قهوة بطعم العشق مايا خالد
قهوة بطعم العشق بقلم مايا خالد
صبا كانت واقفة قدام باب المصعد في شركة “السيوفي جروب”، بتعدل الجاكيت بتاعها وبتراجع الأسئلة في دماغها. دي أهم مقابلة عمل في حياتها، والتوتر كان واصل لآخره.
أول ما باب المصعد فتح، هي كانت بتتحرك بسرعة، وهو كان خارج زي الإعصار.
”طااااخ!”
كوباية القهوة اللي في إيدها طارت، والقهوة السخنة غرقت قميصه الأبيض الغالي، وطالت طرف الفستان بتاعها. صبا شهقت بخضة وهي شايفة البقعة بتكبر على صدره، رفعت عينيها وهي بتعتذر: “أنا آسفة! بجد مكنتش…”
كلماتها وقفت في زورها لما شافت الراجل اللي قدامها. كان طويل، عريض المنكبين، وملامحه مرسومة بحدة تخوف. عيونه كانت بتطلع شرار، ونظرة الغضب اللي فيها خلت صبا تحس إن روحها بتتسحب منها. ده مكنش مجرد مدير، ده كان “حمزة السيوفي”.. الراجل اللي بيقولوا عليه في السوق “الكابو”، اللي مابيرحمش حد غلط في حقه.
حمزة كان لسه هيفتح بقه يبهدلها، ويده لفتت عشان يمسك دراعها بعنف، بس أول ما عينه جت في عينيها الواسعة المليانة دموع وخوف.. الشر اللي في عينيه انطفأ وحل مكانه لمحة تانية خالص. مايا خالد
نظراته اتحولت من غضب لـ “تفحص” دقيق وجريء. عينه نزلت على شفايفها اللي بتترعش وبعدين رجعت لعينها تاني. سكت ثواني كانت بالنسبالها دهر، وبعدين ابتسم ابتسامة جانبية مرعبة وهادية في نفس الوقت.
قرب منها لحد ما بقت أنفاسه السخنة على وشها، وقال بصوت فحيح زي الأفاعي:
“اعطيني رقمك لأصحح غلطتي.. علي تعويضك على إفساد هذا المعطف الجميل.”
صبا برقت بذهول: “بس.. بس أنا اللي بوظت قميص حضرتك! أنا اللي مفروض أصلح..”
حمزة مد إيده ولمس خصلة من شعرها ولفها على صباعه بتملك، وقال بنبرة مفيهاش مجال للنقاش:
“أنا مابكررش كلامي مرتين.. المعطف ده غالي، بس أنتي أغلى منه بكتير يا.. اسمك إيه؟”
ردت بصوت مهزوز: “صبا..”
همس وهو بيبص لها نظرة “صياد لقى فريسته”:
“صبا.. اسم يليق عليكي. المقابلة اللي أنتي جاية عشانها انتهت. أنتي اتقبلتي.. بس مش في الشركة، أنتي اتقبلتي في مملكة حمزة السيوفي. ومن اللحظة دي، مفيش خطوة هتخطيها غير بعلمي.”
صبا مكنتش فاهمة إن الكلمتين دول هما “عقد ملكية”. في نفس اليوم، لقت عربية سوداء مستنياها قدام البيت، ومعاها طقم كامل من أشهر الماركات العالمية بدل اللي باظ، ومعاه رسالة: “البسي ده.. النهاردة عشاكي معايا، وممنوع الاعتذار.”
لما حاولت تقفل تليفونها، لقت الحرس واقفين تحت بيتها بيخبطوا بكل أدب بس بتهديد صريح: “الباشا مستني.”
في المطعم، حمزة كان قاعد زي الملك، ولما شافها داخلة، قام ووقف وراها، وحط إيده على وسطها بجرأة خلت جسمها يتنفض، وهمس في ودنها:
“القهوة اللي اندلقت دي كانت أحسن حاجة حصلت في يومي.. لأنها خلتني أحط إيدي على حاجة ملكي ومحدش غيري مسموح له يبصلها.”
صبا بدأت تفهم إنها مش قدام راجل رومانسي طبيعي، هي قدام مافيا مبيعرفش كلمة “لا”، وشخص عنده هوس بامتلاك كل حاجة تعجبه.. وهي عجبته زيادة عن اللزوم.
صبا مكنتش لسه استوعبت إن حياتها الهادية البسيطة انتهت في اللحظة اللي خبطت فيها في صدر حمزة السيوفي.
تاني يوم الصبح، صبا صحيت على صوت خبط رزين وقوي على باب شقتها. فتحت وهي لسه بنعاسها، لقت قدامها اتنين رجالة لابسين بدلات سوداء، ونظارات شمس، ملامحهم حجرية. واحد منهم قدم لها “شنطة” جلد شيك جداً وقال بصوت ملوش تعبير:
“حمزة باشا باعت لحضرتك التليفون ده.. التليفون القديم بتاعك ملوش لازمة من هنا ورايح.”
صبا برقت عينيها: “نعم؟ يعني إيه ملوش لازمة؟ وأنتوا مين أصلاً؟”
الراجل مردش، حط الشنطة في إيدها ومشيوا بهدوء مرعب. فتحت الشنطة لقت أحدث موبايل في السوق، وأول ما لمسته الشاشة نورت لوحدها.. كانت مكالمة فيديو من حمزة.
فتحت الخط وهي إيدها بتترعش، ظهر قدامها وهو قاعد في مكتبه الفخم، بيشرب سيجار، وعينيه بتخترق الشاشة:
“صباح الخير يا صبا.. ياريت تلبسي بسرعة، السواق مستنيكي تحت عشان يجيبك الشركة.”
صبا اتعصبت: “أستاذ حمزة، اللي بيحصل ده اسمه جنون! أنا لسه ممضيتش عقد العمل، وحتى لو اشتغلت، حضرتك مملكش حق تغيير تليفوني أو مراقبتي!”
حمزة نفخ دخان السيجار ببرود وقال: “أنا مابراقبكيش يا صبا.. أنا بحميكي من نفسك. ومن اللحظة دي، أي رقم غريب هيتصل بيكي هعرفه، وأي مكان هتروحيه هكون عارفه قبل ما توصلي. أنتي بقيتي “أمانة” في رقبتي.. وأنا مابفرطش في أمانتي.”
صبا راحت الشركة وهي ناوية توقفه عند حده. دخلت مكتبه من غير استئذان، لقت المكان هسسس، والكل بيبص لها بخوف وذهول. خبطت بإيدها على مكتبه:
“أنا مش جارية عندك! أنا عايزة حياتي القديمة، وعايزة أرفض الوظيفة دي!”
حمزة قام من مكانه ببطء، مشي حوالين المكتب لحد ما بقى وراها. حط إيديه على كتافها وضغط براحة بس بقوة خلتها تثبت في مكانها. مال على ودنها وهمس بصوت يرعب:
“حياتك القديمة ماتت في المصعد يا صبا. والرفض مش موجود في قاموسي. أنا اشتريت العمارة اللي أنتي ساكنة فيها الصبح.. واشتريت الشركة اللي كنتي بتدربي فيها زمان.. يعني فين ما هتروحي، هتلاقي أرضي تحت رجلك.”
صبا لفت وبصت له بدموع: “أنت ليه بتعمل كده؟ أنت متعرفنيش أصلاً!”
حمزة مسك وشها بين كفوفه الكبيرة، وعينيه كان فيها لمعة غريبة، مزيج بين الحب القاتل والرغبة في السيطرة:
“في ناس بتشوف اللوحة وتعجب بيها، وفي ناس زيي.. لما بيشوفوا حاجة حلوة، لازم يملكوها، يحبسوها، ويمنعوا أي عين تانية تلمحها. أنتي “هوسي” الجديد يا صبا.. وجنتك هتبقى هنا، بين جدران مملكتي.”
القفص الذهبي
بدأت أيام صبا تتحول لسجن من حرير:
الحراسة: لو فكرت تنزل تشتري حاجة، بتلاقي 4 عربيات ماشيين وراها.
الغيرة: مرة زميل قديم شافها في المول وسلم عليها، مكملش جملته ولقى رجالة حمزة محاوطينه، وحمزة اتصل بيها في نفس اللحظة وصوته كان زي الرعد: “لو ضحكتي للراجل ده تاني، هخليكي متشوفيش ضوء الشمس شهر كامل.. فاهمة؟”
التملك الجسدي: مكنش بيسمح لها تلبس أي حاجة “ملفتة”، هو اللي كان بيختار لها لبسها، مقفول ومحتشم، وكأنه بيخبي جوهرته عن العالم.
وفي ليلة، صبا كانت واقفة في بلكونة جناحه الخاص في القصر بتاعه، لقت إيده بتلف حوالين وسطها وبيضمها لظهره بقوة، وبيقولها وهو بيدفن وشه في رقبتها:ماياخالد
“عارفة يا صبا.. القهوة اللي وقعت عليا دي كانت أغلى ثمن دفعته في حياتي.. لأنها كلفتني قلبي اللي محبش غيرك، وعقلي اللي مبقاش بيفكر غير فيكي.”
صبا حست إنها بدأت تضعف قدام حبه المجنون ده.. هل ده حب فعلاً؟ ولا هي وقعت في فخ صياد مابيرحمش؟
صبا بدأت تحس إنها بتغرق في شبر مية.. نظرات حمزة كانت بتخترقها، ولمسته لوسطها كانت بتحسسها إنها فعلًا بقت “ملكية خاصة”. بس روحها المتمردة كانت لسه بتعافر.
خطة الهروب الفاشلة
في ليلة، حمزة كان عنده “اجتماع عمل” مهم مع مافيا من برا مصر، والبيت كان مقلوب. صبا استغلت انشغاله وقدرت تغفل الحرس اللي واقفين على باب جناحها. لبست عباية سوداء ودارت وشها، واتسحبت من ممر الخدم لحد ما خرجت لجنينة القصر الكبيرة.
كانت بتجري ونفسها مقطوع، وصلت للسور العالي، ولسه بتدور على مخرج.. لقت كشافات النور كلها ضربت في وشها مرة واحدة.
صبا غمضت عينيها من الضوء، ولما فتحتهم، شافت حمزة واقف قدامها.. كان لابس قميصه الأسود، وفاتح أول زرارين، وفي إيده مسدسه بيلمع تحت ضوء القمر. ملامحه مكنتش غضبانة، دي كانت “هادية” هدوء ما قبل العاصفة.
قرب منها ببطء، وكل خطوة منه كانت بتهز قلبها. وقف قدامها ورفع المسدس، مش عشان يضربها، لكنه مشى سبابة المسدس “الماسورة الباردة” على خدها برقة تخوف.
حمزة همس وصوته كان أبحّ من كتر التملك:
“كنتي رايحة فين يا صبا؟ مش قولتلك إن الهوا اللي بتتنفسيه ده بتاعي؟ الأرض اللي بتمشي عليها دي بتاعتي؟”
صبا صرخت بدموع: “أنت مجنون! سيبني في حالي! أنا بكرهك وبكره تحكمك ده!”
حمزة ضحك ضحكة واطية، وقربها منه فجأة لدرجة إنها خبطت في صدره، وبنفس القوة اللي بدأت بها قصتهم في المصعد، لفت إيده حوالين وسطها وضغط بقوة:
“اكرهيني زي ما أنتي عايزة.. بس وأنتي في حضني. الهروب ده مسموح ليكي بيه في أحلامك بس، لكن في الحقيقة.. لو فكرتي تعدي السور ده تاني، هحبسك في أوضتي ومفتتحهاش عليكي غير وأنا في إيدي أكلك وشربك.. هخليكي متشوفيش حد غيري، ولا تسمعي صوت غير صوتي.”
رجعها القصر ودفعها جوه المكتب، وقفل الباب بالمفتاح. رمى المسدس على المكتب وطلع “ملف” ورماه قدامها.
حمزة: “عارفة إيه ده؟ ده ملف فيه كل تفاصيل حياتك، وحياة أهلك، وحياة أي حد عرفتيه في يوم. أنا مش بس بملكك يا صبا، أنا بملك “عالمك”. لو حبيتي تهربي، افتكري إن الناس اللي بتحبيهم هما اللي هيدفعوا الثمن.”
صبا قعدت على الأرض وهي بتعيط بانهيار: “أنت عايز مني إيه؟ ليه أنا بالذات؟”
حمزة نزل لمستواها، شال دموعها بصوابعه وباس إيدها بحنان غريب بيناقض شره:
“عايزك تكوني “صبا السيوفي”. عايز لما أدخل البيت، ألاقي ريحة قهوتك اللي وقعت عليا زمان.. عايز أملك الحاجة الوحيدة اللي قلبي اختارها من وسط عالم كله وسواخ. أنتي “نقطة ضعفي” يا صبا.. وعشان كدة لازم أخبيكي عن عيون الكل.”
الاستسلام للقدر
مرت الشهور، وصبا بدأت تكتشف إن حمزة، رغم جنونه وتملكه، كان “بيعبد” التراب اللي بتمشي عليه. كان بيعرف هي عايزة إيه من غير ما تتكلم. بيجيب لها الدنيا تحت رجليها، بس بشرط واحد: “تكون له هو وبس”.
في يوم، كانت واقفة قدام المراية بتلبس عقد ألماس هو جايبهولها، لقت انعكاسه وراها. حط راسه على كتفها وبص لعينها في المراية:
“لسه بتفكري في الهروب؟”
صبا اتنهدت، ولفت إيديها حوالين رقبته، وقالت بنبرة فيها استسلام مخلوط بحب غريب:
“أهرب فين؟ وأنت بقيت الحيطة والسجن.. والبيت.”
حمزة ابتسم ابتسامة انتصار، وشالها بين إيديه وهو بيقول:
“دلوقتي بس أقدر أقول.. إن القهوة اللي بوظت لبسي، هي اللي صلحت حياتي.”
الاستسلام ده مكنش نهاية القصة، ده كان مجرد “هدنة” قبل العاصفة الأكبر. لأن حمزة السيوفي، مكنش بس راجل أعمال مهووس، ده كان “كابو” في عالم المافيا، وعالم المافيا ملوش أمان.
الضريبة مايا خالد
في ليلة من ليالي الشتاء الباردة، صبا كانت نايمة في حضن حمزة، حست بحركته السريعة وهو بيقوم من السرير. فتحت عينيها لقت ملامحه رجعت “حجر” تاني، وبيمسك مسدسه وبيلقمه وهو بيبص من الشباك.
صبا بخوف: “في إيه يا حمزة؟ إيه اللي بيحصل؟”
حمزة بلهجة مفيهاش نقاش: “ادخلي الأوضة اللي ورا المكتب، واقفلي على نفسك بالمفتاح.. ومتفتحيش لأي حد مهما حصل، حتى لو سمعتي صوتي أنا شخصياً بيستنجد بيكي، متفتحيش!”
صبا قلبها وقع في رجليها: “أنت هتروح فين؟”
حمزة قرب منها، باس راسها بقوة وكأنه بيودعها: “أنا قولتلك قبل كدة يا صبا.. أنتي ملكي، والمافيا مابتسيبش حد يملك حاجة غالية من غير ما تحاول تكسرها.. النهاردة هعرفهم يعني إيه تلمسوا حاجة تخص السيوفي.”
ليلة الدم والجنون
صبا استخبت في الأوضة، كانت بتسمع ضرب نار بره كأنه حرب. صريخ، تكسير، وصوت حمزة وهو بيزأر زي الأسد. كانت بتعيط وهي بتفتكر أول مرة شافته في المصعد.. إزاي “كوباية قهوة” وصلتها لوسط المعركة دي؟
فجأة، الصوت سكت.. سكون مرعب.
صبا فضلت مكانها لساعات، لحد ما سمعت خبط رزين على الباب.
“صبا.. افتحي.. خلاص.”
فتحت الباب ببطء، لقت حمزة واقف، هدومه متقطعة، ووشه عليه آثار دم، بس عينيه كانت بتلمع بهوس أكبر من الأول. أول ما شافها، شدها لحضنه لدرجة إن عضمها كان هيتكسر.
حمزة بنهج: “حاولوا ياخدوكي.. حاولوا يوجعوني بيكي.. بس أنا حرقتهم كلهم. أنتي فاهمة يعني إيه؟ مفيش حد في الدنيا دي يقدر يبعدك عني.. لا قانون، ولا مافيا، ولا حتى الموت.”
الملكة والغول
بعد الليلة دي، حمزة اتغير.. الهوس زاد لدرجة الجنون. مكنش بيسيبها تنام في أوضة تانية، مكنش بيخليها تمشي خطوة في القصر من غير ما يكون ماسك إيدها.
وفي يوم، صبا كانت قاعدة في الجنينة، وحمزة قاعد تحت رجليها، حاطط راسه على ركبها زي الطفل اللي لقى أمانه.
صبا سألت بصوت واطي: “حمزة.. أنت ليه متمسك بيا كدة؟ أنا مجرد بنت عادية خبطت فيك.”
حمزة رفع عينه ليها، والنظرة اللي فيها كانت كفيلة تخليها تترعش:
“أنتي مش بنت عادية.. أنتي “الروح” اللي خلت الغول اللي جوايا يهدى. أنا قضيت عمري كله باخد اللي أنا عايزه بالقوة، بس أنتي الحاجة الوحيدة اللي خدتها بقلبي. لو القهوة دي مد لقتش يومها، كنت زماني ميت من جوايا يا صبا. أنتي مش بس حبيبتي.. أنتي “وطني” اللي ممنوع أي غريب يدخله.”
النهاية الأبدية
حمزة بنى لسلمى “جناح” جديد في القصر، كله إزاز مضاد للرصاص، بيطل على البحر. كان بيقف وراها كل يوم، يلبسها أغلى المجوهرات، ويهمس في ودنها بنفس الجملة اللي غيرت حياتها:
“أنا لسه مدين ليكي بتعويض عن المعطف اللي باظ.. والتعويض هو إن حياتك كلها تكون “أنا”..”
صبا بصت لانعكاسها في المراية، شافت واحدة تانية خالص.. ملكة في سجن من ألماس، محبوبة من راجل مستعد يحرق العالم عشان يبتسم لها. ضحكت بوجع مخلوط بحب وقالت:
“وأنا قبلت التعويض يا سيوفي.”
وهنا اتقفلت أبواب القصر على أعظم قصة حب وتملك في تاريخ المافيا.. القصة اللي بدأت بـ “كوباية قهوة” وانتهت بـ “عمر كامل” في حضن الغول.
تمت بقلم مايا خالد
