قلوب ضائعة بقلم دنيا صلاح ج١
عندما كان في ريعان شبابه، عندما خا,,نهُ القلب وأحب من جديد، تلك الفتاة التي لا يعرف عنها سوى عينها التي تُرافقهُ في صباحُه ومساءهُ دون رحمة، لتمر الأيام ويراها بشكل يومي تعمل بجوار مبني شركة والدهُ، ليقُرر نيل ودها بجنون لا يعرف إلى الأن إن كان جنون الحب، أم افتقارهُ الشديد لمن يُشاطرهُ الحياة بصدق وليس مظهر اجتماعي، لتمر الأيام ويختفي طيفيها، ليظُن أن هذا أفضل وأيام وينسي ملامحها ولكن هيهات فقد استوطنت العقل بكُل حنايا، ليُقرر البحث عنها ليجد الطامة أنها ستزوج صباح الغد بإحدى الرجال من بلدتها بعد وفاة والدها، ولم تمر الليلة إلا وهي زوجته بدلًا من ذاك الكهل الذي كان سيشتريها بنقودُه من زوجة والدها، لتمر الأيام، تلحقها شهور، تليها سنة وكانت تضع وليدها وترحل بسلام كطيف حان وقت زواله..
ليفق من شروده على صوت الخادمة ، وهي تُخبرهُ بموعد الطعام، ليُسارع بإزالة دمعة عالقة بجفنيهِ، ويخبرها بنبرة خاوية :
-طيب.. وقبل أن يعود لشروده كان صوت…
خروج “خالد” من غرفته، ويداهُ تعبث بخصلات شعره الفحمية، وشفتاهُ لا تنفك عن الدندنة بإحدى النغمات الشهيرة من فئة المهرجانات، ليتوقف عن الدندنة؛ لرؤية والدهُ في الشرفة ، فيُصيح بانفعال مُحبب:
-باشا..
تلاشي الشجن سريعًا، وحلت البسمة المُسترخية لتُزين وجههُ البشوش، وبنبرة رجولية أقرب للمُشاكسة وتشبعت بالكثير من الاستنكار :
-“خالد” صاحي بدري!..
أكمل هندمة ملابسهُ، وبنبرة مُشاغبة :
-أوبس الباشا بيتريق…
-على فين العزم بدري كده؟..
كاد “خالد” أن يُجيب، ولكنهُ توقف عن الجواب؛ بفعل صوت والدتهُ…
ارتفع صوت “صفية” في استنكار :
-في ايه يا “توفيق” مش كنت عاوزة يشتغل، أهو نازل الشغل…
ظهر عدم الرضا على قسمات وجههُ، فبرزت خطوط الزمان بتهكم، يُماثل تلك النبرة التي سيتحدث بها :
-شغل إيه بقا يا “صفية”؟.. هو ابنك أصلًا نافع في التعليم لما يلاقي وظيفة تقبلوا..
تصاعد ها، وانف,,جر كبركان خامل :
-مالوا أبني يا “توفيق”، ما أنت الي رفضت يدخل جامعة خاصة، وعاوز تقارنوا بابن الشغالة…
غموض احتل وجهه، وبلهجة شديدة التحذير :
-لأخر مرة يا “صفية” تجيبي سيرتها على لسانك… وبنبرة هادرة… مفهوم…. ليُكمل بتقريع لاذع :أنتِ الي خيبتيه، وكأن مفيش غيرك في الدنيا خلف ولد، وبقا زي ما أنتِ شايفه صايع…ودلوقتي عاوزه تاخدي وظيفة حد تعب عشان تعيني فيها المحروس بتاعك…
تحول وجهها إلى الأحمر القاني، وأظلمت عينها من فرط الانفع,,ال :
-وخدنا ايه بقا من شِعاراتك الفارغة دي… وباستنكار صريح… خسرنا كُل حاجة وعايشين في حتة شقة…
-محدش جبرك يا “صفية”، متنسيش أنك رفضتي عشان “صفية هانم الجيار” متاخدش لقب مُطلقة…
عجز “خالد” عن كتم ة من ذاك الحديث السقيم كُل يوم، ليرتفع صوته بلهجة مُنفعلة بعض الشيء :
-كفايا، خلاص يا باشا كده كده أنا هشتغل في مجلة يعني مش هاخد حق حد، وهشتغل في الكمبيوتر وأنت عارف كويس خبرتي فيهم، ورحل وال يأكُل صدرهُ بنهم…
انفرجت شفتيها بانفع,,ال :
-عاجبك كدة…
-“صفية” روحي النادي وشوفي الهوانم بتوعك، وسبيلي “خالد” مفهوم، وارتفعت يداهُ لتضغط على زر الكرسي ليتحرك من أمامها غير مُبالي ب ها، يكفيهِ فُقدان ابنهُ البكري رغم وجوده على قيد الحياة، ليهمس بشجن مرير “سامحيني يا حور”..
**
تلألأت شمسُ الظهير، وبات الجو كُتلة من النيران المُشتعلة، ورغم هذا لم يشفع لها مدير المجلة “ثروت” بتركها للذهاب بل أصر على أن تُنتهي من رسم بعض الرسومات؛ من أجل توعية الأطفال بذاك الفيروس المُنتشر “كرونا”، وكيفية الوقاية منهُ، لتتحرك بهدوء، وتجلس على تلك الطاولة بمنتصف تلك الشقة المُخصصة للمجلة، ويسارع عقلها في خلق نموذج يجذب أنظار الصِغار، لتبدأ رحلة لا تعلم متى ستنتهي، ولكن الأكيد إنها ستنتهي بنهاية الوصول للفكرة وطبعها على الورقة بأناملها، وقبل أن تُغمض عينها من جديد في مُحاولة للوصول إلى شكل بطل تلك الرسمة كان صوت ما يجذب أنتباهها….
أنهى العم “صابر” صُنع القهوة، وتوجه ليضعها أمامها، وبحنان لا يُفارق نبرتهُ، ربما ذا طبع خُلق به أو صفة اكتسبها بصبرُه على رحيل زوجته وابنه قبل سنوات عدة :