مابين العشق والهوس 3
الفصل الثاني عشر
أشاح عصام بوجهه للناحية الأخرى، لا يود نعت زميله وإحراجه بشئ يستحقه، فالتف إليه يردف الكلمات بتمهل وكانه يخاطب إنسان بطئ الفهم:
-قلت امرأتي وأمرأتك وليس حراسة الملحق فقط، فا سمع وافهم جيدًا يا حبيبي معنى الكلمات.
استوعب عمران اخيرًا فتوسعت عينيه بارتياع وهو يسأله:
-تقصد جلسة لهن معنا؟
-نعم، فقد أمرت ابتسام ان تنزل إلي وتأتي بزوجتك أيضًا.
قالها عصام ببساطة كادت ان تصيبه بجلطة دماغية برأسه، هم ليصب جام غضبه عليه ويخبره بالأعتراض حتى يُثني الزوجتين عن المجيء، ولكنه أُجفل برؤيتهن بالفعل.
عزة تخرج من الملحق بالخطوات البطيئة مستندة على ذراع ابتسام التي لا يثبت نظرها على شئ حولها.
وتحرك عصام على الفور ليقرب الكرسي لعزة، كما ساعدتها ابتسام في الجلوس والاستراحة عليه، قبل ان يأتي بالاَخر لزوجته، ليفاجأ بقول عمران:
-ما كان بجب عليكن النزول في هذا الجو البارد؟
بوغتت عزة بقوله فانعقد لسانها عن الرد الذي لم تتأخر به ابتسام لتصدمه:
-وهل بداخل الشقة المنطفئة عنها الكهرباء يوجد الدفء؟
تلجلج في رده لها بعد ان أحرجته:
-اا على الأقل الشقة بها غطاء يدفئها، لكن هنا البرد شديد.
-والنار التي أشعلتها انا، ماذا تفعل؟
هتف بها عصام من خلفه ليزيد من سوء وضعه، فتابعت له الأخرة وقد تشجعت برد زوجها لتخاطبه بحدة:
-صدقت يا عصام، هنا يوجد نار للتدفئة، كما يوجد بشر حولنا نستأنس بهم، خيرًا من الجلسة في وحشة الظلمة او على نور الكشاف العادي أو الهاتف….
-لا داعي للشجار، أنا أبتغي العودة.
تفوهت بها عزة مقاطعة لتزيد من حرج الاَخر وسخط عصام وزوجته عليه وهي تحاول الوقوف.
اقتربت منها ابتسام لتمنعها بعد أن حدجته بنظرة كارهة:
-انتظري حتى تستريحي الأول ياعزة.
وتدخل أيضًا عصام بقوله:
-اسمعي منها يا عزة، فلن يستطيع منعك.
كز على أسنانه عمران، فهذا العصام لا يعطيه فرصة أبدًا في تحسين صورته أمام المرأتين، بل يبرع بحيله الغريبة في اظهار ابشعها، وهو الذي يرفض جلستهن بسبب لا يستطيع البوح به، ولأنه لم يملك حجة بأي شئ يساهم في اقناعهن بالعودة، لذا فاستسلم بالموافقة مع فعل يحاول به حفظ ماء وجهه:
-اجلسي يا عزة واسمعي من الأثنين .
هتف بها وهي يخلع عنه معطفه ليضعه عليها، وتابع ليزيد من دهشة الثلاثة:
-تُصرفي كان ينبع فقط من واقع خوفي عليك وعلى الجنين.
صعقت عزة وهي تفاجأ بدفء المعطف عليها وكفي زوجها تحاوط كتفيها، حتى كادت أن تصدق حجته.
لولا هذه النظرة التي انتبهت لها وهو يرمق بها جارتها،
زوجة رفيقه عصام والذي طالعه بشبه ابتسامة ماكرة غافلا عن نظرة رجل نحو زوجته لا تفهمها سوى امرأة تعرف زوجها جيدًا.
أما ابتسام فقد زمت شفتيها لتخفي امتعاضها منه ومن نظرته نحوها، فقد اَلمها زعل عزة بعد أن أحرجها بجفاء طبعه وعدم إحساسه، هذا الرجل لا يكف عن إبهارها بغباء.
ضحك عصام معقبًا على فعلته:
-نحن إذن ظلمناك يا أبا عمران، كنا نظنك ترفض المبدأ من أساسه.
قالها بأسلوب فكاهي جعل السيدتين تضحكان ليجعل الدماء تفور برأس الاخر وهو يُصر على التسفيه من فعله، بعد أن شعر أنه أحسن صنعًا، فكظم غيظه يدعي الإبتسام بقوله هو الاخر:
-والاَن عرفت الحقيقة وعرفت معدني الأصيل.
-نعم نعم، أنت فعلا معدنك أصيل
غمغم بها عصام وهو يومئ برأسه إليه ليسترضيه، مع ابتسامة خبيثة لا تفارقه، قبل ان ينتبه نحو الباب الخلفي للحديقة، فهتف بجدية إليه:
-ها وقد عاد الطبيب أيضًٍا، هيا بنا يا عمران .
التفت بجسده المذكور ليعلم بصدق قول رفيقه في العمل،
فتحرك بأقدام مثقلة من خلفه ترفض السير، خوفًا من استغلال هذه المجنونة الفرصة، لتوقف الطبيب كالمرة السابقة، وقتها ستكون نهايته.
-هيا يا عمران، تحرك لتُساعد معنا.
هتف بها عصام وهو يرفع مع الرجال في مولدات الكهرباء وبعض الإجهزة الآخرى بغرض إدخالها من خلف المبنى، تقدم هو مجبرًا وساهم في إدخال اثنين ولكن وفي حمله للثالث، انتبه على اقتراب ما يخشاه، وهو مع دلوف الطبيب كانت هي واقفة بجانب جدار الملحق في مكان متخفي قليلًا عن الأنظار، تُشير له بيدها.
في بداية الأمر لم ينتبه الرجل وهو يخطو نحو داخل الحديقة أكثر، ولكن ومع استمرارها، انتبه اخيرًا قبل أن يصل لباب المطبخ الخارجي، فتوقف يرمقها باستفهام، قبل أن يجفله عمران بصرخة قوية من داخل المطبخ، متألمًا من قدمه.
بعد أن أسقط الجهاز الثقيل الذي كان يحمله بين يديه عليها، كي يجذب انظار الطبيب إليه:
-اه اه، اشعر بان قدمي قد كسرت.
بالطبع مع فعلته الذكية استطاع صرف الطبيب عنها نهائيًا بالركض نحوه بالداخل:
-مابك يا عمران؟
-لقد وقع الجهاز الثقيل الذي كنت أحمله بيدي عليها، والألم بقدمي لا يحتمل. اه اه.
اقترب الرجال ومنهم عصام الذي أتى على الصوت سائلًا:
-ما الذي حدث؟ ما بك يا عمران؟
-إحملوه بتأني كي افحصه بالداخل .
هتف بها الطبيب عزيز اَمرًا لهم، بعد أن ألقى نظرة سريعة نحو القدم، ثم ذهب أمامهم ليتبعوه
أما هي فقد لعنت حظها بأشد العبارات بعد أن ذهب من أمامها ولم تسعد بنظرة واحدة منه إليها، فهذا الأحمق الذي هتف من الداخل، كان كالغراب نبح بصوته المزعج وخطفه منها، تحركت بسخطها حتى وصلت لتجلس بقرب النار، على الكرسي المجاور لعزة، والتي سألتها معاتبة:
-أين ذهبتي يا ابتسام وتركتني؟ هل هذا هو الونس الذي وعدتيني به؟
شعرت الأخرى بالحرج، فقالت تجيبها على الفور:
-لا تؤاخذيني يا عزة ولكني توقفت على صراخ أحد الرجال من باب المطبخ الخلفي.
سألتها عزة:
-من الذي كان يصرخ؟
.
❈-❈-❈
في منزله وبعد ان طمأنه الطبيب بأن أقدامه سليمة من الكسر، وأن ما أصابه هو بطحة قوية نتيجة لسقوط الجهاز فوقها، فلم يستدعي الأمر سوى لفها ببعض الأربطة الطبية، مع التوصية بالراحة عليها لعدة أيام، مع تناول الأدوية المسكنة.
كان مستلقيًا على كنبة الصالون التي وضعها عليه عصام، قبل أن يتركه ويذهب مع زوجته، وقد أمر الطبيب بصرف الإثنين ليستريحا عن إكمال النوبة المسائية، مادام المركز يعج بحركة البشر ولا يحتاج لحراستهم الاَن، عزة والتي ظلت صامتة منذ بدء معرفتها بما حدث، اقتربت تسأله بغرض فتح حديث ملح برأسها معه:
-ما حال قدمكِ الاَن؟
أجابها من أسفل ذراعه التي يغطي بها على عينيه:
-جيد والحمد لله.
-الحمد لله.
تمتمت بها قبل تتابع قائلة باستغراب:
-لم أكن أعلم أن ألم القدم شديدًا لهذه الدرجة، حتى يجعل الرجل بهيبته يصرخ بملء فمه:
رفع ذراعه عن عينيه يحدجها بنظرة مخيفة قائلًا بحدة:
-لا يعجبني تلميحك يا عزة، ماذا تقصدين به؟
تبسمت بجانبية تجيبه:
-أنا لا ألمح يا عمران، بل أنا أعقب على ما حدث، أم تظنني أسخر من إصابتك مثلًا، شفاك الله وعافاك من كل سوء.
قالتها ونهضت من أمامه على الفور، ليضرب رأسه على الأريكة من أسفله عدة مرات بغيظ، فقد استطاعت زوجته بكلماتها القليلة أن توصل مقصدها.
ليشعر بها وكأنها سياط جلد تلسعه، تظهر له حجم صغره وتفاهته في عينيها الاَن، بعد أن علمت بصراخه أمام الطبيب والعمال، على مجرد بطحة قوية قليلا بعض الشئ، وليست بالكسر كما كان يدعي.
أما عن عزة
فقد ولجت لغرفتها وعقلها يسبح بالعديد من الأفكار عن هذا الرجل زوجها، طوال السنوات التي قضتها معه لم تشعر في مرة أنها فهمت ما بعقله، ولكن سلوكه كان معروف لديها، قليل الكلام دائمًا وقليل الاستجابة بالضحك أيضًا.
لا يعبر عما يشعر به إلا في أضيق الحدود، تذكر في أحد الاَيام إصابه كف يده اليسرى بجرح كبيرة في الوسط، نتيحة لمساعدته في تقطيع لحوم عجل كبير؛ أمر بذبحه الطبيب للفقراء من أهل الحي، لقد أصابها الفرع يومها وهي ترى الدماء تسيل من يده بغزارة وهو صامت ويدعي أن كل شئ بخير.
.إذن رجل بهذه المواصفات يأتي عليه الوقت ويصرخ بصوت عالي على مجرد ألم بقدمه، مهما كان حجمه، لقد ذكرت لها ابتسام، انها انتفضت على صرخته، وكان هذا سبب هرولتها لمعرفة السبب، وعلى ذكر جارتها، فقد تأكد إليها اليوم إعجاب هذا الرجل الشديد بالمرأة.
تبسمت بسخرية مريرة وهي تتذكر هذه النظرة التي رأتها في عينيه وهو يرمق جارتها بها، لكم تمنت ولو مرة واحدة؛ أن تجدها منه إليها، ف المرأة مهما ادعت الحكمة والتعقل، ولكنها دائمًا ما تشتاق إلى نظرة إعجاب مثل هذه من رجلها، ف إن لم تجدها من زوجها، تبحث عنها أين إذن؟
زفرت بتعب لتتحرك خطوتين حتى تقف أمام المراَة، لتلمس بكفها على الطفل الذي يتحرك بداخل أحشائها متمتمة بالدعاء:
-اللهم اني وحيدة في دنياي، احفظ لي طفلي واجعله ونسي وأهلي في السنوات القادمة، وعلى مدار سنوات عمري حتى أتوفى وتسترد أمانتك، اللهم اجبر بخاطري واحفظه هذه المرة يا أكرم الأكرمين
❈-❈-❈
وبداخل الشقة المقابلة
خرج عصام من حمام غرفته ليلقي بجسده تحت الغطاء؛ الذي رفعه فجأة؛ دون أن ينبه زوجته التي كانت تتابع الفيلم على شاشة التلفاز، لتهتف بها مجفلة:
-اللعنة عليك يا عصام، لقد أفزعتني.
تجاهل الرد عليها وأعطاها ظهره بعدم اكتراث، لتقترب منه وتلامس بكفها على ظهر كتفه لتخاطبه بهمس:
-عصام، عصام .
زام من تحت الفراش معترضًا، فتابعت بسؤالها له:
-ما بك يا رجل؟ نويت أن تنام وتتركني حتى بعد أن أعطاك الطبيب راحة لهذه الليلة؟
اعتدل فجأة يحدجها بنظرة غاضبة ويجيبها بحدة:
-ماذا تريدين يا ابتسام؟
برغم خوفها من حدته ولكنها أكملت غير مبالية:
-اريدك ان تتحدث معي، مادمت حاضرًا بجواري هذه الليلة، ولست في مناوبتك كالعادة.
قضم على أسنانه يلوح بكف يده المفتوحة وكأنه يريد خنقها، ليردد بعد ذلك بتهديد:
-لقد سمح لنا الطبيب بالإنصراف من أجل الراحة، بعد جهدنا المضاعف لهذه الليلة؛ التي لم يُعد يتبقي بها سوى ساعات قليلة وتنتهي، ف اتركني الحق بهم،
قال الأخيرة ليعود مرة أخرى للنوم ولكنها اقتربت منه مرة أخرى تقول بغيظ:
-هذا على أساس انك معتاد النوم في هذه الأوقات! ..
صمتت برهة ثم تمتمت برجاء:
-كلف نفسك واعطني ساعة منهم، لكي نتحدث كرجل وزوجة ولو لمرة واحدة حتى يا عصام.
ضرب بكفه على الفراش يتحلف لها بتوعد:
-أقسم يا ابتسام أن لم ثصمتي فتصبحي كالسرير النائمة عليه، لأجعلك تنامين بكف قلم يسقط على فكك، يغيبك عن الواقع ليلتين.
تراجعت على الفور خوفًا من تهديده، أما هو فغمغم من تحت الفراش:
– تريد التحدث كرجل وزوجته، على أساس أن لديها عقلها يصلح للنقاش من الأساس.
ابتعلت الإهانة صامتة، لا تجرؤ على الرد، حتى لا ينفذ تهديده، ليزداد احتقانها منه ومن تسفيهه الدائم لها ولكل رأي تدلي به أمامه، وكأنه امتلك الذكاء وحده، وامتلكت هي الغباء وحدها.
لعنت حظها الذي لم يمكنها من التحدث هذه الليلة مع الطبيب العزيز، طبيب قلبها؛ والذي دائمًا ما يتغزل بها ويطلب منها التحدث في أي شئ وكل شئ في هذه الساعة المخصصة لهما في اليوم، والتي حرمت منها بعد مجيئه إلى هنا، لقد اشتاقت إليه، وإلى غزله.
لذلك لم تشعر بيدها أو تتردد لحظة، وهي تمسك الهاتف لترسل إليه:
-إشتقت إليك.
أرسلتها واغلقت الهاتف لعلمها انه سوف يراها حينما تأتي ساعتهم المخصصة يوميًا.
ولا تعلم أن من يحادثها بالفعل لقد راَى الرسالة في قائمة الإشعارت متصدرة الهاتف، ليتلقف رسالتها بابتهاج يغمر قلبه، مع سعادة تجعله محلقًا كعصفور صغير تعلم الطير بجناحيه حديثًا، لقد جاء اليوم وارسلت هي إليه لتطلبه وتبعث برسالة الإشتياق له، لولا الظرف ومعرفته التامة بانشغال الطبيب الاَن في كشف المرضى بالأسفل.
لكان أرسل يجيبها بالقبلات، فهي لن تمانع بعد الاَن، تنهد بتفكير عميق يحدث نفسه، أنه قد اَن اَوان تطور الرسائل بينهم، كي تصبح تمهيدًا لكشف حقيقته إليها، وحتى لا يأتي الميعاد القادم للطبيب ويتعرض لمهانة كالتي حدثت له اليوم .
أجفل من شروده فجأة منتفضًا على نداء زوجته التي خرجت إليه من غرفة النوم:
-عمران، ألن تأتي كي تنام على تختك؟
تجهم وجهه يجيبها بضيق بعد أن أخفى هاتفه:
-اذهبي أنتِ ونامي، حينما يأتيني النوم سوف اَنام
لم يخفى على عزة طريقة إخفاءه للهاتف سريعًا، ولكنها تجاوزت عن السؤال، وتمتمت له:
– كما تحب يا عمران.
قالتها واستدارت ذاهبة عنه، لتتركه يفعل كما يشاء، وقد تاكد تخمينها من أنه يراسل إحداهن، وهي لن تقف أو تمعنه، لأنه لم يعطيها المساحة التي تسمح بذلك، وهي سيدة تعرف حدودها جيدًا، فتصون كرامتها مهما كان قلبها يحترق.
وهكذا تمهد لطريق بين الإثنين، لتستمر المحادثات ببنهما ويتطور الحديث يومًا عن يومًا، قصة بقصة، معلومة بمعلومات، صورة بصورة، حتى أتى هذا اليوم الذي طلب لقاءها به.
❈-❈-❈
-ألتقي بك؟ ولكن كيف وأين؟
كان هذا سؤالها الذي أرسلته ردًا على مطلبه، فجاءها رده بمباشرةً برسالة منه:
-كيف؟ وأين؟ هذه الأسئلة أنا مسؤول عنها، لكن الشئ الأهم بالنسبة إلي الاًن، هل انتِ موافقة؟
اخرجت من قلبها تنهيدة طويلة تود الكتابة بها، ليعرف الإجابة من نفسه، ويعلم عن مدى اشتياقها إليه، وعن احتراقها لسماع كلمات الغزل من فمه، بعدما شبعت من قرائتها، أن ترى ملامح وجهه وهو يعبر عن عشقه لها بكل كلمة ينطق بها،
لقد جعلها في مدة قليلة تتعلق له لدرجة الموت، تذيبها كلماته، ويقتلها غيابه، إذن كيف يسألها عن الموافقة باللقاء به؟
انتفضت من شردوها على صوت وصول رسالة على هاتفيا، قرأت لتجده مرسل لها:
-لم تجيبي حبيبتي
على الفور بعثت إليه بدون تردد:
-نعم أريد وأريد جدًا، ولكن لابد أن تجيب على أسئلتي حتى اعرف وأقرر.
زام بفمه مبتسمًا وهو يرسل إليها الإجابة، والتي ما أنا رأتها شهقت من محلها بعدم تصديق، لترسل له بلهفة:
-داخل منزلك عائلتك هنا!
-معقول!
-ولكن كيف سيحدث ذلك مع عيون البشر المترقبة، والمركز يعمل حتى في غيابك؟
شعر بالحسرة لعدم رؤية اللهفة والجنون الذي سيصبها بقراءة الرسالة، كم ود لو شهد على صراخ حماسها الاَن، تنهد يجيبها برسالته:
-لن تدخلي من الباب الرئيسي، بل ستدخلي من الباب الخلفي بعد أن افتح لكٍ انا، وعن الميعاد فذلك سوف سيكون غدًا السبت، أي في عطلة العاملين، حتى لا تشعري بأي تهديد، وحتى تستوعبي مفاجاَتي.
على الفور أرسلت إليه تسأله:
-وهل أحضرت لي بالفعل مفاجأة؟
قرأ الرسالة وضحك بصوت عالي، فهو يعرف الاَن تفكيرها ذهب إلى أين بعقلها المراهق، لذلك لم يبخل بمنحها مساحة جديدة من الخيال والأماني المحلقة عبر رسالته المقتضبة:
-نعم مفاجأة لذا لا تجفلي حينما تحديني أربط على عينيكِ بقماشة حتى تُذهلي بما أحضرته إليكِ .
أرسلت رمز ضاحك ببلاهة تسأله؛
-أتكون أعددت لي شئ رومانسي؟ كالذي أراه في التلفاز وعلى صفحات النت، ببلالين حمراء وقلوب وصناديق الهديا كما يفعل العشاق.
جلجل ضاحكًا بمرح، فتخمينه مع هذه المرأة دائمًا ما يصدق مئة في المئة، صمت يرسل لها بالرد:
-لا تكوني متسرعة حبيبتي، وانتظري حتى تشعري بجمال ما يقوم إليكِ
أرسلت إليه قلب كبير مع ردها
-حسنًا.
توقف عن الضحك مع رؤية القلب والكلمة الموافقة، بتفكير عميق، فقد يحرم من هذه الرسائل والسعادة التي يشعر بها في كل محادثاته معها، ولكنه سئم من العالم الافتراضي ويريد العيش في الواقع كغيره، لقد مل وفاض من المشاهدة فقط.
ويريد خوض التجربة ولو مرة واحدة بفعل مغامرة لن تكلفه شئ لو أحسن التخطيط، يعلم حجم المخاطرة ولكنه لن يسمح لها بتركه، لقد وصلا ألى مرحلة المواجهة بينه وبينها لكي تكتشف الحقيقية ولكنه الاَن قد حسم، ولا يوجد نية للتراجع، كما نجح في التخطيط الذي استمر لشهور حتى وصل لهذه النتيجة.
من المؤكد أنه سينجح أيضًا في التنفيذ حتى تصل لعشقه هو نفسه، بعد أن أدمنت كلماته تستطيع إدمانه هو أيضًا
بعث يجيبها اَخيرًا:
-لقد حان الوقت حبيبتى للقاءنا، وحتى يصير كل شئ كما نحب، فعلك إتباع النصائح والتعليمات التي سوف أذكرها إليكِ لتسيري عليها بالمظبوط.
❈-❈-❈
في اليوم التالي صباحًا
وعلى التعليمات المتفق عليها منذ الأمس كانت ترتدي عباءتها السوداء بعد أن أعدت طعام الإفطار لزوجها، وهي تعد نفسها للقاء، وتؤهل قلبها للمفاجأة التي سرقت من أجفانها النوم، ينتابها شغف قاتل لتعيش التجربة مع رجل يعشقها.
لا تخاف لقاءها بداخل منزل يجمعهما وحدهما سويًا، فهي تعلم جيدا برقي اخلاقه وانه سيعاملها كملكة، هبطت بنظرها للعباءة السوداء بقرف، فهذا الرداء لا يناسبها في هذا اليوم ابدًا، فكم ودت لو ترتدي فستان أوطقم خروج عادي غيره، ولكن هذا لن يصلح مع الحجة التي تعللت بها لعصام على حسب تعليمات.
-حتى الآن لم تنتهي من لف حجابك؟
هتف بها زوجها يقطع عنها شرودها وهو يلج لداخل الغرفة معها.
التفت إليه تجيبه بارتباك تخفيه:
-لا قد انتهيت من الحجاب، ولم يتبقى سوى أن ارتدي الحذاء.
قالتها واقتربت منه لتجثو على ركبتيها تتناوله من أسفل التخت، ليهتف زوجها مع اقتراب النعاس الذي يثقل أجفانه وهو يشد بالغطاء عليه:
-ولم تتذكري سوى الاَن؟ إنجزي يا حبيبة، أريد أن انام .
-حبيبة من؟
سألته بانتباه جعله يفتح عينيه على وسعها، ليجيبها بسرعة بديهته:
-لقد أخطأت بإسمك يا ابتسام، وحبيبة هو اسم الطفلة ابنة صديقي، لقد لديكِ تحقيق اَخر؟
نفت بهز رأسها تحاول الاقتناع، فتابع بحزم يدعيه، حتي يلهي تفكيرها:
-لا تتأخري في زيارة أهلك في البلدة، حتى تجدي وسيلة مواصلات تأتي بكِ قبل الغشاء، لأني لن اسمح لكِ بالبيات هناك.
أومأت برأسها تجيبه وهي تنهض من جواره:
-لن أتأخر بإذن الله، فقط سوف أمُر على شقيقتي المريضة في منزل زوجها وبعد ذلك أقضي بقية الوقت مع عائلتي لأعود قبل المغرب ان شاء الله.
-ان شاء الله
غمغم بها من خلفها ليغمض عينيه ويدعي النوم، حتى خرجت من الغرفة وسمع غلق باب الشقة الخارجي، ليزر بارتياح بعد ذلة لسانه والخطأ بلفظ إسمها، حمد الله على بطء فهمها، فواحدة غيرها لم تكن تمرر الأمر على خير أبدًا.
❈-❈-❈
-ظرف طارق كما قلت لكِ، و لن أتأخر كثيرًا فلا داعي للقلق… هذا شئ ضروري يا عزة، فلا يصح التأخر عنه… نعم هي جنازة الرجل الذي كان رفيق أبي قديمًا….. أنتهي فقط من الواجب وسوف أعود، اعتني بنفسك أنتِ .
كان هذا اتصاله مع زوجته كي يأمنها هي الأخرى، بعد أن اقترب من تجهيز كل شئ في المنزل؛ الذي ولجه من الباب الخفي؛ الذي يملك مفتاحه منذ سنوات عديدة لا يذكر عددها، بعد أن أنهى نوبته مع عصام الذي تركه يصعد الملحق وحده، وادعى هو الخروج ليأتي بشئ ما من السوق، قبل أن يصعد هو الاَخر لزوجته.
أنهى المكالمة والتفت ليستعد للمواجهة الحاسمة في انتظارها، والتي لم تطل كثيرًا، وقد علم بمجيئها على الميعاد المتفق عليه، بعد أن شعر بالحركة بالقرب من باب المطبخ الخارجي والمؤدي إلى الحديقة، وقد تركه مفتوحًا كما قال لها، لتدفعه ببطئ، قبل أن تدلف.
ثم تغلقه جيدًا على التعليمات فتفاجأت بظلمة الأنحاء حولها مع نور خفيف بالكاد يُظهر الأشياء أمامها، انقبض قلبها لتتقدم بخطوات متردده تهمس بالأسم على تخوف:
-عزيز .
ظل صامتًا على وضعه في الزاوية التي اتخذها غير مرئية داخل المطبخ الكبير ليراقبها بأمان، وهي تتقدم بقلب يرتجف حتى كادت أن تعود، وشعر هو بذلك ليُباغتها فجأة، وقبل أن تعرف مكان القابس الكهربائي للإضاءة بوضع كفِِ على عينيها والأخرى التفت على كتفيها لتثبتها مكانها.
صدرت شهقة لخضة قوية منها في البداية، قبل تستدرك ويطمئن قلبها قليلا مع لمسته، لتهتف سعيدة بإسمه بعد أن علمت بحضوره:
-عزيز .
-ششش
همس بها داخل اذنها لتهدأ، قبل ان يرفع كفه عن كتفيها، ليخلع طرحتها من فوق رأسها ويسقط شعرها على ظهرها من فعلته، فيغمره الرائحة المعطرة بسلاسل الذهب التي لمعت رغم ظلمة المكان، تغاضى عن شعوره ليتماسك، ويعقد الطرحة كربطة قوية، كي تغشى عينيها عن الرؤية تمامًا، مما جعلها تردف بتخوف رغم الحماس:
-ولكني أصبحت لا أرى شيئًا على الإطلاق.
لم يجيبها ولكنه عاود محاوطة كتفيها بكفيه ليدفعها للسير للأمام، رددت بلهفة مع شعور البهجة الذي جعل قلبها يخفق بسرعة:
-تدفعني للسير على الفور، ولكني لم أسمع صوتك.
همس مرة أخرى وهو مازال مستمرًا بدفعها:
-شششش
ردت بضحكة خلطت بين الاضطراب والحماس معًا:
-مرة أخرى تأمرني بالسكوت، لقد زادني الغموض تشويقًا يا رجل.
استمر بدفعها لتتحرك ببطء وفور خروجهما من المطبخ، أوقفها فجأة، وقبل أن تسأل وجدته يرفعها ويحملها بين ذراعيه لتشهق بمرح ضاحكة بانطلاق لتجلجل ضحكتها في قلب المكان.
لتتيقن ان ما تتوقعه من الأمس، هو ما سيحدث الان، فخيالها الخصب جعل الفكرة تترسخ بعقلها، مع هذه الفعلة فكم تمنت أن تحدث معها، أكمل يهدئ من هذه المشاعر التي تفور بعقله مع احساسه بنعومتها وضحكتها التي لم تتوقف
، حتى إذا وصل للفرفة المنشودة أنزلها، لتقف على اقدامها، والتف هو أمامها تماما ليتأملها، مازالت تضحك بفرط شغفها للقادم، أنفاسها تتلاحق بتسارع مع تدفق الأدرينالين ليجعل العباءة التي انفتح
منها ذرارين،
تكشفت عن جزء كبير منها أسفل الرقبة وهي تصعد وتهبط أمامه بقوة، بشكل يثير جنونه.
وصوتها يتهتف بترقب:
-أين المفاجأة يا عزيز؟
تسمر عن الحركة وهو يطالع الوجه الشهي وهي تطالب بطفولة عن المفاجأة التي تتوقعها، ولأنها قد تكون فرصته الوحيدة وقد لن تتكرر
….يتبع
الفصل الثالث عشر.
أين المفاجأة يا عزيز؟
تسمر عن الحركة وهو يطالع الوجه الشهي وهي تطالب بطفولة عن المفاجأة التي تتوقعها، ولأنها قد تكون فرصته الوحيدة وقد لن تتكرر ، فلذلك استغل بسرعة ليضمها إليه، ويثبت ذراعيها عن الحركة مع همسه المتكرر:
-ششش
توقفت بعدم فهم، لتشعر بشفتيه تمر على وجنتيها، فتململت بحرج مرددة:
-عزيز، نحن لن نتفق على ذلك.
لم يجيبها فقد شغله تذوق الفاكهة التي لطالما كانت محرمة ومستحيلة عليه وهو يتابع حتى الجهة الأخرى، فعادت مرددة له بضعف:
-عزيز ارجوك.
توقف فجأة ليتلمس بسبابته شفتيها قبل ان يحقق حلم ليله ونهاره ويتذوقهم، بنعومة جعلتها تسجيب قليلًا قبل أن تستفيق هاتفه به ليرحمها
-توقف ارجوك، هذا لم يكن أتفاقنا.
وكأن بكلماتها كانت تقصد العكس، سمع منها لتشتد ذراعيه بضمها ويعود لما يفعله بشكل أكثر جرأة وقبلات أكثر قوة، ليجعل مقاومتها تتزداد تدريجيا مع ازدياد أفعاله معها، حتى انتابها الشك في سلوك فعل اميرها الراقي لتُعيد بقولها:
-توقف ارجوك ولا تجعلني اندم على المجيء.
مع ازدياد اعتراضها وتحرك رأسها بالرفض رفع يده التي كانت تكبل ذراعيها عن الحركة ليثبت رأسها، فارتفعت يدها في المقابل، لتنزع الغمامة عن عينيها فتلتقي نظرتها بسوداويته، لتبرق جاحظة برعب نحوه، وتنزع نفسها عنه بقوة صارخة بفزعٍ جعله يكمم فمها بكفه على الفور، ويردف بتحذير:
-إصمتي ولا تفضحي نفسك، أنتِ من ستخسرين أكثر.
ازداد فزعها وهي تحاول نزع كفه، وعنيها تطالعه بارتياع وكره، ليشدد هو بكلماته وتهديده:
-اهدأي واعقلي وضعك جيدًا، أنا لم أخطِفك، لقد جئتِ إلي برضاكِ، وبعد أن أستغفلت زوجك بخدعة الذهاب ألى شقيقتك المريضة في البلدة، أم أنك لا تذكرين؟
ازداد الجزع بقلبها مع بدء استيعاب كلماته، ليزيد عليها:
-نعم انا من كان يُحادثكِ يوميًا بصفة الطبيب عزيز، وأنا من استدرجك إلى هنا بالكلمات المعسولة التي كنت اراسلك بها يوميًا وتستجيبي انتِ، وتُبادليني بمثلها.
أزداد هدير أنفاسها بباطن كفه القابضة بعنف على فمها لتكتم صوتها، وعينيها تطلق بالشرر نحوه حتى اصبحت تقوم بضربه بكفيها حتى أشعلت جذوة غضبه، لينذر اخيرًا بهمس:
-قولت اهدئي ولا تثيري جنوني بأذيتك، اهدئي أهدئي.
شدد مع تردديه للكلمات حتى استجابت مذعنة على مضص ليردف بعد ذلك.
-سوف أرفع كفي عنكِ الاَن، لنتناقش بكل ود واحترام، وانتِِ المسؤولة عن نفسك وسمعتك لو تطور الأمر.
تركها لتشهق بعنف ساحبة انفاس قوية، لتطالعه بعد ذلك بازدراء واشمئزاز وهي تمسح بعنف على وجنتيها وشفتيها ولكل جزء طاله منها بخسته حتى انحنت أمامه تسعل بقوة تريد التقيؤ.
لتزيد من نيران غضبه فيهدر بها ساخرًا:
-خففي عنك عزيزتي، فمن قبلك كان من البشر وليس مسخًا أو قرد.
رفعت رأسها إليه ترد وهي تحدجه بقرف:
-أنت أبشع من المسخ، وأبشع من القرد، أنت شيطان
تبسم يجيبها بسؤاله:
-وهل أنتِ ملاك؟
استقامت لتقابله بشراسة ترد كازة على أسنانها:
-أنت بالفعل رجل كريه ولا تستحق حتى الشفقة، لا أعلم كيف لامرأة مثل عزة ان تعاشر إنسان مثلك دميم ووقح و…
قطع كلماتها بضغطة قبضته على فكها، ليُشير أمامها سبابته بتحذير:
-كفي عن وصلة الشتائم ولا تأمني حلمي.
نزعت كفه عن فكها بعنف صائحة به:
-إبتعد أنت بيدك القدرة هذه عني.
رفع قبضة يده يلوح بالتهديد بضربها وقد وصل إحتقانه منها لاَخره:
-لقد حذرتك يا امرأة عدة مرات فلا تختبري صبري.
صمتت هذه المرة بخوف منه لتشيح بوجهها عنه، فتابع بلهجة اخف لها:
-اعلم أن الصدمة قوية عليكِ، لذلك أعطيك عذرك، لكن لا تزيدي، ودعينا نتفاهم يا ابتسام.
التفت اليه بحدة ترد على كلماته:
-من هذه التي تطلب منها التفاهم بعد جميع ما فعلته معها؟ هل انت غبي إلى هذه الدرجة يا رجل؟
تبسم بضحكة عالية ليزيد من استفزازه لها، قبل ان يجيب:
-لا يا عزيزتي لست أنا الغبي في هذه اللعبة، أم أنك لا تعي حتى الآن بوضعك؟
اشاحت بوجهها مرة أخرى عنه، لا تريد النظر اليه ولا تحتمل سماع صوته، وهو يردف بهذه الكلمات التي تذكرها بحجم غباءها، ليستغل هو ويتابع:
-كنتِ تريدي المغامرة وها أنتِ حققتيها، كنتِ تريدي الرجل الذي لا يبخس حقك من الدلال والغزل، أظن انني قومت معكِ بالواجب في هذه…
قطع على نظرتها النارية ليُكمل:
-اَسف إن كنت خيبت ظنك في الفرق البسيط هذا الذي قلب الموضوع معك، بأني لم أكن الطبيب الذي داعب حلمه أيامك.
ظهرت على وجهها لمحة انكسار مع شعور القهر بضياع حلمها وتحوله إلى كابوس بشع، فتجاهل هو ليكمل:
-لما لا تنظرين لنصف الكوب الممتلئ؟ لقد حققت لك يا امرأة معظم ما كنت تحلمي به وتتمنيه، حتى انظري حولك إلى هذا الجو الرومانسي، بلالين حمراء.
قال الأخيرة وهو يلمس بكفها على بعض منها ملعق والاَخر دفعه بقدمه في الأسفل.
ثم أشار بكفه على التخت المزين بالورود من نفس اللون على هيئة قلب ليزيد من قهرها بقوله:
-وانظري إلى هذا أيضًا، لقد تعبت جدًا يا امرأة في التزين والتعليق لماذا لا تقدرين جهدي؟
نظرت إلى كل ما أردف لتسقط الدموع الساخنة منها، فكلماته كانت كالملح الذي وضع على الجرح ليكويه.
أشفق عليها فقال يخاطبها بنبرة خلت من التهكم السابق:
-انا لست شيطان يا ابتسام، ولم أستدرجك إلى هنا كي أذلك، انا احبتتك يا امرأة، حتى لو كان هذا دون المنطق ودون كل شئ، ولكني فعلت كل هذا لأجلك، ومستعد ان أفعل اكثر، شرط ان تنظري إلي بعين الرضا.
رفعت رأسها فجأة تستوعب مغزى كلماته، ليستطرد ويؤكد ظنها:
-نعم يا ابتسام، لما لا تتجاوزي عن تشوه وجهي وتتذكري فقط كلماتي ودلالي لك، شغفي بكِ، وإن كنتِ أحببت الطبيب فقد كان هذا هو الوهم، أما انا فهو الواقع حبيبتي.
هزهزت برأسها بعدم استيعاب حتى ردت بازدراء ساخرة:
-لدي لستة طويلة من الصفات السيئة عنك يا رجل، ولكن هذه هي المرة الاولي التي اكتشف بها انك مجنون بالفعل، تريد أن تخون زوجتك معي، وأخون أنا زوجي الوسيم الذي تتمناه جميع النساء، معك انت؟! هل أنت معتوه؟
-لا لست بالمعتوه يا ابتسام.
قالها بحده قبل أن يتابع لها:
-اعلم جيدًا ان زوجك تتلهف على جماله معظم النساء كما اعلم أيضًا، بإذلاله الدائم لك بورقة الطلاق، حتى تظلي تحت طوعه وأقدامه، كما أعلم بخيانته المستمرة لك.
هتفت تهدر من تحت أسنانها:
-اصمت لسانك هذا داخل حلقك ولا تتحدث بالسوء عن زوجي لتشوه صورته امامي، وانت المشوه في الشكل والجوهر.
فقد اعصابه مع كلماتها الأخيرة، لتجد يده امتدت حول عنقها يضغط مهددًا بخنقها:
-لا تكرريها مرة أخرى يا ابتسام، حتى لا اتهور وافعلها بالفعل.
❈-❈-❈
رغم ارتياع قلبها من نظرته المخيفة، التي كانت تطالعها بتحذير، ليزيد بالتهديد بزهق روحها مع ضغط كفه على عنقها لكن بخفة لا تؤذي، استطاعت التماسك لتُظهر شراسة بوجهه وهي تحاول بنزعها:
-أبعد يدك القذرة هذه عني.
اخذه العند ولم يرفعها لتهدر وتنذره:
-أقسم إن لم ترفعها على الفور، لأصرخ بصوتي العالي وليحدث ما يحدث، أبعدها لا أطيق لمستك .
أردفت بالاخيرة وهي تُجاهد لرفعها بكفيها وازدراء وجهها يظهر حجم ما تحمله تجاهه، استجاب لها اَخيرًا ونزعها، ليُعقب ساخرًا:
-لا تحتملين رؤيتي ولا لمستي ومنذ قليل كنتِ تذوبين من لمساتي وقبلاتي.
اصدرت صوت مستهجن لتتبع باشمئزاز :
-لاتذكرني.
تبسم بجانبية يخاطبها:
-خففي عندك عزيزتي وتقبلي حتى تعتادي الأمر.
توقفت لتستنكر هادرة به:
-من هذه التي تطالبها بالتقبل حتى تعتاد الأمر؟ انصحك يا رجل أن تزور طبيبًا نفسي، حتى لا يتطور الأمر معك.
ضحك بصوت مجلجل حتى مالت رقبته للخلف، قبل أن يتمالك ويعود إليها بقوله:
-صدقًا قد أكون هكذا بالفعل، ولكني لا أريد الشفاء، لأن مرضي هو أنتِ، يعني ما أجمله من مرض.
جعدت ملامحها بامتعاض، غير محتملة لثقل دمه ومزاحه، فهتفت بنزق توقفه:
-كف عن سخافاتك هذه، لأني لن أسمح وابتعد عن وجهي حتى اتناول غطاء رأسي وأرحل من أمامك .
جلجل بضحكة اقوى ليغيظها بقوله:
-وهل كان دخول الحمام كخروجه حبيبتي؟!
عبست وجهها تسأله بعدم فهم:
-ماذا تقصد؟
تحرك ليرتد بأقدمه، ويجيب فاتحًا ذراعيه:
-أقصد هذه الغرفة حبيبتي، إنها غرفة عمي بالمناسبة، ولكي لتعرفي، عمي كان من سكان البيت لأنه كان أقرب الرجال للطبيب الكبير في عمله.
اومأت زامة شفتيها بغيظ، فقد علمت الاَن كيف أتى بالصور الكثيرة لعزيز وهذه الأسرار التي لا يعلمها سوى أهل المنزل.
عرف ما يدور برأسها ليتابع لها بابتسامته:
-نعم عزيزتي، بالفعل ما فهمتيه هو ماحدث، المهم الاَن.
توقف فجأة ليردف لها بلهجة جدية أمامها:
-لقد دخلتِ معي هذه الغرفة بغرض، وأريد تحقيق هذا الغرض، أنا أريدك يا امرأة.
هزهزت برأسها بعدم استيعاب تردف ساخرة بحدة:
-في خيالك، هذا في خيالك المريض، أبتعد عني.
صاحت بالاخير حازمة لتتخطاه ولكنه تصدر أمامها يوقفها بأعين مرت لتشملها بوقاحة:
-راعي وضعك وخففي لهجتك معي، لأني لو أردت… أستطيع أن أنالك الاَن هنا ولن تستطيعي منعي…
ارتدت بقدمها للخلف مرتعبة من تهديده، فتابع:
-لكني لن أفعل، لأنك ستعودي مرة أخرى وبرضاكِ.
رفعت طرف شفتها مستنكرة بصمت لا تريد الرد ولكن تريد الهروب، لذلك تناولت طرحتها وخرجت مهرولة من الغرفة إلى باب المطبخ الداخلي ثم الخروج إلى الحديقة من الباب الخلفي.
لتشهق تلتقط انفاسها بقوة، لا تصدق أنها خرجت من هذا الكابوس، لتتخذ طريقها نحو الملحق وتصعد لشقتها على الفور، وجدت زوجها مازال نائما بغرفته، خلعت عباءتها السوداء لتنضم إليه، تحت الغطاء، تضمه بذراعيها تبتغي الاَمان بغمرته، لتستعيد تذكر ما حدث، وتبكي على خيبة أملها.
❈-❈-❈
-متى جئت يا عمران؟
هتفت بها عزة فور استيقاظها من النوم على إثر حركته بالغرفة فور عودته اليها، أجابها وهو يرتدي جلباب منزلي مريح:
-نعم جئت من نصف ساعة، كنتِ أنتِ نائمة.
– ولكنك لم تتأخر كما نوهت في الإتصال:
سألته وعينيها ذهبت نحو ساعة الحائط، فرد هو وانظاره اتجهت إليها هو الاخر:
-نعم، وهذا لأن دفن الرجل تم بسرعة، فلم نحتاج لوقت طويل في الإجراءات، فعلت الواجب وتحركت على الفور فما الداعي من الانتظار؟
أومأت برأسها بتفهم، لتقول وهي تهم برفع الغطاء عنها والنهوض:
-سوف أحضر لكِ شيئًا تأكله.
أوقفها بكف يده معترضًا:
-كلا لا تتحركي من مكانك، أنا لا ابتغي شيئًا سوى النوم.
اومأت بطاعة لتزيد من شد الغطاء عليه قائلة بحنان:
-حسنًا فعلت، لابد ان جسدك مرهق الاَن، جزاك الله خيرًا على فعل الواجب.
ادعى النوم ولم يُعقب على قولها الغريب بالنسبة لحالته، ليتبسم داخله متذكرًا فعل الخير هذا، كم كان جميلًا وشهيًا، ويتذكر معاناته الآن بتركها مضطرًا، حتى تعود اليه برضاها، وسيحدث .
❈-❈
تململ مع قرب استيقاظه، شاعرًا بهذا الثقل فوق ظهره، ف ارتفعت رأسه عن الفراش ليتفاجأ بجسدها يلتصق به، تحرك رويدًا حتى ابتعد قليلًا ليستوعب مع عودته للوعي ويوقظها:
-ابتسام، ابتسام، أنتِ يا امرأة.
استيقظت مع دفعته الأخيرة لتجيب بقولها:
-نعم يا عصام ماذا تريد؟
اعتدل بجذعه يرد بنزق مع عبوس استيقاظه:
-أريد سؤالك، متى عدت يا امرأة من البلدة؟ حتى تغيبي في النوم بجواري؟
استدركت لتعتدل هي الأخرى، وتُجيبه باضطراب:
-اا انا لم أذهب إلى البلدة، ف سيارات الموقف اليوم كانت مزدحمة عن اَخرها، ظللت لساعتين واقفة وكلما أتت واحدة لتقل الأفراد، لا أتمكن من أخذ مقعد، حتى اتصلت بشقيقتي وطمأنتتي على صحتها.
فاضطررت اَسفة للعودة لمنزلي، كي أرحم نفسي قليلًا من حرارة الشمس والوقوف لساعات أخرى.
-أممم
تفوه بها عصام بتفهم ليجيب ساخرًا:
-هذا يعني أنكِ صرفت النظر عن الذهاب للبلدة وشقيقتك المريضة بسبب حرارة الشمس، بشرى بشرى، يبدوا أن حياة المدينة جعلتك كالبطة بالفعل يا امرأة.
مطت شفتيها بامتعاض لتنهض عن التخت فجأة مغمغمة:
-هكذا أنت، تتصيد أي شئ كي تسخر مني.
ضحك بمرح زاد من غيظها وهي تسير مبتعدة عن التخت كي ترتدي عباءة مريحة لترى شئوون البيت وتبتعد عن محيطه، ولكنه هتف يوقفها قبل ان تخرج:
-أعدي الغذاء على الفور، اريد تناول شئ ما قبل أن أخرج.
التفت إليه سائلة:
-تخرج إلى اين؟ ميعاد نوبتك لم تأتِ بعد؟
رد بسأم وتعالي تعرفه:
-وهل أن مضطر ان أعطيك تقرير يومي عن خط سيري يا سيدة ابتسام؟
نفت برأسها بحرج، لتتراجع عن طلبها وتخرج على الفور، مؤنبة نفسها عن السؤال الذي خرج دون تفكير، رغم فضول تملكها في المعرفة.
فزوجها أصبح يخرج منذ ايام في مواعيد ثابتة، ولا يعود إليها إلا صباحًا بعد انتهاء النوبة، هزهزت رأسها، لتجلي التفكير عنها، فيكفيها خيبة الصباح وماحدث بها.
أغمضت عينيها وتجعد وجهها باشمئزاز مع تذكرها لقبلات هذا الدميم لها لتردف داخلها بالسباب واللعنات عليه وعلى غباءها هي أيضًا؛ ف هو من اعطي الفرصة لهذا الرجل .
❈-❈-❈
في وقت لاحق.
وبعد ان خرج زوجها لمصلحته، وخلى المنزل عليها وحدها، مع عدم مقدرتها الذهاب إلى عزة، بالوضع الجديد مع وجود هذه الرجل الاَن بالمنزل، وميعاد نوبة الحراسة الليلية لم يأتي بعد.
وضعت همها في إعداد شئ ما يلهي عقلها عن التفكير فيما حدث، فقررت ان يكون نوعًا من الحلو، أدارت مذياع الراديو على قناة الاغاني، لتندمج بالترديد مع كلمات الأغنية وما تفعله بيدها من الحلو، حتى انتبهت على صوت رسالة بالهاتف.
تركت ما بيدها لترى ما الجديد، لتصعق ضاربة بكفها على وجنتها بجزع على ما تراه امامها على شاشة الهاتف، ثم تكتم صرختها التي تود الخروج بأعلى ما تملك، لتتهاوي أقدمها وتسقط على أرضية المطبخ، فما تشاهدها، هو أكبر من قوة تحملها،
-فقد كان عبارة عن عدة صور تجمعها مع هذا الحقير جارها، وهو ملتصق بها، يقبلها بشراهة والغمامة على عينيها وهي بمقاومتها الواهية تبدوا كامرأة مستجيبة له.
ثم واحدة اخرى مع لمسات كريهة، والثالثة بدون غمامة وهي مغمغضة عينيها، قبل أن تفتحها جيدَا وترى وجهه القبيح، فهذا يعني انه صورها بكاميرا، والتقط منها الصورة التي من الممكن أن يستفيد منها.
ظلت تؤذي نفسها بالضرب على وجهها والبكاء بعجز ودون توقف، ف أن تخطئ شئ، وان ترى نتيجة خطأك شئ اَخر، جسدها يرتجف برعب يكاد أن يوقف قلبها، فحماقة فعلها ستؤدي بالتأكيد لقتلها، إذا ما وصلت هذه الصور البشعة إلى عائلتها في البلدة.
توقفت فجأة لتتخيل رد فعل والديها أو شقيقيها الرجال، أو أخواتها البنات، لتعود بالضرب على وجنتيها، تود امتلاك الشجاعة لتقتل نفسها وتستريح من عار يلاحقها، لو انتشرت هذه الصور، فهي لن تستجيب لرغبة هذا الرجل ولن تستطيع.
لأن ما بداخلها من كراهية نحوه تجعلها تفضل الموت على معادوته للمسها أو تقبيلها، كما فعل بالخدعة بالامس.
عاد الهاتف ينبه برسالة ثانية، فتناولته بإيدي مرتعشة، لترى الجديد وترى ما يخبئ لها مرة أخرى، ولكن هذه المرة كانت رسالة تخاطبها بأمر:
-ارتدي عباءتك المنزلية السوداء وتعالي إلي على الفور أنا في انتظارك في الأسفل، لا تطيلي وتجبريني على الصعود إليكِ، انا اريدك في شئ هام.
قرأت لتشعر بغلي الدماء برأسها، هذا الحقير، يوقعها في الفخ والاَن يأمرها كالخادمة، ويظن انها سوف تطيعه، ولكن هذا لن يحدث.
انتفضت فجأة بانفعال غضبها، لتذهب نحو حوض الغسيل، لتُلقي المياه على وجهها حتى تستفيق جيدًا قبل أن تستجيب بالنزول إليه.
❈-❈-❈
-نعم ماذا تريد؟
هتفت بها إليه حادة أجفلته بوقفته مستندًا على حائط الملحق، ليفاجأها بابتسامة متسلية، وهو يجيبها بمرح:
-ولما كل هذا الانفعال يا امرأة؟ إهدئي وهوني عن نفسك، لقد قولت لكٍ من البداية، أني لن أنالُك إلا برضاك.
رددت خلفه باستخفاف:
-هه لن تنالني إلا برضايا! على أساس استجابتي لابتزازك لي بالصور التي ارسلتها، هذا لن يحدث؛ ولن يكون أبدًا.
طالعها قليلًا بصمت، ليزيد من حنقها، ثم قال بعجالة وهي يتلاعب في هاتفه:
-ضعي أمر الصور على جانب قليلًا، المهم الاَن ما طلبتكِ بسببه.
قال الأخيرة ليضع الشاشة على مستوى طولها وامام عينيها، لتسأله بعدم فهم:
-ما هذا؟
تبسم بانتشاء وهو يغير وضع وقفته ليكون بجوارها، ويشرح لها بتمرير الصور:
-هذا هو المنزل الذي يدخله زوجك يوميًا، وهذه المرأة.
توقف يكبر صورة المرأة التي كانت تطل من شرفة منزلها بشعرها وذراعيها المكشوفان من البلوزة التي ترتديها، ليُكمل بعد ان سرق انتباهها:
-هي المرأة التي يخونكِ عصام معها.
إلتفت إليه بحدة قائلة:
-أنت كاااذب، زوجي تاب عن الخيانة التي تشتاق إليها أنت، وابتعد عن طريقي حتى اذهب.
استدارت وهمت بالذهاب ولكنه تصدر بجسده امامها يرد عليها:
-لست انا بالذي يكذب يا ابتسام، لقد رأيته بأم عيني الاَن وهو يدخل اليها، وانا على علم بعلاقته بها منذ فترة طويلة.
اعترضت بهز رأسها لا تريد التصديق وتريد الصعود إلى منزلها، لتهتف به رافضة:
-لن اصدقك ولو حتى اقسمت، ابتعد عن طريقي.
ازداد غيظه من غباء ما تردف به، وإصرارها على عدم التصديق، لذلك اقترب برأسه يرد كازًا على أسنانه:
-ولما ترفضي التصديق يا كونتيسة؟ لثقتك الزائدة به؟ أم بسحر جمالك الذي سيمنع رجل كزوجك عن الخيانة؟ أم لرفضك مبدأ ان تكون امراة جميلة غيرك، او ربما تكون أجمل منك، تلك التي استطاعت التأثير على زوجك حتى جعلته يعود عن توبته من الخيانة؟.
زامت امامه كقطة شرسة تود تقطيع وجهه بمخالبها بعد ان ضغط بكلماته على النقطة الحساسة بشخصيتها، لذلك لم تتواني بدفعه بكفيها على صدره لتزيحه من أمامها وتتخطاه.
تبسم يتابع خلف ظهرها بغيظ:
-لقد فعلت ما علي وبلغتك، وانتِ حرة بعد ذلك، ولكن وللأمانة حبيبة اجمل منكِ بحق.
توقفت فجأة بعد سماع الأسم لتلتف إليه بتساؤل:
-ماذا قولت؟
ردد يبتغي كيدها:
-قولت ان حبيبة أجمل منكِ بحق.
اعترضت بعصبية نحوه:
-لا أقصد العبارة، بل أقصد الأسم.
استغل انتباهها ليطرق على الحديد وهو ساخن:
-نعم، حبيبة هو اسم عشيقة زوجك.
ولو أردت التأكد بنفسك، استطيع اخذكِ إلى المنزل هناك لتضبطيه بجريمته قبل ان يخرج من عندها على ميعاد النوبة .
انتظر قليلًا يطالع الحيرة على صفحة وجهها، وهي تقف شاردة بتفكير، مع تذكرها للأسم الذي أخطأ به زوجها، وهو نفس الأسم الذي يردف به هذ الرجل الشامت بها، مما جعلها تشك بصدقه، ولكنها تريد التأكد، لذا فاجئته بردها:
-اريد ان اراها.
اشرق وجهه ليردف لها بكل ترحيب:
-إذن ف لتسرعي معي حتى نلحق به.
سمعت لتتحرك معه على الفور، نحو الوجهة المقصودة، غافلين عن عزة التي خرجت بالصدفة لشرفتها لتفاجأ بمشهد حديثهم الحاد بالشد والجذب بشكل لفت نظرها بشدة.
فجعلها تقف لتتابع ما يحدث بدهشة، قبل أن يسيرا ليختفيا خارج سور المبنى وتزداد حيرتها
❈-❈-❈
وفي الجهة الأخرى انهى حمامه الدافئ، وخرج إليها ليجدها تتحدث مندمجة في الهاتف بصوتها الناعم:
-نعم حبيبي أنا بخير ولا ينقصني سوى رؤياك… طبعًا أشكو من الوحدة في غيابك، ألن تأتي؟
خرجت الأخيرة بعتب جعل الأخر يضحك لتمثيلها المتقن.
لتلحق هي تشير إليه على فمها بسبابتها محذره حتى لا يخطئ ويصل الصوت إلى محدثها عبر الهاتف، رد رافعًا كفيه أمامها بالتسليم، ثم ابتعد ليتناول ملابسه يرتديها أمام المراَة، حتى انهت هي المكالمة لتغمغم بتأفف:
-ياااساتر، يخاف ع القرش وكأنه أعز من أولاده.
ضحك يرد على انعكاس وجهها في المراَة:
-كل هذا وبخيل يا امرأة؟ ماذا يفعل أكثر من ذلك المسكين حتى يرضيكِ؟
أجابت تردد بنصف ابتسامة خلفه:
-اكثر من ذلك! هه يبدوا أنك انت المسكين حبيبي وليس هو…
قطعت لتقف مكملة بوجه جدي ذهب عنه العبث المعتاد:
-هذا الرجل يا عزيزي، يمتلك ارصًا بالأفدنة التي ورثها او التي استصلحها جديدًا، أعدادًا لا تُعد ولاتحصى، وأموال في البنوك لا يذكر عددها.
ومع ذلك ورغم عشرتي معه بالسنوات لم أطول منه حتى الآن سوى هذا المنزل والسيارة وعدة الاف من الأموال اخذتها مهري منذ سنوات لم يزدادوا غير عدد قليل، مهما فعلت او تدللت عليه، فلا أطول أكثر من الحاجة التي تكفيني.
حتى الحمل بالأطفال حرمني منه، كي لا أسبب له مشاكل في المستقبل مع أبناءه من زوجته الأولى، انا اكره هذا الرجل أكثر حتى من الفقر الذي هربت منه بالزواج به.
التف إليها بشبه ابتسامة يردف بتأكيد:
-لهذا تجدين متعتك بخيانته على فراشه وسريره؟
مطت بشفتيها بابتسامة متلاعبة ومقلتيها تتحرك بدوار، لتزوم بفمها تدعي التفكير وتجيبه:
-اممم، قد تكون وجة نظرك صحيحة، ولكني وبكل صراحة، لم اشعر ولو في مرة واحدة بتأنيب ضمير.. بل بالعكس.
ضحك يرد على كلماتها:
-هذا لأنك لا تملكين الضمير أصلًا يا امرأة.
استجابت لمزحته تردد خلفه:
-نعم انا بالفعل لا أشعر بهذه الشئ، ولا أعلم مكانه أين في جسم الإنسان أساسًا.
جلجل بضحكاته، لتشاركه هي أيضًا بصوتها الرنان، حتى أوقفهما القرع المتواصل على جرس المنزل.
ف التف يسألها بقلق:
-ترى من هذا؟
ارتفعا كتفيها وهبطا بحركة تُنبئ عن عدم معرفتها، لتتبع بقولها:
-أنتظرني انت هنا، وانا سأذهب لأرى من الطارق، احتمال ان تكون الفتاة الخادمة.
ارتدت مئزرًا فوق منامتها لتخرج وتتركه وحده بالغرفة، ينتظر النتيجة.
وعلى باب المنزل، رفعت يدها عن جرس المنزل، فور أن سمعت بصوت خطوات تقترب، حتى إذا فتحت لها صاحبة البيت، ازبهلت تنظر لها دون ان تنطق بحرف واحد، فالمرأة كانت رائعة الجمال كما وصفها هذا المدعو عمران. بالإضافة إلى هيئتها الراقية.
فتبدو كتلك النساء التي تراها على شاشة التلفاز، الشعر الأسود المصفف في ص
الونات التجميل، والبشرة الصافية التي لا تشوبها شائبة، ثم هذا المئزر المفتوح على منامتها بجراة لا تفعلها سوى امرأة مثلها كما يبدو من هيئتها الواثقة من نفسها.
-من الأخت؟ وماذا تريدين؟
صدرت بحدة أجفلتها من حبيبة، لتلتف إليها اَخيرًا وتُجيبها بحرج، وقد نست كل وصايا هذا الرجل عمران:
— اناا… أنتِ حبيبة؟
….يتبع
الفصل الرابع عشر.
لأن ما بداخلها من كراهية نحوه تجعلها تفضل الموت على معادوته للمسها أو تقبيلها، كما فعل بالخدعة بالامس.
عاد الهاتف ينبه برسالة ثانية، فتناولته بإيدي مرتعشة، لترى الجديد وترى ما يخبئ لها مرة أخرى، ولكن هذه المرة كانت رسالة تخاطبها بأمر:
-ارتدي عباءتك المنزلية السوداء وتعالي إلي على الفور أنا في انتظارك في الأسفل، لا تطيلي وتجبريني على الصعود إليكِ، انا اريدك في شئ هام.
قرأت لتشعر بغلي الدماء برأسها، هذا الحقير، يوقعها في الفخ والاَن يأمرها كالخادمة، ويظن انها سوف تطيعه، ولكن هذا لن يحدث.
انتفضت فجأة بانفعال غضبها، لتذهب نحو حوض الغسيل، لتُلقي المياه على وجهها حتى تستفيق جيدًا قبل أن تسجيب بالنزول إليه.
❈-❈-❈
-نعم ماذا تريد؟
هتفت بها إليه حادة أجفلته بوقفته مستندًا على حائط الملحق، ليفاجأها بابتسامة متسلية، وهو يجيبها بمرح:
-ولما كل هذا الانفعال يا امرأة؟ إهدئي وهوني عن نفسك، لقد قولت لكٍ من البداية، أني لن أنالُك إلا برضاك.
رددت خلفه باستخفاف:
-هه لن تنالني إلا برضايا! على أساس استجابتي لابتزازك لي بالصور التي ارسلتها، هذا لن حدث؛ ولن يكون أبدًا برضايا.
طالعها قليلًا بصمت، ليزيد من حنقها، ثم قال بعجالة وهي يتلاعب في هاتفه:
-ضعي أمر الصور على جمب قليلًا، المهم الاَن ما طلبتكِ بسببه.
قال الأخيرة ليضع الشاشة على مستوى طولها وامام عينيها، لتسأله بعدم فهم:
-ما هذا؟
تبسم بانتشاء وهو يغير وضع وقفته ليكون بجوارها، ويشرح لها بتمرير الصور:
-هذا هو المنزل الذي يدخله زوجك يوميًا، وهذه المرأة.
توقف يكبر صورة المرأة التي كانت تطل من شرفة منزلها بشعرها وذراعيها المكشوفان من البلوزة التي ترتديها، ليُكمل بعد ان سرق انتباهها
هي المرأة التي يخونكِ عصام معها.
إلتفت إليه بحدة قائلة:
-أنت كاااذب، زوجي تاب عن الخيانة التي تشتاق إليها أنت، وابتعد عن طريقي حتى اذهب.
استدارت وهمت بالذهاب ولكنه تصدر بجسده امامها يرد عليها:
-لست انا بالذي يكذب يا ابتسام، لقد رأيته بأم عيني الاَن وهو يدخل اليها، وانا على علم بعلاقته بها منذ فترة طويلة.
اعترضت بهز رأسها لا تريد التصديق وتريد الصعود إلى منزلها، لتهتف به رافضة:
-لن اصدقك ولو حتى اقسمت، ابتعد عن طريقي.
ازداد غيظه من غباء ما تردف به، وإصرارها على عدم التصديق، لذلك اقترب برأسه يرد كازًا على أسنانه:
-ولما ترفضي التصديق يا كونتيسة؟ لثقتك الزائدة به؟ أم بسحر جمالك الذي سيمنع رجل كزوجك عن الخيانة؟ أم لرفضك مبدأ ان تكون امراة جميلة غيرك، او ربما تكون أجمل منك، تلك التي استطاعت التأثير على زوجك حتى جعلته يعود عن توبته من الخيانة؟.
زامت امامه كقطة شرسة تود تقطيع وجهه بمخالبها بعد ان ضغط بكلماته على النقطة الحساسة بشخصيتها، لذلك لم تتواني بدفعه بكفيها على صدره لتزيحه من أمامها وتتخطاه.
تبسم يتابع خلف ظهرها بغيظ:
-لقد فعلت ما علي وبلغتك، وانتِ حرة بعد ذلك، ولكن وللأمانة حبيبة اجمل منكِ بحق.
توقفت فجأة بعد سماع الأسم لتلتف إليه بتساؤل:
-ماذا قولت؟
ردد يبتغي كيدها:
-قولت ان حبيبة أجمل منكِ بحق.
اعترضت بعصبية نحوه:
-لا أقصد العبارة، بل أقصد الأسم.
استغل انتباهاها ليطرق على الحديد وهو ساخن:
-نعم، حبيبة هو اسم عشيقة زوجك.
ولو أردت التأكد بنفسك، استطيع اخذكِ إلى المنزل هناك لتضبطيه بجريمته قبل ان يخرج من عندها على ميعاد النوبة .
انتظر قليلًا يطالع الحيرة على صفحة وجهها، وهي تقف شاردة بتفكير، مع تذكرها للأسم الذي أخطأ به زوجها، وهو نفس الأسم الذي يردف به هذ الرجل الشامت بها، مما جعلها تشك بصدقه، ولكنها تريد التأكد، لذا فاجئته بردها:
-اريد ان اراها.
اشرق وجهه ليردف لها بكل ترحيب:
-إذن ف لتسرعي معي حتى نلحق به.
سمعت لتتحرك معه على الفور، نحو الوجهة المقصودة، غافلين عن عزة التي خرجت بالصدفة لشرفتها لتفاجأ بمشهد حديثهم الحاد بالشد والجذب بشكل لفت نظرها بشدة.
فجعلها تقف لتتابع ما يحدث بدهشة، قبل أن يسيرا ليختفيا خارج سور المبنى وتزداد حيرتها
❈-❈
وفي الجهة الأخرى انهى حمامه الدافئ، وخرج إليها ليجدها تتحدث مندمجة في الهاتف بصوتها الناعم:
-نعم حبيبي أنا بخير ولا ينقصني سوى رؤياك… طبعًا أشكو من الوحدة في غيابك، ألن تأتي؟
خرجت الأخيرة بعتب جعل الأخر يضحك لتمثيلها المتقن.
لتلحق هي تشير إليه على فمها بسبابتها محذره حتى لا يخطئ ويصل الصوت إلى محدثها عبر الهاتف، رد رافعًا كفيه أمامها بالتسليم، ثم ابتعد ليتناول ملابسه يرتديها أمام المراَة، حتى انهت هي المكالمة لتغمغم بتأفف:
-ياااساتر، يخاف ع القرش وكأنه أعز من أولاده.
ضحك يرد على انعكاس وجهها في المراَة:
-كل هذا وبخيل يا امرأة؟ ماذا يفعل أكثر من ذلك المسكين حتى يرضيكِ؟
أجابت تردد بنصف ابتسامة خلفه:
-اكثر من ذلك! هه يبدوا أنك انت المسكين حبيبي وليس هو…
قطعت لتقف مكملة بوجه جدي ذهب عنه العبث المعتاد:
-هذا الذي الرجل يا عزيزي، يمتلك ارصًا بالأفدنة التي ورثها او التي استصلحها جديدًا، أعدادًا لا تُعد ولاتحصى، وأموال في البنوك لا يذكر عددها.
ومع ذلك ورغم عشرتي معه بالسنوات لم أطول منه حتى الآن سوى هذا المنزل والسيارة وعدة الاف من الأموال اخذتها مهري منذ سنوات لم يزدادو غير عدد قليل، مهما فعلت او تدللت عليه، فلا أطول أكثر من الحاجة التي تكفيني.
حتى الحمل بالأطفال حرمني منه، كي لا أسبب له مشاكل في المستقبل مع أبناءه من زوجته الأولى، انا اكره هذا الرجل أكثر حتى من الفقر الذي هربت منه بالزواج به.
التف إليها بشبه ابتسامة يردف بتأكيد:
-لهذا تجدين متعتك بخيانته على فراشه وسريره؟
مطت بشفتيها بابتسامة متلاعبة ومقلتيها تتحرك بدوار، لتزوم بفمها تدعي التفكير وتجيبه:
-اممم، قد تكون وجة نظرك صحيحة، ولكني وبكل صراحة، لم اشعر ولو في مرة واحدة بتأنيب ضمير.. بل بالعكس.
ضحك يرد على كلماتها:
-هذا لأنك لا تملكين الضمير أصلًا يا امرأة.
استجابت لمزحته تردد خلفه:
-نعم انا بالفعل لا أشعر بهذه الشئ، ولا أعلم مكانه أين في جسم الإنسان أساسًا.
جلجل بضحكاته، لتشاركه هي أيضًا بصوتها الرنان، حتى أوقفهما القرع المتواصل على جرس المنزل.
ف التف يسألها بقلق:
-ترى من هذا؟
ارتفعا كتفيها وهبطا بحركة تونبئ عن عدم معرفتها، لتتبع بقولها:
-أنتظرني انت هنا، وانا سأذهب لأرى من الطارق، احتمال ان تكون الفتاة الخادمة.
ارتدت مئزرًا فوق منامتها لتخرج وتتركه وحده بالغرفة، ينتظر النتيجة.
وعلى باب المنزل، رفعت يدها عن جرس المنزل، فور أن سمعت بصوت خطوات تقترب، حتى إذا فتحت لها صاحبة البيت، ازبهلت تنظر لها دون ان تنطق بحرف واحد، فالمرأة كانت رائعة الجمال كما وصفها هذه المدعو عمران. بالإضافة إلى هيئتها الراقية.
فتبدوا كتلك النساء التي تراها على شاشة التلفاز، الشعر الأسود المصفف في صالونات التجميل، والبشرة الصافية التي لا تشوبها شائبة، ثم هذه المئزر المفتوح على منامتها بجراة لا تفعلها سوى امرأة مثلها كما يبدوا من هيئتها الواثقة من نفسها.
-من الأخت؟ وماذا تريدين؟
صدرت بحدة أجفلتها من حبيبة، لتلتف إليها اَخيرًا وتُجيبها بحرج، وقد نست كل وصايا كل هذا الرجل عمران:
— اناا… أنتِ حبيبة؟
ضحكت المذكورة تردد خلفها بتساؤل:
-ماذا تقصدين؟ انا حبيبة، أنتِ من؟
بلعت ريقها لتجيب بتردد:
-انا امرأة تريد مساعدتك، هل تسمحين لي بدخول المنزل.
قطبت متفكرة قليلًا تنظر خلفها، ان تكون هذه المرأة مرسلة من أحد المجرمين رغم ان هيئتها لا تدل على ذلك، وحين لم تجد أحد، ارتدت للخلف خطوتين تخاطبها بترحيب:
-تفضلي.
دلفت خلفها ابتسام لتصبح الجلسة بينهم في الصالة الخارجية، وتجلس المرأة أمامها واضعة قدمًا فوق الأخرى، فبادرتها بالسؤال لتنتهي سريعًا منها:
-والاَن ماذا تريدين؟
أضطربت تبحث عن رد وهي لا تدري بما تجيبها، حتى تذكرت ما اوصاها به عمران لتدعي السعال بكفها، قبل ان تُخاطبها:
-هل من الممكن ان تسمحي لي بالماء؟
تنهدت حبيبة لتنهض على مضض، كي تأتي بالماء لهذه المراة الغريبة،
لكن وقبل ان تصل إلى الطرقة المؤدية للمطبخ، وجدته يجذبها من يدها لتلج معه بداخل الغرفة، ليسألها بهمس:
-من الزائر؟ أو الزائرة؟
أجابت بعدم معرفة:
-لا أعرفها
-نعم؟
لفظ كلمته كسؤال، لتردف له:
-والله لا أعرفها،إنها امرأة غريبة، وجدتها على الباب تريد مني مساعدة، اما نوع المساعدة، ف انا لا اعرف، إن كان ماديا او…
قطعت كلماتها، مجفلة على نظرته الغريبة خلفها، لتردد سائلة بقلق:
-ماذا يا عصام؟ مابك؟ أخبرني يا رجل.
حينما لم تجد إجابة منه، التفت هي أيضًا، لتجد المرأة على مدخل باب غرفتها، بهيئة لا تؤنبئ بالخير أبدًا، ولكنها تمالكت لتتقدم نحوها سائلة:
-انتِ يا مدام، كيف تجرؤين على ترك مكانك كضيفة، لتأتي إلى هنا وتقتحمي غرفتي؟
أجابتها ابتسام بلهجة امرأة على وشك الانهيار:
-كما جرأتِ أنتِ على خيانتي مع زوجي!
شهقت حبيبة واضعة كفها على فمها.
أما عصام فاستدرك الصدمة ليقترب منها سائلًا بخشونة:
-كيف خرجتي من المنزل بدون إذني؟
– هذا هو ما يهمك؟
صاحت بها بوجهه وقد استفزها النبرة المتعالية منه، حتى في هذا الوضع المشين، لتهتف به حبيبة بخوف:
-يا إلهي ستفضحنا.
سمعت منها ابتسام لتهدر إليها بتوعد صدر مع جنونها:
-فضائح! وهل انتِ رأيتِ شئ حبيبتي انا سأجعل الجيران يتجمعون ليروا المرأة الشريفة زوجة النائب، ماذا تفعل في غيابه، سأوريكي جيدًا الان الفضائح، يا جيراا…..
قطعت مجبرة بعد أن كممتها كف زوجها؛ الذي ضغط بشدة عليها، ليهمس بتهديد ووعيد:
-أقسم يا ابتسام، كلمة أخرى يعلو بها صوتك وسأجعلك تعودين بورقة طلاقك إلى البلدة.
مع تهديده الاَخير فقدت الذرة الباقية من عقلها لتضربه بكفيها وقبضتيها صارخة بوجهه:
-ولك عين؟ ولك عين تحكم وتتجبر وانا ضبطتك في منزل عشيقتك وفي حجرتها، مبتل الشعر، تهددني بالطلاق، يا خاااائن، يا عشيق الخااائنة.
استشاط الغضب بعصام الذي لا يجد طريقة للتفاهم مع جنون امرأته، وفي نفس الوقت يرفض الضعف أمامها، لذا ومع كلمتها الاَخيرة، فلم يدري بنفسه وهو يلطم خدها بكف قوية جعلتها تصدر صرخة قوية على اثرها، ثم تعقد لسانها وهي تطالعه بصدمة لا تصدق فعلته.
فازداد الإرتياع بقلب الأخرى لتنزوي على طرف تسريحتها تردد
-ستفضحنا، ستفضحنا.
أما ابتسام التي استفاقت، ليخرج صوتها اَخيرًا، لتخاطب الرجل الواقف أمامها بجمود وكبرياء، لا يُظهر على وجهه ذرة من العطف نحوها:
-تضربني أنا بالقلم يا عصام؟
اجاب بنبرة حازمة قاسية:
-وعلى استعداد ان أكررها أضعاف، إن لم تخرجي من هنا حالًا، وتحفظي لسانك داخل حلقك حتى تغادري إلى المنزل، وإلا سأفعلها يا ابتسام وأيضًا ستعودين إلى منزل أهلك بورقة طلاق بائنة، ليس بها رجوع، أخرجي .
هتف الأخيرة بصيحة قوية فاردًا ذراعهِ امامها، انتفضت على إثرها مجفلة، ليتبع بصيحة أقوى، حينما لم تستجب من فرط زهولها، لما تراه منه لأول مرة:
-أخرجي حالاً.
انتفضت هذه المرة أيضًا ولكن لتستدير عنه، مذعنة لأمره صاغرة بذل، تجر أقدامه وكفها على وجنتها، بانكسار وضعف، حتى غادرت المنزل نهائيًا، فالتفت حبيبة إليه تعاتبه:
-كنت قاسيًا جدًا عليها يا عصام.
تنهد بقوة يجيبها:
-إن لم افعل هذا، كانت ستسمر بجنونها
❈-❈
وفي الشارع الخلفي للمنزل كان عمران منتظرًا بسيارة الأجرة يأكله القلق، ولا يستطيع التحرك وترك مكانه لاستطلاع الأمر حتى لا يكشف نفسه، لذلك ظل منتظرًا حتى لمح شبحها على أول الطريق، ليظل متابع خطواتها البطيئة على جمر، حتى وصلت لتنضم بجواره داخل السيارة بجمود صامتة، ليبادرها على الفور بسؤاله:
-ما الذي حدث؟
لم تجيبه بلسانها بل مالت بوجهها ليرى اثر اللطمة على وجنتها، فهتف يدعي الجزع:
-ضربك بالقلم؟
سمعت منه لتنطلق في موجة حارقة من البكاء، وتشهق غير قادرة على التوقف، وتخرج الكلمات المتقطعة مع بكاءها:
ضربني… وأهان كرامتي أمامها…. أمام عشيقته… يراعي مشاعرها على حساب زوجته…. ليُذلني ويهينني ويتجبر… وكأني حشرة لا تستحق الترضية حتى .
ظل يستمع إليها صامتًا لفترة طويلة، حتى خاطبها بحرص:
-افهم من هذا، أنه ضربكِ وأهانِك امام عشيقته، بعد أن ضبطته متلبسًا؟
أومأت برأسها ليردف هو:
-اقسم أنني لأول مرة أعرف ان عصام جبار بهذه الصورة .
التفت إليه تهدر بانهيار بكاءها:
-جبار معي انا فقط، لاني انا الضعيفة المهانة، الذليلة… ربي ينتقم منك يا عصام انت وعشيقتك، ربي ينتقم منك.
ظلت ترددها مع البكاء الذي لا يتوقف، لتفاجأ بقوله:
-ومن ينتقم لكِ ويرد إليكٍ حقك، ماذا تعطيه؟
توقفت تجيب، وقد أعمتها نار الأنتقام:
-أي شئ تريده.
ردد لها بمغزى ليتأكد:
-أي شئ أريده؟
أجابت بعقل قد ذهب منها:
– أي شئ . ..
❈-❈-❈
صفق باب المنزل بعد ان ولج لداخله، عقب عودته من نوبة عمله صباحًا، وجدها أمام عينيه جالسة على مقعدها وسط الشقة في انتظاره، كالعادة اَلمه ضميره بشدة لرؤيتها بهذه الحالة التي تلبستها منذ حادث ضربه لها، والتي مر عليها عدة أيام، وهي التزام الصمت بلا أي رد فعل اَخر نحوه.
لا تنقصه شئ من خدمته ولا خدمة المنزل. ولكنها أصبحت كالجماد أمامه، لا تعاتب ولا يتفوه فاهها بكلمة إليه، أو حتى يرى الدموع التي انفجرت وقتها، أما هو فقد حاول على استحياء معها لفتح الموضوع، ولكنها كانت دائمًا ما تنهي بكلمات مقضية وتتركه، فلا يستطيع اللحاق بها أو ترضيتها؛ حتى لا ترى منه ضعفًا.
-صباح الخير
القى التحية بعد أن اقترب منها، فالتفت ترفع رأسها اليه سريعًا بالرد قبل أن تنهض على الفور مرددة بروتنية:
-سوف أحضر الفطار.
تحركت بخطواتها نحو المطبخ ولكنه اوقفها بنفاذ صبر، فهذا الأسلوب الذي تتبعه، أصبح يصيبه بالإختناق.
فقال لها بنزق:
-انتظري.
توقفت مذعنة لأمره والتفت رأسها إليه بتساؤل، لتربكه نظرتها الحادة، فخاطبها بخشونة كي يخفي اضطرابه:
-عودي لجلستك الاَن أريدك في كلمتين.
سمعت منه واستدرات لتجلس كما امرها في انتظار جنابه، جلس أمامها ليبادر بفتح الحديث فقال بتردد:
-إلى متى ستظلين على هذه الحالة؟
هزهزت رأسها تدعي عدم فهم السؤال، ليردف لها بسأم:
-تعلمي ما أقصد فلا داعي للتمثيل.
تنهدت بصمت لتحدجه بنظرة أبلغ من الكلمات، زادت من ثقل ما يشعر به، فهتف بدفاعية مفرطة:
-لا داعي لهذه النظرة يا ابتسام، وإن كنتِ غاضبة من مجرد لطمة على وجنتك، فهذه كانت نتيجة لتهورك وتعمدكِ بتسبب الفضائح لنا.
لو كنتِ تصرفتي بتعقل من البداية، ما كان حدث ذلك معك، هذه المرأة محترمة ولها وضعها أمام الجيران، وأنتِ حتى لم تُعطينا فرصة للتفاهم معك، بماذا كنتِ تنتظرين رد فعلي بعد كل ذلك
-امرأة محترمة!
رددتها خلفه بتساؤل، قابله بحمائية في رده:
-نعم محترمة، لقد وجدتيها بملابسها، وانا بملابسي، لو كان الوضع غير ذلك لكان لك الحق.
حتى والحقيقة واضحة امامها كشروق الشمس يتعمد استغباءها، وكأنها فاقدة للعقل تمامًا، او عمياء البصر لم ترى ملابس المرأة المكشوفة بأم عينيها، أو تجده هو في في غرفة النوم بشعره المبتل، إنه ليس فقط يستغبيها يل أن يستكثر جلسته الآن معها.
وكأنه عرف بما تفكر، فهتف حازمُا بوجهها:
-كُفي عن صمتك هذا والمعاملة الجافة، دعينا ننسى ونتعايش كالعادة، وتذكري أني صبرت ولم أخرج غضبي بالسؤال عن مجيئك فجأة خلفي، ولكني اريد ان اعرف إلاَن،
كيف وصلتي إلى هناك؟
يسألها بحدة ويكابر حتى عن إعطاءها وعد بعدم تكرار ما حدث، لذلك لم ترتبك في ألإجابة بالكذب الذي أواصاها به الملعون جارها:
-جاءني اتصال غريب من امرأة تحذرني من خيانتك اليومية لي مع امرأة اسمها حبيبة،
سمع منها ليأخذها فرصة ويوبخها بجلالة أنسته وضعه:
-وصدقتي على الفور كالبلهاء قول امرأة تريد خراب بيتك؟ هل انت بلا عقل لتنساقي هكذا بلا تفكير خلف قول أي غريب؟ أين رقم هذه المرأة التي هاتفتك، أعطيني الرقم لأكشفها لكِ.
انتظرت حتى انتهى من وصلة التقريع والنعت بصفات الغباء بصبر وابتسامة غريبة تعتلي وجهها، لتُجيب اَخيرًا وتفحمه:
-لا أذكر الرقم، لأن هذا كان منذ مدة طويلة، وانا وقتها كذبت المرأة واغلقت بوجهها المكالمة، ونسيت لأني لم أعير للأمر أهمية.
ولكن خطئك بالأسم امامي هو من جعلني اشك، لذلك خرجت خلفك في هذا اليوم وراقبتك، حتى دلفت لهذا المنزل وتأخرت بداخله، وعندما سألت، احد الجيران عن إسم البيت، عرفت أنها امرأة وحيدة وزوجها يسافر بالشهور، والباقي انت تفهمه وحدك.
الإجابة كانت مقنعة لدرجة جعلته يرتبك بالفعل، فقال ينهي المناقشة بأنانيته المعتادة:
-ما تم قد تم، الاَن نحن في الحاضر، دعينا نغلق الصفحة، انتِ غضبتِ وانا غضبت، أنتِ أخطأتِ وانا تجاوزت عن خطأك من أجل العشرة بيننا، وستفعلين أنتِ معي بالمثل.
-للمرة المئة، هو لا يصالحها ولا يسترضيها، هو فقط يريد تجاوز الأمر، يوازن كفتها مع كفته في الخطأ، يا له من رجل عادل.
-لماذا الصمت مرة أخرى؟ ردي بأي شئ، ام أنكِ زهدتي عشرتي وتُريدي العودة إلى البلدة؟
توسعت ابتسامة ساخرة على محياها فور فهمها لمغزى كلماته، وهو يلوح لها مرة أخرى بالطلاق، لتجيبه بدراما:
-لا طبعًا يا عصام، وهل أنا غبية لأزهد العشرة منك أنت، يا سيدي وتاج رأسي، لا تكررها بالله عليك.
ختمت قولها لتنهض من جواره، تدعي رغبتها الشديدة في دخول المرحاض.
لتتركه في حالة من التشتت تعصف به، يريد عودتها لطبيعتها ولكن يرفض بشدة ان يتنازل أمامها، لو كانت تبكي وتستعطفه كان الأمر سيُصبح أكثر سهولة من ذلك، من الممكن وقتها أن يرضيها، لكنها الاَن وهي بهذه الصورة من اللامبالاة لن يقدر ولن يفعل.
أما هي فبمجرد دخول المرحاض وصفق الباب خلفها، فلم تتمالك نفسها، وسقطت منهارة على الأرض تبكي بحرقة وتكتم الصوت، شعور الإهانة بالضرب والخيانة يكمله بالتكبر عليها وكأنها حشرة لا تستحق، يريدها التعايش بوجه مبتسم امامه وسعيد
وكأنها بلا إحساس او كرامة لتملك حق الإعتراض، هذا جزاءها لانها الضعيفة من البداية معه، هذا جزاءها لأنها مكنته منها، برعبها الدائم من هذه الورقة، يشتعل صدرها بحريق تود إطفاءه اليوم وليس الغد بالانتقام.
❈-❈-❈
وفي الشقة المجاورة وبعد ان اغلق الغرفة عليه بحجة النوم صباحًا كما كان يفعل دائمًا، وقد تحسنت زوجته الان وأصبحت تفعل بعض الأشياء البسيطة في منزلها، تنفيذًا لنصائح الطبيبة من أجل صحة الجنين والأم في هذه الشهور بعد مرور مرحلة الخطر.
كان واقفًا بجوار النافذة ينظر للخارج بتفكير عميق، عدة أيام مرت الآن ولم يحدث شئ، من وقت أخذه الوعد منها وهو يجاهد بكل الطرق للإيقاع بهذا الملعون وعشيقته ولم يفلح شئ، حتى فعله الجرئ بمهاتفة زوجها، واخباره عن خيانة زوجته له، حتى يتحرك على الفور لم يحدث، وكأنه الاحمق لم يصدق الاتصال .
إذن ماذا تبقى ليفعله؟ لقد طال انتظاره وطال شوقه، والاَخر مازال يعيش حياته معها ومع العشيقة وكأن شئ لم يكن، يخشى من طول الوقت لو استمر، جائز من الممكن أن تعود وقد تنسى وقد يرضيها ويصالحها
زفر بضيق ليعود لتخته يحاول النوم او الراحة قليلًا، حتى يصفو ذهنه ويفكر جيدًا.
رفع رأسه فجأة على صوت فتح الباب الخارجي وصفقه على الفور بقوة، ليعلم ان زوجته خرجت إليها لتقضي الوقت معها بمنزلها، وتحرمه حتى من رؤيتها.
❈-❈-❈
-تكلمي يا امرأة لما هذا الصمت المطبق؟ لقد بدأت اقلق.
هتفت بالكلمات عزة وهي تخاطبها بخوف حقيقي، فنظرتها بالفعل كانت متغيرة، بالأضافة لصمتها، فهذا السكوت المريب لم يكن أبدًا من صفاتها، لترد الأخرى بابتسامة مغتصبة حتى ترضيها:
-ولما القلق يا عزة؟ يكفيكِ ما تعانيه يا امرأة في حملك بهذا الطفل المزعج.
بادلتها عزة الابتسام بعد ان ذكرتها بأجمل ما تتمناه، لترد بعتب:
-اَخيرًا تذكرتي أمر الطفل المزعج، جزاكِ الله خيرًا سيدتي.
فهمت قصدها لترد متنهدة بأسف:
-سامحيني يا عزة لعدم ترددي عليك هذه الايام، ومساعدتك، انا كنت في حالة لا يعلم بها الا الله.
ردت عزة بطيبتها المعهودة:
-لا اريد المساعدة لقد من الله عليا بالشفاء علي، واصبحت أنجز اشياء منزلي على قدر مقدرتي، ولكني اعتدت صحبتك وجلساتك المرحة يا امرأة .
تبسمت لها ابتسام بمودة حقيقية، تستغرب داخلها، كيف لملاك مثل هذه المرأة ان تتزوج رجل كريه مثل زوجها،
رضيت به وهي جميلة ولا ينقصها شئ، وهو المعيوب بالتشوه الظاهر بشدة على وجهه، لم يرضَ ولم يقتنع!
هتف عزة تقطع عنها شرودها مرة أخرى:
-مرة أخرى تصمتين؟ ما بكِ يا امرأة؟
اشرق وجه الأخرى لتعود لا بتسامتها المعتادة لتقول:
-لقد اشتقت إليك بالفعل يا عزة، أدامكِ الله لي.
اومأت لها عزة برأسها ثم لم تقوى على منع السؤال الذي تكتمه بداخلها منذ أيام:
-اين خرجتِ بصحبة عمران؟
حركت ابتسام رأسها باستفسار قبل أن تستوعب مع كلمات عزة التالية:
-انا اقصد منذ عدة ايام، كنت خرجت من شرفتي، فرأيتكما بجوار مبنى الملحلق تتناقشان بحدة ثم خرجتما معًا وبعدها انتِ التزمتِ بيتك.
انهت عزة قولها لترى وقع الكلمات على وجه جارتها، والذي شحب بشدة وكانها تفاجات بالسؤال، لتنفرج شفتيها بعجز لعدة لحظات، وكأنها تبحث عن إجابة، قبل أن ترد اخيرًا وهي تدعي التذكر:
-اَه فهمت قصدك، لقد كان هذا بالفعل منذ عدة أيام حينما تشاجرت مع أحد الباعة الجوالين في السوق بعد ان غازلني بكلمات وقحة.
سمع زوجك بالأمر حتى أوقفني هنا ليتأكد مني، فقصصت له ما حدث وانا منزعجة، وهو ايضًا انزعج واحتدت كلماته معي، فجعلني اخرج بصحبته إلى السوق، ليتعرف على الشاب ويطرده من البيع في منطقتنا، هذا هو كل ما في الأمر، حتى اسألي زوجك وتأكدي.
ردت عزة بابتسامة غير مفهومة:
-لا لن أسأله يا ابتسام، لأني اثق بيكِ أكثر منه.
صمتت ابتسام وهي لا تدري، إن كانت هذه الجملة من المفروض أن تفرحها ام تُحزنها
….يتبع
الفصل الخامس عشر
-ماذا حدث؟ الم نتفق على الإبتعاد خصوصًا هذه الفترة؟
سأل بها فور ان فتحت باب منزلها له لتستقبله، ادخلته وأغلقت خلفه الباب جيدًا، قبل أن تجيبه وهي تلج معه للداخل:
-لم اطلبك إلا لشئ مهم وضروري يا عصام.
قطب حاجبيه يردد بدهشة:
-مهم، وضروري، وما هذا الشى المهم والضروري؟
ردت بعدم معرفة:
-لا أعلم يا عصام، ولكني طلبتك لأتأكد.
-تتاكدي من ماذا؟
سالها وقد أزادت في قلبه الحيرة، ثم جلس على اول كرسي وجده أمامه، جلست هي الأخرى على الكرسي المقابل، لترد وهي تفرك بكفيها بتوتر:
-لا أعلم كيف اشرحها لك، ولكني أشعر بشئ ما غير مطمئن، كلما حادثت زوجي في الهاتف.
تنتابني الريبة من نبرته، حتى أسئلته العادية تصلني بمغزى غير مفهوم، أنا قلبي يحدثني بذلك.
سمع منها ليزفر بقوة وهو يشيح بوجهه عنها يغمغم بالسباب، قبل أن يعود إليها ويخاطبها من تحت أسنانه:
-وبما انك تشعرين بالريبة من قول زوجك، وقلبك يحدثك انه ليس بالطبيعي، لماذا اتصلتي وطلبتيتي؟ اتريدين تثبيت التهمة إن كان بالفعل يشكِ بكِ يا امرأة؟
خرجت الاخيرة بصيحة أجفلتها فردت تخاطبه بعتاب:
-لمَ هذه العصبية المفرطة نحوي يا عصام؟ انا لم أطلبك للأذية او تثبيت التهمة كما تدعي، هذه مجرد افكار تتواتر بعقلي منذ مجيء زوجتك والذي فعلته معنا؟
سألها منتبهًا:
-وما دخل زوجتي؟
طالعته قليلًا بتردد قبل ان تحسم الأمر بسؤاله:
-اخشى أن تكون اخبرت احد ما عما حدث، فوصل إلى زوجي.
عبس وجهه يحرك رأسه بعدم رضا، ليجيبها عن ثقة:
-اتركي أمر زوجتي وارفعيها من حسبتك.
انا واثق بأنها لم تخبر احد، لأني أوصيتها وحذرتها الا تتفوه بهذا الأمر حتى امام جارتها العزيزة عزة، ثم وللعلم، زوجتي فهمها قليل، ليس من المعقول ان تصل إلى زوجك.
تهكمت تردف ساخرة:
-اها، وكيف فعلتها إذن وأتت إلى هنا ؟
رد يجيبها بحدة:
-لم تأتي من نفسها كما تظنين، لقد اخبرتني بأمر امرأة اتصلت بها تحذرها من خيانتي انا مع امرأة بأسمك.
شحب وجهها لترد بجزع:
-يا وليتي، معنى هذا أنني فعلا مراقبة، يا إلهي لقد بدأت أخاف بالفعل يا عصام.
عاد ليغمغم بالسباب وقد شعر الاَن ان الخطر يقترب منه بقولها، لذلك نهض يخاطبها بحزم:
-إذن اعقلي ولا تتصلي بي مرة أخرى، لقد اتفقنا على الإبتعاد، إذن فلنفعل خصوصًا هذه الفترة، بمعنى ألا تهاتفيني مهما حدث والأفضل هو أن تمسحي رقمي من عندك.
تمتمت ساخرة وهي تنهض مثله:
-هه ألهذه ألدرجة أنت خائف؟
هدر بها غاضبًا:
-إنتقي كلماتك يا حبيبة ولا تجبريني على الرد القاسي، أنتِ الخائفة، وانتِ من تشكين في تغير زوجك،
إذن فلتشغلي عقلك وكفي عن استفزازي، هذا إن كنتِ تبغتين الاَمان .
أومات له برأسها، شاعرة بإصابته للحقيقة، أطمئن هو جانبها ليتحرك مردفًا:
-إذن فسوف أذهب انا، وقد نلتقي انا وانتِ في مكان ما غير هذا.
اومات برأسها بالموافقة ليُقبل اعلى رأسها قائلًا بمزاح حتى يجعلها تبتسم:
-وهذه للوداع، وبهذا نكون قد ختمنا بشئ جميل .
تبتسمت بالفعل تربت على كفه، قبل أن تتحرك معه صوب باب المنزل، والذي فور أن قامت بفتحه صعقت برؤية صاحب الجسد الضخم وهو يقتحم فجأة ليلج إليها في الداخل، فترتد باقدامها هي للخلف مرددة بفرع:
-جمعة! متى عدت حبيبي؟
رد الرجل بسخرية وهو بتقدم ليلج لداخل المنزل:
-نعم جمعة حبيبتي، الهذه الدرجة اشتقتي إلي؟
قال الأخيرة ليغلق خلفه الباب بقوة، ثم يقف لينقل عينيه بين الأثنين، زوجته وعصام الذي وقع قلبه الى أقدامه، ولكنه تماسك، ليتدخل في محاولة للخروج من المأزق:
-سيادة النائب اَخيرًا، لقد تعبت من المحايلة على زوجتك لتتصل بك، انا واحد من دائرتك وكنت اريد الخدمة من سيادتك.
لحقت هي الأخرى لمشاركة الكذب بكلمات مرتبكة وغير موزونة:
-نعم حبيبي، هذا الرجل جاء بالفعل طالبًا خدمة منك، ولكني تعبت كي اعرفه أنك مسافر في البلدة، ولكنه كان مُصر على مقابلتك، لتعود انتِ الاَن! سبحان الله.
رمقها بابتسامة صفراء زوجها، قبل ان يتجه لعصام ويخاطبه مشيرًا بيده:
اقترب يا ولدي وأخبرني بإسمك في البداية، ارتجف عصام ليُذعن لمطلب الرجل حتى لا يشك فيه، يحرك أقدمه بصعوبة نحوه حتى وصل إليه، مد كفه بغرض المصافحة وهو يعرفه عن نفسه بأسم مزيف غير اسمه الحقيقي:
-انا سيد مسعود واعمل حلاق.
مد كفه أيضًا الرجل ولكن ليس للمصافحة بل رفعها ليباغته بلطمة قوية على خده الأيسر بالتزامن مع قوله:
-بل أنت عصام يا غبي، أنسيت إسمك؟
صرخت حبيبة ليوقفها زوجها بنظرة مخيفة:
-إكتمي صوتك انت.
قالها ثم التف عائدًا لعصام المذهول، يتابع
-أم ظننتني لم أعرفك؟ حتى تستطيع خداعي يا عشيق زوجتي.
صاحت حبيبة من خلف عصام:
-انت فاهم خطأ يا جمعة، إنتظر لتسمع منا ولا تستجيب لفتن مغرضة تريد التفريق بيننا.
-فتن مغرضة يا خائنة؟
ردد بها زوجها وهو يخرج شيئًا معدني من جيب حلته الواسعة، لتشهق حبيبة بفزع فور رؤيته، واستفاق أيضًا عصام من صدمته ليرتد بأقدمه للخلف على حذر مثلها، مرددًا للرجل:
– أدخل سلاحك الناري في جيبك، حتى لا تتهور وتؤذي نفسك على خطأ، أنت نائب محترم ولك سمعة لتخاف عليها.
أطلق الرجل نصف ضحكة خشنة وهو يتقدم بخطواته نحوهم ليردف له بسخرية:
-تطالبني بالحفاظ على سمعتي، والتي قد تلطخت على يديك ويديها…
قطع ليهدر غاضبًا بأنفاس مضطربة:
-انا انتشلك من الفقر لارفع قدرك بزواج لم تحلمي به، لتعودي أنتِ الان لأصلك الوضيع، كي تخوني ثقتي، مع هذا الحقير…
-يا جمعة..
هتفت حبيبة، بها ليصيح هو يقاطعها عن التكلمة
-لا تلفظي إسمي مجردًا يا خادمة، أنا سيدك الذي اخطأ بالزواج من امرأة قليلة الأصل مثلك، كان يجب علي من البداية ان اعرف، أن من ينشأ في الوحل يحن بالعودة إليه مهما مر عليه من وقت.
هتف عصام يصرفه عن الأخرى
-يا سيد جمعة، انت دخلت ولم تجد علينا شيئًا مشين، لا اعلم لما لا تصدقنا؟ ونحن امامك الاَن، أقسم بالله لم ت
نفعل شيئًا
فاض به الرجل واحتدت نظرته، ليصوب السلاح الناري نحوه الاَخر، ويخاطبه كازًا على أسنانه:
-أتظنني مغفل يا حيوان حتى تستطيع خداعي؟ انا من الأفضل ان ابدا بك انت .
قالها بنيه واضحة على قتله ليسحب زر الامان وفور ان هم بالضغط على الزناد.
باغتته حبيبة بإلقاء مطفأة السجائر على رأسه التي اندفعت للخلف مع قوة البطحة ليختل توازنه ثانية ويسيل معها الدم الغزير، ولكنه استعاد نفسه لتخرج الطلقة نحوها هي قبل أن تتمكن من الهرب مثل عصام الذي ركض نحو الباب ولكنه تفاجأ بحارس الرجل على باب المنزل يمسك به ويسأله
-ماذا حدث؟ ومن أنت؟
هم لاختلاق كذبة فورية ليتمكن من النجاة، ولكنه توقف على قول الرجل من الخلف وهو يخاطب حارسه بانفاس متقطعة وايد مرتعشة:
-أمسك به يا حلمي… ولا تدعي.. لا تدعه يهر…
قال الأخيرة ليسقط على الأرض، بلا أي حركة أخرى.
بعد عدة أيام.
كان ميعاد زيارتها له في قسم الشرطة، بعد موت الرجل النائب واتهامه هو بقتله، بالأضافة لأصابة هذه المرأة حبيبة ووضعها تحت العناية المشددة حتى تستفيق من غيبوبتها، او تسطيع الكلام .
ولج بصحبة رجل الأمن في حجزة معاون المباحث والذي نهض عن مقعده تاركًا الغرفة لهم، ليبادر عصام بسؤالها فور مغادرته:
-لماذا جئتِ يا ابتسام؟
تطلعت إلى هيئته الغريبة والتي لم تعتد عليها قبل ذلك،
وجهه الوسيم كان منطفئًا، ذقنه الغير حليقة وشعره المبعثر، ملابسه الغير مهندمة على الرغم من اهتمامه بالنظافة وتبديلها دائمًا داخل محبسه، بدا وكانه شخصًا اخر لا تعلمه.
-ماذا حبيبتي، ألهذه الدرجة أعجبتك هيئتي؟ ام العكس؟
رفعت رأسها إليه تجيبه بلهجة عاتبة:
-وما الداعي من التهكم يا عصام؟ انا زوجتك وما اصابك قد اصابني أنا أيضًا.
تبسم بجانبية وهو يعدل من وقفته ليجلس على المقعد خلفه، ثم قال:
-حديث جميل، لكني للأسف لا أصدق ان يكون من قلبك.
جلست هي الأخرى على الكرسي المقابل له، لتساله:
-وما السبب الذي يجعلك لا تصدق؟
اجابها بوجه ذهب عنه العبث:
-أنتِ تعلمين، فلا داعي للكلام.
رددت بجراة غير مكترثة لغضبه:
-ولما لا داعي للكلام؟ ام ان الاعتراف بالحق ثقيل على لسانك، ثقيل عليك ان تعترف بخطئِك في تكرار الخيانة؛ التي أدت بك لهذه النتيجة.
احتدت عينيه بنظرة غريبة إليها ولكنها لم تبالي لتردف بدمعة ساخنة سقطت منها:
-رأيتك بعيني، وتكبرت أنت حتى عن ترضيتي، او إعطاءي وعد ولو بالكذب بعدم الفعل مرة أخرى
بل لطمتني بالكف وأخرجتني ذليله من منزل عشيقتك، بعد تهديدي بالطلاق، وكأني امرأة بلا إحساس، أو لا
أستحق كرمك بالعيش معك.
قطعت فجأة لتمسح بكفيها لتجفف أثار الدموع من وجنتيها ثم تابعت:
-لم اَتي اليوم لفتح جراحي معك، انا جئت بصفتي زوجتك، لأطمئن عليك، ها كيف حالك اليوم؟
طالعها بصمت وتفكير عميق لعدة لحظات، ثم قال:
-اعلم اني جئت عليكِ كثيرًا، وحملتك ذنب خطأي في الزواج الأول، ولكني أليوم أريدك ان تعلمي جيدًا، أنكِ انتِ من مكنني بضعفك، وارتجافك مع ذكر كلمة الطلاق.
انا لم اقصد الجدية في تهديدي لك ولو في مرة واحدة، ولكني وجدتها ورقة ضغط تؤتي بالفائدة معي، حتى تُطعيني ولا تعصي لي أمر، فلماذا لا أستغلها؟ ورغم ذلك، ف اليوم قد افعلها بجدية لو اردتي؟ واطمئني على وضعك في البلدة، فبعد محبسي الاَن، لن تجدي من يلومك؟ أو يضيق عليكِ، لاني سوف أعطيكِ حقوقك كاملة، ها ماذا تريدي يا ابتسام؟
❈-❈-❈
عادت من لقاء زوجها في القسم، إلى مبنى الملحق، تصعد الدرجات باقدام ثقيلة وعقل شارد، فهذه اول مرة ترى زوجها بهذا الصدق، ورغم كل ما رأته منه في الايام السابقة، ورغم كل ما تحمله في قلبها من عتب نحوه الا انها لم تتحمل عليه، يطلب منها ان تقرر الأختيار بين الانفصال او الاستمرار، ولا يعلم أن عائلتها تضغط بالفعل عليها منذ علمت ماحدث، لتطلب الطلاق وتنفصل عنه، بعد ان ساءت سمعته، وقد انتشرت الاشاعات الكثيرة حول الحادث الذي أدى لسجنه بعد موت النائب، وإصابة زوجته بالطلق الناري، تتنهد بعمق ما يؤرقها الان ويشغلها، وهو التفكير في القادم،
زفرت فجأة لتكمل الصعود، فهذه الافكار تفتك برأسها هذا الأيام.
وصلت الى شقتها وفتحت بمفتاحها لتدفع الباب وتدلف للداخل وفور ان استدارت لتهم لغلقه، شهقت مجفلة وهي تجد هذا الكريه يدفعها للداخل ويدلف هو معها عنوة، حتى ابعدها عن الباب بمسافة، لتعترص هي وتقف بوسط الصالة تنهره:
-أجننت يا رجل؟ أم اتريد قتلي من الرعب بفعلتك؟
-سلامة قلبك من الرعب.
قالها بلهجة ناعمة وهو يقترب برأسه منها فجعلها ترد وهي تتراجع للخلف:
-لا تدعي الخوف على سلامتي وانت تفعل العكس.
اقترب مرة أخرى وهي تراجعت حتى التصقت بالجدار خلفها لتجده يرد بلهجة تقترب من الحدة:
-وماذا علي ان افعل؟ وانا اجدك تتهربين دائمًا مني، ولا استطيع لقاءك.
هتفت بوجهه معترضة:
-ولماذا تريد لقاءي؟ وانت تعلم انشغالي الشديد بما حدث لزوجي.
تبسم يفرد نفسه امامها ليفاجأها بقوله:
-وانا اريد لقاءك بسبب ما حدث لزوجك، لاني نفذت ووفيت بوعدي إليكِ، وعليكِ انتِ الاَن..
قطع ليشملها بنظرة وقحة قبل أن يكمل:
-سداد دينُكِ إلى
❈-❈-❈
سداد دينكِ إلي!
هتف بالجملة لتنتفض مجفلة، شاعرة بخوفٍ امتزج بندمها، لتطرق برأسها قائلة:
-ولكني لم أطلب منك إدخاله السجن.
سمع منها ليرد بابتسامة منتشية وهو يقترب ليصبح أمامها بالظبط:
-من ادخله هو غباءه حبيبتي، أنا لم أفعل سوى الأتصال بزوج المرأة كي انتقم لك وارد لكِ اعتبارك.
-ومع ذلك لا يعجبني أن يكون هذا مصيره.
قالتها وهي مازالت مطرقة برأسها قبل أن تنتفض فجأة على ضرب كفيه للجدار بجوار رأسها، هادرًا
-وانا لا اكترث لذلك ولا يهمني سوى ديني عنِدك.
فزعت من الصيحة ومن هيئته وهي تجد نفسها محاصرة بين ذراعبه والجدار خلفها فخرج صوتها إليه بارتعاش:
-ماذا تريد؟
اقترب بوجهه منها يجيب بفحيح:
-أريدك أنتِ حبيبتي، أم نسيتي اتفاقنا؟
ارتجف قلبها بالداخل وقد تذكرت بالفعل قولها ساعة الغضب، وهذا الوعد الذي سحبه منها بغفلتها قبل أن تستعيد وعيها وتفكر جيدًا، ولكن ما خشيت منه قد حدث، ليأتي هو الآن مطالبًا بحقه، الم يكفيه خداعه قبل ذلك وما اتخذه عليها من صور؟
-ها حبيبتي لا داعي لكل هذا الشرود وانتِ تذكرين كل شئ.
هتف بها وراسه مازالت مائلة نحوها، ليبث في قلبها المزيد من الرعب منه، تمالكت تبتلع ريقها الجاف كي تجيبه بمهادنة، فهو يمتلك بيده ما قد يؤذيها في سمعتها، لو أخطأت وأغضبته:
-اا نعم قد تذكرت ولكنك تعرف ما أمر به مع ظروف زوجي.
أومأ يدعي التفهم قبل أن يجفلها بقوله:
– وما دخلي انا بما يحدث لزوجك؟ ف ليحترق في الجحيم، لقد قدرتك وراعيت ظروفك طيلة هذه الأيام الماضية.
لذا حبيبتي من الاخر هكذا تعالي معي إلى غرفتنا المزينة ولا داعي للكلام الفارغ.
نطق بالاَخيرة ليتناول كفها كي يسحبها ويسير بها نحو وجهته، ولكنها تشبثت بالارض تهتف باعتراض:
-لن اتحرك معك في أي مكان.
أجفل من حدتها ليطالعها مضيقًا عينيه بريبة، لتردف هي ببعض اللطف:
-انا لم أعُد نفسي لذلك اليوم، اتركني ارجوك حتى اتمالك مع ما يحدث معي.
توقفت على نظرته الغير مريحة لتتابع برجاء:
-أرجوك أنا اصلا جئت متعبة من زيارة عصام في قسم الشرطة وهذه الايام مرهقة بالفعل.
ارتفعت انأمل يده تتلاعب باسفل ذقنه بتفكير، ثم ما لبث ان يجيبها:
– حسنًا يا ابتسام نصبر حتى تُعدي نفسك لكن على شرط…
حركت رأسها باستفهام لتجده يرد وهو يلف ذراعيه حولها:
-أريد الاَن شيئًا أصبر به.
قالها واقترب برأسه نحوها، فهتفت بالاعتراض وهي تبتعد برأسها:
-ابتعد ولا تلمسني هنا في منزلي.
هزهزها بعنف يهدر من تحت أسنانه:
-أن لم تعطيني شيئًا الاَن لن اصبر حتى الصباح .
قالها بحزم جعلها تصمت عن الاعتراض مضطرة، فهذا المجنون لا تضمن رد فعله، شعر باستكانتها فاعتبرها موافقة ليقترب برأسهِ منها.
وما ان شعرت هي باقترابه حتى تخشبت وأغمضت عينيها بشدة أثارت انتباهه ليتوقف معقبًا بغير رضا:
-ما هذا يا امرأة؟ وكيف استطيع الاقتراب منكِ هكذا.
ردت على قوله بانفعال:
:
-قولت لك من البداية أنني لست على استعداد، وهذا اقصى ما عندي.
قابل رفضها بنظرة غامضًة صامتًا لعدة لحظات، قبل أن يقطع ويرد بكل هدوء:
-هوني على نفسك حبيبتي وارتخي قليلًا، لا أريدك أن تنفعلي بهذا الشكل…
توقف ليتناول هاتفه ليرفع شاشته أمامها وهو يردف:
-كل ما أتمناه عزيزتي هو أن أستعيد معك ولو بدقيقة واحدة هذه اللحظات الجميلة… انظري كيف كنتِ رائعة هنا وأنتِ تدعين المقاومة..
تطلعت بصدمة إلى ما يقصده، فالحقير كان يشير لها على مقطع الفيديو الذي صورها به لحظة وضعه الغمامة على عينيها قبل أن تكتشف حقيقة خداعه لها.
قاصدًا إذابة مقاومتها بتهديده الخفي، وهذا ما راَه بالفعل على ملامح وجهها التي أظهرت انكسارًا، ليستغل فرصته مغلقًا الهاتف، ثم يردف لها بنعومة وهو يداعب بإبهامهِ على وجنتها:
-لا داعي للحزن أو القلق، لأني لن افعل به شئ ما دمتِ مطيعة وستنفذين شرطيَ البسيط الاَن، أليس كذلك؟
تحت تأثير تهديده أومأت برأسها، بإذعان له كموافقة، ليزيد بقوله:
-وستفعلينها بكل رضا، حتى ارضى أنا عنك.
اومأت مرة أخرى تدعي الطاعة، فلم تقاومه وهو يعود لضمها وتقبيلها بنعومة في البداية ليستشعر استجابة أدعتها بصعوبة على امتعاض.
بنية امتصاص جنونه في هذا اللحظة حتى تستطيع التفكير في حل ما بعد ذلك، تعلم جيدا انها في موقف ضعف، فهو باستطاعته ان يأخذها الاَن وفي منزلها، وان قاومت ستكون الفضيحة من نصيبها ، لذا لابد من مهادنته،
ومع شعوره باستسلامها زاد بضمه وتقبيله إليها ليجعلها حميمية أكثر،، كفيه تجول عليها بحريه ، تستبيحها بوقاحة،
وقاحة اجبرتها للرفض، رغم ادعائها الخنوع، فما كان منه إلا أن زمجر يعنفها بضمته، يحدجها بنظرة مخيفة ليثبط مقاومتها، فاستسلمت مجبرة لتغمض عينيها وتقمع نفورها منه، كي تنتهي من هذا الشيء، الذي يدعيه قبلة، فالتقط فرصته، يستغلها على أكمل وجه، ليتعمق، ويُطيل، ويستبيح، حتى إذا انتهى اخيرًا ينزع نفسه عنها بصعوبة،
وانفاسه الخشنة تلفح بشرتها، تكتم بداخلها شهقة الخلاص، وهي تبتعد برأسها عنه، تفتح عينيها للنور اَخيرًا، لترى وجهه القبيح بهذا القرب الشديد، وابتسامة مُقيتة ارتسمت على ملامحه، يغمره شعور الانتشاء، برؤيته لهذا العبث الذي احدثه بها، شعرها المشعث، بشرتها التي التهبت بالحمرة، وشفتيها لن تعود لحالتها الطبيعية سوى بعد فترة من الوقت بعد اجتياحه المجنون لها
نزل بعيناه نحو جسدها المعصور بين ذراعيه، ليتأمل هذا الجزء أسفل رقبتها والذي انكشف بفضله، ليطالعها بمكر، همت ان تنفجر به حتى يحل ذراعيه عنها، مادامت قد نفذت شرطه البغيض، ولكنها اجفلت على صوت ما من خلفه،
وكانت المفاجأة، حينما رفعت ابصارها عنه، لتصطدم بعسليتي رفيقتها وجارتها، زوجته، فقد كانت متسمرة بالقرب منهم، وعلى هيئتها تبدوا الصدمة بشكل جلي، فخرج صوتها إليها كنداء:
-عزة!
انتبه عمران هو الاخر والتفت رأسه نحو امرأته التي استفاقت لتتحرك للخلف مغادرة نحو منزلها بصمت وهدوء، ليفك ذراعيه عن الآخرى، وخرج على الفور خلفها،
اما ابتسام فسقطت على الأرض منهارة، تتمنى الموت على ما اقترفته من ذنب بحق اعز أنسانه لديها.
❈-❈-❈
ولج لداخل شقته خلفها، فوجدها بوسط الصالة، جالسة على مقعدها بواجه واجم، تحمحم بحرج يقصد لفت انتباهها ولكنها لم تفعل ولم تسجيب حتى برفع رأسها، لتزيد من صعوبة مهمته، فاقترب ليجلس على الكرسي المقابل لها ليبدء حديثه بالإعتذار:
-سامحيني يا عزة، أنا بالفعل لا اعرف كيف اعبر لك عن أسفي…
توقف وحينما لم يجد رد فعل منها، تابع بمسكنة:
-لقد ضعفت حبيبتي وهذه اول مرة تحدث معي، أنتِ أعلم بطبعي واخلاقي ولكن جارتك هذه…..
قطع جملته على أثر التفاتها نحوه بنظرة كاشفة اربكته، لتردد خلفه بتشكك:
-ما بها جارتي؟ تقصد أنها هي من أغوتك؟
سؤالها المباشر جعله يردف باضطراب اختلط بعقدته:
-ولما تستعجبين ان يحدث هذا؟ الست رجلًا وليس من الجائز أن تنظر امرأة مثلها إلي؟
خرجت الأخيرة بحدة لم تؤثر فيها، لترد بكلمات مقصودة:
-لا لن تنظر إليك يا عمران، وهذا ليس لأجل تشوه وجهك، بل لأنها بالفعل تحب زوجها، حتى لو هي أظهرت العكس، كما اعلم عن ثقة انك انت من يقتلك الشوق على نظرة واحدة منها..
قاطعها بقوله:
-عزة افهمي اولا ولا تخطئي الظن.
ردت بحدة غير مكترثة:
-أنا لا أخطئ الظن، ولكني أرى بعيني جيدًا وافهم، اعرفُك وأعرفُها، أفهمك وافهمُها، رغم عدم علمي باللذي يدور بينكم، ولكني على ثقة تامة انك مدان وبشدة.
أثر كلماتها القوية بدا جليًا على ملامح وجهه التي تعقدت بسخط، فزوجته الهادئة دائمًا تُظهر اليوم إليه وجهًا اَخر، وجه امرأة لم تعد تثق به بل وبرغم ما رأته بعينها تجد تبريرًا للأخرى، نهض فجأة يدعي العتب ليؤجل النقاش:
-كنت أظنك تحملين نحوي ولو ذرة واحدة من الاحترام، حتى اجد معك مسافة للتفاهم ولشرح ما حدث كي تعلمي الحقيقة.
اومأت بابتسامة جانبية ساخرة:.
-لم تعد تهمني الحقيقة يا عمران، لاني وبكل بساطة لن أستمر معك.
سأنتظر فقط ميعاد مولدي وبعدها كل فرد منا سيذهب لحال سبيله
هتف عليها معترضُا:
-ولكني ارفص يا عزة ولن أسمح لكِ بتربية ابني بعيد عن حضن والده.
رمقته بنظرة مستخفة قبل ان تُشيح بوجهها عنه، بدون أن تجيبه أو تتعب نفسها في الجدال، فقد حسمت الأمر، مما جعل الاَخر يستشيط غيظًا، ليتركها متوجهًا نحو غرفته، ليظل فيها مع افكاره وهواجسه حتى أتى ميعاد النوبة المسائية وخرج منها مرتديًا ملابس عمله.
فوجدها غيرت للإستلقاء على الكنبة، تقلب بجهاز التحكم عن بعد بقنوات الشاشة الصغيرة أمامها، فلم تكلف نفسها برفع رأسها إليه ولو بنظرة، وكأنها لم تعد تهتم، نفث عن غضبه بزفرة طويلة قبل ان يتحرك بأقدامه ويترك المنزل صافقًا الباب الخارجي، بقوة جعلتها تنتفض مخضوضة
وضعت كفها على رأس جنينها تخاطبه:
-إهدأ حبيبي ولا تجزع، كل شئ سيمر بخير، سيبتعد الأشرار ولن يظل معك سوى كل قلب طيب. إهدأ حبيبي ولا تقلق.
❈-❈-❈
وفي منزلها بالداخل كانت بجوار الباب الخارجي لشقتها من الداخل تراقب على أعصابها بقلق، لم يهدأ منذ ساعات، ومن وقت خروج عزة من منزلها، بعد موقفها المشين مع هذا الشيطان الذي أجبرها على ذلك، حتى ظهر مشهدها امام رفيقتها بهذا السوء.
ومع سماعها لتحركاته بالخارج ثم صفق باب المنزل بقوة، لتتنفس اَخيرًا بارتياح، بعد علمها بخروجه، على الفور لفت حجابها لتغادر هي الأخرى، وتذهب نحو جارتها.
ضغطت على جرس المنزل، فانتظرت، وحين لم تجد استجابة للفتح ، استندت بكتفها عليه بتصميم جاد على رؤيتها، لتخرج إليها الأخرى بعد دقائق مرغمة من الازعاج:
-نعم ماذا تريدين؟
هتفت بها عزة إليها فور رؤيتها، تنهيدة كبيرة خرجت من الأخرى قبل ان تدلف إليها دون استئذان، وتكمل بإغلاق الباب خلفها، لترد اخيرًا:
-أريدك أن تعلمي الحقيقة.
رمقتها عزة بنظرة يملؤها الإزدراء، ثم دلفت تسبقها دون ترحيب، تجاوزت الأخرى لتلحلق بها مردفة:
-لكِ كل الحق يا عزة، لكِ حل الحق في رد فعلك معي مهما كان، هذا لانكِ لا تعلمين بمصيبتي.
عادت عزة لجلستها على كنبة الصالون قبل أن
تسجيب لها برد حاد:
-وما هي بالظبط مصيبتك يا سيدة ابتسام؟ ما نوع المصيبة تلك؛ التي تجعلك مع زوجي بهذا الوضع ال….
توقفت الكلمة على طرف لسانها، لتُغير بعد ذلك بقولها:
-تخونيني وتخوني زوجك مع عمران يا ابتسام؟! لقد رأيتكما بعيني ومازلت لا استوعب يا امرأة، كيف فعلتيها تلك؟ كيف فعلتيها؟
….يتبع

الفصل السادس عشر والاخير
رغم القسوة التي تصدر من كلمات عزة ، ولكنها كانت مقدمة جيدة لتزرع الامل بداخل ابتسام وكأنها تعطيها فرصة للرد رغم غضبها، لذا تحركت على الفور لتجيبها عملي وهي تجلس أمامها على طرف الطاولة الخشبية التي تتوسط الصالون، مخرجة لها الهاتف على صورة بشاشه معقبة:
-انظري هنا في البداية كي تعلمي ما أقصده.
تمعنت النظر جيدًا في الصورة عزة قبل أن ترفع رأسها إليها هاتفة بغضب:
-ما هذا؟
اومات لها ابتسام على واحدة اخرى، ثم الأخيرة، لتزداد عزة وتزداد عينيها اشتعالًا بالهتاف:
-ما بكِ يا امرأة؟ تدعين انك مظلومة ثم تخرجي لي ما يثبت عليك الجريمة! ام أنك تقصدين هذا؟
ردت تجيبها الأخرى بالهتاف أيضًا:
-لا هذا ولا ذاك، انا اقصد ان هذه الصور هي ما يمسكها على زوجك، وقد التقطها على غلفة مني، وانا أظنه الطبيب عزيز وليس هو، اقسم بالله.
صاحت عزة باستنكار شديد وهي لا تستوعب الكلمات:
-والطبيب عزيز أيضًا؟! ما ألذي اصابك يا امرأة، ام انت مسلطة علي كي تجعليني ألد مبكرا؟
تنهدت الأخرى لتجيبها وهي تتناول الهاتف مرة أخرى لتتلاعب بشاشه:
-سأشرح لكِ كل شئ بالتفصيل، وانتِ تقرأين في هذه الرسائل.
تناولت عزة الهاتف لتفعل كما طلبت منها، لتبدأ الأخرى بسرد ماحدث.
❈-❈-❈
بعد قليل
وبعد ان قصت عليها كل شئ ولم تترك تفصيلة واحدة، كانت المفاجأة من نصيب عزة، معرفة الوجه الحقيقي لهذا الرجل المدعو زوجها، وهذا التدبير وهذا التخطيط المحكم للإيقاع بجارته ثم التسبب بحبس الجار رفيقه، من أجل الانفراد بالزوجة لكي تُذعن مضطرة لمطلبه، إنه لم يُقدر حق الجار او العشرة التي جمعت بينهما.
إنه حتى لم يعطِ قيمة للعيش والملح الذي جمع بين الأسرتين، وهي التي كانت تظن دومُا ان خلف الشخصية الساكنة والغامضة له، يوجد شخصية أخرى غائبة عنها ولا تعرفها، تكتشف الاَن انه بهذا السوء وهذا الشر، هذا الرجل يحمل بداخله تشويهًا أكبر وأكثر قبحًا من هذا الشئ الظاهر على وجهه.
-هل صدقتيني الاَن يا عزة؟
هتف بها ابتسام لتقطع عنها شرودها، طالعتها الأخرى بصمت لعدة لحظات قبل ان تجيبها:
-نعم صدقتُك، ولكني أحملك معظم الذنب.
اومأت بسبابتها نحو نفسها تخاطبها بدهشة:
-انا يا عزة…
قالتها ثم توقفت فجأة تستدرك مقصدها، لترد مطرقة الرأس بندم:
-نعم بالفعل اتحمل كثيرًا من الذنب، فولا استهتاري وسعيي خلف سراب، ما كان كل هذا حدث.
رددت عزة من خلفها بحزم:
-هذا لم يكن استهتار وحسب، بل كان تساهل وهو ما أدى إلى هذه النتيجة التي نحن بصددها الاَن.
صمتت لتظل على وضعها متقبلة النقد ولو بلغ حتى التجريح، فهي بحاجة إلى ذلك، لتشجع عزة على المتابعة:
-لمَ يا ابتسام؟ كيف لكِ بتقبل الغزل من رجل اَخر غير زوجك، لما لم تُشغلي عقلك حينما دعاك لدخول المنزل، بحجة المفاجأة الوهمية، حتى لو كان هذا الرجل هو الطبيب نفسه كما تخيلتي، استجابتك لتقبل رسائل الغزل شئ.
وتقبل هذا الدعوة شئ اَخر، كان يجب عليك الرفض من البداية، قبل ان تدخلي ويغلق عينبك بالغمامة، لتعطيه الفرصة كي يفعل بكِ ما يشاء يا أمرأة.
خرجت الأخيرة بصيحة غاضبة جعلتها ترفع رأسها إليها لتبوح بما تود قوله.
-صدقتي والله يا عزة ولكني كنت كالمغيبة وقتها… في دنيا اَخرى غير تلكِ التي نعيشها في حاضرنا، ان تشعري بعشق رجل كالطبيب عزيز يمطرك بكلمات الغزل.
رومانسية تقطر مع كل رسالة، تجعلك تلامسين نجوم السماء بالسعادة التي تغمرك، حينما دعاني وقال أحضرت لكِ مفاجأة، انتابني شعور قاتل بالفضول كي أجرب هذا الشئ، والذي طالما حلمت به، وانا اتخيل رد فعلي بالهدية وشكل الورود والشموع، حتى نسيت ان خلف الهدية يجب ان يكون هناك مقابل..
توقفت برهة لتمسح بأيدي مرتجفة الدمعات التي تساقطت منها، ثم تابعت لعزة المنصتة بتركيز:
-حينما امتدت يداه واحطاتني؛ قبلني بنعومة جعلتني اصدق أنه أميري بالفعل، فضعُفت وصدر اعتراضي بضعف استغله هو، ليزيد بفعله.
حتى استفقت من غيبوبتي، واشتدت مقاومتي لأتمكن من نزع الغمامة عن عيني، لأرى الحقيقية في أبشع صورها، برؤية وجهه القبيح…
أوقفت مضطرة مع بكاؤها الذي استمر لعدة لحظات، قبل ان توقفها عزة بقولها الحازم:
-والاَن ماذا ستفعلين؟ وقد أصبحت فريسة سهلة إليه، بعد ان تخلص من زوجك بحبسه، وقد زدت الطين بلة، بهذا الوعد الذي سحبه منك، بعد أن أسقطك في الفخ وأشعل قلبك بنيران الأنتقام؟
-سوف اهرب.
قالتها وهي ترفع رأسها وتجفف على وجنتيها من جديد، لتسألها عزة باستفهام:
-كيف؟
اجابتها الأخرى بتصميم، لقد اتصلت بشقيقي الأكبر، وطلبت منه الحضور، فهو الأعقل بين جميع إخوتي، سوف أقص عليه كل شئ واتحمل منه حتى لو ضربني.
لأضع الأمر بين يديه، أثق أنه سيستطيع التصرف بحكمة، لأخرج من هنا بعد ذلك، وأعود لبلدتي ويُصبح مسكني الدائم هناك.
حتى لو خرج عصام من محبسه سأشترط عليه ذلك لعودتي إليه، فقد كرهت المدينة وكرهت بهرجتها الخادعة، ولكني سأشتاق إليكِ بشدة يا عزة، فسامحيني لاني لن اعود بزيارتك إلى هذا المنزل مرة أخرى.
اعتلى وجه المذكورة ابتسامة صافية، لترد بسماحة:
-ومن قال أنني سأظل هنا مع هذا الرجل بعد الذي عرفته عنه؟ لقد انقطع العيش بيني وبينه الاَن.
ظهر على وجه ابتسام الأسف لتقول بحرج:
-يا إلهي، لا اريد ان اكون سببًا في الانفصال بينكم.
ردت عزة وهي تربت بكفها على ذراع الأخرى:
-لا تأسفي على هذا الشئ حبيبتى، وقد أصبحت السبب في كشف حقيقته وهذا الوجه البشع الذي يخفيه خلف سكونه، لقد كنت صابرة على أمل تغيره ولكن الآن وبعد الذي عرفته مِنك عنه، فليذهب إلى الجحيم.
أشرق وجه ابتسام لتردف بابتسامة شقية بعد ان اراحتها كلمات عزة:
-بصراحة هو بالفعل يستحق الجحيم، تبا له من كريه، لا ادري كيف تعاشرينه يا امرأة؟
استجابت لها الأخرى بالضحك، لتتحول جلستهن لود افتقدنه من فترة.
جاهلين عن من وقف يتصنت منذ فترة من الوقت لا يذكر عددها، بعد عودته منذ قليل، حينما تذكر نسيانه لمعطفه، ليفاجأ بحضورها المنزل، وصوتها يدوي بالحديث مع عزة، ليظل واقفًا خلف الباب، يسمع بأذنه كل ما قد قيل بعد ذلك، حتى وصل إلى سخريتهن منه، فلم يقدر على المواصلة،
ليعدل عن دخوله المنزل ويرتد بأقدامه بحرص ليهبط الدرج ويغادر الملحق، ونيران اشتعلت في صدره جعلته يود إحراق الأخضر واليابس امامه، الريفية الملعونة صاحبة العقل الصغير تضحك عليه وتشجع امرأته لتركه، بعد أن فضحته أمامها.
ترك عمله وظل لبعض الوقت أسفل مبنى الملحق، يقطع الأرض ذهابًا وإيابًا، حتى انتبه لنافذة غرفة النوم التي اضاءت، ليعرف ان امرأته بالداخل، هذا يعني ان الأخرى قد غادرت، فتناول هاتفه على الفور يتصل بها، اول مرة لم ترد ولكن وفي اتصاله الاخر جاءت الإجابة:
-نعم ماذا تريد؟
اجاب على الفور بحدة أجفلتها:
-اريدك الاَن امامي على الفور، انا في انتظارك أسفل المبنى.
وصله صوتها المتأفف باستنكار زاد في اشتعاله؛
-تريد من؟ ومن التي سترضى بنزولها إليك في هذه الساعة، أجنتت يا رجل؟
سمع منها ليهدر بحريق ووعيد:
-اقسم يا ابتسام، إن لم تلتزمي حدك في الرد علي، لسوف أجعلك تدفعين ثمن كلمة تتفوهين بها.
شعر بنتيجة تهديده في ردها بعد ذلك والذي جاء بصوت مهتز:
-لا داعي لكل هذا لكل هذا الانفعال، انا فقط معترضة على الوقت، فالساعة الان تقترب من التاسعة.
اردرف بعدم اكتراث:
-لا يهمني الوقت، انا اريدك الاَن في أمر هام لا يحتمل التأجيل، وان لم تفعلي وتنزلي على الفور، فلا تلومي بعد ذلك إلا نفسك.
قالها ثم انهى المكالمة على الفور دون انتظار، ليستند بظهره على جدار المبني ويعود بتنفيس غضبه عبر
إحراق السجائر.
اما هي فقد شل الرعب اطرافها بعد تهديده السافر لها، ارتدت عباءتها السوداء وخرجت مضطرة.
كانت تود اخبار عزة ولكن أشفقت ان تزعجها وقد عرفت برغبتها في النوم من قبل أن تغادرها، فحسمت لتنزل إليه، تود مرور هذه الساعات على خير، حتى حضور أخيها.
خرجت إليه خلف المبنى، لتجده يعتدل عن وقفته بالاستناد على الجدار وفور أن اقترب منها، هتفت بوجه سائلة بغضب:
-نعم ماذا تريد الاَن بعد أن أجبرتني على النزول الاَن؟
-تنهد يرمقها بنظرة مطولة بهدوء مريب قبل أن يجيبها باقتضاب وهي يتحرك من أمامها:
-إلحقي بي.
-أللحق بك إلى أين؟
غمغمت بها تسير مضطرة خلفه لتتوسع عينيها بجزع فور أن رأته يضع المفتاح بالباب الخارجي للمطبخ الذي دخلت عبره قبل ذلك لمنزل الطبيب، فهتفت بارتياع:
-ماذا تفعل؟ الم نتفق على تركي حتى أستعد؟
انهى فتح المنزل وقام بدفع الباب اولا ثم رد:
-نعم اتفقنا حبيبتي، أنا لم أنسى شئ، ولكني كما قولت سابقًا، اريدك في أمر هام، فلا تزيدي بتأخيري عن العمل.
أدخلي .
انتفضت لتخطو بتردد متمتمة:
-وهل هذا أمر لا يصح مناقشته سوى في الداخل؟
برق امامها بعينيه يرمقها بنظرة محذرة:
-كفي عن الجدال، وحركي اقدامك جيدًا، أنا على عجلة من امري، إنجزي .
مع صيحته الأخيرة اذعنت، لتنضم وتلج معه إلى المطبخ، ثم تبعته للداخل حتى وصل بها إلى الغرفة نفسها لتتمتم بقلق:
-ماذا؟ هذه الغرفة مجددًا؟
تجاهل الرد عليها ليُلقي سلسلة مفاتيحه على المقعد الوحيد بالغرفة، قبل ان يلتف إليها، يطالعها بصمت استفزها، لتعود سائلة بنزق:
-والاَن ماذا تريد؟ وما هذا هو الأمر الهام الذي لم تجد مكانًا إلا هنا لتخاطبني عنه؟
شبك كفيه ليطق طق بهم على عجالة، قبل ان يتحرك، ويباغتها بلف ذراعيه حولها فجأة ويضمها إليه، هتفت هي مجفلة من فعلته:
-ماذااا ، انسيت اتفاقك معي؟.
تبسم قائلًا:
-بل أنقضه حبيبتي.
وقبل ان تستوعب وجدته يقبلها بقوة، فنازعت حتى خلصت نفسها عنه بصعوبة لتبتعد، فقالت تهادنه رغم ارتياعها؛ حتى يكف عنها:
-يا عمران، لا تكن عجولًا، انسيت عملك في المناوبة؟
تبسم يجيبها ببساطة:
-فليذهب عملي إلى الجحيم، المهم سعادتي معكِ حبيبتي، فقد قررت ان تكوني ملكي الليلة والاَن.
ارتجف قلبها من الفزع، فإظلام وجهه أنبأها انه يقصد بالفعل قوله، وليس مجرد تهديد، لذا لم تجد أمامها سوى الركض صوب باب الغرفة، علُها تنجح بالهروب او غلقه عليه.
ولكن وما هي إلا خطوتين حتى وجدته يتمكن من الإمساك بها ويرفعها عن الأرض بذراع واحدة، ليلقيها على التخت ويثبت ذراعيها بجوار رأسها، فصاحت إليه بجزع:
-تعقل يا عمران ارجوك، لما تبث في قلبي الرعب منك؟
كز على أسنانه يهدر بعينين تشتعلان جحيمًا:
-ولما لا افعل؟ اعطيني سببًا واحدًا حتى اتراجع عما انتويه؟ أي شئ يهدأ نيران صدري بعد خداعك لي؟
-انا لم افعل شئ..
قالتها ليقاطعها بصيحة هادرة:
–
-واتصالك اليوم بأخيك حتى تهربي معه، وتخبريه عن أمرنا، ماذا تسميه؟
سمعت منه لتتوقف عن المقاومة فاغرة فاهها مصعوقة، فاستطرد هو:
-اخبار زوجتي عن أدق التفاصيل، حتى تتركني وتحرمني من الطفل ماذا تسميه؟ السخرية مني والضحك علي من خلف ظهري ماذا تسمبييه؟
صاح بالاَخيرة بعنف جعلها تبكي على الفور برعب وقد فهمت الاَن انه سمع كل حديثها مع عزة، لتردد له من بكاءها برجاء:
-انا أسفة، سامحني، اقسم الا افعل شى يغضبك بعد الاَن، ولكن اتركني اليوم ارجوك .
ظل يطالعها عدة لحظات بصمت ساكنًا حتى ظنته سيستجيب، لتزيد من رجاءها:
-سامحني يا عمران أرجوك.
اومأ برأسه يترك ذراع واحدة، ليميل مبتعدًا عنها قليًلا نحو الكمود.
همت لتعتدل وقد حسبت أنه سيتركها، لتفاجا بعودته سريعا، وبيده شريط هدايا، فلوح به أمامها يقول:
-كان هذا من ضمن الأشياء التي اتيت بها لأزين الغرفة من أجلك، وأصنع لك الجو الرومانسي وهذه الأشياء السخيفة التي تعشقها النساء، قبل ان تصدميني بنفورك واحتقاركِ لي.
حركت رأسها باستفهام، ليفاجأها بفعله، وهو يردف:
-لقد جاءت فائدته الصحيحة الاَن!
قالها ليتناول اليد التي تركها منذ قليل لليضُمها مع الأخري، صرخت تحاول اثناءه بمقاومة ضعيفة لا تناسب قوته:
-دع يدي، اتركني ياعمران ولا تفعل.
اتم وثاقهم بقوة ليربطهم بقائم التخت في الأعلى غير عابئ برجاءها ولا بكاءها، ثم قام بنزع حجابها وربط به يكمم فاهاها، ليخرج صوته اَخيرًا:
-لقد خسرت الكثير من أجلك وجاء الاَن وقت استراد الدين.
صرخت بصوت مكتوم أختلط برعبها، لتكمل بالبكاء بلا توقف، ليكن هذا اقصى ما تستطيع فعله .
❈-❈-❈
على صوت جرس المنزل الذي كان مستمرًا بالإزعاج، حتى جعلها تستيقظ من نومتها بسخط، لتنهض مجبرة وهي تُجهز قائمة من السباب لو كانت جارتها هي من تفعل ذلك، فرأسها الثقيل لم يشبع جيدًا من الراحة بالنوم.
وصلت إلى الباب الخارجي لتغمغم ولسانها يتجهز للشتائم:
-نعم يا حمقاء لقد استيقظت، ماذا تريدي؟
قالتها وهي تفتح الباب لتُجفل على رؤية رجل غريب يقف أمامها، والذي تحمحم يشيح وجهه للجهة مردفًا بحرج:
-اَسف سيدني لو ازعجتك، ولكني لم أجد غيرك أمامي .
كانت عزة في هذه اللحظة تلف حاجبها جيدًا، فانتبهت لتسأله بفضول:
-لا تؤاخذني في السؤال، ولكن من أنت؟
اجابها ورأسهِ مازالت على الناحية الأخرى:
-أنا اسماعيل شقيق جارتك ابتسام في هذا المنزل .
ذهبت أبصارها نحو ما يشير، ثم عادت لترحب به:
-مرحبًا مرحبًا، اهلا بيك يا أخي، أنا عزة فلا تخجل مني
قالت الأخيرة لترفع عنه الحرج، فالتف إليها يصافحها مرددًا:
-بارك الله فيكِ يا سيدة عزة، لقد عرفتك دون تقديم، فشقيقتي لا تكف عن ذكر إسمك في كل جلساتنا معًا.
اومأت له بابتسامة ودودة ترد:
-نعم وانا أيضًا عرفتك من قبل أن تخبرني، هذا لأنها أخبرتني بحضورك بالأضافة إلى هذا الشبه بينكم، ولكنها ذكرت بأنك ستحضر في الصباح وليس الان.
التف إليها جيدًا الشاب ليجيب بوجه متغير:
-لقد وعدتها بالفعل أن أصل في الصباح، ولكني لم اقدر على الإنتظار والصبر بعد اتصالها بي وطلبها الحضور ضروري، لاَتِي الاَن ولا أجدها.
-لا تجدها! كيف؟
هتفت بها عزة وعينيها ذهبت نحو الباب الملغق لتكمل:
اضغطت على الجرس جيدًا؟
اومأ الشاب بنزق:
-نعم سيدتي، فقد ضغطت جيدًا، وصرت اطرق على الباب حتى توجعت يداي بلا فائدة، حتى هاتفها اتصل عليها بالمئات ولا تجيب.
تعقد حاجبي عزة باندهاش، لتجيبه بالقلق هي الأخرى:
-لقد كانت عندي هنا بعد المغرب، واستمرت جلستنا لفترة كبيرة من الوقت، حتى تركتني لكي أنام، وهي لا تخرج أساسًا في هذه الساعة.
-هل من الممكن ان يكون اصابها شئ ما؟
تساءل بها الشاب وكأنه يحدث نفسه لتبرق عينيها بالفزع تقول له:
-نسأل الله السلامة، تفاءل بالخير يا أخي .
صرخ الشاب بنفاذ صبر:
-ونعم بالله، ولكني لن اظل واقفًا كالعاجز ولا أفعل شئ.
ساكسر الباب.
قالها وهم بالتحرك ليفعل ولكنها اوقفته:
-إنتظر يا أخي دقيقة، فربما قد تكون ذهبت لتبتاع شيئًا ما من محل البقالة بجوارنا، انتظر هنا حتى اتصل بصاحب المحل.
قالتها متوجهة على الفور للداخل تتناول هاتفها مع الشعور بقبضة قوية على قلبها، وإحساس غريب يدفعها لعدم الاطمئنان على الإطلاق.
عادت إلى الشاب من الداخل لتفاجأ بالطبيب عزيز امامها، ليسألها على الفور:
-أين زوجك يا عزة؟
ردت بعدم فهم:
-زوجي أنا ما به؟
هتف الطبيب يجيب بانفعال:
-أتصل به منذ ساعات ولا يرد، والاَن أصل ولا أجده في حراسة المبنى، سوف احاسبه على هذا الإهمال، اما الاَن فتعالي أنت يا بني لتحمل معي الجهاز الطبي الجديد للعيادة.
وجه الاَخيرة لشقيق ابتسام إسماعيل والذي هم ليعترض:
-ولكن…
قاطعته عزة على الفور تخاطبه بإلحاح:
-إذهب لتساعد الطبيب في حمل الجهاز يا أخي، وانا سوغ أتصل وأطمئنك بإذن الله.
قالتها في محاولة لصرف الشاب عنها قليلًا، حتى إذا ما غادر مع الطبيب، دخلت لمنزلها سريعًا، حتي تبحث بنفسها، فالربط بين إختفاء الإثنين، يجعل الظنون تدور برأسها ويذهب عنها إلاطمئنان لغير رجعة.
❈-❈-❈
من الباب الخلفي للحديقة دلف الطبيب وهو يحمل في الجهاز الكبير بمساعدة اسماعيل، والذي كان يحمل الجزء الأكبر لقوته الفارقة عن الطبيب الذي كان يغمغم بالسباب على المدعو عمران، لترك عمله اليوم مع غياب عصام، ويتورط هو بحمل شئ لم تعد به لياقة بدنية لفعله.
دلفا الإثنين بحملهما الثقيل من باب المطبخ الخلفي ليكملا طريقهما في اتجاه العيادات، فانتبه الطبيب إلى إلى إنارة اللمبة الكهربائية للمطبخ، والرواق خارجها، ليتمتم بارتياب:
-ما هذا؟ من ألذي أشعل الإضاءة في المنزل؟
هزهز الشاب رأسهِ بعدم فهم، قبل أن ينتبه على قول الطبيب الذي امره بترك الجهاز على الأرض، ثم طلب منه مرافقته في الدخول بحرص حتى يتبينا؛ عن المتسبب في إضاءة المنزل، أكملا طريقها للداخل بخطوات حذرة ليتتبعا الإضاءة حتى وصلا إلى الغرفة التي كان يصدر منها الأصوات الغريبة.
أشار إسماعيل نحوها بقلق نحو الطبيب، ليهمس بصوت خفيض:
-أنه صوت صراخ مكتوم وبكاءً شديد مختلطًا بأصوات أخرى.
سمع منه الطبيب ليتوجه نحوها متحفزًا بغضب، فسبقه أسماعيل بلياقته، ليدفع الباب بقدمه مرة واحدة لينفتح على مصراعيه.
ويكشف عما بداخلها، فانتفض عمران مجفلًا بجزع لهذه المفاجئة الغير متوقعة على الإطلاق، وعلى مدخل الغرفة اشاح الطبيب رأسه على الفور مغمغًا بالاستغفار والسباب على هذا الفاسد.
أما اسماعيل فقد تطلع بصدمة على وجه المرأة التي غطاها هذا الرجل بالشرشف فور ابتعاده عنها، مقيدة اليدين وفمها مكمم بطرحة نسائية، تتطلع إليه بانهيار وبكاءً متقطع بنشيج عالي وشهقات متواصلة، بهيئة قبضت على قلبه من الألم، ليتمتم بصوت مذبوح،:
-شقيقتي!
لفظها بعدم تصديق قبل أن ترتفع رأسه فجأة نحو هذا الفاسق والذي كان يتسحب بخطواته نحو باب الغرفة التي تصدر على مدخلها الطبيب يخاطبه بازدراء:
-إلى أين تظن نفسك ذاهبًا يا حيوان؟
قالها عزيز قبل أن يفاجأ بفعل إسماعيل الذي حمل الكرسي الوحيد بالغرفة ليضرب بها رأس الاَخر من الخلف فوقع ارضًا على وجهه، ليكمل بتكسيره فوق راسهِ وظهره رغم صراخ الطبيب الذي كان يحاول بصعوبة منعه حتى لا يموت في يده!
❈-❈-❈
بعد عدة شهور
في غرفتها القديمة، وبعد أن عادت إليها لتشارك السكن مرة أخرى مع عمها وزوجته اللذين اعتبراها الهدية التي عادت إليهم مع قطعة صغيرة جميلة منها تُشع الفرح في قلب العجوزين بعد أن خلا البيت من جميع الأبناء بزواجهم، وذهاب كل فرد منهم لحال سبيله.
مع طفلها كانت تداعبه بقصد حتى يصدر صوت ضحكاته الطفولية المقهقهة بمرح، لينعش قلبها بالسعادة التي تذوقتها اَخيرًا، بعد رزقها بعد الصغير الذي يفهمها من نظرة رغم صغر سنه، ليكون عوضها الجميل بعد سنين اليٌتم:
قطع وصلة المرح بينها دخول زوجة عمها التي خاطبتها قائلة:
-عزة، لديك زائر غريب يا ابنتي .
قطبت بدهشة تسألها
-زائر غريب! ألم يخبرك بإسمه؟
❈-❈-❈
-عصام!
هتفت بالأسم فور رؤيته على مدخل غرفة الاستقبال، التي كان جالس بها بصحبة عمها، لتُكمل الترحيب بابتسامة يملؤها الود وهي تتقدم لتصافحه:
-لم أصدق عمتي حين اخبرتني، كيف حالك يا رجل؟
رد بغبطة اكتنفته فور رؤيتها:
-كيف حالك أنتِ يا عزة؟ وكيف حال صغيرك هذا؟
قال الاَخيرة بإشارة على طفلها الذي كانت تحمله على يدها، وقبل أن تجيبه قطع عمها الذي استئذن لصلاة الظهر، وقد أمن الرجل الغريب من ثقة عزة به.
بعد خروج الرجل وجلوس عزة معه، أخذ عصام فرصته في النظر بالطفل ليردف لها:
-يا لهي يا عزة، بسم الله ماشاء الله، هذا الطفل رائع الجمال بالصفات التي توارثها منك، أظنه سيحطم كل قلوب النساء بعسليتيه.
ضحكت تجيبه بابتهاج قلبها:
-نعم هو كذلك، لأني لن أسمح باقتراب واحدة منهن.
-ستصبحين حما شريرة.
قالها بتساؤل لتُجيبه بنظرة محذرة:
-ومؤذية أيضًا.
سمع منها لينطلق بضحكته وشاركته هي أيضًا مع طفلها حتى أذا توقف فاجأها بقوله:
-تزوجيني يا عزة.
طالعته بازبهلال وكأنها لم تعي جيدًا، ليستطرد لها:
-لا يوجد علي قضايا الاَن، فقد اعترفت حبيبة بكل شئ فور إفاقتها من الغيبوبة، حتى لا تظلمني معها.
أما عني، فقد تغيرت كثيرًا بعد كربة السجن والشعور بالظلم، كانت رسالة من الله لكي افوق واعود للصواب، والاَن أريد إكمال توبتي بك، طفلك سيصبح طفلي من اليوم، معزته الغالية ستكون من معزتي في قلبي.
-وزوجتك؟
قالتها بسؤال، فعبس وجهه مع الرد بالإجابة:
-ليس لها شئ عندي بعد الاَن، انا أريد بداية جديدة، والبداية لا تكون أبدًا بنفس الخطأ القديم.
-بل بدايتك لن تكتمل إلا بها.
سمع منها لترتفع رأسهِ إليها قائلًا بدهشة:
-أنتِ من تقولين هذا يا عزة؟ وبعد الذي حدث بينها وبين زوجك؟
تنهدت تقول باعتراض:
-لم يعد زوجي الاَن، لكن هي مازالت صديقتي ولم اقطع علاقتي بها، لأني علمت بكل شئ منها وعرفت بما كان يدبره هذا الرجل للأيقاع بها، وإبعادك انت عنها، أعلم جيدًا بخطئها ولكن من منا معصوم؟
-خطأ عن خطأ يفرق يا عزة.
قالها بحدة قابلتها برد أفحمه:
-وهل كان خطؤك انت قليل؟
باغتته بجراة سؤالها، فبدا على وجهه الحرج وهو يرد بعينين متهربتين منها:
-لقد اعترفت بالحق، وقولت أني قد توبت عن كل أخطائي القديمة.
ردت بلهجة متأثرة:
-إن كنت انت توبت بسبب كربتك في السجن، فهي قد كُسرت بعد هذا الدرس القاسي.
أنت لا تعرف كيف هي تغيرت الاَن، إذهب إليها يا عصام وابدأ معها من جديد، رممم جرحك مع جرحها، لقد حان وقتكما، بعد أن ابتعد عنكما الشيطان، وقد أخذ جزاء عمله بالسجن الذي يستحقه.
كلماتها الموزونة بدقة جعلته يسألها بفضول:
-وانت يا عزة، ماذا ستفعلين؟
اشرق وجهها لترفع اليد الصغيرة لطفلها لتقبلها بابتسامة تجيبه:
-أنا أعيش اجمل أيامي الاَن، ولا أريد تعكير صفو حياتي بشئ، ولا يشغلني سوى مستقبله، هذا هو رجلي الحقيقي.
تنهد بقوة ليردف لها بتأكيد:
-بل هو ابنك يا عزة، لاني على ثقة تامة، ان رجلك الحقيقي سيأتي إليك ويجدك، لانكِ تستحقين الأفضل.
❈-❈-❈
بعد كلمات عزة وتفكير عميق استمر معه ليومين حسم امره لياتي إلى البلدة ويراها بنفسه وبعد ذلك يقرر، كان قد اتصل بشقيقها اسماعيل الذي شملها برعايته، طول الشهور الفائتة، وهو من أخبره عن مكانها الاَن، لأنه لا يريد التدخل، حتى يُتيح لهما الفرصة كاملة قبل ان يأخذا القرار .
وصل إلى الحقل الموصوف ليفاجأ برؤيتها أسفل إحدى الأشجار جالسة بهيئة لم يراها به قبل ذلك، كانت شاردة برسم شيئًا ما على الأرض، اقترب ليُلقي التحية برسمية:
-مساء الخير.
انتبهت لترفع رأسها إليه في رد التحية ثم عادت لوضعها السابق بصمت اقترب هو يتناول احد الأحجار ليجلس عليها بالقرب منها، وبادر حديثه بالسؤال العادي:
-كيف حالك؟
أومأت برأسها تجيب بتمتمة وعينيها في الأرض لم ترفعها، لتجعله يأخذ الفرصة كاملة في النظر إليها،
إجابتها المقتضبة بهدوء جديد عليها، نظرة الإنكسار، حتى ملامح وجهها يراها متغيرة عن السابق، تكاد تكون امرأة أخرى.
حين ظل صامتًا لفترة طويلة تكلمت هي:
-لقد اخبرني اخي بزيارتك، وانا من اقترحت عليه ان يكون اللقاء بعيدًا عن أهلي، حتى أعفيك من الحرج.
قالت الاَخيرة بعد ان رفعت عينيها إليه، لتتبع بحسم:
-لا داعي للإطالة أرمي اليمين الاَن وانا سوف اتنازل عن حقوقي .
صمت يطالع نظرتها الحزينه وهذه القوة التي تدعيها ثم اردف يفاجئها:
-منذ متى أصبحتِ ترتدين الخمار؟
تعجبت السؤال وتغير الحديث، ثم صدرت إجابتها بتنهيدة قوية مصحوبة بتوترها:
-منذ عودتي للبلدة، كنت اود ارتداء النقاب ولكني خشيت الا أتحمل واتخلى عنه بعد ذلك، وانا اريد الاستمرار، ها ماذا قررت؟
تجاهل سؤالها الاَخير ليردف لها بابتسامة:
-أصبحتِ كالبدر بعد ارتداءه.
اجفلها بغزله المباغت، فقالت لتُخفي ارتباكها:
-دعنا في حديثنا المهم الاَن، لقد قلت لك اني سوف اتنازل عن كل حقوقي ماذا تريد أيضًا؟
تناول كفها فجأة لينهض عن الأرض وتنهض معه، ثم قال يجيبها بابتسامة مشرقة:
-لا اريد شيئًا غيرك.
اضطربت ثم ارتعشت شفتيها لتقول بدمعة تساقطت على الفور:
-ولكن كيف؟ و…
قطع بوضع كفه على فمها ليضم رأسها اليه وتطلق هي الدمع الغزير، فظل يربت على كتفها لدقائق قبل أن يقول ممازحًا:
-لقد صنعنا مشهد رومانسي في قلب الخضرة يا امرأة.
أوقفت ستدرك مغزى كلماته، مع نظرات الفضول المصوبة نحوهما من البشر، فقالت بحرج:
-يا إلهي والجميع ينظر نحونا.
قالتها وحاولت لتبعد راسها عنه ولكنه اعترض ليشدد بضمها من كتفيها ويردف بحزم مصطنع:
-إهدأي يا امرأة ودعكِ منهم، أنتِ مع زوجك وليس شخص غريب.
هدأت تسأله:
-هذا يعني أنك بالفعل قررت العودة إلي؟
تبسم يجيبها بمرح:
-نعم يا مجنونة،كل هذا ولم تفهمي؟
ختم جملته بقبلة على أعلى جبهتها، ليسحبها من كفها بعد ذلك متخذين طريق العودة إلى منزل العائلة وسط حقول الخضرة والذرة، وبداية جديدة لهما ، خالية من اخطاء الماضي، ومشبعة بالأمل في القادم.