قطة في وادي الذئاب 2

الفصل الثامن:

حابة اقول نقطة قبل ما نبتدى الفصل يا احلى فانز ، السيناريو القديم بتاع البطل اللى يتجوز واحدة غصب عنه و يكون شيطان بعد كدة يتعدل خلاص أصبح من ايام العصر الحجرى و اتكرر فى كتير من الروايات ، و ان كنت ذكرته قبل كدة ، ف ده كان بشروط معينة ، أصل يستحيل اخلى البطل بتاعى زانى! ، ما بحبش كدة أبدا أبدا ، أكيد الزانى ممكن ربنا يهديه ف يوم ، و لكن فى بنات صغيرين بيقروا و بياخدوا كلام الروايات قاعدة ، ما ينفعش ندخل فى عقولهم القرف ده يعنى!

((لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا))

اتجهت بخطوات متسارعة أقرب إلى الهرولة نحو إحدى غرف العمليات بعدما اعطتها موظفة الاستقبال رقمها ، تزدرد ريقها مع كل خطوة و قد وصل خوفها إلى منتهاه بعد مكالمة وردتها أثارت الذعر باوصالها ، ما ان وصلت إلى بداية الطرقة الطويلة وجدتهما يقفان أمام الغرفة ناكسي رؤوسهم ، فهتفت و هى تسابق الخطى قائلة بقلق:
_ اى اللى حصل يا رزان؟
التفتت برأسها نحو مصدر الصوت لتكفكف دموعها بعشوائية و هى ترمق تلك الفتاة المقبلة عليها بسرعة حتى باتت أمامها مباشرة ، فارتمت فى أحضانها و قد عادت عبراتها الى الانهمار من جديد قائلة بجزع:
_ لما أكمل كان بيسوق فى الطريق طلعت لنا بنت ماعرفش منين خبطنا فيها ، و دلوقتى هى جوة العمليات ، انا خايفة اوى يا مها
شهقت مها بخفة كاتمة صوت هلعها قدر المستطاع حتى لا تفقد رزان عقلها بعد كل هذا القلق ، نطقت مها بهدوء تحاول طمأنتها:
_ ماتخافيش يا حبيبتى أن شاء الله سليمة
ابتعدت عنها رزان ثم استدارت بوجهها نحو هذا الواقف بجانب الباب واضعا أحد يديه داخل جيبه يحدق فى الأرض بعبوس ، فلوحت بأصابع الاتهام نحوه قائلة بلهجة ثائرة:
_ كله من سواقة البيه السريعة دى!
التفت نحوها و قد اكتسى وجهه بغلالة من الحدة حيث يرمقها بضيق قائلا:
_ ده طريق سريع يا ماما ، لو مامشيتش بسرعة ممكن عربية ورايا تخبطنى ، هى بس اللى ظهرت ادامى مرة واحدة زى المقلب!
قبل ان تنشب منازعة بين الطرفين سارعت مها باخمادها قائلة بزجر:
_ أكمل ، رزان ، جرالكو اى انتو الاتنين؟ ، حد يصدق انكوا كنتوا رايحين اسكندرية عشان تحتفلوا بعيد جوازكوا هناك؟
تشدقت رزان بسخط:
_ دى أول مرة نروح بالعربية ، قلت له نأخر الخروجة شوية لحد ما الهيليكوبتر تتصلح، اهو عاجبك اللى حصل ده؟!
صفق يدا بأخرى باستهجان ثم نظر إليها قائلا بتهكم:
_ يعنى انا غلطتى انى ماحبيتش نفوت حفلة عيد جوازنا فى الساحل؟! ، ستات نكدية صحيح
تشدق بالأخيرة باستهزاء لتهم رزان بالرد و لكن سرعان ما علقت الكلمات بلسانها ما ان سمعت صوت صرير الباب والذى خرج عبره الطبيب و هو يزيح الكمامة عن فمه ، ليسرع إليه ثلاثتهم بلهفة حيث يبادر أكمل بسؤاله قائلا:
_ اى الأخبار يا دكتور؟ ، هى عاملة اى دلوقتى؟
أجابه بجدية:
_ الحمد لله خرجت من مرحلة الخطر بس كسر فى دراعها اليمين
تنهيدات عالية الصوت انبعثت من صدورهم شاكرين الله ، بينما استطرد الطبيب واجما:
_ لكن ماقدرناش ننقذ الجنين
جحظت العيون و انغغرت الأفواه و تعالت الشهقات من هول الصدمة و حدتها ، حيث وضعت رزان يدها على فمها بسرعة محاولة تكميم شهقتها التى رجت جسدها رعبا بعدما أُقحموا فى هذه المشكلة _الغير منتهية على ما يبدو_ ، بينما شدت مها من قبضتها على ساعد رزان محاولة الشد من أزرها ، بينما يقول أكمل متسائلا بدهشة:
_ هى كانت حامل؟!
اماء الطبيب برأسه موافقا و هو يقول:
_ أيوة ، بس جنين ما يزيدش عن 12 يوم حتى ماحتاجش مجهود تفريغ
نطقت مها بصوت متردد:
_ طب طب امتا ممكن ندخلها
_ ياريت تستنوا لبكرة ، تكون اتنقلت أوضة عادية و فاقت كمان
أردف أكمل شاكرا:
_ شكرا جدا يا دكتور
ثم استرسل بنبرة ثاقبة:
_ و كمان شكرا عشان وافقتوا نتخطى مرحلة الأسئلة و البلاغ و الكلام ده
_ العفو يا أكمل بيه ، ماتقلقش خالص
ثم انصرف تاركا إياهم بين ذبذبات التوتر الهائمة حولهم حيث تصرخ رزان بهستيرية:
_ يا خبر أسود يا خبر اسود ، دى اكيد هتبلغ عننا بالاجهاض ده! ، هنعمل ايه فى المصيبة دى دلوقتيييى؟!
أمسك أكمل بكف زوجته بين أنامله محاولا بثها بعضا من ثباته و هو يقول مطمئنا:
_ ماتقلقيش يا رزان ، أن شاء الله نسكتها بقرشين و تروح لحالها
هتفت الاثنتان بصوت واحد مبتهل:
_ ياااارب

_ شوفى الايميلات اللى جات لك اليومين اللى فاتوا و ابعتيهم لى
_ حاضر يا فندم
قالتها السكرتيرة و هى تبتعد إلى الخلف بطاعة ، ليعود أشرف إلى مطالعة الأوراق القابعة بين يديه بتركيز شديد لا يقطعه سوى صوت السكرتيرة الذى أتاه عبر اللاسلكى بجانبه قائلة:
_ فى واحد اسمه محمد سيد عايزك يا فندم
ألقى القلم من بين أنامله و هو يزفر بغضب ثم يتشدق بضيق:
_ و ده اى اللى جابه ده؟
قرب فمه من اللاسلكى قائلا بلهجة آمرة:
_ دخليه
بعد مرور ثوان دلف محمد إلى الغرفة دون استئذان ليصل غضب أشرف إلى ذروته حيث يهدر قائلا:
_ نعم ، مش خدت فلوسك خلاص؟ جيت ليه بقى؟
تجاهل سؤاله بسؤال آخر ناطقا بحدة:
_ وديتها فين؟
قطب حاجبيه قائلا:
_ هى مين؟
صرخ محمد بغضب:
_ زينة يا أشرف بيه ، يعنى مين؟!
اراح أشرف ظهره على الكرسى بمعالم جليدية و هو يقول ببرود:
_ و يهمك ف ايه تعرف مكان مراتى يا افندى؟
_ مابقتش مراتك خلاص ، و انا عايزها
وقف أشرف عن كرسيه ثم دار حول المكتب مقتربا من محمد الذى يرمقه بسخط ، امسكه أشرف من ياقته بعنف و هو يقول مستهجنا:
_ انت عبيط ياض؟ ، عايزنى اقولك مكان طليقتى ازاى يعنى؟ ، فاكرنى بريالة ولا اى؟
تشدق فى نفسه بسخرية:
_ لكن تخلينى اخدها ف حضنى لما كانت مراتك عادى صح؟
ما ان وصلت آثار همهمته المتهكمة إلى مسامع أشرف حتى هتف بحدة:
_ بتقول حاجة؟
عاد يكرر سؤاله بحزم:
_ قولى هى فين؟ احسن ليا و ليك
أجابه و هو يشير بسبابته نحو الباب زاجرا:
_ أمشى اطلع برة قبل ماجيب الأمن يطلعوك بمعرفتهم
لوى الثانى شدقه و هو ينظر نحو سبابته مستهزئا:
_ مش انت خلاص طلقتها؟ ، سيبهالى بقى متضايق ليه يعنى؟
بادله الاستهزاء مضاعفا و هو يقول بصلابة:
_ اهو متدايق و خلاص
ثم فتح الباب و أشار نحو الخارج و هو يرمقه بنصف عين قائلا:
_ و بعدين ده بدل ما تشوفلك حتة تستخبى فيها قبل ما أخوها يعتر عليك و يقت,لك بتدور عليها؟! ، يالا سلام يا بابا
حدجه بعينين بركانيتين تشتعل غضبا ، ليخرج من الغرفة ثم يغمض عينيه بمقت بعدما سمع صوت إغلاق الباب بقوة ، ليكز على أسنانه قائلا فى نفسه بوعيد:
_ طيب يا أشرف ، أنت اللى اختارت

عاد يضغط على أزرار هاتفه ثم يضعه على أذنه و هو يزفر بنفاذ صبر ، حيث كرر الاتصال للكرَّة التى لا يذكر عددها دون رد ، و على خلاف السابقين أتاه الرد من صوت حسنى يقول بانزعاج:
_ ما هرجعش الا براس زينة يابوى ، ما تتصلش تانى بجى
هم ليغلق الخط و لكن بادر قاسم بقوله هاتفا بخشونة:
_ مرتك سجطت يا حسنى
اتسعت عيناه بدهشة و شُلَّت أطرافه عن الحركة بحيث لم يستطع إيقاف الخط حتى! ، بالكاد حرك لسانه كى يتأكد مما سمع قائلا بصوت ملجلج:
_ إنت ، إنت بتجول اى يابوى؟
تنهد قاسم بتعب قبل ان يجيب ناهرا:
_ ماشاالله عليك دكر ملو هدومك ، يدك اتعودت تطول على مرتك اللى كانت تستمنالك الرضا ترضى ، و انت عملت ايه غير انك تضر,بها و ما تسمعش صراخها اللى هد البيت ، و فى الآخر تطلع حبلة بالواد اللى مستنيه بجالك ست سنين! ، الواد اللى خليت بت عمك تفكر انها أرض بور عشان ما جابتهوش ، و انا و انت عارفين كويس جوى ان انت اللى تعبان و بتاخد الدوا و مخبيين عشان منظرك جدام الخلج ، كانت زى البلسم يتحط عالجرح يطيب ، كانت تحت رجلك و انت عملت إيه غير انك حرمتها من أغلى حاجة بتتمناها ، و جتلت ولدك بيدك! ، ما هجولكش عاود
ثم لامس الزجاج الذى ينظر عبره إلى نجاة المستلقية على السرير و هى تكفكف دموعها بحسرة ، مردفا بوجوم:
_ لكن مش عشان انى شيخ الجبيلة يبجى مش هحكم باللى تريده بت اخوى! ، ربنا معاك يا ولدى
ألقى كلمته الأخيرة بازدراء ثم أغلق الهاتف تاركا حسنى الذى و للمرة الأولى بحياته تنهار حصونه الجامدة و تفر عبراته الساخنة التي أخذ يمسحها بأنامله سريعا خشية أن يراها المارين بينما يصرخ قلبه بقهر بعدما تكبد من عناء الأدوية خفية حتى يفقد طفله بهذه السهولة!
وعلى الصعيد الآخر كانت توجد نجاة التى تورمت عيناها من شدة البكاء ، ترثى طفلها الصغير الذى لم تعلم بوجوده مسبقا كى تحترس قبل المخاطرة بالدخول فى جدال مع حسنى ، تبكى بحرقة و صوت مكتوم ، تمسح عبراتها المنهمرة بغزارة آملة ان تجف لحظة! ، تشعر بأنها فقدت أمانها و ثقتها بالحياة عند هذه المحطة ، تشعر بأن حياتها صارت خواء! ، فقدت الأب و الأم لتجارى رياح التيار ، و لكنها فقدت أيضا الابنة الحنون حينما فشلت فى منع حسنى لق,تلها ، كما فقدت طفل رحمها الذى لم يتمم الشهرين بسبب خوفها على زينة و إيثار حياتها على نفسها! ، باتت الآن أسيرة الخذلان ، باتت الآن صديقة الآلام! ، فهل من فرج قريب؟ ، ام ستبقى بلا راحة حتى يجف الدم بالوريد؟!

((كتب عليكم القتال و هو كره لكم و عسى ان تكرهوا شيئا و هو خير لكم و عسى ان تحبوا شيئا و هو شر لكم و الله يعلم و أنتم لا تعلمون))
استوقف ذهنها مع هذه الآية التى تتلى على التلفاز بغرفتها حيث لامست أعماق قلبها ، و كأنها مبعوثة برسالة لها خصيصا فى هذا اليوم صعب النسيان! ، اغمضت عينيها بألم و قد عادت إلى ذهنها بقايا ذكرى هذا المشهد الأليم حينما تلقت صفعتها الأولى بالحياة ، حينما باغتتها مقصلة الخداع على حين غرة ، ليختنق جيدها بحبال المكر و المصلحة ، و أتى الإنقاذ فى اللحظة الأخيرة حينما فقدت جنينها الصغير! ، فعلى الرغم من كون الأم لا تستطيع تحمل هكذا موقف و أقرب مثال على ذلك حزن نجاة ، و لكن كان ذلك الخير كما ذكر كتابنا العزيز ، فكيف كانت لتتصرف لو اكتملت حياة هذا الصغير برحمها و يخرج و يعانى مرارة الحياة حينما يكون مهددا دوما بالأخطار؟! ، كما سيكون ابن هذا النجس الذى سمح و بحفاوة بأن يلمس آخر جسد زوجته؟! ، كان الخير لئلا تجد رابطا واهيا يربطهما من جديد
اجفلت ما ان سمعت صوت طرقات خفيفة على الباب لتنظر إلى الباب المغلق قائلة:
_ ادخل
دلف كل من أكمل و هو يحمل باقة من الورود بين يديه و كذلك رزان التى كانت تزين ابتسامة مشرقة صدغها ، اقترب أكمل حتى ناولها باقة الورود و هو يقول بابتسامة متأملة:
_ الف حمد الله على السلامة
استقبلت الباقة بيسراها و هى تبادله الابتسامة المجاملة قائلة:
_ الله يسلمك
اقتربت رزان من الناحية الأخرى على السرير قائلة:
_ انتى اسمك ايه؟
_ زينة
تلمست رزان وجنة زينة الرقيقة قائلة بإعجاب:
_ الله زينة و انتى زينة
_ تسلمى
كانت اجاباتها مقطبة إلى الحد الذى لحظ فيه الاثنان الحزن الكامن بصوتها ليحمحم أكمل ثم يقول معتذرا:
_ إحم ، انا آسف جدا يا مدام على اللى حصل ، لولا سواقتى ماكنتيش فقدتى ابنك ، اتمنى تسامحينى و بلاش الاتجاه للبلاغات و كدة ، و اللى انتى عايزاه هتاخديه
اشاحت زينة بوجهها إلى الجهة الاخرى محاولة كبح عبراتها عن الخروج بعد ذكره لفقيدها الصغير ، فابتلعت غصتها العالقة بحلقها و هى تقول بجمود:
_ لا أنت ماغلطتش يا استاذ ، انى اللى ماكنتش شايفة
ثم أطلقت تنهيدة طويلة محملة بالآلام و أكملت بجليدية:
_ و بعدين انى لا عايزة بلاغ ولا حاجة ، بس أخرج من اهنه على خير
ربتت رزان على عضدها قائلة بتساؤل:
_ انتى فين أهلك و احنا نوصلك ليهم ف أسرع وقت
هنا لم تستطع السيطرة على دموعها التى تجاهد للخروج من المحابس ، لتنخرط فى بكاء مرير تعلوه الحسرة حيث تقول رزان بقلق:
_ مالك حبيبتى؟ ، فى اى بس؟
التفتت إليها زينة بجمود قائلة بنشيج:
_ أهلى لو كلمتيهم هياجوا ياخدونى عالمجابر عدل
شهقت رزان بصدمة و قد ازدادت نبضاتها أضعافا إشارة إلى الفزغ الذى اعتمل باوصالها من جديد بينما يتساءل أكمل بفضول تغلفه الدهشة:
_ ليه بس؟!
ثم فتئ مستنتجا:
_ باين وراكى سر كبير ، احكى مالك؟
أطلقت تنهيدة أخرى أكثر حرارة من سابقتها ثم استرسلت تقص ما صار و الألم ينخر باوصالها ، تنطق بلسان مرتجف يكاد لا يتحرك بعد هول المصيبة و قوتها ، حينما فرغت التفتت الى أعين الموجودين و التى كانت _كما توقعت_ مشدوهة غير مصدقة الى جانب كونها خائفة ، وقف أكمل ثم قال بنبرة ثابتة:
_ ماتخافيش يا زينة احنا معاكى ، و هتقضى فترة علاجك معانا

أمسكت مها بفنجان الشاى الموضوع على الطاولة المزخرفة أمامها و قربته من فمها كى ترتشف عينة منه قبل ان تعيده مجددا ثم تلفتت إلى أخيها قائلة بثقة:
_ علفكرة بقى ، انا مش مصدقة حكاية ان جوزها صورها و بعد كدة طلقها و الكلام ده خااالص ، انا متأكدة انها كانت عشيقة لسياسى كبير و لما اكتشف انها حامل و هتبدأ تبتز مركزه قال يخلص منها و دلوقتى هى بتدور على ملجأ يحميها ، و انت يا أكمل فتحت لها بيتك بكل بساطة كدة؟!
أخذت رزان تقلب السكر بفنجان الشاى الخاص بها و هى تحدج أكمل بعينين حادتين تؤنبه بصمت بينما قال أكمل بثقة أكبر:
_ كل كلامك غلط ف غلط ، أولا لهجتها صعيدى ، و فى الصعيد موضوع ان الاهل يدوروا على بنتهم بعد ما تغلط حقيقى ، إلى جانب انها باين عليها صغيرة اوى مش بتاعة تجارب سابقة ، و حملها زى ما قال الدكتور ما يزيدش عن 12 يوم يعنى السياسى ده مالحقش يعرف ، و يأكد على كدة دهشتها اول ما سمعت بأنها سقطت ، لأنها مكانتش تعرف انها حامل اصلا ، و بعدين نفرض انها عشيقة السياسى و طلعت حامل و هتبتز مركزه زى ما بتقولى ، يبقى كان ساعتها ماتت بالكامل و شاف روحها بتطلع أدام عينه ودفنها كمان عشان يتأكد انه فى السليم ، مش يسيبها تعرف تقف على رجليها و تهرب من الصحرا بسهولة
هنا ألقت رزان الملعقة من بين اناملها بعصبية و هى تهتف:
_ قوم انت بقى تستضيفها هنا عشان لو أخوها ده شم خبر انها هنا يقت,لها و يق,تلنا كلنا!
التفت نحوها ثم تحدث بجدية:
_ مش كفاية اتكسر دراعها و خسرت ابنها بسببنا ، قوم نسيبها بسهولة كدة؟ ، خليها تقعد فترة العلاج و مش هنخرجها خالص لحد ما تتشفى بعد كدة تاخد قرشين و تروح لحالها
همت مها لتبدى اعتراضها و تزيد من إلقاء البنزين على نيران هذا الجو المتأججة ، و لكن يوقفها أكمل بقوله حاسما:
_ خلاص يا مها ده آخر كلام عندى ، زينة هتيجى هنا بكرة الصبح

 

الفصل التاسع:

_ اتفضلى ادخلى يا قمر
نطقت بها رزان و هى تشير نحو الداخل مرحبة ، تتحرك نحو الأمام مفسحة الطريق لزينة التى تجاوزت الباب الداخلى لقصر أكمل السمري ، حيث يزداد انبهارها اضعافا حينما تلتقط عيناها هذا المحيط الشاسع ذا الأثاث الحديث و التحف الراقية ، تنظر الى ما حولها و فمها مفتوح إلى آخره بينما تقول رزان بحبور:
_ أتمنى يكون القصر عجبك
أجابت زينة دون ان تزيح بصرها بإعجاب:
_ جوى جوى
التفتت رزان إلى المطبخ ثم نادت بأعلى صوتها:
_ أمينة ، يا أمينة
أتتها المدعوة أمينة مهرولة و هى تقول بسرعة:
_ نعم يا هانم
أشارت رزان نحو زينة قائلة بلهجة آمرة:
_ خدى مدام زينة لاوضتها براحة ، و اوعى تتكعبل او تقع
أبعدت بصرها عن ديكور الصالون و ما به من قطع مادية ، لتلتفت إلى رزان بعينين التمعتا سعادة بعد قدر الاهتمام الذى لاقته منذ اليوم الأول ، قائلة بامتنان:
_ شكرا يا هانم
ابتسمت رزان و هى تقول:
_ العفو يا قمر ، على اى يعنى؟

بعدما انتهت من وجبة الغداء المتضمنة المسلوق الخالى من الدهون ، حتى مدت لها الممرضة بقرص الدواء الخاص بعد امتلاء المعدة ، تناولته بفمها ثم تبعته بكأس ماء تجرعته و عقلها أصبح مغيبا بمكان آخر حتى لم تلحظ أو تجيب صوت الممرضة و هى تتمنى لها الشفاء العاجل ، و إنما ظلت صامتة و كأن على رأسها الطير ، حيث اليوم هو يومها الثالث بالمشفى و لم يأتِ زوجها بعد! ، فى البداية أرجعت عامل التأخير إلى عدد الساعات التى يقتضيها السفر من القاهرة إلى قنا ، و لكن مر يومان و الثالث خلفهما دون ان ترى هيئته او تسمع صوته ، دون ان ياتى إليها معتذرا عما بدر منه ، دون ان يشُدَّ من أزرها فى أحلك الأوقات سوادا ، تراب الانتقام غمر عقله بحيث أعماه عن رؤية ما عدا قت,ل زينة _و عشيقها_ ، على الرغم من كونه الطفل الذى كان يوبخها لسنين طوال بسبب عدم قدرتها على إنجابه ، و حين رزقها الله بهذا الحلم أخيرا ، ذهب أدراج الرياح دون رجعة؟! ، و لكن أين هو الأب من ذلك؟ ، أليس هو الشق الثانى بهذه الأسرة ، و عليه ان يكون معها بحلوها و مرها؟ ، لِمَ التصرف معها بهذه الأنانية إذا؟ ، إنه يراها تقريبا كماليات لن يضر وجودها من عدمه ، و لهذا قررت أن تغير هذه النظرة فى هذا التو و هذه اللحظة ، ترى ماذا ستفعل؟

كانت تجلس أمام التلفاز ، تضغط على أزرار جهاز التحكم و هى تتنقل بين القنوات بملل شديد فهى ليست من هواة الجلوس دون عمل لتعود بذكراها إلى ما حدث قبل يومين من كلمات طلاق ألقيت على مسمعها كالصاعقة المهلكة في وسط الصحراء الشاسعة، قطع انسجامها بأفكارها المتألمة صوت دقة خفيفة على باب الغرفة لتجفل سريعا ثم تلتفت نحو الباب قائلة:
_ ادخل
ولجت أمينة الى داخل الغرفة و هى تجر عربة صغيرة بها أصناف من الطعام أمامها ، تحركت بها بانسيابية على أرضية السيراميك العالى الجودة ، حتى توقفت أمام السرير الذى تتسطح به زينة ثم أخذت شريط دواء بعينه عن بقية الأدوية ثم تناولها إياه قائلة:
_ اتفضلى الدوا اللى قبل العشا يا هانم
رمقتها زينة بحنو و هى تقول شاكرة:
_ شكرا يا أمينة
ثم تحدثت ببعض الجدية:
_ بس ما تجوليش هانم دى
قطبت أمينة حاجبيها بدهشة لترفع بصرها نحو زينة قائلة بدهشة:
_ امال اقولك اى؟
تحدثت زينة ببساطة:
_ زينة بس يا جمر ، انى زيى زيك لا هانم و لا معايا أملاك ، بس ضيفة اهنه لناس فى العلالى ، عشان اجده تسمعى الكلام و تجولى يا زينة ، زينة و بس
اماءت أمينة برأسها بخفوت و قد ثار الذهول بعقلها ، حيث تقابل أخيرا من يعترف بكونه الأقل بكل تواضع ، على خلاف من لا يملك شيئا و يرفع من شأنه أمام الخدم المساكين بل و يترفَّع عليهم أيضا!

_ اتفضل
نطق بها أشرف و هو يقف عن الكرسى احتراما لمن فتح الباب ثم دلف و اغلقه دون إصدار أصوات عالية إشارة إلى رزانته فى كل ما يقدم عليه ، اقترب من مكتب أشرف _الذى ينظر إليه بحبور يشوبه القلق_ بخطى ثابتة حتى توقف أمامه ليتبادلا عناقا عاديا ، حتى ابعده ناصر قائلا بهدوء:
_ عامل اى يا ولد؟
_ الحمد لله تمام ، كدة برضه تغيب كل ده؟
ضر,ب ناصر ساعده بخفة ثم ابتعد حتى جلس على الكرسى المقابل للمكتب و كذلك فعل أشرف ، تشدق الأول باستنكار:
_ ما لو كنت جيت على بالك ، كنت رفعت سماعة تلفون حتى!
أردف أشرف معتذرا:
_ معلش بقى يا عمى ، عليا انا المرة دى
ابتسم ناصر ثم قال:
_ ولا يهمك
ثم أردف بتساؤل:
_ جولى بجى ، أنت ليه طلجت مرتك يا ولد؟ ، زينة كانت زينة البنات و اجملهم ، ما كملتش معاها لييه؟
مط أشرف شفتيه بحزن مصطنع حيث يقول واجما:
_ طلقتها و خلاص يا عمى بلاش تسأل
عقد ناصر حاجبيه بتعجب قائلا بتصميم:
_ انى اللى جبتهالك ، يبجى لازم اعرف سبب الطلاج يمكن اعرف ارجعكم تانى
هتف أشرف بحدة:
_ لا مش عايز اشوفها تانى ، و مش عايز ارجع لها ، و بلاش تسأل عن السبب عشان ده كلام ف أعراض
و كانت جملته الأخيرة بمثابة القول القاطع و الكلمة الأكثر بركة من جرنال! ، حيث يضيق مقلتيه للوهلة الأولى ثم سرعان ما تجحظ عيناه بذهول و قد الجمت الصدمة فمه حيث يحرك لسانه بصعوبة بالغة ينفى ما قيل تماما و هو ينطق بتردد:
_ ل لا لا مش ممكن ، أنى عارف زينة كويس؟ ، ما تعملش اكدة واصل
أردف أشرف بتهكم و قد ازدادت بغضاؤه من هذه _الزينة_ بعد كل هذه الثقة الموضوعة بها:
_ و اهو عملت يا عمى ، و صورتها قبل ماطلقها تحب تشوف الصورة؟
ثم أمسك بكوب الماء الموضوع على سطح المكتب ، و اخذ يرتشف منه محاولا استكمال الحديث مع ناصر بثبات انفعالى كى لا يوضع بمحل شك ، و حينها لن يخرج حتى يعترف!
وقف ناصر عن الكرسى قائلا بعدم تصديق:
_ لا ، يستحيل تكون زينة عملت اكده ، دى أنجى من الحليب ، بعدين دى ماكملتش شهرين على بعض ، يبجى معجول لحجت تظبط واحد و تكلمه و تجيبه سريرك كمان؟؟
علقت المياه بقصبته الهوائية بدلا من الوصول إلى المرئ كى يبدأ فى سعال فجائى ، وضع يده على فمه محاولا خفض صوت سعاله بينما يمسك ناصر بيده فوق سطح المكتب قائلا بقلق:
_ سلامتك ، سلامتك يا ولدى
أخذ بحاول التهدئة من روعه تدريجيا حتى ذهبت آثار المياه عن جهازه التنفسي ، ليلتفت إلى ناصر قائلا بصوت منهك به بعض الوجوم:
_ ياريت ما نتكلمش فى الموضوع ده تانى يا عمى
أومأ ناصر برأسه موافقا و هو يقول:
_ اللى تشوفه يا ولدى
ثم وقف عن كرسيه قائلا:
_ استأذن بجى
و قف أشرف عن كرسيه و هو يقول باصطناع:
_ مانت لسة قاعد!
_ مرة تانية يا ولدى
قالها ناصر مجاملا ، ثم اتجه نحو الباب كى يخرج ، و لكن قبل ان تمس يده المقبض التفت إلى أشرف الذى هم بالجلوس يقول بنبرة ثاقبة يسكنها الشك:
_ يعنى انت زعلان على روحتها؟ ، ولا ما عجبتكش اصلا جوم لجيت غيرها فى الوجت الجصير ده؟!
ازدرد ريقه بصعوبة و قد تفصدت بعض قطرات العرق على جبينه بتوتر بالغ ، حيث يردف بمقت و استهجان:
_ الاقى مين بس يا عمى؟ ، زينة كرهتنى فى كل صنف الحريم ، حسبى الله و نعم الوكيل فيها
تحدث ناصر بعبوس:
_ معلش يا ولدى
هم ليدير المقبض و لكن اوقفه صوت أشرف هذه المرة قائلا:
_ ياريت ما تتصلش على أهلها يا عمى
استدار ناصر نحوه و هو يرمقه بعينين متسائلتين بينما يجيبه أشرف على الفور و هو ينظر أرضا:
_ عشان مايقولوش انى حكيت لك و فضحت سرهم!
أردف ناصر مطمئنا إياه بحزن:
_ ماتخافش ، ما هكلمهمش واصل
ابتسم أشرف بامتنان ، بينما خرج ناصر من الغرفة ليقع أشرف على كرسيه و هو يمسح على وجهه بتعب ، بعد هذه المناقشة و الأسئلة الخطيرة التى يلقيها ناصر بعناية يكشف بواسع خبرته اجاباتها من تعبيرات الوجه قبل ان ينطق اللسان ، فكاد أن يُفضح أمره تماما ، و هنا كان الخوف قريبا ، و لكن ذهاب ناصر بهذه الطريقة دون ان يزيد فى الأسئلة حتى يدفعه للاعتراف أوحى إليه بنقطة جديدة لم يكن محيطا بها!

دخل معها إلى الغرفة و هى تستند علي كتفه متخذة إياه دعامة لسيرها البطيئة خطواته ، حتى وصلا إلى السرير ليزيح الغطاء عنه كى يفسح لها المجال لتجلس ، ثم تتسطح على السرير برفق مع بعض آهات خافتة أطلقتها ، أمسك بطرف الغطاء ثم وضعه على جسدها كاملا يدثرها ، التفت إليها ثم قال برفق:
_ سلامتك يا بت الغالى
تجاهلت كلماته بقولها بتجهم:
_ عمى ، انى عايزة اتكلم معاك ف موضوع
_ تاكلى الاول و بعدين…..
قاطعته تقول بتصميم:
_ دلوك
زفر بوجوم و قد وشت تعبيرات وجهها المكفهر عن ماهية الكلام الذى ستقوله ، جلس على الكرسى بجانب السرير ثم قال بهدوء:
_ نعم يا بتى
تشدقت بشكوى:
_ يرضيك اللى عمله ولدك فيا ده؟ ، مش بس ض,ربنى و موت ولده ، لا كمان ما يجيش حتى يطمن عليا؟
تلعثمت الكلمات بلسانه لما لم يجد ردا مناسبا يوارى به خطأ ابنه ، حاول استجماع الحروف و هو يقول بمواربة:
_ انتى عارفة يا بتى ان موضوع زينة ده….
عادت تقاطعه و هى تقول بحدة ظهرت بين طيَّات صوتها:
_ و جبل أكده؟ ، طول الوجت ذل و مهانة جدام الصغير و الكبير ، بيضر,ب على أجل غلط منى ، مافيش رحمة جدام الغلط ولا كلمة تبل الريج جدام الصح! ، يده اتعودت تتمد عليا علطول ، شتيمته ليا بجت عاملة زى اللبانة ف بوجه ، دايما يعايرنى عشان مش جادرة اخلف الواد و يهددنى انه هيتجوز
ثم اردفت بصوت مختنق إثر عبراتها المكبلة بمحابسهن:
_ كان بيعذبنى يا عمى ، كانت نار الجهر بتحرجنى من جوة و ماحدش حاسس بيا
صمتت للحظات تحاول التقاط أنفاسها المتصارعة بينما تلتقط نظرة إلى قاسم الذى يغمض عينيه بألم مشفقا على زهرته المتفتحة التى أغمضها ابنه بكل براعة ، و المصيبة هى كونه يراها شيئا ضعيفا إلى درجة ان يلحق بها عيوبه باحترافية شديدة! ، يرى فيها أداة لتحقيق مآربه و إفراغ قسوته بوعائها الواهى! ، لما رأته إلى هذه الدرجة من التأثر واتتها الفرصة على طبق من ذهب لتكمل قائلة برجاء:
_ احكم يا شيخ البلد ، بس جبل ما تحكم اعتبرنى بتك اللى بريئة من تهمتها دى زى براءة الديب من دم يوسف ، أحكم و انى راضية بحكمك و على راسى من فوج
هنا لم يستطع أن يردع نفسه من أخذها بين ذراعيه فى عناق أبوى يشع بالحنان ، يهتف قائلا بنشيج:
_ اعتبرك اى يا بت انتى؟ ، انتى بتى و ف مجام زينة تمام ، و أوعدك يرجع حسنى و هطلجك منه ، كفاية عليكى لحد اكده

جلست بجانبه و هى تمسك بكأسين بهما بعض النبيذ ، ناولته أحدهما و هى تقول برقة:
_ بصحتك
أمسك الكاس من بين اناملها ثم حاوط خصرها بيده الحرة قائلا بحب:
_ تسلمى يا قلبى
مالت عليه حتى اسندت رأسها على كتفه قائلة بتساؤل:
_ هتحدد معاد فرحنا امتا؟
احتل العبوس ملامحه ليبعد يده عنها مما جعلها تبتعد عنه و قد اثارتها الدهشة من تصرفه بينما يقول هو بوجوم:
_ مضطرين نأجل فرحنا خمس ست شهور ع الأقل يا هيدى
قطبت حاجبيها بدهشة يشوبها الغضب و هى تلوى فمها ناطقة باستنكار:
_ ليه بقى؟!
تجرع ما بالكأس على رشفة واحدة ثم وضعه على سطح الطاولة أمامه و التفت إليها شارحا:
_ ناصر عدى عليا بدرى و فضل يناقشنى ف موضوع طلاقى من زينة و كدة ، هو راجل حويط جدا فى كلامه ، و فاجئنى بأسئلته الغريبة دى اللى جابتلى نقطة نسيناها خالص
ثم التفت إليها قائلا بحذر:
_ لو اتجوزتك علطول يبقى هتتأكد شكوك ناصر ف ان انا كنت قاصد اللى حصل عشان اتجوزك ، خصوصا و هو شافك قبل كدة و انتى خارجة من الفيلا ، عشان كدة لازم نأخرها شوية عشان ما يبانش أننا طابخينها
مطت شفتيها بغضب طفولى بينما وقف عن مكانه و أخذ فى الاقتراب منها و هو يقول بود:
_ معلش بقى يا قلبى ، كلها مسألة وقت ، اضحكى بقى
ابتسمت ابتسامة خافتة من جانب ثغرها بينما يمسك أشرف بيدها ليجعلها تقف ثم يقرب فمه من اذنها قائلا بعبث:
_ ما تيجى اقولك كلمة كدة
أطلقت ضحكة خليعة و هى تتبعه متجهين إلى الأعلى حيث يقترفان للمرة التى لا يمكن احصاءها ما نهى الله عنه و شدد على عقوبته!

فى صباح اليوم التالى ، جلس اكمل على رأس مائدة الإفطار و هو ينظر نحو الجالستين على الجانبين قائلا بحبور:
_ صباح الخير
اجابته الاثنتان بصوت واحد:
_ صباح النور
فردت رزان بعضا من المربى على شريحة الخبز بواسطة الملعقة ، ثم ناولتها إلى أكمل قائلة:
_ اتفضل
امسكه منها دون رد ، ثم تناول قضمة منه قبل ان يردف باهتمام:
_ بعتى لزينة الفطار؟
التفتت نحوه مها و قد سلطت انتباهها عليه كليا بينما تشدقت رزان بتعجب:
_ اكيد طبعا بعتهولها ، امال هسيبها من غير فطار يعنى؟
تشدقت مها ساخرة:
_ لا أصل اكمل حاسس بالذنب اوى ناحيتها عشان كدة مش عايزها تنقص حاجة ، اخويا الحنين بقا!
أجاب سخريتها بجدية:
_ أيوة يا مها ، دى مسؤولية و لازم نحافظ عليها لحد ما تمشى من هنا على خير ، احسن ما تبلغ و اتحط ف مشكلة
زال توتر رزان و هى تلتفت إلى زوجها قائلة بحب:
_ معاك حق يا قلبى

 

الفصل العاشر:

بعد يوم عمل مكدس بالمهام المتنوعة بين إمضاء أوراق و عقد اجتماعات و متابعة رسائل العملاء ، جلس أشرف على السرير و هو يفرك جبهته بإرهاق بينما تقول هيدى التى تقف و هى تحضر كأسين من النبيذ بجدية:
_ باين الشغل كان كتير النهاردة
تسطح على السرير و بات ينظر إلى السقف فوقه قائلا بتعب:
_ اه ، مناقصة و ايميلات و اجتماع مع موظفين و روحت شفت المصنع بنفسى ليكون فى غلط ولا حاجة
استدارت و هى تحمل الكأسين بيدها قائلة بحنو:
_ يا حرام باين عليك تعبت أوى
ثم اقتربت منه بخطوات واثقة يصدح صوت كعبها العالى بالآذان ، استلقت بجانبه على بطنها ، ثم مدت كأسا إليه قائلة بخبث:
_ يبقى لازم نضيع التعب ده شوية ولا اى؟
أمسك الكأس من بين أناملها ثم تجرعه بشربه واحدة قبل ان يضعه على الكومود بجانبه ، ثم يعود إليها محاوطا خصرها بيده قائلا بعبث:
_ صح كدة ، ورينى هيضيع ازاى؟
أمسك برأسها مخللا أصابعه بين خصلات شعرها البنية ، ثم قربها إليه فى محاولة لنيل قبلته الأولى بهذه الليلة ، حتى قطع هذه اللحظة الحميمية صوت طرقات الباب العالية نبرته ، حيث يجفل الاثنان و قد افزعتهما هذه الدقات المباغتة بهذا الوقت من الليل ، ابتعد عنها و هو يعتدل ثم وقف متجها إلى الباب ، و الذى ما ان فتحه حتى وجد الخادمة ليصرخ بها ناهرا:
_ من امتا بتخبطى الباب فى الوقت ده؟
رجت أطرافها إثر صوته الغاضب لتزدرد ريقها قائلة بتلعثم:
_ و الله ما بايدى يا باشا ، ده واحد صعيدى اسمه حسنى قاعد تحت دماغه جزمة عايزك تنزله دلوقتى او هيطلع لك هو
جحظت عيناه بدهشة بالغة و قد تفصدت حبات من العرق بجبينه بخوف بالغ ، حيث ينظر إليها قائلا بقلق:
_ و هو فينه دلوقتى؟
_ قعدته فى الصالون
_ تمام جدا ، جيبيله حاجة يشربها و انا نازل حالا
_ حاضر
ثم و بلمح البصر اختفت عن ناظريه فى طريقها لتنفيذ ما أمرت به ، بينما يدخل أشرف ثم يغلق الباب خلفه بسرعة و قد باتت معالم الذعر جلية على وجهه بينما تقف هيدى عن السرير قائلة بدهشة:
_ فى اى يا أشرف؟ مين اللى جه؟
التفت إليها لثوان قبل ان يقول بصوت مرتعش:
_ حسنى اخو زينة تحت
وضعت يدها على فمها و هى ترمقه بفزع قبل ان تنطق بارتياع:
_ و ده اى اللى جابه هنا؟
رفع كتفيه إلى الأعلى إشارة إلى الجهل ، و هو يقول بتصميم:
_ ماعرفش بس هعرف
ثم لوح سبابته نحوها قائلا بلهجة آمرة:
_ اوعى تخرجى من الاوضة و انا هشوف اي حاجة امشيه بيها و راجع علطول
_ حاضر

_ جلتلك مش عايز طفح انتى ما بتفهميش؟
قالها بنبرة فظة ناهرة و هو يشير نحو رأسه ساخرا منها ، بينما يتدخل أشرف الذى دلف توا و هو يقول بجمود:
_ خلاص سيبيه على راحته
أطرقت الخادمة برأسها حزنا بعدما تلقت من إهانة مؤلمة ، بينما يقول أشرف و هو يقترب من حسنى بجفاء:
_ اهلا يا استاذ حسنى ، اتفضل
_ أنى مش جاى اهنه عشان اتفضل ، أنى جاى اعرف حاجة و ماشى طوالى و ما هتشوفش وشى واصل
نطق بها و هو يكز على أسنانه بغضب ، بينما يجلس أشرف على الكرسى بأريحية قائلا بثقة:
_ عظيم ، عايز تعرف اى؟
_ وديت أختى فين؟
رفع أحد حاجبيه بسخرية قبل ان يتشدق متهكما:
_ اى ده يا استاذ حسنى؟ ، انت عايز تعرف مكان اختك عشان تتاويها ف حضنك حتى بعد اللى عرفته و شفته؟!
أجابه حسنى من بين أسنانه بنبرة عاصفة:
_ لا و انت الصادج عايز اعرف مكانها عشان ارميها ف حضن الموت عدل ، لازم أغسل عارها جبل ما تفضحنا وسط الخلج ، و بجالى كام يوم فى البلد الكبيرة دى مش عارف اعتر عليها ، جلت اعرف انت وديتها فين عشان اجيبها من هناك
ارتخت معالمه و هدأت مضخات قلبه بعد ان تلاشى الهلع الذى اعتراه ، حيث يقول بجدية:
_ غالى و الطلب رخيص ، أختك رميتها فى طريق مصر اسكندرية الصحراوى
أمسك حسنى ببندقيته الموضوعة على الطاولة ثم اسندها على كتفه قائلا بشكر:
_ تسلم

وقف أمام باب الغرفة ثم وضع يده على فمه محمحما قبل ان يطرقه بخفة ، أنتظر قليلا حتى فتحت أمينة الباب التى سرعان ما قالت حينما طالعت وجهه بغير تصديق:
_ أكمل بيه؟! ، اتفضل
سلطت زينة بصرها على الطارق بعدما أصابتها الدهشة حينما تأكدت بكونه أكمل الذى دلف و هو يقول مبتسما بتفاؤل:
_ مساء الخير
بادلته الابتسامة المشرقة قائلة بود:
_ مساء النور
اقترب خطوتين من السرير حيث تجلس ، ثم قال بحبور:
_ قلت اجى اطمن عليكى ، ازى الحال
اجابته بامتنان:
_ الحمد لله بخير ، تسلم
بينما تكلمت أمينة بغير رضا:
_ مش راضية تكمل العشا يا بيه

كانت رزان تمشى فى طريقها إلى الدرج كى تنزل لتناول العشاء ، و لكن استوقفها صوت أكمل الذى قدم من إحدى غرف الضيوف قائلا بعتاب:
_ لا بقى ازاى يا زينة؟ ، لازم تخلصى أكلك عشان تعبك يروح بسرعة
غيرت مسارها سريعا و هى تعود أدراجها ، متجهة إلى غرفة بعينها متمنية من كل قلبها ان تكون حاسة سمعها أخطأت نبرة الصوت التى تكاد تكون محفورة بذهنها و من بين الف تستطيع تمييزها ، وقفت أمام الغرفة المفتوح بابها لتجد _على خلاف مرادها_ زوجها يقف على مقربة من السرير و هو يحادث زينة التى قالت بانزعاج:
_ مش جادرة أكل اكتر من اكده
التفت أكمل ما ان سمع صوت صرير الباب الذى دفعته رزان و هى تدخل دون استئذان بينما يقول بعفوية:
_ تعالى يا رزان شوفى اللى مش راضية تكمل أكلها دى
حدجته بنظرة محتدة _لم يفهم فحواها_ و هى تقترب من زينة قائلة بنبرة حنان يسكن بخباياها الامتعاض:
_ ازاى يا زينة؟ ، لازم تاكلى يا قلبى عشان الكسر يلم بسرعة ، ولا انتى مش عايزة تخفى؟!
بادرت تجيب بسرعة:
_ لا طبعا عاوزة
قال أكمل آمرا:
_ يبقى كلى بقى
ثم أمسك بيد رزان و قبل ان يستديرا للخروج توقف ثم عاد ببصره إلى زينة قائلا:
_ و من بكرة ان شاء الله أمينة تساعدك و تنزلى تاكلى معانا
امتقع وجه رزان بعدما وقع قوله المستهتر على مسمعها حتى كاد يصمه ، بينما يكمل مؤكدا:
_ أكيد لما تقعدى وسط مجموعة هتتفتح نفسك عالأكل أكتر
حدقت به بامتنان يحمل بين طياته إعجاب لم يخف على امرأة مثلها كرزان ، حيث تقول برقة:
_ تسلم جوى يا بيه
_ العفو
قالها أكمل و هو يستدير جارَّا معه رزان الغاشى غضبها عليها برعونة حتى فقدت الانتباه إلى ما حولها ، و قد بدأت ذبذبات الغيرة تزعج ذهنها ، إلى أن أخرجها أكمل عن شرودها قائلا:
_ باين عليها بنت ماتفهمش حاجة خالص
هنا فقط انتبهت إلى كونها انفردت به وحيدين حتى تسنح لها الفرصة بتفريغ جام غضبها عليه ، حيث تنفض يدها عنه بعنف لينظر أكمل إلى يدها المبتعدة ثم ينقل بصره إليها قائلا باستنكار:
_ فى اى يا رزان؟ ، مالك؟
تشدقت رزان بثورة:
_ فى إن المفروض لما سيادتك تاخد قرار تعتبرنى موجودة عالاقل و تعرفنى
ثم تركته و هى تدب الأرض بخطواتها القاسية التى كادت تتشقق الأرض تحتها ، تبعتها نظرات أكمل المشدوهة من تصرفها الغير اعتيادي بتاتا ، محاولا فهم علَّة سخطها المفاجئ هذا!

فى صباح اليوم التالى ، جلس ثلاثتهم على سفرة الطعام المستطيلة ، حيث يترأس أكمل المائدة و تجلس رزان على يمينه و مها على يساره ، و قبل ان يشرعوا فى تناول الطعام ، قطعهم صوت زينة التى كانت تخط آخر درجة من السلم بمساعدة أمينة قائلة بخفوت:
_ صباح الخير
التفت نحوها أكمل مجيبا:
_ صباح النور ، تعالى يا زينة
امتثلت لأمره و هى تقترب بهدوء بينما اتسعت عينا مها دهشة بعدما رأت زينة التى نسيت كونها موجودة من الأساس ، ثم التفتت إلى زوجة أخيها لتجدها مديرة رأسها إلى الجهة الأخرى بضيق و امتقاع ، نقلت بصرها بين أكمل المبتسم و رزان المتقلصة معالمها ، باستفهام حيث أنها لم تعلم بعد بماهية قرار أخيها المفاجئ بالأمس ، كما أصابتها الحيرة من صمت رزان الرخيم ، ما ان جلست زينة بجانبها حتى التفتت إليها مها قائلة بابتسامة ود مصطنعة:
_ ازاى صحتك يا حبيبتى
تمتمت زينة برفق:
_ الحمد لله بخير
قال أكمل موجها حديثه إلى زينة بهدوء:
_ ياريت بقى تاكلى و تتغذى كويس عشان تبقى بخير أكتر
تشدقت زينة بسخرية متعجبة:
_ انت مالك بتكلمنى زى ما بتكلم عيل صغير اكده؟ ، أنى واحدة كبيرة و عاجلة علفكرة
ضحكت مها رغما عنها و كذلك أكمل الذى قهقه من قلبه على طريقتها الطفولية لإبداء الاحتجاج ، لتستشيط رزان غضبا حتى وقعت الملعقة من بين أناملها البارزة عروقها ، لم ينتبه لها أكمل و إنما أردف يقول لزينة معتذرا:
_ خلاص يا ستى حقك على راسى ، و مش هقولك تاكلى ولا ما تاكليش و انتى عاقلة و عارفة هتعملى اى
_ طيب
نطقت بها و هى تمط شفتيها بعبوس بينما يردف أكمل بسماحة:
_ عايزك يا زينة تعتبرى المكان ده كأنه بيتك بالظبط ، تروحي و تيجى ف اى مكان انتى عايزاه بلاش خنقة الأوضة علطول ، مش مجرد مكان بتتعالجى فيه و خلاص ، إحنا زى أهلك
بهذه اللحظة فقط التقطت مها طرف الخيط لفهم ما يجرى هنا ، حيث بدأ أكمل فى إعطاء صلاحيات لضيفة حتى ساوى مرتبتها بالمالكة بينما تكاد تنفجر رزان بجانبه من الغضب بعدما اعطى هذه الغريبة حقا أكثر من اللازم!

كان يحدق فى السماء السوداء الخافى ستار الليل زرقتها بشرود ، كما يعود بعينيه إلى تأمل الطريق المغطى بالرمال عبر الزجاج بجانبه ، حيث يقول فى نفسه بتعب:
_ طب ادينى رايح اسكندرية اهه ، يا ترى هعرف اجيبك علطول يا بت ابوى ولا هتتعبينى معاكى؟
ثم استطرد يقول بمرارة:
_ و يا ترى هعرف اجتلك اول ماشوفك ولا حبى ليكى هيوجفنى؟ ، خايف جوى جوى يا زينة ، جسما بالله وجت ماشوفك و افضى عيارى عليكى هيبجى أسوأ يوم ف حياتى
ثم أسند رأسه على الزجاج و أغمض جفنيه المتهدلان بارهاق إثر البحث المتواصل عنها طيلة النهار ، تحت أشعة الشمس الحارقة و دون راحة او انقطاع ، يخشى أن لا يجدها قبل ان يفتضح أمرهم و يلحق العار باسم العائلة طيلة حياتهم ، بينما يحمل عناء قت,لها على كاهله من الآن ، حيث يخاف أن يضعف أمام براءتها المعهودة و صوتها العذب و حبه الجارف لها ، يحس بخناجر مميتة تغرس بقلبه دون رحمة ، حيث يواتيه إحساس قوى بكونها المظلومة هنا ، و لكنه سرعان ما ينفضه حينما تأتى ذكرى هذه الصورة الفاحشة إلى رأسه

ذات يوم ، خرجت رزان من الباب الداخلى للقصر متجهة الى حمام السباحة و هى ترتدى قطعتين فقط من الملابس الخاصة بالسباحة ، كما تربط وشاحا رقيقا حول خصرها ، مستعدة إلى قضاء يومها برفقة الماء ، مفرغة شحنات غضبها المكبوتة من تصرفات أكمل المزعجة فى الآونة الأخيرة ، فى أثناء طريقها لحظت سيارة أكمل مصفوفة إلى جانب أخواتها من السيارات لتتوقف فجأة ثم تقول متسائلة باستنكار:
_ بس أكمل مادخلش جوة ، يبقى ازاى عربيته هنا؟ ، يمكن ف طريقه لجوة
قالت الأخيرة و هى تغير طريقها إلى الجهة الأخرى تبحث عنه فى هذا الفضاء الأخضر الشاسع ، و بينما تدير رأسها إلى الجهتين محاولة التقاطه بعينيها إلا أن السبق كان لأذنيها اللتان التقطتا صوته قائلا:
_ أيوة يا زينة اتفضلى
دقت نواقيس الخطر بفؤادها الذى بات يعمل كمضخات مضطربة هلعا على ما سمعت ، التفتت إلى مصدر الصوت ثم هرولت إليه بسرعة و كأنه ينفصل عنها بأميال ، ما ان وصلت حتى اختبأت خلف إحدى الشجيرات ثم ارهفت السمع إلى حوارهم الذى بدأ بإجابة زينة بوجوم:
_ إنت عارف ان بكرة هفك الجبس خلاص
نطق يقول بمرح:
_ كفارة
لم تحرك دعابته بها شعرة حيث اردفت بهدوء:
_ عايزة اطلب منك طلب
_ اتفضلى
تناولت شهيقا عميقا زفرته على مهل و هى تقول بقلق:
_ خايفة جوى اخرج برة البيت و اخويا يلاجينى و يجتلنى عشان اكده بطلب افك الجبس فى البيت
انفك انقباض معالمه بعدما وجد هيئة طلبها و بساطته حيث يجيبها موافقا:
_ غالى و الطلب رخيص ، ولا يهمك يا زينة

كانت تجلس أمام مكتبها بينما تستند بكلا مرفقيها على سطحه في حين تضع مقدمة الهاتف على أذنها مُجيبه بغنج:
_ معلش بقى يا حبي، مش قادرة انزل النهاردة والله….نتقابل بكرة ف معادنا؟
قبل أن تسمع رده، فوجئت باقتحام رزان للغرفة بدون استئذان ثم صفعت الباب خلفها بعنف جعل مها تشهق بينما تضغط على زر اغلاق الخط بأنامل جمدها الهلع ، هبت عن الكرسى واقفة ، و هى تهتف بزجر:
_ فى اى يا رزان؟ ، اى الدخلة دى؟
ثم اقتربت منها بضعة خطوات تتبين وجه رزان الذى بات أحمر من شدة الغضب ، لتكمل بذهول:
_ مالك؟ ، وشك عامل كدة ليه؟
لوحت رزان بسبابتها إلى الأسفل قائلة بسخط:
_ شوفى صرفة مع اخوكى اللى اتجنن ده!
قطبت مها حاجبيها و هى تنظر إلى رزان التى تزفر هواءها بغضب ، لتحاول تبريد نيرانها المشتعلة و هى تمسك بساعدها ثم تجذبها كى تجلس ، و امسكت بزجاجة الماء بجانبها ثم مدتها إليها قائلة بعقلانية:
_ اشربى الأول و أهدى كدة و بعدين نبقى نشوف اى الحكاية
اذعنت رزان لطلبها ثم تجرعت بعضا من الماء بالزجاجة المعدنية الذى كانت بحاجة ماسة إليها كى تروى ظمأها الذى وصل إلى منتهاه بعد حرارة الغيظ التى أصابت جسدها بأكمله ، أبعدت الزجاجة عن فمها ثم ناولتها إلى مها التى قالت بنبرة هادئة تتساءل:
_ اى بقى اللى حصل؟
عادت ملامحها إلى العبوس و التقلص من جديد حيث تتشدق متهكمة:
_ البيه بعد ما خلى السنيورة تنزل تاكل معانا لا و كمان تروح و تيجى فى القصر براحتها و بقى يزيد كلامه معاها أوى يوم عن يوم ، لقيته واقف معاها فى الجنينة و بيتكلموا لوحدهم
اتسعت عينا مها بدهشة بينما نطقت رزان و هى تكز على أسنانها بغيظ:
_ و مش كدة و بس ، لأ كمان الأبلة بتطلب ان الجبس يتفك فى البيت عشان خايفة لاحسن اخوها يلاحظها
ثم صرخت تقول باستهجان:
_ بقى بذمتك مش ده معناه إنها عايزة تفضل جوة البيت علطول ولا لأ؟!
تنهدت مها بامتعاض بعدما روت رزان و ما حكت من تفاصيل تُسبِّب فوران الدم بالعروق ، حكت ذقنها محاولة التفكير بمخرج لهذه المشكلة التى أُقحموا فيها دون حل بديل ، بينما أردفت رزان بنبرة نارية متوعدة:
_ كلها كام يوم و هطرد البت دى من البيت زى الكلاب و يارب أكمل يعارض
تحدثت مها أخيرا و هى تقول باقتضاب:
_ و ليه تطرديها؟
ضيَّقت رزان حدقتيها و هى تنظر إلى مها بتعجب قبل ان تردف ببهوت:
_ مش فاهمة قصدك!

 

الفصل الحادى عشر:

انتفضت عن الكرسى واقفة و كأنما أصابتها صعقة كهربية ، حيث تنظر إلى مها التى لا تزال جالسة قائلة باستهجان:
_ انتى جرى حاجة لعقلك يا مها؟! ، بقولك بغير منها و مابطيقهاش تقوليلى اخليه يتجوزها؟! ، انتى أكيد اتجننتى!
لم تهتز لها شعرة او تتغير بها معالم و إنما ظلت على نفس الدرجة من البرود و الثقة مما جعل رزان تنفجر بها غاضبة:
_ ابعدين انا بغير على جوزى جدا و ماستحملش واحدة تكلمه و انتى بتتكلمى بكل برود كدة ليه؟ ، فى اى يا مها؟
وقفت عن الكرسى و هى ترمق رزان بنظرة هادئة قبل ان تقول مبررة:
_ لأن لو ماحصلش كدة و طردتيها أكمل هيدور عليها و يتجوزها ، و ساعتها تبقى لا طلتى حب جوزك ولا تخلصى منها
تشدقت رزان بثقة:
_ أكمل بيحبنى و مستحيل يعمل كدة
بدأت مها فى إلقاء سوطها الأول قائلة بمكر:
_ بس لما يرتبط الموضوع بوريث العيلة يبقى ساعتها ممكن يرجع يفكر فى الحب ده ، و مش شرط ساعتها انه يحب زينة ، بس زى ما تقولى هتبقى نزوة حلوة ف حياته ، و ما شاء الله حملت بشهرين جواز من جوزها الاولانى يعنى هتجيب له الولد اللى هيموت عليه ، زى ما حاول مع المسكينة سيرينا واللي لولا ما اتدخلتي كان زمانها ست البيت وام الوريث هنا!
حدجتها رزان بنظرة عاصفة تقضى على الأخضر و اليابس حيث تقول محذرة:
_ ماتختبريش صبرى يا مها ، انتى عارفة كويس اوى لو أكمل رجع يعمل كدة انا ممكن أعمل اى
بدأت مها فى التجول بفراغ الغرفة بخطوات بطيئة فى دائرة حول رزان التى كانت تدور عيناها معها بحيرة حيث تلقى سوطها الثانى قائلة بخبث و بنفس النبرة الجليدية:
_ و ده بالظبط اللى يخليكى تتصرفى بذكاء و تسبقيه بخطوة قبل ما تكتشفى إنها جابت له الولد خلاص و يكتب أملاكه باسمها
ثم حدقت فيها بنصف عين و هى تقول بنبرة كالثعلب فى مكرها:
_ ابعدين دى جايالك على طبق من دهب ، يعنى هى مقطوعة من شجرة مالهاش حد يعنى ورقة عرفى تخلص الموضوع بكل سهولة ، إلى جانب ان اخوها بيدور عليها ف كل حتة ، يعنى سهل جدا بعد ما تاخدى الولد ترميها و سيبى الباقى عليه ، و حلال عليكى انتى و أكمل البيبى
توقفت للحظات كى تستشف ردة فعل رزان و التى بدا عليها الاقتناع بما سمعت توا ، حيث تحك ذقنها محاولة حساب التحذيرات بكل الأبعاد الممكنة ثم ترفع سبابتها قائلة بحيرة:
_ بس بنت زى دى حويطة و ممكن تقول على سنة الله و رسوله
زمت مها شفتيها بسخرية و هى تقول ببساطة:
_ و فيها اى يعنى؟ ، خليها رسمى عشان حتى هى من جواها تبقى مرتاحة ، و ساعتها مش هتلحق تثبت أى حاجة لإن اخوها هيلحق يق,تلها و كمان استغلى فكرة انها مش هتقدر تخرج عشان خايفة من إنها تولد فى البيت مش مستشفى تقدر تقف بورق ولادتها قصادنا ولا اى؟!
التمعت عينا رزان بخبث قبل ان تلتفت إلى مها قائلة بإعجاب:
_ أما فكرة هايلة
_ ناقص بقى نقنعهم هما الاتنين
قالت رزان بتأكيد:
_ سيبيلى أكمل و امسكى انتى زينة

فى اليوم التالى ، دلفت إلى الغرفة بعدما طرقت بابها و حصلت على إذن للدخول ، مبتدئة كلامها قائلة بشاشة:
_ مساء الفل
نظرت إليها زينة بابتسامة و هى تقول بود:
_ مساء النور يا أبلة
كادت أن تبصق غصة بحلقها بعدما وصل غضبها إلى الغليان حيث تقول فى نفسها بضيق:
_ أبلة ف عينك
ثم سرعان ما أظهرت ابتسامتها المصطنعة المجاملة قائلة و هى تنظر إلى ذراعها المطلق سراحه توا:
_ عامل اى دراعك دلوقتى؟
تلمست فاطمة ذراعها بخفة قبل ان تقول:
_ كويس بس خايفة احركه
اقتربت منها مها حتى جلست بجانبها و أمسكت بذراعها بخفة و هى تقول:
_ لا ماتخافيش ده ف الأول بس ، بعد كدة هتعدى
ثم أخذت تحركه يمينا و يسارا و للأعلى و الأسفل ببطء و زينة تراقب دون كلام حتى وجدتها مها فرصة مناسبة حتى تفتح الطريق لخطتها بقولها:
_ قوليلى يا زينة ، إنتى بعد كدة ناوية تعملى اى؟
سرعان ما انقلبت معالم زينة رأسا على عقب حيث تمط شفتيها بحزن و هى تقول بحيرة:
_ و الله مانى عارفة ، هشوفلى مكان اتتاوى فيه و خلاص
تشدقت مها بنبرة ذات مغزى:
_ و اى رأيك تفضلى معانا علطول؟
قطبت زينة بين حاجبيها حيث تلتفت إلى مها قائلة بدهشة:
_ جصدك اى يا أبلة؟ ، أجعد معاكم كيف و بصلة ايه؟

_ اتجوزها؟! ، انتى بتقولى اى يا رزان؟
صرخ بها أكمل باستنكار متكالب مع الصدمة بينما تتحدث رزان بنبرة محبة مستكينة عكس الصخب المعتمل بصدرها:
_ ده أسلم حل عشان تجيب الوريث اللى ياخد اسمنا بعد كدة
زمَّ شفتيه قائلا بسخرية:
_ اسمنا؟ ، أمال زينة هتروح فين؟
تناولت شهيقا عميقا زفرته بحرارة و قد بدأت الدماء تحتقن بعروقها حيث تقول بامتعاض:
_ هتتجوزها و أول ما تولد ، ترميها بقرشين و خلاص
وقف عن الكرسى بسرعة و قد كور قبضة بيده غضبا حيث يهدر مستهجنا:
_ و ليه يتضحك عليها بالشكل ده يا أستاذة؟ ، انتى بتستهبلى؟ ، ترضى يحصل كدة معاكى؟
نطقت رزان بثقة يعلوها الاستنكار:
_ إنت جاى تساوى واحدة أخوها بيدور عليها عشان يغسل عارها بيا أنا؟!
ثم أشارت بسبابتها نحو صدره قائلة باقتضاب:
_ بالنسبة لى و انت عارف انى بغير اوى اوى ، ممكن اسمح انها تفضل معاك ، بس المشكلة الكبيرة ان سمعتك ساعتها هتروح فى الحضيض خاصة و أن جوزها ده رجل أعمال و ممكن يطلع يعرفك ، قوم يبتزك بصور مراتك اللى هي بقيت من شرفك دلوقتى ، ولا يلاقيها أخوها قوم يق,تلك انت و هى مع بعض!

قربت فمها من أذن زينة التى امتقع وجهها و اكتسى بمعالم الحيرة حيث تهمس بتأكيد:
_ و بعدين ، إنتى خلاص ماعادش ليكى مكان بين عيلتك ، و ربنا حب يعوضك بعيلة تانية تحتويكى و تحافظ عليكى ، و الولد اللى راح منك بسبب الحادثة اياها هييجى تانى ان شاء الله
تحدثت زينة بقلق:
_ طب و اى جول أبلة رزان على اللى بتجوليه ده؟
قالت مها ببساطة:
_ يا حبيبتى رزان هى اللى باعتانى ليكى أبلغك بنفسى ، هى شافت إنك بنوتة طيبة و تستحقى تجيبى ولد يحمل اسم عيلة السمرى ، و يا ستى هتتقسم بينكم الليالى بالعدل
نظرت زينة إلى الجهتين محاولة تدبر الأمر فى مخيلتها و قد نفذ أسلوب مها فى الإقناع بمنتصف رأسها الا انها لا تزال غير مصدقة كون رزان ملاكا إلى الدرجة التى تسمح فيها بمشاطرة زوجها ، تحدثت بهدوء يسكنه القلق:
_ طيب هفكر و أرد عليكى

بينما على الجهة الأخرى اتجه أكمل إلى باب غرفته كى يخرج دون إبداء جواب على ما سمع ، تاركا رزان التى أصبحت تسبح فى بحر ظنونها و تكاد تجزم بأنه يريد بقاء زينة معه و حملها لاسم الطفل ، بينما يقف أكمل قبل ان يمسك بالمقبض ثم يتحدث و وجهه أمام الباب دون ان يستدير قائلا بلهجة قاطعة:
_ مش هوافق إلا لما زينة توافق الأول ، غير كدة تنسى
ثم خرج و أغلق الباب دون سماع رد منها كى تزفر بضيق و هى تقول من بين أسنانها:
_ هو ده اللى انت فالح فيه؟ ، بس مش مشكلة نصبر شوية هى هتقول اى يعنى؟

أمسك بهاتفه الصغير الحجم ذا الأزرار البارزة ثم ضغط عليه عدة مرات قبل أن يضعه عل أذنه منتظرا إجابة الطرف الآخر التى أتت بعد برهة:
_ سلام عليكم
حمحم بخشونة قبل ان يتحدث بترحاب:
_ و عليكم السلام ، أيوة يا حسنى عامل ايه يا واد عمى؟
نطق حسنى و هو يضع يده على رأسه محاولا حجب أشعة الشمس الحارقة عن رأسه هاتفا بترحيب:
_ مليح يا معتمد ، اى أخبارك ياخوى
_ الحمد لله و الله
استطرد حسنى بنبرة ثاقبة:
_ و أخبار البلد ايه؟
زفر معتمد بضيق و قد غلف الوجوم ملامحه حيث يجيبه بسؤال آخر:
_ هتعاود ميتا من مصر؟
مط الآخر شفتيه بضيق و هو يقول بجمود:
_ لسانى ما خلصت شغل
ثم أردف باهتمام يشوبه القلق:
_ فى حاجة ولا ايه؟
نطق معتمد بحزن اعتلى حباله الصوتية حتى خفت صوتها المنبعث:
_ الشهاوية مش ناويين يجيبوها لبر يا واد عمى ، كل يوم خناج و مشكلة كبيرة بتوصل لابوك ، كنهم عايزين يرجعوا كرامتهم للطار تانى بعد ما بعزجهالهم سليم
عم الصمت بينهما للحظات حتى سمع صوت زفرة حارة انبعثت من حنك حسنى الذى أردف يقول بجفاء:
_ و أبوى مارضيش يجولى عشان خايف لاتهور عليهم ، صوح؟
_ صوح و امننا أمانة كبيرة مانتصلش عليك لكن انت أمنتنى جبل ما تسافر انى أعرفك اللى حوصل ، و ادينى بجولك اهه
أردف يشكره عابسا:
_ تسلم يا واد عمى ، عايز كل جديد تبلغنى بيه

كان كل من أكمل و رزان يجلسان فى الشرفة و هما يحتسيان الشاى ، و الصمت المطبق هو سيد الموقف بعد ما آلت إليه التطورات من إحداث قرار جديد قد يسهم فى تغيير مجرى العديد من الخطط المستقبلية ، فحيثما تريد رزان الحصول على طفل يرث ثروتهم الطائلة بعد عمر طويل ، بينما على الجانب الآخر يفكر أكمل مليا قبل خوض هكذا تجربة خاطئة تنبنى فى أساسها الأول على الخداع ، شق السكون صوت دقات الباب المتواترة بسرعة ، اجفل الاثنان ثم تبادلا النظرات المتسائلة حتى وقفت رزان كى تفتح و علامات الحيرة باتت جلية على وجهها ، دلفت الغرفة ثم اتجهت إلى الباب ، ما ان فتحته حتى فوجئت بمها تعانقها بحفاوة و هى تقول بسعادة:
_ زينة وافقت يا رزان ، وافقت على الجوازة خلاااص
أتاها صوت أكمل الذى خرج من الغرفة قائلا بدهشة لا تخلو من الحماسة:
_ بجد و الله؟ ، زينة وافقت؟!
ابتعدت رزان عن مها ثم استدارت لتطالع وجهه بمعالم مكفهرة لتبهت لهفته سريعا ، ثم يحمحم قائلا بهدوء:
_ كويس ، شوفوا الفرح هيبقى إمتا؟
ثم خرج من الغرفة تحت عيني رزان الحارقتين بينما تلكزها مها على ذراعها قائلة بحدة:
_ مش كدة يا ماما هتخليه يزعل منك
تناولت رزان شهيقا بملء صدرها زفرته ببطء قبل ان تلتفت الى مها قائلة بغضب مكتوم:
_ شفتى كان فرحان ازاى؟
قالت مها ببساطة:
_ يا عم عادى ، اعتبريه عايز يجرب نزوة مرة
تشدقت رزان باستنكار:
_ لا و كمان عايز يعمل فرح! ، اهبل ده ولا الفرحة نسته اللى المفروض يحصل؟
أمسكت مها بيد رزان ثم جذبتها إلى أقرب كرسى كى تجلس و تدع لنفسها فرصة التقاط أنفاسها اللاهثة إثر ثورة انفعالها فى هذه اللحظة ، بينما تقول مها بخبث:
_ يا ستى هو نسى أنا مانسيتش
قطبت رزان حاجبيها و هى تحدق فى مها بعدم فهم بينما تزيح مها غمامة التساؤل عن رأسها قائلة:
_ هفهمك ، كنت قاعدة فى الأوضة بسرح شعرى ، بعد كدة لقيت الباب بيخبط ، و..
وقفت مها عن مجلسها ثم ذهبت نحو الباب حيث فتحته لتجد زينة التى رفعت بصرها إليها قائلة ببراءة:
_ مساء الخير يا أبلة مها
ارتسمت ابتسامة مرحبة على وجه مها قائلة:
_ أهلا أهلا يا زينة ، اتفضلى
قالت الأخيرة و هى تفسح المجال لها كى تدخل بخطوات صغيرة يكاد يُسمع صداها ، بينما تغلق مها الباب ثم تقول بنبرة ودودة:
_ اى أخبار صحتك دلوقتى يا حب؟
أخذت تفرك أصابعها بعنف لفرط توترها الذى بلغ منتهاه بينما تمسك مها بيدها ، حتى نظرت إليها زينة بعينين مرتجفتين قائلة بتلعثم:
_ انى انى ، م موافجة عالجواز من أكمل بيه
اتسعت ابتسامة مها حتى كادت تصل إلى أذنيها حيث تهتف بفرح:
_ بجد؟ ، الف الف مبروووك مقدما يا حبى
نطقت زينة بتساؤل:
_ هو أكمل بيه يعرف؟
أجابتها مها بتأكيد:
_ طبعا يعرف و موافق كمان و رزان موافقة و انا موافقة ، يبقى على خيرة الله
اماءت زينة برأسها بهدوء يكسوه الخجل بينما تستطرد مها و كأنها تذكرت توا بلهجة جدية:
_ بس فى حاجة لازم اقولهالك يا زينة
رفعت بصرها إليها بتركيز بينما تكمل مها ممهِّدة:
_ مش هنقدر نعمل فرح ليكم
اتسعت عيناها بصدمة و قد أثار الكلام دهشتها بينما وقفت مها ثم سارت نحو صورة فوتوغرافية كبيرة الحجم معلقة بحائط غرفتها ، ثم أشارت بسبابتها إلى هذه الصورة و هى تمط شفتيها مبررة بحزن:
_ أصل دى سنوية بابى خيرت بيه السمرى ، و ماينفعش اننا نحتفل و كدة
خفتت بهجة زينة تدريجيا بينما تحركت مها عن مجلسها حتى أتت جانبها و أمسكت بكلا ساعديها محاولة فك انقباض عضلات وجهها مجددا بقولها واعدة:
_ بس ماتخافيش هتتعوض قريب ان شاء الله ، معلش بقى
تنهدت زينة بهدوء قبل ان تومئ برأسها على مضض إشارة إلى موافقة منقوصة الرضا

ضر,بت كفها بكف أخت زوجها بحماس بينما تقول بفرحة تشيد بها:
_ برافو عليكى يا مها ، اى الدماغ الحويطة دى؟
عدلت مها من هيئة ياقتها بتظاهر و هى تقول بنبرة متكبرة:
_ عييييب انتى موقفة رجالة
قالت رزان فى نفسها بمكر:
_ و لسة دى أول حاجة ، بعد كدة هتشوف حاجة تانية طول التسع تشهر دول يمكن تسيب هى البيبى بنفسها

_ ما تلم طوريتك من اهنه يا صبرى
اعتدل بجذعه ثم ترك فأسه و اقترب من القائل الزاجر حتى وقف مقابله قائلا بسخط يملؤه التحذير:
_ بعد عن اهنه يا سالم
هدر سالم بعناد:
_ مش هبعد عن أرضى و اللى المفروض يبعد يبجى انت يا عرة الحرامية
احتدت عينا الآخر و كزَّ على أسنانه بغضب حتى ظهرت نواجذه حيث يكور قبضة بيده مهاجما بها الآخر بهدر:
_ بجى انا حرامى يا ابن المركوب؟
كان لسالم السبق فى استدراك لكمته حيث أمسك بكلا معصميه و استطاع أن يدفعه حتى وقع أرضا نظرا لأنه يتمتع بجسد أشد بأسا ، نظر إلى الواقع بالأرض اللينة حتى تمرغت ثيابه ، بازدراء قبل ان يقول باستعلاء:
_ حرامى و ضعيف كمان ، سيب أرضنا يا عرة الرجال
ثم استدار إلى الجهة الأخرى مهمهما باستحقار:
_ مفضوحين من يومكم
ما ان وصلت آثار همهمته إلى الجالس أرضا حتى نفث أنفاسه بقوة و قد ازداد إفراز الادرينالين لديه حتى طغى الغضب على عينيه ، حيث وقف عن مكانه ثم أمسك بفأسه و أصاب به سالم المستدير غدرا ليقع صريعا

 

الفصل الثانى عشر:

((الحب دوما يخترق الآفاق ، دوما يخالف التوقعات ، دوما ينير القلوب ، دوما يزيح الشرور فهل ينجح بذلك معه؟!))

أسدل الليل ستاره و توارت الأمكنة خلف الظلام ، و انغلقت الجفون على العيون ، و أصابت العتمة البيوت ، عدا قصر السمرى الذى لا تزال أنواره مضاءة جلية حيث تم عقد قران اثنين دون زفة او أصوات تهليل ، بل زيجة سرية و كأنها عرفية على الرغم من كونها رسمية! ، بصم إبهام العروس على أوراق زواجها و المفترض أنها إعلان لدخولها حياة جديدة ، و لكنها تجهل انها ستكون بمثابة مقصلة اعدامها قريبا! ، تخط درجات السلم الطويل و هى تجر ذيل فستانها الذهبى المنسدل على الأرضية خلفها ، تترقبها نظرات عاصفة من التابعتين لها ، إحداهما تبتسم من جانب ثغرها بخبث حيث تم تحقيق الجزء الأول من أمنية أخيها المنشودة قبل أعوام ، تشد من قبضتها على يد الثانية المنشغلة بكبح عبراتها التى تود الخروج بإصرار ، تحاول تهدئتها و الشد من ازرها فى فاجعتها المؤلمة ، و لكن صدق ما يقال لا يشعر بلسعة النار سوى صاحبها!
تنظر إلى الأمام مع ابتسامة مشعة بالأمل تعلو محياها ، تطالع برأسها محدقة بباب غرفتها الذى أعيد إعداده بأمر من مها كى يبدو فى أبهى صورة تليق بعروس جميلة شأنها ، ترمقه ببهجة و قد هيأت لها المكيدة بأنها ستقضى أجمل أيام حياتها خلف باب هذه الغرفة! ، اقتربت من الباب بخطوات ثابتة تتمنى لو تعدو نحوها عدوا كى تسرق الثوانى لمقابلة مصيرها بزوج هادئ و حنون كأكمل! ، بينما غيرت رزان الاتجاه منسحبة إلى غرفتها حيث أسرعت نحوها ثم أغلقت الباب سريعا ، غير عابئة بنداءات مها الخفيضة الصوت كى لا تثير ريبة زينة _التى انطلقت دون اكتراث_ ، ظلت تطرق الباب بخفة و هى تنادى بقلق:
_ افتحى يا رزان ، بلاش تعيطى لوحدك ، أرجوكى افتحى يا قلبى
بينما على الجانب الآخر كانت رزان تقول بصوت مختنق:
_ أنا مش بعيط ، ماتخافيش عليا
هتفت مها باستنكار:
_ ماخافش عليكى ازاى بس؟ ، افتحى و إلا هقول لأكمل لما يطلع
تناولت شهيقا عميقا زفرته بحرارة قبل ان تقف ببطء ثم تفتح الباب ، و تستدير إلى الجهة الأخرى حيث تدخل مها ثم تغلق الباب خلفها سريعا كى لا تصل أصواتهم القلقة إلى الآذان

و على الرغم من انهيار رزان و ألمها المضاعف على ذهاب زوجها لأخرى ، إلا أن أكمل لم يلتفت إلى ذلك بتاتا و إنما كان يعد الثوانى هو الآخر لاقترابه من الغرفة و كأنه ينتظر حياة جديدة بهذا المكان ، ينتظر مقابلة زينة و لأول مرة وحيدين لا تعكر الألقاب و الرسميات صفو لقائهما ، و إنما حصل قانونيا على الحاقها باسمه خاصة و لحسن حظه أنها أتمت الثامنة عشر أثناء بقائها معهم ، بلهفة طرق الباب قبل ان يدلف دون انتظار الإذن لذلك ، بينما تجفل هى عن شرودها لتقف عن السرير بسرعة و قد أخذ وجيب قلبها يعلو و يهبط باضطراب ، جهل ما شعرت به فى هذه اللحظة و إنما أوصد الباب خلفه ، و استدار يقترب منها بجرأة بينما هى توليه ظهرها وتضع يدها على قلبها الذى بات كمضخات ، صار خلفها مباشرة ليمسك بكلا عضديها بين قبضتيه لتتوقف كافة أعضاؤها عن العمل ، و قد بلغ الخجل منها مبلغه حتى تمثل فى الحمرة التى اكتست وجنتيها و زادتهما جمالا على جمال ، ادراها إلى جهته ببطء ليجدها فى أوج زينتها الطبيعية ، تبارك الخلاق فيما خلق! ، حاجبان كثان يعلوان عينين سوداوتين تعانقهما أهداب طويلة مع وجنتين متوردتين خجلا دون زينة ، و شفتان مكتنزتان حركت غرائزه لالتهامهما فى التو و اللحظة ، و لكنه بادر بالإحكام على انفعاله و هو يمسك بذقنها رافعا رأسها حتى باتت تنظر إليه ببراءة الأطفال التى تميزها حيث يقول بابتسامة مطمئنة:
_ مافيش داعى للكسوف ، انا بقيت جوزك خلاص
همست مع تنهيدة حزن و قد تذكرت توا:
_ جوزى من غير زفة!
حرك أنامله على وجنتها ببطء و هو يمط شفتيه حزينا:
_ معلش يا زوزو ، بس كله كان عشان مصلحتك ، انا برضه راجل معروف و جوازنا هيتنشر فى الجرايد أكيد ، لولا خوفى من أن اخوكى يعرف مكانك ماكنتش سمحت بالفرح السكيتى ده أبدا
اتسعت حدقتاها ترمقه بتأمل و هى تقول بدهشة يخالطها الإعجاب:
_ اى ده؟ ، يعنى لولا خوفك من اخوى كنت عملت فرح ف سنوية ابوك
صمت للحظات محاولا اكتشاف مغزى عبارتها الغير مفهومة هذه حيث يقول فى نفسه بدهشة:
_ ابويا؟!
ثم سرعان ما استطرد قائلا قبل ان يبادرها الشك لسكونه بابتسامة متوترة:
_ أيوة أيوة ، أ اكيد طبعا كنت هعمل الفرح حتى لو فى سنوية ابويا
ثم حاوط خصرها بيسراه و بدأ بازاحة بعض من خصلات شعرها بهدوء تام مما أحدث رعشة أصابت جسدها كاملا ، قال قبل ان يفقد السيطرة على نفسه بحب:
_ و بعدين سيبك من اخوكى و أبويا و خلينا ف ليلتنا يا قمر
أغمضت عينيها بشدة و قد عادت وجنتاها إلى التورد مجددا و بات صدرها يعلو و يهبط من جديد ، و هو ما دفعه إلى الاقتراب منها أكثر حتى لم تعد تفصلهما بضعة إنشات ، رفع يسراه إلى شعرها ، حيث خلله بانامله مقربا رأسها منه لنيل قبلته الأولى من هاتين الشفتين الرقيقتين اللتين أثارتا جنونه منذ رآهما للمرة الاولى ، بينما تمتد يده الحرة إلى سحاب فستانها هادما حصونها المنيعة ، و جدران خجلها السميكة التى أخذت فى الانهيار تدريجيا ما ان امتدت شفتاه إلى نحرها ثم ترقوتها بجراءة ينهل من عبيرها ، بينما هى كقطة صغيرة ضعيفة المواء تستجيب إلي لمساته و قبلاته دون إبداء اعتراض أمام براثنه المحوطة إياها

أما رزان فلقد كانت بموقف لا تحسد عليه كليا ، حيث تنام على الجانب الآخر من السرير الذى تشاركها فيه مها هذه الليلة ، أسفل غطائها المواري جسدها كاملا ، تزداد شهقاتها برعونة و قد أيقنت أنه يقبع بين أحضانها الآن ، تشعر و كأن خناجر مسمومة تغرس بقلبها دون رحمة ، تطلب النجاة من هذا العذاب و لكن ما من سامع او مجيب او مشارك لها بغمها ، أثقال بحجم الجبال أُلقيت على كاهلها عقابا على ما أقبل عليه عقلها المريض من خطوة تكاد تدمر حياة صغيرة فى طور الاكتمال! ، فلكل فعل رد فعل ، و لكل مخطط تبعات

تململت فى فراشها حينما ازعجت دقات الباب المتواترة نومها و كأنما عازمة على إزعاج نومها ، حيث تبعد أهدابها الطويلة عن بعضها ، و قد لاحت إلى ذاكرتها أحداث ما تم بالأمس لتبتسم فى نفسها بخجل ، بينما تفتح حدقتيها جيدا حينما سمعت صوت أكمل الذى يقول بلهجة آمرة:
_ أنا هاخد الأكل ، امشى انتى يا أمينة
رفعت رأسها إلى الأعلى بتعب لتطالع أكمل الذى أغلق الباب ثم أخذ يحرك العربة الصغيرة الممتلئة بأصناف من طعام الإفطار نحوها ، قبضت زينة على طرف الغطاء المدثر جسدها و هى تعتدل بخفة بينما يقول أكمل ما أن لحظ استيقاظها بافتتان:
_ صباح الفل
_ صباح النور
ثم استطردت قائلة:
_ إنت ليه ما صحتنيش أجيب انا الوكل من أمينة؟
أمسك بقطعة من الخبز المربع الناعم ملمسه بين أنامله ثم قال مبررا ببساطة:
_ لإنك كنتى نايمة و مارضيتش اقلقك ده غير ان…
حانت منه التفاته إلى جسدها الممدد _الذى يكسوه الغطاء فقط_ ثم غمزها متبعا بخبث:
_ انتى ف وضع ما يسمحش تفتحى الباب قبل نص ساعة
أخفضت بصرها سريعا و قد عادت حمرة الخجل إلى وجنتيها من جديد ، بينما يقرب أكمل قطعة الخبز مع المربى من فمها و هو يعض على شفته السفلى متعجبا بمرح:
_ يادى الكسوف اللى هيودينا ف داهية ده ، يا بنتى انتى مش خايفة على نفسك؟!
اتسعت حدقتاها فجأة لتزدرد ريقها بتوتر و هى تمسك بقطعة الخبز من يده قائلة بسرعة:
_ ايوة و الله خايفة
أردف محذرا و هو يتناول قطعة أخرى من الخبز:
_ يبقى كلى علطول و بلاش تخلينى أنسى نفسى

أراح ظهره على كرسيه البالغ القدم و هو يضع قدما فوق أخرى قائلا بشموخ:
_ فى العملية دى هاخد تلاتين (30) باكو يا معلم محمد
لوى سيد فمه استهزاء و هو يقول مستهجنا:
_ ليه ان شاء الله؟ ، أنت هتخترع موتة؟ ، دانا كل اللى عايزه حادثة عربية تجيب أجله
أشار بيديه محاولا التبرير بقوله:
_ يا معلم إيجار اللورى اللى هتضر,به غالى ، و بعدين افرض اتمسكت؟!
_ يبقى التلاتين باكو اللى هيطلعوك يعنى يا ذكى؟
تشدق بها ساخرا ، ليهم الآخر على الاعتراض بينما يوقفه محمد بإشارة من يده قائلا بحسم:
_ كلمة واحدة ، يا تنفذ ب15 و لك 5 للورى يا اجيب غيرك ، ها؟
قال الأخيرة و هو يميل برأسه قليلا يستميل الآخر إلى الموافقة ، حيث قال بنبرة خائبة الأمل ممتعضا:
_ خلاص هعملها

عاد أكمل إلى المنزل بعد انتهاء يوم حافل بالأعمال المكومة بشركته ، بعدما تركها لأكثر من أسبوع دون رقابة للمهام المطلوبة بها ، حيث للقائد أهميته مهما بلغ عدد التابعين! ، بينما يقترب من باب غرفة زينة و هو يمسِّد على عنقه بتعب ، توقف فجأة ما ان لاح إلى مسمعه صوت انثوي مستنكر يحفظه عن ظهر قلب تقول صاحبته بحدة:
_ رايح فين يا أكمل؟
استدار ببطء ليجد رزان التى تقف و هى تعقد ذراعيها أمام صدرها بغضب ، و معالم وجهها لا تنم على خير أبدا ، فنطق بجمود:
_ رايح لمراتى يا رزان
احتدت معالمها أكثر من اللازم حيث تقترب منه و هى تدب الأرض بعنف حتى صارت واقفة أمامه ، ثم هدرت بغضب:
_ مش قعدت معاها أسبوع كامل؟ ، عايزة اى تانى ما تسيبها بقى؟!
_ و قعدت معاكى إنتى امبارح و ليلتها النهاردة
قالها ببرود قبل أن يقبض على ساعدها بقوة دفعتها إلى التأوه بألم بينما قرب فمه من اذنها ثم همس بصوت كفحيح الأفعى:
_ مش معنى انها مجرد وسيلة لابنى انها مش مراتى يعنى؟ ، لحد ما تطلع من هنا هتفضل مراتى ، و يوم ليكى و يوم ليها و ياريت ماتعليش صوتك عشان ماحدش يسمع ، فاهمة؟!
ثم حررها من بين براثنه القاسية التى تركت علاماتها على عضدها ، تاركا إياها إلى وجهته التى بات يهرول إليها بأتم سعادته ، لتجثو رزان على ركبتيها و قد تقطعت نياط قلبها ألما بعدما بدأت فى حصد الأشواك التى زرعتها بطريق زينة كى تجرحها عِوَضا عنها!!

_ يووووه ، عايزة اى بجى ماتصدعينيش!
زمجر بها حسنى بضجر بعدما طالع رنة هاتفه و التى كانت مضيئة باسم زوجه نجاة ، حيث هذه تعد الرنة الأربعين تقريبا ، يجيبها بالتجاهل فتصر على التكرار ، على علم تام بماهية الموضوع الذى ستفتح الحديث فيه ، الانفصال و ما غيره تنشده؟ ، و لكنه يأبى حتما الامتثال إلى سؤالها و أمر والده ، فلا يحصلان سوى على التجاهل! ، بينما يشق طريقه الى البحث عن أخته المختفية طيلة النهار عازما على الإتيان برأسها أولا ، و البقية من تَلْقِين نجاة درسا ضمن الخطوة التالية! ، أغلق الهاتف مجددا ، لتبادره الرنة المزعجة من جديد ، ليزفر بضيق قبل ان يسحب زر الإجابة معدا نفسه لامطارها بوابل من السباب اللاذع ، قبل ان يهم فى الحديث سبقته نجاة التى تحدثت بصوت جليدى خال من الحياة:
_ عارفة انك مش هترد و مفكر انى بتصل عشان الطلاج ، لكن انى كل ده بتصل عليك عشان اجولك ان معتمد ولد خال ابوك مات
انفغر فاهه إلى آخره من فرط صدمته التى الجمت لسانه نهائيا بينما أكملت نجاة بصوت متألم تملؤه الحسرة:
_ عاد الطار مرة تانية لما صبرى ولد الشهاوى جتل سالم بالطورية ، واخوه معتمد خد بطاره بعدها بيومين و دلوكت لجيناه هو اللى مجتول ، بدل ما تدور على حرمة لا حول ليها ولا جوة ، تعالى الحج الدم اللى هيسيل للركب يا جوزى
ثم أغلقت الهاتف قبل انتظار رد واحد منه تاركة إياه مكفهر الوجه ممزق القلب لا يعرف ايحزن ام يغضب؟ ، أيكبح عبراته و يعود للثأر ، أم يبكى قليلا و يعاود البحث عن أخته المحصنة الغافلة؟! ، كل ما استطاع القيام به فى التو و اللحظة ان ينطق بصوت مختنق مقهور:
_ مت و سيبتنى لوحدى يا واد خالي ليييه؟ ، مت و سيبتنى ليييه؟ ، ليييه؟

كانت تنزل على درجات السلم بغير هدى ، حيث تشعر بأن رأسها مزلزلا و برؤية مشوشة تشعر بالمكان يتمايل حولها ، تشد من قبضتها على سور السلم محاولة المحافظة على توازنها ، قابلتها مها عند آخر الدرج قائلة بابتسامة مصطنعة:
_ صباح الخير يا زوزو
لم تجبها و إنما أمسكت برأسها بشدة محاولة التخلص من هذا الصدع الذى أصابه ، بينما تمسك مها بساعدها قائلة بقلق:
_ مالك يا زينة؟
همَّت لتنطق و لكنها لم تعد تستطيع الوقوف أكثر من ذلك حيث تقع أرضا _مفلتة يد مها_ مغشيا عليها و قد غاب عقلها عن الوعى تماما

 

رواية (قطة فى وادى الذئاب) الجزء الأول:-
الفصل الثالث عشر

_ مبروك المدام حامل
أردف بها الطبيب و هو يعيد سماعته الطبية إلى داخل حقيبته بعدما أنهى فحص زينة _التى لا تزال فاقدة للوعى_ لتنفرج أسارير مها و هى تربت على ساعد أكمل قائلة بسعادة:
_ الف الف مبرووووك ياخويا
لم يحرك ساكنا او يخرج صوتا و إنما ظل على حاله متصنما بمكانه مع عينين متسعتين و فم منفغر عن آخره ، يحاول استيعاب ماهية ما وصل إلى مسمعه توا ، غير مصدق بتاتا كونه سيصبح أبا و لديه صغير تحمله زينة الآن! ، غير مصدق أنه استشعر لذة مذاق هذه اللحظة أخيرا ، يشعر فعليا بأن قلبه بات له جناحان يحلِّق بهما بحرية فى أفق السعادة
اجفل حينما سمع صوت انغلاق الباب بعدما خرجت مها برفقة الطبيب ، ليلتفت أكمل إلى زينة التى لم تخرج بعد من حالة اللاوعى التى سببها صغيرهما المشترك! ، اقترب منها ثم عقص أحد ركبتيه أسفل فخذه جالسا بجانبها ثم أخذ يمسد على شعرها برفق و هو ينقل بصره بين وجهها و بطنها بحنان جارف ، لا يعرف كيف يعبر عن سيل مشاعره المضطربة بين ذهول و فرح و عرفان؟! ، اخرجه من شروده دخول رزان الغرفة دون دقة أو طلب استئذان ، بملامح ممتقعة وقعت عيناها على زينة النائمة بضعف ، و كما حال أكمل يؤلمها صدع رهيب سببته مشاعرها المتضاربة بين سعادة لاسترسال امنيتها فى التحقيق و شعور بالنقص المؤلم لكونها لم تستطع تقديم هكذا هدية صغيرة بعد كومة محاولاتها المتكررة بينما استطاعت تلك الصغيرة تحقيق ذلك فى غضون شهرين لا أكثر! ، وقف أكمل عن مجلسه ما ان طالع وجه زوجته الاولى و أنسه الدائم فى السراء و الضراء ثم أسرع إليها منتشلا إياها من صراع أفكارها حيث يأخذها بين ذراعيه فى عناق حميمى يملؤه الحنان في حين يقول بسعادة منتشيا:
_ الحمد لله يا رزان ، حلمنا هيتحقق أخيرا يا حبيبتى ، أخيرا هنبقى بابا و ماما ، انا مش مصدق ، و الله ما مصدق
أزاحت بأنملها دمعة استطاعت الهروب من محبسها قبل ان يفتضح أمرها ، حيث تغتصب ابتسامة بثغرها و هى تبتعد عنه ثم تحتضن وجهه بين راحتيها قائلة بسرور يعكس بداخله صرخات جازعة:
_ الف الف مبروووك يا حياتى ، بجد انا مبسوطة لك اوى ، ربنا يتمم الشهور الجاية دى على خير و تشيل ابنك بإيدك
_ إن شاء الله

بينما كانت تضع نجاة طعام الإفطار على الطاولة القصيرة مقربة إياه من قاسم الذى شرع فى تناول الطعام ، قبل ان يصدر اللقمة الأولى بجوفه اوقفته دقات الباب العالى صوتها حيث يترك لقمته على الطاولة ثم ينظر إلى نجاة التى تحدق به مقطبة الوجه فتقول ما ان وجَّه بصره إليها:
_ مين ده اللى هيخبط الساعة ستة؟!
أسند قاسم كفه على الأرض ثم وقف على مهل ، قبل ان يلتفت إلى نجاة قائلا بأمر:
_ ادخلى جوة يا نجاة
_ حاضر
قالتها و هى تبتعد ممتثلة لأمر عمها الذى سار نحو باب المنزل الكبير دون ان يرتدى عمامته او يمسك بعصاه حتى! ، ما ان وقف خلف الباب حتى نطق متسائلا:
_ ميين؟
أتاه صوت رجولى خشن النبرة يعرفه حق المعرفة كما يعرف صاحبه ، يقول بصلابة:
_ انى يابوى
جحظت عيناه سريعا و قد توقفت أنفاسه عن الاسترسال للحظات محاولا تصديق ظنونه التى لاحت إلى عقله بلحظتها ، لم يطق الإنتظار أكثر من ثوان حيث بدأ فى فك ترابيس الباب سريعا ، و ما ان فتحه على مصرعيه حتى عادت نبضاته إلى العمل من جديد و قد صَدَقَ عقله و حواسه فى الترجمة حيث لم يكن الطارق سوى ابنه البكرى حسنى ، هتف بنبرة يعلوها الاشتياق و هو يفتح ذراعيه مرحبا:
_ ولدى! ، حسنى
وضعت نجاة يدها على قلبها الذى بات يعمل كمضخات محاولة تهدئة روعه قليلا بعدما لاح إلى مسمعها اسم من عدته يوما زوجها ، من لم يترك دربا لاهانتها إلا قطعه ، من ق,تل طفلها بإحدى ضر,باته الطاغية ، من أصبح مجرد _بقاؤها فى ذمته_ كابوسا تنشد فورا الخلاص منه قبل ان يكتم على أنفاسها حارما إياها لذة الحياة

و بينما خرجت مها من غرفة زينة خرجت قبلها رزان التى ما عادت تحترمل هول الموقف الذى اقحمت نفسها فيه ، كما لا تصدق كونها ستبقى أسيرة هذا المرار طيلة السبعة أشهر الباقية ، فقط تحاول إطفاء النيران المضرمة بقلبها تعذبه إلى حين إتيان ثمرة أفعالها ، بقى أكمل فى مكانه الذى لزمه منذ معرفته الخبر تقريبا ، مجانبا لها ، يمسد خصلات شعرها ، و ينتقل بيده كل حين إلى بطنها يمسدها بجرعات من الحنان يغدقها على جنينه ، ابتسامة فرح و انتصار علت محياه بعدما تحقق مراده بكونه سيصبح أبا أخيرا بعدما ظن الأمر مستحيلا!
بعد برهة من الزمن عاد الوعى إلى رأسها تدريجيا و قد نجح مفعول المحلول الذى غرس الطبيب ابرته بمعصمها قبل ذهابه ، لتبعد أهدابها عن بعضهما ببطء شديد و قد بلغ الإرهاق منها مبلغه ، شيئا فشيئا بدأت الرؤية تتضح أمامها فأتبعتها بتأوهات خافتة انبعثت من حلقها ، لينقل أكمل عينيه إلى وجهها دون ان يزيح يده مقربا فمه من أذنها هامسا برقة:
_ ألف سلامة يا زوزو
_ ايه اللى حصل؟
سألته بنبرة خفيضة متعبة و هى تلتف برأسها نحوه ليجيب أكمل ببساطة:
_ اغمى عليكى عند السلم و وقعتى قلوبنا كلنا عليكى
قطبت حاجبيها ثم عادت تسأل بتعجب:
_ ليه اكده؟
حرك يده المبسوطة على بطنها بنعومة قبل ان يتحدث بحب:
_ عشان انتى حامل يا قلبى
تهللت أساريرها و وجدت الابتسامة طريقا إلى شدقها المتألم حيث نطقت بسعادة غير مصدقة:
_ بتتكلم جد؟!
تشدق و هو يلمس طرف أنفها مداعبا:
_ امال يعنى بهزر؟
انتبهت أخيرا إلى كونه يمسد بطنها طيلة هذا الوقت لتمسك بيده ثم تقول بسعادة بدت بعينيها قبل صوتها:
_ انى مش مصدجة خالص!
أبعد يده عن بطنها ثم أخذها بين ذراعيه بحنو قائلا بحب:
_ لا صدقى يا زوزو ، انتى حامل بابنى دلوقتى

وضع كوب الشاى الفارغ على سطح المنضدة ثم اراح ظهره على الأريكة الخشبية و هو يحك عنقه بإنهاك إثر سهر الليالى الذى بات كظله طيلة الفترة الماضية ، تحت أنظار قاسم الحائرة و نجاة الخائفة ينطق حسنى بارهاق:
_ و الله الواحد تعبان جوى
ثم وقف كى يتمطأ سامحا لعضلات صدره فى الاتساع و هو يقول:
_ انى هروح انام ، بجالى تلات ايام ما نمتش!
تحدث قاسم بنبرة يعلوها الشك كما يعلو نظراته:
_ رجعت ليه يا حسنى؟
_ مش وجته يابوى
قالها بعدم اكتراث و هو يهم بالاتجاه إلى باب الغرفة ، و حينها وقف قاسم عن كرسيه ثم دب بعصاه على الأرض بقوة و هو يقول بصوت مدعَّم بالقسوة:
_ رد على سؤالى وجت ماكلمك ، ولا نسيت نفسك يا ولد مشارى؟!
توقف للحظات قبل ان يستدير إلى الخلف فيواجه نظرات والده التى باتت حارقة ، بادله بنظرات هادئة قبل ان يقول بعزم و صلابة:
_ جيت آخد بطار معتمد ولد خالي يابوى
ضيق قاسم حدقتيه بدهشة قبل ان يتشدق بتساؤل:
_ و انت مين جالك بخصوص معتمد؟
اقتربت نجاة و قد عزمت على الإجابة بجمود بينما ينال حسنى مكانها متهكما:
_ امال ماكنتش عايزنى اعرف كيف؟
التفت قاسم إلى نجاة التى صارت على مقربة منه ثم هب بوجهها كالعاصفة يتهمها:
_ انتى اللى جلتيله ، صوح؟!
و كأن جسدها صار كالفولاذ ما عاد يخشى الصدمات ، واجهت عمها بعينين جافتين ثاقبتين لم يجرؤ أحد قبلا على التحديق فيه بهما ، بينما تحرك لسانها مع صوت انبعث من حنجرتها صامدا محتجا:
_ ايوة انى اللى جلت له ، عشان يرجع عن زينة المظلومة اللى عايز يجتلها دى ، جلت له عشان ياجى و اطلج و أخلص منه بجى ، جلت له عشان ياجى يوجف معاك ف مشكلة الطار اللى بدأ ده ، مش يجتل!
أسرع إليها حسنى و هو يدب الأرض بحذائه قبل أن يمسك بساعدها بين قبضته بقوة دفعتها إلى التأوه بخفة بينما يزمجر و هو يحدجها بنظراته النارية غاضبا:
_ بجى انتى فاكرانى حرمة جريتينى بكلمتين على هواكى ولا ايه؟ ، انى جيت عشان اصفى دمهم زى ما صفوا دم ولاد عمى ، بعد اكده هجتل الفاجرة اللى دايرة على شعرها فى البندر دي
ثم قبض على شعرها بين انامله مما جعلها تحنى رأسها مع اتجاه يده و قد ازدادت تأوهاتها علوا ، صرخ باصرار:
_ و بالنسبة للطلاج يا حلوة انش مطلج ، و اضر,بى راسك ف اجربها حيط
اقترب قاسم منه كى يردعه و لكن كان له السبق حينما تركها دون انتظار الأوامر كى تجثوا على ركبتيها أرضا و قد عاد قلبها إلى النحيب من جديد ، بينما وقف قاسم بجانبها ثم قال دون ان يحنى رأسه بتصميم:
_ هيطلجك يا نجاة ، و انى اللى هجيب ورج الطلاج بيدى يا بتى ، بس الصبر لما نشوفوا حل ف ورطة الطار دى
رفعت نجاة بصرها ملتفتة إلى وجه عمها قائلة بتساؤل يكسوه القلق:
_ و هتمنعه يجتل زينة يابوى؟
أغمض عينيه بنفاذ صبر قبل ان يجيبها ممتعضا:
_ دى حاجة لازم تحصل يا بتى ، ما تسأليش عنها تانى
ثم تجاوز الباب مغادرا الغرفة و نجاة التى غرقت بدموعها التى باتت كظلها فى هذه الفترة المفعمة بالبؤس و الألم

كانت السيارة تمضى فى طريقها بسرعة قصوى يباح السير بها فى هكذا طرق سريعة حيث لا يعبر بها حيوان او بشر! ، طُرُقٌ اسفلتية صُمِّمت لمرور السيارات فقط دون غيرها ، و على هذا النحو لا يحمل أحد السائقين إدانة إذا ما أصاب إنسيا ، و فرصة كهذه كانت أكثر من مناسبة لاصطياد فريسة السيارة التى يقودها أشرف بواسطة شاحنة النقل كبيرة الحجم ، حيث أمن صاحبها خلاء هذا الجزء من الطريق من أى شرطى مرور كى يسد الطريق أمام سيارة الجيب الصغيرة ، تشدق أشرف فى نفسه متعجبا بحنق:
_ ماله الراجل ده؟ ضارب حشيش ولا اى؟
ثم أطلق بعضا من صافرات الإنذار من سيارته كى تفسح الشاحنة الطريق ، و لكنه لم يرتدع او يمتنع بل ظل على حاله مصمما على سدِّ الطريق أمامه كاملا ، مما جعل أشرف يضر,ب عجلة المقود أمامه و هو يكز على أسنانه هاتفا بغضب:
_ ده باين عليه مش هيجيبها لبر ولا ايييى؟
أخذ يضر,ب الصافرات متتابعا دون انقطاع كى يستمع الآخر و يفسح الطريق بسلام ، و لكنه استغل قرب سيارة أشرف إلى الحد الذى جعله يفسح الطريق من جانب السور كى يتقدم أشرف من هذه الجهة بسرعة محاولا التخلص من هذا السائق غريب الأطوار ، و قبل ان يتجاوز الشاحنة ، تحركت الشاحنة الى سيارته حتى حُشِرت السيارةبين الشاحنة من ناحية و بين سور الدائرى من ناحية أخرى ، حاول تفادى هذا المأزق و هو يشير بيده صارخا بالسائق الملثم بالناحية الأخرى بغضب:
_ أنت يا حيوان انت ، عربيتى هتتقلب كدة! ، أنت عبيط؟!
و هو ما كان بالضبط يريده حيث زاد فى الحصار على سيارته لتنقلب رأسا على عقب ، بينما يضاعف سرعته هاربا قبل ان تلحظه إحدى السيارات ، هاربا من السيارة التى نضحت الدماء منها و تبعثرت بأسفلت الطريق

_ انا عايزة أفهم ، معقولة لسة أكمل و زينة مانزلوش كل ده؟!
صاحت بها مها باستنكار و هى ترمق رزان التى تضع يدها على خدها مستندة بمرفقها على سطح السفرة ، قالت رزان و هى تحدق باللاشئ بتعب:
_ بعت لهم أمينة تصحيهم
ثم ارجعت ظهرها إلى الوراء و مالت معالمها إلى السخرية و هى تنظر الى الأعلى قائلة باستهزاء:
_ البيه عجبه اوى حضن الهانم لدرجة نسى انه عنده شغل كتير المفروض يطلع له بدرى!
سحبت مها شهيقا عميقا قبل ان تبدأ فى جملة ستفتح بابا لجدال رهيب هى فى غنى عنه ، و لكن رزان تكاد تجن و لابد من إطفاء ثورتها قليلا حتى لو ببضع كلمات محايدة ، نطقت مها بخفة:
_ يا ستى كلها فترة و تعدى ، طريق هدفك ممكن اوى يبقى مليان شوك
زفرت رزان بحرارة و هى تغمض عينيها بضيق ، حيث لا تحصل سوى على الكلام ، و لا أحد يشعر بمدى الجرح الغائر بفؤادها و الذى يتجدد كلما رأتهما معا ، قبل ان تتكلم باغتتها أمينة بكلمتها المفاجئة كمرور البرق:
_ أكمل بيه و زينة هانم مش فوق يا رزان هانم
هنا لم تستطع رزان السيطرة على نفسها حيث وقفت عن كرسيها و هى تصفعه بكلتا يديها ، و قد احتقنت الدماء بوجهها و برزت عروقها بجلدها ، ثم هدرت فى أمينة _المسكينة_ بسخط:
_ ازاى يعنى؟ ، أمال راحوا فين؟
رفعت أمينة كتفيها بجهل و قد اكتسى وجهها بغلاف من الخوف من بطشها بها فى ساعة الغضب تلك ، بينما امرتها مها بسرعة:
_ روحى انتى دلوقتى يا أمينة؟
انصاعت لأمرها ثم انصرفت على الفور محاولة تجنب غضب هذه الأنثى ذات العيون البركانية و التى تنتظر زينة على أحر من الجمر كى تحرقها بهما ، بينما اقتربت مها منها ثم امسكت بعضدها و شدت من قبضتها عليه كى تخرج الأخيرة من حالة غضبها المكتوم الذى سيقودها الى الجنون لا محالة ، حيث قالت مهدئة إياها بقلق:
_ خلاص بقى يا رزان أكيد راحوا….
تلعثمت الحروف بلسانها بعدما جذب انتباهها ما رأت عند الباب الداخلى للقصر ، التفتت إليها رزان ثم قالت مقطبة:
_ راحوا فين؟
مالت مها برأسها مشيرة إلى الباب آمرة رزان بالاستدار ، و بالفعل التفَّت رزان بجسدها لتتسع عيناها عن آخرهما حينما رأت أكمل و زينة دالفان من باب القصر ، حيث يتأبط زينة بذراعه و هو يتسامر معها بأطراف الحديث المختلفة ، و ضحكة كل منهما تكاد تصل إلى أذنيه ، انفغر فاه مها و قد كمَّمت الصدمة لسانها ، بينما تقدمت منهما رزان التى تكوِّر قبضة ساخطة بيدها حتى ابيضت مفاصلها ، حتى صارت مواجهة لهما تماما ، قال أكمل مع ابتسامته الواسعة التى لا تزال تزين محياه:
_ صباح الخير يا رزان
_ انتو كنتوا فين؟
صوتها المقتضب و ملامحها العابسة كانا كفيلين بجعل ابتسامته تبهت كالشمعة التي ذاب قوامها و أخذ ضوؤها فى الاختفاء ، حمحم أكمل ثم نظر إلى زينة قائلا:
_ زينة دلوقتى حامل ، و لازم لها مشي كل يوم عشان سلامة الجنين طبعا
ثم دنا من زينة قائلا بمرح:
_ ولا اى يا زوزو؟
اخفضت بصرها مع ايماءة بسيطة من رأسها قبل ان يقول أكمل آمرا:
_ من هنا و رايح أمينة هتاخدك الصبح و تمشوا كدة زى ما عملت بالظبط ، تمام؟
_ تمام
نطقت بها زينة بخفوت بينما كادت رزان تنفجر الدماء بعروقها بعدما رأت و سمعت من قدر اهتمام يطلقه رجل الأعمال المنشغل _أكمل_ و للمرة الأولى فى حياته يذيقه إلى غريبة لم تجاوز زيجته معها الشهرين! ، التفَّ حولهم إلى طاولة الطعام من جديد ، شارعين فى تناول الفطور ، عدا رزان التى لا تستطيع حتى ابتلاع اللقمة التى لاكتها و كأنها اكتفت من بلع غصة حلقها اليوم!

 

بقلم إسراء عبد القادر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *