مابين العشق والهوس 2

التصويت والتعليق يا حلوين متنسوش

لفصل السابع،

-هيا انجزي يا عزة، كل هذا تأخير؟

هتف بها عمران وهو جالس في قلب الصالة بانتظارها، فوصله صوتها من داخل الغرفة:

-خمس دقائق يا عمران ولن أتأخر.

ردد من خلفها بسأم:

-مرة أخرى خمس دقائق يا عزة، سينتهي اليوم ولن ننتهي من خمساتك ولا تأخيرك.

وصله صوتها هذه المرة برجاء:

-لن أزيد يا عمران على هذه الدقائق تحمل وانتظرني.

زفر مطولًا ليردف لها من تحت أسنانه يكظم غيظه:

-سأنتظر يا عزة وليُلهمني الله الصبر.

قالها ثم أصبح يفرك بكفيه وأقدامه في ألأسفل تهتز بعصبية، يستعجل الدقائق والثواني، يريد عقارب السريعة أن تدور سريعًا، حتى يراها ويكون معها بنفس المكان، حتى لو كان معه عزولين كعزة وعصام.

فقد زاد بمحادثاته معها تعلقه بها، عفويتها التي لا يمل من ذكرها لها دومًا بصفته الطبيب، تعجبه هو شخصيًا، جمال صورتها مع طُرف حديثها في ذكر الأحداث، وقد بدأ أنها بدأت تستجيب شيئًا فشيئًا لها في ما يود الوصول إليه! مما يجعله ينقم على هذا العصام يومًا بعد يوم.

بيده كل النعم ومع ذلك لا يقدر ولا يشعر ولا حتى يتركها لحال سبيلها، لربما….

استفاق من شروده فجأة على خاطره الاَخير، ليرفع كفه ويمسح بأنامله على جبهته يستدرك غباء تفكيره، فما الداعي، لتمني شئ لن يحدث أبدًا.

يبدو أن فرحته ببعض الرسائل التي تأتيه منها، جعلته ينسى أنها تأتي  لهوية أخرى غير هويته، انتبه فجأة على خروج زوجته من غرفتها وقد أكملت ارتداء ملابسها وهي تخاطبه:

.-ها وقد انتهيت وانتهى انتظارك؟

رمقها بنظرة سريعة يقيمها فقد كانت ترتدي دريس بناتي يناسب جسدها النحيف وهذا التكور الخفيف لحملها في الشهر الخامس، بحجاب لونه هادئ ناسب لون بشرتها الخمرية، تلفه بشكل عصري أظهرها وكأنها مراهقة في الرابعة عشر من عمرها

بجمال هادئ يريح العين، وطيبة بنفس كريمة، لا تحقد ولا تغل من أحد، مرورها كنسمة مرطبة في قلب الصيف ولكن تظل المشكلة القائمة دائمًا بعقله ولا يستطيع الفكاك منها، أنها ليست الأخرى؟

– يعني مازلت جالس ولم تتحرك، رغم خروجي إليك وقد انتهيت من استعدادي؟ فاأين ذهب صياحك العالي علي منذ قليل؟

تفوهت بها تجفله من شروره، فرد يجيبها وهو يستقيم بجسده واقفًا:

-لا يا عزة لم أنسى ولكني يئست بجلستي التي طالت، حتى كدت أن أفقد الأمل بخروجك الليلة.

تبسمت ترد بمودة مشاكسة:

-إذن فلتحمد الله أنني خرجت قبل مرور الليلة.

-حسنًا سأفعل.

قالها باستجابة لممزاحتها، ثم أكمل وهو يتناول هاتفه:

-اجلسي وانتظري حتى اتصل برفقائنا الاَخرين.

قالها قبل أن يتصل بعصام جاره وشريكه في كل شئ:

❈-❈-❈

وفي الشقة الأخرى وفور أن وصله الإتصال هتف هو الاخر على زوجته فور أن أجاب الاَخر:

-عمران يتصل بغرض استعجالنا، هل انتهيت با برنسيسة أم لا؟

خرجت إليه بكامل هيئتها تجيبه بلهفة:

-نعم انتهيت من كل شئ، ها ما رأيك إذن؟

قالتها لتلتف أمامه بفستان منقوش يتطاير مع خطواتها ليُظهرها كفراشة، ألوانه الزاهية انعكست على بشرتها لتزيد من إشراق وجهها وقد زادت عليه بالحمرة على الخدين، مع تلوين شفيتيها الوردية بلون أشد وضوحًا.

انتظرت وقلبها يخفق بسرعة من الفرحة وانفاسها تتلاحق بترقب، فقد كان رضائها اليوم عن مظهرها يجعلها في أشد الحماس، أما هو رغم إنبهاره بالفعل من تطورها في مجارة نساء المدينة في الملبس العصري المناسب حسب كل طبقة وقدرتها، وتخليها قليلًا عن الزوق الريفي بالكامل.

إلا أنه أبى أن يُظهر لها الإعجاب في تقيمه السريع لها، ليردف باقتضاب وعدم اهتمام وهو يلتف عنها ليتناول سترته الجلدية ويرتديها:

– جيد.

-جيد!

رددتها من خلفه بصدمة يكتنفها الإحباط، فقد راودها الأمل بقوة أن يعبر عن إعجابه بكلمة أو حتى نظرة تشعرها أنها امرأة مرغوبة في أعين زوجها والجميع، تدلت أكتافها بيأس وفتر الحماس الذي كان يغمرها.

ليحل محله، النظرة العادية لكل شئ، نحو نفسها ونحو النزهة التي ستخرج إليها الاَن، والحياة عامة.

خرجت من خلفه تزامنًا مع خروج جارتها وزوجها ليلتقيان في نفس اللحظة حتى يخرجا معه.

القى التحية عصام نحو رفيقه الذي كان يغلق باب شقته فور خروج زوجته التي انضمت لجارتها في حديثٍ نسائي سريع ببنهما حول المظهر والإعجاب المتبادل عن عما ارتدينه من ملابس.

ليسبقا الرجلين بعد ذلك في هبوط درج الملحق وخلفها زوجاتهما، للذهاب نحو وجهتهم.

❈-❈-❈

وبداخل السيارة التي استأجرها عصام من أحد رفقائه كما قال لهم، وتكلف لمهمة القيادة بنفسه، كان عمران في في الكرسي المجاور له، دمائه تغلي داخل عروقه من الغيظ، وعينيه تذهب كل دقيقة في المرأة بخبث يراقبها.

جالسة في الخلف مع زوجته.

تتحدث معها باندماح وتغافل تام عنه، وعن احتراقه برؤيتها هكذا وبهذه الروعة المبالغ فيها، الحمرة الكثيفة على بشرتها البيضاء ولون الورد الذي أضافتة بقوة على لون شفتيها الطبيعي، والفستان المنقوش بألوان قوية لتنعكس عليها فتزيدها فتنة فوق الفتنة.

كيف سمحت لتفسها وكيف سمح لها هذا الأحمق بالخروج هكذا؟ إنها تمثل دعوة خالصة للفتنة؟ بزينة وجهها وفستانها الذي يتطاير مع الهواء لينحصر عليها

في بعض الأوقات ويحدد ساقيها.

لقد رأى ذلك بنفسه اثناء مغادرتهم الملحق وفي طريقهم لاستقلال هذه السيارة؟ لا والادهى من ذلك، هو ما يشوب وجهها من لمحة للحزن لا يعرف سببها الاَن، ولكنها تضيف بُعدًا اخر لسحرها.

-هل سنعود بعد المغرب على ميعاد النوبة، أم قبل ذلك؟

هتفت عزة بالسؤال ولم ينتبه زوجها في غمرة شروده، لتعيد المحاولة مرة أخرى بالهتاف بأسمه:

-عمران! .

أنتبه يرد بإجفال:

-ماذا يا عزة؟ ماذا تريدين؟

تدخل عصام بقوله له:

-إنها تسألك عن ميعاد رجوعنا، اين كنت شاردًا يا رجل؟

استدرك يجيبها على حرج:

-لا يا عزة، فاليوم اعتبريه إجازة بنصف دوام، عم مدبولي عامل الحديقة سيتكلف بمتابعة الحراسة حتى نعود إليه.

ردت ابتسام بلهفة مخاطبة زوجها:

-يعني هذا أن نزهتنا ستطول عما كنا متوقعين يا عصام؟

-نعم عزيزتي، فقد تفاهم عمران مع الرجل واقنعه للإنتظار حتى العاشرة أو الحادية عشر على الأكثر.

سمعت منه لتهلل شاهقة بالفرح وتردف موجهة الكلام لعزة ولزوجها متجاهلة صاحب الفضل الأصلي:

-يالهي، إنه يوم سعدي إذن، هذه النزهة أحلم بها منذ شهور، على أمل في ساعة أو ساعتين بالكثير، ثم تأتي الاَن وتصبح ساعااات! هذا أنجاز، أقسم بالله أنجاز.

ضحك عصام مرددًا لها:

-نعم يا مجنونة حتى تأخذي فرصتك.

صاحت ضاحكة بانطلاق دون تحفظ رغم وجود عزة وزوجها معهما بالسيارة لتقول بلهفة:

-إذن فلنستغل كل لحظة، بعد سماع الفيلم بصالة السينما. تاخذونا لمطعم ما أو كازينو على النيل كما نرى في التلفاز أو حتى بجلسة على الكورنيش لنتمتع بالجو الساحر.

جلجل بضحكاته عصام يرد على كلماتها:

-اتريدينها جلسة رومانسية أيضًا؟

شهقت مرددة بتشدق وعينيها نحو عزة وكانها تطلب منها المشاركة:

-وهل نحن أقل منها مثلًا؟

رد زوجها في الأمام:

-لا سمح الله، وهل يجرأ العبد الفقير على قول ذلك؟ قولي يا أبا عمران، هل أنت تجرأ على التقليل من حرمك المصون؟

نفي المذكور برأسه إليه يدعي الإستجابة للمزاح بابتسامة مغتصبة، حتى لا يفسد الجو المرح في السيارة.

لتستمر المناكفات طوال طريق ذهابهم، بين عصام الذي تخلي عن عقده الدائمة ليعطي عقله استراحة قليلة اليوم ويُجاري المناسبة، وزوجته التي كانت تتعامل بانطلاق وبهجة تغمرها لفعل شئ تمنته بشدة.

أما عزة فكانت تشاركهم على استحياء رغم الغصة التي كانت تذبح قلبها، بهذا الشعور القاتل وهي ترى تناغم الزوجين بالحديث والمزاح رغم كل المشاكل التي تعلمها عنهما، ولكن يوجد بينهما أرض مشتركة يقفون عليها، كمعظم الأزواج، يتحدثون أو يتضاحكون أو حتى يتشاجرن.

لا يوجد مسافة تفصلهما عن بعضهما، كالتي تعيشها مع هذا الرجل الجالس في الأمام وتضمه السيارة معهم. ولكنه ليس معهم، كم تمنت من قلبها أن يشاركها هذه اللحظات بحلوها ومرها، تجد منه الود معظم الأوقات، ولكن لا تجد هذا الشئ الذي يميز كل علاقة بين اثنين، هي لا تريد منه إهتمامًا بقدر ما تتمنى بشدة أن يراها!

❈-❈-❈.

بعد انتهاء الفيلم بشاشة العرض الكبيرة، والاستمتاع بمشاهدته وصل الأربعة ليكملا السهرة في كازينو على النيل بناءًا على رغبة ابتسام وبدعم من عزة، التي أيدتها كما تفعل على الدوام، كجبهة نسائية وجدتها فرصة لأخذ حقها اليوم في الاستمتاع بالنزهة.

-أرجو أن تكون راضية عن الخدمة حرمنا المصون؟

قالها عصام بتفكه في بداية الحديث إلى زوجته التي كانت تتناول من طبق المتلجات بجوار عزة، فضحكت مرددة له:

-نعم يا سيد عصام راضية وعزة صديقتي أيضًا راضية، حتى هذا الجنين بداخل أحشائها راضي، ولذلك نرجوا منك تكرارها بشكل دائم أنت ورفيقك، ولتكن اسبوعيًا حتى .

فغر فاهه مستنكرًا وهو يطالع وجه عمران الجالس بجواره في الجهة الأخرى من المنضدة، ليخاطبه بلهجة بائسة:

-أسمعت يا راجل؟ هكذا هن النساء، تعطيها يدك فتطمع بالذراع كلها.

تبسم له الاخر يرد ببعض المرح وكأنه يخاطبها:

-وما الضرر من الحلم يا رجل؟ فلنترك لهن مساحة   للحلم.

هتف عصام وقد أطربه الرد:

-نعم صدقت، لا ضرر من الحلم، إحلمي يا حبيبة قلبي إحلمي.

زمت بشفتيها تدعي الغضب فتدخلت في الحديث عزة برد على الرجلين:

-إحلمي جارتي ولا تيأسي من سخريتهم، فربما تحقق حلمك قريبًا.

سمعت ابتسام لتتوسع عينيها بلهفة وقد أعجبها الكلمات، لتهتف بمناكفة في زوجها:

-نعم ساحلم، فعسى أن يتحقق حلمي قريبًا جدًا جدًا.

هز برأسه عصام مرددًا بادعاء اليأس:

-لا فائدة من الكلام، حينما تضع المرأة شيئًا برأسها لا تهدأ أبدًا عن المحاولة والإلحاح.

ردت لتؤكد من خلفه:

-نعم ف الإلحاح هو سبيلنا الوحيد أمام تعنتكم أيها الرجال عن تنفيذ مطالبنا.

تأوه عصام ليردف بدرامًا مخاطبًا الاَخر:

-نحن من تسببنا لأنفسنا بهذا، فلتُجهز رأسك يا صديقي لوجع الرأس .

قالها ليضحك معه الجميع وتستمر الجلسة اللطيفة والحديث الطريف بين أربعتهم حتى صدح هاتف عصام بمكالمة واردة، فاضطر للابتعاد حتى يرد على المتصل. وبعد ذلك بدقيقتين نهضت عزة فجأة لتسأذن هي الأخرى:

-ألى أين يا عزة؟

سالها عمران لتُجيبه على حرج:

-سأذهب للمرحاض ولن اتأخر.

همت لتنهض خلفها ابتسام وتذهب معها ولكن عزة منعتها بقولها:

-إجلسي حبيبتي ولا داعي للإزعاج، لقد قولت لعمران، لن أتأخر.

قالتها ثم ذهبت لتخلو المنضدة إلا منهما الإثنان، أبتسام والتي كانت تتناول بتلذذ في كأس المثلجات الغني بالأطعمة المختلفة، مع اندماجها في مشاهدة إحدى البرامج الحوارية في الشاشة أمامها، غافلة عن نظرات تخترقها بلا تحفظ الاَن مع انصراف العزولين، ودقات قلبه التي كانت تضرب بين أضلعه بقوة تخترق أسماعه .

أخيرًا جاءت الفرصة ليجمعهما مكان واحد، ومسافة صغيرة بحجم المساحة الفاصلة بينهم على المنضدة، تتحرك شفتيه بعجز يريد قول أي شئ للفت انتباهها، أي حركة تجعلها تنظر إليه وتتحدث معه، لو حتى كجاربن، او كرفيق لزوجها أو زوج لصديقتها.

الأهم هو أن تضع عينيها بعينيه، وترفع الحاجز الذي يمكنها من تخطي هذا التشوه، كما حدث مع جميع من عاشرهم، ومع التعود شيئًا فشئ ربما ترا به وجهًا اَخر، بعيدًا عن هذا التشوه، فقط تنظر، فقط تراه، واه ثم أه لو تشعر به.

تحمحم يجلي صوته وقد وجد اَخيرًا شيئًا يحدثها به:

-يبدوا أنك من محبي برامج التوك شو.

التفت برأسها إليه مستفهمة:

-نعم!

تماسك حتى لا يتلجلج في الحديث إليها:

-أتكلم عن هذه النوعية من البرامج، يبدوا أنك من محبيها.

أومأت برأسها تقول باقتضاب قبل أن تعود للمشاهدة مرة أخرى:

-ليس البرنامج، ولكني أحب المذيعة نفسها.

سمع منها ليلتفت إلى المذيعة الجميلة وهي تتحدث بلباقة مع الضيف أمامها، وتدفع الجمهور معها للتفاعل بالتصفيق او الضحكات، فتضحك هي الأخرى وكأنها معهم بقلب الأستوديو، ليشعر وكأنه قد أحب المذيعة، لحبها هي.

هم لفتح موضوع اَخر يخلق مساحة للحوار معها، وهو يفكر بعمق، ولكن لم يجد، فتفوه يسألها ببلاهة:

-إذن فهي مذيعة مشهورة.

ألتفت برأسها إليه تجفله بقولها:

-مشهورة! كيف لا تعلمها وهي من أشهر المذيعات في مصر؟

ردد بارتباك :

-نعم ولكني لا أعلمها؟

تطلعت إليه باندهاش صامته وكأنها شيئًا غريبًا أمامها حتى أصابته التوتر، قبل أن تردف له:

-لا تعلمها وزوجتك تشاهد برنامجها في اليوم مرتين؟ مرة في المباشر والأخرى في الإعادة؟ الست موجودًا في البيت معها؟

بقولها البسيط ونظراته الكاشفة له بجرأتها المعهودة جعلته يشعر وكأنه رجل مغيب، أو ندل في نظرها، هذا ماكان يراه في عينيها وهي تحدق به لاول مرة.

حتى تمنى أنه لم يسألها ولم يفتح معها حوار على الإطلاق، تمالك ليجيبها بدفاعية:

-أنا رجل أعمل طوال الليل وبالنهار أجد راحتى في النوم، ليس لدي وقت للمشاهدة على التلفاز أو أي شئ اَخر.

اومأت برأسها قبل ان تعود لوضعها السابق في المشاهدة، وتغمغم بصوت واضح:

-وعصام أيضًا يسهر طول الليل في العمل ومع ذلك يشاهد ويعرف كل الأفلام التي أحبها.

ختمت بصوت مصمصمة بشفتيها جعلته يتمنى اقتلاع رأسها من جسدها، أو سحب لسانها من داخل فمها، الحمقاء تتصرف معه وكأنه ندل يهمل زوجته ولا يعرف عنها شئ، ثم تقرعه بالكلمات الازعة بدون حياء مع ذكر مميزات زوجها عصام! الذي هذا يتمعن في إذلالها على أتفه الأسباب؟ يصبح الان جيدًا في نظرها بالمقارنة به؟!

-غبية

غمغم بها بداخله وقد جعلته يستشيط غضبًا منها، ومن قصر نظرها، ليلعنها ويلعن حديثه إليها ويلعن حتى خروجه معهما، في هذه النزهة التي ساهمت في أسعادها هي وزوجها، وأتت على رأسه بالصداع وبالنهاية يكره نفسه.

❈-❈-❈

في الجزء الخلفي من الكازينو والذي يطل على النيل مباشرةً، اتخذ موقعه في ركن ما ليرد على محدثته في الهاتف:

-نعم يا حبيبة، ماذا تريدين يا امرأة في هذا الوقت؟ تهاتفيني وأنا بجوار زوجتي وبصحبة جاري وزوجته!

وصله صوت ضحكتها لتُجيبه بميوعة:

-أُهاتفك لأطمئن عليك يا رجل وأسمع صوتك المحبب إلي، ألم تشتقلي أنت أيضًا يا عصام؟

زفر حانقًا يهمس من تحت أسنانه:

-كُفي عن اَلاعيبكِ معي يا حبيبة، ولا تثيري جنوني في هذه الساعة أرجوكي.

صدح صوت ضحكتها العالية مرة أخرى، لتُجيب بنبرة يملأها الدلال:

-وهذا ما أعشقه بك، فجنونك هذا ما يثير جنوني أيضًا، ويجعل لحياتي معنى، بعيدًا عن الروتين والملل.

-أممم.

زام بها قبل ان يتابع لها:

-يبدوا أن سفر سيادة النائب إلى زوجته الأولى في البلدة سوف يأتي على رأسي أنا، بعد أن ترك لك الساحة فارغة لتعبثين وتتسلين بمزاجك.

ردت بتأكيد مشاكسة:

-نعم يا سيد عصام، وليس أمامي غيرك الاَن حتى تعود الدورة البرلمانية مرة أخرى، ويعود معها زوجي العجوز، ليرحمك مني.

-ااه، إذن سوف أدعو من قلبي أن يعود المجلس الموقر ولو بدورة استثنائية من الغد.

قالها وجلجلت بضحكة أعلى ما سابقتيها حتى انتفض منزعجًا للصوت الذي دوى من الهاتف بقوة قادرة على لفت الأنظار نحوه، فهدر هامسًا بغضب:

-أغلقي فمك اللعين يا امرأة، سوف تتسببين لي بفضيحة، وأنا لا ينقصني.

استمرت بقهقهاتها حتى جعلته يزأر بتحذير لها، لتستجيب اَخيرًا، فقالت بصوت جدي بعض الشئ:

-حسنًا حسنًا لقد توقفت عن الضحك اطمئن، إذن فلتخبرني عن نزهتك مع زوجتك والجيران، هل تستمعا بالوقت؟

زفر بارتياح لعودتها للتعقل قليلًا ورد يجيبها:

-نعم ولله الحمد، لقد استمعت اليوم وضحكت من قلبي، حتى أنني شعرت ببهجة لم تأتيني منذ سنوات.

زامت هي هذه المرة بصوتها لتقول بدلال:

-إذن حبيبي فلا تنسى نصيبي أنا أيضًا من البهجة.

تنهد بتحريك رأسه ليُخاطبها بيأس:

-لا فائدة من الجدال معك يا حبيبة، إذن فانتظريني سوف أعود بالسيارة على العاشرة أو الحادية عشر مساءًا.

ردت بلهجة مرحة:

-حبيبي أنا دائمًا في انتظارك.

انهي المكالمة ثم ارتد عائدًا إلى جلسته في الكازينو مع  ابتسام وجاره وزوجته التي تفاجأ بمرورها أمامه بالصدفة، عائدة من الطرفة المؤدية إلى حمام السيدات.

تسير بخطواتها البطيئة لتراعي حملها الصعب عسى أن يتم على خير هذه المرة ويرزقها بالطفل الذي تحلم به،

فكما علم من رفيقه وزوجته، فإنها تحزن بشدة وتدخل في نوبة اكتئاب في كل مرة أجهضت بها جنينها، وقد حدث هذا ثلاث مرات حسب ما يذكر…. يالهي .

هتف بارتياع راكضًا نحوها فور أن شعر بها تميل بوقفتها وعلى وشك الوقوع، ليلحقها هو بسرعة ويسندها:

-إحذري يا عزة.

تمالكت وهي تغمض عينيها حتى استعادت اتزانها بوقفتها، لتردف له بامتنان وعلى حرج حتى ينزع ذراعيه عنها:

-الحمد لله، مرت على خير، شكرًا لك.

تابع يسألها بقلق ووجهه قريب منها بوضع أصابها بالتوتر:

-متأكدة أنك تستطيعي الإكمال وحدك؟ أم أُهاتف زوجك او ابتسام لمساعدتك؟

نفت بتحريك رأسها بتشنج حتى يرفع كفيه التي مازلت متشبثة بإسنادها:

-لالالا أستطيع الإكمال وحدي، جزاك الله خيرًا.

هتفت بها بقوة جعلته وهي تتململ بين يديه ليستشعر هو خطأه، وينزع كفيه بشرود بها، فهذه اول مرة يتطلع لها عن قرب ويرى ملامح وجهها جيدًا، هذه ليست امرأة دميمة او حتى قليلة الجمال، هذه الصفة لا تنطبق أبدًا على واحدة مثلها تملك عيون عسلية تخطف القلب من نظرة واحدة.

حتى وإن كانت نحيفة؛ لكنها بملامح هادئة أو ع الأصح هى امرأة حفر البؤس على صفحة وجهها لوحة معبرة عما تشعر به بداخلها من حزن.

لا ينقصها الجمال، بل ينقصها الحب والإهتمام حتى تستعيد رونقها ونضارة بشرتها، هو ليس صغيرًا أو قليل الخبرة حتى لا يعرف من نظرة واحدة إن كانت سعيدة أم تعيسة، هو ليس بالأعمى حتى يغفل عن جمال تخفيه امرأة للرجل الذي يستحقها، فهل يا ترى هذا الأحمق عمران يستحقها؟!

أجفل من شروده على صوت عالي وحركة كبيرة من البشر حوله، فتقدم بخطواته قليلًا ليرى ما الأمر وكانت المفاجأة؛ أن صعق برؤية اخر ما كان يتوقعه، عمران رفيقة هو صاحب المشاجرة مقابل رجلين اَخرين، وقد تجمع البشر حول كل جهة ليفصل بينهم.

❈-❈-❈.

-إتقي الشر وابتعد عنا أيها الاحمق، حتى لا نعيد تربيتك من جديد.

هتف بها أحد الرجلين بتهديد صريح من اللذين يتشاجر معهما، فهدر غاضبًا وهو يجاهد لفك أسره من جمع البشر التي كانت تحاصره لتمنعه عن الفتك بهما:

-أنا من تعيد على تربيتي يا قليل الحياء والأدب، اقسم أن جعلك وصاحبك عبرة لمن لا يعتبر، حتى لا تعيدها مرة أخرى وتغازل نساء غيرك، اتركوني يا بشر، لماذا تشددون من حصاري وتتركا هذا الفاسدين؟

-لأنك أنت من تتشاجر على ضربهم.

هتف بها إحد الرجال حوله كإجابة عن سؤاله،  ليستمر هو بصياحه الهادر يريد تأديب الرجلين، حتى أتى عصام على صراخه بعد أن اقتحم زحام البشر ليسأله بقلق:

-ما بك عمران؟ لما هذا الشجار والصياح؟ ماذا فعل هؤلاء الرجال معك؟

صاح به يجاوبه وهو يُشير على أحدهما:

-تعالى يا عصام لترى بنفسك وتعرف أن هذا الفاسد حاول التحرش لفظيًا بزوجتك والاَخر كان يساعده ويؤيده.

-زوجتي أنا، تحرشا بها!

صرخ عصام بها قبل أن يتابع بالسباب الوقح وهو يندفع نحو الشابين ليهجم عليهما، لتنفتح معه جبهة أخرى للقتال وتنتشر الفوضى في قلب الكازينو بالعراك المحتدم بين الرجلين المتهمين بمغازلة ابتسام ضد عصام زوجها الذي دفعته الحمية للدفاع عنها مع عمران الذي استطاع ان يفك نفسه اَخيرًا ليأخذ فرصته لضربهم.

مع محاولات كبيرة من باقي الرواد والعمال للفصل، بين الجبهتين، صاحبة المشكلة والتي انزوت في زاوية وحدها تتطلع برعب لما يحدث حولها، وما قد ينتج بعد هذا الإحتدام الذي لا تجد له معنى كما تذكر.

قبل قليل

كانت جالسة تتناول بكأس المثلجات وتشاهد باستمتاع برنامجها المفضل ومذيعتها المفضلة بعد استئذان زوجها للرد على إحدى المكالمات، مع ذهاب عزة للمرحاض، لتجد نفسها على طاولة وحدها مع هذا المدعو عمران  زوج جارتها وشريكهم في الملحق بعمله مع زوجها.

في غمرة اندماجها في الحوار الدائر بين المذيعة والضيف كانت تلتفت أحيانًا على نظرات احد الرجال لها، جالسًا على طاولة بالقرب منها في الجهة الأخرى، ابتساماتٍ ونظرات إعجاب تعلمها جيدًا.

بالطبع هي كانت تدعي التغافل وتجاهله، رغم ابتسامتها مع المشاهدة ونظرات عينيها التي كانت تنتقل إليه دون إرادتها.

فهذه اللمحات هي ما تجعلها تستعيد الثقة في نفسها، بعد خيبة الأمل التي تلقتها من زوجها عقب تأنقها والتغير الذي أحدثته بنفسها، حتى تليق بالخروج معه كي يفخر بها، ولكنه وكالعادة لم يعطيها سوى كلمة مقتضبة وكأن كل جهدها في ما تفعله لإرضاءه لا يساوي شئ.

كانت تشعر بالإطراء المبهج مع تلميحات الرجل المشبعة بالإعجاب، حتى تطورت لغمزات غير لائقة، أشعرتها بعدم الارتياح، لتنهض فجأة مستئذنة من عمران الجالس خلفها حتى تستعجل زوجها، وهي لا تعلم انه كان يتابع كل ما يحدث على بركان يغلي، في انتظار الفرصة للإنفجار.

لتأتي فور ابتعادها، وذهاب الرجل خلفها لتوقيفها بسؤال تافه، عن مكان المراحيض النسائية، وهي من غباءها تجيبه بعدم معرفتها ليتابع بلؤمه وسؤالها من أين هي؟ واين البلدة التي تأتي بالجميلات مثلها؟ حتى بواحدة تشبهها هو الاخر، وقبل أن تصرفه من نفسها وجدت هذا العمران يجر الرجل من خلف عنقه هادرًا له بفحيح:

-أستطيع إجابتك أنا يا خفيف الظل.

أتيع قوله بضربة قوية برأسه على جبهة الرجل جعلته يترنح، قبل أن يأتي صديقه للدفاع عنه ويتطور الأمر بعد ذلك لهذا الشكل .

رفعت رأسها تبحث بعيناها عن عزة التي غابت منذ ذهابها للمرحاض، فوجدتها واقفة مع مجموعة من النساء،  تشاهد برعب المسكينة، لوحت لها من بعيد فانتبهت لها الأخرى باستفهام وقلق مما يحدث، أومأت لها بعيناها كي تطمئن، ثم مدت كفتا لتشير لها لتأتي إليها في الزواية الآ

منة بعيدًا عن محيط الشجار.

وحتى لا تتأذى أيضًا من الزحام، فهمت عزة فتقدمت خطوتين قاصدة المكان الفارغ ليلتقيا به ولكن ولسوء الح

ظ، اندفع أحد الرجال بضربة قوية من أحدهم ليرتد بظهره كقذيقة واصطدم بها لتقع على الأرض بعنف، لترافقها صرخة مدوية من ابتسام جعلت الجميع لينتبه لها:

-عزززة.

الفصل الثامن

بداخل المشفى المتخصص بعد نقل عزة إليها سريعًا بواسطة السيارة التي أتى بها عصام ورافقتهم من وقت خروجهم من منزلهم، إلى التنزه وصالة السينما والكازينو على النيل، حتى وصل الأمر إلى هنا،

كانت تبكي ابتسام بخوف كاد أن يوقف قلبها، في انتظار خروج عزة من غرفة الفحص المكثف لمجموعة من الأطباء المتخصصين اجتمعوا لرعايتها بناءًا على توصية مشددة من رئيسة القسم الدكتورة فاطمة زوجة الدكتور عزيز.

أما الرجلين عصام وعمران زوج عزة كان يقطعان الرواق حولها ذهابًا وإيابًا بهيئاتهم المزرية بقلق بالغ وذلك بعد شجارهم في الكازينو مع إصابات طفيفة قد طالتهم، وقد أن تمكنوا من ضرب الرجلين الآخرين رغم كل ما حدث.

-توقفي يا امرأة عن البكاء بصوت عالي، لقد لفتِ أنظار معظم المارين حولنا.

هتف بها عصام بانزعاج لزوجته، مع عدم مقدرة الأخر على الكلام، فقد قيده إحساس الذنب وتأنيب الضمير، لنسيان وضع عزة الحساس بحملها الصعب.

وسعيه للشجار بحمية الدفاع عن واحدة هي من شجعت بتساهلها مع الرجل حتى يزيد بمغازلتهِ لها، وهو الأحمق،  كانت تعطيه ظهرها رغم جلوسها معه على نفس الطاولة، وكأنه لا يستحق النظرة التي بادلتها للرجل الاَخر حتى ظنها متقبلة ما يفعله ومُشجعة.

توقف ليضرب بكفيه على الحائط الذي توقف خلفه، بندم يذفعه لأذية نفسه وتهشيم رأسه الأحمق، فإن ذهبت هذه الفرصة من عزة لا قدر الله، سوف تزداد صعوبة فرصها في الإنجاب بعد ذلك.

فجسدها الهزيل لن يتحمل الحمل مرة أخرى سوى بعد سنتين على الاقل على وصف الطبيبة التي حذرتهم قبل ذلك باتباع النصائح حتى يتجنبوا الأخطاء السابقة مع الحذر الشديد في كل مراحل حملها، يحدث نفسه برعب شديد لو تحقق السيناريو الأسوء:

-سنتين سنتين ليُضافوا إلى الخمس سنين الفائتة من العذاب بحمل الأطفال والإجهاض بهم ثم السعي خلف الأطبة والعلاجات المتكررة والمُرهقة.

-هون على نفسك يا عمران قليلًا واطمئن.

تفوه بالكلمات عصام، مع لمسة بكفه على كتف الأخر من الخلف.

التف إليه عمران بوجه مكفر يستغفر ويردد بالأدعية المتكررة برجاء ، فتابع له عصام بتأثر:

-دع الأمور على الله واتركها، هو مدبر كل شئ، والقادر على استجابة دعوتك ليُنجيها وينجي الطفل معها.

تمتم يرد بصوت واضح:

-يارب يارب، عزة لن تتحمل هذه المرة لو حدث ما نخشاه، هي صابرة وإيمانها قوي، لكنها رقيقة وتكتئب بسهولة، مع اشتياقها القاتل بحمل الطفل.

-إن شاء الله تحمل طفلها وتحمله انت معها، تفائل بالخير.

اردف بها عصام قبل أن يجفل على مجئ الطبيبة فاطمة نفسها، أسرع عمران نحوها ليتلقفها من وسط الرواق يقول بامتنان:

-جئتِ بنفسك يا دكتورة لرؤيتها، جزاكِ الله على ذلك كل الخير.

ردت بعجالة وهي تسير بخطواتها المسرعة:

-لا داعي للشكر يا عمران، عزة غالية عندي ولا أقدر على التأخر عنها، رغم غضبي مما حدث.

رد يدافع عن نفسه بصوت متردد:

-ولكن الأمر جاء قضاءً وقدر يا دكتورة.

توقفت هي فجأة أمام الغرفة ممسكة بمقبض الباب، ترمقه بنظرة سريعة قبل أن تردف بعملية:

-لا داعي للكلام يا عمران، المهم هو أن نطمن على عزة والجنين الاَن.

أومأ لها برأسه، قبل أن تتركه وتدلف إلى الغرفة مع الفريق الطبي التابع لها لرعاية عزة، لتغيب بعدها لقرابة الساعة قبل أن تخرج من الغرفة تردف لهم بلهجة مطمئنة:

-الحمد لله توقف النزيف وحياة عزة والجنين بخير

تهلل وجه الثلاثة مع التمتمة بكلمات الحمد والثناء على عمل الدكتورة وفريقها الذي كان يغادر من خلفها، لتتبع الطبيبة قولها بتحذير:

-هذا مؤقت يا عمران، يعني أن الخطر مازال قائمًا

رد مصدومًا من قولها:

-لما يا دكتورة؟ هل يوجد شئ اخر لا نعلم به؟

أجابت المذكورة بوجه صارم وهي توجه الكلمات:

-انت تعلم بضعف جسدها، مع مشكلتها القائمة بتكرار الإجهاض، قوة الدفعة التي أدت لسقوطها، عقدت الوضع معها الاَن.

فلابد من الراحة التامة بالإستلقاء على ظهرها مع التغذية السليمة هذه الفترة حتى نطمئن على وضع الجنين.

وبعد ذلك سوف نرى! ادعو الله ان يكون خير، والاَن اعذروني.

ختمت كلماتها ثم غادرت من أمامهم لتترك عمران في حال يرثى لها، يغمغم بشرود وهو يسقط بجسده على مقعد الانتظار خلفه.

-الإستلقاء التام يعني هذا انها سوف تحتاج لمن يخدمها ويرعاها، وذلك لأنها لن تستطيع الإعتناء بنفسها، وكيف لي أنا بفعل هذا؟

رفع راسه نحو عصام وكأنه يفكر بصوت عالي:

-أبعث لعمها يرسل زوجته لخدمتها، ولكنها امرأة كبيرة.

أم أخبرها في الهاتف كي ترسل إحدى بناتها ولكن كيف لهن بالسكن والمبيت في المنزل؟ وهن لسن أشقائها بالدم حتى لا يشعرن بالحرج مني…

توقف قليلًا يردف بالحل الاخير

– إذن لا يوجد حل سوى بحملها والسفر بها إلى مدينتهم، كي تحظى بالرعاية في منزلهم.

هتف عصام بحزم ليوقف استرسال أفكاره والغمغمة بها:

-ولما السفر والتنقل بها يا معتوه؟ وسير السيارة نفسها قد يضيف إليها المزيد من الأذية لها وللطفل .

رفع عمران رأسهِ إليه بقلة يخاطبه:

-إذن ماذا سأفعل؟ إن كان على طعامي أستطيع تدبيره وحدي والعناية بنفسي أيضًا، أنا رجل اعتدت على حياة العزوبية، إنما رعايتها هي والعناية بها وبطعامها وعلاجها كيف افعل وأنت الأدري بعملي الذي يستغرق الليل كله.

-سأتكفل أنا بعنايتها.

تفوهت بها ابتسام تُجفله، فتطلع إليها متسع العينين وهي تتابع بقولها:

-خدمة عزة وطعامها ليس بالأمر الشاق علي، فهي رفيقتي وانا الأدرى بما تحتاجه الاَن وما تريده.

انا الاقرب إليها الاَن من أقربائها فالمثل يقول، الجار القريب خير من الجار البعيد.

-بارك الله فيكِ يا ابتسام.

قالها عصام قبل أن يتجه بخطابه لعمران:

-وانا من ناحيتي سوف أساعد على قدر استطاعتي ولن أمنعها عن عزة في أي وقت، وبهذا تكون انحلت المشكلة، هذا إن لم يكن عندك أنت مشاكل أخرى.

لفظ الأخيرة وكانها سؤال، ليجيب عمران بكل الإمتنان:

-لا لا يوجد يا عصام، وهذا كافي وأكثر، لقد رفعتما من فوق كاهلي عبء ثقيل، ولا أعلم كيف أعبر لكما عما أشعر به الاَن أنت وزوجتك، هذا كثير، كثير جدًا.

رد عصام على قوله بسأم

-ولا كثير ولا شئ، انهض الاَن كي تطمئن على امرأتك،  ولنرى ما تحتاجه الاَن ومتى تسمح لها الطبيبة بالإنصراف؟

❈-❈-❈

على سريرها الطبي وبعد أن انتهت اَخيرًا من عذاب الفحص، ومحاوطة الأطباء لها، وبحالة من الزعر لنجدتها،  حتى اطمأنوا اَخيرًا مع توقف النزيف، ليرفعوا أيديهم عنها بعد أن تنفسوا الصعداء بنجاتها ونجاة الجنين، رغم تيقنهم بصعوبة الوضع رغم ذلك.

كانت لا تتوقف عن البكاء بحرقة وخوف مما قد يحدث، هزلها وضعفها وخوفها جعلها في حالة بائسة من الحزن.

-توقفي يا عزة ولا ترهقي نفسك في البكاء وذرف الدموع، وقد نجاك الله ونجي طفلك.

تفوهت بها ابتسام بمؤازرة، وهي جالسة على الكرسي المجاور لسريرها.

ردت عزة بصوت ضعيف ومبحوح بالكاد يخرج منها:

-لا تقولي لي أن أتوقف، وأنا مهددة بإجهاض طفلي في أي وقت…

قطعت لتذرف الدموع الحارقة مع قولها:

ليتني اموت ولا يحدث هذا، ليتني أموت ولا أستعيد هذه اللحظات البائسة عقب خسارتي لكل طفل فقدته في السنوات السابقة، أدعو الله ألا تجربي هذا الإحساس يا ابتسام، أن تغمركِ الفرحة بطفل يتحرك داخل أحشائك وتنتظري صابرة على الألم والمعاناة على أمل أن تحمليه بين يديكِ، ثم تفقديه في لحظة.

وتجدي أحشائك فارغة منه، لا هو موجود ليتحرك ويخبرك بوجوده ولا انتِ مضطرة الإنتظار لشئ قد اختفي وانتهى، فلا يظل معك سوى الألم، ألم جسدي يفتك بكِ، وألم نفسي يكاد أن يقضي عليكِ بقسوته…

ليتني اموت ولا يتكرر، ليتني أموت ولا يتكرر هذا الإحساس مرة أخرى أبدًا.

كانت تهذي بالكلمات ودموعها لا تجف والأخرى تأثرت حتى أصبحت تبكي معها ونست دورها في التربيت والتهوين عليها،

لتُجفل فجأة على صيحة غاضبة من زوجها:

-ماذا تفعلين يا ابتسام؟

انتفضت تلتف إليه برأسها لتجده واقفًا على مدخل الغرفة متخصرًا لها بتحفز، وبجواره عمران زوج عزة الذي هتف يخاطبها بارتياع وهو يخطو لداخل الغرفة:

-ماذا حدث، هل جد شئ اخر في غيابنا؟

نفت برأسها سريعًا تجيبه:

-لا لم يحدث شئ والحمد لله، أنا فقط تأثرت بقول عزة وبكاءها.

تنفس قليلًا بارتياح وقد فهم مقصدها، ثم اتجه إلى زوجته يسألها:

-لما يا عزة البكاء؟ هل انتِ تبكين من الألم؟ أم من الخوف على فقدان الطفل؟

-الإثنان.. من أجل الإثنان.

كانت إجابتها وهي تُشيح بوجهها عنه، لتلتف سريعًا برأسها على قول عصام الذي نكز زوجته على كتفها بغيظ:

-استفيقي يا سيدة عزة واعذري غباءنا في تركك مع هذه الحمقاء.

هتفت على قوله ابتسام تُشير بسبابتها نحوها سائلة بصدمة:

-أنا حمقاء يا عصام؟ ماذا فعلت يا رجل كي تنعتني بهذه الصفة؟

مال برأسها يردد بتأكيد:

-بدون أن تفعلي يكفي فقط مشهدك الاَن، وهذا الشئ الذي حددتِ به عينيكِ قبل الخروج، قد فسد الاَن ولطخ وجنتيكِ باللون الاسود بعد ذرفك للدموع  ونسيانه، فلا تجعلني اذكر اللقب الذي ينطبق عليك الان.

تدلى فكها بارتياع لتنهض من جوارهم وتتناول المراَة من حقيبتها وهي تردد:

-يا ألهي لو كان هذا حقًا؟ اقسم لأشرب من دمك إن كنت تكذب علي يا عصا…..

قطعت شاهقة بصوت عالي مع رؤية وجهها في المراَة ، لتجعل ثلاثتهم يضحكون، وتيقنها من صدقه، برؤية

تساقط لون الأيلينر كخيوط سوداء محددة أسفل عينيها.

حتى عزة هي الأخرى، تناست ألمها، ولم تقوى على كبت ضحكتها مع رؤية الزعر على وجه جارتها وهي تمسح بالمنديل الورقي بعنف حتى تتخفي الألوان العالقة بوجنتيها.

تسمر محله عصام يتطلع إلى عزة وضحكتها الرقيقة، فهذه المرة الأولى التي يرى فيها سنها الضاحك، كرؤية وجهها عن قرب أيضًا بنفس الليلة، فجارته العزيزة برغم سكنه معهما هي وزوجها لاكثر من عامين فى المبني والباب مقابل الباب، إلا أنه لم يتصادف برؤيتها سوى مراتِ قليلة جدًا.

وذلك الإلتزامها بالمنزل دائمًا، فلا تخرج إلا نادرًا مع زوجها أو بصحبة زوجته هو، ولا أيضًا تدخل منزله إلا بوجوده بمناوبة الحراسة مع عمران أو في الخارج لشئ ما، وقد ذكرت له ابتسام قبل ذلك، انها تخجل من المصافحة او الحديث مع أي رجل غريب، حتى لو كان هو، ولقاءه معها منذ ساعات يثبت ذلك.

ليكتشف الاَن جمالها المخبئ وضحكتها الصافية البريئة كبرائة الأطفال حينما يبكون على شئ ما يريدونه، ثم ينقلب حالهم في لحظة واحدة مع استرضاؤهم بقطعة حلوى أو شئ ما يحبونه من قبل الكبار.

-ها قد انتهيت يا أستاذ عصام.

هتفت بها زوجته تقطع عنه شروده، لتتبع وهي تتقدم نحوه:

-قولي الاَن، هل ترى شئ ما بوجهي يستحق الضحك؟ نفى برأسه متبسمًا لتردف له بشراسة:

-إذن ما اللقب الذي كنت ستطلقه علي وقولت أنه يناسبني في هذه الحالة؟

تقرب برأسه يشاكسها بقوله:

-اعصري عقلك وأتي بها وحدك، حينما يتطلخ وجه المرء بالألوان ماذا يطلق عليه.

صمتت برهة بتفكير ثم صاحت تمسكه من قماش قميصه:

-بلياتشو، أنا بلياتشو يا عصام؟

أطلق المذكور ضحكة مجلجلة ليزيد من اشتعالها بالغيظ وهي تهزهزه معترضة بالكلمات الحانقة، والاَخران يضحكان بمرح على مشهدهم، حتى انتبهوا جميعًا على طرقة خفيفة على باب الغرفة قبل أن يدفع وتدلف من خلاله الدكتورة فاطمة.

ألقت التحية بدعابة وهي تطالع قبضتي ابتسام على قميص زوجها:

-مساء الخير، يبدو لي أن هناك بوادر مشاحنة حامية بين زوجين، انتظر في الخارج حتى يزداد الجو سخونًا وتشويق؟

نزعت ابتسام كفيها عن زوجها على الفور بحرج ورد عصام مستجيبًا لمزاح المراة:

-بل احمدي ربك على إنقاذ روح بشرية من الهلاك، اليست هذه من ضمن وظائفكم يا ملائكة الرحمة؟

ضحكت الطبيبة وهي تكمل طريقها نحو عزة، لترد وهي تتجه لفحصها:

-وظائفنا تأتي بعد الشجار وليس قبله، نحن نطبب ونعالج الإصابات، لا أن نفصل في الشجار، كنت اتمنى المشاهدة يا رجل، فا انا من محبي المصارعة جدًا

ضحك عصام هو الاخر يهتف بتصنع البؤس:

-يا إلهي لم أكن أعلم ان ملائكة الرحمة قد تحولت قلوبهم، وأصبحوا يميلون الى العنف، رحماك ربي ماذا تبقى لنا؟

اطلقت الطبيبة بضحكة كبيرة قبل أن تطلب من الرجلين الإنصراف بذوق، حتى تتمكن من الفحص الشامل لحالته .

خرجا الاثنان ولم يتبقى سوى ابتسام معهن تراقب الطبيبة عن كثب ورؤية قريبة، فالمرأة جميلة بحق، ومتواضعة في التعامل مع من هم أقل منها حتى لو كانوا عاملين حراسة عند زوجها، هذا بالإضافة ألى جمال روحها في التحدث بمرح والتفكه والمزاح.

إذن ماذا الذي ينقصها لكي يفكر زوجها بالحديث مع غيرها؟ أم أن أنها تهمله كما ترى دائمًا في حديث المسلسلات، عن الزوجة الطموحة العاملة؟ الجيدة في كل شئ، سوى في العناية والأهتمام بزوجها، قلبها يقول غير ذلك، ولكن رسائل الطبيب عزيز إليها تتجه بقوة نحو هذا التخمين،

ترى ايكون قد زهد من الزواج وهذا الجو الروتيني بين الأطباء الأزواج؟ أم أنه أُعجب بها هي وهم للحديث معها دون البحث عن حجة تعطيه الحق بذلك؟ لا تنكر أنها تطمح لهذا، رغم عدم الجدوى منه حتى لو صدق تخمينها، فما فائدة الإعجاب إن كان هو رجل متزوج وهي أيصًا امرأة متزوجة.

ولكن ما الذي يضر وهو رجل محترم ولم يتجرأ معها في الحديث بأي شئ اَخر؟ كما تعرف دائمًا عن أي رجل يحادث امرأة عبر هذا التطبيق؟ ما الذي يضر أن تشعر امرأة باهتمام رجل في مكانته؟ وهي فاقد الإهتمام من زوجها؟

❈-❈-❈

فتح عصام باب الشقة على مصراعيه كي يدلف منه عمران الحامل لزوجته بعد أن سمحت لها الطبيبة فاطمة بالمغادرة من المشفى، دلفت خلفه ابتسام حاملة معها الحقائب وعدة أكياس بلاستيكية تحتوي بداخلها على  علب الأدوية وأشياء أخرى خاصة لعلاج عزة.

توقف عصام محله بحرج بعد ان اعاد غلق الباب جيدًا، لتُكمل زوجته الطريق خلف عزة إلى غرفة النوم التي وضعها بداخلها زوجها.

تطلع بعينيه في أرجاء المنزل اللذي يشبه منزله في نفس البناء، غير أن ذوق منزل عمران في الأثاث والألوان يختلف كليًا، باختلاف اللمسات النسائية به

فهذا المنزل منظم بإتقان ولا شئ يبتعد عن محله، حتى

يبدوا للفرد جيدًا المحافظة الشديدة في كل قطعة، نظر أمامه للصورة المؤطرة والمعلقة على الجدار لعمران وعزة بملابس الزفاف.

هو بجسده العريض، وهذا التشوه بوجهه المعروف به ، تركزت عينيه عليها، تضحك كعصفورة بين يدي وحش، يبدوا انها كانت فرحة ومستبشرة خير بزواجها، عكسه هو، هذا الدبش لا يعرف الضحك حتى في يوم زفاف.

زفر وهو يحرك رأسه بعدم رضا عن أسلوبه، قبل أن يعود إليها، يتأملها بالفستان الأبيض وزينة وجهها.

لقد كانت جميلة بحق ولم تكن نحيفة إلى هذه الدرجة، ترى أن يكون الضعف الذي أصابها من كثرة الإجهاض، هو من جعلها بهذا الوهن؟ وهو أيضًا ما زرع نظرة الحزن بعينيها؟ أم ماذا حدث لها لتُصبح بهذه الهيئة المنطفئة؟

نفض رأسه ليبعد أنظاره عن الصورة ويكف عن التفكير، ليتابع التنقل في ارجاء البيت؛ الذي دخله كثيرًا، ولم يحدث في مرة أن وقف بحرية به هكذا ليتطلع بداخله هكذا، وقعت عينيه على هذا الشئ….  يا إلهي ماهذا؟

غمغم بها بداخله نحو زاوية بعيدة بعض الشئ عن مدخل المنزل، ارتصت بها عدة عرائس لعبة، قديمة وحديثة بأحجام مختلفة.

تبسم وهو يتناول إحداهم، يتخيل بمكر أن يكون عمران الجلف قد أتى بهم في فترة الخطوبة لزوجته:

-لماذا تضحك؟

تفوه بها عمران من خلفه ليلتف إليه عصام ضاحكًا بقوله:

-لم أكن أعلم أنك رومانسي يا أبا عمران، يبدوا أنني سوف أعيد النظر بك يا رجل.

تطلع عمران إلى ما يمسكه بيده ليردف بسأم:

-ومن قال أنني انا الذي أتيت بهم؟ هذه هواية عند عزة منذ أن عرفتها حتى قبل الزواج، تعشق العرائس وتأتي بواحدة  كل عام، حينما تذهب للمولد الشعبي، وأنا لا أمنعها.

-تمنعها؟

تفوه بها عصام مستغربًا الجملة، ليرد الأخر ويجيبه:

-نعم لا أمنعها رغم أني اكره هذه الأشياء.

طالعه عصام قليلًا بغيظ قبل ان يترك العروسة مردفًا:

-لقد قولت من الأول أنك جلف وصدق تخميني؟.

هتفت عمران بغضب:

-ماهذا يا عصام انتقِ اللفاظك انا لا أسمح، ثم أيضًا يعني… انا لا أفهم مقصدك.

أجابه المذكور كازًا على أسنانه:

-مقصدي أن هذه الأشياء البسيطة تُعجب النساء وهي ما تجعلهم يتعلقون بعشق الرجل، لا أدري كيف يفوتك هذا؟ في ان تشارك زوجتك هذا الشئ الذي تظنه تافه، يكون كبيرًا جدًا ف نظرها، تبسم عمران يقول بسخرية يقصدها:

-منك نستفيد يا سيد عصام، نورت المحكمة بقولك.

طالعه عصام بعدم رضا صامتًا عن الرد، والاَخر يتابعه بحنق من دخله، لا يعجبه هذه النبرة الناصحة منه، بصفته الخبير في أمور النساء، ليجعله يشعر بقرار نفسه أنه الغشيم الذي لا يهتم بزوجته كالذي نوهت عليه الأخرى أيضًا في بداية السهرة بتهكم واضح، قبل أن يحدث ما حدث بسببها.

انتبه فجأة والتفت رأسه للخلف على ندائها بأسم زوجها:

– عصام.

تطلع إليها المذكور باستفهام فاقتربت منه بهيئة متعبة:

-اريد مفاتيح الشقة كي أذهب لأبدل ملابسي.

سمع منها عصام وتناول علاقة المفاتيح من جيب بنطاله، ليُعطيها لها، فتحمحم عمران ليقول بحرج:

-إذن سأطلب منك الإذن يا عصام أن تتولى أنت وحدك الحراسة الليلة، تعلم أني لا استطيع….

-ولما لا تستطيع؟ سأبيت أنا معها الليلة .

هتفت بها ابتسام بمقاطعة أجفلته، ليُكمل على قولها عصام:

-إذن فليس لديك حجة لتتولى العمل معي الأن؟ وفي الصباح يدبرها الله.

اومأ له عمران بعقل مشتت، بعد أن أخبرته أنها سوف تبيت الليلة بغرفة نومه، ومن المؤكد على نفس تخته بجوار عزة… على خاطره الاَخير تذكر زوجته والذي حدث معها لينفض رأسه من حماقة الأفكار بها

وانتبه على قول عصام وهو يخاطبه بعد انصراف زوجته:

-سأبدل ملابسي أنا أيضًا واستحم كي أذهب وأعيد السيارة لرفيقي وبعدها اللحق بك في الحراسة.

❈-❈-❈

-للواحدة يا سيد عصام؟ ولماذا لم تنتظر بسهرتك للصباح افضل؟

تفوهت بها ساخرة بعد أن فتحت له باب منزلها ووقفت له متخصرة، زم شفتيه يرمقها بسأم قبل أن يتركها ويتحرك لداخل منزلها دون رد، ليتركها على تخبطها تتمتم بالكلمات الحانقة خلفه.

ولكنه استمر بخطواته حتى وصل إلى صالة الاستقبال في منزلها ليجلس على اقرب المقاعد، ليزفر بقوة، ويضع مفتاح سيارتها على الطاولة أمامه، فتبعته تجلس أمامه قائلة:

-ما بك يا سيد عصام؟ حتى كلماتي لا تجيب بالرد عليها؟

زفر مرة أخرى بقنوط يجيبها:

-ماذا تريدين يا حبيبة؟ سيارتك وقد جاءت سليمة من كل شئ، وانا مُتعب ولابد لي من الإنصراف.

قال الاَخيرة وهو ينهض عن مقعده ولكنها أوقفته تجذبه من ذراعه:

-توفف يا رجل، وهل شعرت الارض بك حتى تنصرف؟

طالعها قليلًا ليردف لها بإرهاق:

-لا أستطيع الوقوف على قدمي، ومع ذلك لابد لي من الرجوع إلى المركز كي أستلم نوبة عملي مع عمران الذي تركته وحده منذ ساعة.

وقفت تخاطبه بعتب:

-بعد انتظاري لك كل هذه الساعات، وبعد هذا التأخير، تتركني وتذهب يا رجل .

قضم باسنانه على شفته السفلي وهو يشيح بأبصاره عنها قبل أن يعود إليها يرد بغيظ:

-يا امرأة انظري لوجهي جيدًا لتعلمي أنني على وشك الأنفجار، لقد مررت بليلة عصيبة شجار ومشفى وطفل على وشك الإجهاض، لست حتى بمزاج يسمح لي بالكلام من الأصل.

ظهر على وجهها التفهم لتسأله بقلق:

-إذن أخبرني كي اكون على علم، ولا تركني هكذا؟ اَخر مرة حدثتك في الهاتف، كنت على خير ما يرام، وأخبرتني عن بهجتك ومرحك.

رد عصام بلهجة خفت حدتها:

-نعم يا حبيبة، الوضع كان على أجمل ما يكون،  قبل أن بنقلب الوضع بشجار كبير خضناه انا وجاري عمران مع شابين تواقحا بالكلمات على زوجتي، فكانت النتيحة أصابة غير مقصودة لامرأة عمران الحامل بجنينها، فكادت ان تجهضه لولا ستر الله وحفظه.

نحمد انها مرت على خير، ولكن الوضع مازال في خطر.

قالت بتأثر بعد الذي قصه عليها:

-مسكينة، ولكن عوض الله ليس ببعيد لو لا قدر الله حدث شئ ما للطفل..

ربت بكفه لينزع يدها الممسكة بقميصه، ثم أردف:

-انتِ لا تعلمين شئ وانا ليس لدي وقت للشرح، فاتركيني الان اذهب كي أذهب إلى عملي وما ينتظرني، اركِ بخير ان شاء، سلام .

أردف بالاَخيرة وهو يلوح بكفه في الهواء، ثم انصرف يتركها، لتعود لجلستها على الكرسي خلفها، لتقع عينيها على صاحب الصورة ذات الحجم الكبير في الخارج، تطالعه بقرف، متمتة:

-وأنت ايها الأحمق، ما رأيك؟

تنهدت تُشيح بوجهها عنه مغمغمة :

-وما الفائدة لأخذ رأيك من الأساس؟ إذا كنت حتى في منزلك لا تملك الحق للإدلاء برأيك، وزوجتك هي صاحبة الكلمة العليا؟ غبي.

❈-❈-❈

-في غرفتك يا عمران وعلى سريرك!

يردد بالكلمات وكأنه معتوه يحدث نفسه في فراغ الظلمة حوله، الدخول في الشطر الاَخير من الليل، واختفاء حركة البشر إلا من بعض المحلات القليلة التي لا تغلق سوى بسماع اذان الفجر.

يقطع الس

ير في الأنحاء بادعاء الحراسة ولكن في الواقع هو توتر أو شئ اَخر لا يعلمه يجعله على غير استقرار، جلس يفرك بكفيه على صفحة وجهه، باضطراب من تواتر الأفكار المتتابعة برأسهِ دون هوادة، يمسك بهاتفه كل دقيقة، تدفعه رغبة شديدة في مراسلتها، فصفة الطبيب تمنع عنه أي حرج .

….يتبع

الفصل التاسع

يعود ويلعن حماقته بعد تذكره لما حدث اليوم بسببها وكاد أن يؤدي بحياة طفله، ولكن هي ماذنبها؟ إن كانت جميلة وتعشق جمالها وتلفت انظار الجميع نحوها، عاد ليلعن نفسه مرة أخرى ورأسه المشتعل بالأفكار يجعل السخونة تسري بجسده وتغنيه عن التدفئة بعدم الشعور بالبرد .

أطرق برأسه لعدة دقائق بهز اقدامه بعصبية، ثم ما لبث أن يحسم أمره، بتناول الهاتف والضغط لبدء محادثة وارسال رسالة لها:
-السلام عليكم.
انتظر الرد دقيقة دقيقتين وحينما فقد الأمل دفع الهاتف من يده على الطاولة البلاستيكية بجواره بقرف يتمتم:

-اللعنة عليكِ وعلى من يُراسلك، فلتذهبي للجحيم.
ظل يتمتم بالسباب على نفسه وعليها وعلى حظه وعلى كل شئ يأتي براسه، ليفرغ طاقة الغضب بداخله، حتى انتبه على عودة عصام ليطالعه بوجه مكفهر جعل الاَخر يسأله بقلق:

-ما الذي حدث يا رجل؟ هل جد شئ ما؟
تمتم يجيبه بطرف عينيه دون مواجهته مباشرةً:
-لم يجد شئ، ولكن غضبت لتأخرك، بالإضافة لظروفي التي تعلمها، تجعلني لا أطيق شئ

-اعتذر إن تأخرت عليك، فقد استغرقت وقتُا بالفعل وأنا أعود بالسيارة لصاحبها، ولكن عذري اني وجدت مواصلة بصعوبة لتُقلني إلى هنا في هذا الوقت المتأخر.
سمع منه والتوى ثغره المطبق على زاوية، وكأنه يتبلع عذره بصعوبة.

أما عصام فقد اقترب ليجلس بجواره ليربت بكفه على ركبته بتهوين يخاطبه:
-هون على نفسك، فلا تحملها بالهموم، وكن متفائل بالخير.

اومأ له برأسهِ يدعي التفهم، ثم سأله بمكر:
-لكنك لم تذكر لي عن هوية صديقك هذا، من هو يا عصام؟ هل اعلمه؟
نفى برأسه سريعًا الاَخير ليقول بارتباك؟

-لا لا لن تعلمه، فهذا صديق قديم لي، وقد كان زميلي في العمل السابق بالإضافة أنه كان يسكن في مدينة أخرى بعيدا عن هنا .
اومأ له مرة أخرى رغم عدم اقتناعه بالإجابة لعلمه الاَكيد أنه يكذب، وذلك يبدوا من حركة جسده وتوتره.

فعلى قدر المدة القصيرة التي قضاها معه، لكنه حفظه وأصبح كالكتاب المفتوح أمامه، يشتم رائحة نسائية في الشك به، هذا شئ يجزم به على غير علم، والايام القادمة سوف تُثبت له حسن ظنه.
-عندك شاي ساخن؟

هتف بها عصام يقطع عنه شروده، ليُطالعه الاَخر باستفهام، ليردد عصام بصوت أوضح:
-أسالك، هل يوجد شاي ساخن بالركوة؟
نفى عمران برأسهِ يجيبه:
-لا لا لم أعد اي شى على النار، لقد نسيت.

قطب عصام مندهشًا:
-في هذا البرد ونسيت ان تعد لك كوب الشاي الذي تعشقه، لابد أنك تمزح يا رجل…
تحرك من جواره يستطرد:

-سوف افعل أنا لي ولك حتى تتذكر الدفء أيضًا وترتدي معطفك.
قالها لينتبه عمران على وجود المعطف بجوراه على طرف الكرسي خلفه، ليتناوله ويرتديه على الفور، فيبدوا أن الشرود بها أنساه البرد كما ذكر عصام!

❈-❈-❈

-هل تريدين شيئًا ما حبيبتي؟
هتفت بها ابتسام بصوت ناعس بعد ان استيقظت مجفلة على بعض التحركات من خلفها لعزة؛ والتي كانت تحاول النهوض من جوارها رغم تعبها، وردت تُجيبها:
-اسفة إن ازعجتك، ولكني كنت أحاول الوصول إلى إناء الماء.

نقلت بعيناها ابتسام نحو الإناء الزجاجي على تسريحة الزينة وبجواره كوب كبير، لنتنهض على الفور متمتمة بعتب:
-سامحك الله يا عزة، وهل انا اختفيت من جوارك حتى لا توقظيني؟

اقتربت منها تعطيها الكوب الذي صبت به المياه من الإناء، تناولته منها لتتجرعه بسرعة من عطشها، ثم تعطيها لها لتُصب واحدًا اَخر، أعطتها الَاخر ابتسام ثم خاطبتها بانزعاج:

-كل هذا العطش يا عزة، ولم تكلفي نفسك أن توقظيني؟ اقسم بالله لو كررتيها مرة أخرى لن أسامحك.
-بالله عليكِ لا تُقسمي.
هتفت بها عزة وهي تحاول العودة للنوم، ولكنها توقفت على صيحة من الأخرى:

-لا تتحركي.
قالتها لتقترب منها لتُعدل وضع الوسادة، قبل ان تقربها برفق حتى استلقت جيدا ودثرتها، فخاطبتها يامتنان:
-اتعبتكِ معي يا ابتسام، شكرًا حبيبتي.
تجعد وجه الأخرى وهي تعود لتندس بجوارها تحت الغطاء:

-لا تجعلني أنعتك بالحمقاء، لقد اكتفيت من حساسيتك  المفرطة هذه، وقد فاض بي منك يا امرأة.
هتفت بالاخيرة بغيظ اثار الضحك لعزة، فقالت لتزيدها:
-تلوميني وقد اشفقت عليكِ من الاستيقاظ بعد نومك بساعة واحدة، هذا ذنبي يعني؟

فغرت فاهها الأخرى لتهزهز رأسها بعدم استيعاب، قبل ان ترد صائحة بنبرة فكاهية:
-اشفقت علي ولم تُشفقي على نفسك؟ هل انتِ معتوهة يا امرأة؟ مين فينا المريض انا أم انت؟ تاركة شقتي،ونائمة بجوارك على التخت، ما نفعي إذن ان لم أساعدك بهذه الأشياء البسيطة؟

استمرت بالضحك عزة غير قادرة على التوقف لتستطرد ابتسام بغيظ رغم ابتساماتها:
-لقد احترق دمي منكِ
توقفت عزة لتردف لها على بهمس وكأنها تخاطب نفسها:
-لقد تعودت على هذا منذ الصغر، انا وحيدة ويتيمة الأبوين، كنت استحي الطلب من أحد.

بنات أعمامي كنا اكبر مني في السن، لم أجد بهن واحدة تصلح للصداقة معي، عمي رجل صالح وامرأته كذلك، ولكني كنت دائمًا احرص على ألا اثقل على كاهله بشئ ما، فهو رجل متوسط الحال ولديه العديد من الفتيات، ولكنه كان دائمًا يغمرني بعطفه ولا يقصر معي بشئ.

انهت لتجد ابتسام مستندة بمرفقها على الوسادة تحتها، وخدها مستريح على قبضة يدها وترمقها بنظرات غير مفهومة، ثم قالت:
-اتعلمين يا عزة أني لو كنت بظروفك هذه لكنت اخذت فرصتي.
سألتها باستفهام:

-كيف؟
اعتدلت الأخرى بجذعها لتُجيبها بانتباه:
-ذكرت ان عمك كان يغمرك بعطفه غير انه كان متوسط الحال، يعني ليس بفقير، بالإضافة أن امراته زوجة صالحة، وبناتهن كنا يكبرنكِ في السن، إذن ما الذي ينقصك يا حمقاء حتى تتدللي وتبتزي أيضًا؟

-ابتزهم!
قالتها عزة باندهاش على وجه ضاحك لتُكمل الأخرى:
-نعم حبيبتي، الدنيا فرص وأنتِ كانت لديكِ الفرصة لذلك، بما يفيد الإحساس الزيادة هذا والرقة، سوى بجلب التعب والمشقة لأصحابه، انظري حولكِ وانتِ تعلمي صدق قولي.

المستشفيات والعيادات مليئة بإصابات الجلطات والأزمات القلبية التي تأتي من الزعل والحساسية، إنما البشر عديمي الإحساس تجدينهم بأتم الصحة والعافية، وحمرة وجوههم تميزهم.

عقدت حاجبيها عزة لتسألها بانتباه:
-وكيف علمتِ أن عديمي الإحساس حمرة وجوههم تميزهم؟
اقتربت لتهمس لها بالإجابة:
-أمي علمتني ذلك، فقد كانت تنعت كل رجل لا يهتم بأبناءه بهذه الصفة.

اومأت لها عزة بإعجاب:
-والله امرأة جيدة، فهذه الصفة تنبطق بالفعل على هؤلاء البشر.
مصمصت يشفتيها ابتسام تردف لها بتصحيح:
-ولكنك لا تفهمي وجهة نظر والدتي حبيبتي، أمي تقصد بالاهتمام هو البناء والأدخار من أجل الغد.

يعني مثلًا، البنت بمجرد دخولها الصف الإعدادي فلابد من البدء بتجهيزها، والولد  بمجرد مولده فلابد من الإدخار وعمل الجمعيات للبدء في بناء منزله، حتى إذا ما وصل لسن العشرين يكون جاهزًا للزواج ولا ينقصه سوى الاثاث او المهر.

هذا مبدؤها هي وأبي، لذلك تمكنت من الإنتهاء من تزويجنا انا وأخوتي كلنا وهي لم تُكمل الخمسين في العمر.
ردت عزة بجدية وقد ازداد إعجابها بالمرأة:
-وجة نظر جيدة يا ابتسام، ان تكون المرأة مدبرة هي وزوجها لأجل الأبناء هذا أمر عظيم.

-نعم جيد حبيبتي ان تكون كذلك.
قالتها ثم تنهدت لتستلقي بجوارها وتتابع بصوت متأثر:
– لقد كانت أمي وكأنها تدور في ساقية، طوال اليوم سعي هي وابي في الحقل وبيع الحبوب في السوق، بالإضافة إلى تربية البهائم وبيعها وبيع منتجاتها، او شراء الجهاز لاختي وتزويجها والخ والخ.

أمي لم تكن تجد وقت لتجلس معنا حتى لتُعطينا من حنانها او تُشعرنا باهتمامها.

صمتت عزة تستمع لها دون رد، لتُجفلها الأخرى بقولها:
-أشعر أني ازعجتك بثرثرتي الكثيرة .
نفت ترد بهز رأسها:
-لا لم تزعجيني، أنتِ عبرتِ عما تشعري به تجاه والديكِ، وانا احب الأستماع.

طالعتها ابتسام لبرهة من الوقت صامتة وكأنها تفكر بشئ ما، قبل ان تبوح به بقولها:
-انتِ طيبة جدًا يا عزة، ورقيقة كالنسمة، لا اعلم كيف تعيشين مع هذا الرجل؟
سألتها ياستفسار:
-أتقصدين عمران؟

اومأت تُجيبها:
-نعم عزيزتي هذا الرجل الجامد والذي لا يعرف الضحك إلا نادرًا كيف تعاشرينه؟ يبدو لي أنه جلف كما ذكر لي عصام قبل ذلك.

ضحكت عزة وهي لا تجد ما ترد به عليها، فهي تشعر بالفعل أنه كذلك، رغم الإحساس الذي الذي يراودها في كثير من الأحيان بأنه طيب، ولكنه لا يغطيها فرصة لتكتشف عنه شئ بانزواءه الدائم مع نفسه..

❈-❈-❈

في اليوم التالي صباحًا دلف لداخل شقته بخطوات مترددة، لا يدري ماذا عليه ان يفعل؟ يتحمحم ام يهتف بأسمها كي تنتبه، تخيل ان يراها خارجة من المرحاض او المطبخ، أو ربما تخرج إليه بشعرها فيشيح بعيناه عنها حتى لا يُخجلها، فيُحادثها باحترام كي يسألها عن صحة زوجته.

فتجيبه بمودة، يريد أي شئ يفتح مجالا للحديث معها، ولكن لما يشعر لها بصوت او حركة، هل تكون مازالت نائمة؟
وصل إلى باب غرفته يطرق بخفة، حتى وصله صوت زوجته:
-ادخل يا عمران لا يوجد احد .

-لا يوجد احد!
غمغم بها بصدمة قبل أن يدلف إليها يلقي التحية سريعَا قبل ان يسألها على الفور:
-لما أنتِ وحدك؟ لحقت جارتك أن تتركك؟
أجابته بلهجة معاتبة:

-لم تتركني جارتي يا عمران، لقد استيقظت باكرًا واعدت لي الفطار قبل ان تذهب إلى بيتها وزوجها، لم تتركني المرأة .

❈-❈-❈
-الشاي يا ابتسام .
هتف بها عصام وهو يتناول طعام أفطاره على طاولة السفرة، ردت زوجته والتي كانت تجلي بعض الأواني سريغًا في المطبخ:
-حالًا يا عصام دقيقة واَتيك به.

أنهت الأطباق المتبقية سريعًا قبل أن تخرج بكوب الشاي إليه وتضعه أمامه على سطح الطاولة:
-ها هو الشاي يا سيد عصام، هل أنهيت طعامك إذن؟
أوما برأسه يجيبها بنعم، سمعت منه وأخذتها الحماسة لترفع المتبقي من طعامه سريعًا ولكنه أوقفها بقوله:

-انتظري يا امرأة واجلسي معي لعدة دقائق.
جلست مستسلمة تنفيذًا لأمره، ثم قالت:
-نعم يا عصام ماذا تريد؟
صاح بها:
-أريدك تتحدثين معي قليلًا با ابتسام، فقد مللت الجلسة وحدي.

تأففت بداخلها حتى ظهر بنبرة صوتها وهي ترد بنزق:
-تحدث يا زوجي حتى لا يمسك الملل.
رغم عدم رضاه عن ردها، ولكنه تجاوز عن ذلك كي يسألها:
-ماحال جارتك عزة الاَن؟ هل تحسنت وخف اكتئابها؟

-نعم تحسنت جسديًا عن الأمس ولكن لو سنتحدث عن صحتها النفسية، فاأنا أجزم لك بأنني أعذر المسكينة ولا أتوقع لها الشفاء نهائي،  مادامت متزوجة من هذا البائس زوجها عمران، يااا ساتر، إنه عديم الشعور والإحساس يا رجل، لا أعلم كيف لها معاشرته؟

تبسم لها ضاحكًا يرد:
-نعم صدقتي، لقد ثبت لي أنه رجل أحمق بالفعل بالإضافة أنه جلف، ولكن ما المناسبة لقولك؟ هل رأيتِ  بنفسك؟ ام هي ذكرت لك؟
رددت من خلفه نافية:

-لا رأيت بعيني ولا هي ذكرت، ولكن هذه الأمور تظهر وحدها على حال المرأة، ولسان حال عزة يُفصح عن نفسه دون أن تتكلم، عزة يتيمة الأبوين منذ الصغر، تحتاج لأن تشعر بالألفة والمودة من الرجل الذي يسمى زوجها، ولكن هذا الرجل وكأنه بعالم وحده.

لا يشعر بها ولا يشاركها ما تشعر به إن كان فرح أو حزن او أي شئ اَخر.
سمع منها وبدا على وجهه التأثر حتى أنه صمت يتطلع أليها بتفكير عميق بكل كلمة ذكرتها ابتسام بعفويتها المعتادة، فانتابها هي الملل لتنهض فجأة من أمامه لتعيد على ما همت لفعله من البداية،  فهتف بها:

-ما بالك يا امرأة؟ تستعجلين على الجلي وتتصرفي وكأنه سيفوتك القطار؟
هتفت بدورها لترد عليه:
-ليس القطار يا عصام، ولكني اتعجل لفعل ما يحتاجه منزلي كي أعود لعزة، فهي تحتاجني في القرب منها، كي أراعيها.

فهذا الجلف كما تسميه أنت، لن يفعل من نفسه مادامت هي لا تطلب منه، وهذا ما يصير بالفعل لأنها تستحي الطلب من أحد.
استوعب جيدًا لينتبه إليها باستدراك قبل أن يرد عليها:
-وكيف ستفعلين وزوجها بالبيت وقد يكون نائمًا بجوارها.

فغرت فاهها لتسقط على الكرسي من خلفها، فقد تناست أمر هذا المخلوق.

❈-❈-❈

بعد قليل

خرج من حمام غرفته، جفف رأسه وتناول المشط وأمام المراَة كان يمشط على شعر رأسه حينما، انتبه على صوت جرس المنزل، اعتدلت عزة بجذعها على الفراش، ليشير إليها هو بكف يده قائلًا بسخرية:
-ماذا يا أمرأة؟ دائمًا ما تأخذك الحماسة، ونسيت وضعك الاَن؟ لا تتحركي من مكانك حتى لا تتأذي .

قالها وخرج نحو باب الشقة، فتفاجأ بها أمامه تلقي التحية على عجل وهي ممسكة بيدها أحد الأطباق المغلفة:
-صباح الخير.

ردد خلفها التحية بارتباك لفرحة انتابته على الفور لرؤتيها وظنه الأكيد انها أتت لترعى عزة بوجوده، ليردف وهو يتنحى جانبًا ليفسح لها:
-تفضلي تفضلي، عزة في انتظارك .

بشبه ابتسامة ردت ورأسها تلتف للخلف، ليتفاجأ برؤية عصام أيضًا يخرج من باب شقته المقابلة يشير بيده يحيه، قبل أن يغلقه من الخارج، ثم انضم إلى زوجته، لينته الاَخر رغم ارتباكه، وليفسح لهما مرددًا بقنوط:
-تفضل يا عصام، تفضلا أنتما الإثنان

دلفا ثلاثتهم خلف بعض، وتقدمتهم ابتسام لتخاطب عزة بمرح:
-كيف حالك الان يا عزة؟ لقد أتيت لكِ بطبق حلوى لقمة القاضي الذي تعشقيه، اعتدلي جيدًا في فراشك حتى تتناوليه.

تهلل وجه عزة بفرحة غامرة وهي تتناول منها الطبق بعد ان جلست بجوارها ع الطرف،  كاشفة لها عن القطع المقلية ومسقاه بالشربات المحلى، لتقضم منها بسعادة بالغة، مرددة لجارتها:

-انه رائع يا امرأة، لذيذ وشهي بشكل لا يصدق.
رددت من جوارها ابتسام:
-بالهناء على قلبك حبيبتي.
استمرت عزة بتناول واحدة أخرى بنفس اللهفة، لتجفل على حمحمة بالقرب من باب الغرفة، قبل أن يدلف زوجها بقوله:

-انتبهي يا عزة، لديك زائر يريد رؤيتك
تناولت ابتسام الحجاب ولفته على رأسها وحول وجهها
تردف لها:
-ليس زائر غريب، وانما هو زوجي عصام، يعني ليس غريب حتى ترتبكي.

أومأت لها عزة برأسها وانتظرت قليلَا حتى ولج إليهما عصام، يتحمحم كما فعل زوجها في البداية، بعنين منخفضة بنظرها إلى الأرض على استحياء لمرعاة الأصول في دخول هذه الغرف الخاصة مردفًا:
-يا ساتر.
بادرت زوجته بالرد:

-ادخل يا عصام، الدنيا اَمان.
-رددت من خلفها عزة إليه:
-نعم أدخل، انت لست غريب.
وتدخل بقوله أيضًا عمران والذي اتخذ موقعه واقفًا بداخل الغرفة.
-نعم يا عم عصام، أنت لست بغريب.

سمع منهما يرد على ترحابهما ويخاطبها أيضًا.
-حتى لو كنت لست بالغربب، الأصول دائمًا يجب أن تراعى، اليس كذلك يا عزة، ما حالك اليوم؟
تبسمت تجيبه بصوتها الخفيض دائمًا، في المرض أو الصحة مع نظرة لا ترفعها أبدًا إليه:.
-حمد لله، اليوم أفضل بكثير عن الأمس.

خجلها الشديد استفز طبيعته المشاكسة فتابع ليسألها مرة أخرى بدرما:
-ما هذه القطعة التي بيدك، لا تقولي أنك تذوقتي حلوى ابتسام ومن هذا الطبق بالذات
رفعت رأسها اليه بإجفال وتساؤل، لترد من جوراها زوجته.

-ما بها الحلوى يا عصام، وهذا الطبق تحديدًا؟
صمت ينقل عينيه لعمران بادعاء القلق لينتقل إلى الاَخر ويسأله:
-ماذا يا رجل؟ لماذا هذا السؤال والاَن بالذات؟
زم فمه المذكور وهو يحرك رأسه بعدم رضا، ليشير بكفه، يخاطبه:

-تناول منها وأنت تعرف.
تقبل الدعوة عمران بصدر رحب، رغم ادعاءه غير ذلك، واقترب من ابتسام، ليُمسك بواحدة ويضعها كلها في فمه، ليمضغها بتلذذ امام نظرات المرتين القلقتين، ثم رد على عصام:
-الطعم جيد ورائع، إذن ماذا تقصد؟

صاح عصام بصوته:
-هذا ما اقصه ياراجل، الطعم رائع، ومن هذا الطبق بالذات.
زفر عمران ليدفعه بزجاجة مياه فارغة، غير متقبل بمزاحه الثقيل.

مع هتاف زوجته الساخط عليه وعلى ألعابه السخيفة،
ليجلجل هو بالضحك، وقد تركزت عينيه على هذه الصغيرة التي عادت لتطرق برأسها، تضحك بخجلها المعتاد

فهدر به عمران بتهديد:
-افعلها مرة أخرى يا عصام، وأنا سأقتلع رأسك من جسدك.
تبعته ابتسام هي الأخرى بقولها:
-عندك حق، فهو يستحق كل عقاب، بعد هذه الخدعة، لقد جعلني أظنه مسموم او به شئ غير طبيعي،

عليك اللعنة يا عصام، كان قلبي سيتوقف من الرعب.
وأنتِ يا عزة لابد أنك خفتي بعد مقلب هذا السخيف؟
هزهزت برأسها المذكورة لتُجيبها على حرج:
-في البداية فعلًا خفت، لكن بعد ذلك حدثت نفسي بحسرة، أن كان يقصد شيئًا ما بالفعل، فطعم الحلوى رائع، وأعجبني الحلو بشدة.

-حبيبتي يا عزة، أستطيع صنع طبق اَخر لك لو تريدي، فا أنا اليوم متفرغة لك.
رد زوجها من محله:
-نعم واصنعي لنا نحن أيضًا كمية تكفينا.
تدخل عمران أيضًا:

– تستطيعي فعل ما تريدين بالكمية التي تريدنها، فخزانة الطعام في المطبخ ممتلئة عن آخرها، حتى نرسل للعم مدبولي عامل الحديقة، لقد تعب جدًا معنا في الأمس.
أومأت برأسها ابتسام بموافقة ورد عصام:

-أذن فلنتحرك معي يا صديقي، حتى نترك نحن النساء لفعل ما يُردنه،
قطب يسأله بدهشة:
-ألى أين؟
أجابه عصام بجرأة وصوت عالي:

-إلى منزلي يا رجل، لنقضي نومتنا على كنت الصالون، ولكي تتمكن زوجتي من رعاية زوجتك، وضعها  برأسك، هذا الأمر سيستمر لأيام قادمة حتى نطمئن على عزة بقول الطبيبة.
ادعي بملامح وجهه التفهم، ولكن اقدامه في الأسفل كان يجرها بصعوبة، حتى خرج معه على مضض.

فور انصرافهما، التفت لها ابتسام تخاطبها بحماس:
-ها يا عزة، ماذا تريدين إذن مع لقمة القاضى؟ حلو أيضًا؟ ام شيئًا آخر؟
ضمتها عزة بذراعها إليها بامتنان:
-أدامكِ الله لي يا احلى ابتسام .

❈-❈-❈

يتململ بنومته ويتقلب وكأنه على جمر، يستجدي النوم لاعين طار منها النوم، وكيف لا يحدث وصورتها بفستان الزفاف أمامه على الحائط بالحجم الكبير، بجوار زوجها الملعون عصام، والذي كان واقفًا بتباهي، بوضعية يقترحها الكثير من المصورين أن يضع العريس يديه بجيبي بنطاله أسفل سترة حلته.

ليقف بزهو وتميل عليه العروس، ممسكة بطرفي السترة،
بشكل اقرب للفكاهي، وهي تفعل بفرحة تغمرها، وكأنها قد نالت جائزة اليانصيب بزواجها من هذه المتعالي كالطاووس، الذي يختال بجماله ووسامته، تبسم باستهجان مع تذكره ليوم زفافه، فقد كان يبتغي إلغاء فقرة التصوير نهائيًا.

لعيبه الذي يجعله يتجنب المرايا كما يتجنب النظر لنفسه في الصور الفوتوغرافيا او الفيديو، ولكن إصرار عزة هو من جعله يوافق جبرًا حتى لا يكسر بخاطرها كما نبه عليه عمها، ليحضر بعدها هذه الجلسة السخيفة مع اوضاع أسخف يقترحها الشاب المصور.

لتكون النتيجة بعد ذلك صورة غبية أظهرت القطعة المشوهة بوجهه بشكل أحرق دمه، حتى كاد أن يقطعها إلى أجزاء لولا رغبة عزة بالإحتفاظ بهم، بل وتعليق الكبرى على الحائط في قلب مدخل الشقة،

انتفض فجأة على صوت شخير قوي جعله ينتبه إلى جاره العزيز وقد غطس برأسه في نوم عميق، رغم نومه على السيجادة ف الأرض، اعتدل ليستند بمرفقه يتأمله بتفكير، ينام قرير العين بمجرد وضع رأسه على الوسادة
، تعشقه النساء وتتهافت عليه دون ذرة مجهود منه، رغم فقر حاله. مثله!

عاد برأسه للخلف لتُعاوده الحوادث القديمة ونبذ الجميع له، حتى لعب الأطفال كان محروم منه، فلا أحد كان يتقبل بوضعه وهذا الحرق إلا اعداد قليلة من جيرانه واقاربه، فبعد وفاة الوالدة يشعر الطفل باليتم الحقيقي، فما باله حينما يضاف اليه شعور النبذ ايضًا.

ظل بأفكاره المتواترة عن القديم والحديث حتى غلبه النعاس ليستيقظ بعد ذلك على صوت رنين هاتف مكتوم، بنصف فتحة من عينيه وهو نائم، راقب عصام الذي نهض بالهاتف بعد نظره لأسم المتصل.

اغمض عينيه جيدا عمران حينما شعر بسهام عيني رفيقه قبل أن يطمئن من نومه، ثم ذهب بالهاتف للمرحاض ليغلق الباب عليه ويستند بخلف ظهره على حوض الغسيل،  قبل ان يرد على المتصل.
-نعم يا حبيبة، ماذا تريدين؟
وصله صوتها وهي تجيب بميوعة مقصودة:

-أريدك يا حبيب القلب.
تأفف يغمغم بالكلمات الساخطة مما جعلها تطلق في ضحكات صاخبة، ليهدر بها غاضبًا بهمس بعد ان أثارت جنونه:
-مابالك يا امرأة اتقصدين فضيحتي بضحكاتك هذه؟ مرة هنا ومرة في الكازينو أمس.

أجابت بعد توقفها عن الضحك:
-أنا لا اقصد في الحالتين ولكنك انت من يجرني لذلك كلما حدثتك.
-نعم يا حبيبتي؟ انا من أجرك، بالله عليكي لا تستفزي شياطيني الاَن، جاري نائم معي المنزل واخشي أن يخرج صوتي إليه، لا ينقصني الفضائح انا،

-أممم
زامت بها قبل ان تسأله بفضول:
– اتعني جارك هذا الرجل المشوه، زوج المرأة التي كادت أن تجهض معكما بالأمس؟
زفر يمسح بطرف كفه على جبهة رأسه يجيبها بسأم:

-نعم هو كذلك، وزوجتي معها لرعايتها الاَن، وانا جئت بعمران، كي نترك الساحة للنساء في الشقة الأخرى
-واو
تفوهت بها ثم تابعت

-اعشق انا هذا التعاون البناء حينما يتفق جاري معي ويشاركني لحظات الفرح واليأس، وخصوصًا لو كان جاري هذا بوسامتك يا عصام.
تأفف للمرة المئة ليردف بنبرة حانقة منها:
-كفي يا حبيبة لقد سئمت من العابك يا امرأة، لماذا تاخذين كلامي بعبث دائم.

أجابته على الفور:
-حتى اعيش سني معك يا عصام.
صمت على نبرتها الغريبة، ثم تحدث كي يردف سائلًا لها:
-ماذا تقصدين بكلماتك؟
تنهدت مطولًا قبل أن تجيبه:

-أقصد شبابك يارجل، ف نظرتك إلي أشعر أني امرأة جميلة  وفي غمرتك أشعر بعنفوانك وقوتك، وفي قبلتك أشعر أني انثى بحق، مازالت بخضارها ولم تجف أغصانها
تنهدت مرة أخرى لتتابع:
-لقد اشتقت إليك يا رجل.

ضغط بأطراف انامله على عيناه وقد اثرت به كلماتها ثم قال بصوت خفيض:
-اللعنة عليكِ يا حبيبة، في كل مرة أقرر فيها الانفصال، تجعليني أعود إليكِ صاغرًا.
هللت بفرحة تخاطبه بلهفة:

-إذن إلي ف لتأتي إلي الان قبل ميعاد نوبتك، سوف احضر لك مأذبة للطعام تحلف بلذتها طوال عمرك، هذا إلى جانب الشموع الحمراء والجو الشعري…
قطعها ضاحكًا بصوت عالي قبل ان ينتبه سريعًا، ويخفض بقوله.

أقسم بأنك مجنونة يا امرأة، كيف تخطر على بالك هذه الافكار الغريبة؟ نحن لسنا صغارًا عزيزتي على فعل المراهقين هذا.
ردت بصوت معاتب:
– تبًا لك يا عصام، وما عيب المراهقين، فلنكون مثلهم ما يمنع
…يتبع

الفصل العاشر

التف للمراَة يتبع بأطراف أنامله خشونة ذقنه الغير الحليقة، ليقول لها بمزاج رائق بعض الشئ:

-اعقلي يا امرأة وتذكري مركزك يا زوجة النائب.

طقطقت بفمها صوت امتعاض قبل أن ترد عليه:

-بئس الترهلات والتجاعيد.

لماذا تذكرني بهذا الملعون الذي يلهث على صعود درجتين فقط من السلم؟ تبًا له، لديه بطن كبيرة تصلح لحمل طفلين.

إلى هنا ولم يقوَ على كبت الضحكات ولكن بصوت مكتوم، حتى أدمعت عينيه، ليتوقف اَخيرًا يرد عليها:

-انتي عنصرية بالدرجة الأولى، سوف أبلغ عنك الشرطة، وذلك لسخريتك من رجل وطني يخدم في المجلس الموقر ويراعي مصالح المواطنين.

سمعت منه تزوم بفمها ثم عادت بطلبها مرة أخرى:

-إذن ف تعالى وبعدها افعل ما شئت.

عاد هو الاخر للإعتراض بقوله:

-كيف يا امرأة؟ انا بصحبة جاري، ولا يصح أن أتركه وحده في المنزل.

تابعت بالحاح:

-إذن تحجج بأي شئ وأنا سوف أقصر عليك المسافة، والتقطك بالسيارة.

-لا يا حبيبة لا تفعلي، سيارتك أصبحت معروفة بالنسبة إليهم، لو رأها عمران سوف يشك على الفور

صاحت بنفاذ صبر:

-إذن كيف ستأتي يا رجل؟ لقد مللت من الوحدة في هذا المنزل الكبير المخيف.

ولا سبيل أمامي إلا أنت، أُريدك وأشتاق إليك، حتى أبدل ذكرياتي البائسة مع هذا البائس، بأخرى جميلة معك.

صمت قليلًا بتفكير ثم ما لبث أن يجيبها:

-حسنًا فانتظري ميعاد مناوبتي بعد المغرب، وسوف أبحث عن حجة ما أتحايل بها للأستذان من عمران قليلًا.

ولكني لن أتأخر أكثر من نصف ساعة أو ساعة على الكثير .

وصله صوتها المبتهج، تكفيني الساعة، المهم أن تأتي .

-حسنًا اتفقنا.

قالها وأنهى المكالمة، ليتناول معجون الحلاقة استعدادًا لتنعيم ذقنه.

غافلًا عن هذا الذي استمع للمكالمة كاملة قبل أن يعود على أطراف أنامله، لوضعه السابق على كنبة الصالون، ويدعي النوم، وعقله يعيد كشريط تسجيل قديم، جميع ما ذُكر وفهمه من الكلمات، إذن عصام عاد مرة أخرى للخيانة كما توقع ومن امرأة اسمها حبيبة وزوجها نائب في مجلس الشعب.

وهي نفسها صاحبة السيارة الذي أقلتهم يوم الذهاب إلى دار السينما وبعدها إلى المشفى، وقد كذب عليهم بالقول انها ملك صديق قديم، إذن….

توقف وذهنه اتى بصورة والمرأة التي أتت منذ أيام، لتقل عصام معها بسيارته…

كيف له أن ينسى امرأة مثلها؟ وكيف له ان يتعافل عن صورة السيارة، التي عمى عن لونها بالليل؟.

إذن فهو عرف السيارة وعرف المرأة، يتبقى فقط العنوان، وأسم سيادة النائب زوجها.

❈-❈-❈

في المساء

وبعد أن انتهى اليوم مع عزة برعايتها وتتبع مواعيد  الأدوية الخاصة بها ومساعداتها في عدة أشياء انثويه، بالإضافة إلى عمل حلوى القاضي التي أسعدتها كطفلة صغيرة، وتوزيع الأطباق العديدة منها على عمال المركز  القلائل، والمتواجدين دائمًا لنظافة المركز وتسجيل مواعد الحجز.

بالإضافة إلى العم مدبولي عامل الحديقة؛ الذي تولى الحراسة في غياب الرجال باليوم المشؤم، والذي انتهي بإصابة عزة والتهديد بسقوط الطفل، انعشت نفسها بحمام دافئ، لتستريح قليلًا قبل الذهاب إليها،ثم استلقت على تختها، والذي لا تجد الراحة إلا به، فهذا مسكنها وجنتها، حتى مكانها في منزل أهلها، لا ترتاح به.

تتنعم بروعة الفراش المعطر برائحة الزهور،  لتتنفسها وكأنه تتنفس من نعيمها، ظلت مغمضة عينيها باستمتاع حتى تذكرت هاتفها الذي تناسته في غمرة انشغالها منذ أمس، لتفاجأ بعدة رسائل منه بتواريخ مختلفة، وكأنه يحدثها بعتاب:

-السلام عليكم.

-لماذا لا تجيبي؟

– هل تركت الهاتف ام لم يعد لدي اهمية عندك حتى تجيبي، أو تطالعي الرسائل؟

-ابتسام .

-أجيبي والا ساقطع  معكي ولن أراسلك مرة أخرى

انتفضت لترسل ردها على الفور:

-لم يكن بخاطري تجاهل رسائلك، انا لم افتح هاتفي منذ الأمس سوى الاَن لعدة مشاكل حدثت معنا.

وفي الناحية الأخرى:

-انتفض هو الاَخر بدوره كي يجيبها بلهفة غير مصدق لعودتها بمراسلته، أمسك الهاتف بإيدى مرتعشة من فرط ما يشعر به من فرح، يقرأ في الكلمات بتأني ويبحث عن رد مناسب يناسب الطبيب المحترم، زفر بقوة يهدأ من نبضات قلبه المتسارعة ثم ضغط ليبعث إليها رسالة مقتضبة:

-وماهي نوعية المشاكل التي تجعل المرء يتجاهل رسائل هاتفه ليومين؟

بعثت إليه:

-الم تعرف من زوجتك الدكتورة فاطمة بما حدث لعزة في الأمس وكاد ان يسقط جنينها لولا ستر الله .

بطرف سبابته تلاعب على أعلى شفتيه بتفكير عميق قبل ان يجيبها:

-نعم ذكرت لي فاطمة لكن على عجالة عما حدث، لكن وما دخلك أنتِ بهذا الأمر؟

بعثت ترد وتجيبه:

-كيف لا يعنيني هذا الأمر؟ وعزة جارتي، وأنا من أقوم برعايتها منذ الحادث.

زامم بفمه يبعث لها سائلًا بفصاحة يدعيها:

-أيضًا ما دخلك؟ اليس لها زوج كي يرعاها ويقوم بخدمتها؟

بعث وانتظر الرد حتى جاءه ليقرأ محتوى الكلمات فتوسعت عينيه واظلم وجهه وهو يقرأ بصدمة:

-لا تسألني عن هذا الأحمق، إنه قطعة جماد صدئة، لا يشعر ولا يشغله أمر زوجته، لقد صدق عصام حينما لقبه قبل ذلك بأنه جلف!

❈-❈-❈

بأنفاس هادرة وصدره يصعد ويهبط بتسارع كاد أن يهلكه، هذا الاحمق يطلق عليه الجلف من خلف ظهره، وامام من؟ أمامها هي التي يتمنى نظرة واحدة منها إليه تطالعه بها.

جلف! أنا جلف؟

يستمر بترديد الكلمة وكأنه قد أصيب بالجنون.

وبقبضة يده كان يضرب على الطاولة المجاورة له يود تهشيم الهاتف، او أي شئ يطفئ نار غضبه.

وهو يعيد على قراءة الكلمات مرة ثم مرة دون أن يرد عليها حتى أقلقها لتبعث إليه برسالة لتسأله:

– لماذا لا ترد؟

بضغط قوي على حروف الكلمات أرسل إليها:

– لأني لا أحب الشتيمة في ظهر الغير، والتشبيهات الوقحة، عمران هذا رجل رائع وأنا لا أجد عيبًا واحد به.

-ارسلت هي تجيبه:

– نعم أنت لا تجد لأنه يعمل عندك ولا تعاشره ولكننا نحن من نراه ونتعامل معه، هذا رجل جامد المشاعر ولا أراه يفكر سوى بنفسه، لأن الرجل يجب أن يهتم بزوجته ويقترب من عقلها لكن هذا لا يفعل شئ، وعندما أطلق عليه لفظ جلف كما ذكر عصام نحن لانتجنى عليه.

-مرة أخرى تقول عصام ولقب الجلف.

كان يردد بها والدم يغلي بأوردته كحمم بركانية قادرة على إحراق كل من تقابله في طريقها، ما كل هذه الصفات السيئة التي تنعته بها؟

وما هذه الصورة القاتمة التي طبعت في عقلها عنه؟انها مقتنعة بما تتفوه به بل وتحاول أقناعه هو بذلك؟ لتزيد احتراقه برسالة أخرى.

-زوجي عصام على قدر كل عيوبه معي والمشاكل التي بيننا لكني أجده دائمًا يفهم ما أحب وأكره من نظرة عين، إنه جيد ومتفهم وهذا ما يعجبني به، حتى رغم كل ما يحدث بيننا حينما نتشاجر أو يحدث بيننا شئ ما، يكون شديد القسوة معي، ولكن في عودته عندما يصالحني يصبح رائعا بحق، أنه جيد رغم كل شئ.

قرأ ولم يتحمل ليُلقي الهاتف من يده وينهض عن كرسيه يقطع ذهابا وايابًا وهو يهدر نحو الهاتف وكأنها يُخاطبها هي:

-ثاني عصام ثاني عصام يا حمقاء، عصام  الذي يتمعن بإذلالك تذكري فيه القصائد وتبحثين له عن الحجج في ذلك.

عصام الذي يخونك الاَن مع امرأة أخرى بعد أن تحجج بزيارة عاجلة لأحد الأصدقاء في المشفى وأنا سمحت له، علّ تكتشفي بغباءك هذا وحدك، لقد سأمت وفاض بي سئمت وفاض بي.

جلس وضجيج أنفاسه قد ازداد خشونة مع انفعاله ولهاثه المتعب من كل شئ، حتى هذه المحادثة التي كانت تسعده، جاءت اليوم لتحرق دمه، تناول الهاتف ليرسل لها بغضب:

-أرى أنك تذكرين زوجك دائمًا وكأنك تعشقينه، إذن لماذا تحدثين غيره لو كان هكذا؟

انتظر لحظات وقد علم من طول انتظارها انها ارتبكت ولا تجد الإجابة ولكنها فاجئته بردها:

-وأنا أيضًا أراكِ تحب زوجتك وأولادك، إذن لماذا تراسل واحدة مثلي متوسطة التعليم ولا تناسب فكر حضرتك ومكانتك؟

أجفلته بردها المفحم، حتى أثارت إعجابه، ليبعث إليها:

-لا تُسيئي فهم ما أقصده، إنه فقط سؤال ألح بعقلي.

أرسلت إليه:

-أنا فهمتك جيدًا يا سيادة الطبيب، يبدو أن كل الرجال فكرهم واحد نحو النساء، رغم ظني بك الخير، ولكني أريد أن أوضح لك.

انا فتحت قلبي لأني ظننتك مختلف، كما أنك أنت من ذكر من البداية، رغبتك في الحديث فقط، ولكن يبدو اني كنت مخطئة.

ارسلتها وأتبعت من خلفها.

-شكرًا لك أيها الطبيب الكبير،

كلماتها العاتبة جعلته يعرف بحجم غبائهِ والخطأ الذي ارتكبه والذي على وشك أن يجعله يخسرها، حتى أصبح يحدث نفسه:

-يا أحمق يا غبي، سوف تعود لنقطة الصفر مرة أخرى معها، ومن المؤكد انك تخسرها، ماذا تفعل لتصحح الخطأ؟ ماذا تفعل؟

يبدوا أنه استغرق وقتًا في التفكير وحديث النفس، ف أرسلت هي له:

-عن إذنك يا سيادة الطبيب، هذا ميعادي مع عزة، لا أستطيع التأخير أكثر من ذلك، سوف اغلق المحادثة،

أغلقتها ولم تنتظر وقت، لتصيبه بحالة من الأحباط يكاد أن يصيبه بالاَم الجسدية.

ليعود بإلقاء الهاتف ورأسه يأن من الوجع، لقد فشل معها كما فشل في كل شئ، حتى في هذا الشئ البسيط، فشل وغيره ينجح ولا يكف عن النجاح وتحقيق النتائج الجيدة، لقد صدق عصام إذن حينما شبهه بالجلف.

عاد بجسده على الكرسي يفرد أقدامه للأمام ويرفع  رأسه للأعلى مغمض العينان بتعب، ولما لا وهو الأحمق الذي لا يجيد التعامل مع النساء حتى زوجته، والأخرى التي يتمناها وتشغل عقله ليل نهار، يكاد أن يخسرها، استفزه دفاعها عن زوجها، ولما لا تدافع عنه مدام يعرف كيف يعاملها؟

ظل على حسرته لعدة دقائق حتى فتح عينيه فجأة ليتناول الهاتف، مقررًا الهجوم هذه المرة في رسالته وليحدث ما يحدث، فما الداعي للإنتظار إن كان ما يخشاه قد يحدث في أي وقت.

سوف يبوح عما يشعر به ويخرج الكلمات المكتومة بصدره نحوها، سوف يعبر حتى لو خانه التعبير، ستكفيه المحاولة:

-عزيزتي ابتسام أعلم أنكِ غاضبة مني ولكنك لا تعلمين، بما أكنه في قلبي نحوك، نعم اقول هذا بملء فمي، من وقت رؤيتك ولا أكف عن التفكير بكِ، ومن وقت حديثك إلي، وأسماعي تكرر نبرة صوتك ليل نهار، ورسائلك أعيد قراءتها طوال اليوم،  لأستعيد هذه اللحظات السعيدة في يومي كله.

صمت قليلًا بتفكير قبل أن يكمل:

-لقد رأيتك بالفستان المنقوش اول أمس، ولا تسأليني كيف؟ ولكني رأيتك وكاد قلبي ان يتوقف من جمالك،  صرت أحقد على زوجك والدم يغلي بعروقي، كيف سمح لك بالخروج هكذا؟ لقد كنتِ فاتنة بحق، وكنت أخشى عليكِ من عيون الرجال التي كانت تأكلك بنظراتها.

أنت رائعة يا ابتسام في كل شئ جميلة جمال لا يوصف وعلى من يتزوجك أن يعي بهذا جيدًا، امرأة بجمالك تستحق الأفضل، تستحق من يقدر جمالها، من يعطيها حقها من الدلال، من يدغدغ أنوثتها بالكلام الرائع دائمًا.

أن يستمع إليكِ ويستمتع بخفة ظلك وعفويتك الرائعة، من هذا المدعو عصام؟ كي يعطيك حقك من كل ذلك.

من هذا الذي يمتلك امرأة مثلك ولا يحيط عليها من عيون الجميع؟

من هذا الذي يعلم أنه متزوج امرأة مثلك، ويسير بين الرجال لا يقدر قيمة ما وهبه الله به.

– هذا ما أشعر به بداخلي حتى لو ما أعجبك او لومتينني على قوله.

أنهى بالجملة الأخيرة ثم اغلق الهاتف لينهض عن كرسيه ويقف ليتنشق أنفاس قوية من الهواء العليل حوله، حتى يهدأ قليلًا من توتره، بعد أن أفضى بالكلمات تظل عالقة بحلقه دائمًا ويكتمها، يصيبه القلق حتى هو يراسلها بصفته الطبيب عزيز، ولكن مع ذلك يشعر ببعض الراحة.

ورغم عدم ضمانه لرد فعلها بعد أن تقرا الرسائل، ولكنه لن يتنازل أو يقوم بالغاء ما أرسله، ولينتظر إذًا ردها بعد قليل أو غذا او بعد الغد، وبعد ذلك سيعلم ماذا يفعل في خطوته القادمة نحوها.

❈-❈-❈

-على مهلك يا عزة، على مهلك.

تفوهت بها ابتسام وهي تساعد عزة في الرجوع إلى فراشها بعد أن ساعدتها في دخول المرحاض، خطت معها بخطوات متأنية حتى أوصلتها لتستلقي على التخت، فعدلت من الغطاء جيدًا كي تدثرها به.

تمتمت عزة بمجرد وضع رأسها على الوسادة بالكلمات الممتنة:

-شكرًا حبيبتي، جزاك الله خير.

تغضن وجه الأخرى كالعادة بغضب لتخاطبها:

-كفي يا عزة الشكر وهذا الكلام الفارغ، مالك يا امرأة؟ أنتِ تزعجيني حقًا.

تبمست لها عزة مردفة:

-ولن أكف عن ازعاجك، مادمت مستمرة في مساعدتي، تحملي إزعاجي إذن.

رمقتها بنظرة يائسة قبل ان تذهب للناحية الأخرى من الغرفة، كي تتناول الملابس التي بدلتها عزة منذ قليل كي تضعها في السلة الكبيرة لملابس الغسيل، ثم قامت بترتيب الفوضى في الغرفة برفع الأشياء ذات غير النفع، ثم رشها بالروائح المعطرة.

عزة والتي كانت تراقبها انتبهت على تغير وجهها على غير عادتها دائمًا، فسألتها بقلق:

-مابكِ يا ابتسام؟ هل عدتِ للشجار مع زوجك؟

هزهزت رأسها بالنفي سريعًا تجيبها:

-لا أبدًا، لما هذا السؤال؟

أجابتها عزة:

-تغير وجهك هو من أخبرني بذلك، ما بك يا ابتسام؟

تبسمت لها الأخرى وهي تحدق بها صامتة لعدة لحظات قبل أن تترك كل ما بيدها، وتجلس بجوارها على طرف التخت، ثم قالت:

-لما نحن هكذا يا عزة؟

هزهزت برأسها المذكورة باستفهام قبل أن تسألها:

-ماذا تقصدين لا أفهم؟

أخرجت تنهيدة كبيرة ثم قالت بشرود وكأنها تحدث نفسها:

-الذي أقصده، أن مشاعرنا دائمًا ما تخوننا، نتمنى الأشياء البعيدة ونحلم بها مع أمل مفقود من تحقيق ما نبتغيه،

ثم يحدث ان تقترب منا ونصبح على وشك التقاطها.

وبعد ذلك تهرب من بين أيدينا او نصطدم بواقع مرير يعيدنا إلى نفس المنطقة التي نحن بها.

ضيقت بعينيها عزة تتطلع بها بتفكير هي الأخرى، للمتابعة بعد توقفها:

-أكملي يا ابتسام واخرجي ما برأسك وأنا سأستمع جيدًا.

زمت شفتيها قليلًا المذكورة ثم أردفت:

-تعلمي يا عزة، وانا في المدرسة الإعدادية كنت أحلم أن أصبح طبيبة مثل كل زميلاتي، فنحن جميعًا في البلدة تكون هذه أحلامنا منذ الصغر، ولكني خرجت منها بمجموع مقبول، ولم يمكني من دخول مدرسة الثانوي العام الجديدة في بلدتنا.

أمي أرادت عدم إكمال تعليمي وتزويجي مثل أخواتي الكبار على الخامسة عشر ولكني رفضت بالإصرار والبكاء حتى وافقت هي وابي ودخلت بمجموعي الضعيف الثانوي الصناعي، فتغيرت أحلامي بها، وجهزت نفسي على دخول معهد ما بعدها او كلية تناسب دراستي وصرت اجتهد بها لاني وجدت بها نفسي بحق.

رغم ان الوضع كان غير مشجع على الإطلاق فالفتيات هناك، كانت اقصى أمانيهم الإيقاع بالعريس الوسيم أو الغني.. وانا كنت دائمًا ما اعارض أفعالهم في مرافقة الصبيان وارتداء الملابس المحكمة على أجسادنا، كما كنت أنصحهم بالإلتفات للدراسة وترك هذه الأشياء العبثية.

-وماذا حدث

سألتها عزة لتعلم بالباقي، فتبسمت لها ضاحكة:

-تزوجت أنا وتركتهن يكملن الدراسة.

قالتها وظلت تضحك حتى اضحكت عزة معها لتستطرد بعدها:

-كان دائمًا ما يتقدم شباب البلدة لخطبتي من والدي وأنا اتحجج بالدراسة رغم سخط والدتي، لكن وفي السنة الأخيرة تقدم جابر، وكان هذا من عائلة شهيرة في البلدة بامتلاك الأراضي الكثيرة.

حاولت الرفض ولكني أمي كانت على وشك الإقدام على قتلي، وأخواتي البنات اعتبرن رفضه ضربًا من الجنون، ومع الإلحاح المستمر على رأسي، وافقت عليه، ليكون نصيبي واول حظي في الزواج، كان صغيرًا لا يتعدي العشرون وانا وفي السابعة عشر.

ضحكت عزة تردد خلفها:

-لم يكمل العشرين وانتِ في السابعة عشر، لقد كنتم أطفال يا امرأة.

اومأت برأسها تردف لها:

-نعم كذلك كنا أطفال، ولكني كامرأة معي أمي توجهني وهو كرجل كانت والدته توجهه.

عشت في هذه الزيحة أسوء ايام مرت علي في عمري كله، عمل شاق في خدمة المنزل وتنظيف الحظيرة ورعاية الماشية، ورجل لا يعي شئ بأمور النساء سوى العلاقة بين الرجل والمرأة وفقط، مؤامرات من النساء زوجات أشقائه في المنزل.

وشجار دائم وقرارت مجحفة من الوالدة السيدة الكبرى وانا أبكي وأطالبه أن يأتي بحقي ولا يفعل شئ، حتى فاض بي وطلبت الطلاق رغم رفض والدتي، لكي أواجه بعدها بمرارة الطلاق لسنوات قبل أن اتزوج عصام وانتي على علم بعلاقتي بهذا.

أنهت قصتها بوجه حزين وشارد،  فتبسمت لها عزة تقول بسخرية لتخرجها من حالة الإكتئاب التي تلبستها:

-لا يعي شئ بأمور النساء، لماذا يذكرني بعمران هذا الرجل؟

رفعت رأسها الأخرى منتبهة لتضحك مرددة:

-يبدو لي كذلك يا امرأة، إنه بالفعل يشبهه، يا إلهي يا عزة، تبتلين أنتِ بعمران وأبتلى أنا بجابر.

ظلت تضحك ومعها الأخرى حتى توقفت عزة لتردف لها بجدية:

-ولكن جابر كان صغير ويتعامل عن جهل، ولكن عمران كبير ويتعامل معي هكذا عن عمد.

توقفت أيضًا الأخرى عن الضحك لتسألها فجأة:

-ما مستوى تعليم زوجك يا عزة؟

-ليسانس أداب .

-هاا

شهقت بها مندهشة بصوت فكاهي جعلت عزة تعود للضحك مرة أخرى، قبل أن تسألها بعدم تصديق:

-لايبدو عليه يا امرأة، عمراان زوجك انتِ، هذا الجلف، حاصل على شهادة إعدادية!

ضحكت لها الأخرى لتجيبها:

-نعم جامعية ولكنها كانت في المنزل عن طريق الانتساب لظروف عمله، فقد أخذها بعدما بلغ عامه الخامس والعشرون.

مطت بشفتيها الأخرى وهي تهزهز برأسها تستوعب الخبر، لتُجفلها فجأة عزة بسؤالها:

-لكن ما الذي حدث ليجعل هذه الأفكار والذكريات البائسة تعود لرأسك الان.

-ههمم

قالتها بعدم تركيز وردت الأخرى تجيبها:

-أسألك يا ابتسام عن السبب الذي ذكرك بهذه المواجع.

تلبكت تجيبها:

-اا لا شئ، فجأة طرأت على رأسي هذه الأفكار

-فجأة!

رددتها عزة خلفها بعدم تصديق، ولتُصر الأخرى هي على رأيها:

-نعم فجأة.

❈-❈-❈

عاد من الخارج يصفر بفمه واضعا يديه في جيبي بنطاله، ولج من الباب الحديدي لسور المنزل، ثم أغلقه جيدًا، ثم صار يكمل طريقه في اتجاه عمران الذي كان يتابعه بتمعن، يتمختر في سيره رائق المزاج بعد أن قضى وقتًا ممتعًا مع عشيقته.

وفي المنزل تنتظره حمقاء غبية يذلها ويُهينها، ثم يضحك عليها بكلمتين بعد ذلك، وتُصبخ كالخاتم بأصبعه، يتعامل معه هو بأخوية مفرطة وفي ظهره ينعته بالجلف حتى يشوه صورته امام المرأة الوحيدة التي مال قلبه إليها.

ألا يكفي تشوه وجهه، ليزيد عليه بتشويه شخصيته بالصفات السيئة، وهو الحقير الذي تعشقه النساء، بكل عيوبه، مهما كانت صفاتهن.

-مساء الخير يا أبا عمران.

قالها كتحية فور اقترابه، ليرمقه الأخر بنظرة قائمة قبل أن يجيب التحية بنبرة تبدوا عادية وتُخفي ما بصدره:

-مساء الخير يا صديقي.

شدد على الأخيرة ولكن الأخر لم ينتبه وهو يتناول كرسي ليجلس عليه.

فتابع يسأله:

-عدت متأخرًا عن ميعادك بساعتين وقد أخبرتني أنك لن تغيب أكثر من ساعة واحدة.

اضطرب عصام وهو ينظر بساعة يده ويتبين صدق قول الأخر، فرد يجيبه بكذب مفضوح:

-لقد تأخرت في المواصلات، ساعة كاملة انتظر الأتوبيس يا رجل، لقد مللت وفاض بي، حتى صرت على وشك الشجار مع أحدهم.

سأله عمران:

-ولمَ لم تأتي بسيارة أجرة؟

-همم

-أسألك لماذا لم تأتي بسيارة أجرة؟

سمع ليجيب بدراما:

-لم يكن معي المال الكافي، وأنت تعلم سائقي الأجرة هذه الأيام، لا يملأ عينهم سوى المبالغ العالية، لعن الله الفقر، لعن الله الفقر.

اومأ له عمران برأسهِ، قبل أن يشيح بوجهه عنه ليُظهر عدم اقتناعه، وزاد الاخر لترضيته:.

-مابك يا عمران؟ يبدوا أنك لا تصدقني؟ أو تظنني أكذب عليك يا رجل؟

❈-❈-❈

يردف بالحجج الكاذبة حتى يسترضيه، مرة يذكر عن تأخر رؤية صديفه المريض في المشفى بسبب إجراءات روتينية تتبعها الإدارة هناك لزائري المرضى، ثم لقاءه بالرجل الذي كان يتمسك به ليجالسه ولا يرحل ويتركه، ثم الأخيرة انتظاره الأتوبيس العام الذي استغرق وقتًا كبيرًا حتى وصل.

ثم وقتًا اخر في زحمة السير، كلها كانت أعذار واهية في نظر الاَخر، مع علمه الحقيقي بالسبب الحقيقي خلف تأخره لذلك لم يريحه ولو بنظرة واحدة تخبره بالإقتناع، لذلك جاء رده اَخيرًا بحسم، كي يحفظ هيبته وليرد لنفسه ولو شئ بسيط مما فعله به الليلة، وحتى لا يترك له المجال منفتحًا للاَخر، ليعبث ويلهو كما يحلو له:

-اسمع يا عصام، قد يلجمني صون الجميل الذي تفعله  انت وزوجتك مع امراتي ومعي أيضَا….

هتف عصام يقاطعه:

-ماهذا الذي تتفوه به يا رجل؟ هل أصبح ما بيننا يسمى بالجميل والمعروف؟ لما تجي…

قاطعه عمران هو الاخر بصرامة:

-إسمع كلامي للآخر يا عصام ولا تقاطعني، انا اقص….

-ولكن يا صديقي……

قاطعه للمرة الثانية فهدر عليه بنفاذ صبر:

-كف عن المقاطعة يا عصام ولا تكررها للثالثة، حتى لا أصب جام غضبي عليك ولن يمنعني شئ، هذا جدي ولا يقبل النقاش.

صمت يومئ برأسه المذكور مضطرًا فقد فاجأته النبرة الشرسة من عمران، وقد علم بفطنته، أن احتقان الرجل من تأخره قد بلغ الحلقوم الاَن، وعليه هو التريث لامتصاص غضبه، ليغمغم بداخله السباب نحو حبيبة التي أجبرته بألاَعيبها، حتى نسي معها الوقت وما اتفق عليه مع رفيقه.

فتابع الاَخر:

-لن أنبهك مرة أخرى عن حجم المسؤولية الملقاة على عاتفتا، لأني وبكل وضوح لن أتسامح أو أتساهل مرة أخرى بها، حتى لا يُصاب محل عملنا بالضرر ونتأذى أنا وأنت وزوجاتنا من بعده.

صمت برهة لمتابعة ملامح وجه الاَخر المترقبة، ثم استطرد بحسم:

-من الاَن لن يترك أحدنا محل عمله من وقت استلام النوبة، وحتى انتهاءها سوى في حدود الطوارئ القصوى، وهذه معروفة، لذا فقد أظن أن زيارة صديقك أو حتى والدتك ليست من ضمن حدود الطوارئ ا

لدينا ساعات جيدة بالنهار، تكفينا للنوم ولتق

ضية المصالح الخاصة والزيارات الشخصية وغير شخصية، أظنني بقراري هذا لا أتجنى عليك يا صديقي.

شدد مرة أخرى على الأخيرة بقصد، ثم اردف:

-فهذا هو الشئ الطبيعي لمسار حياتنا هنا كحارسي الليل لهذا المبنى الضخم، الغرض هو أن نأخذ العمل بجدية، وبعيدًا عن أي مصالح شخصية، ها ما رأيك فيما قلت؟

…..يتبع

الفصل الحادي عشر

تصلب عصام وهو يتطلع إلى زميله وجاره للحظات دون رد، فهذه القرارت المفاجئة، لم يحسب لها حسابًا قبل ذلك، هذا بالإضافة، أنها رغم حزم عمران بها، ولكنها بالفعل صائبة في كل كلمة، تحمحم يمسح بطرف سبابته على أرنبة أنفه، يحاول بطريقة أخرى معه:

-نعم صدقت فهذا هو الجدوى الحقيقي خلف عملنا هنا، ولكننا لا نقصر بشئ يا رفيقي، لا أنا ولا أنت، أعلم أنك متشدد الاَن لفورة غضبك مني لأني تأخرت عليك، ولكني أعدك ألا أفعلها مرة ثانية.

-لا ثانية ولا تالتة، انتهى الأمر إلى هذا الحد يا عصام وكفى.
هتف بها عمران قاطعًا لينهي النقاش او الجدال معه، عبس وجه الاَخر فظلت ابصارهما معلقة ببعض لعدة لحظات، مابين غاضب، معترض، ولكن لا يجد الحجة في الإقناع، وبين اخر جامد، حاد الطبع، لا يقبل التنازل.

قطع عصام  لينهض بملامح تغيرت مئة وثمانون درجة عن قبل قليل:
-أنا ذاهب لألقي نظرة حول المبنى وخلفه.
قالها وانصرف على الفور، لينظر في أثره الاَخر ويخرج تنهيدة حادة من صدره، فقد يكفيه الان تعكير مزاجه.

❈-❈-❈

“أنت رائعة يا ابتسام في كل شئ جميلة جمال لا يوصف وعلى من يتزوجك أن يعي بهذا جيدًا”

تقرأ في الكلمات وتعيد عليها وتكررها الاَف المرات، من وقت عودتها لمنزلها في الصباح الباكر، بعد قضاءها ليلة أمس كالعادة مع عزة، لتفاجأ بهذا الخطاب الرائع في رسالة واحدة منه، وهو يعبر فيها عن إعجابه بها، لا بل هيامه…  يا إلهي، الطبيب عزيز بجلاله قدرة يهيم ويتغزل بها هي! بكلمات أجمل من الشعر نفسه.

تشعر أن قلبها كأرنب بري يتقافز في الغابة المخضرة، من فرط السرعة والفرحة، تبحث عن أجمل فقرة أو أجمل عبارة، فترفع الهاتف أمام عينيها لتُعيد على إكمال الفقرة نفسها كي تستمع، بوقع الجملة على أسماعها:

“امرأة بجمالك تستحق الأفضل، تستحق من يقدر جمالها، من يعطيها حقها من الدلال، من يدغدغ أنوثتها بالكلام الرائع دائمًا، أن يستمع إليكِ ويستمتع بخفة ظلك”

أثارتها العبارة لتهف بصوت عالي:
-اَه والله، إنني في أشد الحاجة لذلك أيها الطبيب العزيز، يا طبيب القلوب أنت، يا إلهي ما أروعك تعبيرك، إذهب وأخبر الأحمق زوجي بدلك، قل له على المعلومات الرائعة، عله يسمع أوي يفهم الغبي.

-لقد رأيتك بالفستان المنقوش اول أمس، ولا تسأليني كيف؟ ولكني رأيتك وكاد قلبي ان يتوقف من جمالك،  صرت أحقد على زوجك والدم يغلي بعروقي، كيف سمح لك بالخروج هكذا؟ لقد كنتِ فاتنة بحق، وكنت أخشى عليكِ من عيون الرجال التي كانت تأكلك بنظراتها.

-ااااه
صرخت بعد هذه الفقرة بتأؤهٍ حارق، حتى عادت لتلمس بكفيها على وجنتيها تتحسس السخونة التي تشعر بها في الداخل، وتتابع بحديث نفسها:
-ما هذا الذي يحدث معي؟ أشعر أني بالغت في أحلامي حتى عيشتها بالفعل.

أم أنني اتوهم، أم تراني مازلت نائمة بجوار عزة وهذا أيضًا حلم؟ يااا
صرخت مرة أخرى لتردد بتذكر :
-لقد راَني بالفستان المنقوش وأعجبه علي، حتى أصبح كاد ان يتوقف قلبه من جمالي، كما يقول.
توقفت لتردف صائحة:

-تبًا لك يا عصام، فقد أحبطتني في هذا اليوم، وجعلتني انظر لنفسي وكأني امرأة عادية او ينقُصني شئ ما وأن كل مجهودي في التزين والتجهيز خلال يومين ذهبت سدى، تبًا لك تبًا لك، ولكن..

توقفت عن الصراخ لتغمغم سائلة باندهاش:
-ولكن كيف راَني الطبيب ليصفني هكذا وبكل دقة؟
-كيف؟؟
غمغمت بالتساؤل شاردة في الإجابة، حتى استفاقت على صوت زوجها الذي دلف فجأة للغرفة هاتفًا بها:

-ما بكِ يا امرأة؟ لقد وصلني صوت صراخك وأنا على درجات السلم في الخارج ؟ هل حدث لكِ شئ ما .
أجفلت على النظرة القلقة بعيون زوجها، فانتفضت ناهضة عن التخت لتخلع عنه معطفه وتجيبه بضحكة مضطربة:

-لا شئ مزعج ع الإطلاق، أنا لم أصرخ أساسًا بل هي ضحكات بصوت عالي خرجت مني إثر مشاهدتي لفيديو كوميدي على أحد التطبيقات الشهيرة.
-فيديو كوميدي!
رددها بعدم اقتناع قبل أن يتحرك من جوارها ويذهب نحو اقرب كرسي ليخلع عنه حذائه.

أردفت هي بكلمات سريعة متلهفة وهي تتذكر فيدو فعلا رأته بالأمس:
-نعم فلقد كانت سيدة بدينة وعصبية جدًا وأولادها كانوا يستغلون هذه النقطة جيدًا لكي يستفزوها و….
-كفى يا ابتسام بالله عليك

صاح بها عصام مقاطعًا لها ليردف بسأم وإرهاق:
-لست بحاجة لهذه الاَحاديث الاَن، رأسي تئن لطلب النوم، ولكني تصرخ من الجوع، إلحقيني بالطعام كي أُسكت وحوش البطن، حتى أتمنى بعدها لأريح الرأس.

برقت عينيها أمامه مستدركة خطأها، فقد تناست في غمرة صياحها وفرحها إعداد طعام الأفطار اليومي له، ويبدو أنه استشعر ذلك فهدر بها غاضبًا بسؤاله:
-ما الذي يؤخرك يا جميلة الجميلات عن إفطار زوجك، أتكوتين نسيتي إعداده؟

أردفت بتلعثم وهي تعلق المشجب من خلفها، قبل أن تعدو مسرعة كي تتجنب عاصفته:
-ااا لا لا، لقد تأخرت فقط في المجيء من عند عزة، ولكني سوف أعده على الفور، وفي ظرف دقيقتين سيكون جاهز بإذن الله لا تقلق.

استوعب هو كلماتها فور أن اختفت من أمامه، ليصرخ دافعًا بأقرب شئ طالته يده من أدوات الزينة على التسريحة من خلفه على مدخل الباب الذي خرجت منه:
-تبًا لكِ، ولميوعتك، تدعين عودتك متأخرة من عند عزة وصوت صياح ضحكاتك كان يصلني في الخارج، ادعو الله ينفجر بك أنبوب الغاز حتى اتخلص منك ومن حججك الكاذبة يا ابتسام.

❈-❈-❈

في الشقة المقابلة وفور عودته من الخارج،  ولعلمه الأكيد أنها قد ذهبت الاَن إلى منزلها، فقاده شعور الإيمان أن يتحرك نحو غرفته على الفور، ليتفاجأة بشهقة  من امرأته التي أجفلها دخوله المفاجئ حتى تدلى كوب المياه التي كانت ترتشف منه، وسقطت المياه على ملابسها.

لتُشهق مرة أخرى لبرودة المياه على جلدها،  هتف هو باستياء على مشهدها:
-اللعنة يا عزة، أظننتني شبحًا مخيفًا حتى تجفلي بهذه الصورة كلما رأيتيني؟
رددت بتلعثم وهي تنفض في قماش بيجامتها التي اغرقتها المياه:

-لا تأخذ الأمر بهذه الحساسية، أنا فقط جزعت لاني لم أشعر بخطواتك او أي حركة منك.
غمغم بالسباب البذئ ساخطًا منها، رغم الأشفاق عليها من المياه الباردة، التي تحاول بعجز التخلص منها، حسم أمره ليهتف بها قبل ان يخلعه عنه:
-توقفي دقيقة وانتظريني.

أذعنت على مطلبه، فلم تنتظره طويلا حتى وجدته، يتناول من خزانة الملابس إحدى القطع المطوية ومنشفة نظيفة من الضلفة الأخرى، ثم واقترب يشاركها الفراش ليخلع عنها الجزء الأعلى من بيجامتها، فرددت هي معترضة بحرج:
-لست مضطرًا أستطيع الاعتناء بنفسي.

هتف هو الاَخر بغضبه:
-أرحميني يا عزة الاَن من الجدال العقيم واصمتي حتى أكمل ما افعله.
اذعنت مرة أخرى لمطلبه وظلت صامتة، حتى خلع القطعة وأتى بالمنشفة ليجفف بها على جلدها الذي تعرى أمامه لتزداد هي خجلًا.

ولكن لم ينتبه هو، فقد ارتكزت عينيه على البروز الواضح لوضع الجنين بأحشائها ليردف بشرود:
-لقد ازداد كبرها عن اَخر مرة رأيتها بها، أجابته بلهجة بداخلها العتب وكالعادة لم ينتبه أيضا:
-ذلك لازدياد حجم الطفل بها.
أشار بكفه على الشئ المتكور بشكل غريب أمامه، ليسألها مبتسمًا:
-هذه هي رأس الجنين؟
أجابته مبتسمة هي الأخرى لتشير له على الناحية الأخرى:
-نعم وهذه أقدامه

افتر فاهه يضحك ببلاهة أمامها مسرورًا بالإكتشاف الجديد:
-وهي الأخرى أيضًا وضحت أكثر، يبدو أني غفلت عن مراقبتهم.
استجابت بابتسامة أخرى لتبلتع كلمات تأبى كرامتها على النطق بها.

كادت أن تظل صامتة حتى ينتهي من تأمله، ولكن البرودة أجبرتها لتهمس له:
-جسدي أصبح يرتعش يا عمران .
رفع رأسهِ إليها منتبهًا فتناول القطعة التي بيده حتى ساعدها على ارتدائها كاملة

فجاء ببقية الغطاء ليدثرها جيدًا لتقع عينيه على وجهها الذي غطته خصل الشعر التي تشعثت بيده وهو يساعدها، ليفاجئها برفعهم بأنامله ويعيدهم للخلف، ويصبح صدغيها بين كفيه الكبيرتان، فقال بغزل:
– مازالت خصلات الحرير هذه تتمرد لكي تثير استفزازي لإعادتهم للخلف.

تبسمت بجانبية صامتة مع شروده وهو يتحسس بأطراف أنامله نعومة وجنتيها، فقال بدهشة أصابتها في مقتل:
-وجهك اصبح شديد النعومة وذهب عنه البهتان والإنطفاء، حتى بت أشعر بلمساتي عليه كبتلات ورد متفتحة

ظلت على وضعها تخفي الإنفعال بصمتها، لتجده فجأة يضغط بكفيه لتقابل عسليتيها سوداويتيه ليتأملهم صامتًا للحظات قبل ان يسألها،  وعيناكِ ازداد بريق العسل بهن…
تبسم ليزيد من احتقانها بسؤالها:

-ما بكِ يا عزة؟ متى حدثت هذه التغيرات؟ ما أعلمه أنك مريضة يا امرأة…
توقف فجأة ليضع كفه على القائم الخشبي للتخت مردفًا:
-ما شاء الله، المس الخشب، حتى لا أحسدك بما اتفوه به.
تصنعت بابتسامة تجيبه بتماسك رغم العواصف الدائرة بداخلها:

-السبب هو حملي بالطفل يا عمران، كلما كبر بداخلي وشعرت بقرب وصوله، ازداد انشراح صدري ويقيني بعدل الخالق، أن فرحتي به على وشك.
ترك وجهها وضيق عينيه يرد بابتسامة:
-وهل كل النساء في حملهن يعلقن أملهن على الطفل فقط كفرحة لهن مثلك هكذا يا عزة؟

ردت عزة:
-لست جميع النساء، ولكني امرأة عرفت جيدًا أين أجد سعادتي، وسعادتي تتمثل بطفل أحمله بيدي، هذا يكفيني.
تنهد يعود برأسه للخلف ويعتدل بجلسته ليردف لها بابتسامة مع تفكيره:

-ليت جميع البشر يجدون سعادتهم بهذا الأشياء الضغيرة، لكانت تغيرت أحوال الدنيا للأصلح.
ردت تُجيبه بقصد تتمنى يصل إليه ولو مرة واحدة:
-من رضي بقليله شعر بسعادة الدنيا بالفعل.

أطرق برأسه للحظات لم ترى بهم أي رد فعل منه، ثم ما لبث أن يرفعها فجأة متبسمًا لها مع قوله:
-ربما كان قولك حق، ولكن ليس جميع البشر واحد
أومأت برأسها متمتمة بقنوط:
– نعم معك حق.

اجلى رأسه لتجده عاد بوضع كفيه مره أخرى ليتلمس نعومة وجنتيها قبل أن يخاطبها بمرح:
-دعينا الاَن في المهم يا عزة، لمَ تدخلينا في هذه الأحاديث الجانبية والعامة؟
طالعته باستفهام فتبسم يجيبها:

-المهم هو أني سعيد بهذا التغير الجديد بمظهرك يا امرأة.
تبسمت هذه المرة بفرحة خبئت، فور إكماله الجملة:
-ينقصك فقط بعض الانتفاخ بهن وسيصبحن أكثر جمالًا
زمت شفتيها تسجيب بابتسامة مصطنعة تخفي حرجها،

فما الفائدة من الجدال مع رجل مثله، قد يسمع منها ولكنه لم ولن ينتبه أيضًا، هذا طبعه ولن يتغير، ولكنها تفاجأت باقترابه المباغت لها وهو يردف بلهجة متحشرجة:
-ولكن تورد الشفتين، لقد لفتوا نظري هم أيضًا وأريد تزوق العسل بهن.

ختم يقبلها بنعومة ويضمها بذراعيه إليه فاستجابت حتى لا يأخذها على كرامته فهي الأعلم بما يفكر به، ولكنه قطع فجأة ينزع نفسه عنها بعد سماع جرس المنزل
فنهض يغمغم بالسباب الوقح على عصام الذي وضع يده عليه بشكل أثار غضبه حتى فتح إليه صارخًا بوجهه:

-ماذا تريد يا غبي؟
ولكنه شعر بالندم مع رؤيته لابتسام التي واقفة أمامه مباشرةً، فأطرقت رأسها تردف له:
-معذرة، لست أنا من يقرع الجرس.
-ولكن أنا من يقرع الجرس.

هتف بها عصام من خلفها والذي كان مستندًا بكتفه على الجرس يطالعه بنظرة باردة يعلمها عمران جيدًا، كز على أسنانه، يريد تحطيم وجهه، فهذا الأحمق دائمًا ما يساهم بأفعاله لتشويه صورته في عينيها، فعاد لها يقول معتذرًا:
-أنا أسف لم أقصدك أنتِ والله.

أومأت له براسها ولكن بعدم اقتناع، أما عصام فأجفله بسحبه من ذراعه يردد بعجالة:
-وعندك الوقت للإعتذار أيضًا؟! اريد النوم يا رجل.
استجاب عمران له وبداخله يطلق السباب عليه ساخطًا:
-لعنة الله عليك يا عصام، لعنة الله عليك.

❈-❈-❈

زوجها بالقرب منه وعامل الصيانة أيضًا وهو يُجاهد لإخفاء كل ردود أفعاله برسائلها التي كانت تزيده ابتهاجًا ومرح بداخله، زهي لا تكف عن لأسئلة المتكررة بإلحاح لطلب المزيد من التأكيد والمزيد من كلمات الغزل والإطراء وهو لن يبخل عليها بل سيغدقها لكي تزداد تعلقًا وتشبثًا به.

حتى تعشق الغزل منه وتعشق صاحب الغزل، وهذه أولى الخطوات:
-حتى الآن لم تجيبني، كيف رأيتني بالفستان المنقوش؟
عادت بسؤالها مرة أخرى بإصرار جعله يفكر لعدة دقائق باحثًا عن إجابة

-أين ذهبت أيها الطبيب؟
بعثت بالرسالة سائلة حينما تأخر بإجابته عنها، فبعث إليها بالرد هذه المرة وقد وجدها:
-لقد أتاني اتصال مهم وانشغلت به عنكِ، اعذريني عزيزتي.
بعث بها كبداية، ليتبعها بالأخرى:

-وعن إجابة سؤالك بخصوص رؤيتي لكِ بالفستان المنقوش، فقد كان هذا حينما كنت عائدًا من زيارة فحص ضروري لأحد الأصدقاء وأنأ خارج من المبنى السكني الذي يقطنه الرجل، رأيتك وأنت تترجلين من السيارة التي توقفت أمام دار السينما الشهيرة، والتي كان يقودها عصام زوجك ومعه عمران.

خرجت أنتِ الأولى وبعد ذلك أسندتِ بيديكِ امرأة حامل حتى خرجت هي الأخرى معك، أظن انها الجارة التي تحدثت عنها.

كالعادة استطاع بخبثه إيجاد القصة المحبوكة التي اقنعتها لدرجة جعلتها ترسل سائلة على الفور:
-وهل كان المبنى قريبًا إلى هذه الدرجة التي تجعلك تصفني بهذه الصورة من الدقة؟

تبسم بجانبية خفيفة وهو يضغط ليرسل إليها:
-عزيزتي ابتسام، عليكِ أن تعي جيدًا بان المرأة الجميلة تلتف نحوها رؤوس الرجال المعجبة، أينما ذهبت، وفي أي مكان تطأ أقدامها به، فما بالك إن كانت فاتنة مثلك، وترتدي فستانٍ بألوان زاهية تنعكس على صفاء بشرتها
فتزيدها ضياءً وروعة.

لقد رأيتك وقتها كقطعة حلوى لذيذه يشتهيها الفرد، لذلك ارجو منك عدم ارتداءه مرة أخرى، فقد لاحظت أيضًا أنه يتطاير عن قدميك البيضاء في الأسفل، وهذا منتهى الخطر صدقيني.

انتظر ردها الذي تأخر لعدة لحظات، يستطيع تخمين شكل وجهها الان من تأثير كلماته على عقلها المراهق، كما يصفه دائمًا، ردت بعد قليل برمز يخبئ عينيه من الخجل، ضحك على صدق تخمينه متناسيًا موقعه والرجلين اللذين انتبها إليه، حتى استفاق على صياح عصام الساخط:

-على الأقل كُن كريمًا يا عمران وأشركنا معك كي نضحك أيضًا، أم نترك نحن ما بيدنا وناتي إليك كي نتضاحك سويًا؟

رفع راسهِ إليه يجيبه بنزق بعد ان قطع عليه لحظته السعيدة:
-لا هذا ولا ذاك، سوف أنهي محادثتي على السريع واَتي على الفور.

مصمص من محله عصام يتمتم بالكلمات الحانقة مع العامل الذي كان يدق بالمطرقة على المسمار في الاَريكة الخشبية التي يعمل بها، ويبدوا ان الاَخر يشاركه، ليزفر عمران مع رؤيتهما يتهامسان عليه، ويضطر اَسفًا لانهاء المحادثة برسالته:
لقد طلبوني الاَن من أجل شئ ضروري في المشفى، ولكني وقبل الإنهاء أريد ميعاد مخصوص لنا في اليوم لنتحادث فيه، حتى لا يضطر أحدنا لانتظار الاَخر .
بعثت إليه بالموافقة على نفس ميعاد اليوم، وفور إغلاق الهاتف ورؤية التاريخ المدون عليه، استدرك وتوسعت عينيه بإجفال، ليعود مرسلًا مرة أخرى:

-إبتسام، ارجو منكِ أن تنتبهي جيدًا لهذه الرسالة، لقد قارب ميعاد مجيئي مع زوجتي للكشف الشهري لأهل المنطقة كما تعلمين، ولم يتبقى من الزمن سوى خمس أيام، لذلك وصيتي إليكِ، ألا تتكلمي معي وقتها على الأطلاق حتى لو رأيتني بالقرب منك، لأنك لو حاولتي سوف اتجاهل او أرد بنبرة عادية بعدم معرفة.

هذا لمصلحتي ومصلحتك، لا أنتِ تريدي إفساد زواجك ولا أنا، ما بيننا إحساس جميل ارجو ان يدوم دائمًا.
علم بقرائتها الرسالة، فلم ينتظر كثيرًا حتى أتاه ردها  بقلب احمر كبير.

❈-❈-❈

مرت الأيام الخمس المتبقية بالاَحاديث اليومية بينهم، على نفس الميعاد الذي اتفقا عليه، ف كانت تتطور تدريجيًا منه بذكاء، من تعارف عن قرب؛ بأن تقص له عن نشأتها وظروف زواجها من عصام الذي كان جيدًا في البداية ولكنه انقلب بعد ذلك، وأشياء أخرى كثيرة،

أما هو فاختلاق القصص عن نشأته أو أي شئ اَخر كان اسهل ما يكون عنده في إقناعها، لعلمه الأكيد بثقتها به وبكل ما يرسله إليها من دلائل بصور قديمة يحملها بهاتفه، او صور أخرى قد حصل عليها بأسلوبه، حينما يريد دخول المنزل الداخلي للمركز الكبير.

فهو الوحيد من العمال الذي يملك حق الدخول بمفتاح الباب الخلفي للمطبخ، نظرًا لعشرته الطويلة في العمل مع أهل المنزل منذ سنوات.

❈-❈-❈

وعلى فجر اليوم السادس، ازدحم المركز وحتى خارج السور بمئات البشر الذين أتوا بعد حجز دام على طول الشهر، حتى إذا وصل الطبيب عزيز وزوجته، يعمل الإثنان بكل طاقاتهم في فحص الحالات بلا توقف سوى ف الراحة بعض الوقت، او الانتهاء على قرب الفجر، وبعدها يكون ميعاد النوم، ليعاودا نشاطهم على الساعة ١٢ عشر ظهر اليوم التالي.

عمران والذي كان يحمل هم هذه الأيام حمل ثقيل على صدره، نظرًا لمخاوفه من جنونها الذي من الممكن أن يؤدي لكشفه، لو تواصلت مع الطبيب عزيز بالفعل، فقد مر عليه اليوم الأول عاديًا بسلام، ولكن اليوم حمل اليوم الثاني كان أكبر بكثير، فهذا ميعاد متابعة زوجته مع الدكتورة فاطمة.

فلا بيده يستطيع منعها من مرافقة زوجته، ولا يستطيع منع زوجته عن المتابعة،ولذلك لم يملك سوى مرافقتهن في صالة الانتظار بحجة المساعدة في حماية زوجته من الازدحام، وهو في الأصل يريد المراقبة الجيدة من أجل أمانه.

-كفى يا عمران واذهب لكي تستربح، لا داعي بانتظارك.
هتفت بها عزة أشفاقًا عليه رغم استغراب فعله، إدعى هو الشهامة ف رده:
-كفى ياعزة جدالاً ولا تحاولي معي، لن أتزحزح من محلي سوى بعد أن أطمئن عليكِ وعلى الجنين.
-ولكنك يكفيك تعب الليل والسهر.

تابعتها برجاء ولكنه أصدر صوت زمجرة معترضة جعل ابتسام تخاطبها بنزق:
-اتركيه يا عزة كما يحب ولا تتعبي نفسك.
التفت رأس عمران نحو المذكورة، فوجدها كما توقع، عينيها لا تفارق مدخل العيادة الأخرى، ومرتكزة على باب الطبيب، في انتظار نظرة إليه، او يبادلها هو النظرة كما تعتقد .

ظل عمران يرافبها ويفرك بكفيه بعصبية أثارت استياء عزة التي تمنت انه لم يأتي معهن، فقد سبب بوجوده توترًا لها، وهي لا ينقصها.
أتى صوت الممرضة بالنداء بإسم عزة كجرعة ماء رطبت حلقه، ليقوم على الفور ويسندها مع الأخرى حتى أدخلوها لحجرة الطبيبة

❈-❈-❈

بعد قليل
وبعد ان تفحصتها الطبيبة جيدًا مع رؤية الجنين على الشاشة التليفزيونية، تبسمت وهي تبشرها:
-مبارك يا عزة، انزاح الخطر حبيبتي وحالة الطفل جيدة ماشاء الله.
-بالحق يا دكتورة، انتِ تخبريني الحقيقة ولا تكذبي علي؟
ضحكت الطبيبة تجيبها وهي تنهض من كرسيها:
-سامحكِ الله ياعزة، ومنذ متى انا اكذب يا امرأة؟
تساقطت دمعات الفرح من المذكورة فتدخلت بينهم ابتسام بقولها:
-لا تؤاخذيها طبيبتنا، هذا فقط من فرط فرحتها .
أومأت لها الطبيبة بتأثر:
-نعم اعلم هذا، ساعديها في ارتداء ملابسها، حتى أدون لكم مجموع الملاحظات التي سوف تسير عليها الأيام القادمة.

❈-❈-❈

في الخارج جلس هو محله، بعد ان ادخل زوجته إلى  الطبيبة، لتظل أبصاره متنقلة من هنا لهناك، يحصى الدقائق والثواني لانتهاء هذه الساعة، فخشيته منها أكبر من خشيته من رد فعل الطبيب نفسه لو اكتشف أمره، مسح بكفيه على شعر رأسه يهزهز بقدميه بعصبية مفرطة، أثارت ايضًا استهجان من حوله ولكنهم تجنبوا الشجار معه خشية منه.

انفتح باب الحجرة فانتفض راكضًا نحو المرأتين يسألهن بلهفة مصدرها توتره:
-ها بماذا أخبرتكم الطبيبة؟
عزة والتي مازالت حتى الآن غير مستوعبة حالته، نظرًا لهدوئه الدائم معها بجميع مراتها السابقة بالحمل، تطلعت اليه صامتة، فتكلفت ابتسام بالإجابة:

-اخبرتنا الطبيبة بالبشرى، حالة الجنين والوالدة بخير.
– الحمد لله الحمد لله.
تمتم بلهفة زادت من دهشة زوجته، ليردف مخاطبًا الأخرى حتى تصرف نظرها ولو قليلًا عن الناحية المعروفة:

-إذا فما الداعي للإنتظار؟ هيا يا ابتسام، ساعديها معي، لنحميها من الزحام .
-حسنًا صدقت.
أجابته بها قبل أن تتوسع عينيها على خروج الطبيب  عزيز إلى أحد مساعديه يسأله عن أمر ما، إنتبه هو الاَخر فوقع قلبه من الخوف، ليهتف فجأة يجفل الأثنتان:

-ما الذي يوقفكم؟ هيا ياعزة هيا يا ابتسام.
خرج اسمها بصيحة أزعجتها، لتطالعه بغضب ازداد فور اختفاء الطبيب من أمامها، لتغمغم بالسباب بداخلها منه ومن سماجته التي ضيعت عليها لفت نظر عزيز نحوها، وهي تستلم بوجه مكفهر مستجية لسحبها مع عزة والتي انتبهت هي الأخرى لفعلته هذه المرة.

فهذا الإضطراب وهذه النبرة المهزوزة، ليست من صفات زوجها الجامد كالجيلد ابدًا، ومع حيرة تملكتها من شئ لا تفهمه اضطرت للصمت والإستسلام في سحبه لها.

أما هو فلم يتنفس الصعداء سوى بدخول الإثنتين لداخل شقته، حتى يعود هو الأخر وينضم إلى عصام في الشقة الأخرى وينام اخيرًا، بعد أن خرج بهن من منطقة الخطر.

ليمر هذا اليوم على خير أيضًا ولا يتبقى سوى اليوم الثالث والذي كاد ان يمر كسابقيه ولكن ولسوء الحظ. حصل عطل كبير في محول كهرباء المنطقة الشعبية
اضطر الطبيب وزوجته لإيقاف الفحص والكشوفات
وخرج الرجل بسيارته مع بعض العمال ليأتي ببعض المولدات الجيدة.

وذلك لضعف المولدات الموجودة في المخزن عن تشغيل الإنارة الكبيرة والأجهزة الطبية الكثيرة في العيادتين.

مع توقف العمل، تجمع المرضى وذويهم ف ساحة المركز وفي الحديقة وخلف السور في الخارج، لانتظار عمل الطبيب وزوجته التي اخذتها فرصة لتستريح ولو قليلًا مع الطبيبات الاتي يساعدنها في العمل.

أما عمران وبعد أن استلم نوبته المسائية في حراسة المبنى المكدس هذا اليوم بأعداد البشر التي كلما مر الوقت تتزايد ولا تنقص، فقد اتخذ ركنا بالقرب من الملحق، ليستمتع بدفء النار التي أشعلها عصام في هذه النقطة، والتي جعلته يسأله عن السبب:

-لمَ ابتعدت عن منطقتنا المعتادة؟
اجاب عصام والذي كان جالسًا يفرك بكفيه ليتلمس سخونة النار.
-من أجل النساء.

حرك عمران رأسه ياستفهام متمتمًا، وقد ظن أنه استمع بالخطأ:
-ماذا؟
زفر عصام حانقًا من تأخر فهم الاَخر، ليعيد إجابته بسأم:
-أشعلت لكي نكون بالقرب من النساء، إمرأتي وامرأتك يا أذكى أخوتك

احتقن وجه عمران من تهكم الاخر، ورد مستنكرًا بضيق:
-احترم نفسك يا عصام ولا تثير أعصابي بكلماتك، كنت اذكر لي من البداية انك أشعلت النيران من أجل حراسة الملحق أيضًا وكفى.

…يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *