رواية ظنها د….مية بين أصابعه(الفصل المائة والخمسة إلى المائة والتسعة) بقلم سهام صادق

الفصل المائة وخمسة
🌻ظنها دمية بين أصابعه🌻

يُخبرها إنه أتى من عمله جائعًا ليتناول وجبة الغداء معها، بل ويُعاتبها بمزاح عن مشاركتها لوجبة طعامها مع
العم “سعيد” الذي يسعى جاهدًا لأجل رؤيتها تبتسم ومع كل مزحه يطلقها كان فؤادها يعتصره الآ…لم وتزداد خنقتها وتتساءل في نفسها ، هل يفعل هذا لأن حُجَّته في أمر أنشغاله عنها أصبح بطاقة مُحترقة أم السبب أنهيا…..رها أمام “سيف” وتصريحها بأن أفعال عمه تدفعها لمغادرة المنزل حتى تحفظ كبريائها.

_ أنا من زمان أوي مأكلتش الأكلة ديه ، عارفة لو من أيدك يا حببتي هخلص الأطباق كلها.

ضحك العم “سعيد” ونظر إليه قائلًا بسعادة وهو يرى سيده الذي لم يعهده قا…..سيًا يومًا مُنحنيًا نحوها ويضع قبـ,ـلة على رأسها.

_ للأسف يا بيه، طبق البصارة من أيدي لكن لو كنت أعرف أنك عايزه من أيد “لولو” كنت أنسحبت وسيبتلك الفرصة عشان تعرف تراضي ست البنات كويس وأنت بتدلع عليها لأحسن هي زعلانه منك أوي…

خرجت شهقة قوية من شفتيّ “عزيز” مُتظاهرًا بالصدمة ثم سحب أحد المقاعد الموجودة بالمطبخ على الفور وجلس عليه.

_ “ليلى” زعلانه مني ، لدرجادي أنا مزعلها…
قالها وهو يقوم بتحريك مقعدها حتى تكون قبالته.

ترقرقت الدموع في عينيها ،فهو يتساءل ويتظاهر بعدم معرفته.

_ “ليلى” حببتي بصيلي، لأ ديه شكلها فعلا زعلانه أوي مني يا عم “سعيد”.

دارت عينين العم “سعيد” بينهم ثم أبتسم وهز رأسه مؤكدًا.

_ زعلانه أوي منك وأنا كمان زعلان لأن أحوالك بقت عجيبة من ساعت سفرية تركيا.

وبأجفان مسبلة أردف العم “سعيد” متسائلًا.

_ أوعى تكون واحده هناك عجبتك، ما هو زمان عملها “عزيز” عمها لما حاولت واحده تاخده من عايدة وأنا قرصتله ودنه.

توقف “عزيز” عن تمرير يديه على يديها وأتجها بأنظاره نحو العم “سعيد” مُحملقًا وقد أقتحمت تلك الذكرى المنسية ذاكرته.

_ أنت محكتش ليا يا عم “سعيد” على حاجة زي كده.

تساءلت “ليلى” وهي تمسح دموعها العالقة بأهدابها ، فـ زمَّ العم “سعيد” شفتيه ونظر إليها.

_ حكاية قديمة وأتنست، هبقى أحكيها ليكي بعدين.

هزت “ليلى” رأسها رافضة وعابسة الوجه وهتفت راجية.

_ لأ أنا عايزه أعرفها النهاردة، أرجوك أحكي يا عم” سعيد”.

تقابلت عينين “عزيز” مع نظرة العم “سعيد” له وتساءل.

_ أحكي ليها يا بيه؟

أستطاع” عزيز” أخيرًا تمالك نفسه والعودة إلى واقعه الذي مهما حاول التغلب عليه تأتي الرياح مُحملة بهزيمته وضعفه.

أشاح وجهه عن العم “سعيد” ثم نهض وتحرك نحو الموقد حتى يرى ما تم طهيه اليوم دون أن يُجيب عن تساؤل العم “سعيد” وقال.

_ معقول مطبختوش النهاردة غير بصارة.

ألتمعت عينين العم “سعيد” ونظر نحو “ليلى” التي مازالت عيناها تحمل اللهفة عن حكاية قديمة مضى عليها الزمن وتناساها أصحابها.

_ أنا و “ليلى” قررنا نعاقبكم ونعمل أكل لنفسنا بس عشان تحسوا بقيمتنا.

وبنبرة ذات مغزى مُبطن أستطرد العم “سعيد” قائلًا بعد أن نظر إلى “ليلى” وغمز إليها بطرف عينه.

_ وخصوصًا أنت يا بيه.

وضع “عزيز” غطاء أحد أواني الطهي ثم اِستدار جهتهم رافعًا كلا حاجبيه.

_ بقى عايزين تعقبوني يا راجل يا شرير، ما أنت خلاص مبقتش طيب وبقيت متحالف عليا…

ردت “ليلى” دون أن تنظر إليه.

_ أيوة إحنا قررنا نعمل الأكل لينا وبس بعد كده، أصل في ناس مبقتش تعرف قيمتنا فعلًا.

تقهقر “عزيز” إلى الوراء ثم وضع يده على صدره مُصطنعًا صدمته بطريقة درامية.

_ وأهون عليكي يا “ليلى”، كل الناس تتحالف عليا إلا أنتِ.

ضمت “ليلى” شفتيها حتى تُقاوم ذرف دموعها ، فهي هانت عليه وصار يُعاملها بجفاء دون أن تعلم سببً واضحًا وبكت ليالي تشكو إلى وسادتها حيرتها.

_ ما أنا هونت عليك..

قالتها بنبرة صوت مهزوزة مزقت نياط قلبه وجعلت العم “سعيد” ينظر إليها بحزن.

_ عندها حق يا بيه.

أخفض “عزيز” رأسه مُطبقًا على يديه بقوة ، فكل ما فعله لها كان يُبكيه قبـ,ـلها وهل كان بيده شئ إلا هذا لعلّها تتركه دون أن تعطيه عذرًا واحدًا وتقسو عليه مثلما قسى عليها.

_ قولها يا بيه إنها عمرها متهون عليك..

حدقت به مع اِبتلاع ريقها ببطء وكأنها تخاف من رده، رفع “عزيز” عينيه وقد آلمه ما رآه.

_ وهي عندها شك إنها ممكن تهون عليا…

فاضت عيناها بالدمع وخرجت شهقاتها بعلو، فأسرع إليها يجتذبها من المقعد بلهفة أمام عينين العم “سعيد” الذي أنخلع قلبه هو الآخر عليها.

_ أنا ماليش غيرك يا “عزيز” ، لو عايزني أمشي قولي والله همشي بشنطة هدومي القديمة ومش عايزه حاجة…

انتصب العم “سعيد” واقفًا بذهول وكاد أن يتحرك نحوهم لكن نظرة “عزيز” له جعلته يتراجع مُتنهدًا وتاركًا لهم المطبخ.

وبحشرجة واصلت كلامها مُتقطعًا.

_ قولها يا “عزيز”، قولها عشان قلبي يصدق.

أطبق جفنيه بهون وهتف في نفسه.
” مقدرش، مقدرش يا” ليلى” ، أنا من غيرك راجل مهزوم، راجل عمره ما هيقدر يلاقي نفسك من تاني.”

أبتعدت عنه راغبة في ألقاء المزيد من العتاب لكن رؤيتها لتلك الد…..معة التي أنفلتت من طرفي عينيه صدمتها وهلعتها.

_ “عزيز” أنت بتعيط!!

والرد لم يكن إلا أجتذابه لها إلى حضـ,ـنه قائلًا بهمس لم يخرج من شفتيه ولم تسمع منه إلا تنهيدته.

” أتحمليني شوية كمان يا” ليلى” ، غصب عني صدقيني.”

حضنه لأول مرة تشعر فيه وكأنه سيكـ,ـسر به أضـ,ـلعها ورغم محاولتها في تحمل قسو..ة ذراعيه إلا أنها فشلت وخرج صوتها برجاء ووجع.

_ “عزيز” ، مش قادرة أخد نفسي.

خفف ذراعيه من عليها وتساءل بلهفة.

_ وجـ,ـعتك أوي…

أبتسمت بتوتر وخجلت أن تُخبره إنه كان قاسيًا في ضمها.

_ آسف ،حقك عليا.

تمتم بها رابتًا على ظهرها وواضعًا قُبـ,ـلات عدة على رأسها.

وقد عاد العصفور إلى قفصه الذهبي راضيًا مُطمئنًا و” ليلى” كانت كالعصفور الذي لا يستطيع التحرر من يدين صاحبه لأنه علمه بمهارة ألا يستطيع الطيران من دونه.

…

نظرت “عايدة” نحو شقيقها “سعيد” بنظرة ثاقبة ثم ألقت بكرة الصوف من يدها مُتسائلة بعد أن زفرت أنفاسها بضـ,ـجر.

_ مالك يا “سعيد” ، أنا بقلق لما بتفضل رايح جاي قدام عيني.

نظر لها ثم أقترب منها وكأنه كان ينتظرها أن تبدء هي الكلام معه.

_ قلبي بيقولي البيه مخبي علينا حاجة كبيرة يا “عايدة”…

ضاقت حدقتيّ “عايدة” بغرا..بة من حديثه.

_ تفتكر يا “سعيد” لأن تصرفاته مع “ليلى” مبقتش عجباني والبنت كل يوم بتنطفي عن اليوم اللي قبـ,ـله.

وبقهر تمتمت.

_ هي ديه وصية “عزيز” له، أنا قلبي محسـ,ـور عليها ، “ليلى” غلبانه أوي يا “سعيد”.

حدق العم “سعيد” بها بنظرة طويلة ثم هز رأسه عدة مرات إلى أن لطم بيديه جانبين ساقيه.

_ قلبي زيك محسور عليهم هما الأتنين ، حاكم أنتِ مشوفتيش منظره وهو واخدها في حضـ,ـنه وبيعـ,ـيط يا “عايدة”.

خرجت شهقة مسموعة من شفتيّ “عايدة”.

_ لأ ، كده في حاجة غلط ، أنا رغم زعلي منه لأنه أتغير معاها فجأة وكأنه زهدها وكل شوية أقولها أستحملي وكل ست فينا عاشت فترة صعبة مع جوزها إلا إن جوايا حاجة بتقولي مش ده “عزيز” بيه…

وتذكرت مظهره منذ أسبوع عندما تقابلت معه بالصباح الباكر عند بوابة الفيلا وسألها عن حالها وحال “شهد” وأعتذر منها بسبب تقصيره معهم مؤخرًا بالسؤال وأخبرها إذا أحتاجت لشئ ألا تخجل منه حتى إنها في تلك اللحظة أرادت أن تطلب منه أن يجلس مع “شهد” ويفهم سبب لتصرفاتها الغريبة ، فهي تُحبه وتقدره ومثلها الأعلى وربما تسمع منه نصيحته لكن كل هذا ضاع من عقلها لأنها شعرت بالحرج منه ،فهو يبدو من ملامح وجهه الذي تجلى بوضوح عليه الأره….اق والعمر أن به شئ أكبر من مشا…..كل العمل، شئ يخفيه عنهم جميعًا.

وشهقة أخرى صدرت عن “عايدة” أشد قوة مع لطمها لصد…رها.

_ يالهووي يا “سعيد” ليكون البيه عنده المر…ض أياه ومخبي علينا ، ما هو موضوع الخلفة والحمدلله الدكتورة طمنتنا على “ليلى” وأنا وأنت عارفين كويس إن البيه معندهوش عيـ,ـب يمنع ، فاكر زمان…

وأستطردت “عايدة” قائلة وهي تتذكر ذلك اليوم الذي وقفت فيه “سمية” أمام السيد “رياض الزهار” والد “عزيز” تُخبره بتبجح أن أبنه لم ينفر منها في العلاقة الزوجية ولم يراها فقط أرملة شقيقه الراحل وأن كل ما يتحدث به عنها هراءً ولو كان هذا صحيحًا، فكيف حملت في أحشا..ئها طفل منه ولولا أنه لم يكتب له الله البقاء في رحمها لكن هذا الطفل أثبت صدق كلامها.

_ يومها كنا حاضرين مع “رياض” بيه ، ومش معقول “سمية” هتكذ….ب، أنت عارف إنها ست بجحة… يبقى هو المر…ض أياه.

جحظت عينين العم “سعيد” وبدء عقله يدور هنا وهناك ثم هزَّ رأسه مُستنكرًا ما تفوهت به.

_ تفي كلامك الماسخ يا “عايدة” ، البيه صحته حلوه الحمدلله… لأ هو محسـ,ـود، هي منها لله “كارولين” ، ديما بصه ليهم ، ده أنتِ مش بتشوفي نظرتها له و ياريت “ليلى” واخده بالها، زي الهابله عميا….نه عن كل حاجة ومش فالحة غير في الشغل معاكي أو دخول المطبخ معايا.

َوبحنق أردف.

_ فهميها عشان ممكن تتكسف مني، البيه مش متجوزها عشان تكون له ست بيت شاطره، خليها تتنصح أكتر يا “عايدة”.

وكعادة العم “سعيد” يسترسل في حديثه إذ لم يعجبه أمر.

حركت “عايدة” شفتيها بأمتعا…ض ورمقته بنظرة ساخطة.

_ أهو مافيش حد هيفضح مشروعنا قدام عزيز” بيه غيرك أنت يا” سعيد”.

رمقها بنفس نظرتها له ثم دفع نحوها خيوطها وتلك القصاصات الصغيرة من الأقمشة.

_ مسيره هيعرف ومش هيزعل منك أنتِ أكيد، هيزعل من الخيبة التانية ، آه يا راسي مش عارف البيت ماله بقى في حاجة غريبة كده، أنا هشوف لينا شيخ يمكن يكون في روح شريره محوطانا.

وضعت” عايدة” يديها على أغراضها التي بعثرهما وهتفت حانقة.

_ بتزعل لما بقولك كبرت وخرفت يا “سعيد”، ربنا يهديك.

…

نظر إليها “عزيز” بنظرة خاوية تحمل في طياتها شعوره بالذنب من أجلها وهو يراها تفتح نافذة السيارة وتخرج رأسها منها مُتنعمة برائحة الهواء التي لا يَشُمها سوى من يفتقد حريته.

_ تحبي نفضل ماشيين شوية بالعربية.

تساءل “عزيز” ولم يكن يتوقع ردة فعلها ، فهي التفتت إليه سريعًا وحركت رأسها له.

_ ياريت يا “عزيز” ، أنا مش عايزة أروح.

أبتسم ومدّ ذراعه إليها مُداعبًا بأصابعه خدها.

_ حاضر يا حببتي…

توهجت عيناها التي كانت مُنطفئة بالأيام الماضية ونظرت إليه بنظرتها البريئة التي تُزيد من عذابه.

عادت إلى متعتها وسلامها مع غلق عينيها وترك الهواء يُداعب خديها بملمسه البارد.

أزداد قلبه خفقانًا ثم نظر نحو المُسجل الخاص بالسيارة وبدء ينتقي من بين الأغاني التي يُحبها لـ نجاة إلى أن أستقر على تلك الغنوة التي جعلتها تفتح عينيها وتلتف إليه مرة أخرى.

” إلا أنت فيها إيه الدنيا ديا إلا أنت ، كل غالي يهون عليا إلا أنت
وأبتسامتي وآهاتي منك أنت ، واللي حبيته في حياتي هو أنت
فيها إيه الدنيا فيها ايه الدنيا إلا أنت….

طول ما أنت جنبي، روحي وقلبي في دنيا تانية ملهاش وجود
وإن غبت عني أحس أني لا ليا دنيا ولا وجود ، إيه حياتي كلها من غيرك أنت ، ذكرياتي فيها إيه حلو إلا أنت. ”

همس الكلمات مع تحريك شفتيه دون صوت ثم فتح لها ذراعه يدعوها بأن تأتى إلى حضـ,ـنه.

وهي في الحب لا تعرف للخصام الطويل مكان ومعه صارت أمرأة عاشقة ولا ترى في عالمها الصغير إلا هو…

…

وقف” صالح” مبتسمًا ومدهوشًا في نفس الوقت وهو يرى” زينب” نائمة على الأريكة بحجرة المعيشة و “يزيد” جالس على أرضية الغرفة وأمامه طاولة الدراسة التي تُناسب وضع جلوسه ويستكمل حل واجباته المدرسية.

رفع “يزيد” عينيه عن كتاب الرياضيات ونظر إليه.

_ بابي.

هتف بها بصياح، فأسرع “صالح” بالأشارة إليه حتى يصمت ثم فتح له ذراعيه.

اِستدار “يزيد” نحو “زينب” التي تحركت في نومها لكن لم تفتح عينيها ثم نهض من مكانه بعبوس وتحرك نحو والده مُلقيًا بجسده الصغير عليه.

_ “زوزو” نامت يا بابي و “يزيد” جعان ومش عارف يحل الهوم ورك لواحده ونانا رجعت عند جدو “شاكر” و جدو “صفوان” ومردتش تاخدني معاها وقالتلي خليك مع “زوزو”…

وبتذمر قال وهو يرى والده يتحرك به بعيدًا.

_ أنا عايز أروح هناك عند جدو “شاكر” و “رغد” و نانا و جدو “صفوان” و و دادة “نعمات”.

شعر صالح بالغرابة من تعلق أبنه المُفاجئ بـ جده “شاكر” بالأخص، فهو في البدايه ظن الأمر مجرد تعلق لا يثير رِيْبته لكنه تأكد الليلة من سبب أصرار “زينب” عليه أن يعيدون إلى روتين حياتهم القديم قبل أن يُتمموا زواجهم وتكون هناك أولويات أخرى لديهم.

تحاشا” صالح” النظر في عينين صغيره لوهله ثم تنهد وأجلسه على الفراش بعدما دلف به غرفته.

_ “يزيد” خلينا نتكلم مع بعض كلام رجاله ولا أنت مبقتش الراجل اللي بابي شايفه صاحبه.

أسرع “يزيد” بهز رأسه.

_ لأ أنا راجل يا بابي وكمان صاحبك وبنحكي لبعض كل حاجة.

أبتسم “صالح” وشعر بالأرتياح ثم وضع يديه على وجنتيه.

_ يبقى بابي هيسألك وأنت تجاوبه بصراحه عشان الرجاله مش بتكـ,ـذب.

رد “يزيد” وهو يُومئ برأسه.

_ لأ أنا مش بحب الكذب، الكذابين بيروحوا النا…..ر علطول.

اِفتر ثغر “صالح” عن أبتسامة وتساءل.

_ قولي يا بطل، ليه بقيت زعلان من “زوزو” من ساعت ما رجعت من عند جدو “شاكر”.

أشاح “يزيد” بوجهه عنه ثم عقد ذراعيه أمام صدره.

_ “يزيد” هتخبي على بابي.

أومأ برأسه مؤكدًا إنه بالفعل لن يخبره.

_ “يزيد” بصلي، ينفع أتكلم وأنت بتبص بعيد ومش مديني أهتمام..

ألتف “يزيد” إليه ثم طأطأ رأسه قائلًا :

_ أسف يا بابي لكن أنت قولتلي نحافظ على السر وأنا وعدت جدو “شاكر”.

أظلمت عينين “صالح” لكن تمالك نفسه سريعًا وأكمل حديثه بهدوء.

_ حبيبي أنا مش عايزك تفضح السر لكن عايز أفهم ليه بدأت تضايق “زوزو” ، وخد بالك “زوزو” مش بتشتكي ليا ، أنا بقيت ملاحظ ده من تصرفاتك أنت وبجد زعلان يا “يزيد” منك وبقول لنفسي يعني “زينب” كل يوم تقولي ناخد “يزيد” ونروح نغير جو إحنا التلاتة وأنا أقولها مش فاضي لكن “يزيد” يعاملها وحش وهي معندهاش حد غيرنا يحبها.

فرك “يزيد” يديه وتمتم بصوت خافت.

_ أنا بحب زوزو” يا بابي لكن أنت أخدتها مني ولو جبتوا بيبي هياخدها هو كمان له لواحده لأنها هتكون الـ مامي بتاعته مش بتاعت” يزيد” وهتحبه أكتر مني و أنت كمان هتحبوا أكتر مني ، عشان أنت مكنتش بتحب مامي” سارة” وبتحب” زوزو” وبس…

تجمد وجه “صالح” وانعقد لسانه عن الكلام ، فأردف الصغير بأعين دا….معة.

_ هي مامي كانت مجنونة يا بابي عشان كده أنت مكنتش عاوزها ومحبتهاش وفرحت لما ماتت…

أبتسم “صالح” حتى يُداري ذلك الغضب المشتعل في عينيه.

_ مامي كانت طيبة وجميلة أوي و بابي كان بيحبها وزعل سنين على مو….تها ، وهي فعلا كانت تعبا؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟نه شوية يا حبيبي ولما تكبر هتفهم لواحدك حالة مامي لكن دلوقتي إحنا نعمل إيه عشانها…

اتسعت أبتسامة الصغير ورفع يديه عاليًا.

_ هندعيلها وهنطلع ليها حاجات حلوه كانت بتحبها عشان هي كانت بتفرح و بكده هي هتحس بينا وتفرح معانا.

ابتلع “صالح” غصته وحتى يهرب من ذلك الشعور المُظلم الذي أقتحم قلبه ،اجتذبه إلى حضنه.

_ بكره هاخدك أنت و زوزو نزورها ونجيب حاجات حلوة ليها وبعدين نسافر مكان بعيد ونختفي عن كل الناس شويه، موافق يا بطل…

كاد أن يقفز “يزيد”على الفراش صائحًا بتهليل.

_ “يزيد” خطتنا لـ بكره سر ما بينا وأنت بتحافظ على سر بابي…

رمش “يزيد” بأهدابه ثم نظر حوله.

_ طب و “زوزو” يا بابي هنقولها على السر.

ألتقط يده برفق ناحيته وقال وهو يُمرر يديه على خديه.

_ ولا حتى “زوزو” وكويس إنها نايمه عشان متعرفش حاجة وعد يا بطل..
_ وعد يا بابي….

…

أبتسم “سيف” وهو يرى عمه يدخل المنزل مُتشابك اليد مع “ليلى” وعلى وجه كل منهم تظهر السعادة.

_ أكيد بعتونا وأتعشتوا بره.

هتف “سيف” بمزاح لم يكن يعهده “عزيز” منه لكن “كارولين” وقفت مُحملقة من رؤيتها لهم هكذا دون تصديق او أستيعاب.

_ طبعًا وكل فترة مقررين نعملها ، أبقى غير مننا وقلدنا.

قالها عزيز بوجه مُبتهج ، فانتقلت أنظار “ليلى” عليه وضحك “سيف” وشعر بالرضى نحو ما فعله بالصباح عندما ذهب إلى عمه المصنع وأخبره أن “ليلى” تُفكر بالرحيل عنه وسأله ، هل سيتحمل رحيلها ولو خسرها هل سيكون سعيد مع أمرأة أخرى أو دونها.

_ عمي قالها أهو يا “ليلى”، ولو رجع في قراره هتحالف معاكي واخدك أنا أفسحك.

ألتمعت عينين” ليلى” بنظرة أمتنان، فاجتذبها “عزيز” و أوقفها وراء ظهره.

_ هو أنا أخلص من العم “سعيد” ،تيجي أنت كمان لأ ملكوش دعوة بمراتي…

تجهمت ملامح “كارولين” ثم أخفت تجهمها سريعًا وأستمرت بالنظر نحو” ليلى”.

_ حببتي أطلعي أوضتنا وأنا هعمل مكالمة مع “نيهان” وهجيلك علطول ،تمام…

حركت “ليلى” رأسها إليه ثم ألقت بنظرة خاطفة نحو “سيف” تحمل شكر آخر منها.

_ ما هذا “سيف”، كيف تغير عمك في يوم واحد معها .. أنا اعتقدت أنهم….؟

قاطعها “سيف” وأتجه صاعدًا إلى أعلى.

_ أشغلي عقلك بحياتنا “كارولين” واسعى لتكوني مثل” ليلى”، وصدقيني ستعيدي مشاعري نحوك مرة أخرى…

أتبعت “كارولين” صعوده وهي في حالة صدمة، “سيف” يُخبرها أن تكون مثل “ليلى”؟؟ ما الذي حدث له.

_ ما الذي يحدث؟ يجب أن أخبر “سمية” بهذا على الفور..

وأسرعت نحو الخارج حتى تستطيع التحدث بحديقة الفيلا دون أن ينكشف أمرها.

…

وقفت “ليلى” أمام المرآة تُجفف خصلات شعرها المُبتلة وعلى شفتيها أبتسامة عريضة ، فهي حتى هذه اللحظة لا تستوعب أفعال “عزيز”.

طرقات على باب الغرفة ، قطعت شرودها وأدهشها وقبل أن تغلق مُجفف الشعر وجدت “كارولين” تفتح باب الغرفه مُبتسمه.

_ أسفه “ليلى” لم أنتظر حتى تفتحي لي الباب بنفسك.

حدقت “ليلى” بها بغرابه وأسرعت في ربط حزام مئزرها ،فأقتربت “كارولين” منها.

_ يبدو إنكِ تتجهزين له ، هذا الشئ ما يعيد الرجل سريعًا لزوجته…

ضاقت حدقتي “ليلى” للحظة ثم تساءلت.

_ تقصدي إيه يا “كارولين”؟

أنطلقت من شفتيّ “كارولين” ضحكة قصيرة ثم قالتها لها صريحة بذلك المصطلح المعروف به تلك الكلمة.

شعرت “ليلى” بالضيق وأبتعدت عن أنظارها التي تخترق مفاتنها وتتفحصها بتفرس.

_ أنتِ في حاجة عايزاها يا “كارولين”…

دارت عينين “كارولين” بالغرفة ثم تلاعبت بخصلات شعرها وقررت ألقاء كل ما لديها والمغادرة سريعًا قبل صعود “عزيز”.

_ “ليلى” ألا ترين خصلات شعرك كيف تقصفت…

أسرعت “ليلى” بوضع يدها على خصلات شعرها، فأستكملت “كارولين” كلامها.

_ ووجهك صار شاحب حتى جسدك يحتاج للعناية…

تلاقت نظراتهن ووقفت “كارولين” قبالتها، فتراجعت “ليلى” إلى الوراء وهي تضم بيديها قبة مئزرها من الأعلى.

_ لا تفهمي كلامي ونظراتي لكي بالتقليل منك “ليلى” لكن أنا أرى إنك تحتاجين العناية بـ بشرتك وجسدك ، أنتِ تنتمين لطبقة الاغنياء الآن لكن سامحيني عزيزتي أنتِ مازلتي تُمثلين المرأة التي يظهر عليها العجز سريعًا لقلة اهتمامها بنفسها وفقرها..

حاولت “ليلى” التركيز في كلام “كارولين” الذي يخرج منها مُتقطعًا وبـ لغة عربية ركيكة للغاية.

_ قصدك إني مش بهتم بنفسي “كارولين” ؟

زفرت “كارولين” أنفاسها بسأم، فأمتقع وجه “ليلى”.

_ أنا سأذهب غدًا لمركز متخصص بالعناية بالبشرة والجسد وأتيت أعرض عليكي الذهاب معي لكن يبدو أنكِ ترغبين أن تظلي كما أنتِ…

قطبت “ليلى” حاجبيها، “كارولين” تعرض عليها أن تأتي معها بالغد إلى أحد مراكز التجميل التي تذهب إليها.

_ قبل أن أغادر “ليلى” ، أريد أن أخبرك بشئ…جمالك ما لفت أنظار السيد “عزيز لك وإذا لم تُحافظي عليه ضاعت مكانتك من قلبه…

اِهتزاز شفتيّ” ليلى” جعل” كارولين” تتأكد أنها وصلت إلى هدفها بكلامها.

أغلقت” كارولين” باب الغرفة ورائها وأسرعت بخطواتها إلى غرفتها سعيدة بما أنجزته قبل أن يصعد” عزيز”.
_ مع من كنتي تتحدثين بالحديقة” كارولين”؟

شهقت “كارولين” وأرتجف جسدها ثم نظرت إلى “سيف”
الذي غادر الحمام للتو ويقف مُمررًا بالمنشفة على خصلات شعره الرطبة.

_ أخفتني” سيف” !!

عقد “سيف” حاجبيه مُكرر سؤاله.

_ أجيبي على سؤالي، مع من كنتي تتحدثين؟

أقتربت منه وحاوطت عنقه بغنج قائلة:

_ إنها صديقة لي، تُخبرني بقدومها إلى مصر قريبًا.

نظر إليها بنظرة طويلة ثم وضع يديه على يديها حتى يُبعدها عنه لكنها ألتصقت به.

_ أشتقت إليك” سيف” ،أنت لم تعد تقترب مني حبيبي.

…

توقف عزيز” أمام غرفتهم ثم تنهد قبل أن يضع يده على مقبض الباب.
تركت المشط الذي كانت تُمشط به شعرها بشرود واستدارت له.

_ أتأخرت عليكي.

هزت رأسها بالنفي ثم تمتمت بخفوت.

_ أنت هتنام هنا ،صح؟

أغلق عينيه ثم سار إليها.

_” ليلى” ، أنا عايز أتكلم معاكي في حاجة…

قاطعته قبل أن يتحدث.

_ لو حاجة هتعكنن علينا يومنا، أرجوك بلاش يا” عزيز”.

تفاقم الوجع الذي بدء يُحاول التعافي منه وأطرق رأسه.

_ يعني نأجل كلامنا للصبح؟

زمّت شفتيها وهزت رأسها مُفكرة.

_ لو مش هيعكنن علينا سعادتنا قول دلوقتي وخلاص.

رفع “عزيز” عينيه وصوبها نحوها قابضًا على يديه بكل قوته حتى يقف ثابتًا أمامها ولا يظهر شعوره لها وفي داخله أخذ يُحادث نفسه.
” أقولك إن سبب وجعي وحيرتك معايا حاجة ممكن تعكنن علينا العمر كله ولا أخلي وجعي مستخبي وأقفل موضوع الخلفة من حياتنا تمامًا وأعوضك على قد ما أقدر لأني أتأكدت إني مش هعرف أكمل حياتي من غيرك يا ‘ليلى’…”

وبآلم أردف بينه وبين نفسه.
” هكون أناني معاكي للمرة التانية وأحرمك من حق من حقوقك.”

_ عزيز أنت سرحت في إيه ؟

أبتسم” عزيز” عندما وجدها صارت أمامه ولا يفصل بينهم إلا أنفاسهم.

_ سرحت فيكي يا” ليلى” وبسأل نفسي إزاي قسيت عليكي الأيام اللي فاتت…

ابتلعت لُعابها وكادت أن تسأله عن السبب الحقيقي وراء ما حدث بينهم ، فـ ربما يُصارحها الليلة.

_ وحشتيني.
قالها ببحة صوت خشنة ثم أجتذبها إليه وقبل أن يخرج أي حديث أخر منها ، كانت تضيع بين ذراعيه في جنون لم تعهده منه من قبل وقد أعاد له تجاوبها معه ثقته بنفسه والقرار الذي بدء يقتنع به هذه المرة….، أن يخفي عنها عجزه في الأنجاب ويبدء بالعلاج دون أن يعلم أحد وإذا فشل أمر علاجه ،فالسر سيدفن كما تم دفن الكثير من الأسرار سواء له أو لغيره.

….

نظرت “سما” إلى ساعة يدها بعدما توقفت بسيارتها أمام المطار ثم تنهدت تنهيدة طويلة.

_ يا ترى أستدعائهم ليا ، إني أرجع الشغل ولا فصلي تمامًا لأني محضرتش التحقيق…
وبوجه مستاء تمتمت.

_ يعني عشان جرجرتها من شعرها والكل أتفرج علينا من زمايلنا ومُدرائنا يتحقق معايا…

ثم بتأفف أردفت.

_ ما أنتِ من حظك السئ وده بتتمتعي بي ديمًا يا “سما”، إن مستر “زُهير” اللي بيكره كابتن “صالح” أتفرعنتي قدامه بالعلاقة الأسرية اللي بتربطنا.

وبضيق أكملت حديثها مع نفسها.

_ ياريتني كنت كلمت كابتن “صالح” ودخلته في الموضوع بس أنا عارفه إنه مش بيحب يتوسط لحد خصوصا في الشغل معاه.

وتوقفت عن الكلام مع نفسها ثم زفرت أنفاسها لمرات حتى تستطيع العودة إلى شجعتها، فلا شئ سيحدث إذا تم فصلها عن العمل، فـ هناك العديد من الفرص ستفتح لها ذراعيها.

_ ايوة أنا أي مكان يتمنى أنضمامي…

أبتسمت ثم أخرجت مرآتها الصغيرة من حقيبتها حتى تنظر إلى وجهها وترى ثبوت أحمر الشفاه الذي تضعه.

أجفلها صدوح رنين هاتفها فجأة ، فأسرعت بألتقاطه ونظرت إلى رقم المتصل ثم أجابت دون تفكير وغير تصديق.

_ وأخيرًا رديت عليا يا سيادة الرائد، من يومين بحاول أوصلك وحضرتك ولا معبرني… أنت تنزل أجازة وتيجي تشوف المهزلة اللي حصلت بسبب عمي، بقى أنا و أنت نتجوز، ده يحصل إزاي اصلا وأنت عارف إني لسا طالعه من علاقة فاشلة غير أنا وأنت شايفين بعض اخوات.

أطبق “قصي” جفنيه ثم أزاح الهاتف عن أذنه وتركها تُخرج كل ما لديها.

_ أنت مبتردش ليه عليا، أنت لازم تتصرف، لو قولت لأ على المهزلة ديه هتنتهي… الكل منتظر قرارك.

تنهد بصوت مسموع ثم أشار لأحد زملائه بأن يتحرك أمامه وسيتبعه.

_ خلصتي كلام يا سما” هانم، عموما أنا نازل بعض شهر لأني طالع مهمة ولو ربنا كتب ليا عمر جديد هتجوزك يا” سما” لأنك مطلعتيش أختي، أنتِ بنت عمي وهتكوني مراتي ، مع السلامة لأني لازم أقفل.

أنهى المكالمة دون أنتظار أن يسمع ردها لتفتح فمها وهي تُحدق بالهاتف.

_ هو مين بالظبط كان بيتكلم معايا، لا لا ده أكيد مش “قصي”.

وسرعان ما كانت تلطم جبينها حتى تفيق من دهشتها.

_ ده بيقولي هتكوني مراتي وهنتجوز بعد شهر…

….

أستيقظت “ليلى” من نومها سعيدة ومُنتشية بعد تلك الليلة التي قضتها في حضنه.
تمطأت بذراعيها ونظرت جانبها لتجد ورقة موجودة بقربها يُخبرها فيها إنه يُحبها.
ضمت الورقة إليها وتساءلت.

_ هو أنا في حلم ولا حقيقة!!!

أبتسمت عندما بدأت تتأكد أن ما عاشته بالأمس معه حقيقة ثم نهضت من الفراش وتمطأت مرة أخرى.

_ “عزيز” رجع لحضني من تاني يعني ممكن يكون كلامه صح، إنه ده فتور في العلاقة الزوجية وإنه من ضغط الشغل كان بيتعصب عليا…

لم يكن عقلها مُقتنعًا بحديثها لكن قلبها الساذج لا يترك لها فرصة لتُفكر، هي نشأت على أن المرأة عندما تتزوج تفني حياتها من أجل نجاح زواجها الذي لن يمر بسلام دائم وعليها إرضاء زوجها في كل شئ خاصة في علاقتهم الزوجية.

جلست على الفراش مجددًا وتلاعبت بأصابعها بخزي ثم أطلقت زفيرًا طويلًا ونفضت ما دار برأسها.

_ لأ يا “ليلى”، لو فشلتي في جوازك مش هتكوني ست شاطرة وكمان هتروحي لمين و “عزيز” رجع أهو حنين عليكي من تاني .. سامحيه المرادي.

وبين عقلها وقلبها كانت تائهة.

_ هو أنا ليه مسمعش كلام “كارولين” و أهتم بنفسي عشان مضيعش جمالي وحتى كمان أحافظ على علاقتنا و أبدء ألتزم في العلاج ما دام بقى يقرب مني وعلاقتنا الزوجية رجعت من تاني.

وبينما هي تبحث عن كل شئ تُسعده به وتعيد لهفته إليها ، كان هو غارقً في حيرته ويسأل نفسه ،
هل يستمر في هذا القرار الذي أتخذه ويجعلها تعيش في النعيم بين ذراعيه دون حق لها من الأختيار والقرار.

_ كنت عايز أفلت أيدك يا “ليلى” لكن معرفتش، يا ترى المرادي مين فينا هيفلت أيد التاني، و لو فشلت في العلاج وأكتشفتي إني هحرمك معايا من نعمة الأمومة ؟؟

….

تركت” سمية” القلم الذي تتلاعب به بين أصابعها وأشارت نحو “كارولين” الجالسة أمامها.

_ كلميها تاني، يمكن تكون السندريلا صحيت من النوم خلينا نخلص بقى.

توترت كارولين” وأعادة أتصالها مع ” ليلى” التي كانت تخرج من غرفتها وفي نفسها إنها ستتجه إلى مسكن عمها وتُخبر زوجة عمها عن ذهابها إلى مركز التجميل حتى تعيد لنفسها تلك النضارة التي فقدتها بشرتها.

برقت عينين” كارولين” عندما أجابت عليها” ليلى”.

_ أيوة يا” كارولين” ، تمام هروح معاكي.

أشارت إليها “سمية” أن تُخبرها بما عليها قوله لها.

_ لا تُخبري “عزيز”.. “ليلى” وأنا أيضًا لن أخبر “سيف”… نحن نُريد مفاجأتهم.

…

أغلقت “زينة” كشكول مُحاضراتها بضيق بعد أن يأست من محاولتها في فهم ما عليها مُراجعته قبل دخولها المحاضرة القادمة.

_ هي “ميادة” و “نيفين” موصلوش ليه ،شكلي كده هروح ومش هحضر المحاضرة.

وكادت أن تُجمع أغراضها وتُغادر الجامعة إلا أن أهتزاز هاتفها على الطاولة جعلها تُحدق مذهولة بالرقم الذي يظهر على شاشة الهاتف.

ألتقطت الهاتف بيد مُرتعشة وردت وهي لا تُصدق أنه تذكر وجودها أخيرًا.

_ خلينا نتقابل في المزرعة، هسبقك على هناك لأني عايزك ضروري.

نظرت “زينة” إلى صديقتها “نيفين” التي تقترب منها ،فأردف “هشام” بنبرة صوت غا…مضة.

_ “زينة”، عايزك عشان وحشاني ولا أنا موحشتكيش….

الفصل المائة والستة.
🌻ظنها دمية بين أصابعه🌻

اليوم تنعكس الصورة أمامها بوضوح، صورة حقيقية تتجسد دون تزيف ولا يُمكن لا أحد أن يتصنعها حتى يظهر أمامك بصورة غير صورته.
مسحت “زينب” تلك الد…معة التي فرت من عينيها ثم أطرقت رأسها حتى لا ينتبهوا على دمو….عها كُلما نظرت إليهم وهم جاثين على ركبهم عند قبر “سارة” ويسألونها إذا كانت سعيدة بتلك الأشياء التي جلبوها لها أم تُريد المزيد.

_ مامي أنا و بابي جيبنا ليكي كل حاجة بتحبيها، بابي قالي إنك كنتي بتحبي اللون الأحمر… وأنا رسمتك ماسكة في أيدك بلونه حمرا و ورد أحمر كتير تحت رجلك عشان هو قالي إنك بتحبيهم وكمان بتحبي غزل البنات والشكولاته… مامي تعالي ليا في أحلامي كتير من فضلك.

لم تتحمل “زينب” سماع المزيد من كلام الصغير وأنسحبت من جانبهم بخطوات سريعة جعلت “صالح” يلتف جهتها ومثله فعل “يزيد”.

_ “زوزو” راحت فين يا بابي، هي مش عايزه تتكلم مع مامي ليه ولا هي مش بتحبها زي ما جدو قال.

أسبل “صالح” جفنيه ثم استدار جهة صغيره مُداعبًا خصلات شعره.

_ “يزيد” يا حبيبي أنت نسيت إن “زينب” زيك الـ مامي بتاعتها ما…تت وهي صغيرة وكمان معندهاش بابا.. هي أكيد افتكرتهم يا حبيبي.

_ صح يا بابي، نسيت إن “زوزو” معندهاش لا مامي ولا بابي، أنا هروح أمسك أيدها وأجيبها تقف معانا عشان اللي بيعيط لوحده هنا ، العفريت ممكن ياكله علطول.

أبتسم “صالح” أبتسامة باهته قائلًا بصوت رخيم.

_ روحلها يا حبيبي وأمسك أيدها وهاتها عشان متفضلش لوحدها ،مش ديه “زوزو” حببتك…

هزّ “يزيد” رأسه دون تفكير متمتمًا.

_ أيوة يا بابي، أنا بحب “زوزو” أوي أوي عشان هي بتعمل ليا كل حاجة بحبها.

اهتزت أجفان “صالح” وهو يرى صغيره يركض إليها ثم عاد ينفض بنطاله الذي أتسخ من تلك الأتربة التي علقت به ونظر نحو رباط البلونتين وتنهد.

_ مكنتش بحب أجيبوا ليكي لما بدء يسأل عنك ويقولي روحتي فين.

وبوجع أردف، فــ ذكرى الحادثة لا تغيب عن عقله حتى مع مرور السنوات.

_ “يزيد” لما بيشوف الدم بيفضل يصرخ وينطق أسمك وهو مش حاسس ، أبننا كان بيضيع يا “سارة” وأنا كنت بضيع معاه.

هبَّت ريح خفيفة داعبت خديه بلطف ،فأبتسم وألتف بجسده ينظر نحوهم.

_ شايفه يا “سارة”، هي ديه الست اللي دخلت حياتنا وغيرتنا وخلتني أقدر أجي ليكي بأبننا وأحكيله عنك ، سامحيني يا بنت عمي وأوعدك هقف في وش “شاكر” باشا بالقوي عشان ميهدمش عيلتنا من تاني، عيلتنا اللي أنتِ هتكوني ديمًا موجوده فيها.

رفعت “زينب” عيناها في اللحظة التي اِستدار فيها “صالح” وعاد ينظر إلى قبر زوجته الراحلة.

_ “زوزو”، متعيطيش…
هتف بها “يزيد ” ثم أسرع بمدَّ يده لها بالمنديل الذي معه.

_ خدي المنديل بتاعي أمسحي دموعك.

نظرت “زينب” إليه ثم إلى المنديل الذي يمده لها ، أرتجف قلبها وعادت الدموع إلى عينيها.

_ هتعيطي تاني يا “زوزو”، هتكوني بنت وحشة ومش هنجيبلك أنا وبابي حاجة حلوة..

لم تشعر “زينب” بنفسها إلا وهي تُحرر دموعها الحبيسة لتفيض على وجنتيها.
_ “زوزو”….

أسرعت بأحتضان “يزيد” قبل أن يستطرد في حديثه ويقترب منهم صالح الذي أنتبه على وضعهم وأصابه القلق.

وضع “يزيد” رأسه على بطنها مُتشبثًا بها بقوة متمتمًا.

_ هاتي نونو بنت يا “زوزو”، ونسميها “سارة”..

أرتعش جسد “زينب” وتوقفت عن ذرف الدموع ، وقف “صالح” مكانه ينظر إليهم دون حركة.

_ أنا حلمت إنك شايله نونو صغير حلو وسألتك مين ده قولتيلي، أختك وخلتيني أشيلها وأبوسها على خدها..

وأبتعد “يزيد” عنها حتى يتمكن من رؤية وجهها بوضوح ثم نظر نحو والده الذي وقف مُحدقًا بهم وأسترسل بحديثه الطفولي.

_ ولما سألتك هنسميها إيه قولتيلي “سارة”…

تعالت أنفاس “زينب” وتقابلت عيناها بعينين “صالح” وأنتقلت عيناه هذه المرة نحو بطنها وكأنه يُخبرها من نظرته إن حلم صغيره تحقق وأن صغيرته التي لم تُخبره بعد عنها… هنا في رحمها تنمو.

_ بابي الحلم هيتحقق صح.. وهنسمي النونو “سارة”.

أخفت “زينب” عيناها عنه بأشاحة وجهها، فأبتسم وتعمق بالنظر إليها.

_ ما دام “زوزو” في الحلم قالتلك إنها “سارة” متقلقش “زوزو” بتنفذ وعودها يا حبيبي عشان هي كبيرة وعاقلة…

أتجهت “زينب” بأنظارها التي أتضح فيها نظرة زادته يقينًا بما تخفيه عنه ولا يعلم السبب.

_ “زوزو” تعالي معايا عشان تقولي لـ مامي إنك هتجيبي بنت حلوه زيها وتسميها “سارة” عشان أنتِ بتحبيها.

وألتقط “يزيد” يدها وسحبها ورائه لتسمع غمغمته الساخرة والواضحة.

_ مبروك يا أم “سارة”.

….

أتجهت “ليلى” نحو مسكن عمها بخطوات تحمل أبتسامتها من تلك السعادة التي تشعر بها ثم وقفت مكانها عندما أستمعت إلى صوت “سيف” الذي يبدو إنه على عجالة من أمره وهو يسير جهتها.

_ “ليلى”، “ليلى”.

أبتسمت ونظرت إليه وقد أتت الفرصة لها حتى تشكره على ما فعله معها وقبل أن تتحدث بكلمات شكر، هتف قائلًا:

_ شكلك مبسوطة ،بصراحة الأبتسامة بتليق عليكي وبتنور وشك…

أرتبكت وأخفضت رأسها بخجل ، خجل كان يراه فيما مضى مُصطنعًا حتى تخدعهم بصورتها المُزيفة لكن مع مرور الأيام تأكد أن شيطانه مع والدته هم من صوروا له هذا.

_ أنا عارفه إن أنت اللي خليت “عزيز” ينتبه على معاملته ليا ولو مكنتش عملت كده أنا كنت واخده قراري إني أمشي.

كشَّر “سيف” بوجهه بتكشيرة مُضحكة وتساءل.

_ وكنتي هتقدري يا “ليلى”..

رفعت رأسها ثم هزتها بمرارة وقالت وهي تبتلع ريقها.

_ لأ مكنتش هقدر لكن كنت هحاول، أنا برضو عندي كرامة مش عشان أنا ماليش حد…

انقطعت الكلمات من بين شفتيها وأجهشت بالبكـ,ـاء ، فشعر “سيف” بالأسف نحوها واضعًا بيده على خصلات شعره فهو في المواساة ليس إلا أحمقًا.

_ هو عمي معرفش يصالح كويس أمبارح ولا إيه ، لأ كده أشد عليه زيادة.

مزحته أصابت هدفها وتوقفت عن البكاء وأسرعت برفع يديها عن وجهها.

ضحك “سيف” عندما رأها تُرفرف بأهدابها وخديها توردوا من البكاء وخجلها.

_ ها قولي أشد ليكي على ودن الكبير بتاعنا وأقوله قصرت ولا…

اِستدارت “ليلى” بكامل جسدها حتى تخفي أحمرار خديها وتمتمت بصوت مُتحشرج.

_ لأ خلاص أنا سامحته وهو وعدني إنه هيصارحني عن السبب قريب.

ألتمعت عينين “سيف” وقال برجاء.

_ أنا كنت بنادي عليكي عشان كده يا “ليلى”، أنا متأكد إن عمي مخبي علينا حاجة مش قادر يصارحنا بيها وخايف يكون تعبان…

أطلقت “ليلى” شهقة قوية وألتفت إليه وفي عينيها ظهر الذعر.

_ “عزيز” تعبان، “عزيز” عنده إيه…

حرك “سيف” رأسه بحيرة.

_ معرفتش، ما أنا بقولك مخبي علينا حاجة وأنتِ الوحيدة ومتأكد من كده كمان… إنه أكيد هيصارحك.

تقابلت عيناهم ، فأردف وهو يمسح على وجهه.

_ عمي بيحبك يا “ليلى” لكن في حاجة كبيرة مخلياه بالشكل ده ، أنا هحاول أعرف بطريقتي وأنتِ كمان أستخدمي ذكائك كـ ست وحاولي من فضلك تعرفي..

وضعت “ليلى” يدها على صدرها بخوف بعدما بدأت دقات قلبها تتصاعد بوتيرة غير منتظمة.

_ لا لا ،”عزيز” مفيهوش حاجة متخوفنيش، أنا مقدرش أعيش من غيره، هو كل حاجة في حياتي…

تنهد “سيف” بقوة ثم تمالك نفسه وأبتسم ومازحها.

_ ما يمكن خوفنا ده غلط وعمي بيلعب بديله من وراكي…

قالها وتراجع مُترقبًا ردة فعلها وقد تحولت نظرتها القلقة إلى الشر.

_ أنا بقول أمشي عشان العمال أكيد مستنيني وأنا اصلا السبب في عطلت الشغل النهاردة، لأن نسيت مفتاح الورشة.

زمّت “ليلى” شفتيها بعبوس وهتفت صائحة.

_ خوفتني وشككتني في “عزيز” في كام دقيقه،أنا دلوقتي أفكر إزاي وأشغل عقلي…

داعبت شفتيّ “سيف” أبتسامة خفيفة وألقى عليها نظرة خاطفة أنتبها من خلالها على تلك الحشرة القريبة منها.

_ وطي رأسك يا “ليلى”.

واندفع جهتها عندما وجدها تُحرك رأسها بحماقة ثم ألتقط ذراعها حتى لا تلدغها الحشرة.

_ خوفتني حرام عليك.

رد بعدما ترك ذراعها.

_ أقولك وطي رأسك ،تحركيها ،. أنا دلوقتي عرفت عمي ممكن يخونك ليه.

أشتعلت عيناها بنظرة مُستاءة، فهرول من أمامها ضاحكًا.

_ والله أنتِ مصيبة وقعت على رأسنا لكن مصيبة حلوة…

ازاحت “شهد” الستار بعنف بعدما شاهدتهم متمتمة بوجه حانق.

_ مكنتش بتطيق تشوفها يا “سيف” ، دلوقتي “ليلى” بقت حلوة في عينك وواقف تهزر معاها ، طلعتي خبيثة يا “ليلى” زي ما طنط “سمية” قالت وأنا غبية عشان كنت بدافع عنك.

توهجت عينين “ليلي” بلمعة أختفت سريعًا عندما عاد الخوف يُسيطر عليها.

_ لأ لأ ، “عزيز” كويس، يا رب مشوفش فيه حاجة وحشة.

ثم مطت شفتيها وتركت عقلها أن يُفكر قليلًا.

_ “عزيز” راجل مش خاين، ده بيخاف ربنا أوي… هو في حاجة أكيد مخبيها عليا ولازم أحاول أعرفها بشطارتي.

وشطارة الزوجة التي تعرفها “ليلى” وعلمتها لها “عائشة” والدتها التي تبنتها.

« الراجل بيبوح لـ مراته بكل حاجة وهي في حضنه يا “ليلى”، أنا عارفه إن بنتي لما تتجوز هتكون زوجة شاطرة.»

_ “عزيز” رجع لحضني ولازم أفهم منه ليه كان بعيد عني وأتغير فجأة…أنا مش مصدقه إن “عزيز” قلبه يقسى عليا فجأة من غير سبب.

غمغمت بحديثها في نفسها ثم طأطأت رأسها و ترقرقت الدموع في عينها، فهي تخاف من ذلك اليوم الذي يضجر فيه “عزيز” منها بعدما يجد امرأة تليق به.

_ لازم تنجحي في شغلك يا “ليلى” عشان تفاجئ “عزيز” إنك تقدري تنجحي لواحدك لأنه لو عرف كان هيعمل زي ما عمل في موضوع الشقة.

أخذتها دوامة أفكارها لبعض الوقت ، فــ أنتشلها رنين هاتفها وأسرعت بالتحرك نحو مسكن عمها حتى تُبلغ زوجة عمها بما قررت أن تفعله وتستأذنها.

طرقت “ليلى” الباب وأنتظرت أن تفتح لها زوجة عمها كالعادة لتضيق حدقتاها ونظرت بدهشة إلى “شهد” التي فتحت لها الباب وسارت من أمامها تُخبرها بنبرة صوت تحمل ضيقها.

_ ماما مش هنا، خرجت مع خالي “سعيد” يشتروا شوية طلبات…

حدقت “ليلى” بها ثم انفرج ثغرها بأبتسامة ونفضت ذلك الشعور الذي أقتحمها.

_ أنا عارفه إن عم “سعيد” خرج لكن معرفش إن مرات عمي خرجت معاه، أكيد راحت تشتري الخامات اللي بنحتاجها في الشغل.

اِستدارت “شهد” إليها ورمقتها بنظرة مُحتقرة لم تُلاحظها “ليلى”.

_ طب ما أنتِ عارفة أهو، في حاجة بقى عايزاها مني…

تلاشت أبتسامة “ليلى” وأقتربت منها.

_ مالك يا “شهد” بتكلميني كده ليه ،أنا زعلتك في حاجة.

زفرت “شهد” أنفاسها بتأفف وردت وهي تتحرك نحو غرفتها.

_ “ليلى”، أنا دماغي مصدعه ومش واخده أجازه من…

كاد أن ينفلت لسانها لكن أنتبهت وأردفت.

_ أنا مردتش أروح الجامعة عشان مخنوقة من الدراسة ومن الكلية.

أسرعت “ليلى” بالتحرك ورائها.

_ لسا برضو متأقلمتيش على الكلية ، ده حلمك وحلم عمي يا “شهد” ، أقولك على حاجة ألتزمي في الصلاة وأدعي ربنا هتلاقي خنقتك راحت علطول…

التفت “شهد” إليها ورمقتها بنفس النطرة التي غفلت “ليلى” عنها.

_ “ليلى” ، أنا هنام ممكن تخرجي من الأوضة…

تراجعت “ليلى” بخطواتها بذهول وكادت أن تغادر الغرفة بعد وقاحة “شهد” إلا إنها تذكرت شعورها بالاختناق لذلك لم تذهب إلى جامعتها.

_ “شهد” ، فيكي إيه، أحكيلي أنا بنت عمك…

وأقتربت “ليلى” منها، فأشاحت “شهد” بوجهها عنها لتجلس “ليلى” علي الفراش الذي كان لها من قبل.

_ طب أقولك على حاجة ممكن تخليكي تغيري جو وأنا عارفة إنك كنتي عايزه تقصي شعرك وتغيري لونه… إيه رأيك تيجي معايا.

قطبت “شهد” جبينها وحدقت بها مُتسائلة.

_ أجي معاكي فين… ؟

اِفتر ثغر “ليلى” بأبتسامة خفيفة ولم تقصد أن تظهر حماسها وأخذت تُخبرها عن أقتراح “كارولين”.

_ عايزاني أروح معاكي فين؟

تفاجأت “ليلى” من ردة فعلها و أختفت أبتسامتها ثم نظرت إليها بفزع وقد أدهشها صراخها عليها.

_ بابا مكملش تلت شهور على وفاته ، وأنتِ عايزاني أروح معاكي أنتِ و “كارولين” هانم عشان تظبطوا من نفسكم وكل واحدة فيكم ترجع عروسة لجوزها من تاني و تقضوها حب ودلع ، أنتِ إيه معندكيش دم خالص ولا أحساس..

أنتفض جسدها برعشة قوية ثم أطرقت رأسها وشعرت بالذنب وتفاقَم هذا الشعور داخلها عندما وجدت “شهد” تبكي وتدور حول نفسها.

_ ما أنتِ متعرفيش يعني إيه أب…

جف حلق “ليلى” وجحظت عيناها ثم رفرفت بأهدابها بعدما بدأت تستوعب قسوة كلامها.

_ ياريتك ما دورتي علينا ولا شوفناكي ، أنتِ نحس علينا، نحس زي “كارولين” …

أبتلعت “ليلى” لعابها غير مُصدقة ما تسمعه من أبنة عمها ،فما الذي فعلته يستحق هذا.
انسابت دموعها ثم خرج صوتها بنبرة مُرتجفة.

_ أنا نحس يا “شهد”!!

أرتفعت ضحكات “شهد” بجنون ونظرت إليها بحقد.

_ أيوة نحس وأوعي تكوني مش واخدة بالك.. ده حتى مشروعك أنتِ و ماما بيخسر مش بيكسب…

…

ألقت “سمية” كل ما تطوله يديها من على طاولة مكتبها بعدما رأت الرسالة المُرسلة من “ليلى”، تُخبر فيها “كارولين” إنها لا تستطيع الذهاب معها لأنها أبلغت “عزيز” ورفض الأمر.

_ بعد ما جهزت كل حاجة ، عرفت تفلت من أيدي، كان نفسي أكسر مناخيرك المرفوعة يا “عزيز” وأعرفك أنك متجوزتش واحدة شريفة وبتحاول تميل أبني ليها…

وشردت “سمية” فيما خططت له وكيف كانت ستأتي بأبنها إلى ذلك المركز الذي صار مُجهز للقاء الفاضح.

صاحت “سمية” فجأة وحدقت بـ “كارولين” التي ارتعدت خوفًا.

_ أتصلي بيها…

أجابتها “كارولين” بصوت مهزوز.

_ الهاتف أنغلق…

أشاحت “سمية” بوجهها وأطبقت يديها وأخذت تلتقط أنفاسها بهدوء.

_ أخرجي مش عايزه أشوف حد قدامي دلوقتي…

فرت “كارولين” من الغرفة ولأول مره تشعر بالندم من تعاونها معها.

….

خرجت “سما” من مبنى المطار وفي عينيها نظرة ذهول ثم نظرت إلى المبنى وتساءلت.

_ معقول أخدت أجازه أسبوعين أفكر فيهم إذا كنت عايزه أكمل في الضيافة او أتنقل لقسم تاني ، لأ وكمان التحقيق في المُشاجرة أتقفل وكأنه محصلش…

وأحتلت الدهشة قسمات وجهها للحظة ثم أتسعت أبتسامتها وألتمعت عيناها.

_ مافيش غيره عملها هو اللي يملك السلطة إنه يغير بعض القرارت وطبعًا الموضوع وراه من الأساس حد واحد وبس…

فتحت “زينب” باب السيارة بعدما اشتروا جميع الأغراض التي يحتاجونها في رحلتهم التي لم يفصح لها عنها حتى “يزيد” تحالف معه.

_ نفسي أعرف ليه المرادي مخليني ماشية وراكم زي المغفلة…

أبتسم “صالح” ونظر إليها ، فوجدها غير عابئة برنين هاتفها الذي صدح صوته.

_ ردي علي تليفونك يا حضرت المغفلة وأفتكري إنك غفلتيني ولسا مغفلاني…

هربت “زينب” بعينيها عنه، فتساءل “يزيد”.

_ مين المغفل يا بابي…

داعب “صالح” خدين صغيره ثم ساعده حتى يدخل السيارة.

_ متركزش معانا يا حبيبي.

توترت “زينب” ،فهتف بها.

_ تليفونك بيرن للمرة التانية، ردي عشان هنقفل تليفوناتنا خالص… عايزين نستجم في رحلتنا.

ألتقطت” زينب” الهاتف ثم نظرت بغرابة إلى رقم المتصل وتمتمت.

_ ديه “سما”.

وردت على الفور لتهتف “سما”.

_ “زوزو” أنتِ فين عايزه، لو في البيت هجيلك ولا أقولك تعالي نتقابل.

تقابلت عيناها بعينين “صالح” الذي صعد السيارة.

_ لأ، أنا مش في البيت ، وهغيب يومين كده، أنتِ كويسة يا “سما”.
انتاب “سما” القلق وهي تتحرك نحو سيارتها.

_ هتختفي على فين، أنتِ شكلك بره… هو الكابتن هيخطـ,ـفك ولا إيه… ؟

أستمع “صالح” إلى عبارتها وألتقط الهاتف.

_ أه هخـ,ـطفها يا “سما” هانم ويلا الأجازة بتاعتك بدأت أنتِ كمان وبعدين تبلغيني بقرارك وعلى فكرة مش “زينب” سبب تدخلي في موضوع خناقتك مع زميلتك… حضرت الرائد هو السبب… أبقى أشكري هو.

أنهى “صالح” المكالمة دون أن يعطيها فرصة للرد ونظر نحو “زينب” التي فتحت فمها مدهوشة.

_ أقفلي بؤك ومتسأليش عشان عقابًا ليكي علي تغفيلتك ليا هخليكي كده لمدة محتارة في حاجات كتير.

عبست بشفتيها حانقة وصاحت بصوت خفيض.

_ هو أنا عملت إيه!!

أرتفع كلا حاجبين “صالح” ، فوضع “يزيد” يديه على مقعديهم مُتسائلًا وهو يُحرك رأسه بينهم.

_ صح يا بابي، هي “زوزو” عملت إيه، ده حتى النهاردة بتسمع الكلام ومش بتسأل كتير وماشية معانا زي المغفلة.

خرجت شهقة خافتة من شفتيّ “زينب” ، فأبتعد “يزيد” عندما ألتقط نظرة والده له في المرآة.

_ أعتذر من “زينب” يا “يزيد” حالا بدل ما أغير قراري ومنكملش رحلتنا.

أسرع “يزيد” بالأعتذار.

_ أنا آسف يا “زوزو”، متزعليش.

اِستدارت “زينب” إليه وعلى ثغرها أبتسامة عريضة.

_ خلاص يا حبيبي مش زعلانه أنا عارفه إنك متقصدش.

رمقها “صالح” بنظرة سريعة، فنظرت إليه ثم إلى “يزيد” .

_ “صالح” وقف العربية ، أنا عايزه أقعد ورا جانب “يزيد” نلعب سوا على التابلت بتاعه…

أختطف” صالح” نظرة ماقتة إليها دون رد ، فصاح “يزيد” بحماس.

_ بابي ، وقف العربية وخليها تقعد جانبي…

عقدت” زينب” ساعديها أمامها بتذمر عندما وجدته لا يعطيهم أهتمامًا.

_ أنا عايزه أقعد ورا ، وقف العربية…

قال دون أن ينظر إليها.

_ ما أنا عايش مع أطفال، أما أشوف الفرد التالت هيكون إيه نظامه.

_ تقصد مين يا بابي؟

تساءل يزيد وهو ينقل عيناه بينهم.

_ النونو اللي في بطن “زوزو” يا حبيبي، مش أنت حلمت بي برضو.

وعبارة أخرى يؤكد لها فيها بمعرفته عما أخفته ثم أبتسم بخبث عندما رأها تشيح بوجهها وانخرست عن مجادلته.
….

دخلت “زينة” المنزل الذي وطأت قدماها داخله قبل ذلك ثم فركت يديها بتوتر وسارت نحو الجهة التي يقف فيها ويتحدث بالهاتف.

توقفت ورائه ونظرت إليه بنظرة مُشتاقة، فأستدار “هشام” إليها بملامح جامده.

تحركت بخطواتها إلى الوراء وأبتعلت ريقها وهي ترى نظرته المصوبة نحوها.

_ تمام، أنهي كل المطلوب منك..

وأرتعش جسدها عندما رأته يرمقها بنظرة ثاقبة ثم هز رأسه يسأل نفسه ، كيف أستطاعت تلك الفتاة اِستدراجه بهيئتها الطفولية وأسقطته في الخطيئة وجعلته يلعن ضعفه كل ليلة وهو يتخيل ما عاشه معها.

اشاح بوجهه وتحرك من أمامها مُطلقًا زفيرًا قويًا.

_ تعالي أقعدي عايز أتكلم معاكي….

سارت ورائه في طاعة ثم جلست حيث أشار إليها.

_ تفتكري يا “زينة” أنا طلبتك ليه النهاردة؟

أسبلت أهدابها ثم خرج صوتها مُتحشرجًا وخافتًا.

_ عشان وحشتك، أنت قولتلي كده.

ضحك “هشام” ، فرفعت عيناها إليه وأردفت بغصة.

_ أنا موحشتكش، طب ليه أتصلت عليا بعد ما كنت عامل ليا حظر لكل الأرقام اللي بتعرف إنها بتاعتي…

كاد أن يبدء حديثه عن ما سوف تفعله زوجته وسعيها على تزويج “قصي” منها لكن نهوضها من مكانها ثم جلوسها أسفل قدميه ، جعله يشعر بالذهول.

_ أنت ليه مش عايزني في حياتك، أنا مستعدة أعمل أي حاجة عشان أكون معاك…

بدأت بالبكاء والتوسل لتحتد ملامح “هشام” لوهلة ثم نفضها عنه ونهض سريعًا.

_ “زينة”، أنا جايبك هنا عشان أحذرك للمرة الأخيرة… أي أقتراح من “لبنى” مراتي لموضوع خطوبتك من “قصي” تتكلم في مع خالتك مرفوض.

هزت رأسها وردت دون جدال.

_ حاضر، هو خلاص مبقاش ينفع عشان أنا مراتك مش كده.

صعقته الكلمة، فهل أصبحت تعتبر نفسها زوجته.

_ لأ أنتِ مش مراتي يا “زينة” ، ديه حتت ورقة صحيح أنا مقطعتهاش لسا لكن …

برقت عينين “زينة” ، فهو لم ينهي زواجهم الذي يُنكره وسرعان ما أختفى هذا البريق وهو تسمعه يقول بحدة.

_ عموما أنا مقرر أحرقها قدامك النهاردة ، وزي ما قولتلك تنسي أي حاجة جمعتنا وكده كده أنتِ مكنتيش بنت متحسسنيش بالذنب.

أغرقت الدموع خديها وهزت رأسها وهي تُحاول النهوض.

_ بس أنت أول راجل يلمسني بجد ، هما، هما أغتصبوني…

تهدجت أنفاس “هشام” وتساءل.

_ بتقولي إيه!!

شعرت بالأختناق ونظرت إلى الأرض وهي تترنح.

_ أنا معرفهومش، لما صحيت من النوم عرفت إني مبقتش بنت…

قالتها ثم سقطت مُغشية عليها بعدما تذكرت صراخ والدها تلك الليلة ومحاولته لقتـ,ـلها حتى يخفي عا…..رها وألا تكون نقطة ضعفه بذلك الشريط المُسجل عليه ما حدث.

صرخ “هشام” وأقترب منها بخوف جاثيًا على ركبتيه.

_ “زينة”، “زينة” فوقي… “زينة”.

….

دخل “عزيز” الغرفة مهمومًا بعد أن أخبره الطبيب بأن قرار إخفاء علاجه عن زوجته خطأ كبير وعليه أن يُخبرها عن تلك المرحلة حتى تكون بجانبه و ربما يخضع لعملية واحدة أو أثنتين لأن هذا ضروري في حالته.

رفع رأسه وضاع همه عندما أستمع إلى صوت بكائها.

_” ليلى” ، مالك… بتعيطي كده ليه؟

أخفت وجهها بيديها، فأتجه إليها وفي عينيه الهلع.

_ لأ مش معقول تكوني لسا زعلانه مني ، طب بصيلي،
” ليلى” أرجوكي بصيلي عشان خاطري ده أنا محتاج حضنك أوي النهاردة.

توقفت عن البكاء ورفعت يديها عن وجهها وبصوت متقطع تساءلت وهي تلعق دموعها.

_ “عزيز” هو أنت تعبان.

أسرع بضمها إلى صدره حتى يخفي رقرقة الدموع في عينيه.

_ تعبان أوي يا “ليلى”، تعبان…

شحب وجهها وحاولت دفعه عنها حتى ترى وجهه وتفهم سبب علّته.

_ “عزيز”،قولي حاسس بأيه… خلينا نروح للدكتور طيب..

تمسك بها دافنًا رأسه في حضنها ، فأخذت تتساءل بلسان ثقيل.

_ قلبك بيوجعك ولا إيه بالظبط… “عزيز” رد عليا.

ازداد في تمسكه بها.

_ خليني في حضنك يا ” ليلى” ومتسأليش…

دمعت عيناها هذه المرة من أجله ومررت يدها على ظهره.

_ طب قولي وريحني فيك إيه.

أبتعد عنها ووقف سريعا مُنتصبًا حتى لا ترى دموعه.

_ أنا هدخل الحمام أتوضا وأصلي لأني حاسس نفسي مخنوق أوي.

تحرك من أمامها دون أن يعطيها فرصة للتساؤل مجددًا وقد أقتحم عقلها العديد من الأفكار التي زادتها أختناقًا.

أغلق باب الحمام ثم استند إليه وحرر دموعه الحبيسة.

_ هتفضل في دايرة من الكذب طول ما أنت مخبي عليها وهتفضل هي معاك في دايرة من الحيرة…

ولولا معرفته أنه أختار المكان الذي لا يصلح فيه البكاء لكان بكى بكل قوته.

أطبق جفنيه لدقائق ثم فتحهما بعدما أستمع إلى طرقاتها على الباب ودلوفها.

_ “عزيز” ، مش هسيبك غير لما تقولي فيك إيه… أو أخدك من أيدك ونروح للدكتور.

…

رفرفت “زينة” بأهدابها عدة مرات بعدما بدأت تلك الرائحة القوية الخاصة به تتسلل إلى أنفها.

_ “زينة”، أنت سمعاني، أفتحي عينك.

فتحت عينيها ببطء، فزفر “هشام” أنفاسه دفعة واحدة.

_ خضتيني عليكي ،الحمدلله فوقتي.

أبتسمت و أسرعت بألتقاط يده.

_ خليك جانبي، أنا مش عايزه حاجة منك غير إني أكون معاك…

أطلق “هشام” تنهيدة طويلة ونظر إليها بتعمق.

_ أمتى حصلتلك حادثة الأغتصاب.. ؟

أغمضت عينيها وحركت رأسها برفض.

_ مش عايزة أتكلم، لما بفتكر بتخنق أوى وبسمع صوتهم كلهم..

أشاح “هشام” بوجهه عنها.

_ براحتك، أنا طلبت أكل عشان شكل ضغطك واطي… فـ هناكل ونمشي و زي ما قولتلك أنسيني وشوفي حياتك وحاولي تتعالجي يا “زينة”.

قاسي مثل والدها، هكذا أخبرها عقلها لكنها أسرعت بهز رأسها رافضة ما جال بخاطرها، فهي رأت فزعته وقلقه عليها ، هو يكذب بالتأكيد.

_ هو أنت ليه مش عايز تحبني!!

رد وهو ينهض من جانبها.

_ عشان مينفعش، علاقتنا من الأول غلط.

أرادت الكلام لولا نداء ذلك العامل عليه.

_ “هشام” بيه، أنا جبت الأكل يا بيه.

أتجه “هشام” إلى الجهة التي أتى منها صوت العامل، فرفعت يدها تضعها على قلبها الذي هدرت دقاته لكن عيناها فجأة لمعت ببريق الأمل.

_ فين شنطتي، لازم أبعت رسالة لخالتو أقولها إني هبات عند “نيفين” النهاردة وأبعت لـ نيفين رسالة كمان.

دارت عيناها بالمكان وقد ألتقطت أخيرًا مكان حقيبتها.

…

هزت “ليلى” رأسها لا تستوعب ما تسمعه منه.

_ أنت و “نيهان” أتخانقتوا وعايزين تفضوا الشراكة.

أومأ “عزيز” برأسه دون أن ينظر إليها ، فهو يخجل من نفسه لأنه كاذبًا ومُخادعًا.

_ “نيهان” وقعني في كذا صفقة فاشلة يا “ليلى” وفي النهاية خسرت فلوس كتير وممكن أفلس.

وضعت يدها على شفتيها وحدقت به.

_ فلوس ولاد أخويا أمانة في رقبتي، لو على فلوسي بس مكنتش هزعل أوي كده لأني قادر أرجعها وأبدء من الصفر من تاني.

أسرعت بألتقاط يديه وضمتهما مع يديها.

_ إن شاء الله مش هتحصل حاجة وحشة يا “عزيز” والشغل هيرجع زي الأول ، هو عشان كده أنت أصريت إن “سيف” يشتغل معاك.

هرب “عزيز” بعينيه بعيدًا عن صدق نظراتها وقال بعدما وضع برأسه على الوسادة.

_ متقوليش حاجة لـ “سيف” لأني مفهمه إن مافيش حاجة في الشغل بتواجهنا ، تمام.

تطلعت إليه بتردد لكن عندما رأت نظرته، حركت رأسها.

_ حاضر.

أبتسم “عزيز” بأبتسامة تعكس المرارة التي تقف في حلقه وقال وهو يلتقط يدها.

_ عايز أنام في حضنك…

تسمعه عندما يُريد الكلام ، تُلبي ندائه وتطيعه كل ما لديها، تغفر له عندما يأتي إليها مُعتذرًا وتفتح له ذراعيها.

ضمت رأسه إلى صدرها ومسحت على شعره قائلة بنبرة صوت دافئة:

_ هفضل جانبك يا “عزيز” متخفش ، نام.

تمالك نفسه حتى لا يصرخ عاليًا ويُخبرها إنه لا يستحق حبها الكبير له.

_ غمض عينك ونام وأنت مطمن…

والقرب لا يزيد قلبه إلا وجعًا، هو يخدعها ويكذب عليها مرارًا ، هل هذا ما تستحقه منه؟

_ سامحيني يا “ليلى”، سامحيني مقدرش أصارحك دلوقتي.. هكون أناني معاكي للمرة التانية.

قالها مُغمغمًا بصوت لا تسمعه…

…

وضع “هشام” الطعام ونظر إليها.

_ تعالي عشان ناكل وبعدين أخلي السواق بتاعي يوصلك بعربيتك لأنك مش هتقدري تروحي لواحدك.

نهضت “زينة” من مكانها وتحركت نحو طاولة الطعام المُستديرة.

_ عارف إنك بتحبي السمك، فحبيت أخر حاجة بينا تكون عزومة حلوة.

هتف بكلامه وهو يربت على خدها ، فأغلقت عينيها مستمتعه بحنان لا تراه ولا ترسمه في خيالها إلا معه لأنها أختارته بطلها.

_ أقعدي يلا.

حرك المقعد لها وعاملها بكل تهذيب تعجبت منه وتعجب هو أيضًا من نفسه.

بدأت في تناول حساء السمك أولًا ثم نظرت إليه، فوجدته مُنشغلًا في تناول وجبته.

أبتلعت ما تناولته ثم أفلتت الطبق من يدها حتى ينسكب عليها.

_ هروح إزاي كده، ريحتي بقت كلها سمك.

أجفله صوت صياحها ثم إزاحتها للمقعد ونهوضها من عليه.

_ الشوربة مكنتش سخنه يا “زينة” ولا أنا بيتهيألي..

أمتقع وجهها وهتفت بضجر.

_ ريحة السمك بقت على هدومي…

أشار “هشام” نحو الحمام.

_ طب الحمام عندك روحي نضفي نفسك…

أومأت برأسها وسارت نحو الحمام، فتنهد بضيق وهو يُخلل أصابعه في خصلات شعره.

أجفلته مرة أخرى بصياحها، فأتجه نحو الحمام مهرولًا ليجدها على الأرض وتمسك إحدى ساقيها.

_ رجلي، آه…

لم ينتبه “هشام” على ما كشفته من جسدها بعدما تخلصت من بلوزتها وأقترب منها.

_ إيه حصل لرجلك، خليني أشوفها..

بعينين دامعتين تمتمت.

_ أتزحلقت.

زفر أنفاسه بسأم ونظر لمكان وجودهم.

_ خليني أسندك عشان نخرج من الحمام..

تظاهرت بمحاولتها على النهوض ثم خرجت صرختها.

_ مش قادرة أتحرك.

أغمض “هشام” عينيه لوهلة ثم حملها متمتمًا.

_ خلينا نشوف رجلك عشان نخلص من اليوم العجيب ده…

سار بها، فأحاطت بذراعيها عنقه.

_ خلينا نطلع فوق عشان أنا مش لابسه حاجة غير…

قطعت كلامها عندما وجدته ينظر إلى ما لم يعد مستورًا من جسدها.

رمقها بنظرة طويلة وثاقبة ثم صعد بها لأعلى وقد بدء يفهم نواياها وأن ما حدث دبرته تلك الحمقاء الصغيرة.

وضعها على الفراش ثم نظر حوله.

_ شوفي حاجة غطي بيها جسمك من فوق وأنا هشوف مرهم يخفف الوجع.

_ “هشام”.

خرج صوتها بخفوت و أسرعت بألتقاط يده.

_ مش ديه أخر ليلة سوا وبعدين هتحرق الورقة ،خليني أقضيها معاك…

أطبق على يده الأخرى دون أن ينظر إليها.

_ أنا بعت رسالة لخالتو قولتلها إني هبات عند واحده صاحبتي.

والكذب في دمائها كالعادة.

_ خليني معاك…

أستمرت في التوسل إليه ،فاستدار إليها يرمقها بنظرة مُظلمة.

_ ماشي يا بنت “عدنان” ، بعد الليلة ديه طريقنا هينتهي ومش عايز أشوفك تاني.

أبتسمت ابتسامة واسعة وحركت رأسها وهي تعلم إنها لن تكون الليلة الأخيرة معه.

أتجه “هشام” نحو الباب المفتوح وأغلقه وقد عادت الرغبة تتوقد في عينيه وعاد إلى خطيئته المُحرمة.

والليلة ستكون ليلة بلا قيود و بلا أحتراس.

_ أنتِ لعنة حطت عليا يا بنت “عدنان”.

…

دخل “سيف” المطبخ مُناديًا على العم “سعيد” بمرح بدء يعود إليه.

_ طبخت لينا إيه النهاردة يا راجل يا عجوز.

اِستدار العم “سعيد” إليه ونظر إلى الخادمة التي تقف معه.

_ ورق عنب بالكوارع.

أرتفع صياح “سيف” بسعادة.

_ أيوة بقى يا عم “سعيد”، قول وأشجيني.

بدء العم “سعيد” يُخبره بأصناف اليوم ،فأقترب منه “سيف” وقـ,ـبله على خده.

_ عمي في أوضته مش كده…

_ أه و ليلى نزلت أخدت الاكل وطلعت أوضتهم تاني.

حرك “سيف” حاجبيه بطريقة مضحكة وقال وهو يرفع رأسه إلى أعلى.

_ يا سلام على الدلع، أنا عايز أدلع يا عم “سعيد”.

وَكَزَه العم “سعيد” علي ذراعه قائلًا بأستياء عندما رأى
” كارولين” تدلف إلى المطبخ.

_ والله أنت أختارت دلع طعمه ماسخ، أشرب بقى.

أتجهت أنظار “سيف” نحو “كارولين” التي تساءلت بوجه ممتعض.

_ أين هي “ليلى”؟

ألتوت شفتيّ العم “سعيد” عندما أستمع إلى صوتها.

_” ليلى” مع البيه فوق بتأكله بأيدها.

ضاقت حدقتيّ” كارولين” بطريقة مُلفته ، لتصدح ضحكات
“سيف” بقوة ثم غمز بطرف عينه له.

_ ياريتني سمعت كلامك يا عم” سعيد” كان زماني مدلع…

…

توقف” مراد” عن حديثه بالهاتف ثم أغلق الباب ونظر إليها.

ألتفت” أشرقت” جهته ورمقته بنظرة شزرة وعادت إلى ما تفعله أمام المرآة.

أستكمل مكالمته وعيناه عليها وقد ألقت بتلك العبوات من على طاولة الزينة.

_ نكمل كلامنا بعدين وزي ما فهمتك خلي عينك عليها كويس…

ضر….بت “أشرقت” طاولة الزينة بيديها بغضب ،فأقترب منها مُجتذبًا ذراعها قبل أن يصل جنونها إلى المرآة وتُهشمها.

_ لا بلاش جنون، عندنا حفله بعد كام يوم مش ناقص تحطيني تحت العيون ويقولوا معذبك.

دفعته عنها بكل قوتها.

_ أبعد أيدك عني مبطقش لمستك ليا وأعمل حسابك بكره هرجع شغلي…

اِفتر ثغر “مراد” عن أبتسامة عابثة وألقى بنظرة خاطفة نحو العبوات التي ألقتها أرضًا.

_ أنا فهمت دلوقتي سر عصبيتك يا حببتي ،طبعًا إزاي المستشارة بنت المستشار تظهر بوشها الشاحب البهتان وعيناها اللي كلها نظرة ذل.

أخفضت رأسها سريعًا وأطبقت شفتيها حتى لا تبكي أمامه.

_ هترجعي شغلك يا حببتي عشان تعرفي تدوري ورانا كويس وترمينا في السجن.

رفعت عيناها التي تقابلت مع نظرته التي ومضت بالسخرية.

_ مش سهله أنتِ يا حببتي.

صرخت بعلو صوتها عندما أجتذب خصلات من شعرها.

_ تعرفي أكتر حاجة بقيت أحبها إيه ، لما أسمع صوتك الحلو وبعدها أنتِ عارفة ببسط نفسي وأبسطك إزاي.

تمالكت ضعفها ودفعته عنها ثم أسرعت نحو باب الغرفة حتى تفتحه لكنه كان أسرع منها وأغلقه ثم ألتقط المفتاح.

_ هسجنك يا “مراد” ولو مسجنتكش يبقى هقتـ,ـلك…

ضاقت حدقتيّ “مراد” ثم قهقه وهو يُمرر يده على عنقها.

_ موافق تقتـ,ـليني يا “شوشو”..

وأبتعد عنها حتى يُخرج لها سلا….حه.

_ خدي أقـ,ـتليني، يلا أعمليها ديه فرصتك…

دفع سلاحه إليها ،فأرتعشت يدها وهي تلتقطه منه.

_ أه، قبل ما تقتـ,ـليني عايز أقولك إني وفيت بوعدي وروحت
لـ “لبنى” هانم للمرة التانية وقالتلي مش عايزه تشوفك غير لما ترجعي بنتها القوية وتاخدي حقك مني

وأستطرد بأستخفاف.

_ بصراحه أبهرتني، هي أمك متعرفش أنتوا بتلعبوا مع مين كويس.

أرتعشت شفتيها وتقهقرت إلى الوراء ثم سقطت على الفراش ومازالت تقبض على سلاحه بيديها.

_ أنت عايز مننا إيه ؟

تجلجلت ضحكات “مراد”.

_ هعوز منكم إيه يا حببتي ، اللي كنت عايزه نفذته وبقيتي عارفه بشغلنا وإزاي أستغلينا كل أحتفال من مراحل أرتباطنا في مصالحنا…

باغتها بأجتذب السلاح من يدها عندما رأى الحيرة في عينيها.

_ هقولك على سر ، بس خلي بينا يا “شوشو”، أنا مستني طفل تاني منك… والمرادي هتخلفي وهاخده منك وأسافر.

انتفض جسدها في فزغ، فهل وقعت في يدين رجل مريض، رجل ربما مسه الجنون؟

_ مصدومة كده ليه، فكري تعمليها تاني وتجهضي… و أنتقامي هيكون عسير يا بنت المستشار ومش بعيد يطول أهلك … وأنا بصراحه مبحبش سيادة الرائد أخوكي.

_ لأ، لأ…
بحّ صوتها من شدة صراخها الذي هزَّ أرجاء الفيلا… فنظرت “سيلين” زوجة “عدنان” إلى الخادمة التي وقفت أمامها.

_ زي ما أتفقنا هتحطي ليها في الأول جرعة بسيطة…

…

نظر “هارون” إلى تلك الخادمة التي أتت إليه بحبة الدواء وكوب الماء ، ألتقط منها الحبة ووضعها بتمهل بين شفتيه ثم أخذ الكوب وأرتشف منه ومازالت عيناه عليها.

أرتبكت الخادمة من نظرته لها ، فهي تعلم إنها ليست نظرة عادية.. نظرة يُخبرها فيها بما صارت تفهمه.

_ حبيبي، أنا عندي عشاء عمل النهاردة و “بيسان” هتكون معايا … فـ اتعشا أنت.

توتر وأنتفض قلبه عندما أستمع إلى صوت “سمية” ثم أشاح عيناه عن تلك الواقفة أمامه.

_ محتاج مني حاجة تانيه يا بيه.

أتجهت عينين “هارون” إلى “سمية” التي تولت مهمة الرد عنه.

_ لو البيه محتاج حاجه هيطلبك… على المطبخ وناديلي “شادية”.
جفاء “سمية” في معاملة تلك الخادمة جعل “هارون” يهتف بلوم.

_ براحه يا “سمية” هي قالت إيه…

قطعت “سمية” كلامه وهي تضع هاتفها داخل حقيبة يدها.

_” هارون” من فضلك ، سيبني أنا أتعامل مع الخدم.. حنية قلبك ديه مخلياهم كل شوية يأما أجازات أو عايزين أكراميات فوق مرتبتهم أو بيتوسطوا لينا نشغل حد وأهي أخرهم البنت ديه وجات زيادة عدد.

تنهد” هارون” ثم أغلق عينيه مُتظاهرًا بالتعب ورغبته بالعودة إلى الفراش.

_ شكلك تعبان يا حبيبي، “شادية” يا “شادية”..

أتت الخادمة “شادية” سريعًا ، فأشارت إليها.

_ “هارون” بيه مواعيد أدويته ياخدها زي ما أنا قايله ليكي ومحدش يكون مسئول عنه غيرك ، مفهوم.

هزت الخادمة رأسها دون أن ترفع عيناها، فخرج صوت “هارون” بوهن.

_ حببتي، متقلقيش عليا أنا كويس…

ابتسمت “سمية” واقترب منه تلثم خده بقبـ,ـلة سريعة.

_ أهم حاجة عندي صحتك يا حبيبي، متنساش تاخد أدويتك.

حرك “هارون” رأسه رابتًا على يديها بعدما ألتقطهما.

_ حاضر يا حببتي…

غادرت “سمية” بعد أن أعطت تعليماتها للخادمة موصية ألا يهتم أحد به إلا هي.

_ “شادية” أنا طالع أوضتي وبعد شوية أبعتيلي “سماح” بطبق المية الدا……فية لأني محتاج حد يدلك رجلي…

أسرعت “شادية” بالرد.

_ حاضر يا بيه..

سار “هارون” أمام أنظارها بخطوات بطيئة تُناسب صحته ثم اِستدار إليها.

_ أنتِ عارفة أكيد إيه المطلوب منك يا “شادية” بعد ما
“سماح” تطلعلي أوضتي…

أخفضت “شادية” رأسها ، فهى تعلم العلاقة التي تجمع سيدها بتلك الخاد….مة ، علاقة لا أحد يعرفها إلا هي وما عليها إلا الصمت وعدم الخيانة لا إلا العقاب سيكون وَخِيمًا…

الفصل المائة والسبعة(1)
🌻ظنها د….مية بين أصابعه🌻

في مخيلتها كان الزواج هو ما يرفع من مكانة المرأة أبنة العائلات الراقية لكن عليها أن تُحسن أختيار الزوج وتأتي عائلته ووضعه الأجتماعي على قمة هذا الأختيار وقد رسخت هذا الفكر والدتها داخلها وأزدادت أقتناعًا به وهي ترى والدتها كيف تتفاخر بوالدها بكل مكان وكيف تتباهى نساء عائلتها ومعارفهم بأزواجهن ولم يتوقف الأمر عند قناعتها وحسب بل بدأت تراه تحديًا بعد زواج “زينب” أبنة عمها المنبوذ ومن ما….ت وهو مديونًا ، تتزوج زيجة راقية يتحدث عنها الجميع وهي أبنة المستشار “هشام الرفاعي” تبقى هكذا دون رجل يُعزز من مكانتها الأجتماعية.
أرتفع بوق السيارات من حولها حتى تنتبه على أنفتاح الأشارة. أخذت “أشرقت” نفسًا عميقًا ثم أنطلـ,ـقت بـ سيارتها نحو منزل عائلتها وفي داخلها أملًا كبيرًا أن تفتح لها والدتها ذراعيها هذه المرة وتغفر لها جُر…مها.

_ أكيد المرادي قلبها مش هيقسى عليا وهتسامحني لما تعرف إني راجعه شغلي عشان أخد حقي منه وأدمره…

وبنبرة مهزوزة واصلت حديثها مع نفسها بمرارة.

_ أنا عارفه إنها بتقسى عليا عشان أرجع قوية من تاني وأنا هرجع من تاني المستشارة “أشرقت” بنت المستشار
“هشام الرفاعي” و “لبنى” هانم

ورغم مُحاولتها وتكرارها لتلك الكلمات إلا أنها فور أن وقفت بالسيارة انْتابَها شعور بالخوف من نبذ والدتها لها كما فعلت بالمرات السابقة.

_ لأ يا ماما، أرجوكي بلاش المرادي ، أنا بقيت محتاجاكي أوي عشان أصلح كل حاجة وترجعي ترفعي رأسك بيا من تاني…

وأرخت أجفانها وبدأت مرة أخرى تُرتب الكلمات التي ستجعل قلب والدتها يلين عليها ثم غادرت سيارتها وفي عينيها نظرة خاوية من المشاعر لكن حينما رفعت رأسها نحو الطابق الذي تسكن فيه عائلتها تحولت نظرتها إلى أخرى بها حنين نحو دفئ عائلتها وتلك العزة التي كانت تشعر بها وهي في كَنَفهم.

_ هدفعك التمن غالي يا “مراد” زي ما خسرتني كرامتي قدام أغلى حد عندي.
قالتها وهي تضع نظارتها التي أخفت نصف وجهها وسارت إلى داخل البناية التي تتكون من خمس طوابق.

أبتسم حارس البناية ورحب بها ثم عاد لمكان جلوسه.
وقفت أمام المصعد بتردد ثم تراجعت عندما شعرت أن الدموع تجمعت في مقلتيها وهتفت وهي تُسرع بخطواتها إلى خارج البناية.

_ مش هتقبل بيا وأنا ضعيفة، أنا لسا لحد دلوقتي مكسورة وضايعة ، مش هرجع ليها غير وأنا قوية.

تعجب الحارس من مغادرتها بتلك الطريقة ثم عاد إلى التحديق بهاتفه وأستكمال أرتشاف كوب الشاي.

_ سيادة المستشارة يا فندم قدامنا بعربيتها ، أضر….ب ليا كلاكس.

انتبه “هشام” على ما يخبره به سائقه ونظر نحو سيارة أبنته.

_ أقف قصادها عشان تاخد بالها.

أرتبكت “أشرقت” عندما وجدت سيارة والدها تقف جوارها ويُحيها سائقه بتحريك رأسه.

ترجل “هشام” من السيارة يخفي توتره من عدم مبيته بالمنزل ورفقته لأخر أمرأة ظن أن يُرافقها أو يهواها قلبه العطش لعودة شبابه.

_ إيه يا حبيبت بابا ، أوعي تقوليلي كنتي بايته عندنا وأنا ضيعت الفرصة الحلوة ديه.

ابتلعت “أشرقت” لُعابها وشعرت بالأمتنان نحو النظارة التي ترتديها وتخفي بها عينيها وبؤسها وبصوت حاولت أن يكون ثابتًا ردت وهي تشيح وجهها عنه.

_ كنت جاية أفطر مع ماما لكن أفتكرت إني لازم أكون في مكتبي بعد نص ساعة ، حضرتك عارف إن في قضية مهمة لازم أبدء التحقيق فيها وأتابعها.

أنفرج ثغر “هشام” عن أبتسامة خفيفة ثم وضع يديه على وجهها.

_ أيوة كده عايزك ترجعي لشغلك ويرجع الحماس من جديد، أنا قولت خلاص شكل بنتي الجواز هياخدها من شغلها وطموحها هيضيع مع دلع الجواز وتتحول لـ ست بيت كل تفكيرها في البيت والولاد.

سيطرت “أشرقت” على أرتعاش شفتيها وابتعدت عنه.

_ لأ متقلقش يا سيادة المستشار بنتك هترجع أقوى وهتفضل ديما رافع رأسك بيها.

أصابت بحديثها قلبه الخائن ، أبنته توعده أن تجعله رافع الرأس بها لكن هو ماذا فعل؟

أخفض “هشام” رأسه هربًا من أن ترى أبنته خيانته لوالدتها.

_ أنا واثق فيكي يا حببتي وركزي في شغلك عشان في ترقيات قريب هتحصل…

والخوف من الخزي لم يكن يثقل كَاهِلها فقط بل شاركها بـ عا…..ر أشد لا غفران فيه .

_ أنا هسبقك على الشغل يا سيادة المستشار وسلملي على ماما، قولها إنها وحشاني.
تمتمت تلك الكلمات بثقل يجثم على روحها ثم ودعته بقبـ,ـلة سريعة وضعتها على خده وصعدت سيارتها مُنطلقه بها إلى عملها وقد برقت الدموع في عينيها .
…

غمرتها السعادة وتوهج بها وجهها وهي تراه يُقبل يدها بعدما ألتقط منها فنجان قهوته.

_ تسلم أيدك يا حببتي.

نظرتها السعيدة نحو هذا التقدير البسيط منه ،جعلته يشعر بتأنيب الضمير نحو ما فعله بها بالأيام الماضية.

_ “عزيز” هو أنت هتقضي اليوم كله في البيت ومش هتروح الشغل وتقول مش فاضي…

أطرق “عزيز” رأسه نحو فنجان القهوة ثم أرتشف منه رشفة صغيرة بتمهل و رد عليها بمزاح زادتها دهشة من أمره.

_ ديه رابع مرة تسأليني يا “ليلى”، أروح الشغل طيب وأقولهم في المصنع مراتي طردتني من البيت.

أسرعت بالرد وهي تجلس جواره.

_ لأ أنا بسأل بس ومش مصدقة إنك رجعت تديني شوية أهتمام زي الأول.

رمقها بنظرة أختلطت فيها مشاعر عدة ثم تنهد وترك فنجان القهوة جانبًا وأجتذبها إلى حضنه.

_ حقك عليا يا ” ليلى”، أنا عارف إني الفترة اللي فاتت مكنتش تمام معاكي لكن أنتِ ديمًا أكرم مني في حبك ولا هيجي يوم وتكوني بخيله عليا.

قالها وهو يخشى اليوم الذي تهجره فيه إذا علمت بالسر الذي يثقل أكتافه ويجعله أمام نفسه وأمامها كالمذنب.

رفعت وجهها إليه ودققت النظر فيه حتى تتأكد أن الرجل الذي أمامها هو “عزيز” زوجها.

_ مالك يا “ليلى” بتبصيلي كده ليه؟

حدقته بنظرة طويلة ،نظرة زادت من ذلك الألم الذي يعتصر فؤاده وحتى يهرب من ضعفه وتوتره شاكسها.

_ شكلك معجبة صح ، قولي متتكسفيش أنا زي جوزك برضو.

أهتزت شفتيها مع تلك الابتسامة التي بدت على ثغرها.

_ أنا عيني مش بتشوف غيرك يا “عزيز”.

«عيني مش بتشوف غيرك. » ما أجملها عبارة تثلج الصدر وما أقساها على روحه المُعذبه وفي هذه اللحظة تمنى أن يستطيع البوح لها بعجزه الذي ستشاركه فيه ،عجز لا يعرف ما هو نهايته.

وضع رأسها على صدره حتى لا ترى لمعة الدمع في عينيه مُتنهدًا تنهيدة طويلة.

_ خليكي في حضني، أنا بنسى الدنيا كلها وأنا في حضنك.

أبتسمت عندما صَرَح لها عن أحتياجه لحضنها.
سَرَت الرجفة في جسده وسيطر على دموعه التي ربما تخونه مرة أخرى عندما وجدها تشد من ضمها له بذراعيها.

أطبق جفنيه بوهن وترك قلبه يتنعم بتلك اللحظة التي لا يُعوضها شئ.

أشتعلت عيناي “كارولين” بالحقد وهي تراهم بهذا الوضع ثم مضت في طريقها نحو سيارتها الجديدة التي أهداها لها “سيف” في عيد الحب بعد أن أخبرته أنها تُريد سيارة تكون ملك لها وليس ملك لكل أفراد المنزل.

…

ارتبكت “زينة” عندما رأت صديقتها “نيفين” تتفرسها بفضول لتُسرع بأشاحة وجهها عنها مُتسائلة.

_ بتبصيلي كده ليه يا “نيفين” ، خلينا نروح على المحاضرة.

ضاقت حدقتي “نيفين”وأجتذبت ذراعها وابتعدت بها قليلًا حتى لا يسمع أحد حديثهن.

_ كنتي معاه صح وقضيتي الليلة في حضنه، مش هو ده اللي بسببه بقالك فترة تعبانه ومكتئبة ،قوليلي إزاي قدر يضحك عليكي وترجعيله.

أرادت “زينة” الكلام حتى تُبرر لها سبب عودتها له.

_ أنا نفسي أعرف مين هو، ما هو أكيد مش حد من الشله بتاعتنا..

ثم وقفت “نيفين” قبالتها تتمكن من التأثير عليها.

_ من أمتى وإحنا بنخبي عن بعض حاجة، ده أنا كل أسراري معاكي يا “زينة”.

توترت “زينة” وهي تنظر في عينين صديقتها.

_ مش هقدر أقولك هو مين لأني وعدته وأنا مصدقت رجعنا تاني لبعض.

عقدت “نيفين” ساعديها أمامها بسخرية.

_ لدرجادي عرف يضحك عليكي بكلمتين…
ثم أردفت وقد اعتراها القلق.

_ أنا مش مرتاحه للعلاقة ديه ومش هفضل أكذب على طنط “إلهام” كتير.

شحب وجه “زينة” ،فأشاحت هذه المرة “نيفين” وجهها عنها.

_ “نيفين” متضغطيش عليا دلوقتي وبلاش خالتو تعرف حاجة..

وعندما لم تجد “زينة” رد منها، قبضت على ذراعيها حتى تُحركها جهتها.

_ أوعديني يفضل الموضوع ده سر بينا لحد ما أنا أصارحك.

زمّت “نيفين” شفتيها بعبوس،فقرصت “زينة” خديها حتى تجعلها تبتسم.

_ أوعديني بقى عشان أنا مبسوطة أوي يا “نيفين” ومش مصدقة إننا أتصالحنا.

أزاحت “نيفين” يديها عنها ثم أبتسمت.

_ خلاص سامحتك ما دام وعدتيني إنك تقوليلي هو مين.

عاد التوتر يحتل قسمات وجه “زينة” ، فهي وعدت “هشام” أن علاقتهم ستظل سر بينهم لكن “نيفين” لن تتركها إلا إذا علمت بهوية الرجل الذي تواعده.

…

ألتمعت عيناي “ليلى” وهي ترى الشقة التي يفكر “عزيز” في شرائها في أحدى المدن الجديدة التي يقصدها الناس من أجل التمتع بأجواء الصيف.

_ إيه رأيك؟ عجبتك الشقة …

نظرت “ليلى” إلى المنظر الخارجي الذي تطل عليه تلك الشقة وهتفت بحماس.

_ هتكون بتاعتنا، يعني هنروح نصيف فيها ، أنا بحب البحر أوي.

داعبت شفتي “عزيز” أبتسامة خفيفة وهي يرى سعادتها.

_ لو عجبتك نشتريها.

أومأت “ليلى” برأسها ثم تساءلت بحيرة.

_ هو ينفع نشتريها الفترة ديه ، أنت بتمر بمشاكل في الشغل وأكيد محتاج كل قرش يا “عزيز”…

تعمق “عزيز” بالنظر في عينيها التي تلمع بالبراءة ، فهو يملك أمرأة لا مثيل لها، أمرأة صنعت منه رجلًا أنانيًا ومُتملكًا في حبها.

_ الشقق ديه استثمار كمان حلو يا “ليلى”، قولي بس رأيك عشان أتكلم مع المالك وأشوف سعرها.

التقطت “ليلى” منه الهاتف حتى تنظر مرة أخرى إلى الصور المعروضة لتلك الشقة.

_ بصراحه هي حلوة وأسمع إن مدينة العلمين الجديدة ناس كتير دلوقتي بقت بتحب تصيف فيها….

وبضحكة جميلة واصلت كلامها.

_ أقصد صفوة المجتمع ،إحنا ممكن نشتري في مكان أرخص عادي يعني… أنا كنت بصيف في رأس البر ونقعد على الشط أنا وماما “عائشة” وبابا “حامد” وناكل محشي و مكرونة بالبشاميل.
صدحت قهقهة “عزيز” عاليًا والتي أجتذبت أنظار العم “سعيد” إليهم.

_ محشي ومكرونه ، تصدقي نفس راحت ليهم..

أجفلهم العم “سعيد” بصوته صائحًا.

_ لأ أنا أطلع على السوق وأشتري ليك الكرنب بنفسي ، ده أنت تقول نفسي بس في حاجة وأنا أعملها ليك علطول.

توقف “عزيز” عن الضحك واِستدار إليه.

_ وماله يا عم “سعيد”، أطلع على السوق وأشتري كل اللي نفسك فيه وطول براحتك.

اتسعت ابتسامة العم “سعيد” عندما فهم مبطن كلامه وغمز له بطرف عينه.

_ شكل نفسك مفتوحه يا بيه، هروح أشتري الطلبات وهتأخر على قد ما أقدر، أهم حاجة وشك يرجع ينور من تاني.

انسكب الماء من فم “ليلى” والذي أبتلعت جزء منه ودارت بعينيها بينهم بعد أن فهمت ما يرمي إليه كل منهما.

_ أنتوا بتقولوا إيه؟

التف “عزيز” إليها بعد أن خرج صوتها مُتحشرجًا وتطلع إلى الماء المُنسكب على ملابسها ثم التقط الكوب منها.

_ خدي نفسك براحه الأول ومتركزيش في كلام الراجل العجوز، عم “سعيد” انا شايف إنك كده هتتأخر على السوق.

ضم العم “سعيد” حاجبيه ثم تحرك إلى الوراء بخطواته مُبتسمًا.
_ نهارك فل وياسمين يا بيه…

…

توقفت أمام غرفة سيدها وهي تحمل طبق به ماء دافئ حتى تقوم بتدليك قدميه كما أمر.
أطرقت الباب بخفة ثم هتفت بصوت خافت.

_ أنا “سماح” يا بيه، أدخل..

أتاها صوت “هارون” الواقف في منتصف حجرته وقد أنهى المكالمة التي كان يقوم بها بعجالة ثم أتجه نحو الباب حتى يفتحه.
تخضبت وجنتيها عندما وجدته يرتدي على بيجامته الرجالية مئزر رجالي ثم أشار لها بالدلوف.

_ تعالي…

نظرت إليه ثم طأطأت رأسها ودخلت الغرفة التي أغلق بابها على الفور.

اِستدارت إليه وفي عينيها نظرة تحمل خوف يمر سريعًا عندما تجد منه مُعاملة حسنة ولمسات بريئة دون تجاوز للحدود رغم أنها زوجته بعقد على يد محامي قام بكتابته أمامها وأمام شاهدين لكن لا تعلم هل ما تم زواج صحيح أم لا.
_ هتفضلي ماسكه الطبق كده ،حطيه على الأرض.

أستجابت لأمره سريعًا وسارت جهة الفراش حتى تضع الطبق قربه.

أبتسم “هارون” وألتمعت عيناه بشعور أفتقده منذ زمن.

_ تعالا شوف يا بيه، المية دافية كده على رجلك.

اقترب “هارون” منها بعدما فك رباط حزام مئزره وجلس على الفراش.

_ أنتِ بتتعبي نفسك وتملي الطبق من تحت ليه ، هنا في حمام وتقدري تملي الطبق منه…

رفعت عيناها إليه ثم أخفضتهما بحرج.

_ حط رجلك براحة…

رفع “هارون” قدميه ووضعهما داخل الطبق ثم أصدر صوتً خافتًا ،فتساءلت بلهفة.

_ إيه سخنه على رجلك، أنزل أبردها ليك شوية..

أسرع “هارون” بوضع يده على رأسها حتى لا تتحرك.

_ أقعدي يا “سماح” ، متتحركيش.

توترت من وضع يده على رأسها وبدأت في تدليك قدميه.

_ قوليلي روحتي بأبنك للدكتور.

نظرت إليه وفي عينيها نظرة سعيدة بسبب سؤاله الدائم عن صغارها.

_ روحت يا بيه، ربنا ميحرمنا منك وأشتريت ليهم فاكهة وحاجات حلوة كتير كان نفسهم فيها وكله من خيرك بعد ربنا…

توهجت ملامح “هارون” ومرر يده على خدها.

_ أي حاجة تعوزيها، أطلبيها من غير ما تتحرجي يا “سماح”.

أومأت سريعًا برأسها وعادت لتدليك قدميه.

ابتلع “هارون” ريقه وهو ينظر إلى فتنتها، فحتى هذا اليوم لم يلمسها كما يلمس الرجل امرأته.

طرقات خافتة على باب الغرفة ،أنتشلته من تأمله وهتف بضيق.

_ حطي الصينية عندك بره يا “شادية” وقولت بلاش أزعاج.

أذعنت ” شادية” لأمره ووضعت الصينية التي تضع عليها الدواء والذي عليه أخذه بعد نصف ساعة.

_ حاضر يا بيه…
ثم تحركت وهي تتمتم بخوف.

_ مصيبة هتحط على رأسي لو عرفت “سمية” هانم إني مخبيه عليها حاجة.

توقفت “سماح” عن تدليك قدميه ليتساءل.

_ وقفتي ليه ؟

ردت سريعًا.
_ هطلع اجيبلك الدواء من قدام الباب…

هز رأسه إليها ،فنهضت بأرتباك وأتجهت نحو الباب.

_ اقفلي الباب ومتخافيش من حاجة.

اقتربت منه وهي تنظر إلى الصينية التي تحملها.

_ هيقولوا عليا إيه في المطبخ يا بيه وأنا من وقت لتاني بطلع ليك بطبق المية..

احتدت ملامح “هارون” وهو يخرج قدميه من الطبق.

_ لو حد نطق كلمة هو عارف مصيره إيه، وقربي وتعالي اقعدي جانبي.

حدة صوته جعلتها تعود إلى مكان جلوسها تحت قدميه.

_ قومي يا “سماح” من الأرض…

ردت وهو تسحب المنشفة التي تضعها على كتفها.

_ هنشف رجلك يا بيه…

التقط يدها وأجتذبها لتجلس جواره.

_ مش مهم وارفعي رأسك وبصيلي..

توهج وجهها بأحمرار خفيف وهزت رأسها رافضة.

_ مقدرش يا بيه…

خفق قلب “هارون” ووضع كلتا يديه على خديها.

_ أنا دلوقتي مش البيه يا “سماح” ، أنا جوزك.

أرتعشت شفتيها وهتفت بتعلثم غير مصدقة حتى الآن أنها زوجته شرعًا.

_ بجد يا بيه.

هز “هارون” رأسه وهو يمرر أصابعه على خديها.

_ أيوة يا “سماح”..

تلاقت عيناهم، فأقترب منه “هارون” بطريقة لم تعهدها منه وظنت أن دورها بحياته مقتصر على أشياء محددة.

_ الدوا بتاعك يا بيه..

تساءلت بأنفاس مُتهدجة بعد أن أزاح غطاء رأسها وتمكن من تحرير خصلات شعرها الذهبية وهو لا يُصدق أن أبنة الجنايني الذي خدمة لسنوات طويلة لديه أبنة بهذا الجمال ولولا أنه وصاه عليها قبل وفاته ما كان عرف بها.

_ “هارون” بيه….

غرق “هارون” بالتنعم في جمالها والذي لم يتخطى أيضًا اليوم غير لمسات أكثر جرأة إلى أن أنتهى من عبثه ونظر إليها مُتسائلًا بعدما أبتعدت عنه.

_ أنتِ بتعيطي ليه دلوقتي ؟

بنبرة صوت مهزوزة ومتقطعة ردت.

_ الحوجه وحشه يا بيه وأنا موفقتش على الجواز في السر غير بعد ما الدنيا ضاقت بيا ولقيتك بتمدلي أيدك.

الضعف الذي تُحادثه به ويراه على ملامحها يزيد من رغبته فيها رغم علمه أن الأمر إذا انكشف لن يمر بسهوله وكأنه لم يكن.
نهض من الفراش وسار إليها ثم مدَّ يديه نحو وجهها حتى يمسح دموعها.

_ العيون ديه متنفعش تعيط..

راق لها حديثه وداعب أوتار أنوثتها ،فهي أرملة منذ خمس سنوات وفقدت زوجها في سن صغير وترك لها طفلين.

_ مش هتاخد الدوا بتاعك يا بيه، الهانم موصيانا نهتم بالعلاج بتاعك عشان متتعبش.

أمتقع وجهه ثم زفر أنفاسه بضجر.

_ أنا موقف العلاج من فترة لأني مش شايف ليه تأثير على صحتي وحاسس نفسي دلوقتي أحسن.

رفرفت بأهدابها ،فأبتسم على ردة فعلها.

_ هنخلي ده سر بينا يا “سماح”، تمام…

انفرجت شفتيها بأبتسامة عريضة وهزت رأسها بتأكيد لأنه أختصها بهذا السر.

_ مش هقول حاجة قدام الهانم يا بيه ولا “شادية” ما دام أنت شايف نفسك كويس..

وأرفت بعدما مطت شفتيها بأمتعاض.

_ تعرف يا بيه أنا لا بحب الدكاترة ولا الأدوية وأهو الواحد الحمدلله عايش وصحتي حلوة.

صدحت ضحكات “هارون” بقوة ثم شملها بنظرة ثاقبة وجريئة لم تفهمها.

_ طب خدي بالك أنا مش قدك.

….

ضر.,ب “شاكر” بكلتا يديه على طاولة الأجتماعات بعدما غادر شركائه ومدراء الأقسام ولم يبقى معه إلا “صفوان” الذي أضطر للحضور بسبب غياب صالح ورغد التي بدأت اول يوم عمل بالشركة.

_ أبنك عارف إن وجوده كان مهم النهاردة لكن كالعادة لازم يخالف أوامري وطبعًا مقضيها مع الهانم ،ما خلاص بقى بقت تجره وراها.

احتقنت ملامح “صفوان” ونظر نحو “رغد” التي وقفت تستمع لهذا الحديث.

_ بابا، أنت واخد بالك بتقول إيه عن “صالح”.

ألتوت شفتي “شاكر” بمقت.

_ واخد بالي كويس أوي يا دكتور، ياريت أنت كمان تكون واخد بالك وتتأكد إن البنت ديه بقت خطر على أبنك.

قبض “صفوان” على يديه بغضب بعد أن عجز عن إيجاد رد على والده.

_ أتصل بي أو بالهانم مراته تاني خلينا نعرف راحوا فين وليه أخدوا ” يزيد” معاهم المرادي..

حرك “صفوان” رأسه بيأس وتلاقت عيناه مرة أخرى بعينين “رغد” التي لأول مرة تُبصر وضع كهذا بينهم.

_ “صالح” مش عيل صغير هندور عليه و “يزيد” ابنه يعني هو أكتر حد هيخاف عليه و الهانم اللي بقت عدوتك دلوقتي ديه مراته وكانت من أختيارك يا باشا ولا نسيت.

ألقى “صفوان” حديثه ثم غادر بعدما وجد أن وقوفه أمام والده ربما يفقده سيطرته على نفسه ويخبره بالخبر السعيد الذي أخبرته به “حورية” قبل يومين عن شكوكها بقدوم حفيد آخر لهم من “زينب”.

نظرت “رغد” إلى “شاكر” الذي أعطاها ظهره وشعرت بالتخبط ثم حسمت أمرها وغادرت وراء “صفوان” تُنادي عليه.

_ عمو “صفوان” أستنا…

توقف “صفوان” مكانه وألتفت إليها وقبل أن تتحدث وجدته يلتقط يديها قائلًا بأبوة دائمًا يُحاوطها بها.

_ أوعي يا “رغد” تمشي ورا كلامه، أنتِ الوحيدة هتطلعي خسرانه وياريت تبصي حواليكي كويس هتلاقي اللي يقدرك و يخليكي في عينه ملكة…

وبحنان ربت على خدها مُتذكرًا نظرة الشريك الجديد لأعمالهم وقد تم تأجيل أجتماع اليوم رغبة منه مُتحججًا بعدم وجود “صالح” لكن هناك شئ خفي رأه في عينيه.
ابتعلت رغد ريقها ثم أخفضت رأسها بحزن ، هي تسعى وراء حلم لا أمل فيه لكنها مُستمرة بالسعي وكأن لا عقل لها.

…

دخلت “عايدة” غرفة أبنتها حتى تُبلغها بدعوة “ليلى” لهم حتى يتناولوا العشاء جميعًا بالفيلا.

_ “شهد”، أنا رايحة الفيلا حصليني على هناك لأن “ليلى” و “عزيز” بيه عزمنا على العشا.

ثم أردفت “عايدة” بمرارة في حلقها.

_ خلينا منكسفش بنت عمك.

اختفت تلك الابتسامة التي كانت تُزين ثغر “شهد” وعادت تنظر إلى هاتفها قائلة :

_ مش عايزه أروح ، أنا مش جعانه.

قطبت “عايدة” حاجبيها بدهشه واقتربت منها.

_ ومالك بتقولي مش عايزه من غير نفس كده، ده أنتِ كنتي ما بتصدقي تروحي الفيلا وتقعدي مع “عزيز” بيه.

رمقت والدتها بنظرة خاطفة ثم قربت شاشة الهاتف منها.

_أنتِ قولتي، كنت ودلوقتي لأ… روحي أنتِ و خالي “سعيد”.

انحنت “عايده” بجسدها نحو حذائها حتى تلتقطه، فأنتبهت “شهد” على ما تفعله مُتسائلة.

_ أنتِ هتعملي إيه ؟

لوحت “عايدة” بحذائها المنزلي أمام عينيها.

_ هربيكي يا بنت بطني من أول وجديد لأني فشلت في تربيتك وبقيتي تكلميني ولا كأني واحدة صاحبتك.

انتفضت “شهد”من الفراش صارخة.

_ أنتِ فاكره إنك بالأسلوب ده هتربيني ،أنا زهقت خلاص من العيشة هنا وزهقت من ست “ليلى” اللي بقينا نعملها مليون حساب ولا كأننا خدامين عندها…

سقطت فردة الحذاء من يد “عايدة” ونظرت إليها بنظرة مصدومة فهي لا تستوعب ما قالته أبنتها.

_ أنتِ بتقولي إيه..؟؟

أشاحت “شهد” بوجهها عنها وبدأت تدور حول نفسها وهي تضع بيديها على رأسها.

_ بقول الحقيقة، أحنا وجودنا هنا مبقاش له لازمه ولا عشان “ليلى” هانم بقت خلاص مرات “عزيز” بيه وقاعدين ضيوف عندها بعد ما كانت هي ضيفة عندنا..

أطبقت “عايدة” على يدها التي أرتعشت بعد أن صفعتها لتنظر إليها “شهد” وهي تضع يدها على خدها وصاحت بنبرة صوت مُرتعشة.

_ أنا أتأكدت النهاردة إن بابا خلاص مات…

ركضت “شهد” حتى تغادر المسكن بأكمله لكن عند وقوفها أمام الباب استمعت إلى صوت أرتطام شئ بالأرض ليخرج صوتها هذه المره بهلع.
_ ماما…

…

أقتربت “سما” من الطاولة الجالس عليها “مازن” وقد بعث برسالة لها هذا الصباح من هاتف “عدي” الذي مازالت على تواصل معه، فهي تشفق على هذا الصغير من والد يضع العمل في المرتبة الأولى من حياته.

رفع “مازن” عيناه عن هاتفه ثم ابتسم عندما أبصر قدومها نحوه لكن أبتسامته اختفت حينما وقفت مُحدقة بتلك الأغراض الموجوده بجانب مقعده.

ارتبك ونظر نحو الهدايا التي جلبتها له ولصغيره وشعر للحظة أنه أخطأ بهذا لكن هذه الأشياء ملك لها ولا يصح الأحتفاظ بها بعد أنهاء علاقتهم.

سحبت “سما” المقعد وجلست دون أن تبادر بأي كلمة وأنتظرت أن يخُبرها عن سبب رغبته بالألتقاء بها رغم أن الصورة واضحة.

_ أخبارك إيه يا “سما”…

تلاعبت “سما” بأحدى خصلات شعرها وعلى شفتيها أبتسامة واسعة تخفي ورائها غصتها.

_ كويسة جدا جدا زي ما أنت شايف.

عاد “مازن” إلى جلوسه على المقعد مُبتسمًا.

_ وأنا مبسوط إني شايفك كويسه لأنك تستحقي كده ،أنتِ حقيقي إنسانه هايلة..

استرخت “سما” في مقعدها وأشارت إليه أن يستكمل كلامه عن روعتها وما تستحقه من بعده.

نظر “مازن” إليها بندم مُحاولًا ترتيب كلماته.

_ “سما”، أنا لأول مرة أكون كاره نفسي ومش لاقي كلام أقدر أعتذر بي ليكي ،قوليلي أعمل إيه عشان مشوفش نظرة الكره ديه في عينك ونكون أصدقاء..

رددت ” سما” تلك الكلمة الأخيرة بأستنكار.

_ عايزنا نرجع أصدقاء من تاني ، هو أنا مقولتش ليك يا دكتور إني هتجوز وأنك خلاص بقيت من المحظورات زي كل الرجاله…

ضاقت حدقتي “مازن” ثم حدق بها بذهول مُتسائلًا.

_ تتجوزي ،بالسرعة ديه!!

حركت رأسها بتأكيد وهي تقبض بيديها على ساقيها حتى يتوقفوا عن الأهتزاز أسفل الطاولة.

_ آه ما أحنا في عصر السرعة، قريب هتلاقيني ببعت ليك دعوة فرحي من سيادة الرائد “قصي” ابن عمي…

الفصل المائة والسبعة(2)
🌻ظنها د…مية بين أصابعه🌻

كل شئ بها ومعها مُختلفًا، تُحيره ، تُشعل غضبه في لحظه ثم تُطفئُهُ، تدفعه إلى الجنون أحيانًا وأحيانًا آخرى تجعله يُشاركها جنونها ، امرأة خُلقت له وأتت إلى عالمه حتى تُهذبه وتصنع منه رجل لم يكن يظن أنه سيكون عليها بل وسيري نفسه معها أبنًا وأبً وزوجًا رائعًا.

خلل “صالح” يده على خصلات شعره وهو يستمع إلى والدته من خلال الهاتف وكيف توصيه عليها وأن يُعاملها برفق ولين.
تنهد تنهيدة عميقة خرجت من صدره.

_ أنتِ بتوصيني عليهم يا ماما، دول عمري الحلو اللي بعيشه من جديد ..

دمعت عيناي “حورية” مع خفقان قلبها وهي تستمع إلى رده.

_ ماما محدش يعرف إن “زينب” حامل غيرك وغير بابا وإننا في مرسى مطروح، أنا بفتح التليفون عشان نكلمك ونطمن عليكي.

ازدادت دموع “حورية” أنهمارًا على خديها ، تسأل نفسها هل هذا هو “صالح” أبنها الذي كان يُجلدها كثيرًا بنظراته وكلماته ولن تنكر أن غضبه منها كانت تستحقه لكن الآن صار أبنًا مختلفًا وحنونًا، أبنًا مُتصالح مع نفسه ومع الحياة.

_ ماما أنتِ روحتي فين، أنتِ سمعاني.

أسرعت “حورية” بمسح دموعها ثم أبتسمت بشفتين مهزوزتين.

_ معاك يا حبيبي وسمعاك ومتقلقش ، أهم حاجة خلي بالك من نفسك ومن “يزيد” و “زوزو” وطبعًا الضيف الجديد وعامل “زوزو” بحنية.

أبتسم “صالح” وعاد يُمرر أصابعه على خصلات شعره.

_ أعامل “زوزو” بحنية، طب ما توصيها عليا تعملني أنا كمان بحنية ديه حرمتني من الدلع بدري بعد ما بدأت أتعشم بحاجات كتير.

صدحت ضحكات “حورية” عاليًا وفي نفس الوقت أتسعت عيناي “زينب” التي أجتذبها حديثهم بالصدفة عندما غادرت غرفتها وكانت في طريقها جهة المطبخ حتى تأتي بزجاجة من الماء.
اِستدار “صالح” بجسده وكأنه شعر بردة فعلها ، فوجدها تُلقي عليه نظرة حانقه.
أشار بأصبعه نحو الهاتف بتسلية ثم غمز لها بطرف عينه.

_ هكلمك بكره أطمن عليكي ومتقلقيش علينا…

أنتهت المكالمة ليظل مكانه مُنتصبًا في وقفته دون أن يستدير جهتها ثانيةً.
عقدت “زينب” ساعديها أمامها وهي تهز رأسها منتظرة أن ينظر إليها.
ببطء ألتف إليها وعلى شفتيه أبتسامة عريضة لكن أختفت سريعًا عندما رآها تضع المنشفة على رأسها وعلى ما يبدو إنها أنهت حمامها قبل أن تسترق السمع إلى مكالمته.

_ يعني لو جالك دور برد دلوقتي هنعمل إيه ؟ نفسي تبطلي أستهتارك وأهمالك في الحاجات اللي زي ديه….

ثم اقترب منها وألتقط يدها وسحبها ورائه مُستكملًا تأنيبه لها.

_ أنا مهما أقول مبتسمعيش الكلام وبتبرقيلي كمان ،لأ أنا شايف إني دلعتك أوي.

أفلتت يدها منه وحدقت به شزرًا.

_ يا سلام، مش أنت قولتلي هفضل دلوعتك ومهما أغلط هتكون حنين.. فين بقى الحنية.

تمالك نفسه حتى لا يضحك ثم عبس بوجهه.

_ ده أنت خرجت مع “يزيد” تتمشوا على البحر وسيبتوني نايمة، لأ وفطرتوا كمان بره لكن أنا عادي أفطر لواحدي.

وبخنقة أردفت وهي تخفض رأسها حتى لا ينتبه على دموعها.

_ لأ وكمان كتر خيركم حضرتوا ليا الفطار قبل ما تخرجوا ، عادي يعني كنت هحضر فطار لنفسي ،ما أنا مش صغيرة على رأي “يزيد”.

فتح فمه على وسعه ونظر إليها مدهوشًا، فمن تتحدث الآن أخبرته وقت عودته هو و “يزيد” من نزهتهم التي لم تتجاوز الساعتين ؛ أنها سعيده ما دام هم سعداء.

_ بدأنا بدري ما شاء الله، ما أنا عشان كده مكنتش عايز عيال تاني دلوقتي.

أحتقن وجهها ورمقته بنظرة جعلته راغبًا بالضحك. ألتقط يدها وأحتضنها قبل أن تدفعه على صدره.

_ أبعد يا “صالح” ، أنا زعلانه دلوقتي ومش مسامحاك لكن “يزيد” يعمل أي حاجة عادي مبزعلش منه .

أحكم لف ذراعيه حولها حتى لا تنفلت منه.

_ بقى حد يقدر يزعل “زوزو” الحلوة، لأ أوعي تعيطي.. أروح أصحى “يزيد” دلوقتي ونفضل نقرصك من خدودك..

_ أنت بتهزر صح وأنا زعلانه،زعلانه بجد وهعيط جامد أوي.

حدجها لوهلة بنظرة ذاهلة ثم قهقه بكل قوته حتى بدء يشعر بآلم معدته.

_ لأ تعالي ندخل أوضتنا بدل ما “يزيد” يصحى ويقولنا في إيه ؟ وأهو أشوف بهدوء وتروي سبب زعل “زوزو” الحلوه مني
هزت رأسها بالرفض قائلة بأمتعاض.

_ لأ ، أنا عايزة أقعد مع نفسي عشان مخنوقة أوي.

وانفجرت بالبكاء ،بكاء لا تجد له سبب لكنها ترغب بأن تبكي وتعيش دراما بائسة.

_ “زينب”، حببتي… لأ بجد أنتِ زعلانه أوي كده عشان خرجنا من غيرك…

أومأت برأسها ، فتنهد واحتضن وجهها قائلًا بصوت رخيم.

_ تعالي ندخل أوضتنا وأحكيلك براحة عن سبب خروجنا من غيرك مع إني كنت فاكر إنك فهمتي لواحدك.

كادت أن تتحدث وتخبره إنها ليست حزينه لكنها ترغب بالبكاء والبقاء بمفردها.

_ ولا كلمة أعتراض ووقفي حنفية الدموع هنغرق كده.

توقفت عن البكاء بالفعل، فأندهش من ردة فعلها السريعة، لتتحول دهشته فجأة لذهول وصدمه عندما رآها تضحك.

_ أنتِ مافيش وسط عندك، وقفي ضحك يا مجنونه مش قادرة تخدي نفسك.

أجتذب يدها وأتجه بها جهة غرفتهم بالشقة المستأجرة حتى لا يستيقظ “يزيد”.

_ مش قولتلي أضحكي.

حرك رأسه بيأس منها ثم أغلق باب الغرفة عند دلوفهم.

_ لأ بجد أنا كده ممكن قريب أتجنن.

حدقته بنظرة ممتعضة لم يهتم لها ثم أجتذب المنشفة من على رأسها.

_ الأول يا هانم نجفف شعرك المبلول وبعدين نتكلم في كذا نقطة زي أي أتنين متحضرين.

يزداد وسامة هو ، عندما تصبح ملامح وجهه عابسة وجادة.

_ “صالح” عينك بتكون حلوه وأنت متعصب.
تمتمت وهي تتأمل عينيه ثم مررت أنامل أصابعها على وجهه بأبتسامة.

_ هو ليه كل نقاش بينا بينتهي بحاجة تانية خالص، طب قوليلي هنتكلم في النقط المهمة اللي عايزين نتكلم فيها دلوقتي إزاي وأنتِ جريتي رجلي لحاجات بحبها ،بقولك إيه أنشف شعرك ولا بلاش.
ضحكت، فضحك هو الآخر وداعب خديها بيديه.

_ تفتكري هخرج أنا وأبني وأسيبك كده كعقاب يعني عشان خبيتي عليا موضوع الحمل، أنا زعلان عشان من البدايه متشاركناش في القرار بعد ما حضرتك أقنعتيني نأجل الخلفة وقولت حقها وأهو نعيش شوية حلوين أعوضها فيهم وأدلعها لكن اللي حصل حصل خلاص وبقي في طفل خلانا مترابطين أكتر سوا وده اللي كنت بحلم بي لكن حلمي قصاد رغبتك منعته وأحترمت قرارك.

أغلقت عينيها واِفتر ثغرها بأبتسامة خفيفه وتركته يتحدث دون أن تُقاطعه كعادتها.

_ أوعي يا “زينب” في يوم تفكري إني أعاقبك على حاجة من غير ما وضحكلك إيه سبب العقاب.
بهمس خافت تمتمت.

_ لأ أنا مبحبش العقاب، وأنت راجل جميل وجينتل مان يا حبيبي.

عاد إلى ضحكاته التي تتوهج فيها ملامح وجهه .

_ بتعرفي تاكلي بعقلي حلاوة و أضعف قدامك وماله مافيش عقاب بالخصام ولا بالتكشير لكن هيكون في عقاب بحاجات تانيه.
رفعت رأسها إليه ، فـ نظر إليها بنظرة طويلة أربكتها ثم خرجت صرخة من شفتيها و أسرعت بوضع يدها أسفل ظهرها.

_ أيدك تقيله على فكرة…
تجلجلت ضحكاته بأستمتاع.

_ بصراحه ملقتش عقاب يناسب واضعك حاليا غير كده
زمت شفتيها بضيق ليرفع أحد حاجبيه مُتسائلًا.
_ أنا حر ولا مش حر في عقابي…
هزت رأسها مُعترضة وهي تُحرك يديها على موضع صفعته.

_ تعالي أنشفلك شعرك واقولك شوية نقاط نمشي عليها مع “يزيد” الفترة ديه وكمان “شاكر” باشا عشان أنتِ اكتر واحدة جدي حاليًا شايفك خطر عليه…

تحولت قسمات وجهها المتجهم إلى دهشة وذهول.

_ شايفني خطر عليه إزاي ؟
…

وقف كل أفراد المنزل خارج الغرفة التي دلف إليها الطبيب ومعه فقط “ليلى” والعم “سعيد” الذي أصر على تواجده بجانب شقيقته بعد أن أصاب قلبه الهلع عليها وقد انزوت “شهد” بنفسها عند باب الغرفة دون قدرة على الدلوف معهم.

أطرق “سيف” رأسه ثم نظر نحو عمه الذي أشار إليه أن يفعل ما يراه في نظرته لها.

تحرك “سيف” أمام أنظار “كارولين” التي بدء عقلها يُفسر سبب ما حدث فجأة، فـ “عايدة” كانت بكامل نشاطها اليوم.

_ هتكون كويسة يا “شهد”متقلقيش، ولو في حاجه كان زمان الدكتور خرج وبلغنا إننا لازم ننقلها المستشفى.

_ ماما هتروح مني زي ما بابا راح…

أطبق “عزيز” جفنيه ويديه وهو مُطرق الرأس ثم تحدث بنبرة صوت خشنة.

_ خد “شهد” وأطلع بيها الجنينة يا “سيف”.

تقابلت عيناي “سيف” مع “شهد” التي هزت رأسها سريعًا في رفض.

أبتسمت “كارولين” وأسبلت جفنيها ، فالصغيرة “شهد” صارت على دراية أن “سيف” لا يشغل باله الآن غير “بيسان”.

_ تعالي معايا يا “شهد” وأسمعي كلام عمي…

ابتعدت “شهد” عنه وضمت جسدها بذراعيها.

_ أنا عايزة ادخل لـ ماما، هو ليه الدكتور اتأخر عندها…

فرك “عزيز” عنقه بقلة حيلة وأقترب هو الآخر منها.

_ هتكون بخير يا “شهد”، “عايدة” ست قوية وكل آملها في الحياة تشوفك فى أعلى مكان ورافعه رأسها بيكي.

أزالت “شهد” دموعها ونظرت إليها ثم أخبرته وهي تبتلع غصتها.

_ أنا زعلتها أوي النهاردة ،خليها تسامحني.

أرتجف قلب “عزيز”وهو يراها تمسك بذراعيه وتبكي متوسلة له أن يجعل والدتها تُسامحها عن سبب مازال بالنسبة له مجهول.

_ هتخليها تسامحيني يا أبيه…
وضع “عزيز” يديه على خديها حتى يمسح بقايا دموعها وبصوت مُتحشرج تمتم.

_ هخليها تسامحك يا “شوشو”.

فاضت عيناها بالدموع دون توقف أمام أنظار “سيف” الذي عاد ضمير يؤنبه على تلك الليلة التي لا يستطيع مسامحة نفسه عليها لكن “كارولين” نظرتها تحولت إلى حقد نحو “شهد” ؛ فجميع أفراد المنزل يحصلون على رعايته وأهتمامه إلا هي.

_ أهو الدكتور خرج وهيطمنا.

قالها “سيف” وهو يُشيح عيناه عنها حتى لا ينتبه أحد على أنفلات دمعة من طرفي عينيه.
…

توقفت “سما” بسيارتها عند سكن جدها، فهي تعيش معه هذه الفترة حتى لا تحتك بوالدتها.
وبوهن ودموع لم تعد تملك القدرة على حبسها رددت حديثه.

_ ” أنا أسف عشان لعبت بمشاعرك لكن أنا موعدتكيش بحاجة…تفكيري في “زينب” من الأول كان غلط ولما قربت منك كان أكبر غلط وهعيش طول عمري ندمان…”

وأبتسمت وهي تُحرك رأسها بسخرية على ما قاله لها.

_ قال ندمان قال لكن أنا اللي كنت غبية…

وأستمرت لبعض الوقت تبكي على حالها وخيبتها في الحب الذي كرهته على يديه.

أجفلها رنين هاتفها ،فأنتفضت ونظرت حولها بفزع.
ألتقطت هاتفها وفتحت الخط ثم جرت من عينيها الدموع عندما أستمعت إلى صوت جدها.

_ أيه يا “سما”، واقفة بالعربية ليه من نص ساعة ومطلعتيش… أنا واقف في البلكونه مستنيكي تطلعي.

أبتسمت وسط دموعها وتحركت من مقعد القيادة إلى المقعد الاخر حتى ترى جدها وسرعان ما أبتلعت مرارة حلقها وهي تجده يُلوح لها بيده.

…

وضعت “عايدة” يدها على رأس “شهد” التي دفنت وجهها في حضنها وأخذت تتمتم لها بكلمات أعتذار أمام أنظار الجميع.

_ حمدلله على سلامتك يا عايدة، خضتينا عليكي.

قالها “عزيز” دون أن يرفع رأسه، فأبتسمت “عايدة” بتعب.

_ الله يسلمك يا عزيز بيه.
انسحب “عزيز” من الغرفة ومعه العم” سعيد” ومثلهم فعل
“سيف”و “كارولين” بعدما اطمئنوا عليها.

نظرت “عايدة” إلى “ليلى” وقد أوجعها رؤيتها تُحاول عدم البكاء.

_ “ليلى”، أنا كويسه مسمعتيش الدكتور قالك إيه…

أقتربت “ليلى” منها ومازال القلق مُسيطرًا على ملامحها.

_ لكن الدكتور قالك مينفعش أنفعالات بعد كده ،ضغطك بيعلا بسرعه….
وتوقفت عن الكلام ونظرت إلى “شهد” وأردفت.

_ أنتِ كنتي كويسه وكنا متفقين هنتعشا مع بعض ومافيش حاجة كانت فيكي…

رفعت “شهد” رأسها وكادت أن تتحدث وتخبرها أنها السبب في مشاجرتها مع والدتها لكن “عايدة” أسرعت بالتحدث بنبرة صوت خافتة.

_ تعالي أنتِ كمان جانبي، عايزه أخدكم أنتوا الأتنين في حضني.

ترددت “ليلى” في البدايه بعدما رأت “شهد” تُحدقها بنظرة صارت تُحيرها.

_ قربي يا “ليلى”، حضنكم ليا هو العلا…..ج…

أسرعت “ليلى” في تلبية طلبها وفور جلوسها على الفراش ، ضمتها “عايدة” إلى حضـ,ـنها.

_ اه لو تعرفوا يا بنات إن وقوفي على رجليا من تاني بسببكم ، “ليلى” ونفسي أشيل ولادها و “شهد” نفسي أشوفها وهي متخر؟؟جة وأسلمها لراجل ابن حلال يصونها….

دمعت عيناي “عايدة” ولم تستطيع مواصلة كلامها وأفصاحها عن رغبتها في المو….ت حتى تلتقي بمن رحل وتركها وحيدة.

دخل العم “سعيد” الغرفة قائلًا وهو يمرر عيناه عليهن.

_ عايز أعرف إيه اللي حصل ولا اقول لـ” عزيز” بيه عن شغلكم من وراه.
….

نظرت “سما” إلى جدها وهرولت إليه بعدما فتح لها ذراعيه.

_ طلعت مغفله كبيره يا جدو، أنا أه مش متأكدة حبيته ولا لأ لكنه وجـ,ـعني أوي حتى لو قدم ليا مليون أعتذ…
ار.

ربت “نائل” على ظهرها حتى تهدأ قائلًا بحنان.

_ مافيش تجربه مبنخرجش منها إلا بنتعلم حاجة، وأنسي بقى ومتجلديش نفسك بالكلام واحتفظي بكل حاجة حصلت لنفسك…
ابتعدت “سما” عن حضنه وحدقت به ، فأبتسم “نائل” وسار بضعف نحو الأريكة التي يُفضل الجلوس عليها.

_ لا “قصي” ولا “زينب” يعرفوا بالتفاصيل ديه ،في حاجات مينفعش نحكي فيها يا “سما” حتى لو وجعانا.

ابتلعت مرارة ريقها وتذكرت ذلك الحديث الذي أفصحت عنه أمام “مازن”.

_ جدو أنا قولت لـ “مازن” إني هتجوز أنا و ” قصي” بعد شهر ،أنا مش عارفة الكلام خرج مني إزاي.

عقد “نائل” حاجبيه ثم ابتسم ،فأندهشت.

_ أنت مبسوط كده ليه يا جدو.

أشار إليها نائل أن تأتي لحضنه، فتحركت نحوه بتخبط.

_ ما احنا فعلا بنرتب لفرحك أنتِ و “قصي” يا حبيبة جدو.

….

ألقت “مروة” بهاتفها بعد أن أنتهت من تلك المكالمة التي تُشعرها بتورطها مع أشخاص يستطيعون دعسها تحت أقدامهم دون رحمة.

_ بعد السنين ديه كلها تكوني شر برضو عليا يا بنت “أسامة”….

وألتقطت إحدى زجاجات عطرها ثم قامت بتهشيمها صارخة بغضب ،فبسبب تلك المهمة صارت خطواتها محسوبة.

…

أخفض الواقف رأسه أمام سيده بعدما أنهى مكالمته مع تلك المرأة المزعجة.

_ الست ديه أختيارنا ليها من الأول كان غلط يا باشا.

تحرك عدنان أمامه وألتقط قداحته الموجوده على طاولة مكتبه.

_ خلينا يا باشا نخلص عليها ونرتاح…

التف عدنان في تلك اللحظة التي أخبره فيها الواقف عن رأيه.

_ من أمتى وأنت ليك رأي؟

تمتم الواقف بنبرة صوت مهزورة مُعتذرة.
_ آسف يا باشا، عندك حق.

زفر “عدنان” أنفاسه بضجر مع أول نفثه من سيجارته.

_ نهايتها أنا سيبها لشخص واحد وبس ومادام “مراد” دخل معانا في الموضوع هسيبها ليه.

وفجأة صدحت ضحكات “عدنان” وهو يتخيل مقطع الفيديو الذي سيتم تصويره ويجمع بين “مراد” و “زينب”.

_ مش هحرمك من أمنيتك يا “مراد” وهجيبهالك لحضنك ونبقى نشوف “شاكر” باشا وحفيده هيعملوا إيه قصاد سمعة العيلة الكريمة…

…
اِنمحت أبتسامة “سمية” وهي ترى “كارولين” تتبختر في مشيتها أمامها عند دلوفها إلى غرفة مكتبها وقد بدأت بالفعل تستاء منها.

تنهدت ” سمية”بصوت مسموع ونظرت نحو ساعة معصمها.

_ عندي أجتماع بعد عشر دقايق ،فلو في حاجة مهمه قولي، مافيش نأجل كلامنا بعدين.

أخذت تتلاعب “كارولين” بأظافرها ،فرمقتها “سمية”بنظرة ماقته.

_ السيد “عزيز” عاد إلى وضع الرجل العاشق لزوجته وكأن ما مر بينهم مضى.

أقتربت “سمية”منها وجلست قبالتها ثم أبتسمت.

_ ما هو ده طبع “عزيز” ، يحب في الست اللي معاه شويه وبعدين يحسسها ولا كأنها حاجة وهكذا لحد ما هي تزهق وتسيبه.…

تحاشت “كارولين” النظر إلى “سمية” التي أخذت تتفرسها بعينيها.

_ عايزه اقولك إني مُنسحبة من عدائي مع “عزيز” ،أصل أتصالحنا خلاص وفي النهاية إحنا أهل وكنت في يوم مراته.

ألقت “سمية” كل ما لديها ثم نهضت وأردفت قائلة وهي تضع كلتا يديها على كتفين “كارولين”.

_ عندي اجتماع مهم وشغلي رقم واحد في حياتي.
…

أبتسمت “بيسان” عندما وجدت “سيف” جالسًا على إحدى الطاولات وينتظرها.

_ أخيرًا عرفت أقابلك، لسا زعلان مني.
مازحته بطريقة غير رسمية حتى تكسر ذلك الحاجز الذي وضعه بينهم منذ أخر لقاء.

_ بالعكس أنا مش زعلان منك، أنا زعلان من نفسي وجاي أقولك إن في حاجات كتير هغيرها في حياتي وأولهم هقولك إني صادق في حبي لكن…

قاطعته حتى لا يُكمل بقية حديثه ووضعت يدها على يده.

_ وأنا كمان بحبك يا “سيف” وأخدت قرار إني لازم أسيب “فارس”، أنا مش عارفه احبه وبحبك أنت…

ألتمعت عيناي الواقف من بعيد بعدما ألتقط لهم الصور المطلوبة منه.

…

فتحت “ليلى” عينيها بصعوبة ثم ابتلعت ريقها وهي تتآوه من ذلك الآلم الذي يُسيطر على كامل جسدها.

_ صباح الخير.
هتف بها ” عزيز” وهو يمشط خصلات شعره ،فأبتسمت وكادت أن ترد على تحيته وتنهض لكن بدأت بالعطس لمرات.

ترك “عزيز” المشط من يده ونظر إلى أحمرار وجهها.

_ أنتِ شكلك تعبانه من امبارح..

ردت بصوت مكتوم قبل تنطلق من شفتيها عطسة جديدة.

_ أنا كويسة.

تنهد “عزيز” بقوة.

_ كويسة إزاي قوليلي وصوتك بيخرج ضعيف وشكل الحلق مُلتهب… هبعت اجيبلك علاج من الصيدليه.

هزت رأسها بالموافقة وهي تبتلع ريقها عدة مرات.

_ هاخد العلاج وأروح عند مرات عمي، اقعد هناك…

امتقعت ملامح “عزيز” ودفعها برفق حتى تعود إلى الفراش.

_ لأ هتقعدي ترتاحي ، وأنا ساعتين هروح أخلص شغل وأجيلك…

ثم أردف بأستياء بعدما شعر بدفئ جلدها.

_ جسمك دافي وممكن الحرارة تزيد…

رفرفت “ليلى” بأهدابها ثم رفعت يدها تضعها على جبينها.

_ جسمي دافي لكنه مش سخن يا “عزيز”.

وضع “عزيز” يده على جبينها مرة أخرى ثم تنهد.

_ “ليلى”، من فضلك اسمعي الكلام.

عبست بشفتيها وتسطحت على الفراش مُرغمة.

_ هنزل أبعتلك الفطار ومعاه العلاج وساعتين وهتلاقيني فوق راسك وحذاري يا “ليلى” ألاقيكي تحت في المطبخ أو هناك عند “عايدة”.

نظرتها الواهنة التي ألقتها عليه جعلته يعود إليها مُقبلًا جبينها.

_ هرجعلك بسرعة يا حببتي.

أغلق “عزيز” باب الغرفة ورائه لتخفض رأسها شاردة في تهديد العم “سعيد” لها ولزوجة عمها عن أمر عملهم الذي يخفونه عن رب عمله ، الرجل الذي يُحاوطهم بكامل رعايته.

_” عزيز” بقى كويس أوي معايا ومينفعش اخبي عليه أكتر من كده…

وبأمل تتمنى ألا يزول مع الأيام.

_ هو قالي امبارح شوفي عايزه تعملي إيه وأنا اساعدك…
وبصوت حزين وحيرة تساءلت.

_ لكن ليه قالي نأجل الخلفة مع إنه كان بيلح على الموضوع كتير، معقول” عزيز” مش عايز يخلف مني….

أقتحمت العديد من الأسئلة رأسها لكن لا جواب وجدته.
…

أبتعدت “كارولين” عن المطبخ بعدما استرقت السمع إلى الحديث الدائر بين “عزيز” و العم “سعيد”.

_ “ليلى” مريضة و “سيف” سيبيت ليلته في العمل وهذا العجوز هذه الفترة يذهب إلى فراشه باكرًا.

قالتها إلى نفسها ثم عادت أدراجها إلى غرفتها وأسرعت نحو أحد الأدراج المُغلقة وتملك مفتاحها وفتحته بلهفة.

أخرجت أثواب النوم التي سرقتها من ملابس” ليلى” ونظرت إلى كل واحد منهم إلى أن وقعت على أكثر الألوان التي أصبحت تعرف إنه يُفضلها.

_ هذا هو….
تمتمت بها وهي تحتضن ثوب النوم ثم ألتقطت زجاجة العطر التي انتبهت على شراء “ليلى” الدائم لنوعها.

_ إنه عطر ليس مثير لكن بالتأكيد يجذبه…

وفجأة داعبت شفتيها أبتسامة ماكرة ووضعت ما بيديها جانبًا وألتقطت تلك العُلبة التي تحتوي على حبوب تعرف تمامًا كيف ستُحقق الغرض منها هذه الليلة عندما تضعها في مشروب الأعشاب الذي أثنى عليه عندما صنعته له هو و “سيف” قبل أيام وتقـ,,,,,,,,,,ـبله منها دون أن يُعلق عليه أو ينظر إليها بتلك النظرة التي جعلت رغبتها الشديدة به تتحول إلى الأنتقام منه…. نعم ستجعله رجل خائن في أعين الجميع بل وستخضعه لرغباتها وستنتصر لكرامتها…
هكذا صور لها عقلها وقررت التنفيذ…

_ بالتأكيد “ليلى” تتناول علاج الآن ، لا بأس أن أتلاعب في أدويتها.

…

أتى “عزيز” باكرًا كما وعدها لكن فور أن دلف الغرفة، تبدلت ملامح وجهه المُسترخية لأخرى متجهمة عندما رأى “كارولين” تجلس معها بل وتطعمها.

نهضت “كارولين” وأطرقت رأسها قائلة :

_ لا تنسي تناول أدويتك “ليلى”حتى لا يشتد المرض عليكي.

غادرت “كارولين” الغرفة، فنظرت ليلى إلى” عزيز”.

_ بتخاف منك أوي، هو أنت بترهبها كده ليه يا “عزيز”.

ارتسمت السخرية على شفتي “عزيز” ، فهو قد ضجر واتخذ قراره أن يستقل بحياته معها حتى يتجنب القيل والقال في أمر أنجابهم لطفل.

_ ” ليلى”، أنا مش كذا مره أقولك، حطي حدود بينك وبينها ومتدخلش أوضتنا.

بدأت بالسعال، فأسرع إليها يلمس جبينها وعنقها ومواضع أخرى من جسدها حتى يتأكد .

_ حرارة جسمك معقوله.

أبتسمت عندما وجدته يلتقط ذلك الحساء.

_ هي بتعرف تطبخ أصلًا..

ثم تذوق القليل منه.

_ طعمه مش حلو، شربتي إزاي ده.

ورغم وهن جسدها وعدم قدرتها على الضحك إلا أنها ضحكت على تصرفه الذي لا يليق بـ رجل مثله.

….

انتفضت “أشرقت” ومثلها أنتفضت الطبيبة عندما فتح “مراد” الباب.
وقعت عيناه على وضعها وقد تأكد بما أتى في عقله، زوجته العزيزة تبحث عن أفضل وسيلة حتى لا تحمل منه أو ربما تتأكد من عدم حدوث هذا.

_ ويا ترى المدام طلعت حامل ولا قالت تلحق نفسها….

الفصل المئة والثمانية
🌻ظنها د…مية بين أصابعه🌻

ربما يأتي علينا وقتً نسأل أنفسنا، أي ذنب أقترفناه حتى يتقابل طريقنا مع أشخاص نُبصر معهم ما يجعلنا ضائعين ،مُذبذبين ،فاقدين ثقتنا وكارهين ذاتنا ولا ينبض داخلنا سوى الكره و الأنتقـ,ـام.
وضعت “أشرقت” يدها على شفتيها حتى تكتم صوت شهقتها ونظرت إليه في ذعر بعدما انتفضت من فراش المرضى بجسد مُرتجف.

أرعبتها نظرته القاتمة التي تُشبه تلك الليالي التي تعيشها معه ولا تعلم من أين يأتي الخلاص دون أن يُمس عائلتها بسوء.

_ إيه الهجمية ديه، وإزاي تدخل غرفة الكشف كده…

قالتها الطبيبة بأستنكار وهي تتحرك لخارج الغرفة ثم بدأت تهتف باسم مُساعدتها.

_ “إيمان” تعالي أطردي الهمجي ده من العيادة.

ألتوت شفتي “مراد” بتهكم وتركها تُكمل ندائها على الفتاة التي صارت تحت قبضتي يدين أحد رجاله.

انفرج فاه الطبيبة وهي ترى عيادتها التي كانت تضم عدد لا بأس من المرضى، أصبحت فارغة.

_ إهانتك مقبولة يا دكتورة…

قالها ثم أجتذب ذراع “أشرقت” التي شعرت هي الأخرى بالأرتياع عندما أستمعت لصوت صرختها الخافت.

_ أنت عملت فيهم إيه؟

بصوت مهزوز ومتقطع تساءلت وهي تتراجع إلى الوراء حتى أصطدمت ساقيها بأحد المقاعد الموجودة بـ غرفة الكشف.

أنفلتت صرخة منها أبتلعتها على الفور حينما وجدته يقترب منها بملامح يظهر عليها الوعيد.

_ لسا مردتيش على سؤالي وقولتيلي سبب وجودك هنا لكن بقول خلينا نكون ناس مُتحضرة ونحافظ على صورتنا ونتكلم في بيتنا يا روحي.

شحب وجهها ، فكل حديث منه يجعلها تشعر بالجنون معه.

_ أنا…

كلمة واحدة تفوهت بها وبعدها جرها من يدها متمتمًا بتحذير.

_ أمشي من سكات معايا وحافظي على مكانتك الأجتماعية يا سيادة المستشارة ولا عايزانا نفضح نفسنا هنا..

غادرت معه العيادة وهي تشعر بمرارة الأهانة ،فنظرة الطبيبة وتلك الفتاة التي تُساعدها وهي تُغادر أكدت لها أنها لم تعد كما كانت أبنة المستشار التي سلكت عمل والدها وصار الناس يُنادونها باللقب الذي يليق بمكانتها.

دفعها إلى داخل السيارة ورمقها بنظرة مُحذرة ألا تتحرك أو يسمع لها صوتً.

_ أنت إزاي تهيني قدام الدكتورة والمساعدة بتاعتها ، أنا هستنى إيه من راجل بيتاجر في كل حاجة ممنوعة.

صاحت بها بصوت خرج قويًا بعدما أنطلق بالسيارة وأستجمعت جزء من شجاعتها.

_ صوتك طلع دلوقتي، لأ وفري لما نكون لوحدنا لأني مش برحم حد غلطاته بتكتر كل يوم معايا.

لم تجد كلمة تصفه بها إلا الجنون الذي تحياه معه.

_ أنت مجنون.

اِفتر ثغره عن أبتسامة خفيفة ثم صدحت ضحكاته.

_ مقبولة منك يا حببتي.

صوت ضحكاته أصابها لوهله بالذهول وسرعان ما تحول ذهولها لجنون مماثل لكن يحمل غضبها الذي أفرغته على زجاج السيارة بقبضتي يديها.

_ وقف العربية ،أنا بتخنق ،بتخنق… مبقتش أكره حد في حياتي زيك، كل حاجة معاك بكرهها بكرهها..

حديثها لم يزيده إلا مُتعة ، هو يتلذذ بضعف فريسته ، يتلذذ بكلمات البغض ، يتلذذ بكل شئ يجعله شيطانًا.

_ قولتلك وفري مجهودك لما نكون لوحدينا يا حببتي ،لأن هخليكي تعرف تصرخي إزاي كويس..

توقفت عن الصراخ ونظرت إليه ،فأبتسم وهتف بوقاحة.

_ بالغصب أو بالرضى أنا اتعودت أخد اللي عايزه وهعرفك إزاي تلعبي من ورايا يا سيادة المستشار الفاشلة.

تحركت السيارة يمينًا ويسارًا بعشوائية ، فأدهش الأمر رجاله الذين يتبعونه.
….

أبتسمت “ليلى” بوهن عندما مسح لها “عزيز” شفتيها بأنامله من بقايا الطعام المُناسب لوضعها الصحي وليس ذلك الحساء الذي لا طعم له ولا يتقبـ,ـله لأنه من يدي “كارولين”.

_ شوفتي بقى أنا نفسي في الأكل حلو إزاي وينفع أكون شيف مش تاجر أثاث شاطر وبس.

أشرق وجه “ليلى” وتوهجت عيناها بذلك البريق الذي أفتقده في تلك الفترة التي قرر فيها هجرها.

_ تسلم أيدك يا حبيبي، مكنتش تعبت نفسك.

حرك “عزيز” باطن كفه على خدها الأيسر قائلًا بصوت رخيم ودافئ.

_ هو أنا عندي أغلى منك أتعب له ، أنا بقيت مكتفي بيكي عن كل حاجة يا “ليلى”.

أزدادت عيناها توهجًا مع حديثه ثم أردف بعدما أسكت صوت ضميره وفؤاده المُعذب.

_ أنتِ كل حاجة ليا يا “ليلى” وعشان كده مبقتش أفكر في موضوع الأطفال.

أختفت أبتسامتها وأنطفأ بريق عيناها ، فهو يُكرر عليها نفس الحديث الذي مازالت لا تستوعب قراره فيه ثم واصل حديثه وهو يحتضن وجهها بكفيه.

_ أنا عايز أستمتع بالعمر معاكي من غير شريك ولا أنتِ عايزه حد تاني ياخدك مني.

واستكمل حديثه بمزاح دون أن يترك لها فرصة للرد.

_ عايزه حد ياخد الحب ده كله وأتركن على الرف…

رمشت بأهدابها وكادت أن تتحدث وتُخبره أن لا أحد سيأخذ مكانته بقلبها حتى لو أنجبوا عشرة أطفال لكن أسرعت بأشاحة وجهها عنه عندما شعرت بحرقان أنفها.

اندهش “عزيز” بالبداية من ردة فعلها السريعة التي أعقبها أستمرارها بالعطس الشديد لمرات.

_ أنا أسفة ،مناخيري حرقاني أوي…

داعبت شفتيه أبتسامة هادئة وألتقط لها عدة ورقيات من عُلبة المحارم الورقية وأعطاها لها مُتمتمًا.

_ يرحمك الله يا “ليلى”.

عادت الأبتسامة تُزين ثغرها مُتناسية كلامه العجيب عن عدم رغبته بوجود أطفال راغبًا بالأستمتاع بحياتهم سويًا دون طرف زائد.

طرقات على باب الغرفة نبهتهم أن هناك من يقف خارج الغرفه مُنتظرًا سماحهم له بالدخول.

….

توقف “عدنان” عن تناول طعامه بضجر ومثله فعلت “سيلين” زوجته التي ألتفت برأسها سريعًا نحو صوت الشجار.

_ مش عايز أسمعك صوتك ،أطلعي قدامي على أوضتنا.

_ مش هطلع، أنا خلاص مش عايزه أعيش معاك، هفضحكم كلكم وأقول كل حاجة عنكم ومش هخاف وبابا أكيد هيدخلكم السجن….

ترك “عدنان”ملعقة الطعام بوجه مُتجهم، أجتذب أنظار سيلين زوجته التي رمقته بسخرية ، فهذه الفتاة التي رفض أخضاعها لهم بطرقهم الخاصة تستمر بتهديدهم.

_ آه هيدخلنا فعلا السجن كلنا وأنتِ وهو معانا ولا فاكره نفسك أنتِ وأبوكي متورطوش في شغلنا.

جحظت عيناها بعدما نفضها عن يده.

_ أنت بتقول إيه؟

صدح صوت “عدنان” عاليًا وأتبعته “سيلين”.

_ “مراد” ، خناقتك أنت و مراتك في أوضتكم… هنا في خدم ومش كلهم ولائهم لينا.

دارت “أشرقت” بعينيها بينهم لا تستوعب ما يحدث معها وتسمعه.

_ بابا متورط معاكم في إيه، أنتوا عملتوا فينا إيه ؟

أنفرجت شفتي “مراد” بأبتسامة هازئة.

_ مسمعتيش “عدنان” باشا أمر بأيه ولا أنتِ عايزة نطول في الكلام قدامهم ويعرفوا أننا بنفضح شغلنا سوا يا حببتي ،ديه أسرار برضو.

هزت “أشرقت” رأسها رافضة ما تسمعه منه ورددت كلامه بصوت بالكاد خرج من شفتيها.

_ شغلنا وأسرار ، أنا مش فاهمه حاجة؟

احتدت عيناي “عدنان” وتلاقت عيناه بعينين أبنه الذي صار عاجزًا عن فهمه.

_ خد مراتك وأطلع فوق ،كفايه فضايح لحد كده.

بحاجبين معقودين هتف مراد بعد أن ألقى بنظرة خاطفة نحو “سيلين” المُستمتعة بالوضع الذي تراه أمامها.

_ شايفه وصلتيني لأيه ، بقينا سبب أزعاج “عدنان” باشا و “سيلين”هانم…

حدقه “عدنان” بنظرة مُسْتَخِفة ثم نظر إلى زوجته حتى تتحرك ورائه ويعودان إلى غرفة الطعام وأستكمال طعامهم.

وضعت “أشرقت” يديها على أذنيها وقد سيطر عليها اليأس بعد أن تأكدت أنها وقعت هي وعائلتها في فخ ليس بالهين.

_ بحب أشوفك وأنتِ فاقدة الأمل من خلاصك مني.

قالها “مراد” هامسًا ثم غمز لها بطرف عينه.

_ أتحركي ورايا ولا هنفضل واقفين مكانا كتير..

سارت ورائه في صمت، فلم يعد لديها قدرة حتى للجدال أو الشجار بعد ما ألقاه عليها.

دلف الغرفة ودلفت بعده وهي مُطرقة الرأس وقد أجفلها صوت أغلاقة لـ باب الغرفة ثم دفعه لها نحو الباب.

_ عايز بقى أعرف كنتي بتعملي إيه في عيادة دكتورة النسا مع إن كل حاجة واضحة.

رفعت عيناها التي لم تعد تنبض بالحياة ثم أبتسمت ساخرة.

_ كنت بطمن لو جوايا شيطان منك، ما أنا لو جبت طفل أنت أبوه هتمنى إنه يمو….ت ولا يجي لواحد زيك ولو جيه هكر…هه زي ما بكر…..هك.

تجمدت ملامح وجهه وأشتعلت عيناه غضبًا ، فواصلت كلامها دون أن تعبأ بالنتيجة.

_ أنت اللي زيك مينفعش يكون أب.

اهتزت حدقتاها ثم أفزعها بقهقهته التي صدرت فجأَة.

_ لأ مع ولادك أنتِ ممكن أنفع، مش هيجي برضو من نسل العائلات المحترمة.

نظرت إليه بعينين حاحظتين من الدهشة، تسأل نفسها كيف ستتخلص من هذا الوباء الذي أعْطَبَ حياتها.

صر….ختها أرتفعت حينما باغتها بأجتذابه لها من خصلات شعرها.

_ غلطتين ليكي النهاردة، أولهم بتقلبي في الدفاتر بتاعتنا وبأشارة مني أشيلك من منصبك لتكوني فاكره منقدرش.

أرتجف جسدها ذعرًا بعد تهديده لها بعملها.

_ متقدرش ،أنت ناسي أنا بنت مين؟

وضحكاته اليوم لا تتوقف، فهي تُدهشه بذكائها ومحاولاتها من أجل زجَّه هو و والدها إلى السجن.

_ أنا عارف كويس أنتِ بنت مين، تفتكري يا شوشو ليه كملت في جوازتنا ومقولتش زي ما هي كانت مقضياها معايا قبل الجواز تكون مقضياها مع غيري، أصل يا حبي ده شرف برضو.

حدقت به بذهول، فأبتسم.

_ ده أنا حتى كنت راجل جان وسترت عليكي يا بنت الحسب.

الصفعة التي صدر صوتها حينما سقطت على خده، جعلتها توقِن أنها ستدفع ثمن هذه الصفعة الليلة.

_ لأ يا “مراد” ، لأ…

صوت صراخها وتوسلاتها أن يرحمها كان يشفي من الغَليل الذي يملأ قلب “سيلين”.

_ ولسا اللي جاي ليكي هنا جحيم…

وبوعيد أردفت.

_ هخلي يشوفك بعينه وأنتِ مع غيره بعد ما أحولك عبده للكيف.

…

شعرت “ليلى” بالسعادة وهي ترى “شهد” أمامها وقد أتت للأطمئنان عليها.

_ أنا كده أسيبك مع “شهد” وأنا مطمن وأنزل كمل شوية شغل في أوضة المكتب.

هتف بها “عزيز” ثم وضع قبـ,ـلة على رأسها وهو يحمل صينية الطعام وأستكمل حديثه بمداعبة باتت تُدهش” ليلى” في الآوان الأخيرة.

_ أوعوا تقطعوا في فروتي أنتوا الأتنين لأحسن أنا عارف.

أبتسمت “شهد” وردت وهي تنظر إلى “ليلى”.

_ لأ متخافيش يا آبيه، أنت عارف أنت عندي إيه.

ألتمعت عينين “عزيز” بالحنان وأبتسم قائلًا:

_ وأنتِ أكيد عارفة يا “شوشو” مكانتك عندي إزاي، أنتِ بنوتي الحلوة.

توهج وجه “شهد” بالسعادة ونظرت إليه ثم أطرقت رأسها خجلًا.

_ خدي بالك بقى من “ليلى” عشان لو السخونية رجعت تعلا تاني يا دكتوره.

غادر “عزيز” الغرفة تُرافقه عينين ” ليلى” وأبتسامتها السعيدة.

_ “عزيز” رجع معايا زي الأول وأحسن كمان ، الحمدلله إني سمعت كلام مرات عمي و عم “سعيد” وصبرت وفضلت قاعده في بيتي…

تلك الابتسامة وذلك السلام الذي تتحدث به “ليلى” دائمًا ما يزيد “شهد” كرهًا لها وحقدًا…

اختفت ابتسامة “شهد” واتجهت بأنظارها نحوها.

_ وهو أنتِ لو كنتي مشيتي كنتي هتروحي فين ، شقة مصر الجديدة اللي هو مشتريها ليكي ولا شقة الأسماعيليه اللي المفروض متكونش من حقك لأنك مش بنت العيلة ديه ومجرد بنت أتبنوها وعطفوا عليها..

تحجرت الدموع في عينين “ليلى” وأختنقت من قسوة الكلمات وتساءلت بصوت مُتحشرج وحزين.

_ أنتِ بقيتي تكرهيني أوي كده ليه ، أنتِ بنت عمي من دمي ونفسي ننجح أنا ومرات عمي في المشروع بتاعنا عشانك أنتِ بالذات ونقدر نفتح ليكي لما تتخرج عيادة تليق بيكي ونحقق حلم عمي.

أشاحت “شهد” بوجهها عنها بعدما رمقتها بنظرة أستنكار.

_ لأ شكرًا مش عايزة خدماتك العظيمة من مشروعك الفاشل ،خليكي بس أنتِ الزوجة المُطيعة الحلوة عشان تفضلي واكله عقل أبيه “عزيز” بدل ما تخرجي من هنا أيد ورا وأيد قدام.

دمعت عينين “ليلى” وهتفت بصوت واهن بسبب مرضها.

_ أنا عملت إيه عشان تكرهيني ، قوليلي لو عملت حاجة زعلتك، قوليلي وأنا لو غلطانه أقولك آسفة وأبوس رأسك كمان.

احتقن وجه “شهد” وأقتربت منها.

_ أنتِ حد أتفرض على حياتنا، فجأة صحيت من النوم قالولي بنت عمك أهي هتشاركك أوضتك وهتشاركك في حبنا ليكي وهتشاركك في كل حاجة في حياتك.

انسابت دموع “ليلى” بعزارة وابتلعت مرارة حلقها الممزوجة بكسرة نفسها وقلة حيلتها وتمتمت.

_ أنا أسفة لو كنت أعرف إني هكون عبء كده مكنتش دورت عليكم يا “شهد”.

باغتتها “شهد” بوضع يدها على كتفها بخفة، فنظرت “ليلى” إليها والدموع عالقة بأهدابها.

_ لأ ، كويس إنك دورتي علينا، أهو طلعتي في النهاية كسبانه وعرفتي توقعي “عزيز الزهار” بذات نفسه، ويمكن لو “سيف” كان موجود ومكنش مسافر وقتها كنتي وقعتي هو.

توقفت “ليلى” عن ذرف دموعها وانعقد لسانها عن الكلام.

_ حظك حلو آبيه “عزيز” طيب وستر عليكي.

أسرعت “ليلى” بوضع يدها على شفتيها حتى تكتم صوت بكائها وهي ترى “شهد” تُغادر الغرفة.

_ لأ ديه مش بنت عمي، مش ديه “شهد”، أنا أكيد في كابوس، ليه يا “شهد”، ده أنا ماليش في الدنيا غيركم ، لكن هي تقصد إيه بكلامها الأخير.

وعندما بدء عقلها يستوعب الحديث ، أرتفع صوت بكائها بحُرقة شديدة.

_ ستر عليا إزاي، هو أنا عملت إيه غلط…

ترقبت “كارولين” خروج شهد من الغرفة وفور رؤيتها لأنهيار “ليلى” ومحاولتها على ألتقاط أنفاسها، أسرعت نحوها.

_ “ليلى”، عزيزتي… ما بكِ، لماذا أنتِ منهارة هكذا.

نظرت إليها “ليلى” وهي تلتقط أنفاسها المُتحشرجة.

_ أنا وحشه يا “كارولين”، ليه “شهد” مبقتش تحبني.

التقطت”كارولين” حديثها الغير مُرتب ويخرج بصعوبة من شفتيها.

_ أنا نفسي ترجع تحبني من تاني وتحكيلي أسرارها.

ضمتها “كارولين” إليها وقد بدء قلبها يخفق من شدة القلق نحو ما تسعى إليه الليلة.

…

دسّت “لبنى” حبة الدواء بين شفتيها ثم ألتقطت كوب الماء من يد الخادمة وأرتشفت منه القليل.

_ بالشفا يا هانم ، عايز مني حاجة تانية قبل ما أمشي.

تطلعت إليها “لبنى” بنظرة طويلة أدهشت الخادمة.

_ في حاجة يا هانم!!

أطرقت “لبنى” رأسها وتساءلت.

_ فين تليفوني؟

نظرت الخادمة حولها بنظرة سريعة ثم بدأت تبحث عن الهاتف الذي وجدته بعد مُعاناة من البحث عليه.

وقفت الخادمة أمامها مرة أخرى ومدَّت يدها به.

_ الحمدلله لقيته أخيرًا.

حدقت “لبنى” بالهاتف بنظرة ثابتة وقد عاد الصراع بين عقلها وقلبها، فهل تأخذ الهاتف وتُطاوع قلبها وتُهاتف أبنتها أم تسمع كلام عقلها وتتراجع وتستمر في عقابها.

أرتعش جسد الخادمة من الخوف حينما صرخت عليها.

_ خدي التليفون من قدامي، مش عايزه أشوف حد.

هرولت الخادمة من أمامها وهي تسأل نفسها.

_ هي أتجننت ولا إيه ؟

…

ألقت “كارولين” نظرة أخيرة نحو “ليلى” التي وضعت رأسها على الوسادة وأغلقت عيناها بعد أن تناولت حبة الدواء الذي يريح الأعصاب كما أخبرتها.

_ تصبحين على خير يا “ليلى”.

هتفت بها “كارولين” حتى تتأكد أن مفعول حبة الدواء بدء ثم أبتسمت وأطفأت أضاءة الغرفة وأغلقت الباب.

_ كل شئ يحدث الليلة يخدمني ، هذا من علامات حظي بالتأكيد سأنجح وسأبيت الليلة بين ذراعيه.

وتحركت نحو غرفتها بحماس وترقب للحظة أنتظرتها طويلًا.

_ منذ أن رأيتك تُقبـ,ـلها في تلك الغرفة وأن أتوق لتلك المشاعر سيد “عزيز”.

تمتمت بكلماتها وهي تضع ثوب النوم القصير على جسدها وتنظر إلى هيئتها في المرآة ثم أتسعت أبتسامتها.

….

جحظت عيناي “سمية” ذهولًا وهي تستمتع إلى ما تُخبرها به “بيسان” بعد لقائها الأخير مع “سيف”.

_ “سيف” قالك كده، معقول شغله مع “عزيز” غيره بالسرعة ديه.

هزت “بيسان” رأسها إليها وأستمرت في بكائها.

_ قالي إن علاقته بيا غلط ، هو راجل متجوز وأنا واحدة مخطوبة وبنرتب لميعاد جوازي.

وبنبرة صوت مهزوزة أردفت.

_ أصل بابا كلمه النهاردة لكن معرفش قاله إيه بالظبط.

ضاقت حدقتيّ “سمية” هذة المرة وغمغمت بحيرة.

_ كمان هارون أتصل به من غير ما يقولي.

مسحت “بيسان” دموعها ونظرت إلى “سمية” التي نهضت من جوارها.

_ تفتكري بابا قاله إيه؟

تحركت “سمية” ثم توقفت وحدقت بها.

_ واضحة يا “بيسان”، “هارون” بقى رافض “سيف”، أنا من فترة قولتلك كده.

_ يعني إيه؟
تساءلت “بيسان” وهي تحتضن وسادتها.

رمقتها “سمية” بنظرة سريعة وثاقبة ثم خللت أصابعها في خصلات شعرها.

_ سيبي الموضوع ده عليا وأطمني.

أبتسمت “بيسان” أبتسامة مهزوزة، فواصلت “سمية” حديثها بدهاء.

_ عارفة أنا مبسوطة بكلامه وكده أقولك إني هكون مطمنه عليكي معاه لكن هو أهم حاجه ينهي علاقته بـ “كارولين” الأول وبعدها ننهي موضوعك مع “فارس”.
…

تنهد “عزيز” بأرتياح بعدما تلقىٰ أتصالًا من أحد موظفي الجمارك يُبلغه أن الأقمشة وصلت الميناء.

_ أنا مش عارف كان عقلي فين بشراكتي مع “نيهان” في صناعة الملابس.

قالها ثم وضع هاتفه جانبًا وألتقط أوراق الحسابات التي كان يُراجعها دون تركيز بسبب أنشغال عقله بأمر بضاعته.

مرت الدقائق وهو مُنشغل بالتدقيق في الحسابات ثم قطب حاجبيه عندما تسلل إلى أنفه رائحة عطر لا يشمه إلا على جسد “ليلى”.

رفع أنظارة عن الأوراق بلهفة لكن لهفته أختفت عندما رأى صاحبة العطر وقد احتل التجهم وجهه.

ارتبكت “كارولين” حينما رأت نظرته إليها وأخفضت رأسها مُتظاهرة بأرتباكها وخوفها منه.

_ صنعت لك مشروب الأعشاب الذي أعجبك ،هو يُِعطي طاقة وأسترخاء…

وأردفت بعدما نظرت إليه بنظرة خاطفة.

_ أنا أعلم إنك لا تُحب أي شئ من يدي، سأضع المشروب لك وأغادر.

أستغرب “عزيز” تصرفها مثلما أستعجب وضعها لعطر مماثل لعطور “ليلى” لكن الأمر لم يدور بعقله طويلًا… فلا شئ يُثير حفيظته خاصة وهو يراها تخاف من نظرة واحدة يُلقيها عليها.

_ أفوق بس من أستلام البضاعة وأطمن إنها دخلت المخزن وأنا هتصرف في موضوع وجودنا كلنا في نفس البيت…،، الوضوع ده مبقاش يعجبني.

سارت “كارولين” نحو المطبخ الفارغ ثم أتجهت إلى الباب الخاص به والمفتوح جهة حديقة الفيلا والذي يدلف منه العم “سعيد” بالصباح.

زفرت أنفاسها بزفرة طويلة بعد أن أوصدت غلقه.

_ عشر دقائق وسأذهب إليه.

ومع تمتمتها لتلك العبارة أخذت تحرك يديها على فستانها الطويل المُحتشم الذي ترتدى أسفله ثوب النوم الذي تعلم إنه سيزيد من أثارته مع ما وضعته له في مشروب الأعشاب.

حرك “عزيز”أصابعه على أنفه ثم خرجت من شفتيه عطسة قوية، فتنهد مبتسمًا.

_ شكلي أتعديت يا “ليلى”، لا وكل ما تقولي أبعد عني اقولها أنا مناعتي أحسن منك.

أبتسامته تحولت إلى ضحكة خافتة وقصيرة ثم عقد حاجبيه ونظر إلى كوب الأعشاب.

_ شكله جيه في وقته..

ألتقط الكوب وأسترخى في جلوسه وكاد أن يرفعه نحو شفتيه لكن رنين الهاتف جذب أنتباهه وقد ظن أنه الموظف الذي يتولى أستلام البضاعة وينهي أوراقها.

اِحتل الوجوم ملامحها عندما أبصر رقم “نا…رفين” زوجة “نيهان”.
_ ده رقم “نا…رفين”…

الفزع الذي أقتحم قلبه عند رؤيته لـ رقمها المدون لديه تضا……..عف وهو يستمع إلى صوتها.

_ “نيهان” يمو….ت عزيز ،أرجوك تعالا على الفور… الأطباء يقولون حالته خطرة وهو يُريد رؤيتك.

سقط الكوب من يد “عزيز” ومعه سقط آخر أمل لدى” كارولين” التي أقتربت من الغرفة في هذة اللحظة.

_ “نيهان”…

وصوت “عزيز” خرج بصرخة تُشبه تلك الصرخة التي خرجت في الليلة التي تلقى فيها خبر حا….دث شقيقه “سالم”.

….
داعبت أبتسامة عريضة شفتيّ “صالح” كما داعب الهواء وجهه وهو يُشاهد صغيره وحمقائه المتهورة وهو يركضون على الشاطئ.

_ أقولها أعملي نزهة خفيفة مع الولد من غير تنطيط ولعب ، تقوم تعمل عكس كلامي… أنا هتـ,ـجن منها.

وتنهد ثم قبض على سياج الشرفة المُطلة على البحر في القرية السياحية التي يقضون بها عطلتهم.

_ خمس دقايق وأرحلهم..

وأستمر في مُطالعتهم وعلى شفتيه أبتسامة لا تُغادر شفتيه وشاردًا في أتفاقهم نحو أن كل منهم عليه أن يقضي وقت من التنزه مع “يزيد” دون الآخر حتى يتأكد “يزيد” أن لا شئ تغير في حياتهم وأنه مازال يحتل قلب “زينب” دون أن يُشاركه هو في هذا الحب.

_ أبنك بقى يغير منك يا “صالح” وأنت بتغير منه ، أما نشوف الزئردة اللي هتشرف لينا.

وخفق قلبه وهو يتخيلها، فهو صار مُتمنيًا أن تكون فتاة.

_ الهابلة كانت مخبية عليا ،لأ ومعندهاش سبب مقنع تقوله ليا…
وبين حنقه منها وغضبه من رؤيتها وهي تركض أمام صغيره بالطائرة الورقية ، يزداد غرقًا في تفاصيلها.

_ معقول قلبي بقى عاشق كده وبحب حتى جنونها ،آه يا “زينب” لو تعرفي أنتِ بقيتي إيه بالنسبالي وعملتي فيا إيه؟
…

أخذ “عزيز” يدور بالغرفة بدون هوادة وهو ينظر من وقت إلى آخر نحو “ليلى” النائمة ثم نحو ساعة معصمة.

أنفاسه لا يستطيع ألتقاطها منذ مكالمته مع “نا؟؟؟؟رفين” قبل ساعة والتي لا يعرف عددها.

طرقة خافتة على الباب أجتذبت أنتباهه، فنظر إلى “ليلى” ثم تحرك جهة الباب وفتحه برفق وغادر الغرفة عند رؤيته لـ “سيف” الذي وقف مُطأطًأ رأسه.

_ عمي ميعاد طيارتك الضهر ،الحمدلله لقينا حجز.

نظر “عزيز” إلى ساعة يده ثم زفر أنفاسه بقوة.

_ إن شاء الله هيفوق من الغيبوبة.. خلي أملك في ربنا كبير يا عمي.

وضع “عزيز” يديه على كتفيه متمتمًا بصوت أجش.

_ يا رب يا “سيف” يا رب، عمك مش هيستحمل هدت حيل تانية
ربت “سيف” بيده على أحد ذراعيه مُشفقًا على حال عمه.

_ متقلقش على الشغل.

أسرع “عزيز” بالرد.

_ أنا مش قلقان على الشغل هنا، أنا قلقان على “ليلى”…

شعر “سيف” بالخجل من عمه بعد أعتراف “كارولين” لهم أنها أعطتها حبه من الحبوب التي تتناولها كُلما رغبة بالنوم لعدة ساعات طويلة دون أرق.

_ أنا آسف يا عمي من تصرف “كارولين” والحمدلله الدكتور طمنا لما جيه الفجر وقالنا نطمن.

فرك “عزيز” جبينه ثم أشاح بوجهه عنه.

_ أنا مش عارف هغيب أد إيه ،فخلي بالك منها… عاملها زي ما بتعامل “نيرة” و “شهد”.

أبتلع “سيف” ريقه مُتذكرًا دنائته القديمة وما كان يرغب في فعله مع “ليلى” حتى يثبت خيانتها له وما زاد من ثُقل تعذيبه عندما ذكر عمه اسم “شهد”.

_ حاضر يا عمي، أطمن.

تمتم بها “سيف” بصوت خفيض بعد أن هرب بعينيه بعيدًا عنه.
….

ركضت “سماح” إلى خارج بوابة الفيلا الضخمة وهي تكتم بيدها صوت بكائها ثم صرخت بوجع عندما ألتوى كاحلها.
انحدرت دموعها وهي تخلع أحد فردتي حذائها البالي ثم تحركت ببطء نحو الرصيف وهو تتمتم.

_ يا حرقة قلبك يا “سماح” ، يا حرقة قلبك… هتبصي في عينك عيالك إزاي وأنتِ دفعتي التمن جسمك…

ثم لطمت صدرها، فـ “هارون” اليوم أخذ حقه منها كاملًا وأتم العلاقة بينهم بعد أن كانت مهمتها تجلس تحت قدميه تُدلكهما له ثم تتركه يستبيح جسدها بلمسات يرتجف معها قلبها وأنوثتها.

_ هفضل شايله العار طول عمري ومش هقدر أبص في عين عيالي في يوم…

وأستندت بجسدها على سياج أحد المنازل، تتذكر ورقة الزواج العرفي والذي تأكدت بعد بحثها عنه…، أن لا حق لها في شئ وأن هذا الزواج ينقصه أركان الزواج الصحيح.

_ مش قولتلك بقيتي خاطية.

حادثت نفسها بمرارة ثم أطبقت شفتيها حتى لا يصدر صوت لشهقاتها العالية.

وصلت إلى حارتها بعد ساعة ونصف وهي تجر عارها وخيبتها وعند دخولها شقتها الصغيرة التي تشققت جدرانها بسبب عوامل الرطوبة ، ركض أحد صغارها إليها.

_ ماما، “أنس” تعبان أوي وشفايفه زرقه…

….

نهضت “سمية” من وراء طاولة مكتبها والسعادة تغمرها عندما تلقت رسالة من موظفها الذي تُلقبه بالدنجوان يُخبرها فيها إنهم في طريقهم إلى تلك الشقة وسيتم تنفيذ الخطة كما أتفقوا…
_ أخيرًا يا “كارولين” وقعتي تحت أيدي..

الفصل المئة والتسعة(1)
🌻ظنها د…مية بين أصابعه🌻

دوامة من المشاعر والأفكار تجتاحها وتُسيطر عليها يوم بعد يوم ولا جواب تجده يزيل عنها تخبطها وحيرتها ، بداية من محاولتها لفهم طبع “عزيز” والتأقلم عليه حتى تُصبح نموذج للزوجة الناجحة كما تعلمت ورأت ثم ذلك التحفظ الذي وجدته من “سيف ” و “نيرة”ونظرتهم التي تغيرت فجأة نحوها وبعدها أتى سعيها مع زوجة عمها في إستكمال مشروعهم الصغير بعد أن وجدت فيه ملاذًا لذلك الفراغ والوحدة القاتلة التي سيطرت على حياتها خاصة بعد وفاة عمها وأخيرًا أفعال “عزيز” التي زادتها حيرة والأصعب كره “شهد” أبنة عمها لها دون سبب.

فرت دمعة من عيناها، فداخلها صراع قوي… صراع يدفعها أن تهرب بعيدًا والعودة إلى حياتها الصغيرة الدافئة داخل جدران منزل ليس لها لأن هناك أشخاص آخرين أحق به منها كما أخبرتها “شهد” ؛ فهي ليست أبنة لتلك العائلة.. هي مجرد فتاة بالتبني ولا حق لها أن ترث منهم شئ.

أختنقت أنفاس “ليلى” مع السُعال الشديد الذي أتاها فجأة إلى أن أستطاعت ألتقاط أنفاسها ثم عادت ترتشف من كوب الأعشاب الساخن الذي صنعه لها العم “سعيد” بيديه وقررت أرتشافه وهي تسير داخل حديقة الفيلا.

أطلقت زفيرًا طويلًا ونظرت إلى الكوب الذي تقبض عليه بكلتا يديها وتساءلت.

_ يا ترى “عزيز” شاف رسالتي، أنا عايزاه يطمني بس على “نيهان”…

ثم أتبعت تساؤلها بخفض رأسها وأردفت بحزن.

_ يا رب تقوم بالسلامة يا” نيهان” وتفوق من الغيبوبة أنت كنت راجل طيب وأنا بدعيلك من قلبي.

وأستكملت دعواتها بصدق.

_ يا رب ما يتحرق قلب حبايبه عليه ويرجع لمراته وحياته ويشيل أبنه على أيديه.

وعند هنا عادت دموعها تلمع في مقلتيها، فهي تجرعت مرارة اليتم وفقد الأهل ثم أكملت سيرها بالحديقة إلى أن أنهت نصف مشروبها الساخن وقبل أن تعود أدراجها إلى الداخل أستمعت إلى صوت العم “سعيد”.

_ ولو شد عليكي التعب تاني يا ست البنات ، أقول للبيه إيه لما يكلمني ويسألني عنك ،خدي بالك أنا في صحتك مش هكذب عليه ، كله إلا صحتك.

استدارت “ليلى” نحوه وعلى شفتيها أبتسامة خفيفة يظهر معها أعيائها.

_ أنا كويسة يا راجل يا عجوز ومبحبش قعدت السرير ولا بحب حد يحسسني إني تعبا….نه.

زمَّ العم “سعيد” شفتيه بعبوس لعدم تقـ,ـبله ما تخبره به.

_ كملي شرب الأعشاب ومتقوليش طعمه مر وتضحكي عليا بشرب نص الكوباية ، عمك “سعيد” متخصص في الوصفات ديه عشان مناعتك تزيد.

وبوجه مُبتهج ولهفة نحو خبر طال أنتظاره.

_ أفرض دلوقتي بقيتي حامل يا ست البنات ،ينفع تكوني كده أي حاجه بتتعبي منها.

اختفت أبتسامة “ليلى” وتذكرت حديث “عزيز” معها بأنه لم يعد يُريد أطفال وقد أخبرها بأسباب غير مُقنعه لم تتقبـ,ـلها.

_ نفسي أشيل عيالكم قبل ما أمو…ت..

أسرعت بالرد عليه بصوت بالكاد خرج منها.

_ ليه بتحب تزعلني يا عم “سعيد” وتجيب سيرة المو….ت، إن شاء الله هتشيلهم وتجوزهم كمان.

أبتسم العم “سعيد” ثم تنهد تنهيدة طويلة آملًا أن يأتي اليوم الذي يرى فيه أولادهم وتتزوج “شهد” ولن يتمنى شئ آخر بعد هذا.

_ إن شاء الله يا بنتي بس أنتوا فرحوا قلبي الأول..

أشاحت “ليلى” بوجهها عنه عندما لم تجد ما تُخبره به ثم ابتلعت ريقها في حزن وهي تتذكر جدية “عزيز” من قراره ولكن في داخلها اتخذت قرارها ، لن تقبل هذا الأمر هي تُريد أطفال وتُريد أن تحظى بعائلة كبيرة تجد فيهم الونس والدفئ اللذان تفتقدهما مُؤخرًا.

…

زفر “هارون” أنفاسه براحة بعدما تلقىٰ أتصالًا من سائقه يُخبره فيه أنها وصلت حارتها بسلام.
أستمر بتحركه في غرفة مكتبه بدون هوادة، فـ هو حتى هذه اللحظة لا يفهم سبب مغادرتها بهذا الشكل وتركها للمال على الفراش.

أطرق رأسه مُتنهدًا بعمق وشاردًا في تفاصيل ما حدث منذ ساعات قليلة.
وأبتسامة واسعة أحتلت شفتيه عندما تذكر إنه أخيرًا شعر بقدرته الجسديه التي ظنها ضاعت مع المرض وصار هذا الأمر يُصيبه بالضيق لكن مع خادمته الفاتنة التي فتنته تحركت غرائزه وأشتعلت رغبته بها بعد أن أمرها أن تتحرر من ملابسها وترتدى أمامه أحد الأثواب التي تكشف الجسد بسخاء ، بالبداية تمنعت وأخبرته إنها لا تستطيع فعل هذا لكن مع ألحاحه… نفذت له ما أراد وبعدها لم تعد نظراته ولمساته إليها ما يناله منها فقط بل أخذ حقه الشرعي وتمتع به لدرجة أنه أخرج الكثير من المال من محفظة نقوده حتى تأتي بكل الطعام والفاكهة وما تُريد شرائه لأولادها.

_ بقالي فترة طويلة محستش أني مبسوط كده.

قالها ثم مرر يده على صدره بعد أن أخذ نفسًا طويلًا وزفره.

_ من ساعت ما وقفت بعض الأدوية وأنا مرتاح.

وأستطرد بعد أن عادت صورة سماح إلى رأسه.

_ بكره أسألها مشيت ليه بسرعه مع اني قولتلها خليكي في الأوضة لحد ما أخرج من الحمام.

…

دخلت “ليلى” غرفتها بأنفاس مُتهدجة وهي مستمرة في سُعالها ثم أتجهت إلى الفراش حتى تلتقط هاتفها وترى ، هل أجاب “عزيز” على رسائلها أم لم يراها بعد.

نظرت إلى هاتفها بلهفة وتمنت أن يُطمئن قلبها عن حالة “نيهان” لكن رسالته كانت تحمل يأسه.

وضعت يدها على شفتيها من شدة قلقها وفتحت أحد تطبيقات التواصل على الهاتف وقامت بالرنين عليه لكن لا رد أتاها.

_ أكيد في الدوامة بين المستشفى وبين الشركة هناك، هو قالي هتصل بيكي بالليل خليني منتظره أتصاله…

هكذا أخبرت نفسها حتى تهدأ من رَوْعِها ثم أنفلتت منها تنهيدة وأغلقت جفنيها.

أسترخت بهذا الوضع قليلًا ومازالت تطبق على الهاتف بيديها ثم اِفتر ثغرها عن أبتسامة حزينة عندما أسترجعت بعض من مشاهد عُرسها وفرحة الجميع معها.

_ “نيهان” و “نا؟؟؟رفين”طيبين ، أكيد هتحصل معجزة و “نيهان” هيفوق ويخف ، أنا بمؤمن بالمعجزات اللي بتحصل لينا جزاء أفعالنا.

تمتمت بها ثم فتحت عينيها ورفعت الهاتف.

_ أنا “زينب” بتيجي في بالي كتير، ليه مبدأش التواصل معاها وأعيد صداقتنا… ما يمكن هي قطعت التواصل لأنها تعبانه أو مشغوله أو مستنيه مني إن أنا أبدء..

وبعد تنهيدة طويلة حملت حيرتها وترددها أردفت.

_ أنا ليه محتارة كده ما أحاول أتواصل معاها هفضل كده لواحدي كتير حياتي مقفوله عليا….

وبصوت مكتوم بسبب أبتعاد “شهد” عنها واصلت كلامها.

_ محدش جانبي، مرات عمي وبقت تعبانه ومش ناقصه حزن على حزنها و “عزيز” مبيحبش يتكلم كتير و “سلوى” قطعت معاها الكلام من زمان و خالتي “صفية” مشغوله في حياتها مع أولادها وأحفادها والمسافة بعدت ما بينا و “كارولين” عندي شعور جوايا ديمًا بيخوفني منها يبقى ليه مدورش على صحاب هنا…

ورغم الحزن الكامِن في فؤادها بسبب المصاب الذي أحل
بـ “نيهان” إلا أنها شعرت بالأحتياج نحو من شاركوها تلك الأيام التي سبقت زفافها.

_ “زينب”، “سما” ، و “جيلان و شروق “صحاب “زينب” وسيادة اللواء.

….

نظرت “كارولين” خارج السيارة بنظرة ثاقبة قبل أن تلتف نحو ذلك الذي أتخذته رفيقًا لها تقضي معه أوقات ممتعة حتى تتغلب على شعور الخواء الذي صار يُسيطر عليها بعد أبتعاد “سيف” عنها وعدم أرضاءه لها في علاقتهم الزوجية.

_ هل أنت متأكد إننا سنجد متعتنا هنا؟

وبنبرة صوت مترددة أردفت.

_ “كمال” أنا أشعر بالأكتئاب الشديد وأرغب بنسيان ما يُحبطني، أنا اليوم سأتجرع الكثير من الخمر وسأتناول كل ما يجعلني أشعر إننا أطير بالسحاب.

تجلجلت ضحكات “كمال” وهو يراها تفرد ذراعيها كالطائر وهتف في نفسه.

_ أنتِ هتطيري فعلًا يا حلوة، عايز أبسط نفسي بآخر لقاء ما بينا أهو أكون أخذت من الحلو قطره.

قوست “كارولين” شفتيها بضجر وهي تراه يُحدق بها.

_ “كمال”، هل معك تلك السيجارة التي أخذتها منك من قبل وجعلتني أطير.

أتسعت أبتسامة “كمال” ومدَّ يده حتى يُمررها على أحد فخذيها.

_ في كل حاجة يا كوكو وهنعمل كل حاجة إحنا عايزنها وهنتبسط ، أنتِ بس سلميلي نفسك.

ألتمعت عينين “كارولين” وأسبلت جفونها نحو يده التي يُحركها على فخذها.

_ أنا أريد أفراغ طاقتي “كمال” ولا بأس إذا….

قطعت كلامها وهي تعض شفتها،فأبتسم “كمال” وواصل تحريك يده على فخذها.

_ طب يلا بينا عشان ننبسط وتنسي كل حاجه مضيقاكي وأعوضك عن خيانة جوزك ليكي، هو في حد يكون عنده القمر ده ويبص لغيره.

أمتقع وجه “كارولين” وأشاحته هامسه في نفسها.

_ من يضايقني هو عمه ذلك الرجل الذي لم يمنحني فرصة للتقرب منه ويعيش بسعادته مع زوجته وحتى أملي في تلك الليلة ضاع.

وأستفاقت من حالة الضيق التي تملكتها وأبتسمت بأنتشاء عندما أزدادت جرأته معها… فالمنطقة هادئة ولا يعيش بها إلا القليل ولا بأس بالتمتع قليلًا داخل السيارة.

….

غادر “عزيز” المسجد بعد أن أنتهى من أداء فريضة العصر ثم تنهد وأستقام في سيره لكن عيناه ألتمع بهما الشرود ، فهل يملك قدرة فقد صديقه وعندما أقتحم فؤاده الخوف نحو تلك الاحتمالات الموجعة نفض رأسه سريعًا رافعًا وجهه لأعلى داعيًا الله أن يشفي صديقه.

أتخذ طريقه سيرًا على الأقدام، فالمشفى لم تكن بعيدة وعند وصوله للطابق الذي تكون به غرفة العناية، وجد “نا؟؟؟رفين” مستندة على ذراع أحدى صديقاتها ولا تتوقف عن البكاء وتُنادي على صديقه لتُخبره بأنها لا تستطيع العيش دونه.

وصوره أخرى صالحة من النساء تجسدت أمامه اليوم ،”نا؟؟؟؟رفين” المرأة التي كان يضجر صديقه أحيانًا من تدللها المبالغ ووجع الرأس الذي أصابه بعد حملها لكن في نهاية حديثهما يُخبره إنه يعشقها وأن تذمره من أفعالها لا يُقلل من عشقه لها ورغبته في فعل كل شئ يجعلها سعيدة … في بعض الوقت كان يستعجب كلام صديقه ويتساءل، هل صديقه مُختلًا في مشاعره وقلبه وكيف من الأساس يأمن لأمرأة تُعارضه كثيرًا ، أمرأة تُصمم على قرارتها حتى تُجبره على تنفيذها ، أمرأة قوية تستخدم سلا؟؟؟؟ح أنوثتها ودها؟؟؟؟ئها في نيل مُرادها ولا يخجل صديقه من الأعتراف إنه مثل الخاتم بأصبعها.

_ “نيهان” أتوسل إليك أنهض ، سأمو….ت “نيهان” إذا رحلت.

أخترق حديثها مسمع “عزيز” واستدار سريعًا حتى لا تنتبه على وجوده وترى أحمرار عيناه التي تُنبأ بالبكـ,ـاء.

سار عدة خطوات نحو أحد المقاعد القريبة لكن قبل جلوسه على المقعد أستمع إلى صر…..؟؟؟؟؟؟خة “نا…رفين”.

_ “بورجو”، أشعر إنني سألد الطفل الآن.

….

مارست “كارولين” متعتها القصيرة داخل أحدى الغرف ومع كل صيحة متعة تخرج منها كانت تخبر “كمال” بالحقيقة المخزية عن عشقها لـ عم زوجها الرجل الذي لم ترى مثله بحياتها.
أبتسم “كمال” بأنتشاء عندما حصل مثلها على متعته ثم أبتعد عنها قائلًا:

_ خلينا نخرج عشان نهيبر مع الشباب بره وأشربك كل حاجة تخليكي طايره فوق.

رتبت “كارولين” ملابسها ثم خللت أصابعها في خصلات شعرها وحركت رأسها نحو خارج الغرفة حتى ترى معه تلك المتعة التي أفتقدتها منذ علاقتها مع “سيف” ومجيئها إلى مصر.
غمز لها “كمال” وأجتذب يدها صائحًا بعلو صوته وقد تفاعل معه الموجدين مع أنطلاق صوت الموسيقى دون صخب.
….

ألتقط “سيف” كوب الشاي من يد العامل في معرض الأثاث الموجود بـ حي المعادي ثم أرتشف القليل منه وأخذ يهز برأسه مُستمتعًا.

_ أنا أدمنت الشاي على أيديكم خلاص.

أبتهج وجه العامل على مديحه وبساطته بالحديث معهم.

_ ألف هنا على قلبك يا بشمهندس، أنا هنا تخصص شاي.

قهقه “سيف” على حديثه ثم تنهد وأستكمل عمله.

_ يا بشمهندس تليفونك تاني مره يرن، قولت أكيد مكالمة مهمة.

خفق قلب “سيف” بالقلق ، فهو يخشى سماع خبر لا ينتظره من عمه وعندما وجد الرقم ليس دولي زفر أنفاسه براحة.

انقطع الخط قبل أن يُجيب فهتف وهو يمدَّ يده للعامل.

_ معلش يا “سيد” أرجع حطه على الشاحن.

أومأ العامل برأسه وكاد أن يلتقطه منه لكن الهاتف صدح رنينه بنغمة الرسائل ثم توالت عدة رسائل وراء بعضها مما جعله ينظر إلى الهاتف بغرابة.

…

توقفت “سمية” بسيارتها في مكان متواري عن الأنظار حتى تتمكن من رؤية سيارة الشرطة وهي تقتحم المكان.

أبتسامة واسعة داعبت شفتيها عندما أبصرت رقم المتصل قائلة بنبرة صوت مُغنجة.

_ سيادة الوزير بذات نفسه بيكلمني.

أبتسم الجالس وراء طاولة مكتبه بشموخ بعد أن أشار إلى سكرتيره بالمغادرة وغلق الباب ورائه.

_ وحشاني يا “سمية” ووحشتني الليالي بتاعتنا بس نقول إيه بقى توبت عن الحاجات ديه.

تجلجلت ضحكات “سمية” ونظرت إلى وجهها بـالمرآة الأمامية للسيارة.

_ أنا في الخدمة لو عايز تعوض اللي فات.

صدحت ضحكات الجالس على مقعده مُداعبًا شارِبه.

_ ما أنا قولتلك توبت، ده غير “فارس” ابن أخو المدام رجع العلاقات من تاني بالنسب.

برقت عينين “سميه” بمكر ، فهي أقتربت من مخططها الآخر وإنهاء تلك الخِطبة حتى يفوز أبنها بـ بيسان وبالشركة.

_ التوبة حلوه برضو يا باشا وكفايه خدمتك النهاردة ليا، أنا عايزه الموضوع يخلص زي ما أنا طلبت منك.

أسترخى المتصل في مقعده وعلى شفتيه أبتسامة خفيفة.

_ أعتبري كل حاجة تحت أشارتك وفي كامل تصرفك يا “سمية”.

أسبلت “سمية” أهدابها وسرعان ما تلاشت بهجة ملامحها عندما استطرد قائلًا:

_ عايزين شقاوتك مع حد عزيز علينا ولا كبرتي يا “سمية”.
….

حركت “كارولين” جسدها بمُجون بين ذراعين “كمال” الذي أستمر في أعطائها كل ما يجعلها مُغيبة عن الواقع.

عيناه تقابلت مع أحد الرجال المُندمجين بالرقص مع امرأة أخرى ثم غمز له بطرف عينه.

_ يكفي “كمال”، أريد أن أرحل من هنا.

ضمها “كمال” إليه ثم تناول أحدى لفافات التبغ من زميله ودسّها بين شفتيه مُلتقطًا نفسًا طويلًا ثم أعطاها لها.

_ الحفلة شعللت يا كوكو، خدي أشربي عشان تطيري وتنسي الراجل الوحش عم جوزك.

مطت “كارولين” شفتيها بمقت وألتقطت منه السيجارة ثم صاحت بعلو صوتها بالغناء وتابعت رقصها…

أنتشل “كمال” نفسه من بين الموجدين ثم أبتسم وهو يراها تندمج بالرقص مع رجل أخر.

_ مع السلامة يا كوكو..
….

أنهت “سمية” مكالمتها مع المتصل بوجه عابس ثم أختفى عبوسها سريعًا عندما أستمعت إلى صوت سرينة الشرطة.

عيناها ألتمعت بشر ونظرت إلى الطريق تتساءل.
_ مش معقول ” سيف”مش هيجي…

مرت الدقائق في ترقب وأشتعلت عيناها بالغضب… فهي كانت تُريد مجيء “سيف” قبل رجال الشرطة.

زفرت أنفاسها بضيق تلاشى سريعًا عندما ألتقطت عيناها سيارة “سيف” من مرآة سيارتها.

_ معلش يا حبيبي، الصدمة هتكون صعبة في الأول.
…

أبتسمت “سما” عندما أنتبهت على دخول زوجة عمها من باب المَقْهى الذي أعتادت العائلة على الألتقاء به.

أسرعت بالنهوض وأتجهت إليها بوجه بشوش.

_ أنا قولتلك أجيلك يا طنط “لبنى”، أنتِ شكلك لسا تعبان.

أبتسمت “لبنى” وتحركت معها نحو الطاولة.

_ لأ أنا عايزة أتكلم معاكي بعيد عن البيت.

عقدت “سما” حاجبيها بدهشة وتساءلت.

_ هو الموضوع سري أوي كده؟

تنهدت “لبنى” وهي تجلس على المقعد الذي حركته “سما” لها.

_ أقعدي يا “سما” خلينا نتكلم وأكيد هتعرفي كل حاجة دلوقتي.

هزت ” سما”رأسها بتأكيد وهي تضحك.

_ عندك حق، معلش يا طنط أنتِ عارفه فضولي بيزيد في الأمور السرية.

نظرت إليها “لبنى” نظرة طويلة، فأزدادت دهشة “سما”.

_ أنا الفضول زاد عندي يا طنط…

أشاحت “لبنى” بوجهها عنها حتى تُرتب الكلمات ثم عاوَدَت النظر إليها.

_ أنتِ عارفاني بحبك اد إيه يا “سما” لكن مش عايزاكي تكوني عروسة أبني.

اِنمحت أبتسامة “سما” ورفرفت بأهدابها لعلها تستوعب ما سمعته،فأردفت “لبنى”.

_ أنا عايزه أجوز “قصي” لـ “زينة” بنت “عدنان الهتيمي”.
…

وضع “سيف” يده على الكدمة التي أصابت أحد عيناه بسبب مُشاجرته مع أحد رجال الشر….طة ثم أقترب من الجدار
– داخل المشفى التي نُقلت إليها “كارولين” بعد سقوطها فاقدة الوعي عند المخفر- وضر…ب عليه بقبضتيّ يديه.

_ ليه لما بدأت أتغير يحصل ده ليا، أنا مكنتش عايز أكون زيه، مكنتش عايز أكون نسخة من “سالم الزهار” لكن بقيت نسخته من غير ما أحس.

أتت “سمية” المشفى مُتظاهرة بالصدمة وقبل أن تضع يدها على كتفه لمؤازرته، خرج الطبيب من غرفة العمليات ونظر إليهم.

_ للأسف الجنين نزل متحملش الجرعات اللي أخدتها من الشرب ولا العلاقة اللي حصلت…

«جنين وعلاقة» ما أبشعهما من كلمتين سقطت معهما رجولته…

الفصل المئة والتسعة (2)
🌻ظنها د….مية بين أصابعه🌻

يقتـ,ـلونكم بكلماتهم ثم يربتون على كتفك وفي عينيهم نظرة آسف عن قسوة حديثهم، فهم يُحبونك ولا يُريدون لك إلا الخير لكن عليك أن تبحث عن هذا الخير بعيدًا عنهم.
كلمات “لبنى” كان قاسية على قلبها الذي مازال يتعافىٰ من وَهَم صدقه وسعى إليه ، وَهَم أرادت أن تتجاوزه بقبول العرض الذي قدمه جدها وأكد عليه أبن عمها بأنه عند عودته ستكون هي عروسه وحتى تثأر من “مازن” ومن نظرة والدتها الساخرة ونظرتها لحالها كُلما أبصرت حقيقة غبائها في كل صباح وقفت فيه أمام المرآة وافقت دون تفكير في كرامتها المُهانة وتجربتها الفاشلة.

سحبت “سما” كفوف يديها المتشابكين على الطاولة عندما رأت رعشتهما ثم شدّت من ضمهما داخل حجرها.
أبتسمت” لبنى” حينما وجدت أن حديثها له صدى وستنسحب “سما” من تلك الزيجة رافضة بكل إصرار من أجل كرامتها، فهي تعلم طبيعة “سما” التي تتخذ قرارتها بأندفاع وتهور.

_ “سما” حببتي أنتِ زعلتي مني ، أنا مقصدش ليكي يا حببتي أي أهانة.

وبصوت أكثر لطفًا أردفت “لبنى”.

_ أنتِ عارفه غلاوتك عندي إزاي وكنت أتمنى إنك تكوني مرات أبني وأقترحت ده زمان لما رفضت زينب إنها تكون زوجة “قصي” ، وقولت لو “سما” معنديش مشكلة.

أبتسمت “سما” أبتسامة فاترة وهزت رأسها إليها وهي ترى زوجة عمها كيف تُحاول ترتيب كلامها.

_ رسالتك وصلت يا طنط “لبنى” متقلقيش لكن عايزه ألفت نظرك لحاجة ، سيادة الرائد وعمو “هشام” طلبوني من جدي ومن بابا يعني لو سيادة الرائد مكنش عايزني كان رافضني لأنه مش صغير إن حد يجبره على حاجة وعمو “هشام” عمره ما أتدخل في قراراته ولا قرارات “علي” أو “أشرقت” خصوصًا في أختيار شريك حياتهم.

أصابت الدهشة “لبنى” لوهلة ، فهي لم تكن تنتظر هذا الرد منها وأسرعت بألقاء بقية حديثها حتى تدفع بآخر أمل لديها.

_ مين قالك إن سيادة المستشار أو سيادة اللواء مأجبرهوش على قرار جوازكم…

تسارعت دقات قلب “سما” وهمست بصوت خافت بعدما تأكدت من ذلك الشئ الذي أكد لها جدها إنه لن يحدث منه لكن ربما حدث من عمها.

_ أجبروه!!

أخذت “لبنى” نفسًا عميقًا ثم أخفضت رأسها.

_ يمكن سيادة اللواء كل اللي عمله إنه قدمك لأبني كأقتراح ولفت نظره ليكي زي ما عمل قبل كده مع “زينب” لكن “هشام” المرادي مصمم عليكي وحجته إنك هتنفعيني يا “سما” بعد ما “أشرقت” أتجوزت.

ضاقت حدقتيّ “سما” ،فما الذي تقصده زوجة عمها بحديثها ثم أشارت إلى نفسها مُتسائلة وضحكت ضحكة تخفي ورائها رجفة قلبها.

_ أنفع حضرتك إزاي يا طنط؟

توترت “لبنى” وتجلىّ هذا على وجهها الذي ظهر عليه كبر العمر مؤخرًا.

_ يعني عمك يقصد إنك تراعيني ما أنتِ عارفه “قصي” شقته معانا في العمارة.

أسرعت “سما” بوضع يدها على شفتيها حتى لا تضحك مرة أخرى.

_ عمي أختار أختيار موفق يا طنط “لبنى”..

أبتسمت “لبنى” أبتسامة مهزوزة وأومأت برأسها إليها.

_ ما أنا عارفة يا حببتي وأنا مرضاش ليكي تكون ممرضة ليا، أنتِ بتحبي شغلك وناجحة فيه.

انفرج ثغر “سما” بأبتسامة واسعة وردت عليها بأعتزاز وهي تسترخي في جلوسها.

_ تعرفي يا طنط “لبنى” أنا النهاردة أتأكدت إن الست مننا ملهاش غير شغلها، أنا الحمدلله من بكره همسك قسم التسويق في المطار لأن شغل الضيافه بقى مُرهق ومعطلني عن الحلم بتاعي.

وبحماس أردفت حتى تُسيطر على ذلك الشعور الذي يعصر فؤادها حسرة.

_ أنتِ عارفة إني نفسي أفتح ستور للملابس النسائية، فيمكن جات الفرصة دلوقتي عشان أتدرب شوية على التسويق وأخطط لمشروعي…

شعرت “لبنى” بالأرتياح وأبتلعت ريقها.

_ أكيد أنا و “أشرقت” أول زبونتين عندك..

ألتقطت “سما” زجاجة المياة الموجودة على الطاولة وأرتشفت منها ثم حركت رأسها.

_ أنتوا بس يا طنط وفين “زينة” بأعتبار إنها هتكون مرات “قصي” ولا “فاتن” خطيبة “علي” و إن شاء الله قريب تكون مراته، لازم كلكم يا طنط “لبنى” تكونوا أول زباين عندي مش أنا غالية عندك.

هربت “لبنى” بعينيها عندما أنتبهت على رجفة صوتها.

_ طبعًا يا “سما” ولو مكنتيش غالية عندي مكنتش صرحتك بالحقيقة…

وأردفت “لبنى” بعد أن تذكرت ما كادت أن تنساه.

_ “سما” مقابلتنا ديه محدش يعرف بيها مهما حصل لأن عمك “هشام” لو عرف هتحصل مشكله كبيره ما بينا.

أعتدلت “سما” في جلوسها مُستنده بساعديها على الطاولة.

_ حاضر يا طنط، سرك في بير ولا حتى “قصي” هيعرف حاجة ، ما أنا حرام أظلمه معايا ويتجوز واحدة مغصوب عليها.

تقابلت نظراتهن ، فتنهدت “لبنى” براحة عندما تأكدت من صدق حديثها.

_ الست بتدفع التمن طول عمرها يا “سما” لما بتتجوز راجل مبيحبهاش ، أتمنى ليكي تلاقي الحب الحقيقي.

أطرقت “سما” رأسها تسأل نفسها ، هل زوجة عمها تتعمد أن تُمزق روحها وتحرق قلبها.

_ أوعديني يا “سما” إن كلامنا ده يفضل سر ما بينا.

رفعت “سما” عيناها إليها ، فأسرعت “لبنى” بوضع يدها على ذراعها.

_ أوعديني يا “سما”.

تمالكت “سما” خنقتها وهزت رأسها عدة مرات وفي داخلها تمنت لو أنها أستطاعت الصر…؟؟؟؟؟اخ بعلو صوتها لعلّ زوجة عمها ترحمها ثم أخذت تتمتم في نفسها بعد أن توقد الغضب في عينيها.
« بكرهك يا “قصي”، بكرهك.»

….

أرتعش جسد “عزيز” بالكامل وألتمعت الدموع في مقلتيه عندما أقتربت منه صديقة “نا…..رفين” بذلك الصغير الملفوف في غطاء سَمَاويّ.

_ خلي معاكي ، أخاف يقع مني ، أنا هبص عليه وهو على أيدك.

أبتسمت “نا..رفين” بوهن ونظرت إلى صديقتها “بورجو” التي ألتفت إليها حتى تُخبرها بما عليها التصرف به ، فـ حركت “ن…ارفين” رأسها لها حتى تعطيه له.

أرتبك “عزيز” ونظر إلى الصغير بعد أن ألتقط بعينيه تصرف “نا…رفين”.

_ أحمل “عزيز” الصغير سيد “عزيز” ، “نيهان” يريده أن يكون مثلك.

تمتمت “ن…ارفين” بصوت مختنق بعد أن قاومت وهنّها ، فهذه هي أحدى أمنيات زوجها سواء صبي أو فتاة أراده أن يكون مثله عزيز النفس ، مخلص وصادق في كل شئ.

تردد “عزيز” في البداية وهو يمدّ يديه حتى يحمله لتبتسم “بورجو”وهي تضعه بين ذراعيه.

والدموع التي حاول منعها والسيطرة عليها ،فاضت بسخاء على خديه وهو يضم هذا الصغير الذي حمل أسمه إلى حضـ,,,,ـنه.

_ أبن الغالي وهتكون غالي يا “عزيز”، هتكون أبني اللي ممكن مخلفهوش.

حديثه خرج بهمس بعد أن اِستدار بجسده وهو يضم الصغير إليه ثم أردف بصوت أجش.

_ أبوك هيرجع لينا ،قلبي بيقولي إن طريقنا لسا مكمل ومش هيسـ,ـيبني لواحدي.

…

دارت “سمية” بعينيها بين الطبيب وأبنها الذي كرر نفس تساؤله لمرات.

_ كانت حامل في أبني ولا أبن حد تاني ، أرجوك رد عليا.

شعر الطبيب بالأسف عليه ثم زفر أنفاسه وقال قبل أن يبتعد عنه.

_ السؤال ده تسأله للمدام مش ليا ، عن أذنكم.

سار “سيف” ورائه صارخًا بصوت اجتذب الواقفين بالممر داخل المشفى الحكومي.

_ أنت مردتش عليا ليه، ده أبني ولا مش أبني ؟

أجتذبت سمية ذراعه وهتفت به وهي تنظر حولها.

_ أنت كده بتفضح نفسك وأحنا مش ناقصين فضايح خلينا نلم الموضوع وتطلقها وترجع بلدها…

أشعلت “سمية” بحديثها قلبه الذي لم يستوعب بعد خيانتها له ، فهو رآها مُلتفة بغطاء الفراش وورائها مجموعه أخرى من رجال ونساء.

_ خلي يرد عليا، أبني ولا مش أبني ؟

رمقه أمين الشرطة الواقف والذي رافقه إلى المشفى بنظرة مُسْتَخِفة وساخطة.

_ أنت بتبصلي كده ، بتقول عليا أني راجل مغفل مش كده

صاح بها “سيف” وأندفع نحو رجل الشرطة الذي أرتفع صوته بغضب.

_ جايبين مراتك يا نن عين مامي من شقة مشبوها ومخلة للأداب لأ وإيه كانت في حضن أتنين رجاله، أبقى دور بقى في سجل المدام أو يمكن يكون طفل مشترك ما بينكم كلكم.

ألقى أمين الشرطة حديثه دفعة واحده وفجأة أنقلبت المشفى لعراك وسقطت “سمية” أرضًا وهي تصرخ بأن ينجد أحد أبنها.

_ المهزلة ديه أنا مش هسكت عليها وهجيب حق أبني.

…

أغلقت “زينة” الكتاب الذي تُراجع فيه أحد المواد التي ستُختبر بها غدًا ثم ألتقطت الهاتف الذي أضاء للمرة الثانية بـ رقم تُسجله بأسم إحدى صديقاتها.

نهضت من وراء طاولة مكتبها الصغير ثم أسرعت نحو باب الغرفة لتتأكد من غلقه.

زفرت أنفاسها ببطء قبل أن تُقرر الرد عليه وقد أعاد الأتصال للمرة الثالثة.

_مبترديش عليا ليه ؟

تساءل “هشام” بغضب فور أن أستمع إلى صوتها لترد بنبرة صوت خافتة ومُرتجفة.

_ عندي أمتحان بكره وبذاكر و خالتو الفترة ديه تركيزها معايا جامد.

خلل “هشام” أصابعه في خصلات شعره، فهو الليلة يُريدها بشدة.

تنهد تنهيدة طويلة أجتذبت أنتباه “زينة” التي عادت لجلوسها وراء طاولة مكتبها.

_ هو أنت أتضايقت!!

رد “هشام” وهو ينظر إلى الطريق أمامه.

_ عايزك تجيلي، ينفع؟

اِفتر ثغر “زينة” عن أبتسامة خفيفة وتساءلت.

_ هو مينفعش لكن ممكن أعرف أنت عايزني ليه؟

أبتسم “هشام” ،فالصغيرة تُلاعبها ولا بأس بأن يعطيها ما تُريد أن تسمعه.

_ عايزك عشان وحشتيني، هتيجي يا “زينة” بعد ما قولتها ليكي.

أطبقت زينة جفنيها بأسترخاء ثم تنهدت برقة.

_ بجد بقيت أوحشك.

تجمدت ملامح “هشام” ثم قبض بيده على الهاتف.

_ هتيجي ولا لأ…

زمّت “زينة”شفتيها بضيق وهي تنظر إلى الكتاب المفتوح أمامها.

_ مش هينفع، عندي أمتحان.

أجابها “هشام” بـ رد سريع مُقتضب.

_ تمام.

أنهى “هشام” المكالمة زافرًا أنفاسه بضيق مُتسائلًا.

_ أنت أتعلقت بيها يا “هشام” ، طلعت ذكية وعرفت تخليك عايز ست في حياتك، أنتِ السبب يا ” لبنى” قولتلك أنا محتاجك الفترة ديه أوي لكن حضرتك عايشه ليا دور الكآبة والأحزان من ساعت ما جوزنا “أشرقت” وكأنها هجرت بلد تانية وكل اللي على لسانك بنتنا متجوزتش جوازه تليق بينا ورجعلي بنتي…

نظرت “زينة” نحو الهاتف بصدمة لا تُصدق أنه أنهى حديثهم بتلك السهولة.

_ هو زعل مني يعني ممكن يرجع يبعد عني تاني…

وفي نفس اللحظة التي قرر فيها “هشام” الأنطلاق بالسيارة والذهاب لمنزله والعودة إلى أحضان “لبنى” ربما يجد معها الليلة ما يُريده وصارت تحرمه منه بحجة أن عليهم التركيز في حياة أولادهم والتمتع بأشياء أخرى.

صدح رنين هاتفه فجأة ليتوقف بالسيارة التي تحركت مسافة قصيرة وأجاب بحاجبين معقودين.

_ مش لازم تيجي ، أنا هروح خلاص وأنتِ ذاكري عشان
أمتحانك..

هزت” زينة” رأسها سريعًا وكأنه يقف أمامها ويرى ردة فعلها.

_ لأ أنا خلاص قررت أجي لأن أنت كمان وحشتني.

أتسعت أبتسامة “هشام” وخفق قلبه ، فهي لا تخجل من إظهار مشاعرها له.

_ هبعتلك العنوان وأستناكي…

أحتضنت “زينة” هاتفها بعد أن أنتهت من مكالمتها السريعة معه ثم تنهدت وسرعان ما أحتل الوجوم ملامحها.

_ لو قدرت أقنع خالتو إني أروح أبات عند “نيفين” مش هخلص بكره من أسئلة “نيفين” لو خالتو اتصلت بيها ، أعمل إيه أنا دلوقتي.

…

أمتقع وجه “أشرقت” عندما أقتربت من مكان جلوس “سيلين” التي أستدعتها بأن تتناول معها القهوة و يتحدثون عن الحفل الذي سيُقاوم بعد غد في الفيلا.

تجاهلت “سيلين” نظرتها إليه وأبتسمت ثم نهضت من مقعدها وهتفت بدهاء.

_ طب أنتِ بتكرهي العيلة هنا وحقك لكن أنا ذنبي إيه ؟

رفعت “أشرقت”أحد حاجبيها ورمقت “سيلين” بنظرة ثاقبة ، فهي لا تستلطف هذه المرأة وتشعر بيقين تام إنها تُبادلها نفس الشعور.

_ أنا عارفه إننا أول لقاء قبل حتى جوازك من “مراد” مافيش أستلطاف بينا لكن أعذريني ، أنا و “مراد” مبنطقش بعض وطبيعي هكرهك..

عقدت “أشرقت” حاجبيها ثم تمتمت وهي تسحب المقعد وتجلس عليه.

_ هو مين أصلًا ممكن يطيقه…

تجلجلت ضحكات “سيلين” وقررت السير على هذا الدور الذي تعلم إنه ربما يخلق بينهن حديث لن ينقطع.

_ لا يُطاق بجد وكنت فرحانه إنه هيعيش في فيلا تانية ويبعد عن هنا..

ألتوت شفتي “أشرقت”بعبوس وتنهدت بقوة.

_ أنتِ كنتي عايزاني في إيه لأني مش فاضية ومش بحب الرغي الكتير.

أبتسمت “سيلين” أبتسامة عريضة أظهرت صفوف أسنانها البيضاء وفي داخلها أزدادت رغبتها بالأنتقام.

_ ما أنا قولتلك عايزين نتكلم عن الحفلة، وديه أول حفلة هتحضري فيها وأنتِ مرات “مراد الهتيمي”.

تجهم وجه “أشرقت” بتهكم ،فأسرعت “سيلين” بأستكمال حديثها.

_ لازم تحافظي على صورتك بين أهلك لأن كلهم أكيد هيكونوا مدعوين ولا أنتِ عايزة صورتك تتهز قدامهم ويشكوا.

أسبلت “أشرقت” جفنيها وتنهدت بعمق وهي تفكر في صورتها أمام عائلتها وعدم مسامحة والدتها لها.

_ أنا عارفه إنك لحد الآن أنتِ شيفاني عدوة ليكي وأنا زيك شيفاكي خصم ليا لكن أنا وأنتِ مشتركين لكرهنا للعيلة ديه.

قطبت “أشرقت” جبينها ، فهذه المرأة تدور بها هنا وهناك ولا تفهم منها، ماذا تُريد؟

_ أنا برضو مش فاهمة أنتِ عايزة توصلي بكلامك لأية رغم إنك لحد دلوقتي متكلمتيش عن حاجة تخص ترتيبات الحفلة.

تجمدت ملامح “سيلين” وهي تجد “أشرقت” تنهض من أمامها.

_ عايزة نحط أيدينا في أيد بعض وننتقهم من “مراد” وأبوه.

قبضت “أشرقت” بيديها على المقعد الذي عادت للجلوس عليه مرة أخرى وحدقت نحو “سيلين” التي أشارت نحو فنجان القهوة.

_ أنا أخدت بالي إنك بتحبي تشربي القهوة باردة ،فأشربي قهوتك وخلينا نتكلم…

….

أستندت “ليلى” بذقنها على قبضة يدها ثم زفرت أنفاسها بفتور ونظرت إلى العم “سعيد”.

_ تفتكر في حاجة وحشة حصلت ليهم يا عم “سعيد”.

حدقها العم “سعيد” بنظرة حائرة ثم نظر إلى هاتفه وهاتفها.

_ هو البيه لما قفل معاكي وأنتِ بتكلميه قالك في مكالمة جياله من الأستاذ “شريف” المحامي..

هزت “ليلى” رأسها وأعادت نفس الرد عليه.

_ أيوة يا عم “سعيد”.
أجفلها العم “سعيد” بنهوضه ودفعه للمقعد ثم أخذ يدور حول نفسه.

_ قلبي بيقولي في حاجة فعلًا وحشه حصلت، ما هو أختفائهم ومحدش راضي يرد علينا منهم، لأ وكمان المحامي بيكلم “عزيز” بيه وهو بره مصر يبقى الموضوع ميطمنش، قلبي عندك يا بيه، شايل ديمًا الهم… أنا الفترة ديه وضع البيت مش عجبني وكأن صبتنا لعنة.

جحظت عينين “ليلى” وبدأت تربط كل شئ ببعضه إلى أن هتفت بآخر طريق أمامهم.

_ بقولك إيه يا عم “سعيد” ما تكلم مدام سمية أسألها عن “سيف”و “كارولين “.

قوس العم “سعيد” شفتيه ثم مطهما بأستياء.

_ أنا على آخر الزمن أكلم الحرباية لا يمكن ده يحصل…

وبالنهاية رضخ العم “سعيد” نحو هذا القرار بعد أن وجد أن لا طريق أمامهم إلا هي بعدما يأسوا من رد “عزيز” عليهم.

_ أهو شوفتي مبتردش عليا ، أنا عارفها تطيق العما ولا تطقني..

ورغم البؤس الذي يحيطهم إلا أن “ليلى” ضحكت وهي تضر…ب كفوفها ببعضهما.

….

ترقبت “زينة” وجه خالتها وهي تُحادث والدها ، رمقتها “إلهام” بنظرة فاحصة.

أخفضت “زينة” رأسها بحزن وقد تأكدت من رفض والدها.

_ ما أنا قولتلك يا “عدنان” هتروح عند “نيفين” صاحبتها ما أنت عارفاها وعارف أهلها ، والله أنا مش بتدخل في قراراتك ديه لتيجي بعدين تلومني وتقولي أني لغياك من حياتها مع إنك مش موجود أصلًا.

أحتدت ملامح “عدنان” وغادر الملهى الليلي الذي كان سيقضي فيه سهرته.

_ خليها تروح وأعملي حسابك هبات معاكي النهاردة…

أخفت “إلهام” توترها سريعًا وأبعدت الهاتف عن أذنها قائلة :

_ تمام يا حببتي روحي، بس خلي بالك وأنتِ سايقه عربيتك.

قفزت “زينة” بحماس و أندفعت إليها تقبـ,ـلها على كلا خديها.

_ حببتي يا خالتو.

ضمتها إلهام إليها بأحد ذراعيها وهتفت بتحذير.

_ عايزه تقدير حلو عشان أغير ليكي العربية.

حركت “زينة” لها برأسها ثم وضعت قبـ,ـلة أخرى على خدها وأتجهت بخطوات سريعة نحو غرفتها.

_ “عدنان” متجيش ليا ، أنا ماليش مزاج.

أشار “عدنان” نحو أحد الرجال الذين يتولون حراسته بأن يبتعد عنه وصاح بغـ,ـضب.

_هو أنا كل مره أطلب بحقي فيكي تقوليلي ماليش مزاج، “إلهام” أتعدلي معايا بدل ما أنتِ عارفاني…

ألتقطت “إلهام” جهاز التحكم الخاص بالتلفاز حتى ترفع صوت البرنامج الذي تُشاهده.

_ هي “سيلين” مبقتش تنفع ولا إيه، ما تغيرها وتغيرني يا “عدنان”.

توقفت “زينة” مكانها ولم تشعر بالصدمة من علاقة خالتها بوالدها ثم عادت أدراجها إلى غرفتها وتناست أمر أخبار خالتها ألا تنتظر عودتها بالصباح لأنها ستذهب مع “نيفين” إلى الجامعة حتى تلحق محاضرتها الباكرة.

…

أستمر “هشام” بالتحرك عند باب الشقة إلى أن أرتفع رنين جرس الباب ليُسرع في فتحه.

أبتسمت “زينة” بتوتر ودلفت وهي تنظر حولها.

_ اتأخرت عليك…

تناول منها “هشام” حقيبة الظهر التي تضعها على كتفها قائلًا:

_ يعني شوية، أنا جهزت لينا العشا… هتدخلي تغيري ولا هتقعدي كده.

تلاقت عيناها بعينيه ثم أشاحتهما بعيدًا وهمست بخفوت.

_ لأ هدخل أغير هدومي الأول.

برقت عينايّ “هشام” وأشار إليها بأن تتحرك معه جهة إلى أحدى الغرف.

_ أدخلي هنا وأنا هستناكي بره عشان نتعشا لأني جعان أوي.

لم تفهم “زينة” كلمته إلا عندما غادرت الغرفة بذلك الرداء القصير الذي أرتدته وكشف عن جسدها بسخاء.

تعالت أنفاس “هشام” بوتيرة غير منتظمة وهو يفحصها بنظراته الجائعة لمفاتنها.

سارت “زينة” نحوه وهي تفرك يديها ببعضهما ثم أقتربت من طاولة الطعام ونظرت إلى ما أحضره.

_ أحطلك إيه في طبقك؟

ألتقط “هشام” منها الطبق ونظر إليها وهو يبتلع لعابه.

_ مش جعان للأكل يا “زينة” ، أنتِ خلتيني جعان لحاجة تانية…

والحدود التي حاول وضعها بينهم أزالها بنفسه وسقط فيها ولم يبقى في عقله إلا الهوس بهذه الصغيرة الفاتنة.

…

فتحت “سما” عينيها بعدما أستمرت بالتحرك على الفراش ثم تُلقي بالوسادة التي جانبها أرضًا.

_ ما أنا قلبي ميتحرقش لواحدي ولازم أخد حقي منكم كلكم ….

وسقطت دموعها التي أخفتها عن أنظار جدها عندما عادت من لقائها مع زوجة عمها.

_ حاضر يا “لبنى” هانم هفشكل كل حاجة يوم الفرح عشان تكون فضيحة حلوة للعيلة الكريمة وأهو ماما كمان تفرح وتتبسط.

…
ألقى “شاكر” القلم الذي بيده ثم أخذ ينقل أنظاره بين “حورية” و “صفوان”.

_ شايفين أهمال البيه ، قولتلكم بلغوه إن الاجتماع ده مهم ولازم يحضر لكن نقول إيه بقى مهوس بالجري ورا الهانم…

وأردف “شاكر” بوجه ممتقع.

_ قال كنت فاكر إن ده هيكون وريثي…

أطلقت “حورية” زفرة عميقة ، فـ حدقها “شاكر” بنظرة مُستاءة.

_ معجبة أوي بشخصية مرات أبنك يا دكتورة ومشجعاها على السرمحة هنا وهناك…

أحتقن وجه “حورية” من شدة الغضب ليُسرع “صفوان” بالوقوف بينهم.

_ بابا قولتلك “صالح” بلغني إنه هيكون موجود على الأجتماع وكفايه كلام بقى لأحسن يدخل علينا فجأة.

زمّ “شاكر”شفتيه بمقت وأشاح بوجهه عنهم.

_ وحفلة “عدنان الهتيمي” هيحضرها إزاي النهاردة هو والمدام.

أغلق “صفوان”عينيه بسأم ، فتولت “حورية” الرد الذي لم يعجبه.

_ مش لازم يحضر هو و “زينب”، أنا و “صفوان” كفايه وجودنا…

اِستشاط “شاكر” غضبًا و اِستدار بجسده مُتجهًا نحو مقعد طاولة مكتبه.

_ الدكتورة كلامها بقى يعصبني يا” صفوان”…

زفرت “حورية” أنفاسها وازدادت ملامح وجهها أحتقانًا ثم غادرت الغرفة.

_ هخرج أقعد مع السكرتيرة بره…

…

وقف”صالح” عند المصعد قبل الدلوف إليه ثم ألتف نحو الصوت الذي يعرفه ولم يندهش من وجود صاحبته.

_ “صالح”.

أقتربت “رغد” منه وعلى شفتيها أبتسامة ألتقطها ذلك الذي يسير نحوهم ولم يكن غير “ساري” شريكهم الجديد.

حرك “صالح” رأسه بسخرية ثم أبتسم أبتسامة يقصد بها من يقترب منهم.

_ جدي طلع شاطر وخلاكي في صفه يا “رغد”، أهلا بيكي في الشركة.
…

أسرعت “ليلى” بهبوط الدرج حتى تبحث عن العم “سعيد” وتُخبره بما أخبرها به “عزيز” وأصراره عليها أن لا تمكث في الفيلا حتى يعود غدًا وإذا ظهر “سيف” ألا تحتك به.

صدمتها فيما أخبرها به جعلها لا تنتبه على درجات الدرج التي كادت أن تتعرقل عليه.

خرجت صيحتها ثم أستندت بيدها على أحد جانبيّ الدرج وعندما رفعت رأسها وجدت “سيف” أمامها بمظهر مُشــعث وكدمات على وجهه ويده ملفوفه برباط ضاغط.

_ “سيف”.

هتفت اسمه وفي عينيها نظرة حزن عليه تحولت فجأة إلى الذعر عندما رآته يتحرك نحوها بوجه مُكْفهرّ ونظرته إليها تحمل الخواء….

يتبع….
رواية #ظنها_دمية_بين_أصابعه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *