اكون نفسي فمش هقدر ابدا اني اتحمل مسؤولية بيت و جواز و اطفال .. بالنسبة لي لسا بدري اوي علي الخطوات دي.
-يا نهار اسود !
هتفت في صدمة ثم سألته:
-يعني انت كنت بتكدب عليا لما كنت بتقولي اننا هنتجوز ؟؟
زفر في ضيق ثم قال:
-انا ماكدبتش عليكي يا عبير .. انا قلتلك اني مش جاهز لجواز دلوقتي خالص و انا فاكر انك وافقتي انا ماغصبتكيش علي اي حاجة بالعكس احنا لو نفتكر هنلاقي انك انتي اللي فضلتي مُصرة علي كده و شجعتيني لحد ما وصلنا للطريق ده .. ياما قلتلك بلاش بس انتي إللـ …
-بس !
قاطعته بألم ثم تابعت باكية:
-بتلومني انا دلوقتي ؟ بتلومني عشان حبيتك يا حسام ؟ بتلومني عشان أمنتلك و صدقتك ؟ في الاخر انا اللي بقيت غلطانة و انا اللي لازم اتحمل النتايج كلها لوحدي ؟؟
-اه.
هتف بجمود ثم تابع:
-اه انتي اللي لازم تتحملي النتايج كلها لوحدك يا عبير انا ماليش دعوة بالحمل ده و مش هتحمل مسؤولية الطفل اللي في بطنك ده نهائي ببساطة لاني ماتفقتش معاكي علي كده.
شحب لونها فجأة ثم تسارع وجيب قلبها فقالت:
-يعني ايه ؟ هتسيبني ؟ هتتخلي عني يا حسام ؟؟
تنهد بثقل و هو يرمقها في ضيق بينما أخذت تجهش بالبكاء المُر فضم قبضتيه في نفاذ صبر فيما حدثها بلطف مصطنع:
عبير .. اهدي لو سمحتي .. ماتقلقيش انا مش هسيبك و مش هتخلي عنك .. انا هفضل جنبك للأخر.
ثم تابع بلهجة حادة:
-لحد ما نخلص من موضوع الحمل ده.
رفعت رأسها في سرعة و حدقت فيه قائلة:
-نخلص منه ازاي يعني ؟؟
-لازم ينزل طبعا.
-انت بتقول ايه ؟؟
هتفت في فزع بينما سألها متهكما:
-في حل تاني مثلا ؟ للأسف مافيش عشان كده لازم نمشي في الموضوع بسرعة و نلمه ليكبر مننا.
هزت رأسها غير مصدقة ثم رفضت بقوة قائلة:
-لأ لأ .. لأ مستحيل .. انت عايزني انزل البيبي ؟ عايزني انزله فعلا ؟ لأ مش ممكن انا مش هعمل كده ابدا.
نفذ صبره عند ذلك فقبض علي ذراعها بعنف ثم قال بقسوة:
-بقولك ايه .. انتي احسنلك تسمعي الكلام الحل ده في مصلحتك قبل ما يكون في مصلحتي و اظن انتي فاهمة قصدي كويس اوي .. الحمل دن هينزل يعني هينزل سامعة ؟؟
ثم دقعها عنه بحركة مفاجأة ، فسقطت علي الفراش و قد إعتراها ألم شديد بينما حذرها قائلا:
-الاسبوع الجاي في نفس اليوم ده ألاقيكي هنا تكوني نزلتي الحمل ده و خلصتي منه نهائي .. سلام يا بيرو.
ثم ذهب تاركا إياها وحدها الصدمة تستبد بها و الخوف يكتنفها …

********************************************************************
راحت”داليا”تتأمل فستان السهرة الخاص بجدتها و الذي إرتدته خصيصا من أجل حضور عشاء العمل ، لم تكن قد إرتدت في حياتها كلها فستانا فاتنا مثله ، و لذلك شعرت بالإرتباك جراء المظهر الجديد الذي ظهرت فيه ، خاصة عندما وضعت الإكسسوارات الشرقية التي أعارتها إياها شقيقتها”ياسمين”، كما و أنها أيضا سمعت نصائح شقيقتها الخبيرة فراحت تستعمل بعض مساحيق التجميل بأناملها التي تفتقد الخبرة و لكنها دهشت من نفسها في النهاية ، حين تحولت بقدرة قادر إلي إمرأة جميلة و جذابة لم يكن يتوقعها الأخرون أبدا ، فقد تركت الإكسسوارات و مساحيق التجميل و الفستان أثرا واضحا عليها ، و أدركت لأول مرة أن لها جسدا متكاملا فاتنا إذا ما وضعته في الإطار الصحيح ، دائما كن الأخريات يفوقوها جمالا و أناقة ، و لكن ليس هذه الليلة ، فبعد الذي صنعته بنفسها ، لا بمكن لأحد أن يشك في جمالها الأخاذ الدفين ..
كل شيء تغير من حولها ، قوامها الرشيف يشع فتنة و دلال ، شعرها الكستنائي الفوضوي تجمع في خصل حريرية الملمس و المرآة التي تنظر إليها بغرفتها تعكس شكلا لابد و أن يدير رؤوس معظم الرجال لها ..
سمعت”داليا”طرقا علي باب غرفتها فأذنت بالدخول ثم رأته يُفتح فإلتفتت نحو شقيقتها التي دخلت مبتسمة في إندهاش و قالت:
-ايه ده ايه ده ايه ده ! ايه يا دودو الجمال ده كله من اين لكي هذا ؟؟
أجابتها”داليا”في مرح قائلة:
-هذا من فضل ربي !
بينما راحت عينا”ياسمين”تقيسان”داليا”من أسفل إلي أعلي و كأنها تراها للمرة الأولي ، ثم وجدت الكلمات المناسبة فقالت:
-يخربيتك ! ماكنتش اعرف انك حلوة اوي كده .. اول مرة اشوفك بفستان يا دودو بجد جميلة ما شاء الله خايفة احسدك و ربنا.
ضحكت”داليا”بخفة ثم قالت:
-مش للدرجة دي يا ياسمين بس عموما ده مؤشر كويس طالما شكلي عجبك كده يبقي اكيد هيعجبه هو كمان.
-هو مين ده ؟؟
تنهدت”داليا”بعمق ثم أجابت:
-مستر عز الدين .. مستر عز الدين نصار.
أومأت”ياسمين”رأسها في تهكم ثم قالت:
-ممم مستر عز الدين نصار .. يعني انتي بقي رايحة مشوار الشغل ده مع مستر هتلر بتاعك ؟؟
رمقتها”داليا”في حدة قائلة:
-ياسمين !
-خلاص خلاص .. هقفل بؤي و مش هتكلم خالص.
ثم تابعت متسائلة:
-بس انتي هتتأخري يا داليا ؟؟
– مش عارفة يا ياسمين حسب الشغل اول ما نخلص اللي ورانا اكيد هرجع بسرعة ماتقلقيش.
فزمت”ياسمين”شفتيها في حزن مصطنع ثم قالت:
-يعني هتعشي لوحدي الليلة دي ؟؟
أومأت”داليا”رأسها بأسف ثم قالت:
-معلش يا حبيبتي .. ده شيء ضروري متعلق بشغلي .. و بعدين دي اول مرة يعني يا ياسمين و احنا مع بعض دايما.
إبتسمت”ياسمين”ببساطة ثم مدت يدها و ربتت علي كتف شقيقتها قائلة:
-و لا يهمك يا حبيبتي .. المهم شغلك و قبل شغلك راحتك.
ثم تابعت منبهة:
-بس خدي بالك من نفسك ماشي ؟ و اي حد يجي جنبك اسكعيه قلم علطول ماهيمكيش اصلك ماتعرفيش نوعية الناس اللي زي دول فاكرين ان كل حاجة متاحة ليهم.
قهقهت”داليا”بقوة من إسلوب شقيقتها ثم قالت:
-اوعدك يا ياسمين ان مافيش حاجة من دي هتحصل ان شاء الله ماتقلقيش الناس اللي هكون في وسطهم راقيين و عقولهم متزنة.
-متزنة ! ده انتي طيبة خالص يا اختي عموما خدي بالك من نفسك بردو.
ثم تركتها وحدها لتنتهي من إعداد نفسها ، بينما عادت تنظر إلي المرآة مرة أخري ، فخفق قلبها بسرعة جنونية ما أن تخيلت عيني”عز الدين”تحدقان بها ، تري ماذا ستكون ردة فعله لدي رؤيته إياها علي تلك الهيئة الجذابة ؟
من معلوماتها أنه حذر حيال الجميلات و أحيانا ما ينفر منهن رغم إستمتاعه بهن فيبعض الأوقات ، ربما لأن والدته جميلة أصبح يمقت الجميلات إلي جانبها و لا يجد لذته إلا عندما يخضعهن و يشعرهن بالإذلال بين يديه ، أشعرتها هذه الأفكار بالخوف ، فلا شغوريا راحت ترتجف دون إرادة متذكرة هيئته القاسية الرائعة التي تجذب كل أنثي نحوه رغما عنها كما تجذب النار الفراشة ، كانت تعتقد في البداية أن ما تشعر به تجاهه ليس سوي إفتنان و إعجاب بجماله الخارجي ، فهو فعلا رجل جذاب يكفي أن ينظر إليها ليجعل قلبها يخفق بسرعة جنونية ، و دائما كان هناك صوت باطني في داخلها يمهس بأنه الحب ، و لم تستطع”داليا”إسكات هذا الصوت بل رضخت إليه في النهاية ، أجل إنها تحبه ، تعرف ذلك جيدا و لكنها تأبي الإستسلام لهذه الفكرة ، تخشي مغبة الإستمرار في تلك المشاعر كثيرا ..
و فكرت ربما ولد حبها له حين أنقذها يوم وفاة والدتها ، أو عندما رأته لأول مرة حين أجرت معه المقابلة الشخصية ، ربما إنجذبت إليه بطريقة ما أو بأخري ، و لكن مهما كان الأمر فلا أمل لها بالنجاة منه ، فالطرق مقفلة أمام حبها … !

*******************************************************************

كان يجلس بالبهو الفسيح علي أحد المقاعد الوثيرة ، عندما وصلت إلي المنزل ، هرع عليها ما أن رآها أمامه ثم أمسك ذراعيها بقوة و قال بقلق:
-انتي كنتي فين كل ده يا عبير ؟ و مابترديش علي موبايلك ليه ؟ قلقتيني عليكي جيت مالاقتكيش و ماحبتش اتصل بـ”عز”و اسأله و في نفس الوقت كنت هتجنن و اعرف انت فين و مابترديش ليه .. اتكلمي يا عبير قوليلي كنتي فين ؟؟
ساد الصمت قليلا فشاهد خلاله سيل دموعها الذي هبط في بطء و هدوء فهتف بعنف قلق:
-مالك ؟ في ايه ؟ .. حصلك حاجة ؟ حد عملك حاجة ؟ اتكلمي يا عبير ؟؟
راقبها جيدا بنظرة ثاقبة حين نظرت إليه و قد أغرورقت عيناها بالدموع بينما كبتت تنهيدة من الألم و الحسرة ثم قالت بصوت مبحوح:
-مافيش .. مافيش حاجة يا خالد.
-انتي بتهزري ؟ فكراني عبيط يا عبير ! عايزاني اصدق ان مافيش حاجة فعلا و انا شايفك قدامي منهارة بالشكل ده ؟؟
ثم تابع في إنفعال:
-لو سمحتي اتكلمي حالا و قوليلي مالك ؟؟ ايه اللي حصل بالظبط خلاكي وصلتي للحالة دي ؟؟
فكرت لثوان قليلة فإختلقت كذبة ثم قالت:
-كنت في النادي.
-و بعدين ؟؟
سألها بإرتقاب فتابعت:
-كنت بتكلم مع واحدة صحبتي في موضوع يخصها كلامي ماكنش عاجبها فشدينا مع بعض و قمت سيبتها.
-يسلام ! هو ده اللي مزعلك اوي كده ؟؟
-لأ.
-طب ايه الحكاية فهميني !!
-اصلها كانت صحبتي اوي و تقريبا قطعت علاقتي بيها.
ثم راحت تجهش بالبكاء فمد أصبعه برشاقة و أزال دموعها عن وجنتيها قائلا:
-يا حبيبتي .. انتي حساسة اوي .. بس معلش ماتزعليش طالما انتوا صحاب اوي زي ما بتقولي اكيد في اول فرصة هتتصالحوا .. المهم اهدي انتي دلوقتي و كفاية عياط .. اهدي بقي عشان خاطري مش عارف اعملك ايه ؟؟
و لكن دون جدوي ظلت تبكي بقوة فتألم من أجلها فتلك هي أول مرة يراها تبكي بهذا الشكل ، فتناولها بسرعةفي أحضانه مطبقا عليها بذراعيه في شدة ثم راح يتمتم بنعومة في أذنها عبارات صافية مهدئة حتي نجح الأمر و سكتت عن البكاء و هدأت تماما إلا من صوت إضطراب أنفاسها و شهاقاتها المتتالية …

*****************************************************************
لم تقصد”داليا”مثل هذه المطاعم من قبل أبدا ، فقد أدهشتها أناقة المكان و حسن الذوق و الأثاث ، إنه بلا شك باهظ الثمن ..
و بما أن”عز الدين”كان حريصا كامل الحرص علي الإتيان في الموعد المحدد ، كان هو الحاضر الأول برفقة سكيرتيرته الأنيقة التي جذبت إنتباهه لها الليلة ، نعم ظل يرمقها بين الحين و الأخر بنظرات غامضة و لكن علي الأقل نظراته أسعدتها نوعا ما ، شعرت أن إطلالتها الجديدة راقته من خلال هدوءه و قلة ظهور عبسه و سخريته ..
جلسا إلي جانب بعضهما علي الطاولة التي حجزتها”داليا”بنفسها في زاوية منعزلة بعيدا عن الأنظار تبعا لأوامر”عز الدين” ..
كان الصمت سائدا تحت وطاءة نظرات”عز الدين”الفاحصة حتي قطعته”داليا”قائلة:
-واضح اننا جينا بدري شوية يافندم ؟؟
فأجابها بلطف:
-لا ابدا يا داليا .. ده الميعاد المتفق عليه .. و ماتنسيش اهم حاجة اننا ناس مظبوطين في كل حاجة حتي في مواعيدنا و دي سمعة كويسة لينا مش كده ؟؟
رفعت”داليا”حاجبيها في ذهول قائلة:
-حضرتك بتكلمني بلطف علي غير العادة يافندم !!
فضحك بخفة و أجابها:
-بصراحة فستانك الجميل هو السبب .. هو جميل اه بس لو كان مفتوح حبتين كنت اكيد هسمعك كلام يبسطك اكتر.
إشتعلت وجنتيها بحرارة شديدة و هي تنظر إليه قاطبة حاجبيها في غضب ثم قالت:
-لعلمك يافندم .. انا مش مبسوطة من كلام حضرتك .. و لا هتبسط.
-بجد !
هتف ساخرا ثم تابع:
-لأ انتي كده قلقتيني شكلي بدأت افقد مهارتي في الامور دي رغم ان ليا شهرتي اللي اكيد سمعتي عنها .. عموما مش هخيب ظنك لو جربتيني و يمكن طريقتي تعجبك.
و كأنه يريد إثارة حنقها بأي طريقة ، و لكنها أدركت بالنهاية أن الإعتصام بالصمت هو خير وسيلة تتبعها مع ذاك الرجل المتعجرف !
كم قاس هو .. إهانها مرة أخري عوضا عن أن يمدحها برقي .. علي أي حال هذا هو لن يتغير و هي تعلم ذلك جيدا ، لذا نفضت كل الأفكار الإستفزازية عن ذهنها و راحت عيناها تتفحصانه في هدوء ، تنقل نظرها فوق وجهه البرونزي الفاتن و حاجبيه السوادوين الكثيفين ، و عينيه الذهبيتين الغامضتين ، متذكرة عطاءه الدافق السخي و عناقه الذي لم و لن تنساه أبدا رغم معارضتها ذلك بشدة !
و في تلك اللحظة أدركت”داليا”بفخر و إعتزاز أنها برفقة أوسم و أفضل رجل موجود بقاعة المطعم بل بالعالم كله علي الإطلاق ثم فجأة عادت إلي ذهنها حقيقة شعورها نحوه ، فهي تحبه كما لم تحب أي رجل أخر في حياتها ، فهو أول رجل أيقظ فيها شوقا لأن تكون إمرأة بكل ما في الكلمة من معني ، و ستحبه إلي الأبد حتي لو لم تتزوج منه أبدا ، فذلك لن يقضي علي حبها له ، و لن تستطيع أن تتزوج أبدا من غيره ، مستحيل أن تقبل بمشاركة حياة رجل أخر في حين أنها تحب”عز الدين”و لا ينبض قلبها إلا لأجله …
ثم فجأة أفاقت من شرودها علي صوت أنثوي يقول:
-………….. !!

الحلقة (10):

-اهلا اهلا اهلا .. بجد مش مصدقة عنيا عز الدين نصار مرة واحدة !
إلتفتت”داليا”نحو مصدر الصوت و ألقت نظرة فاحصة علي صاحبة العبارة ، كانت فتاة تكبرها سنا إنما أصغر من ذاك الشاب الذي كان يقف إلي جانبها ربما في أواخر عشريناتها ، كانت أنيقة أيضا ترتدي الترتان الأبيض مع وشاح أحمر داكن علي كتفها فيما تابعت الفتاة قائلة:
-تصدق كنت لسا في بالي من يومين .. كويس اني شفتك بقي.
ثم أطلقت ضحكة صغيرة و سألته:
-عامل ايه يا عز ؟؟
عند ذلك حولت”داليا”نظرها إلي”عز الدين”الذي إصطنع إبتسامة لم تصل إلي عينيه ثم قال:
-انا تمام يا رانيا .. ازيك انتي ؟؟
-كويسة الحمدلله.
ثم صاحت منتبهة و هي تربت علي ذراع رفيقها:
-اه صحيح نسيت اعرفك يا عز .. ده وليد راشد خطيبي .. وليد ده عز الدين نصار صاحب النصار للنقل البحري عارفه مش كده ؟؟
أومأ الشاب رأسه ثم أجاب بإبتسامة واسعة:
-اكيد غني عن التعريف طبعا .. مقابلتك شرف كبير و الله يا باشا.
أجفل”عز الدين”باسما ثم نظر إليه في هدوء قائلا:
-الشرف ليا متشكر جدا .. و مبروك علي الخطوبة.
-الله يبارك فيك بس اكيد لازم تشرفنا في الفرح ماتتصورش هنفرح ازاي بوجودك.
-ان شاء الله اكيد.
فيما كانت”رانيا”تحملق في “داليا” بعينين متفحصتين ثم حولت نظرها إلي”عز الدين”و سألته باسمة:
-ايه يا عز .. مش هتعرفنا علي الحسناء اللي معاك دي و لا ايه ؟؟
نظر”عز الدين”إلي”داليا”التي تخضبت وجنتاها بحمرة الخجل ثم قال:
-دي داليا .. السكيرتيرة بتاعتي.
أومأت”رانيا”رأسها ثم تابعت سؤالها:
-و ياتري جايين هنا في شغل بقي ؟؟
رفعت”داليا”حاجبيها في دهشة من ذلك الفضول و التطفل الإستفزازي بينما أجابها”عز الدين”ببرود:
-لأ جايين نتعشي عادي.
تطلعت إليه”داليا”في ذهول بينما همهمت”رانيا” بتفهم و رمقتهم بنظرة ذات مغزي ثم إستأذنت بتهذيب و إنسحبت في هدوء برفقة خطيبها .. :
-حضرتك كنت تقصد تقولها الكلام ده ؟؟
سألته”داليا”في إنفعال هادئ بينما برقت عيناه بإبتسامة خبيثة ثم قطب حاجبيه متسائلا:
-كلام ايه ؟؟
-اننا هنا في عشا عادي مش عشان العشا اللي يخص شغلنا مع العملا المهمين زي ما حضرتك بلغتني !!
زم شفتيه بخبث ثم قال:
-بصي يا داليا .. بصراحة مافيش Dinner work زي ما قلتلك و لا في ناس مهمة علي وصول انا كنت بكدب عليكي.
رمشت”داليا”بصدمة و حيرة ثم قالت:
-كنت بتكدب عليا ! ليه ؟؟
-عشان اقنعك بسهولة انك تيجي معايا هنا منغير ماتعترضي.
-طب ليه كل ده ؟ عشان ايه ده كله حضرتك ؟؟
سألته في دهشة فأجابها و هو ينظر إلي عيناها بعمق:
-داليا .. انتي نجحتي في انك تخليني غضبان منك و مهتم بالتفكير فيكي في نفس الوقت .. و ده مزيج خطير جدا لواحد زيي .. ده غير ان تصرفاتك مليت منها خلاص .. فياريت تقوليلي انتي عايزة ايه بالظبط ؟؟
كانت تتابعه بتركيز بالغ حتي إنتهي فتحركت بمكانها في توتر ثم قالت:
-انا مش عايزة حاجة يافندم ! و بعدين انا عملت ايه يعني او اتصرفت ازاي عشان ازعج حضرتك ؟ انا مش فاكرة اني عملت اي حاجة !!
-اهو الاسلوب ده كمان مضايقني اكتر يا داليا.
-اسلوب ا ..
قاطعها في حزم بحركة من يده ثم تابع:
-بقولك ايه يا داليا .. ايه رايك لو نخلص لعبة القط و الفار دي هنا دلوقتي .. عشان كده الفار بقي فاكر نفسه ذكي لكن في الحقيقة القط هو اللي ساكت عليه بمزاجه.
-انا بجد مش فاهمة اي حاجة يافندم ياريت توضح اكتر !!
-داليا !
هتف بحدة ثم تابع:
-انا قلت اجيبك هنا عشان اقدر اتحكم في اعصابي قدام الناس .. ياريت بقي ماتخلنيش اتخلي عن رقيي و جاوبي علي سؤالي بصراحة.
-يافندم صدقني انا مش فاهمة حاجة و الله.
قالت بنفاذ صبر فضحك بقسوة غاضبة ثم قال:
تعرفي ان عندك خبرة و قدرة عظيمة علي التمثيل يا داليا ؟ بس معلش ارجوكي حطي البراءة و الاندهاش المصطنع ده علي جنب دلوقتي عشان نعرف نتفاهم.
شعرت”داليا”بالغضب يجتاحها جراء كلماته اللاذعة الجارحة فنطقت أخيرا و قالت بحدة غير مألوفة بها:
لاخر مرة هطلب من حضرتك توضيح يافندم و الا هقوم امشي و حالا.
لم تصدق نفسها أنها تجرأت عليه هكذا ، بينما صر علي أسنانه بغضب و قد بدا حنقه الهادئ للعيان و لم يعد يستطيع كبحه فقال:
-يعني عايزاني انا اللي اوضح ؟ ماشي .. في كلام و اشاعات بتتروج في كل مكان في الشركة.
-اشاعات ! عن مين بالظبط ؟؟
-عننا.
-عننا !!
هتفت بدهشة و لكنها ما لبثت أن فهمت تلميحاته ، بدأت الأمور تتوضح في نظرها علي الفور ..
لقد ظنت أن تلك الشائعات السخيفة التي توحي بوجود علاقة خفية بينها و بين”عز الدين”ستموت مع مرور الوقت و لكنها كانت مخطئة ، يبدو أن العاملين بالشركة لا زالوا يسردون الأقصاصيص الكاذبة الوهمية ، و الأن بدا لها بوضوح أنه أصبح علي علم بما يدور بشركته:
-اظن فهمتيني دلوقتي مش كده ؟؟
أفاقها من شرودها علي صوته المتهكم فنظرت إليه في توتر بينما إبتسم ساخرا فأسرعت تقول في إضطراب:
-أ اا اسمع يافندم .. انا عارفة انك متضايق من إللـ …
-متضايق !!
قاطعها في سرعة ثم رفع رأسه و قهقه بقوة جذبت إنتباه من حولهم ، ثم عاد ينظر إليها و قال:
-داليا يا حبيبتي .. انا واثق انك ماكنتيش عارفة انتي بتتكلمي عن مين ؟ لو كنا علي علاقة فعلا كنت طالبتك بحقوقي لكن انا مش فاكر ان في حاجة حصلت بينا !!
لم تجب ، كان حلقها جافا فصعب عليها التفوه بأية كلمة ، ياله من شيطان يعتقد بأنها هي من تروج الشائعات البغيضة عنهم ..
عند ذلك إنتفضت”داليا”بغضب و إنحنت لإلتقاط حقيبة يدها الصغيرة ثم هبت واقفة ، لكن أصابعه القوية أوقفتها ، أحست بقوة قبضته تكاد تعصر معصمها فيما قال بلهجة حادة هادئة:
-اقعدي .. الناس بتبص علينا.
لا .. هو محق .. لا يمكنها الإنسحاب بهذا الأسلوب و جعل أفكاره ثابتة بعقله هكذا ، صحيح أنه فظ عنيف و لا يستحق المسايرة أو التفاهم و لكنها لم تشأ توتير الأجواء أكثر ..
و أخيرا إستطاعت إلقاء الحقيبة علي الطاولة مجددا و بعد دقائق معدودة إستدعي”عز الدين”النادل و طلب العشاء لكلاهما دون أن يأخذ برأيها … !

*******************************************************************

دوي صوت صراخها عاليا بإرجاء الحجرة قبل أن تصحو فزعة مبللة بالعرق ، إنتفضت برافشها مذعورة و هي تتنفس بقوة ، كانت تلتقط أنفاسها بصعوبة فأنتصبت نصف جالسة ثم مدت يدها إلي المصباح الصغير الموضوع علي طاولة قرب فراشها و أشعلته ..
ذلك الكابوس المرعب ما أن تذكرت تفاصيله حتي أخذت تجهش بالبكاء ، فقد رأت أنها في وسط عاصفة بحرية لا تبقي و لا تذر ، الليل حالك و الأمطار غزيرة ، و لكن هناك ثمة ضؤ خفيف رأت من خلاله زورق صغير يضم أخويها الإثنان و”خالد” .. كانت تنادي عليهم بأعلي صوتها تستجديهم كي يمدوا لها أياديهم كي ينتشلوها من الماء ، و لكن لا حياة لمن تنادي ، رمقوها في قسوة ثم مضوا في سبيلهم بعيدا عنها ، فسحبها تيار جارف و غمرتها المياه .. !
كانت في أقصي حالات الإنهيار و لا تدري ماذا تفعل و قد تخلي عنها من كانت تعتقد بأنه يحبها ؟ و ماذا لو علم أخيها ؟ تري ماذا سيفعل بها ؟ إن قتلها في حالة علمه لقليل بالنسبة له ، و”خالد”إذا علم بأمرها .. هل سيتركها ؟ أو سيخبر أخيها ؟ و إذا إنصاعت لكلام”حسام”و ذهبت لإجراء عملية الإجهاض تري هل ستخرج منها سالمة ؟ ستنجو أم ستموت ؟؟
إرتجفت بقوة جراء كل تلك الأفكار، ثم رفعت يدها لتغطي وجهها و كأنها تهرب من مصير مرعب ، بينما نحيبها يملأ الغرفة بنشيج متقطع إختلطت فيه الدموع بالتنهدات و الآهات و الصرخات ، لم تكن تتألم و قد زال عنها تشوش ما رأته بالكابوس لكنها ما زالت علي شفير الإنهيار العصبي ..
رفعت رأسها عن راحتيها قبل ثوان قليلة من فتح باب الحجرة ، و عندها إعتدلت في جلستها فدخل”عز الدين”كان قد وصل لتوه ، فيما هرع عليها في قلق قائلا:
-عبير ! .. مالك في ايه ؟؟
-م ما .. مافيش .. مافيش يا عز.
أجابته بصوت ضعيف متقطع و هي تجاهد في ألا تبكي أمامه ، بينما حدق فيها متفحصا فرأي أثار دموعا عالقة بأهدابها ، غير أن تلك الشهقات التي صدرت منها فضحت أمرها ، فدني إلبها حيث جلس بجوارها علي الفراش و لأول مرة ضمها إلي صدره بحنان فيما أراحت رأسها و لأول مرة أيضا علي صدر أخيها ..
ثم أطلقت العنان لدموعها تجري فوق خديها في صمت و هدوء ، بينما تمهل”عز الدين”للحظات قبل أن يسألها و هو يربت علي كتفها العاري الرطب أثر تعرقها:
-مالك يا عبير ؟ فيكي ايه ؟ انتي تعبانة ؟؟
فأجابته باكية:
-لأ انا كويسة يا عز .. بس شفت كابوس وحش اوي.
-كابوس يعمل فيكي كل ده يا عبير ؟ عموما لو كنتي تعبانة او حاسة بأي حاجة قوليلي .. انتي شكلك اتغير و بقي غربب اوي و انا مش عارف ايه السبب !!
أجابته في توتر:
-صدقني انا كويسة .. هو بس عشان الامتحانات قربت بفكر كتير و خايفة شوية.
همهم بهدوء و هو يمسح علي شعرها فيما أغمضت عيناها بألم لهذا ، كم أحبت حنان أخيها الذي قلما يظهره لها ، كم أحبت الإحتماء و البقاء بحضنه الدافيء الصارم ، كم شعرت بالراحة بعدما أفرغت شحنة بكائها و إنفعالها علي صدره الواسع ..
بينما إبتعد عنها قليلا ثم ربت علي وجنتها في رفق قائلا:
-طالما خايفة يبقي هتقدري تتصرفي .. المهم دلوقتي نامي و من بكرة حاولي تظبطي نظام كويس ليومك عشان تمشي عليه و لو عوزتي اي حاجة قوليلي.
قطبت حاجبيها بدهشة ، ماذا حدث له ؟ .. أبدا تحولا غريبا و لكن هذا كان مستبعد علي أي حال ..
أومأت رأسها و هي تحدجه بإبتسامة بسيطة ، بينما نهض و تركها وحدها بعد أن إطمئن عليها لأخر مرة ..
فيما تنفست بعمق ثم تمددت علي فراشها في هدوء و قد بدأت أجنحة النوم تحوم فوق عينيها فإستسلمت تماما حتي غطت في سبات عميق … !

******************************************************************

عندما فرغوا من تناول العشاء بالمطعم ، كلف سائقه الخاص بتوصليها إلي منزلها ، دلفت إلي بيتها ليلا في ساعة متأخرة قليلا ، و من دون أن تزعج شقيقتها دخلت إلي غرفتها في هدوء ..
نزعت ثوبها في عصبية و إرتدت قميص نومها القطتي ثم أشعلت أضواء غرفتها الخافتة كي تستطيع أن تستعيد كل ما جري و تفكر بروية و هدوء ، تقدمت صوب فراشها و تمددت فوقه تعبة ، أغمضت عيناها واضعة كفها فوق جبينها بلطف و غرقت في إسترخاء حالم و جمع بها الخيال مرة أخري ، ففكرت أن حياتها تتطلب تغييرات أكيدة فهي لن تعد تسمح لنفسها بعد اليوم بالضعف و الهشاشة أكثر ، أدركت فجأة أن أول خطوة من خطوات تغيرها تحتم عليها ترك عملها ، مهما كانت درجة حبها لـ”عز الدين”فهو رجل قاس القلب يجرحها بإستمرار و لكي تحافظ علي بقايا حبها له يجب عليها تركه تماما و الإحتفاظ بذكري طيبة له ، و لكن أي ذكري طيبة ؟ للأسف كل ذكرياتها معه مريرة أليمة .. !
“إن في العجلة الندامة”حدثتها نفسها في تلك اللحظة بألا تترك عملها لئلا تغدو يوما نادمة علي قرارها المتخذ بلحظة غضب و إنفعال ..
إذن إنها تحتاج لأجازة علي الأقل ، أجازة تبعدها عن عملها ، و الأشخاص الذين تعرفهم ، أجازة تنقذها من محيطها الذي يذكرها بقصة حبها المحطمة ، أجازة تتح لها فرصة إتخاذ قرار ناضج ..
و لكن أين تذهب ؟ و تزاحمت في ذهنها عشرات الأمكنة ، قررت الذهاب إلي منزل عائلة والدها الذي يقع بإحدي القري الريفية ، ياله من مكان صافي و هادئ ، حتما أن تلك الأجواء سوف تساعدها كثيرا علي إستعادة نشاطها و رباطة جأشها ، و سوف تجد هناك فرص عديدة كي تروض نفسها علي القوة و الصلابة ، و ربما إستطاعت تبين رغباتها و أمانيها الحقيقية في تلك الأرض الخضراء الرائعة …
من دون طرق ، إنفتح باب غرفتها فجأة لتدخل شقيقتها التي أسرعت إليها و قد علت وجهها علامات القلق و الوجوم فبادرتها”داليا”متسائلة:
-ياسمين .. انتي ايه اللي مصحيكي لحد دلوقتي ؟ في حاجة ؟؟
زفرت”ياسمين”في ضيق و هي تجلس إلي جوار “داليا”و قد إزدادت تعابير القلق و الوجوم علي وجهها فعادت تسألها:
-ياسمين ! في ايه ؟؟
-مصيبة يا داليا.
شهقت”داليا”بهلع ثم قالت تحثها علي الحديث:
-مصيبة ايه ؟ اتكلمي ايه اللي حصل ؟؟
-صاحب العمارة اتكلم بعدما نزلتي علطول.
-كان عايز ايه يعني ؟؟
-بيقول اننا لازم نخلي الشقة في ظرف اسبوع.
-نعم ! ده ازاي ده ؟ و ليه ؟ هو مش بياخد الايجار في الميعاد ؟؟
-ما انا قلتله كده.
-و قالك ايه ؟؟
-قالي ان احنا بقالنا سنين بندفع الايجار هو هو و ان في ناس جاهزة تشتري الشقة بملغ كويس.
-ايه الراجل ده ؟ بس لأ مش ممكن اسمحله يخرجنا من بيتنا يعني هنروح فين ؟؟
– طب هنعمل ايه يا داليا ؟ مش معانا فلوس كفاية نشتري الشقة !!
-انا هتكلم معاه.
-ماتحاوليش ده مصمم و رافض اي كلام و قالي يا نشتريها احنا يا نخليها قبل الاسبوع الجاي.
هزت”داليا”رأسها بإعتراض و قد شحب لونها لتلك الفكرة ، لا .. لا يمكن أن تترك منزلها الذي شهد ولادتها و طفولتها و صباها و مطلع شبابها و الذي به أيضا كافة ذكرياتها عن والديها ، و لكن ماذا عساها أن تفعل ؟ من أين تدبر المبلغ المطلوب ؟ من اين …. !!

********************************************************************

في صباح اليوم التالي ، ذهبت لزيارة إبنها ، أرادت أن تبلغه بأمر هام و كانت تخشي أن تجرح شعوره خاصة عند رؤيتها تلك الفرحة التي طغت علي ملامح وجهه حين قال:
-شفتي يا كوكو .. بقيت بقدر امشي عادي و رجلي خفت .. يااااه مش مصدق اخيرا هفك الجبس بكرة و همشي معاكي يا قمر.
منحته أمه إبتسامة ناعمة فيما سألها بإهتمام بعدما لاحظ توترها الخفي:
-ايه يا كوكو .. مالك ؟ في حاجة و لا ايه ؟؟
هزت رأسها نفيا في توتر فقال بإصرار:
-مش مصدق يا مامي .. حاسس انك عايزة تقولي حاجة !!
نظرت إليه في تردد ثم قالت:
-بصراحة اه يا حبيبي .. في حاجة حصلت عايزة اقولك عليها .. لأ لازم اقولك عليها بما انك هتيجي تعيش معايا في البيت.
-طيب اتكلمي يا كوكو .. انا سامعك !
أخذت نفسا عميق ثم صمتت لثوان و قالت:
-انا اتجوزت.
إتسعت عيناه في حدة و ذهول ثم سألها:
-انتي ايه ؟؟
-انا اتجوزت يا عمر.
-انا اتجوزت يا عمر !!
قال بتهكم ثم تابع بغضب:
-انتي قولتيلي انك مش هتعملي كده تاني.
-يا حبيبي انت فمهتني غلط .. انا كان قصدي اني هختار الراجل الكويس لو حبيت اتجوز بعد كده.
هز رأسه غير مصدق في حين تسارعت أنفاسه بقوة ثم صاح بها:
-مش علي اساس لما كلمتيني من 4 سنين عشان اقف جنبك و اخلصك من طليقك اللي فات قولتيلي اني بقيت انا راجلك المسؤول عنك و انك كنتي بتتجوزي بس عشان تحسي ان في حد موجود معاكي و واقف جنبك ؟ و ان خلاص طالما انا بقيت معاكي مش هتتجوزي تاني ؟ مش انتي قولتي كده ؟؟
لفظ أخر كلماته بإنفعال غاضب فإنتفضت قائلة:
-يا عمر افهمني .. انت مش هتفضل معايا العمر كله مسيرك تتجوز و يبقي عندك اولاد و هتنشغل عني و …
– بس !
قاطعها بقوة ثم تابع:
-كفاية كلام فارغ . انتي عايزة تتجوزي قوليها و بلاش تزوقي الكلام.
-ايوه عايزة اتجوز.
قالت موافقة ثم أضافت:
-انا ماكبرتش اوي يا عمر .. انا لسا صغيرة و من حقي اني اتجوز.
بكلامها الإستفزازي أثارت فيه مكامن الغضب و الثورة ، لذلك كانتا عيناه تقدحان شررا و شفتيه ترتجفان غضبا فقال في أسي نادما:
-ده انا وقفت قصاد اخويا عشانك .. انا فضلتك عليه و هو اللي رباني .. لأ و كمان انا هنا في المستشفي دي بسببك بردو !!
عضت علي شفتها بقوة و هي تمد يدها لتربت علي كتفه ، فأبعد يدها عنه بقسوة و حزم ثم صاح بها في عنف:
-امشييييي .. امشي يلا مش عايز اشوفك .. مش عايز اشوفك تاني .. عز الدين كان صح .. ايوه هو كان صح انتي ماكنتيش وفية لأبويا و خنتيه و غلطتي اني سامحتك و صدقتك علي امل انك خلاص اتغيرتي لكن انتي ست …
صمت فجأة و هو يرمقها في مرارة إذ عجز لسانه أن يسب أمه ، فصرخ بوجهها قائلا:
-امشي .. بقولك امشي مش عايز اشوفك تاني.
تجمعت بعيناها الدموع ثم ضغطت علي شفتيها بوهن قائلة:
-ماشي يا عمر .. حاضر انا همشي .. همشي يابني و مش هتشوفني تاني.
ثم ألقت عليه أخر نظرة و غادرت مسرعة ، بينما جلس شاردا قلبه مفعم أسي و ندما … !

*******************************************************************
كانت تجلس شاردة خلف مكتبها ، تارة تفكر بأقاويل العاملين التي زادت عليها خاصة بهذا اليوم و تارة تفكر بكيفية الإحتفاظ بمنزلها .. :
-صباح الخير يا داليا.
قطع حبل أفكارها ذلك الصوت ، فرفعت رأسها و نظرت نحو المصدر لتجد”عماد”واقفا بثبات أمامها فحيته بدورها قائلة:
-صباح النور يا عماد .. ازيك ؟؟
-الحمدلله تمام .. انتي ايه اخبارك انطويتي علي نفسك فحأة يعني !!
إصطنعت”داليا”إبتسامة لم تصل إلي عينيها ثم قالت:
-مش حكاية انطواء و الله يا عماد .. انا بس في موضوع شاغلني اوي و يعني بحاول ادورله علي حل.
ثم صاخت متسائلة:
-صحيح يا عماد .. هما الناس اللي هنا مالهم انهاردة ؟؟
تجهم وجهه فجأة ثم قال:
-مالهم ازاي يعني يا داليا ؟؟
هزت كتفيها قائلة:
-مش عارفة حاسة ان في حاجة مش طبيعة خصوصا نظرات الكل هنا .. و بالذات ليا انا !!
ضغط”عماد”علي شفتيه بأسف فقطبت”داليا”حاجبيها قائلة:
-عماد .. في ايه ؟؟
-مافيش حاجة يا داليا.
أجابها بإبتسامة متوترة فلم تصدقه و عادت تسأله:
-عماد ! .. في ايه بجد ؟ اتكلم من فضلك ؟؟
-مافيش حاجة يا داليا ما انتي عارفة طبيعة الناس بيحبوا يتكلموا في الفاضية و المليانة.
-بردو مش فاهمة حاجة .. في ايه يا عماد ؟؟
لم يجد مفر من الحديث فتنهد قائلا:
-انتي مش كنتي مع مستر عز الدين امبارح بتتعشوا مع بعض برا ؟؟
-اه.
أجابته في دهشة ثم سألته:
-عرفت منين ؟؟
-رانيا عزيز .. فاكراها دي اللي كنت حكيتلك عليها قبل كده شافتكوا مع بعض .. و لو تفتكري بردو اني قلتلك انها اكبر رغاية في الدنيا و ان الخبر مش بيبات في بؤها ليلة و خصوصا ان الخبر ده يخص عز الدين نصار حبيب صحبتها جومانة السابق .. و اللي برغم كل اللي بيعمله فيها لسا بتحبه بجنون و مراهنة عليه حتي بعد ما قطع علاقته بيها.
أومأت”داليا”رأسها عابسة بينما تابع”عماد”:
-عشان كده نشرت الخبر علطول .. لكن و لا يهمك يعني الموضوع هياخدله يومين و هينتهي خالص.
ثم أضاف في تردد:
-بس ايا كانت طبيعة العلاقة اللي بينك و بين مستر عز الدين حاولي تخلي التفاصيل سرية عشان الكلام مايكترش زيادة.
إحتقن وجهها غضبا جراء كلماته فصاحت قائلة:
-علاقة ! علاقة ايه يا عماد ؟ انت كمان هتقولي علاقة !
ثم تابعت بحدة:
-انا مافيش اي حاجة بيني و بينه و مش عشان هو ساعدني يوم ما امي اتوفت من باب الانسانية يبقي بيحبني و انت عارف ان ده مستحيل اساسا و بردو مش عشان خرجت معاه في مشوار شغل يبقي بموت فيه مثلا انا مش النوع ده.
ثم صمتت لثوان و تابعت في ضيق:
-حتي انت كمان يا عماد !!
بينما أسرع يقول في لطف:
-داليا .. انا ماقصدش حاجة و الله انا بس كنت بحاول انبهك بأي طريقة عشان تقدري تبعدي عنك كلام الناس مش اكتر .. انتي عارفاني و عارفة اني ماقصدش اضايقك ابدا مش كده ؟؟
تنهدت بثقل و لم تجب فرمقها بأسف قائلا:
-عموما بردو انا اسف يا ستي لو كنت ضايقتك بدون قصد .. عن اذنك.
ثم انسحب في هدوء و تركها مع حنقها و عصبيتها يستبدا بها ، و لكنها ما لبثت أن طردت تلك السخافات من رأسها و راحت تفكر بطريقة ما للحصول علي مزيد من المال لجمع القيمة المطلوبة لتغطية تكاليف شراء منزلها ، أدركت أن لا أمل لها بتغطية المبلغ المطلوب في غضون أسبوع واحد فقط !
ثم فجأة قفزت برأسها فكرة و لكنها ترددت قليلا ، لكن ليس هناك ثمة حل أخر ، هبت واقفة و أخذت نفسا عميقا ثم ذهبت إلي مكتبه مسرعة قبل أن تغير رأيها ..
طرقت الباب ثلاث مرات ثم أدارت المقبض و دخلت ، كان المكتب فارغا فأعتلي الحزن و الضيق وجهها ، و لكن فجأة ظهر “عز الدين”حيث رأته يخرج من الحمام الملحق بالمكتب لامع البشرة ، شعره مبللا يقطر منه الماء و كذلك صدره الصلب الذي ظعر خلف قميصه الأسود المفتوح غضت”داليا”بصرها في سرعة بينما تجمد”عز الدين”بمكانه للحظة دون كلام ، ثم أخيرا تقدم صوب مكتبه قائلا و نظره معلق عليها:
-اهلا يا داليا.
كان يحدجها بإبتسامة بسيطة فيما إلتقط ساعة يده من فوق مكتبه و شرع بلبسها:
-حضرتك .. انا خبطت قبل ما ادخل يافندم.
قالت ذلك كي تكسر طبقة التوتر التي خيمت عليها بينما همهم بهدوء و هو يزرر قميصه بسرعة ثم نظر إليها و قال بعد تنهيدة قصيرة:
-مش مشكلة المهم انك دخلتي .. هاه .. كنتي عايزة ايه بقي ؟؟
ترددت كثيرا قبل أن تتفوه بأي حرف ، فرفع حاجبيه مستفسرا بينما تنهدت و بدأت تتكلم ببطء شديد و هي تتعثر بالكلام ، لقد رتبت الكلمات و أعادتها في فكرها عدة مرات:
-كنت .. كنت .. كنت عايزة اقول لحضرتك …
ثم صمتت فجأة ، إذ وجدت صعوبة في طلب أي إعالة مادية منه ، بينما هز رأسه يحثها علي الإسترسال في حديثها فسحبت نفسا عميقا و كادت تتكلم لولا أنه قاطعها قائلا:
-استني خليني اخمن عايزة تقوليلي ايه .. عايزة تقولي حاجة بخصوص الليلة اللي فاتت مش كده ؟؟
هزت رأسها و كادت تتكلم فقاطعها مجددا:
-بصراحة كنت فاكرك مش هتيجي بس جيتي.
كانت لهجته لاذعة ساخرة كما إعتادت منه فيما تقدم صوبها ببطء حتي وقف أمامها مباشرة ، فتمكنت من إستنشاق رائحة عطره المركزة الرائعة و التي أشعرتها بدوار خفيف ، بينما تحولت عيناه الذهبيتان فوق صفحة وجهها قبل أن تتوقفا عند فمها المكتنز الناعم ، لم تخطيء”داليا”فهم اللهيب الذي حل محل السخرية في نظراته ، المشكلة هي أن إضطرابا غير مرغوب به بدأ يسري في كيانها إذ أخذت نبضات قلبها تتسارع جراء نظراته و قربه منها ، و لكنها غالبت مشاعرها بقوة حيث رفعت ذقنها قائلة:
-انا عايزة اتكلم مع حضرتك في موضوع مهم جدا بالنسبة لي.
توتر فمه فجأة و كأنه قد عاد للواقع فعادت السخرية تكتسح الرغبة في أعماق عينيه ثم قال:
-طبعا طبعا .. هنتكلم يا داليا .. زي ما قلتلك انا ماكنتش متوقع انك تيجي انهاردة بس علي الاقل كنت متاكد انك هترجعي .. عموما يا ستي امرك هنتكلم في اللي انتي عابزاه بس مش هنا.
رفعت حاجبها متسائلة:
-اومال فين يافندم ؟؟
نظر في ساعة يده ثم أجابها:
-ساعتين بظبط و هاخدك و نروح مكان هادي خالص مافيهوش حد غيرنا .. هناك بقي تقدري تقولي كل اللي نفسك فيه.
رمقته في صدمة ثم صاحت قائلة:
-مكان ايه ده حضرتك ؟ لأ طبعا مش هروح معاك لأي مكان !!
تنهد بنفاذ صبر و هو يرمقها بتلك النظرة الهازئة الساخرة ثم قال:
-اومال انتي رجعتي ليه بعد اللي حصل امبارح ؟ عايزة ايه ؟؟
إتسعت عيناها بصدمة أكثر فأومأت رأسها قائلة:
-صح .. صح انت عندك حق انا فلطانة فعلا اني رجعت.
و همت بالرحيل فقبض علي معصمها قائلا:
-استني .. كنتي عايزة تقوليلي حاجة ؟؟
حاولت سحب يدها بقوة لكن قبضته كانت محكمة فوق ذراعها فقالت:
-في الحقيقة اه .. كنت هنسي اقولك اني مستقيلة.
– مستقيلة !
هتف بحدة ثم تابع:
-ايه مستقيلة دي ؟ هو لعب عيال ؟؟
جاهدت كي تمنع دموعها من التساقط فصرخت قائلة:
-انا حرة حضرتك .. و بعدين مش ده اللي انت عايزه ؟ انا همشي خلاص و مش راجعة تاني.
فأدارها إليه لتصبح في مواجهته ثم أخذ يحدق بوجهها الغاضب المتورد لبرهة و كأنه يفكر في شيئا ما ثم سألها في هدوء:
-تتجوزيني …. !!

الحلقة (11):

إنعقد لسانها خوفا و دهشة فترنحت قائلة:
-هيغم عليا تاني يافندم.
أمسك رأسها بقوة و أحناها إلي الأمام قائلا:
-مش هيغم عليكي اتنفسي .. اتنفسي و اعصابك هتدا بسرعة.
و من الغريب أن لمسة يده إستطاعت أن تعيد إليها هدوءها و بعد لحظات قال:
-اللي قولته مش عرض عاطفي يا داليا خليكي فاهمة ده كويس .. ده بس مجرد اتفاق قصير المدي زي ما بيقولوا و اوعدك انه مش هيكون اتفاق وحش ابدا.
كانت لا تزال غير مستوعبة ما سمعته بأذنيها لذلك لم تنتبه لعبارته السابقة فقالت لاهثة:
-ارجوك .. استني عليا شوية يافندم.
-انا في الانتظار.
قال بهدوء بينما إنتظرت”داليا”حتي زال وقع المفاجأة عنها ثم نظرت إليه و قالت بأنفاس متقطعة:
-حضرتك قلت ايه بقي ؟؟
-قلت تتجوزيني ؟؟
إبتلعت ريقها بصعوبة ثم راحت تردد كلمة”لأ”بلا وعي فقاطعها بحزم:
-مافيش داعي للصدمة و اللخبطة دي كلها يا داليا ..اهدي عشان نقدر نوصل لاتفاق.
-اتفاق !!
هتفت في دهشة فأومأ رأسه قائلا:
-اه اتفاق .. قلتلك انا مش بعرض عليكي الحب.
جف حلقها و شحب وجهها فسألته:
-مش فاهمة ! حضرتك تقصد ايه ؟؟
لاحظت”داليا”لمعانا خاطفا في عينيه عندما أجاب قائلا:
-اقصد انك عجباني يا داليا .. و باين كده من تصرفاتك انك بترسمي علي تقيل شوية لكن كله الا الجواز انا هتجوزك اه بس بعقد مش رسمي و طبعا محدش هيعرف .. صحيح انا ماوعدكيش بالجواز الرسمي بس انتي بنت حلوة .. و ممكن تقدري تخليني اغير رأيي.
قال ذلك و هو يتفرس فيها بجرأة ، بينما فاجأها بكلامه بحيث لم تجد وسيلة للتعبير عن غضبها العارم سوي أن ترفع كفها بإتجاه خده الصارم و تصفعه ، و لكن الصفعة لم تحدث ، إذ أنه أمسك يدها و هي في الهواء و أعادها إلي مكانها بحزم قائلا:
-اهدي.
ثم أضاف بحدة بعدما جذبها إليه بقسوة و أطبق ذراعيه عليها:
-خلاص كفاية تمثيل بقي .. كنتي عايزة توصليلي مشاعرك عن طريق الموظفين و اديني عرفت كل حاجة و فعلا لفتي نظري عجبتيني و حطيتك في دماغي ده غير اني بعرض عليكي الجواز هو صحيح مش جواز رسمي بس معملتهاش مع واحدة قبلك خالص عايزة ايه تاني بقي بعد ما نجحت خطتك ؟ ايه غيرتي رايك فجأة ؟ خايفة و لا انتي اصلا متعودة علي الشباب الطايشين و انا راجل ناضج كلمتي واحدة و مبهزرش مش عاجبك !!
نظرت إليه في صدمة فأنفجرت بوجهه و قد نفذ صبرها:
-انا ماليش دعوة بأي كلمة اتقالت عننا هنا في الشركة الناس هما اللي ألفوا القصص من يوم وفاة امي فسروا مساعدتك ليا تفسير غلط .. و بعدين لازم تعرف حاجة مهمة اوي انا مش في نيتي خالص اني اربط اسمي باسمك ببساطة لاننا مستحيل نندمج سوا علي اي حال.
ثم أضافت بإستياء:
-انا كنت بحاول كتير احترمك و ابصلك من زاوية تانية مختلفة علي امل اني الاقي فيك فضيلة او جانب واحد انساني لكن للاسف .. انت فعلا عز الدين نصار اللي بيقولوا عليه .. الراجل القاسي اللي معندوش قلب اللي مابيهتمش لامر حد مش عز الدين نصار اللي رسمته في خيالي و اللي كنت بحترمه فعلا لكن لحد امبارح بس.
كانت عواطفها تتصارع بداخلها ، بينما تقلصت عضلات وجهه بغضب و هو يقول:
-داليا ! كفاية قلتلك شيلي قناع الانفعال و العصبية ده و اتعاملي معايا بنفسك الحقيقية .. قوليلي انتي عايزاه ايه بالظبط هسمعك و هنتفق كل ما قصرتي اسرع كل ما هنقرب لشروط اتفاقنا اسرع.
رمقته في خيبة ثم قالت بإشمئزاز:
-انا مش مصدقة .. انت فعلا مش محترم يافندم.
-و انتي غبية.
هتف بحدة ثم تابع في غضب:
-دي مش نكتة و لا لعبة يا انسة .. اللي بنعمله دلوقتي ده مش هزار و ماتتعشميش في صبري كتير مهما كان طويل مسيره يخلص فأحسنلك تقصري زي ما قلتلك.
هزت رأسها في مرارة غير مصدقة ثم إستدارت مسرعة و إتجهت إلي الخارج مهرولة و دموعها تنهمر بغزارة علي وجنتيها … !

******************************************************************
دقت جرس الباب ليفتح لها بعد لحظات ، وقفت أمامه وجها لوجه ثم نزعت نظارتها الشمسية الكبيرة عن عينيها و رمقته بنظرة ذابلة ، بينما تفاجأ لدي رؤيتها بل إنصدم للحظات ، فتلك ليست”عبير”إطلاقا إنما هي نسخة باهتة عنها ، لقد فقدت رونقها و مرحها و حتي إبتسامتها و لم يبقي منها إلا حطام ،حيث بدت ضعيفة ، واهنة ، قلقة و خائفة ..
لم يكترث كثيرا لوضعها و لما ظهرت عليه ، بل قبض علي رسغها و جذبها إلي الداخل بسرعة مغلقا الباب من خلفها ثم إلتفت إليها و سألها:
-ها يا عبير .. طمنيني .. عملتي ايه ؟؟
مشت إلي أقرب مقعد و ألقت بثقلها عليها في تعب قائلة:
-مش تقولي ازيك الاول و تطمن علي صحتي ؟ و لا انا خلاص مابقتش فارقة معاك !!
-ازيك يا عبير ؟؟
قال بضجر ثم عاد يسألها:
-ها طمنيني بقي .. نقول مبروك ؟؟
رمقته في حدة قائلة:
-نقول مبروك علي ايه ؟؟
أجابها بإبتسامة متوترة:
-نقول مبروك علي الاجهاض يا حبيبتي ! شكلك تعبانة .. اكيد نزلتي الحمل صح ؟؟
حدقت فيه بغضب ثم قالت في جمود:
-لأ.
تجهم وجهه فجأة ثم سألها متهكما:
-نعم ؟ لأ ! .. و لما هو لأ طلبتي تقابليني ليه ؟ عايزة مني ايه ؟ انا مش قلتلك مش هنشوف بعض تاني الا لما تخلصي من القرف اللي في بطنك ده ؟؟
رمقته في إشمئزاز قائلة:
-صح .. انت عندك حق .. هو فعلا قرف عشان جاي منك.
إحتقن وجهه بغضب فقال:
-لمي لسانك يا عبير احسنلك.
هزت رأسها في دهشة ثم أخذت تتساءل:
-انا مش مصدقة اني كنت بحبك ابدا ! انت ازاي قدرت تبقي كده ؟ و ازاي انا ماقدرتش افهمك ؟ ازاي ماقدرتش اتوقع انك ممكن تغدر بيا ؟ ازاي ماعرفتكش علي حقيقتك ؟؟
عند ذلك قبض غلي ذراعها و جذبها إليه حتي أوقفها أمامه ثم صاح بها في وقاحة:
-اديكي عرفتيني ياختي .. و بعدين ماتنسيش انك انتي اللي جريتي ورايا مش كل مرة هفضل افكرك.
-اد ايه انت طلعت ندل و حقير .. بتقولي انا كده ؟ للأسف الغلطة مش غلطتك بس و رحمة ابويا ما هسيبك يا حسام هشردك.
رفع رأسه عاليا و قهقه بقوة ثم عاد ينظر إليها قائلا:
-بأمارة ايه يا بيرو ؟ مين فينا اللي متورط ؟ انا و لا انتي ؟؟
قالت بتحد:
-هقول لأخويا .. هحكيله علي كل حاجة.
إبتسم بسخرية قائلا:
-جربي تعملي كده و هتكتشفي غلطتك فورا ده لو لحقتي تكتشفي اساسا.
لمعت عيناها كالنار و كادت تمطره بكلماتها الغاضبة لكنه قاطعها في سرعة قائلا:
-بقولك ايه .. كفاية كلام لا هيقدم و لا هيأخر و خلينا في المهم .. قدامك فرصة تانية عشان تروحي زي الشاطرة كده لدكتور كويس يعملك العملية و تخلصي بقي و تخلصيني معاكي من الصداع ده و انا عارفك يعني .. مش غاوية تعب و لا بتاعة مشاكل يا بيرو.
-لأ .. مش هنزل البيبي يا حسام.
قالت بعناد فشدد قبضته حول ذراعها حتي إنفلتت صيحة آلم من بين شفاهها ثم صاح بعصبية:
-ماتجننيش يا عبير .. قولتلك انتي هتتزلي الحمل ده لازم تنزليه بالذوق أو بالعافية انا مايتلويش دراعي فاهمة ؟ و زي ما قلتلك قبل كده ماتفتكريش انك تقدري تضغطي عليا بموضوع الحمل عشان اتجوزك.
-تتجوزني ! هو انت فاكر اني لسا عايزاك تتجوزني ؟ لا يا بابا انسي خلاص انت ظهرت علي حقيقتك و بعدين الطفل اللي في بطني ده لو ربنا قدرله انه يتولد هيكون اكبر ظلم ليه انك ابوه .. انه يتنسب ليك دي كارثة في حد ذاتها.
-يسلام ياختي ! دلوقتي مابقتش عاجبك ؟ ماشي مش مشكلة خالص انا مش زعلان منك بالعكس .. انا موافقك في الرأي جدا فعلا انا انسان ندل و حقير و جبان عشان كده اخلصي مني بكرامتك بقي و اسمعي الكلام و روحي نزلي العيل اللي في بطنك ده احسنلك.
قطبت حاجبيها بوهن قائلة:
-انت ايه ! معندكش دم ؟ مابتحسش ؟ ده انا ممكن اموت فيها !!
-تؤتؤتؤ .. لأ .. لأ يا عببر ماتقوليش كده .. ان شاء الله مافيش حاجة وحشة هتحصلك الموضوع كله علي بعضه هيخلص في كام ساعة .. ماتخافيش يا حبيبتي.
-اخرس !
هتفت بحدة مشمئزة ثم أضافت:
-ماتقوليش يا حبيبتي .. حبيتك جهنم.
-ماشي يا بيرو .. مقبولة منك.
قال ذلك ثم أمسك بذقنها فدفعت يده عنها بقوة بينما رمقها بسخرية … !

******************************************************************

مستلقية علي فراشها ، الصمت مخيم علي الغرفة من حولها ، كانت منهكة جسدها يؤلمها بشكل كبير ، و لكن الألم الداخلي الذي شعرت به كان أقوي و أشد و أكثر صعوبة علي التحمل ..
تنهدت بثقل و تمنت للمرة العاشرة مجددا لو أنها لم تتقدم إلي تلك الوظيفة حيث من خلالها قابلت مارد جبار أوقعها بحبه دون إرادتها ، هزت رأسها في ندم و غضب بالغين لأنها و برغم كل ما فعله بها بدأت تشتاقه ، و تمنت فجأة لو كانت قربه الأن !
ذلك الرجل الذي دغدغ مشاعرها بإسلوب لم يسبق له مثيل ، و الذي إثار غيظها أحيانا عندما كان يعاملها و كأنها فتاة صغيرة ثم يعاملها كأمرأة ناضجة يريدها إلي حد كبير !
و لكنها تفضل الإحتراق بنيران البعد عنه عوضا عن السكون بالجنة بين ذراعيه في وضع يجرح كرامتها و يقلل من شأنها و إحترامها لنفسها ..
إبتسمت فجأة بشيء من السعادة لتفكيرها في أن رجلا قويا مثل”عز الدين نصار”يريدها إلي هذه الدرجة ، فلو كانت فتاة غيرها رفضته بهذه القوة لكان رمقها بسخريته الهازئة و إدار لها ظهره و رحل ، لكنه بدا مصمم و راغب بها بشدة .. إختفت إبتسامتها بصورة تدريجية عندما تذكرت كلامه الجارح و طلبه المهين ثم شعرت بقهر و خيبة قاتلة ، خيبة لا تفهم الفتاة معاناها الحقيقي إلا عندما تلتقي رجلا يعني لها كل شيء في حياتها و يخذلها ، رجلا مثل”عز الدين”الذي و برغم قسوته تجد في لمساته و كلماته سحرا و جاذبية لم تجدهما أبدا في أي رجل أخر …
تألمت ، و بكت ، و نامت .. لتستيقظ بعد قليل علي صوت شقيقتها الهادئ:
-داليا .. داليا .. قومي يا حبيبتي الغدا جاهز.
فتحت عينيها ببطء و تنهدت بعمق ثم رفعت يدها و راحت تفرك عنقها عندما شعرت بوخز خفيف يسري بوريدها ، ثم نظرت إلي شقيقتها قائلة:
-في ايه يا ياسمين ؟ عايزة ايه ؟؟
-يلا يا دودو قومي عشان نتغدا سوا.
قالت”ياسمين”بلطف بينما تجاهلت”داليا”كلامها و سألتها واجمة:
-الراجل الزفت ده صاحب العمارة ماتكلمش تاني ؟؟
زمت”ياسمين”شفتيها قائلة:
-لأ ياستي ماتكلمش .. المهم سيبك منه دلوقتي و قومي يلا عشان نتغدا.
-مش عايزة .. ماليش نفس يا ياسمين كلي انتي بالهنا و الشفا.
-كده ماينفعش يا داليا .. بتعاقبي نفسك ليه دلوقتي ؟ احنا هنعمل اللي علينا و اللي عايزه ربنا هيكون.
-ازاي يعني بتقوليلي كده ؟؟
هتفت”دالبا”بعصبية ثم تابعت:
-هيعجبك يعني وضعنا لما نتطرد برا بيتنا ؟ هتتبسطي لما نترمي في شارع ؟ ماسألتيش نفسك هنروح فين ؟ هنعيش ازاي ؟ و كليتك يا دكتورة ! مافكرتيش في كل ده ياسمين ؟؟
أجابت”ياسمين”منفعلة:
-فكرت .. فكرت يا داليا .. بس هنعمل ايه يعني ؟ ايه في ايدينا ممكن نعمله ؟ مش معانا فلوس كفاية عشان نشتري البيت .. قولي في حالة خروجنا من البيت ممكن بمرتبك نسكن في اي فندق رخيص او نأجر شقة بسعر رخيص بردو و بمرتبي اللي بقبضه من المستشفي هنقدر نعيش عشان كده انا بهون عليكي و بعرفك اننا مش هنتبهدل ان شاء الله.
نظرت”داليا”إلي شقيقتها متخاذلة ثم قالت في تهكم مرير:
-مرتبي ! .. صحيح ما انا نسيت اقولك اني سيبت الشغل.
-سيبتي الشغل !!
هتفت”ياسمين”في صدمة ثم سألتها:
-ليه ؟ ليه يا داليا ؟؟
حجبت”داليا”وجهها بكلتا يديها ثم صمتت مترددة و عندما رتبت الكلمات في ذهنها جيدا عادت تنظر إلي شقيقتها و قصت عليها كل ما حدث ، أطلعتها علي كافة التفاصيل ، و عند بعض الأجزاء كاد صوتها يختنق ألما و قهرا … :
-ابن الـ …
هتفت”ياسمين”بلا وعي فبسرعة قاطعتها”داليا”في حدة قائلة:
-ياسمين ! اوعي .. اوعي تنطقي كلمة وحشة عليه.
-مستحيل ! انتي بتدافعي عنه ؟ لسا بردو بعد اللي حصل منه ؟ انتي ايه يا داليا ؟؟
أجابت”داليا”في هدوء:
-انا استقلت خلاص يا ياسمين .. بعدت عن طريقه نهائي مش هشوفه تاني خلاص .. فمش عايزة افتكره بحاجة وحشة.
تحدثت”ياسمين”بعنف من بين أسنانها:
-اه لو كنت معاكي .. اه لو اشوف الحيوان ده .. هو فاكرك ايه ؟ و ربنا لو الموقف ده كان حصل في وجودي كنت فرجت عليه الدنيا.
-خلاص بقي يا ياسمين قلتلك الموضوع انتهي.
-انا اللي غايظني بس انك سكتيله ده كان محتاج قلمين كده يفوقوه عشان بعدين يبقي يعرف يميز الصالح من الطالح.
– قلتلك خلاص بقي.
هتفت”داليا”بنفاذ صبر ثم تركت شقيقتها و إتجهت إلي الشرفة في عصبية … !

********************************************************************

عادت إلي منزلها و الألم يعتصر قلبها ، ستواجه الكثير من المصاعب بعد الأن ، و لكنها مضطرة لتحملها عليها تحمل مسؤولية أخطاءها و تصرفاتها الطائشة التي أدت بها إلي طريق الظلمات الوعر ..
تأملت القصر قبل دخولها إليه ، فلم تجده جميلا كما إعتادت عيناها علي رؤيته ، بل أن كل شيء و كل مكان بات في نظرها كسجن كبير ، و منزلها أيضا أصبح السجن الأكبر يجب أن تمضي فيه فترة عصيبة و أليمة حتي ينتهي الكابوس .. أو قد لا ينتهي أبدا !
ترقرقت الدموع في عينيها لكنها سارعت لإستعادة رباطة جأشها سريعا ، ثم ذهبت علي الفور إلي إحدي زوايا حديقة القصر حيث آشعة الشمس تضفي جمالا غير عادي للمكان من حولها ، أرادت الإنفراد بنفسها و الإبتعاد عن الأخرين ، و لكن أمنيتها لم تتحقق ، إذ كان”عز الدين”و”خالد”يجلسان إلي طاولة خشبية صغيرة يحتسيان القهوة و يأكلان الحلوي ، لم يكن لديها مجال للتراجع لأن”خالد”ما أن شاهدها إبتسم تلقائيا ثم وقف إليها محبة و إحتراما طالبا منها الإنضمام إليهما ..
إبتسمت”عبير”في إرتباك ثم تقدمت صوبهما بخطي مضطربة حتي وصلت إليهما ، فقال”خالد”بسرور فيما كان يساعدها علي الجلوس بمقعد بجواره:
-بيرو .. وحشتيني يا حبيبتي .. بقالي كام يوم ماشفتكيش.
إبتسمت له و كأنها مشتاقة فعلا لرؤيته ثم قالت:
-اصلي مشغولة يا خالد .. امتحاناتي قربت فبذاكر بقي.
ثم نظرت بسرعة إلي أخيها الذي كان يتابعهما في صمت دون أن تتتغير ملامحه القوية أو تتبدل ، كان بجلس بهيبة و عنفوان و بدا قويا عندما سألها فجأة:
-كنتي فين يا عبير ؟؟
إبتلعت ريقها بتوتر ثم أجابت بنبرة جاهدة في أن تبدو عادية:
-كنت في الجامعة يا عز بسأل علي مواعيد المراجعات و كنت بشوف يعني لو كان في اي جديد.
أومأ رأسه في هدوء بينما سألها”خالد”بنبرة قلقة:
-بس انتي مالك يا عبير ؟ شكلك بقي عامل كده ليه ؟ انتي تعبانة و لا حاجة ؟؟
إرتعش بدنها لدي سماعها ملاحظته التي لسعتها كالسوط فأغمضت عيناها لبرهة كي تستعيد قوتها ثم نظرت إليه باسمة و قالت:
-لأ يا خالد مش تعبانة و لا حاجة .. انا بس مرهقة شوية بسبب التفكير في الامتحانات و المذاكرة انت عارف انها اخر سنة ليا و لازم اجتهد فيها علي اد ما اقدر.
مرر”خالد”أصابعه علي ذراعها بحنان قائلا:
-لأ يا حبيبتي لازم تاخدي بالك علي صحتك ماتجهديش نفسك في اي حاجة بالطريقة اللي توصلك للحالة دي.
-كيس جوافة قاعد في وسطكوا انا ؟؟
قال”عز الدين”ذلك بلهجة صارمة بينما قهقه”خالد”في مرح قائلا:
-ايه يا عم خطيبتي و بحبها .. و بعدين احنا عملنا ايه يعني ؟ ما انت شايف اهو تصرفات عادية جدا في منتهي البراءة.
-خالد !
هتف”عز الدين”في حدة فقال”خالد”ضاحكا:
-خلاص خلاص .. هسمع كلامك دلوقتي بس عشان لسا حبيبتي في بيتك لكن لما تيجي في بيتي بقي مش هتقدر تنطق بحرف لا معايا و لا معها.
ثم حول نظره إلي”عبير”و سألها بنعومة:
-مش كده يا حبيبتي ؟؟
بينما شهقت”عبير”بصوت خافت و هي تحدق بذلك الشخص الذي كان يقف خلف أخيها مباشرة ، فيما صوب”خالد”نظره تلقائيا إلي حيث تنظر”عبير”فإتسعت عيناه في دهشة و خوف ثم أخذ ينقل نظراته بين الشخص الواقف أمامه و بين”عز الدين”الذي تطلع إلي”خالد”و”عبير”في تساؤل يطالبهما بالتحدث ، فلما طال الصمت قطعه بصوته العميق قائلا:
-ايه .. مالكوا في ايه ؟؟
لم يلقي إجابة من أيا منهما ، فقط لاحظ نظراتهما المصوبة علي شيئا ما خلفه ، فبسرعة إنتصب واقفا بقامته الطويلة القوية ثم إستدار ليتفاجأ برؤية أخيه ، نظر إليه بعينين فولاذيتين غاضبتين ثم صاح به و الشرر يتطاير من عينيه المتسعتين حنقا و عداء:
– و كمان ليك عين توريني وشك ! ايه اللي جابك ؟ رجعت ليه أ …
قاطعه”عمر”بقوة بحركة من يده ثم تنفس بعمق و قال:
-اسمع يا عز .. انا جاي اقولك اني غلطان و اسف و منغير ما ندخل في تفاصيل هقولك باختصار .. الست اللي اسمها كاميليا فهمي دي من انهاردة مش امي و كرهي ليها بقي اد كرهك بالظبط و يمكن اكتر .. انا قطعت صلتي بيها نهائي و رجعتلك رجعت لبيتي .. لبيت ابويا و خليك متأكد اني حتي لو شفتها بعد كده و لو صدفة هكمل في طريقي عادي و لا كأني اعرفها.
إستقبل”عز الدين”كلام أخيه في هدوء ثم سأله ساخرا:
-و ايه يا تري اللي غير رايك كده ؟ ايه اللي حصل ؟؟
– قلتلك مش عايز ادخل في تفاصيل .. تسمحلي ادخل البيت ؟؟
صمت”عز الدين”و ظل ينظر إليه فقط فقال”عمر”:
-عن اذنك.
ثم مضي في سبيله إلي داخل المنزل تتابعه نظرات أخيه إلي أن غاب عن نظره تماما ..
بينما لحقت”عبير”بشقيقها قائلة:
-طيب عن اذنكوا.
تنهد”عز الدين”بعمق و هو يتساءل في نفسه عن سر تغير شقيقه:
-عارف انت بتفكر في ايه .. بتسأل نفسك ايه اللي حصل مش كده ؟؟
أفاق من شروده علي صوت”خالد”فإلتفت إليه في هدوء ثم قال و هو يجلس قبالته مجددا:
-بصراحة اه .. بس في نفس الوقت قرفان من التفكير في الموضوع عشان كده هنسي خالص و كويس انه رجع ايا كان السبب انا اكيد مبسوط من قراره و من كلامه اللي سمعته منه.
-و انت متاكد من كلامه يا عز ؟ ده انت اكبر شكاك في الدنيا ! صدقته بسهولة ؟؟
– اه.
أجاب بقوة ثم تابع في ثقة:
-مصدقه .. النظرة إللي شفتها في عينيه مألوفة ليا جدا .. شفت جواه غضب و ندم شفت كسرة في عينه عمري ما شفتها فيه قبل كده .. بالنسبة لي يا خالد عمر خلاص كبر .. بقي راجل من انهاردة.
-بس كده مش كويس يا عز .. ماتزرعش فيه العقد اللي فيك مع احترامي يعني .. بالطريقة دي حياتكوا انتوا الاتنين هتقف و الامبراطورية اللي حواليك دي كلها اللي بناها ابوك في سنين و اللي ورثتها انت من بعده و كنت حريص عليها هتتهد بدل ما تلاقي اللي يكبرها اكتر و اكتر.
-محدش عارف بكرة فيه ايه يا خالد.
أجاب”عز الدين”ببساطة فأبتسم”خالد”بخفة ثم صاح فجأة:
-صحيح يا عز كنت عايزك في موضوع.
-خير موضوع ايه ؟؟
سأله”عز الدين”بإصغاء بالغ فأجابه:
-انا شايف ان عبير بقالها فترة احوالها مش مظبوطة.
-مش فاهم قصدك ايه ؟؟
-قصدي انها ممكن تكون مكتئبة مثلا .. انت مش شايف منظرها بقي عامل ازاي ! مش هي دي عبير حتي طريقة لبسها اتغيرت حاسس انها عايشة حالة مش مظبوطة حاسس انها مخنوقة.
همهم”عز الدين”موافقا ثم قال:
-انا بردو حاسس بكده .. و حاولت اتكلم معاها يمكن تحكيلي اي حاجة او تطلع اللي جواها بس كل ما كنت بسألها كانت بتقولي ظروف الامتحانات و المذاكرة.
-طيب انا مش حابب اشوفها في الحالة دي يا عز.
-يعني ايه ؟ عايز تقول ايه يعني ؟؟
-عايز اقول ايه رايك لو نقدم ميعاد الفرح ؟ هي هتخلص امتحانات اخر الشهر ايه رايك لو نعمل الفرح اول الشهر الجاي ؟؟
-اول الشهر ! هتاخدها من الدار للنار كده علطول دي لسا هتكون يدوب خارحة من الامتحانات و من ضغط كبير.
– طيب في نص الشهر يا عز !
صمت”عز الدين” لبرهة و كأنه يفكر بالأمر ثم رمقه بنظرة ثاقبة و قال:
-ماشي .. موافق .. بس ماتجبلهاش سيرة دلوقتي استني قرب ما تخلص امتحاناتها.
إكتسي وجه” خالد” بفرحة عارمة ثم أومأ رأسه قائلا:
-حاضر يا سيدي .. مش هقولها دلوقتي.

********************************************************************
مرت الأيام القليلة التالية بصورة شبه عادية ، حتي جاء يوم إخلاء منزل”داليا” ..
بعدما حزمت جميع الأمتعة و الأغراض وقفت إلي جانب شقيقتها تتأمل معها كل ركن بالمنزل ، متذكرة كل لحظة مضت بحياتها و كأن شريط ذكرياتها يمر في ومضات سريعة أمام عينيها ..
ربتت”ياسمين”علي كتف شقيقتها بحنان فيما إبتسمت”داليا”بمرارة مع سقوط دمعة حارة من عينها علي وجنتها ، بينما دوي صوت جرس المنزل عاليا فكفكفت”داليا”دموعها بسرعة ثم ذهبت و فتحت باب المنزل
إتسعت عيناها في ذهول بالغ عندما …

بقلم مريم غريب.

رواية حتى أقتل بسمة تمردك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *