رواية لم تكن خطيئتي (الفصل السادس إلى الحادي عشر) بقلم سهام صادق

الفصل التاسع (9)

أدرك فداحة خطأه بعدما استوعب تحديقه بها الذي طال ، تنحنح حرجاً يشيح عيناه بعيداً عنها يمنحها الجواب

– شوفي المواعيد بتاعتك وبلغيني بيها عشان أبلغ السواق بيها

تهللت اساريرها بسعاده بعدما كانت تخشي رفضه.. وذكري بعيده كانت مشابها مع كريم عندما طلبت منه تعلم الخياطه في إحدى الدورات… قابل يومها فكرتها بسخريه حتى عندما أرادت ان تستكمل دراستها الجامعيه لم يكن على لسانه الا ان المرأه ليس لها إلا بيتها وراحة زوجها وانجاب الأطفال وتربيتهم

– يعنى انت موافق بجد

– ايوه موافق… انا مش متجوزك عشان اهدم أحلامك ياقدر… وده علم وتطوير من الذات ومن واجبي اشجعك

اتسعت عينيها غبطة فتفكيره مشابه لفكر أخيها عمر حتى انها يوماً كانت تتمنى لو ان تتزوج رجلاً مثله ولكن زواجها من كريم جعلها تدرك ان أخيها نموذج نادر من الرجال

– متقلقيش مش هكلفك حاجه انا معايا فلوس اقدر اصرفها على..

احتدت عينيه فأبتلعت باقي حديثها

– اي حاجه تخصك من هنا ورايح فأنا المسئول عنها مش معنى أننا حطين فرصه لجوازنا عشان نتقبل بعض تفتكري انك مش مسئوله مني

وقد تبدلت نظرة عيناه التي كانت تحوي دفئاً

– اتمنى مسمعش منك الكلام ده تاني

ومن دون حديث اخر انصرف من الغرفه

لتضيق عينيها تخبر حالها بمزيد من صفاته

” لطيف وحنون ومتفهم لكنه عصبي وبيقلب بسرعه… كوكتيل غريب ”

 

*****

ازداد حنقه وهو يراها تجلس وسط المزارعين ترتشف معهم الشاي وعلى افواههم ابتسامة متسعه لم يمر على عملها سوي اثنتي عشر يوماً ورجاله لا يهتفون الا

” البشمهندسه اخبرتنا.. البشمهندسه طلبت منا ..البشمهندسه أمرتنا ” هكذا كانت ردود رجاله الذين يتولون شئون الأرض في غيابه

انتفض المزارعين من حولها كما كان حال رجاله الذين هبوا فزعاً من رؤيته… الكل ركض نحو عمله يُكمله لتقف هي مكانها ترمقه بنظرات جامده تنتظر سماع صوته الفظ

– والله عال العال يابشمهندسه مجمعالي العمال حواليكي تتسيروا وتشربوا الشاي

– ده وقت الراحه بتاعنا ياعاصم بيه

ومدت يدها بكأس الشاي خاصتها وهتفت ببرود تعلمت ان تتبعه معه

– تحب تشرب شاي

استنكر حديثها فمن هي لتقف أمامه تُحادثه هكذا… كانت تثير حنقه بشخصيتها مما جعله يرمقها بنظرات ساخره وعيناه لا تحيد عن وجهها

– اومال لو كان يتبصلك كنتي عملتي ايه

كان وقع كلماته كالصاعقة التي اخترقت صميم قلبها.. ارتجفت شفتيها فأخذت تضغط عليهما بقوه حتى لا تظهر ارتجافهما

– مش محتاجه اعرف منك نظرتهم ليا ايه.. ومش كل الناس بتبص على الوشوش

واقتربت منه ترفع سبابتها نحو عقلها ثم قلبها

– في ناس بتبص هنا وهنا ياعاصم بيه

وابتعدت عن طريقه تقاوم ذرف دموعها… غامت عيناه بالجمود نادماً على كلامه ولكن سريعاً ما تلاشي شعور الندم داخله

وعاد ظلامه يخرج من جديد وتلك المره كانت عقدته وصلادة عقله من نصيبها

 

****

 

دلكت عنقها بأرهاق بعدما جمعت أوراقها وكتبها.. فقد انصرف للتو معلم الرياضيات ومن قبلها الكيمياء وهي بين ذلك وذلك تُحصل معهم كل مافاتها حتى تلحق بباقي المنهج… شعرت بأقتراب خطواته بعدما رافق المعلم لباب الشقه فرفعت عيناها المرهقه نحوه

– انا خلاص تعبت… اوعي تقولي أن في مدرس تاني جاي

ضحك مُستمتعاً بتعبيرات ملامحها ليقترب منها

– لا اجمدي كده عايزين مجموع يشرف

التمعت عيناها وهي تطالعه فكلمة شكر أصبحت لا تفي حقه

– قومي خدي دش عشان تفوقي اكون انا حضرت العشا

أسرعت تمسك ذراعه تهتف معترضه

– لا انا اللي هحضر الاكل مش كفايه انت اللي عمال تضايف في المدرسين وضيعتلك وقتك

– عهد احنا قولنا ايه… تروحي زي الشاطره تاخدي دش وانا اللي هحضر العشا يلا بسرعه

ختم كلامه وهو يقرص وجنتها مبتسماً لتغمض عيناها متنهده… فماذا سيحتل اكثر من ذلك لقد احتل قلبها وعقلها وعالمها

وهي كالمسلوبه تفقد كل راياتها أمامه رغم علمها انه يفعل ذلك لتعويض ماقصره بحق شقيقته التي توفيت وكان بعيداً عنها، لقد اخبرها في أول ليله لها بمنزله انها ليست مايرغب ولن ينظر إليها يوماً

 

*****

وقفت أمام المرآة تتحسس خدها وعنقها الي ما اسفله تتذكر حديثه الجارح ودموعها تحرق خديها.. مجرد حادث غير كل شئ بحياتها تركها خطيبها اشمئز منها أصدقائه غير مصدقين ان ايمان الجميله أصبحت بخد مشوهه ولم تعد ابنه العز.. زفرة حاره عبرت عن آلامها تُقاوم ذرف دموعها تخبر حالها

” انتي قويه وستظلي قويه وليست كلمه عاصم الأولي والاخيره التي ستسمعيها”

 

*****

 

دلفت للفيلا بسعاده بعدما أتت من المعهد الذي تدرس فيها دورة اللغه والكمبيوتر… فوقعت عيناها على السيده فاطمه وهي تقترب من غرفه مكتبه تحمل فنجان قهوته

ابتسمت السيده فاطمه لها تعطيها ما تحمل مما جعل ابتسامتها تتسع فقد فهمت نظراتها لتربت فوق كتفها بعدما حملت حقيبتها

– دخليله القهوه اكيد هيتبسط لما يشوفك

واردفت بمكر لا تجيده ولكن من أجلها ستصبح ماكره الي ان تتحسن علاقتهما فهى تدرك أنهما لا يتشاركان الغرفه

– سأل عليكي اول ماوصل ومرضاش نحطله الغدا.. اكيد البيه رجع بدري عشان تتغدوا سوا

توردت وجنتيها خجلاً رغم انها تعلم انه يفعل ذلك دون نية أخرى

طرقه باب الغرفه بخفوت ودلفت بعدها ليتفاجئ بها امامه

– وصلتي امتى… وليه جايبه القهوه بنفسك

اقتربت من مكان جلوسه تضع قهوته مبتسمه

– لسا واصله من دقايق

وارتبكت وهي تجيبه على سؤاله الآخر

– انا اللي طلبت منها اجبلك القهوه.. انت اتضايقت

– وتفتكري ده منظر حد مضايق

هتف عبارته مقترباً منها بعدما ازال نظارته الطبيه عن عينيه

– عملتي ايه النهارده

انشقت شفتيها بأبتسامة واسعه

– الحمدلله كان يوم كويس… بس انت ممكن تضايق من المواعيد انا حاولت اغيرها لكن منفعش

– مافيش مشكله ياقدر… انا بطبيعتي مبكنش موجود في البيت في الوقت ده

توترت من قربه لتتقدم بخطواتها للأمام قليلا تُلقي بعينها فوق فنجان قهوته تسأله

– القهوه هتبرد

ابتسم لمراوغتها وابتعادها عنه كلما اقترب منها

– هبقي اشربها في المكتب لاني راجع الشركه تاني..

تبدلت ملامحها ولا تعرف السبب لتومئ برأسها وقبل ان تغادر الغرفه

– انا مسافر بليل لبنان

 

****

انبت نفسها وهي تنظر لهاتفها للمره العاشره على التوالي منذ أن سافر من يومين

– أنتي فاكره عشان مجرد كلام مابينكم يبقى في مشاعر… فوقي ياقدر مش معقول تكوني لسا هابله ومصدقتي تلاقي حد يقولك كلمه حلوه ..

واردفت تجلد نفسها على مشاعرها التي أصبحت تكتشفها نحو شهاب

– انتي نسيتي اللي عمله فيكي كريم… نسيتي المرار اللي عشتيه مع أمه وجلدهم ليكي بالكلام وفي الاخر رجع لحبيبته القديمه

لتظهر أمامها صورة امرأة فاتنه لم تكن الا شيرين تغمض عيناها بقهر تتذكر كلماتها الجارحه حينا قابلتها امس في المول التجاري عندما ذهبت مع عهد لشراء بعض الثياب لها

” شهاب اكيد بكره يرجعلي لان انا الزوجه المناسبه ليه وكنت ام ابنه …مش مجرد واحده جوزها رماها لأنها مبتخلفش”

مازالت كلماتها تخترق اذنيها وكأن كان ينقصها

– ليه ياخالي فضلت مصمم اني اتجوز من تاني.. ليه حسستني اني لو متجوزتش هفضل طول عمري وحيده وسيرتي على لسان الناس

دموعها أنسابت بقهر وقله حيله ف قرار زواجها من شهاب لم يأتي الا بعد ضغطً

– هو وعدني انه مش هيظلمني

خاطبت حالها حتى تتناسي ذلك الاحساس الذي سعت شيرين لاصاله لها

 

****

توقفت الكلمات في حلقه وهو لا يعرف كيف يُخبرها… انتبهت عليه لتنظر اليه

– هخلص بس حل السؤال ده واقوم احضرلك العشا

ابتلع لعابه يجليّ حنجرته بأسي عليها

– قومي غيري هدومك عشان مسافرين البلد

انتابها الخوف تخشي ان يعيدها لمنزل عائلتها وينكس وعده

– ليه هو انا عملت حاجه تزعلك

هتفت مذعوره فتعلقت عيناه بها يزفر أنفاسه مُرتباً كلماته

– الحج ابراهيم

وقبل ان يكمل باقي عبارته كانت دموعها تتساقط فملامحه لا تدل الا على شيئاً واحداً لقد رحل والدها

 

 

منذ أن حطت قدميها داخل المنزل تُقدم واجب العزاء واعين النساء تُطالعها بفضول.. الكل يفحصها بتقيم يتسألون عن المرأة التي اقترن بها ابن العزيزي بعد ابنة الوزير… لوت بعض النسوة شفتيهم مستنكرين تلك المقارنه… تمنت ان تنقضي الساعات لترحل من هنا.

تعلقت عيناها بعهد الجالسه جوارها تبكي بصمت على رحيل والدها

انتبهت على وقوف زوجات أشقاء عهد يُسرعون نحو تلك السيده التي دلفت للمنزل تزيل عن عينيها نظارتها السوداء

الترحيب بها كان بحفاوة مما جعل عينيها عالقه بالمكان حتى تتبين لها ملامح من جذبت الأعين لها…

اتسعت عيناها ذهولاً فالمرأة لم تكن الا شيرين التي اقتربت من مجلس النسوه بخطوات واثقه والاعين تحيطها

بدأت الهمسات تتعالا والكل لا يصدق وجودها… تحولت نظراتهم من عليها لتصبح نحو شيرين التي جلست بأعتزاز

مصمصت احداهن شفتيها وهي تخبر من تجاورها

– بيقولوا انها دخلتله صوان الرجاله تعزيه

لتهتف الأخرى بعدما خبأت فمها بطرحتها

– بنت الوزير وتربيه بلاد بره… انتي مش فاكره ياختي لما كانت بتيجي البلد زمان كانت ولا السياح

تعلقت نظرات شيرين بها وكأنها تخبرها ان المقارنه بها لن تخرجها الا خاسره فستظل هي المرأة الوحيده المقترنه بأسم شهاب العزيزي وماهي الا وسيلة لجرحها ثم سيعود لأحضانها

تحاشت قدر نظراتها نحوها تُلهي حالها بمواساة عهد تُذكر حالها انها هنا تفعل الواجب

 

****

تجنبت لطيفة بسلاطتها وبغضها لها الذي لا تعرف سببه ولكن لطيفة لم تكن لتترك فرصتها

بعد انصراف المعزين وذهاب كل من زوجات اخوت حامد لغرفهم… كانت تشعر بالغربه تبحث بعينيها عن أدهم الذي أصبح يشكل لها مصدراً أماناً

رمقتها لطيفة بحقد وهي تراها كيف أصبحت لقد اكتسبت وزناً وبرق وجهها وكأن الزواج زادها جمالاً

– ياخوفي يرميكي بعد موت ابوكي

ارتجف جسد عهد فهى تخشي يوماً كهذا… ف والدها رحل واخوتها لا يعترفون بوجودها لا يرونها الا ابنه المرأه التي قهرت والدتهم

– ياريت بعد العزا ما يخلص منشوفكيش هنا تاني… الحج ابراهيم خلاص مات

وكأن والدها كان يعلم ما ستتلقاه على ايديهم بعد وفاته.. أيقنت ان العيش مع أدهم حتى لو تزوج عليها يوما أكرم لها من حياتها هنا

طالعتها لطيفة بشماته وهي تغادر الردهة الواسعه بعدما اعلمتها وضعها وان وجودها لم يعد مرحباً به فقد مات من كان مصراً على ربطها بهم … لتتقدم رسمية تلك السيده الطيبه منها تحتصنها بحنان

– حافظي على بيتك وجوزك يابنتي

 

*****

تتبعها بعينيه وهي تصعد لأعلى مُتعجباً من شرودها وصمتها الذي اتخذته طيلة الطريق…اختلي بغرفة مكتبه يمسح فوق وجهه فمجئ شيرين لعزاء ابن عمه الحج ابراهيم اليوم قد جعل الجميع يتحدث… فيبدو انه كان مخطئ حينا قرر ان بزواجه سيبعدها عن طريقه ويقطع امالها

التمعت عيناه عندما جال بعقله ان شيرين بالتأكيد افتعلت شيئاً بالعزاء…فقرر الصعود إليها ليعلم منها

لم يطرق باب غرفتها كما اعتاد انما فتحه على الفور… لتسقط الملابس التي بيدها فقد كانت على وشك ارتدائها

تعالت وتيرة أنفاسها وهي ترى نظراته نحو بشرة جسدها ليتقدم منها يتنحنح حرجاً ويجثي فوق ركبتيه يلتقط ملابسها

– مكنتش اعرف انك بتغيري هدومك..

لقد افرغها دلوفه فجعل جسدها يتخشب وذراعيها تلقائياً التفت حول جسدها العلوي تحميه من نظراته

– ممكن تخرج

لم تتحرك قدماه بل اقترب منها يمسد فوق وجنتيها

– قدر احنا لو فضلنا بالطريقه ديه مش هنتجاوز الحواجز اللي بينا

وعندما وجدها تغمض عينيها بقوه تتحاشيا نظراته… تمالك نفسه وانسحب من الغرفه يزفر أنفاسه دفعات واحده

مشاعره بدأت تتحرك نحوها بطريقه لا يعرف اهي بسبب مرهقة متأخرة كما يسمع عنها ام مجرد افتنان لوقت وينتهي كما انتهى من قبل في زيجته التي لم يعلن عنها وانتهت ف صمت

قدر كأسمها قدرها وحده هو من وضعها امامه في وقت ظهور شيرين ومشاعره المضطربه… بها شئ يجذبه نحوها منذ اول يوم رأها تقف مذعورة خائفه من بطش عاصم وبعدها كان نصيبه ان يراها ثانية الي ذلك اليوم الذي لا يعرف كيف فجأة دون تخطيط تقدم لطلب يدها للزواج

دلف لغرفته يجلس فوق فراشه حائراً وصورتها شبه عاريه لا تخرج من رأسه ودون أن يحمس قراره كان يعود لغرفتها ثانية لتنتفض من فوق الفراش تطالعه وقبل ان تفتح شفتيها تسأله عن سبب عودته كان يقترب منها والاجابه كانت واضحه

 

*****

ضمت الغطاء نحو جسدها تبكي حالها… وكأنها الليله فاقت واتأكدت انها دخلت تجربه زواج أخرى ستنتهي عندما تنتهي غايته منها

– قدر بصيلي لو سامحتي…

وتنهد وهو يمسح فوق وجهه يُرتب كلماته

– انا كنت وعدك مش هلمسك بس انتي مراتي

اغمضت عيناها بقوه ستكون كاذبه لو أنكرت انها شعرت بين ذراعيه وكأن مشاعرانوثتها تتفتح من جديد

شعرت بقربه منها

– انا عارف ان كل حاجه مع بعض بتيجي بسرعه.. خلينا ندي مشاعرنا فرصه

ادارها نحوه لينظر مصدوما يُطالع وجهها

– دموعك ديه ملهاش غير تفسير واحد ياقدر..

– انت قولتيلي ان سبب جوازك مني عشان تبعد طليقتك عنك… هيجي وقت ودوري هينتهي

هتفت عبارتها متعلثمه تتذكر مافعله كريم بها وأسباب رضوخها للزواج مرة اخرى قبل أن تفيق من تجربتها الأولى

– انا مش هستحمل جرح تاني… انا اتجوزتك مجبرة.. عاصم مسبليش فرصه طعن ف شرفي وسط زمايلي في الشغل خلاني خايفه انزل الشارع… اجبرني اعيش التجربه من تاني

واردفت بحرقه وخاصه بعد لقائها بشيرين في العزاء

– انا هكون نزوة مش اكتر.. واحده مطلقه مش هتفرق لما تفشل في جوازها من تاني

هو بالفعل يخشى عليها من نفسه… يخشى ان يفيق من حاله افتنانه السريع بها… وتصبح ضحية له… لا تدخل امرأة بحياته الا وكانت في النهايه خاسره

نهض من جانبها تاركاً لها الغرفه ليتعالا صوت نحيبها… حتماً ستكون هي الخاسره الوحيده في تلك العلاقه السريعه بينما هو رجلاً ذو مركز طليقته تفعل المستحيل لعودته إليها وهي لا تقارن بها كما لم تقارن ب شمس التي انتصرت عليها بالزوج والطفل وخرجت هي خالية الوفاض

 

*****

قبض فوق يده بقوه وهو يُطالع سيارة أدهم تُغادر البلده… لم يظهر اي مشاعر ل عهد رغم نظراتها التي تعلقت به وكأنها تستجديه ان يحتضنها ويخبرها انها من دماءه وان منزله سيظل مفتوحاً لها… لو يعلم انها كانت تجلس بجوار أدهم تحبس دموعها تتذكر المعامله السيئة التي عاملتها بها لطيفة لثلاث ايام والتجاهل كان من زوجات اشقاءها الاخريات

سقطت دموعها فقد احرقتها نظرات اشقاءها المتجاهلة كأنهم لم يروها

تعالت شهقاتها ليفزع أدهم وهو يراها بتلك الحاله…فأوقف سيارته جانب الطريق يسألها بقلق

– مالك ياعهد

ماذا ستخبره انه لو طردها هو الآخر من حياته ستكون بالشارع… هل ستخبره انها يجب عليها ان تعلقه بها بل ينجب منها حتى تربطه بها… الرجل الذي يخبرها كل يوم الا تنتظر منه إلا الواجب وارضاء الضمير…

حديث السيدة رسميه لم يرحمها كما لم يرحمها اشقائها

– عهد فيكي ايه بس… انتي كنتي متقبله موت عمي إبراهيم…هو حامد او مراته قالولك كلمه

– انت كمان هتسبني وترميني زيهم

صدمته عبارتها لتحتد عيناه يبغض اولاد عمومته بجبروتهم فعهد لم تتحدث هكذا الا اذا اوصلوا لها هذا الشعور

جذبها لحضنه يضمها اليه بحنان دوماً كان فيه عكسهم

– احنا مش اتفقنا اني كل عيلتك

– انت ليه غيرهم… انت مش قاسي زيهم حتى لو عملت كده بيبقى غصب عنك

ابتسم رغماً عنه ف الصغيره بدأت تكتشف صفاته.. فأراد مزاحها

– اظاهر ياست عهد بقيتي تركزي في صفاتي اوي وهتفهميني اكتر من نفسي بعد كده

رفعت عينيها اليه تتأمله….ليمسح دموعها بيديه يداعب وجنتيها

– قدامك مذكره كتير مش هتنازل عن مجموع كبير يدخلك كليه الهندسه

وهي لم يكن بعقلها الصغير الا حديث السيدة رسميه

” أدهم زوجها لابد أن تحافظ عليه… كزوج وليس الا… حتى لا تأتي أخرى وتنتزعه منها لتصبح هي شريدة كما كانت شريدة طيلة عمرها ”

 

*****

اتبعت معه المبدء الذي علمته لها الحياه ” التجاهل” كلمه لا يعترف بها عاصم العزيزي في قاموسه.. فإذا وجد هو لابد أن الكل يقف منصت اليه يتبع اوامره… الا هي تلك المسماه ” ايمان ” صاحبة الخد المشوه والأعين الجميله…

ارتفع حاجبه مستهزءً وهو يراها تجلس فوق المقعد الخشبي تتابع المزارعين بعينيها دون اهتمام بوقوفه أمامها

– البشمهندسه قاعده تدي في الأوامر ولا كأنها صاحبه الأملاك

لم تعجبه نظرتها المستنكره نحوه فأرتفعت زوايتي شفتيه متهكماً

– متبعديش وشك كده… هو انا طايق ابصلك

احتدت عيناها وهي تلتف بوجهها نحوه رغم ان سموم كلماته انضافت لجروح قلبها

– عاصم بيه هو انت ماشي تقول ياشكل….

– شكل… بقى انا عاصم العزيزي احب اتشاكل مع واحده تعتبر خدامه عندي

اشتعلت عينيها غضباً تنهض من فوق مقعدها

– انا موظفه عند محمود بيه والدك الراجل المحترم… اللي مش عارفه ازاي انت ابنه

– بقى انا بتقوليلي الكلام ده…. على اخر الزمن واحده بخد محروق تقولي الكلام ده… بدل ما تبوسي ايدي اني وفقت اشغلك واصطبح بوشك كل يوم

سقطت دموعها دون ارادتها تنظر لنظرات المزارعين الواقفين على بعد منهم يتابعونهم

– شكراً ياعاصم بيه.. انت كسبت في النهايه وانا مستقيله مش هو ده اللي انت عايزه

لم تفرحه دموعها وكسرتها كما كان يسعى لقد وصل لما يُريد ولكنه لا يشعر بزهوة الانتصار كما اعتاد

تعلقت عيناه بها وهي تخفي عيناها بنظارتها السوداء تُغادر المكان

ليقترب منه احد رجاله

– محتاجينك في موقع المصنع يابيه

 

******

تعجب السيد صابر من مجئ ابنته في هذا الوقت…نبأه حدسه بأن هناك خطبً حدث معها

– مالك ياايمان… ايه اللي رجعك بدري من شغلك يابنتي

اطرقت عيناها نحو حذائها تخلعه تخشي النظر لوالدها

– مافيش حاجه حصلت… بس سيبت الشغل

– ليه كده يابنتي… البلد هنا مفيهاش شغل يناسبك…هنعيش منين

عضت شفتيها قهراً تتمالك دموعها

– خلينا نرجع القاهره يابابا.. انا مش مرتاحه هنا

فأغمض صابر عيناه بقلة حيله

– والديون اللي عليا يابنتي هسدها ازاي… ما انتي عارفه اللي فيها ياايمان… ابوكي هربان من الديانه

انسابت دموعها فلم تعد تتحمل ان تظل قويه حتى أمام والدها

– نبيع البيت هنا… وبفلوسه نسد جزء

– وهنعيش فين بعد كده

مسحت دموعها حينما شعرت ان هناك املاً لمغادره هذه البلدة

– نأجر شقه… وانا مش لازم اشتغل بشهادتي هدور على اي شغل تاني… وانت حبايبك كتير يابابا مش هيتأخروا

ارتسمت السخريه فوق شفتي صابر فأي احباب تتكلم عنهم ابنته وقد تخلوا عنه جميعهم

– وهو حد وقف معانا قبل كده عشان يقفوا معانا دلوقتي

اطرقت عيناها ارضاً فقد رأت بعينيها كل شئ… حتى اذلال والدها ورجاءه

– استحملي يابنتي العيشه هنا عشان خاطري.. مش هترضي لابوكي يتبهدل في آخر أيامه ويدخل السجن… واذا كان على الشغل انا هطلع اشتغل اي حاجه… عمك محمود ممكن يساعدني

ارتمت بين ذراعي والدها ترثي حالها فالأيام كانت مخبأة لهم الكثير ولو عاد الزمن للوراء لحمدت الله كل يوماً على عيشتها

– لا يابابا… اوعاك تقول كده… انا موجوده اومال أنت علمتني ليه

ابعدها عنه برفق ينظر لعيونها الدامعه

– قوليلي سيبتي ليه الشغل الأول

اشاحت عيناها بعيداً عنها حتى لا يعلم بكذبتها

– انت عارفني مبستحملش حد يديني أوامر… وابن الحج محمود عايز الكل يقوله سمعاً وطاعاً

واردفت بمزاح تخفي حرقتها

– قومت اتخنقت معاه وسبتله الشغل…

ضحك صابر وهو يتخيل مافعلته ابنته وقد صدق كذبتها

– لا انا لازم اكلم عمك محمود اشتكيله… بس انتي برضوه ياايمان غلطانه مهما كانت المعرفه اللي بينا ده صاحب الشغل.. عودي نفسك يابنتي على كده خلاص بقينا نشتغل عند الناس وصاحب الشغل مهما قال فهو ليه الحق

ابتلعت مراره حلقها تومئ برأسها له

– حاضر يابابا

 

*****

 

منذ تلك الليله وأصبح يتجاهل وجودها… تجاوز ماحدث بعدما جعلها لا تنام الليالي الماضيه الا وهي تشعر بلمساته وانفاسه.. نجح في ان يجعل تلك اليله مرسخة بقلبها وجسدها

هزت رأسها هزات ممتاليه حتى تنفضها من أفكارها التي لا توحي لعقلها الا بالضعف…

اقتربت من باب غرفة مكتبه بعدما علمت بوجوده.. طرقت الباب بخفه لتدلف بعدها.. مجرد ان رفع عيناه نحوها اخفض عيناه ثانية يتابع تجميع الأوراق التي أمامه قبل انصرافه مجدداً

– احم… خالي عزمنا على الغدا عنده بكره… يعني انا وانت

انتظرت جوابه ليأتيها اخيرا ولكن بخيبه

– اعتذريلي منه… ومافيش مشكله روحي انتي واتبسطي معاهم

– بس هو هيفرح اوي لو جيت…

واردفت تخبره بأصرار خالها ان يأتي اليه حتى يعزمه بنفسه

– ده كان مصمم يجيلك هنا يعزمك

ابعد عينيه عن الأوراق التي يضع تركيزه عليها

– هبقي اتصل بيه اعتذر منه…

طالعت تجاهله لها ورفضه بكل الطرق المجئ معها اردات ان تنسحب ولكن تذكرت حماس خالها في رؤيتهم سوياً

– طب نأجل اليوم وشوف اليوم المناسب ليك

تعالا رنين هاتفه ليهتف بالمتصل متجاهلاً رجائها

– تمام نص ساعه واكون في المكتب

جمع أوراق عمله مُلتقطاً هاتفه

– معلش ياقدر… معنديش وقت للأسف

وقفت مكانها تطالع الفراغ الذي كان يشغله.. ولم يصل لخاطرها الا معنى واحداً ” شهاب يعاقبها بتجاهله”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *